المواطنة في عيون الصحافة المصرية - تحليل لتناول الصحف المصرية لقضايا المواطنة

الثلاثاء، 26 كانون1/ديسمبر 2017 عدد القراءات 1022 مرة
الكاتب  سلمى شاهين

 

 

المواطنة
أن موضوع المواطنة من القضايا ذات الأبعاد الاجتماعية والسياسية والأمنية التي تعبر عن معايير الانتماء ومستوى المشاركة من قبل الأفراد في الحماية والذود عن الوطن ، كما تعبر عن وعي الفرد بالحقوق والواجبات والنظر إلى الآخر، وصيانة المرافق العامة , والحرص على المصلحة الوطنية، كما تعكس مدى إدراك المواطن لدوره في مواجهة التحديات التي تواجه المجتمع والدولة في آنٍ واحد ولا سيما تحديات العولمة التي أدت إلى تراجع الخصوصية لحساب العالمية ، والتي تواجه فيها المجتمعات البشرية إرهاصات واضحة نحو الذوبان الثقافي والسياسي والمعرفي, والانطلاق نحو القرية الكونية الموعودة التي تمثل وحدة العالم ألمعلوماتي الخاضع لوسائل الاتصال والمواصلات التي تشهد هي الأخرى تحولاً جذرياً في أساسياتها فضلاً عن تشكيلاتها، وهذا يعني أن قيم المواطنة تشهد تحدياً يعصف بالمعايير وقواعد السلوك والضبط الاجتماعي التي هي جزء لا يتجزأ من وظائف المؤسسات الاجتماعية كالأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والمسجد، والتي تمثل أهم المؤسسات الاجتماعية المنوط بها مسألة تدعيم قيم المواطنة، حتى يصبح المجتمع وكأنه جزء من حياتنا نحيا به ويحيا بنا كأنه الهواء نتنفسه ونحن لا نراه. 
ويحظى مبدأ المواطنة بأولوية على سائر الحقوق القانونية والسياسية، وذلك كونها السبيل الناجح والضمانة ألحقه لتنمية إمكانات النضال السياسي السلمي لاستخلاص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية تدريجيا، وإدارة أوجه الاختلاف ديمقراطيا، وذلك من خلال الحماية القانونية والفاعلية السياسية التي يوفرانها بفضل ما يقرانه ويسمحان به من شرعية العمل الجماعي الحزبي، ومن خلال نضال النقابات ومنظمات المجتمع المدني وتوظيف الإعلام الحر والرأي العام الواعي. الأمر الذي يسمح للمواطنين بالتأثير في مضمون القرارات الجماعية الملزمة لهم لما فيه تحقيق مصالحهم المشروعة، هذا فضلا عن احترام حقوق الإنسان لهم ولكل من يقيم على ارض الدولة، أو يمر بها. 

التطور التاريخي لمفهوم المواطنة  
يعتبر تاريخ مفهوم المواطنة قديماً يعود إلي زمن الديمقراطية المباشرة الإغريقية التي تعتبر أساس ديمقراطية عالم اليوم، حيث يرجع أصل استعمال مفهوم المواطنة إلى الحضارتين اليونانية والرومانية ، فقد استعملت الألفاظ civis ( المواطن ) civitas ( المواطنة ) في هاتين الحضارتين لتحديد الوضع القانوني والسياسي للفرد اليوناني والروماني.
وكانت الديمقراطية اليونانية القديمة مبنية على أساس أن المدينة تحكم من اجل الأكثرية والحرية هي مبدأ الحياة العامة وكانت الحكومة اليونانية في طابعها دولة مدنية ، وكانت الروابط بين المواطنين فيها وثيقة بدرجة كبيرة بسب القرابة والصداقة والجيرة التي كانت تجمعهم ، واشتراكهم في الحياة العامة اليومية ، وكانت تجمعهم لغة واحدة ودين عام ، و كانت تجمعاتهم ومباحثاتهم تتم في ساحة السوق وبالتالي كان المواطنين يقضون معظم وقتهم في المدنية وهذا كله أدى إلى أن يكون ولاء المواطن اليوناني لدولة المدينة وليس لمجموعة معينة أو لعائلته أو لعشيرته أو لبلدته, وبالنظر إلى طبيعة عمل الديمقراطية المباشرة التي كانت سائدة في المجتمع اليوناني القديم نجد أن المواطنين تمتعوا بحقوق عديدة بشكل متساوي ، فكان هنالك مساواة بين المواطنين جميعاً في الحق في المشاركة في عمليات الحكم و الحق في عضوية عدد من الهيئات الحاكمة في المدينة الأثينية وهي جمعية المواطنين و المجلس والمحاكم.
مما تقدم نلاحظ انه على الرغم من قصور مفهوم المواطنة على أبناء أثينا من الرجال واستثناء الفئات الأخرى التي تم ذكرها سابقاً وعلى الرغم من عدم تغطية مفهوم المواطنة لبعض الجوانب مثل المساواة الاجتماعية مثلاً، فقد تحققت المساواة السياسية على قاعدة المواطنة بين من تم اعتبارهم مواطنين حسب مفهوم المواطنة الأثينية، بمعنى أن المواطنين جميعاً كانت لهم الحقوق والواجبات السياسية نفسها، والمساواة في تولي الوظائف العامة، ولم تكن هذه الحقوق مجرد حقوقاً نظرية بل كانت مطبقة بالفعل على ارض الواقع ولم تكن الوظائف السياسية وقفاً على أصحاب الثروات ومالكين الأراضي، وأصحاب ألمكانه الاجتماعية، فقد كانت حقاً لأبسط مواطن أثيني وعلى الرغم من توفر المساواة السياسية إلا أن المساواة الاجتماعية لم تكن متوفرة بين جميع المواطنين في المجتمع الأثيني القديم، فكانت هناك طبقات متفاوتة في المجتمع اليوناني هذا بالإضافة إلى وجود طبقة العبيد على الرغم من أنه لم يكن هناك عزل اجتماعي بين الأحرار والعبيد.
وقد تطور مفهوم المواطنة في ظل الإمبراطورية الرومانية بعد أن كان حقاً وراثياً لأبناء روما وذلك بعد صدور مرسوم إمبراطوري باسم consitutio Antoniniana في سنة 212 ميلادية حيث توسع حق المواطنة بحيث شمل جميع أراضي الإمبراطورية الرومانية وأقطارها وحصل سكانها من الذكور باستثناء العبيد على حق المواطنة الرومانية وبعد ذلك تراجع مفهوم المواطنة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية ، وفي فترة الإقطاع وحتى نهاية العصور الوسطى التي امتدت بين 300_ 1300 ميلادية ، كانت المواطنة في أوربا حقاً محصوراً لما لكي الأراضي وبحسب الوضع الاجتماعي والسياسي للفرد.
كما تطور مفهوم المواطنة بعد ذلك لتأثره بحدثين مهمين هما إعلان استقلال الولايات المتحدة في عام 1776، والمبادئ التي أتت بها الثورة الفرنسية في عام 1789 فكانا نقطة تحول تاريخية في مفهوم المواطنة من خلال ما جاء به إعلان الاستقلال من أن الناس جميعاً ولدوا متساوين وان لهم حقوقاً أصيلة فيهم منذ خلقهم وان الشعب هو صاحب السيادة وهو ما جاءت به مبادئ الثورة الفرنسية، فأصبح أساس مفهوم المواطنة مبني على فكرة الشعب صاحب السيادة، وفكرة وجود حقوق أساسية للفرد كانسان أولا وكمواطن من أبناء الشعب ثانياً.
بقي مفهوم المواطنة في تطور مستمر خلال القرون السابقة منذ نهاية القرن الثامن عشر إلى وقتنا الحاضر ، وكان تطوره متزايداً على اعتبار أن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة ووجود حقوق أساسية للإنسان فأصبح مفهوم المواطنة حقاً غير منازع فيه ، وامتد ليشمل فئات مواطنين لم تكن تتمتع بحق المواطنة مثل النساء ، فأصبحن يتمتعن بحق المشاركة السياسية في اتخاذ القرارات الجماعية إلا أن ذلك لم يكن إلا في القرن العشرين ففي بريطانيا لم تحصل النساء على حق الانتخاب إلا في عام 1929 وفي فرنسا في عام 1945, وتعددت أبعاد مفهوم المواطنة فشملت الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ولم تقتصر على الجوانب السياسية والقانونية.

ما هو مفهوم المواطنة؟
المواطنة كلمة تتسع للعديد من المفاهيم والتعريفات  فالمواطنة في اللغة مأخوذة من الوطن وهو محل الإقامة والحماية, ولعل هذا التعريف قد أتي إلينا من زمان يسبق قيام الدولة‏/‏الوطن‏,‏ ففيما قبل الدولة الحديثة كان تعريف الوطن هو تلك المساحة من الأرض التي تقيم فيها جماعة من البشر يكونون قبيلة أو جماعة عرقية أو دينية‏.‏ 
وقد تعددت مفاهيم المواطنة بين المفكرين والباحثين, فيذكر عبد الله خليل أن مفهوم المواطنة القانونية قد يبدو بسيطًا نسبيًا لأنه يرتبط عادة بدولة ما، ويتم تحديده بحسب قوانين هذه الدولة، لذلك يعتبر هذا المفهوم أن فكرة المواطنة علي صلة مباشرة بفكرة الوطنية أو الانتماء والجنسية، وفي ظل هذا المفهوم يعتبر المواطن الصالح وطنيا صالحًا، ويتعدي مفهوم المواطنة معاني عدة أكثر شمولية من معني الوطنية والانتماء. 
ومن حيث مفهومها السياسي فالمواطنة هي (صفة المواطن الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات التي يفرضها عليه انتماؤه إلى الوطن)، وفي قاموس علم الاجتماع تم تعريف المواطنة: بأنها مكانة أو علاقة اجتماعية تقوم بين فرد طبيعي ومجتمع سياسي (دولة) ومن خلال هذه العلاقة يقدم الطرف الأول (المواطن) الولاء، ويتولى الطرف الثاني الحماية، وتتحدد هذه العلاقة بين الفرد والدولة عن طريق أنظمة الحكم القائمة, ومن منظور نفسي: فالمواطنة هي الشعور بالانتماء والولاء للوطن وللقيادة السياسية التي هي مصدر الإشباع للحاجات الأساسية وحماية الذات من الأخطار المصيرية. وبذلك فالمواطنة تشير إلى العلاقة مع الأرض والبلد. 
والمواطنة بصفتها مصطلحاً معاصراً تعريب للفظة (Citizenship) التي تعني كما تقول دائرة المعارف البريطانية: (علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك 
العلاقة من واجبات وحقوق متبادلة في تلك الدولة، متضمنة هذه المواطنة مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسؤوليات). 
إن مفهوم المواطنة، الذي يلاقي الكثير من التعاريف يبدأ وينتهي في تحويل الإنسان إلى ذات حقوقية فاعلة في إطار عام هو الوطن الخارج عن حدود الدين أو العرق أو الإثنية وترتبط علاقته بالآخرين وبالدولة من خلال مجموعة من الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تقدمها الدولة لمن يحمل جنسيتها أو هويتها والواجبات التي عليه تقديمها لهذه الدولة التي ينتمي إليها، وهنا مهما اختلف مبدأ منح المواطنة في قوانين الدول أو دساتيرها فإن كل الدول تعمد في إعطاء البشر الذين ولدوا على أرضها وانتموا إليها حقهم بالمواطنة على أساس سيادة القانون الخاص في تلك الدول بعيدا عن الانتماءات الفئوية السياسية أو الدينية. 
ويعتمد مفهوم المواطنة عند الفيلسوف جان جاك روسو علي دعامتين أساسيتين, يمكن تحديدهما فيما يلي: 
- المشاركة الإيجابية من جانب الفرد في عملية الحكم، وقد وصل تأكيد روسو علي أهمية هذا المبدأ حد أن ذهب إلي "أنه بمجرد أن ينصرف الناس عن الاهتمام الإيجابي بشئون الدولة أو إذ حيل بينهم وبين هذه المشاركة الإيجابية، يكون الوقت قد حان لاعتبار الدولة في حكم المفقودة".
- المساواة الكاملة بين أبناء المجتمع الواحد كلهم، فعدم المساواة "يدمر الخير الطبيعي في الإنسان ويجلب الشقاء علي الكثيرين ويجعل المجتمع في حالة تنافر متزايدة ويفقده وحدته بل ومبرر وجودة".
ومنذ روسو وحتى الآن حدث تطوير وتنقيح لمفهوم المواطنة ليصبح كما يلي: 
المواطنة هي انتماء الإنسان إلي الأرض التي يستقر بها ويحمل جنسيتها، ويكون مشاركاً في الحكم ويخضع للقوانين الصادرة عنها ويتمتع بشكل متساوي مع بقية المواطنين بمجموعة من الحقوق ويلتزم بأداء مجموعة من الواجبات تجاه الدولة التي ينتمي لها, وهي رابطة عضوية تحول الإنسان من مجرد فرد يسعي إلي إشباع احتياجاته وتحقيق أهدافه متصارعاً مع الظروف والأوضاع والآخرين، إلي عضو في مجتمع، يشعر بالأمان لانتسابه إلي هذا المجتمع، ويسعي إلي تحقيق أهداف هذا المجتمع (التي هي بالضرورة ستحقق أهدافه)، متعاوناً مع الآخرين في منظومة يكفلها دستور هذا المجتمع, كما أنها في النهاية عقد متبادل بين الفرد والدولة التي ينتمي إليها يهدف إلي تحقيق مصلحة كل منهما.

حقوق المواطنة ومسئولياتها
أولا: حقوق المواطنة
حقوق المواطنة هي حقوق طبيعية يتعين أن يتمتع بها كل إنسان كما يتعين أن توفرها وتلتزم بها سلطة الحكم التي تستمد شرعيتها من إدارة موطنيها وهي ترتبط معهم بعقد إجماعي ينظم هذه الحقوق ويحدد الآليات التي تكفل احترامها وتضمن التزام الطرفين بها، ويمكن تحديد هذه الحقوق فيما يلي:  
ولحقوق المواطنة أبعاد عدة متكاملة ومترابطة مع بعضها البعض فهنالك البعد السياسي وذلك يتطلب توفير مجموعة من الحقوق أهمها: الحق في الحياة والحرية والسلامة البدنية، وعدم التعرض للاسترقاق أو الاستعباد و التعذيب أو القبض التعسفي أو النفي، وحق التقاضي أمام محاكم مستقلة، والتمتع بحرمة المسكن والمراسلات، وبحياة شخصية وأسرية وعدم المساس بالشرف أو السمعة، والحق في الحصول على جنسية والتنقل بحرية واختيار محل الإقامة وتجريم الاضطهاد، والحق في الملكية وحرية العقيدة والتفكير والضمير وممارسة الشعائر والانضمام إلى أحزاب سياسية وجماعات مدنية سلمية، والمشاركة في إدارة شؤون البلاد وتقلد الوظائف العامة.  
وهنالك البعد الاقتصادي والاجتماعي وذلك يتطلب توفي العدالة وتصحيح الخلل في توزيع الثروة والسلطة معاً وضمان عدم تهميش الفئات الاجتماعية الضعيفة واغترابها، كالأقليات والفقراء ومحدودي الدخل والنساء وكبار السن وأصحاب الاجتماعية الضعيفة واغترابها، كالأقليات والفقراء ومحدودي الدخل والنساء وكبار السن وأصحاب الاحتياجات الخاصة وهو ما لا يتأتي إلا بتوفير جملة من الحقوق منها: الحق في العمل والحماية من البطالة : والحصول على أجر عادل ومستوى معيشة يكفل حياة كريمة توفر مسكناً وملبساً وتغذية وتعليماً ورعاية صحية لائقة والتمتع بأوقات فراغ وإجازة مدفوعة الأجر، والحق في الانضمام إلى النقابات والحصول على ضمان اجتماعي وتأمين ضد البطالة والمرض والعجز والشيخوخة.  
وهنالك البُعد الثقافي وذلك يتطلب حماية اللغة باعتبارها الوعاء الثقافي الجامع للأمة، وحماية الخصوصيات الثقافية والحضارية للأفراد والجماعات، خاصة في الدول التي تقطنها شعوب متعددة الأعراف والأديان والطوائف، والحيلولة دون تحكم جماعة أو طائفة بعينها في بقية الجماعات والطوائف الأخرى أو السعي لفرض الوصاية عليها مستغلة في ذلك أغلبيتها العددية أو ثقلها السياسي أو ميزاتها الاقتصادية فمن حق كل جماعة عرقية أو دينية وكل طائفة أن تعبر عن هويتها وذاتيتها الثقافية، وأن تمارس شعائرها وطقوسها الدينية في حرية بما يحفظ حقوق الجميع ويمكنهم من ممارسة حق الاختلاف في إطار من الحرص على وحدة الأقطار.  
ثانيا: مسئوليات المواطنة 
يقسم الباحثون مسئوليات وواجبات المواطنة إلى قسمين, الأول مسئوليات تفرضها الدولة, والثاني مسئوليات يقوم بها المواطنون طواعية, ونحدد ذلك فيما يلي:  
- المسئوليات الإلزامية
وهى المسئوليات التي تفرضها الدولة على المواطنين, وتشمل الضرائب, والخدمة في القوات المسلحة والجيش, وكذلك الالتزام بالقوانين التي تفرضها الدولة ويسنها نواب الشعب في البرلمان.
- المسئوليات الطواعية
وهى المسئوليات التي يقوم بها المواطنون طواعية دون فرض    التزامات عليهم بشأنها, وتشمل المشاركة في تحسين الحياة السياسية والمدنية, والنقد البناء للحياة السياسية, وكذلك العمل على تضييق الفجوة بين الواقع الذي نعيشه والغايات والآمال الديمقراطية التي نرجوها.
العلاقة بين المواطنة والديمقراطية  
لا يمكن ممارسة الديمقراطية قبل قيام نظام ديمقراطي دون تطوير وتكريس المواطنة, لأن المواطنة هي الإمكانية الوحيدة لتكريس سيادة القانون, والمساواة أمامه, ولممارسة الحد الأدنى من الحقوق, ومن ذلك المطالبة بالحقوق.
فإذا كان المواطن يتوقع حقوق سياسية بحكم كونه مواطنا, وكونه دافعا للضرائب, فإن الرعية لا تتوقع حقوقا سياسية, وإنما التعامل بالحسنى والتسامح, لذلك تكون المواطنة هي المنطلق للمطالبة بالديمقراطية بغرض الوصول إلى السلطة وتوسيع مفهوم المواطنة, فغياب المواطنة يقوض من جدلية العلاقة القائمة بين المواطن والمجتمع المدني والدولة, علما بأن الدولة في غياب المواطن لا يمكنها, وان حاولت, تجسيد مفهوم وفكرة سيادة الشعب, كما أن الرعية المحكومة في غياب المواطنة لا يمكنها تجسيد مفهوم الحقوق على ارض الواقع أو المساهمة في تطويرها.
ففي عصرنا الحالي تشتق جملة من حقوق الفرد من مواطنته, اى من كونه مواطنا في الدولة, وبذلك تكون الدولة الديمقراطية هي دولة المواطنين.

العلاقة بين المواطنة ووسائل الإعلام 
توصلت إحدى الدراسات إلى مجموعة من النتائج يمكن تحديدها فيما يلي:  
أولا: إن هناك نوعان من الإعلام, هما:
- الإعلام الايجابي ( إعلام المواطنة) 
يقصد بإعلام المواطنة أن تجد هموم المواطن مساحة في وسائل الإعلام. وتتنوع هموم المواطن حسب موقعه الاجتماعي والديني والسياسي والثقافي في المجتمع. هناك هموم للفقراء، وهموم للمرأة، وهموم للمسيحيين، وهموم للعمال،......الخ. من الطبيعي أن تجد كل فئات المجتمع مساحة تعبير عن همومها في وسائل الإعلام. وكلما وجد المواطن- العادي- مساحة تعبير ملائمة عن همومه في وسائل الإعلام كلما كان ذلك مؤشرا علي أن الإعلام ذات طبيعة ديناميكية تفاعلية مع المواطن. 
- الإعلام السلبي  
وعلي العكس مما سبق، هناك إعلام يلعب دورا ضد ثقافة المواطنة سواء بتجاهل هموم مواطنين في المجتمع، أو بتفضيل التعبير طبقيا أو سياسيا أو ثقافيا أو دينيا عن هموم مجموعات معينة من المواطنين دون غيرهم, وقد يصل الأمر إلي أبعد من هذا حين يوظف الإعلام ذاته- كأداة صراع- سياسيا أو ثقافيا أو اقتصاديا أو دينيا، من خلال تأليب مجموعات من المواطنين علي بعضهم البعض، أو نشر ثقافة البغضاء في المجتمع، أو تصوير قطاعات من البشر علي نحو يجعل غيرهم من المواطنين يتعاملون بتسامي غير مبرر معهم.
ثانيا: أبرز سمات الممارسة الإعلامية في هذا المجال:
حيادية باهتة ومواطنة ناقصة
تعاني الكثير من وسائل الإعلام في بلادنا من غياب الحياد بمعناه الإيجابي، فهي لا تتحيز للمصلحة الوطنية العليا،وتصد أي موجات تستهدف مجتمعاتنا ثقافيا، بالدفاع عن منظومة القيم الراسخة في نفوسنا وعقولنا، بل تتحيز لوجهة نظر السلطة والمتحالفين معها والمتحلقين حولها أو المنتفعين منها, وغياب هذا اللون من الحياد في إعلامنا يعود إلى أربعة أسباب رئيسية, هي:
- هيمنة السلطة التنفيذية وفرض وصايتها على الإعلام، ويبدو ذلك  في صور كثيرة تتجلى في فرض قيود على حرية الوصول إلى المعلومات وحرية تداولها وفرض قيود على حرية التملك وإصدار المطبوعات وعلى حرية التملك والبث الإذاعي والتليفزيوني وفرض الرقابة على المطبوعات الداخلية والقادمة من الخارج، وفرض قيود على حرية الطباعة والتوزيع والإعلان.
وأخرى على حرية التنظيم المهني والنقابي والتحكم في ظروف عمل الصحفيين والإعلاميين من خلال قوانين جائرة تكرس مفهوم سيطرة الدولة وحرمان الأفراد من حق الاختيار, ويصل تدخل الدولة في بعض الدول العربية إلى حد الاحتكار والسيطرة الكاملة لكنه يقل عن ذلك كثيرا في بعض الأحوال حيث تراقب الدولة أداء المؤسسات الإعلامية عن بعد.
- مشكلة الحصول على المعلومات، فمن المنشأ توجد قواعد لتنظيم حرية تداول المعلومات وتحديد نطاق السرية التي قد تفرض على بعض المعلومات, ويكون حظر المعلومات في حدود معينة، تضيق ولا تتسع، نظرا لطبيعتها ويكون الحظر لفترة زمنية محددة وليس بصورة مطلقة, فالشفافية في نظم المعلومات هي الوسيلة الأهم في مكافحة حالات نشر أو إذاعة معلومات ناقصة أو مخالفة للحقيقة, وتضمن قوانين الدول الديمقراطية حماية الحقيقة ليس من خلال إنزال العقاب البدني بالأفراد وإنما من خلال فتح قنوات الحصول على المعلومات وإتاحة قنوات إضافية تضمن حقوق الرد والتصحيح وطلب الاعتذار، وتصل إلى طلب التعويض في حال وجود ضرر مادي أو معنوي ترتب على الخطأ. 
- التذرع باعتبارات الحفاظ على الأمن القومي: فرغم القوة التي تتمتع بها وسائل الإعلام للعمل على تنمية الوعي الأمني، فإنها تبقى رهينة للمصادر التي تزودها بالمعلومات والتوضيحات والبيانات، والتي هي في الغالب الأجهزة الأمنية التي تمتلك البيانات والمعلومات. وفي ظل العولمة الإعلامية وانتشار القنوات الفضائية الإذاعية والتلفزيونية وشبكات الإنترنت العربية، وغير العربية لم يعد بمقدور أي دولة التحكم في سياسة إعلامها الأمني، كما كان سابقاً، إلا من خلال وسائلها الإعلامية المملوكة لها فقط والتي سوف يترتب عليها عدم مشاهدتها إلا في المناسبات الوطنية المهمة، لذا فالقيود الإعلامية أوشكت على التلاشي في ظل العولمة الكونية، وحل بدلاً عنها الانفتاح الإعلامي، وأصبح الحل الوحيد للحد من هذه المشكلة هو إيجاد قنوات فضائية حديثة ومتطورة بأجهزتها ومعداتها وآلياتها وكوادرها البشرية المؤهلة والمدربة لكي تحاول منافسة القنوات الفضائية الأخرى، من خلال جذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين، وبالتالي ضمان استمرار العمل الإعلامي قبل أن تصبح هذه القنوات مجرد تكملة عدد للقنوات الفضائية الأخرى.
- القيود الاحتكارية: فمصالح المالكين للهياكل الإعلامية  باتت أحد أبرز مكونات الممارسة الإعلامية, ومتطلبات التسويق الإعلاني هي من دون شك العنصر الأهم في رسم هوية البرامج التي تقدمها وسائل الإعلام, وهذان البعدان: المال والإيديولوجيا, يحدان في شتى أنحاء العالم من مساحة الحرية والديمقراطية في الإعلام المعاصر على حساب عاملين أساسين هما:‏ حقوق المواطن المعاصر, وحرية الصحافيين, فالمجموعات الاحتكارية تتصرف بوجودها في شركات الإعلام على أنه أحد ميادين الاستثمار التي تتوقع منها كسواها مضاعفة أرباحها وعائداتها, كما أنها تستكمل عبرها دورة استثماراتها من خلال امتلاك أدوات التسويق والحماية المطلوبة لوجوه نشاطها الاقتصادي الأخرى ولشبكات الأمان السياسي التي تقيمها بتحالفات معلنة, و بفعل تلك الشراكة العضوية بين المال والسياسة, غالبا ما تتحول الملكية لوسائل الإعلام إلى أدوات تدخل وانحياز مباشرين.

 

 

المصدر: 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة