مذكرات نيلسون مانديلا: رحلتي الطويلة من أجل الحرية

النضال الصادق بلا مساومة ولا تنازل، والقدرة على مسامحة الأعداء واقتسام الحاضر والمستقبل معهم.. عبقريةٌ انفرد بها  نلسون مانديلا وجعلت منه رمزا عالميا للإنسانية في معنى مُتجسّد.. هذا الكتاب هو وثيقة تاريخية، تضيىء مراحل مهمة من حياة هذا الإنسان الذي سيبقى مُلهما لمن اختاروا النضال على طريقته المتفرّدة.

يمكن أيضا تحميل الكتاب من هنا:

تحميل الكتاب بصيغة pdf
تحميل الكتاب بصيغة EPUB
القراءة أونلاين اضغط هنا
 
 
موقع الجماعة العربية للديمقراطية غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية

جلسات مؤتمر الانتقال إلى الديمقراطية اللقاء الثامن عشر بعنوان مداخل الانتقال إلى الديمقراطية

53 مقطع فيديو على اليوتيوب - اصغط هنـــا 

بحوث المؤتمر ـ اصغط هنــا

الملخص التنفيذي للكتاب الصادر عن المؤتمر ـ اصغط هنــا 

 

الموقع غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية 

 

 

الإثنين, 09 أيار 2016 00:00

جلسات مؤتمر الكتلة التاريخية على قاعدة الديمقراطية

الكاتب الجماعة العربية للديمقراطية

جلسات اللقاء التاسع عشر لمشروع دراسات الديمقراطية 2009 بعنوان "الكتلة التاريخية على قاعدة الديمقراطية

 

33 مقطع فيديو على موقع اليوتيوب - اضغط هنــا

 

يمكن الإطلاع على نصوص البحوث من هنــــا

 

ويمكن الإطلاع على تقرير عن المؤتمر من هنــا. 

 

المشاركون في اللقاء: 


أحمد الشاهي\ بريطانيا
أسماء حسين\ بريطانيا
جورج القصيفي لبنان / عُمان 
حسن موسى الشفيعي البحرين / بريطانيا
خديجة صفوت السودان / بريطانيا
راشد الغنوشي تونس / يريطانيا
رغيد الصلح\ لبنان
ريم صلاح الدين أبوالفضل مصر / بريطانيا
سعد ناجي جواد العراق / بريطانيا
سعيد الشهابي البحرين / بريطانيا
سميرة إبراهم رجب البحرين
شهيرة سمير سامي مصر / بريطانيا 
صباح المختار العراق / بريطانيا
ضياء الفلكي العراق / بريطانيا
عاطف عبد العزيز الشهري السعودية / بريطانيا
عايشة حسن الجابر\ قطر
عباس عبد العزيز ناصر العمران البحرين / بريطانيا
عبد الرزاق التكريتي فلسطين / بريطانيا
رفيق عبد السلام بو شلاكة تونس / بريطانيا 
عبد العزيز حسين الصاوي السودان / بريطانيا
عبد الفتاح محمد ماضي\ مصر
عبد الله النيباري\ الكويت
عبدالرحمن بن هليل المطيري السعودية / بريطانيا
عبدالغني كاظم العراق / كندا
عبدالله محمد أحمد الفقيه اليمن
علاء التميمي العراق / كندا
علاء الدين حسين حسن العراق / بريطانيا
علي الصفار \ بريطانيا
علي حسين المفتاح\ قطر
علي خليفه الكواري\ قطر
علي قاسم محمد ربيعة\ البحرين
عمر العجب السودان / بريطانيا
كامل مهدي العراق / بريطانيا 
مجدوب عبد المؤمن الجزائر
محمد سعيد طيب \ السعودية
مرفت حسن مصر / بريطانيا
منصور يوسف العجب\ السودان
منيرة أحمد فخرو البحرين
ناصر قلاوون لبنان / بريطانيا 
نبيلة حمزة تونس / الأردن
نيرة القصاب المختار العراق / بريطانيا

 

موقع الجماعة العربية للديمقراطية غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية

مقدمة:


تأتي أهمية هذا الكتاب من عدة نقاط ، أولها ما يتعلق بالموضوع نفسه فهو يتطرق إلى هوية الأمة المتمثلة في الإسلام من خلال مواقف الحركات الإسلامية وفهمها المنبثق من المرجعية الإسلامية على سعتها للديمقراطية كمنهج للعصر وما يترتب على هذا الفهم من إمكانية للنهوض أو تراجع وإنكفاء على النفس.
النقطة الثانية ، التي تؤكد على أهمية هذا الكتاب ، تتمثل في الهدف الذي يسمو إلى تحقيقه وهو كما يشير "المحرر" في التوطئة له إيجاد الأرضية الصالحة لإمكانية إقامة التسوية التاريخية بين الجانبين لتجاوز العقبات حيث لا بد من نقطة إلتقاء بين الجانبين ولا بد كذلك من وجود جزء مشترك بينهما مهما كا ذلك صغيراً أو محدداً يمكن من خلاله تحقيق هذه التسوية التاريخية.


النقطة الأخيرة التي تبرز هذه الأهمية هي في كونه حصيلة منتدى فكري إلتقت فيه مختلف الآراء قرباً أو بعداً في نظرتها من إمكانية تحقيق مثل هذه التسوية التاريخية إعتماداً على رؤيتها وتصوراتها حول مفهوم الديمقراطية وملاءمته للإلتصاق بالمنظور الإسلامي من عدمه. أيضاً تأتي مقدمة الكتاب التي كتبها د. علي محمد فخرو الوزير البحريني السابق والمفكرة المعروف لتضفي جانباً من الأهمية على طريقة معالجة مثل هذا الموضوع الشائك ، حيث يشير إلى نقطة هامة موضوعية يجب التركيز عليها بعيداً علن المعالجة الفكرية لمسألة الديمقراطية التي أشبعت بحثاً وهذه النقطة تتمثل في السؤال التالي ، هل تحمل الديمقراطية حلولاً أساسية وفاعلية لمشاكل المجتمع العربي؟ ويشير كذلك إلى عدم أهمية المسمى ولكن يجب الإتفاق على الأقل على حد أدنى للعلاقات ضمن أي نظام يتمثل في إعتبار الفرد مواطناً لا مرعياً وحقوق العدل والمساواة وحق الناس في إختيار حكامهم وإيجاد دستور وإستقلال القضاء وتداول السلطة… إلخ. ويؤكد كذلك ومن خلال تجربته الشخصية وجود مشاكل في معالجة موضوع الديمقراطية ولا سيما لدى النخب فهناك الموقف "الثقافوي" الذي يتعامل مع المجتمع من خلال ثقافته وليس من خلال حاجته كالإشارة إلى عدل أبا بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما عند الحديث عن الديمقراطية وتتبنى هذا الموقف النخب التقليدية من قبيلة وعائلة حيث الحديث عن السلف الصالح. أما الموقف الآخر فهو موقف إنفصامي ونكوصي وغير أخلاقي حينما ترفض النخب العربية إفرازات الديمقراطية حيث تكون النتيجة تسلم الإسلاميين الحكم كما حصل في الجزائر وهو موقف يتبناه أصحاب الإنقلابات والرتب العسكرية ويحدد د. فخرو على أنه ربما تكون الخطوة العملية هي في قيام جبهة عريضة من مختلف التيارات داخل المجتمع تتفق فيما بينها على تبني قضيتين أو ثلاث من قضايا المجتمع المحورية لإيقاف سرعة هذا التدهور الذي يشهده الوضع العربي الحالي.


الفصل الأول: أولاً : الإسلاميون والدولة والمسألة الديمقراطية "وليد نويهض"


1 . تحديد إطار البحث:


يقرر هذا الفصل صعوبة حصر مواقف الحركة الإسلامية العربية من مسألة الديمقراطية لعدة أسباب منها ، تنوع التنظيمات الإسلامية وإختلاف ظروفها المكانية والزمانية وكذلك تاريخ كل تنظيم وتطور أفكاره وتعرض توجهه السياسي بين فترة وأخرى وأيضاً صعوبة الحصول على وثائق مختلف التنظيمات نظراً لتنوعها من جهة ولجوء بعضها إلى العمل السري من جهة أخرى وكذلك إنقسام التنظيم الواحد وتعدد مصادر كل طرف سواءً الفكرية أو الثقافية أو الإجتماعية. لذلك قام الباحث بتوزيع عمل الجبهات الإسلامية إلى فريقين حتى يكن حصر البحث ، الفريق الأول هو ذلك الذي يشارك وبنسب متفاوتة في بعض البرلمانات العربية وحكوماتها ، والثاني هو ذلك الذي يناهض الأنظمة العربية ويحاربها سياسياً في بعض المناطق وعسكرياً في مناطق أخرى.


وقد قام الباحث بإستبعاد الفريق الأول لسبب بسيط وهو عدم وجود مشكلة لديه مع الدول العربية التي يتحرك داخلها ، وأنصب الإهتمام على الفريق الثاني لتواجد المشكلة سواءً كانت في سلبية التنظيم نفسه من الديمقراطية أو سلبية الدولة وحساسيتها من التنظيم ، وتم كذلك تحديد ثلاثة نقاط لا بد من إلقاء الضوء عليها لتوضيح وجهة هذا الفريق من الديمقراطية وهي أولاً؛ تطور الفكرة وإختلافها داخل التنظيم نفسه. والثانية: التنازع بين المنظمات الإسلامية وإختلاف تفسيراتها للمسألة الديمقراطيـة ، والثالثة: فهي علاقة تلك التنظيمات بالسياسة وعلاقة السياسة بها ولإكتمال البحث كان لا بد كذلك من تحديد نمط العلاقة بين هذه التنظيمات والدولة الوطنية "المعاصرة الحديثة" وأيضاً موقف الدولة من مسألتي الديمقراطية.


2 . الإشكالية المعرفية:


ثم يتطرق الباحث إلى أهمية وضع إطار عام لحدود الإشكالية المعرفية المتعلقة بفكرة الديمقراطية فهناك فرق كبير بين أن تكون الديمقراطية فكرة أيديولوجية جاهزة بمعنى معطى نهائي يقدم كنموذج سحري للشعوب والأمم وبين أن تكون صيغة تاريخية قابلة للتعديل والإضافة والتطور لذلك فهي تختلف من مجتمع متجانس عنها في مجتمع آخر غير متجانس كما لاحظ ذلك بعض علماء الإجتماع ، فهي في الأول تعزز الوحدة وتطورها سليماً بينما في الثاني لا بد من أن تكون توافقية تحترم حقوق الأقليات المختلفة عن الأكثرية ، ويطرح الباحث هنا تعريف د. علي خليفة الكوراي حول خصائص الديمقراطية المعاصرة (مجلة المستقبل العربي – فبراير 1993م) الذي يرتكز على نقطتين أساسيتين ، الأولى أن الديمقراطية منهج وليست عقيدة والثانية أنها مقيدة وليست مطلقة إذ لا بد من دستور يتراضى الجميع على أحكامه ويقبلون الإحتكام إليه ويتطرق التعريف إلى إشكالة إستبداد الأغلبية في منطقة تتنوع فيها الديانات والسلالات والمذاهب والتركيبات الإجتماعية التقليدية ويشير الباحث إلى أهمية هذا الجزء من التعريف لأنه يخرج الديمقراطية من عالم الأفكار إلى عام الواقع ويؤسسها على الإجتماع والتاريخ لا على النظريات المجردة فتخرج من معطى النص إلى تعقيدات الواقع. كما يتعرض إلى محاولة الشيخ راشد الغنوشي "رئيس جمعية النهضة التونسية" ردم الهوة بين المستوى المعرفي والمستوى التاريخي فيما يتعلق بمفهوم الديمقراطية حيث ربط بين الديمقراطية والهوية بحيث لا يمكن الحديث عن ديمقراطية بلد دونما الحديث عن هويته لأن التنظيم الإجتماعي للحرية في شكل دولة يفترض وجود أرضية معينة يتحرك عليها العمل السياسي وتكون هي الإطار الجامع للجماعات السياسية حيث تشترك في هوية شخصية جامعة لذلك فالديمقراطية تفترض مضموناً ثقافياً وهذا المضمون في المجتمعات الإسلامية هو الإسلام. أما فهمي هويدي فيذكر أن الديمقراطية ما هي إلا تطوير أوروبي لنظام النحل والملل الإسلامية نتيجة لإحتكاك الدول الأوروبية بالدول العثمانية. كما يبين هذا الفصل إلى أن هناك قراءات مختلفة للديمقراطية من قبل الحركات الإسلامية المعاصرة ، فهي كفكرة كانت حاضرة في أعمال الإسلاميين الفكرية منــــذ منتصف القــــرن التاسع عشـــر ويمكن إيجاز ذلك في أربعة مدارس:


الأولى: حاولت أن تبرز الإسلام مقابل الديمقراطية الغربية ، والثانية: أبرزت نظرية الشورى في الإسلام مقابل ديمقراطية الغرب ، والثالثة: حاولت التشكيك بالهجوم على ديمقراطية العرب ، والرابعة: رفضت الديمقراطية وأعتبرتها لا تمت إلى الإسلام بصلة " زكي احمد – المستقبل العربي – العدد 164".

3 . الخلط بين المفاهيم والمصطلحات:


أدى مثل هذا الخلط بين المفاهيم والمصطلحات إلى سجالات فكرية لا تنتهي ولم يساعد على إيجاد مقاربة فعلية بين الإسلام والديمقراطية ، فالخلط بين الديمقراطية كآلية لتنظيم الخلاف وبين المفاهيم الإيديولوجية المتعلقة بالعلمانية والليبرالية ، فالفكرة مقبولة إذا كانت تعني العدل والمساواة ومرفوضة إذا كانت تعني العلمانية والتغريب ، وهنا يحذر الشيخ راشد الغنوشي مـــــن الموقــــــف اللا أخلاقي الذي قد يتخذه الإسلاميون في حالة وصولهم إلى السلطة من مصادرة لحق العمل الحزبي وحرية التعبير وهو ما يطالبون به الأنظمة العلمانية حالياً ، ويؤكد العلامة محمد حسين فضل الله في هذا الخصوص أنه عندما يتكلم عن الديمقراطية فإنه يعني " ضد الإستبداد ولكن لا يمكن القبول والإلتزام بكل نتائجها على مستوى القضايا الإسلامية خاصة تلك التي تتصل بالتشريع". من هنا يمكن القول بأن ولكن هناك مستوى من القبول باللعبة الديمقراطية وممارستها ولكن السؤال الموجه إلى الأنظمة التي ترفض الديمقراطية وتقمع المجتمع السياسي ومحاولة إعتقاله ومنعه من التعبير عن ذاته كما سنرى في عدة دول عربية.


ثانياً : مسلمون وإسلاميون:


من الضروري التمييز بين خطين إسلاميين كبيرين يتنافسان على تأكيد شرعية التمثيل ومشروعية الفكر والمنهج وهما ، تيارات الأخوان المسلمين وتوجهها العقلاني وتيارات الجماعات الإسلامية ومنظمات الجهاد التي ترفض الأسلوب السلمي والفرق بين التيارين يتمثل في أسلوب المكاشفة لدى الأخوان مقابل أسلوب العمل السري لدى التيارات الأخرى.


1 . تطور فكرة الديمقراطية لدى تيار الأخوان المسلمين : تغير موقف الأخوان إيجابياً تجاه فكرة الديمقراطية بعد تعرضها للحل إبان الحكم الناصري وهي التي كانت تدعو إلى حل جميع الأحزاب قبل عام 1952م في حين أن الجماعات الإسلامية ترى أن الديمقراطية تنبع من تعدد الإيديولوجيات وهذا أمر مناهض ومرفوض مع الإسلام ، فكان التباين واضحاً. ونتيجة هذا التطور في فكر الأخوان أصدروا ثلاثة وثائق هامة بل الأهم في تاريخهم يوضحون فيها مواقفهم الإيجابي من قضايا هي في صميم الديمقراطية كالمواطنة ودحض العنف وضرورة إختيار الحكام عن طريق رضا المحكومين ومشاركة المرأة ومساواتها بالرجل وحقها في الممارسة السياسية. ولكن الإنتكاسة كانت في موقف السلطة من هذا التحول حيث قامت بحملة إعتقالات كبيرة وأعتقل الكثيرون عام 1995م.


ثالثاً : صدمة السودان:


يرى الباحث أن ثورة الإنقاذ العسكرية عام 1989م لعبت دوراً بارزاً في إعادة إنتاج الخلافات السابقة حيث وضعت الإسلاميين أمام خيار صعب إما بتأييد الإنقلاب العسكري أو معارضته وكلاهما يبحثان عن تفسير جديد لعلاقات القوى ودور الدولة والأسلوب السلمي في كسب الغالبية العظمى وترفض الجبهة الإسلامية القومية إتهامها بأنها وراء ذلك الانقلاب ، ولكنها وافقت على شروط الثورة للتعاون وحل جميع التنظيمات الحزبية والإندماج بمؤسسات الحكم. والخلاف بين الجبهة والأخوان المسلمين يرجع إلى إدراك د. حسن الترابي بخصوصية المجتمع السوداني وتركيبته الإجتماعية وأهمية دور الدولة الأساسي في توحيد مثل هذه المساحة الشاسعة القليلة السكان ورؤيته حول ضرورة تأسيس تيار معاصر يشق طريقه المختلف عن القوتين الإسلاميتين المركزيتين ، طائفة الأنصار (حزب الأمة ) والطائفة الختمية الميرغنية (الإتحاد الديمقراطي ) ويقوم على منهج الترابي بضرورة الدمج بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية. ويلاحظ هنا أن مثل هذه الأفكار لم يكن من السهل زرعها في مجتمع إسلامي تقليدي متدين بالفطرة مما جعل الأحزاب التقليدية والقوى العلمانية وحتى الحركات الصوفية والحركة السلفية بالإضافة إلى تيار الأخوان المسلمين يقفون في صف واحد ضد ثورة الإنقاذ.


رابعاً : صدمة الجزائر: 


الدولة في الجزائر قوية ومسيطرة على المجتمع وتختلف التجرية هنا عنها في السودان فالصراع هنا دمــوي. لقد كان هناك إختلاف واضح لدى القوى الإسلامية في الجزائر على فكرة الإنتخابات حتى قبل الانقلاب علىنتائجها فالجماعات المسلحة ترفض إضاعة الوقت مع النظام في حين أن حـــــزب النهضة الإسلامي الجزائري وحركة حماس الجزائرية يطالبان بالحد الأدنى من الديمقراطية بينا راهنت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الديمقراطية وأدى إنقلاب السلطة على نتائج الإنتخابات إلى صدمة لها دويها الهائل في الوطن العربي بأكمله بين مؤيد لذلك الفعل ومستنكـــر لـــه ، ولكن الجماعات المسلحة واجهت إنقلاب الدولة على النتائج بعنف مضاد إستدرج فيه بعض إتجاهات جبهة الإنقاذ وأستبيح الدم الحرام بدون تأويل.


خامساً : تونس الضحية:


كان لما حدث في الجزائر أثره البالغ في إستكمال الدولة في تونس لمشروعها الإنقلابي على المجتمع بذريعة عدم التساهل الديمقراطي والحيلولة دون إنتقال العدوى إليها من الجزائر بالرغم من إعتراف حركة النهضة التونسية بضرورة إحترام رغبة الناس ورفضها لمصادرة الرأي الآخر وعلى منهج جديد للسياسية يعبر عنه راشد الغنوشي " بأنها عالم المعقول وليس علم الغيبيات ، هي العالم الموضوعي" . وبالرغم من ذلك كله أوغلت الدولة في سياستها القمعية ومصادرتها لخيارات الشعب وأتهم الغنوشي بالردة والعلمانية من قبل جماعات الجهاد.


سادساً : صدمة أوسلو:


أقرت حركة حماس الفسلطينية بإحترام التعددية حيث أملت الظروف عليها ذلك لإغتناء الساحة الفسلطينية بمختلف التيارات (خالد الحروب – في أحد كتبه عن حركة حماس) ورغم مخالفتها معارضتها لإتفاق أوسلو إلا أنها أعلنت أنها لن تستخدم العنف ودعت إلى تبني الحوار الوطني وقاطعت حماس وقوى فلسطينية إنتخابات عام 1996م فما كان من السلطة الفسلطينية إلا أن أستخدمت العنف والبطش والإعتقال . ولا شك أن سلطات الإحتلال الإسرائيلي كانت وراء ذلك بحجة أن حماس تقف ضد الإتفاق بين الطرفين.


سابعاً : صدمة أربكان 1996م:


أدرك أربكان زعيم حزب الرفاه ضرورة إعادة الحياة المدنية وضبطها تحت سقف الأتاتوركية بعد فوزه دون أن ينال أكثرية تمكنه من الحكم بمفرده ، وهو الأمر الذي سبب له كثير من الاحتجاجات والإنتقادات من قبل جماعات الجهاد وكذلك غضب العلمانيون لتصرف أربكان هذا وهو ما أفسد رهانهم بتدخل الجيش للتدخل لضبط الأمور وإعادتها تحت رقابة الدولة بعيداً عن تحولات المجتمع. ولكن أربكان كان يدرك أن الوقت الحالي هو وقت التسوية التاريخية لإنقاذ تركيا من الإنقسام ، وأدرك أن الحوار في مرحلة الإنتقال وهي مرحلة مركبة تلتقي فيها القوى التقليدية بالأنماط الحديثة ، ويمكن إعتبار تجربة أربكان بداية التأسيس للمجتمع السياسي الذي يركب وعيه التاريخي من عناصر مفككة وتؤكد كذلك على خطأ تصور النخبة ( الدولة المعاصرة) بأنها تستطيع بأسم التقدم والحداثة أن تحقق قفزات إجتماعية بمعزل عن الجماعات السياسية وهيئاتها ومنظومتها المتوارثة تقليدياً وعن حركة المجتمع والإعتبار لتوازنه الطبيعي. 


الفصل الثاني : مخاوف وتحفظات من مشاركة التيار الإسلامي في التنافس الديمقراطي: (زياد أحمد بهاء الدين).


في هذه الورقة يقدم السيد زياد كما يشير عرضاً لآراء القطاعات الواسعة من الجماهير العربية بصرف النظر عن موقفها الإيماني في الدين الإسلامي كعقيدة إلا أنها ليست مؤيدة للتيار الإسلامي كقوة سياسية تنافس على الحكم. وتعرض هذه الورقة كذلك لمبررات السماح بتكوين أحزاب إسلامية وهي كما تراها القطاعات الواسعة من الجماهير العربية في أن جوهر الديمقراطية يعني تمكين الشعب من إختيار ممثليه وكذلك الإعتبار السياسي لثقل تيار المعارضة الإسلامية حيث هي القوة المتبقية في مواجهة السلطة. وكذلك مبرر عدم دفع أي تيار شعبي يحرم من التعبير عن ذاته إلى اللجوء إلى العنف أو العمل السري.


أولاً : المخاوف التي يثيرها إشتراك التيار الإسلامي في العمل السياسي:


وهي تتمحور حول خطورة الإدعاء بوجود ممثل وحيد للإسلام دون غيره وكذلك الخوف من لجوءها إلى العنف كخيار دائم كلما ضاقت السبل والإعتقاد كذلك لدى قطاع كبير من أن موقف التيار الإسلامي من الديمقراطية موقف إنتهازي للوصول إلى السلطة ومن ثم الانقلاب على غيره من التيارات وهناك أيضاً التباين بين الفكر والممارسة الواضح من موقف التيار الإسلامي من قضايا كقضية المرأة وحقوق الأقليات.


ثانياً : نحو موقف جديد:


تدعو الورقة إلى الوصول إلى حد أدنى من الإتفاق ، فلم يعد إستبعاد التيار الإسلامي مقبولاً ويجب أن لا تتحول التحفظات على إشتراكه إلى رفض تام وإنما مؤقتة حتى لا يتحقق للنظم الحاكمة ما تتمناه. وكذلك أهمية الوصول إلى صيغة تتفق فيها كافة القوى الوطنية تتضمن قبول التيار الإسلامي في مقابل إلتزامه بمواقف محددة ومقبولة وملزمة. ونظراً لعدم إعتماد هذا الفصل على المصادر الأكاديمية والإكتفاء بالتكلم عن رأى قطاعات كبيرة من الشعب العربي حيث يمكن إتصافه بالتعميم فقد قوبل بنقد في مواقف عديدة.


المناقشات:


سنركز هنا على المناقشات التي أضافت جديداً إلى موضوع الورقتين حيث تناول الحوار جوانب عديدة أثرت وواجهت بالنقد بعض ما قدمته الورقتين وكانت هذه المناقشات في فحواها تؤكد على أهمية التحدي الذي توجهه الأمة وضرورة إيجاد نوع من التوافق بين الإسلام والديمقراطية من خلال فهم أعم وأشمل لأنهما يلتقيان على الأقل في نبذ العنف وحقن الدماء والأخذ بالرأي الآخر ، ولعل أهم ما دار في هذه المناقشة الحوار الذي تم بين السيد محمد محمود (السودان – الولايات المتحدة) وراشد الغنوشي (بريطانيا- تونس) حينما تطرق السيد محمود إلى حقيقة ثابتة يعتقدها ويحاول الإسلاميون طمسها وهي مركزية العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية وإحتفاظ العلمانية بإستقلالها بحيث يمكن التقرير بان كل مجتمع ديمقراطي هو مجتمع علماني ولكن ليس كل مجتمع علماني هو بالضرورة مجتمع ديمقراطي لأن الديمقراطية تتأسس على حرية الفكر والإعتقاد وحرية العقيدة …إلخ ، ويؤكد على أنه لا بد من وجود أرضية ثقافية ديمقراطية وهو ما يتفق فيه مع محاوره راشد الغنوشي إلا أنه مرجعية بشرية في ظل الواقع التاريخي الذي نعيشه جميعاً كبشر ونتصارع فيه إقتصادياً وسياسياً وإجتماعياً وليس مرجعية دينية. ويؤكد على ضرورة التفريق بين الإسلام كقعيدة دينية وكثقافة حيث تحتمل الثقافة مالا تحتمله العقيدة فعلى مستوى الثقافة يحتمل الأمر أن يكون المسلم علمانيـــــاً في أن العقيدة لها حدودها الواضحة والصارمة كإقامة الحد على مرتكب الزنا وشارب الخمر في أن الثقافة الإسلامية تحتمل أن يكون المسلم شارباً للخمر أي أنه لا يخرج من دائرة الإسلام ، في حين أن الشيخ راشد الغنوشي (تونس / بريطانيا) يؤكد أنه لا يمكن للعالم العربي بالذات أن ينتقل إلى الديمقراطية ما لم يسلم بالمرجعية الإسلامية وبعد ذلك يمكـــن الإختلاف حول هذا الإسلام بغير هذا التسليم لا يمكن حصول الإنتقال الديمقراطي لأن الإسلام هو المكون الثقافي للأمة ويصحح مقولة الإستاذ محمد محمود حيث لا ديمقراطية بدون إسلام وليس لا ديمقراطية دون علمانية. وبدون الأرضية الثقافية المشتركة لا يمكن للمجتمع أن يستقر والتسليم بهذه المرجعية اليوم أمر مهم للنخبة حيث يعيد تواصلها مع الجماهير ويعمل على نزع سلطة رجال الدين ومثل هذا التسليم ينتج حضارة في إطار القاعدة الثقافية كما كانت المذاهب الإسلامية تنطلق من مرجع ديني واحد وكل يفسر هذه النصوص حسب نوع ثقافته فما الذي جعل شمال إفريقيا مالكية سنية ومنطقة أخرى شافعية …إلخ ، لم يكن ذلك بقرار من الدولة. وهنا يرى الإستاذ يوسف شويري (لبنان / بريطانيا ) أن الأمر يختلف عن ذلك لدى الغرب حيث أتفق هذا الغرب على قواعد اللعبة الديمقراطية فقط ولم تكن هناك أرضية ثقافية متفق عليها قبل قيام الديمقراطية في تلك المجتمعات.


في إتجاه آخر يعتقد السيد بشير نافع (فلسطين / بريطانيا) أن الدولة الحديثة في العالم الإسلامي مسكونة بالعنف منذ القرن التاسع عشر حيث بدأت عملية طويلة من ضرب قوى المجتمع المدني وتقويضها ويشبه هنا ما يؤكد راشد الغنوشي على خطورته عندما تمحى البنى التقليدية في المجتمع دونما وجود بديل آخر يزداد تسلط الدولة وطغيانها" ويتصور شويري أن قيام الحربين العالميتين هما نتيجتان لعصر التنوير بينما يرى محمد جابر الأنصاري (البحرين) أنهما بسبب هزيمة فكر التنوير لأن التنوير يدعو إلى التعامل العقلاني والسلمي. ويؤكد على معرفة القاع السيسولوجي للمجتمعات العربية لأنه العامل الحاسم في عملية الإنتقال الديمقراطي وليس السقف الأيديولوجي ويؤكد أن هذا القاع لدى هذه المجتمعات مضاد للديمقراطية نظراً لتركيبته العصبوية والأمر يتطلب جهوداً تتعدى النيات الطيبة والتنظير الجميل.

المصدر: الحوار المتمدين. 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها 

في الآخر فإنه لا مفر من العودة إلى الديموقراطية”.. بهذه الجملة انتهى النقاش الجانبي القصير مع أحد الزملاء على خلفية تعليقي الرافض لمسلمة “الحتمية الديموقراطية” التي استشعرتها من الورقة البحثية التي قدمها قبل أيام الزميل الباحث محمود المحمود في مركز الخليج لسياسات التنمية في الكويت و التي ألقت الضوء على ما يسميه المركز بـ”الخلل السياسي” في دول الخليج العربي. و لعل لاختياري الاستهلال بهذه الجملة غرض أبعد من ذلك الحديث الجانبي، حيث يبدو أن موقف هذا الزميل يعبر عن مسلمة معرفية سائدة في الأوساط الثقافية العربية. وقد يكون خير تجلي لهذه المسلمة المعرفية موجود فيما حذر منه المفكر العربي المشهور محمد عابد الجابريفي كتابه “الديمقراطية و حقوق الانسان“، من خطورة أي تصور سياسي يقع خارج مفهوم الديموقراطية. ويأتي تحذير الجابري من ذلك مستندا إلى فرضية معرفية تصنف التصورات السياسية إلى صنفين متضادين لا ثالث لهما، و في ذلك يقول: “ليس هناك من بديل للديمقراطية إلا الاستبداد والدكتاتورية. نعم، ليس هناك خيار ثالث.. هناك فقط إما عيوب الديمقراطية وإما عيوب الاستبداد والدكتاتورية.. وهذه الأخيرة لا تقبل التخفيف ولا تتساهل إلا بالتخلي عنها والجنوح إلى الديمقراطية.” ما يثير الاهتمام فعلا هو صدور هذا الموقف من مفكر كالجابري الذي يعد من أهم من اشتهروا بالتنبيه للخلل المعرفي في خطاب الإصلاح السياسي العربي و التحذير من التسليم بمسلماته المعرفية السائدة. لكن يبدوا أن يد النقد المعرفي للجابري ترفض التعرض لمسلمة الحتمية الديموقراطية بالقدر الذي يؤدي إلى نقضها ثم التحرر منها، بل تأتي آراءه في دائماً مؤكدةً لها في معرض التأكيد على ضرورة الاستجابة للتحديات الأخلاقية التي تطرحها فكرة الحداثة السياسية على المجتمعات العربية. و نعني بالتحديات الأخلاقية لفكرة الحداثة السياسية هنا تلك الأسئلة الفكرية المتعلقة بتعريف علاقة الحاكم و المحكوم. أو بعبارة أخرى، تلك الأسئلة التي تبحث منذ زمن طويل عن إجابات مقنعة فيما يتعلق بفكرة تأسيس الحكم وفقا لنظرية عقدية رضائية تكون الأساس الفلسفي و التأصيل التاريخي لشرعية النظام السياسي من جهة و لحقوق المواطنين في التمثيل و المشاركة و المحاسبة من جهة أخرى. ومسايراً لموقف الجابري يأتي كلام المفكر العربي محمد جابر الأنصاري، المشهور هو الآخر بنقده المعرفي لخطاب الإصلاح السياسي العربي، مؤكداً لاستثناء هذه المسلمة من النقض و مبرراً لحتميتها حيث يذكر في أحد لقاءاته التلفزيونية أنه:”كما قال تشرشل ليست [الديموقراطية] أفضل أنظمة الحكم ولكنها الأقل سوءاً”.
 

و في ظل المستجدات السياسية و الإشكالات الفكرية المنبثقة من نتائج الثورات العربية فإن التساؤل الذي يجب أن يطرح في معرض البحث في الخلل المعرفي لخطاب الاصلاح السياسي العربي الآن هو ذلك المتعلق بفحص صلاحية هذه المسلمة و كشف أسباب استمرار هيمنتها على بناء الهيكل المفاهيمي لخطاب الإصلاح السياسي. ولما كان أن هذا المبحث من الضخامة بمكان بحيث لا يمكن عرض جميع أوجهه في هذه المساحة، فسأخصص هذه التدوينة لعرض وجه واحد من أوجه هذا المبحث، وهو ذلك المتعلق بكشف أحد صور الممارسات الخطابية (Discursive Practices) التي يستخدمها خطاب الحتمية الديموقراطية لإعادة تكريس هيمنته و قمع فرص ظهور نماذج بديلة من خارج نموذجه المعرفي و روايته التاريخية. ويكون معنى الممارسات الخطابية هنا هو ذلك الذي يشير له  صاحب المدرسة التحليلية لخطاب الهيمنة و القوة المفكر الفرنسي ميشيل فوكو باعتباره العمليات التواصلية (الموجهة نحو المخاطبين) و التي يحاول الخطاب من خلالها أن يشكل “الواقع” عن طريق سيطرته على مجال المفاهيم و اعادة انتاجها.
 

بداية، لعلنا نجد في الدراسات السيمائية للغة (أو علم الاشارات) (Semiology) ما يعيننا على الكشف عن هذه الممارسات الخطابية باستخدام النظرية التحليلية “للثنائيات المتضادة”. و يعود الفضل في تأسيس هذه النظرية لمؤسس الدراسات السيمائية ذاته السويسري فريديناند دي سوسير والذي يفترض أن وحدات اللغة تكتسب قيمتها و معناها فقط عندما تقترن بمفهوم آخر مضاد بحيث يعرف كل منهما الآخر بكونه ضدا له و لازما لتمام تصوره. فتكون الحياة هي المضاد المفاهيمي اللازم لفهم  و تصور معنى الموت و النقاء كذلك بالنسبة للتلوث و البياض للسواد و الحزن للسعادة و هكذا. وما لبثت هذه النظرية طويلا حتى أن تلقفها قائد المدرسة التفكيكية جاك ديريدا لاستخدمها كأداة تحليلية فعالة لتقديم مشروعه النقدي الطامح لوضع كل المسلمات الفلسفية الغربية -منذ عهد أفلاطون- موضع الشك. فاستخدم هذه النظرية لمحاولة إبطال مفاهيم مركزية سائدة في الفلسفة الغربية تكتسب قيمتها و معناها من ثنائيات مترسخة في الخطاب الفلسفي كثنائيات (جسد/ روح، خير/ شر، جاد/ هازل). و يتركز اعتراض ديريدا في أن هذه الثنائيات دائما ما تفرز تراتبات وجودية، تحتم على طرف ما التموضعَ في موضع من الامتياز والفوقية، وتحتم على طرف أخر التموضع في موضع من التغييب والدونية والتهميش، وبذلك يُكَرس اقصاء و قمع هذا الطرف لحساب هيمنة الطرف الأول. وكان لفوكو أيضا اهتماما باستخدام هذه النظرية كأداة تحليلة، خصوصا في كتابه المراقبة والعقاب الذي أرخ فيه للأنظمة و المؤسسات العقابية في أوربا و لتطور مفاهيمها، حيث يؤكد في هذا الكتاب على أهمية هذه الثنائيات في الممارسات الخطابية التي يستخدمها الخطاب المهيمن لإعادة تكريس هيمتنه و فرض نموذجه على الأفق المعرفي للمجتمعات. ويصر بأنه عبر مثل هذه الثنائيات المتضادة في اللغة يقوم الخطاب بخلق تصنيفات تمايز بين ما هو “طبيعي” و مقبول وفقا لمفاهيم الخطاب المهيمن و بين ما هو “غير طبيعي” و يستوجب التجريم والعقاب وفقا لذات المفاهيم.
 

بتطبيق هذه النظرية على مسلمة الحتمية الديمقراطية كتصور ايديولوجي لمعطيات الواقع و حركة التاريخ يظهر ما يأتي: وفقا للمفكر البارز في مجال العلاقة بين الحداثة والفكر الإسلامي وائل حلاق فإن “نظرية التقدم” التي تجد أصولها في النموذج المعرفي الذي أنتجه عصر التنوير الغربي لا تشكل أساس النظر لحركة التاريخ في الخطاب الفكري المعاصر فحسب، بل تشكل الأساس للهيكل المفاهيمي للغة هذا الخطاب. ثم يضيف أنه يكاد لا يوجد فكرة أو نظرية تفوق قوة هذه النظرية في تشكيل مفاهيمنا الفكرية الحديثة. و تتلخص فكرة نظرية التقدم في افتراض حركة خطية لتقدم الجنس البشري نحو تحريره من الظلامية (جميع صور الظلامية وفقا لتصوره التاريخي سواء في المجال السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو التكنولوجي) لكن عندما تخرج هذه النظرية من نطاقها الغربي، كما فعلت في فكرة الاستعمار الأوربي و كما تفعل الآن من خلال فكرة عولمة مفاهيم الاصلاح و التمنية، فإنها تضع النموذج الغربي بكل صوره دائما في القيادة و تضع النماذج غير الغربية في نقاط أخرى على خط التقدم التاريخي نحو هذا النموذج. و من هذا المنطلق يكون خطاب الحتمية الديمقراطية هو الوجه السياسي لنظرية التقدم و روايتها التاريخية.
 

و إضافة إلى ذلك فإننا نجد أن الاستراتيجية اللغوية للحتمية الديموقراطية لتكريس الهيمنة على خطاب الاصلاح السياسي العربي تكمن في استخدام مصطلحات ذات غرض تصنيفي بمنطق المتضادات يقع على اثره أي (رأي، شخص، جماعة، حدث، ألخ) أما في خانة “التقدم” أو في خانة “التخلف” بالقياس إلى رواية الحتمية الديموقراطية لحركة التاريخ. و ينتج عن ذلك اعتبار أن تحقُق مفهوم الديموقراطية في نظام الحكم السياسي يعد شرطا طبيعيا وحتميا لتقدم المجتمعات البشرية نحو الحرية والخروج من غياهب التخلف و الظلامية السياسية.
 

و لتقديم مثال على ذلك، فيمكننا تطبيق هذه الملاحظات على قول الجابري المقتطف آنفا لنرى بأنه – رغم انتقاده الحاد لمركزية النموذج الغربي – يفشل في تحرير تصوره لمستقبل الاصلاح السياسي في الحالة العربية من سلطة الممارسات الخطابية التي تعيد تكريس هيمنة هذه المركزية، فنجده يستخدم ذات اللغة و ذات الثنائيات المتضادة ليؤكد حتمية نموذجها السياسي و يكرر فرضيتها الرئيسية بأن معالجة الخلل السياسي لا يتسنى إلا باستيفاء مفهوم الديموقراطية المحتم. لكن الأهم من ذلك بالنسبة لنا هو انطواء كلامه على تصنيف كل ما يخالف هذا الطرح باعتباره معولا للتخلف، أي معيقا لحركة التاريخ الحتمية نحو التحرر و سببا لاستمرار و تكريس المضاد المفاهيمي و هو “الاستبداد”. إذا فإن مصطلح “الاستبداد” كمضاد مفاهيمي يلعب دورا مهما للغاية لإعادة تكريس هذه الهيمنة وذلك باعتبار هذا المصطلح السلبي جامعا و لازما لكل ما يقع خارج نطاق مصطلح “الديمقراطية”. وهكذا ينجح خطاب الحتمية الديموقراطية من بناء متضادات مفاهيمية تؤدي إلى خلق ميل وجداني للعداء تجاه كل ما ينتفي عنه صفة نموذجها باعتباره “غير طبيعي” و غير مقبول بالنسبة لحركة التاريخ، و من هنا تكمن خطورة التسليم لهذه المسلمة. حيث يشكل التسليم لها في الواقع غلقا للأفق أمام أي فرصة لتطوير نموذج يحاول تقديم استجابة مقنعة للتحديات الأخلاقية الملحة للحداثة السياسية خارج إطار هذه المعادلة الثنائية.
 

يمكننا أن نضيف أيضا بأن خطاب الحتمية الديمقراطية لا يختلف في اسلوبه في الضغط على الضمير الأخلاقي للمثقف العربي عن ذلك الاسلوب الذي تستخدمه قوى الإسلام السياسي من خلال استخدامها لذات الممارسات الخطابية. فكما تستغل تلك القوى حالة الشعور العام بالتدين و ضرورة الدفاع عن الهوية الدينية لتهيمن اديولوجياً على الخطاب السياسي فيما يتعلق بذلك المشكل يستخدم خطاب الحتمية الديمقراطية الشعور العام بضرورة الاستجابة للتحديات الأخلاقية للحداثة السياسية لتكريس هيمنة نموذجه المعرفي على تصور كل ما يتعلق بمشكل الحداثة السياسية. و كما تستخدم هذه القوى الثنائيات المتضادة: “مؤمن” (أي في جانب الخير) لمن يقبل روايتها الايديولوجية لحركة التاريخ في مقابل “كافر” أو “ضال” (أي في جانب الشر) لخلق ضغط أخلاقي على لمن يخالفها فإن خطاب الحتمية الديمقراطية يمارس نفس الضغط الأخلاقي من خلال ثنائياته المتضادة ولكن دون أن يُطلق على ذلك مسمى “الإرهاب الفكري” كما هو الحال في عند الاسلاميين.
 

عموماً، فإن ما يمكن الخلاص إليه مما تقدم هنا هو أن قبول هذه الحتمية الديمقراطية يترتب عليه تشكل موقعين متمايزين للتفكير من حيث المساحة الممكنة للإبداع و حرية الفعل الفكري. الأول هو موقع القائد التاريخي و الذي يضع العقل الغربي دائما في موقع يستوجب بالضرورة مساحة كبيرة للابداع و حرية واسعة للفعل الفكري و ذلك للبحث الحر عن حلول غير مسبوقة لمشكلات “التقدم” الغير مسبوق (تلك المشكلات الفريدة من نوعها من حيث الجدة و الطبيعة) فيما يضع العقل غير الغربي -العربي في حالتنا – في موقع اللاحق، فينحصر أفق الابداع، بل و أفق الفهم التشخيصي، وفقا لذلك في مواجهة مشكلات “اللحاق” (تلك المشكلات المكررة من حيث نوعها و التي قد انتج لها حلول معيارية في “السابق”).  و و نتيجة لذلك ينحصر الأفق المعرفي للعقل السياسي العربي فقط في نطاق الأسئلة المتعلقة بكيفية “التقدم”، أي اللحاق النموذج الغربي من هذا الموقع.
 

أخيرا يمكننا القول بأن الدارسين للخلل المعرفي لخطاب الاصلاح السياسي العربي مثل الجابري و الأنصاري قد أدركوا منذ عقود أهمية تحقيق “الاستقلال التاريخي” للمجتمعات العربية من ناحية معرفية، بعيدا عن الحتمية التاريخية للنموذج الغربي، باعتبار ذلك شرطاً ضرورياً لفتح الآفاق أمام العقل السياسي العربي لإبداع نموذج معرفي جديد و مستقل لتشخيص واقعه و تصور مستقبله بالنسبة لإشكال الاستجابة للتحديات الأخلاقية التي تطرحها فكرة الحداثة السياسية. بل و نجد أن كلاً من الجابري و الأنصاري قد أكدا على ضرورة انجاز ما يسميه غاشتون باشلار “بالقطيعة المعرفية” (Epistemological Rupture) من سلطة أي نموذج معرفي سابق كشرط لتحقق هذه الاستقلالية. بيد أنهم أخفقوا في ربط شرط القطيعة المعرفية بما تستلزمه منطقيا، أي بما يمكن تسميته بالقطيعة اللغوية، أي بضرورة تحرير اللغة المستخدمة في خطاب الإصلاح السياسي العربي من الهيكل المفاهيمي للثنائيات المتضادة المُكرِسة لمسلمة الحتمية الديموقراطية ومن مقاومة الضغط الأخلاقي الذي تمارسه خطابيا. بل كما رأينا فإنهم يرفضون التشكيك في ثنائية ديموقراطية/استبداد و يستمرون في التعامل مع مصطلح “الديمقراطية” باعتباره خيارا وحيدا ومحتما لابد أن تؤسس عليه أي فكرة للإصلاح السياسي.

المصدر: مدونة أعواد قش

أكثر ما أثار اهتمامي في (رؤية المملكة العربية السعودية 2030) هو تأكيدها أننا نستطيع التغيير، وأننا قادرون على صنع مستقبل أفضل من حاضرنا.
 ركزت وثيقة الرؤية على الجانب الاقتصادي. وهناك بالطبع قضايا كثيرة تشكل أجزاء ضرورية لبرنامج التحول في معناه الشامل، أهمها في ظني أربع:
 
أ‌)        ترسيخ سيادة القانون، وجعله سقفا فوق الجميع، وحاكما على الجميع من دون تمييز. هذا يعني بشكل محدد التقليص المنتظم للسلطات الشخصية لبعض الإداريين، وتمكين عامة الناس من الرجوع دوما إلى نصوص قانونية واضحة وثابتة. سيادة القانون وثباته عامل حيوي لتحفيز الاستثمار وتعزيز الأمل في المستقبل. تتطلع وثيقة الرؤية إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 5.7 في المائة واستثمارات القطاع الخاص إلى 65 في المائة من الناتج القومي الإجمالي. ونعلم أن هذا صعب التحقق من دون تخفيض معدلات المخاطرة، التي يتسبب فيها عدم استقرار القانون، أو عدم حاكميته على الميول الشخصية لدى بعض الإداريين.


 الشفافية التي تمّ تأكيدها في وثيقة الرؤية ستجد معناه الكامل إذا ترسخت سيادة القانون. العلنية والشفافية تمكنان الناس من الحصول على المعلومات الضرورية للمنافسة العادلة، وهي بالتأكيد تساعدهم في كشف خيوط الفساد واستغلال السلطة. لكن مجرد توفر المعلومات لا يكفي لقيام منافسة عادلة. القانون القوي والمهيمن على الجميع هو الذي يحمي حقوق جميع الأطراف، أيًا كانت مراكزهم.


ب) مبدأ سيادة القانون يبدو أكثر ضرورة في المجتمعات التي تهيمن التقاليد على ثقافتها العامة ونظامها الاجتماعي، وقد رأينا هذا بوضوح فيما يخص النساء. إنني أتفهم ميل السياسيين إلى تأجيل الاستحقاقات المكلفة سياسيا، لكنني أخشى أن نتغافل عن مواجهة حقيقة أن أي مستقبل مختلف رهن بالتحرر من بعض التقاليد. إنني واثق بأننا نتطلع إلى يوم ننتهي فيه من هذا كله، كجزء من رؤية موسعة للتحرر من التقاليد المعيقة، وجعل القانون الواحد والعادل مرجعا وسقفا للجميع، رجالا ونساء.


ج) المفهوم الحديث للدولة ينظر إليها بوصفه جهة تخطيط وإدارة، هدفها مساعدة المجتمع في تحسين حياته. المجتمع هو العنصر الرئيس والمستهدف في كل السياسات والقوانين، لكن فكرة «التحكم» هي المهيمنة على ذهنية الأكثرية الساحقة من الإداريين، وفحواها أن كل شيء ممنوع ما لم يوافق عليه جهاز حكومي ما. هذا المفهوم العتيق أشد عوامل التعطيل أثرًا وأكثرها إساءة لعلاقة المواطنين مع الأجهزة الرسمية.


 إنني أخشى جديًا من تعطيل المبادرات الخلاقة التي أعلنتها رؤية المملكة 2030، إذا لم نعالج تلك الذهنية العتيقة، إذا لم نرسخ مفهوم أن الأصل في كل شيء أنه مباح ومسموح ما لم يكن ثمة قانون ينظمه أو يمنعه. لهذا أدعو إلى التأكيد المكرر على هذا المبدأ، كي لا تتعطل مشروعات التطوير؛ لأن مديرا قصير النظر هنا أو ضيق الأفق هناك، لم يجد في أوراقه لائحة تقول: إن تلك المبادرة مسموحة أو مباحة.


د) أكدت وثيقة الرؤية تدعيم قنوات التواصل بين الأجهزة الحكومية والمواطنين، ومشاركة المجتمع في المسؤولية عن نفسه ومستقبله. دعونا نتقدم خطوة أخرى إلى المشاركة الشعبية المنظمة في الشأن العام ككل، في القرار السياسي والاقتصادي وكل شأن آخر يتعلق بمجموع الناس، حاضرهم ومستقبلهم. المشاركة الشعبية المنظمة من خلال المجالس المنتخبة، والمشاركة الشعبية من خلال منظمات المجتمع المدني وحرية التعبير المصونة بالقانون هي القناة الأوسع لتحمل الشعب المسؤولية الكاملة عن وطنه، وهي الأداة الفعالة لتعزيز قوة الدولة وتحسين كفاءة الخدمات العامة.


بلادنا قادرة بعون الله على مواجهة تحديات حاضرها وصناعة مستقبلها عبر التعاون الفعال بين المجتمع والدولة. وكل ما نحتاج إليه هو فتح قنوات المشاركة والتواصل. رؤية المملكة 2030 التي أعلنت يوم الاثنين المنصرم خطوة أولى كبيرة، نأمل أن تليها خطوات تعزز الأمل وتفتح أبواب المستقبل.

  المصدر: ٢٧ أبريل ٢٠١٦، جريدة الشرق الأوسط

نشر مركز الخليج لسياسات التنمية الملف التالي عن الرؤى الوطنية لدول مجلس التعاون:
 
بعد إعلان السعودية عن رؤيتها 2030، أصبح الحديث عن هذه الرؤية هو محور النقاش في وسائل الإعلام المختلفة. من هنا نضع بين أيديكم مجموعة من الدراسات والمقالات حول رؤى دول الخليج الاقتصادية، بالإضافة إلى توفير الرؤى التي تم الإعلان عنها سابقاً في دول الخليج.


من إصدارات المركز

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها

 

في فترة ما قبل الثورة، ولأسباب لها علاقة باختلاف الأساليب، وعدم التوافق على النّهج الاحتجاجي الذي يُعوّل على الحضور في الميادين، وتجاوز اللّغة الرّسميّة؛ فقد اعتلت موجة من الاختلاف (الحاد) بين الحركات الاحتجاجيّة في البحرين وبين الجمعيّات السّياسيّة المعارضة، وقد حافظت الأخيرة على تمايزها مع الواجهات الاحتجاجيّة في الشّارع، ولجأت أحيانا إلى رفع الغطاء "السياسي" عنها، وهو ما ولّد اختلافاتٍ حادة، انتقلت إلى جمهور الأفرقاء.

 

شاهد المرفقات

__________
المصدر: منتدى البدائل العربي

 

الموقع غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

ساد خلال الأسابيع القليلة الماضية الترقب لتغييرات اقتصادية هيلكية تعتزم دول مجلس التعاون الخليجي القيام بها تشمل خصخصة ورفع للدعم عن الطاقة والسلع وفرض ضرائب. يأتي هذا بعد أن تناقلت وسائل الإعلام الأجنبية تسريبات أو تصريحات عن نية صناع القرار في دول المجلس اتخاذ هذا المسار على  خلفية انهيار أسعار النفط التي وصلت إلى ما دون الأربعين دولار للبرميل مطلع الشهر. كان من أبرز هذه التقارير مقالة الصحفي توماس فريدمان في نيويورك تايمز “رسالة من السعودية” ينقل فيها عن مسؤوليين سعوديين رفيعي المستوى حديثاً عن طموحات لإصلاحات اقتصادية و-في ذات السياق- فتح الباب لمشاركة سياسية أوسع. 

وبالفعل ، عكست ميزانيات الحكومات للسنة الجديدة شيئا مما تم تداوله تمثل في خفض للدعم الحكومي ، ولم يخلو تناول رفع الدعم هذا من التساؤل حول الأبعاد السياسية التي بلغ إلى أن وصفتها الفاينانشال تايمز بـ”الإصلاح الجذري للعقد الإجتماعي بين المواطنين والأسرة الحاكمة” ، فقد اكتسبت مناقشة أي أثار سياسية محتملة لهذا المسار من السياسيات الاقتصادية حضورا ملحاً. تحديدا في السؤال الذي يطرحه البعض: هل ستدفع خطوة مثل فرض ضرائب إلى مشاركة سياسية وتحول جوهري في الأنظمة السياسية في الخليج؟ في ٢٠٠٩ ذات الصحفي توماس فريدمان أجاب على السؤال بشكل قطعي في مقال عنون بـ”القانون الأول للسياسة البترولية” أن “سعر النفط والخطو نحو الحرية يسيران دائما في اتجاهين معاكسين في الدول البترولية” ، المقال المليء بالأحكام الجاهزة يعبر عن تصور سائد يتبع المقولة الكلاسيكية “لا ضرائب من غير تمثيل” في صيغتها المقلوبة بشكل حرفي. 

هل هناك علاقة بين مستوى الثروة النفطية المتوفرة لدولة ما وبين النظام السياسي لها؟ في البحث عن اجابة أكثر دقة لهذا السؤال نجد كما كبيرا من الدراسات المتراكمة التي حاولت استخدام أدوات منهجية لقياس وفهم هذه العلاقة المفترضة تأتي ضمن أدبيات ما يعرف ب”لعنة الموارد” في الإشارة إلى أن الثروة الناتجة من الموارد الطبيعية القابلة للتصدير كالمعادن والنفط وغيرها لها آثار مدمرة على الاقتصاد والنظام السياسي للدولة فهي تعيق القدرة على تطوير اقتصاد انتاجي وتشجع الاستبداد والفساد بالإضافة إلى ارتباط وفرتها بالحروب الأهلية. لم تخرج الدراسات التي تناولت النفط في الشرق الأوسط عن هذه الثيمة السلبية غير أنها طورت مفهموما مهماً يشرح الارتباط بين الثروة النفطية وعلاقة الدولة بالمجتمع يعرف ب”نظرية الدولة الريعية.” 

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي وضع كل من حسين مهدوي و حازم ببلاوي وجياكومو لوتشياني الإطار الكلاسيكي لمصطلح الدولة الريعية. السمة المركزية لهذه الدولة هي أنها مستقلة بشكل تام عن المجتمع ؛ فالموارد التي تحصل عليها من الريع الخارجي (ايرادات النفط) تجعلها مستغنية عن تحصيل أي موارد (على شكل ضرائب) ممن تحكمهم ، علاوة على ذلك تمكنها هذه الموارد الخارجية من تأمين ولاء المحكومين عبر الإنفاق العام فهي ليست دولة إنتاج بل مجرد دولة توزيع حصص. يؤكد الواضعون الأوائل للفكرة أنه في دولة مثل هذه محصنة تماما من أي مساومات سياسية مع رعاياها يستحيل تماما ظهور الديموقراطية. المزيد من الثروة النفطية يعني مشاركة سياسية أقل؛ الأطروحة التي دعمها لاحقا عالم السياسة مايكل روس عبر مسح كمي شمل ١١٣ دولة ، حيث وجد اقتران سلبي بين مستوى الثروة النفطية وبين مستوى الدمقرطة عبر ثلاث ارتباطات سببية: وفرة النفط لدى الدولة يدفعها لفرض ضرائب أقل ولانفاق أعلى على قدراتها العسكرية وبالتالي قابلية أعلى على الاستبداد بالإضافة إلى أن الإقتصاد الريعي يخفض معدلات توظيف المواطنين في القطاعات الصناعية والخدمية وبالتالي احتمالية أقل لمشاركتهم في الدفع باتجاه الديموقراطية ، ليقرر روس في خاتمة بحثه أن “النفط بالفعل يضر الديموقراطية” أينما وجد. 

غير أن هذه النظرة الحتمية لعلاقة الثروة النفطية بالمشاركة السياسية لم تصمد كثيراً أمام نقودات متنوعة سعت بشكل أساسي لتطوير النظرية لا لنقضها. النظرية في ثوبها الكلاسيكي ، كما تجادل هذه المجموعة من الباحثين ، تختزل تعقيد الواقع السياسي إلى علاقة سببية بسيطة تحتم ظهور نظام سياسي محدد تبعاً لمستوى معين من الصادرات النفطية. مايكل هيرب قام بإعادة تصميم المسح الكمي  الذي أجراه روس مع الأخذ في الحسبان المستوى التنموي للدول النفطية فيما لو استثني دخل النفط في النموذج الإحصائي ليجد أن غياب المشاركة السياسية يمكن أن يفسر بشكل أفضل بالعامل التنموي في حين يتضاءل أثر عامل الثروة النفطية. غير أن هيرب لا يخلص إلى رفض أطروحة نظرية الدولة الريعية بل إلى ملاحظة أن تأثير الموارد النفطية على شكل النظام السياسي غير متسق وغير دائم الحدوث ، ولذلك ينبغي النظر إلى دروه عبر تفاعله مع عوامل مختلفة تحكم تأثيره من حالة إلى أخرى.

باحثان آخران يضيفان المزيد من الشكوك في العلاقة بين دخل النفط والاستبداد ، حيث وجد ويمنق لوي وباول مسقرايف أنه باستثناء دول الخليج فإن الارتباط الاحصائي بين الوفرة النفطية والاستبداد محدود ، فلم ينطبق  على سبيل المثال نموذج أنصار نظرية الدولة الريعية على نيجيريا بينما بدت حالة نيكاراغوا أكثر ديمقراطية من توقعات نموذجهم. محاولات احصائية حديثة أخرى ذهبت إلى أبعد من ذلك، إذ وجد عالما السياسة ستيفن هابر وفيكتور مينالدو أن اعتماد الدولة على مورد طبيعي لا علاقة له بالاستبداد على المدى البعيد ، ففي دراستهم لـ  ٥٢ دولة تعتمد على مورد طبيعي -من ضمنها الدول النفطية- على مدى تاريخي أوسع مما تضمنته الدراسات السابقة وجد الباحثان أن الاعتماد على مورد طبيعي يقود الأقلية فقط من الدول إلى المزيد من الاستبداد بينما لا تأثير له في أغلب الحالات. المفاجيء أكثر هو أنهم لاحظوا أن قطاع من الحالات المدروسة عكس علاقة ايجابية بين توافر الثروة الريعية وبين اتجاه النظام إلى الديمقراطية. النتيجة ذاتها التي سبق لثاد داننق الإشارة إليها فيما يخص حالتي تشيلي وفنزويلا في كتابه “الديموقراطية الخام” ، إذ يبين فيه أن أثر النفط على النظام السياسي يتراوح مابين الإيجابي والسلبي (باعتبار أن الديمقراطية هي المعيار هنا) حسب عوامل وسيطة تحدد هذا الأثر.

البحث عن هذه العوامل الوسيطة التي تحدد أثر الثروة النفطية على النظام السياسي هو ما قامت به عدد من الدراسات التي تناولت حالات معينة بشكل متعمق. من أهم هذه المحاولات النقدية لفهم تعقيد أثر النفط هي تلك التي تأخذ في عين الإعتبار السياق التاريخي الأوسع لحالات الدول كل على حدة. التاريخ ، بالنسبة لأصحاب النظرية الريعية الكلاسيكية ، يبدأ من ظهور النفط ، كل ما سبق ذلك غير ذي علاقة. عدد من الدراسات أظهر الدور الكبير الذي يلعبه تاريخ ما قبل النفط في تحديد أثر البترودولار على الواقع السياسي. على سبيل المثال ، تتبعت جيل كريستال علاقات تاريخية متباينة بين تحالفات النخب ساهم النفط في تشكيلها في كل من الكويت وقطر لتفسر الإختلاف في النظام السياسي. وبشكل مشابه أبرز مايكل هيرب مفارقة أن المشاركة السياسية في الحالة الكويتية دعمت الإعتماد على النفط مقابل تنويع الإقتصاد ، فيما ظلت الإمارات ذات الاقتصاد المتنوع نسبيا دون أي مشاركة سياسية. يفسر هيرب ذلك بغياب التمايز والصراع بين طبقة رأسماليين وطبقة عمال عادة ما ترتبط بظهور الديموقراطية الرأسمالية ، فالعلاقة إذن بين الثروة النفطية والمشاركة السياسية ليست مباشرة إنما تعبر خلال التكوين الطبقي للمجتمع.

لم تكتف هذه المحاولات بنقد الفهم السائد لعلاقة النفط بالاستبداد من خلال إبراز الفروقات بين حالتين مختلفتين بل بالكشف عن النتائج المتناقضة التي يخلقها الاعتماد على النفط في الحالة الواحدة ، كالدور الغير متوقع الذي تلعبه الثروة النفطية كمورد للمعارضة السياسية ، وهو ما بينته جوين أكرولك في الحالة السعودية ، إذ استخدمت الحركة الإسلامية المعروفة ب”الصحوة” في الثمانينات مؤسسات عامة لبناء حركة سياسية عريضة تصدر قطاع منها للإحتجاج السياسي المباشر في تسعينات القرن الماضي. نظرية الدولة الريعية الكلاسيكية حسب أكرولك تتعامى تماما عن خيارات الفاعلين المتلقين للريع الموزع وتفترض سلوك موحد ومحدد مسبقاً خلال معطيات اقتصادية صرفة. هذا السلوك الموحد المفترض انتُقِد أيضا على مستوى أداء المؤسسات في أحد أهم الدراسات التي تكشف تناقض وتعقيد أثر الثروة النفطية ، حيث يجادل ستيفن هيرتوغ في دراسته للحالة السعودية أن النفط لا يستوجب مؤسسات عامة فاشلة -كما تتنبأ نظرية الدولة الريعية- بل يعبر تأثيره خلال شبكات من النفوذ تقود إلى جزر معزولة من المؤسسات ذات الكفاءة إلى جانب مؤسسات اخرى مخفقة. الطفرة النفطية في نموذجه هذا لا تعمل في الفراغ ولا تقوم بخلق نظام محدد ، إنما تتفاعل مع البنى الموجودة لتعطينا نتائج متباينة في واقع معقد.

ما الذي تقوله هذه الدراسات في الإجابة عن السؤال المطروح هنا؟ أنها لا تعطنا جوابا موحدا عن دور سببي آلي لأسعار النفط في وجود مشاركة سياسية من عدمه. إنها تأخذنا بعيداً عن الصيغة التبسيطية التي اتسمت بها نظرية الدولة الريعية في شكلها الأوليّ والتي يبشر من خلالها البعض باستنتاجات كبرى كعقد اجتماعي جديد ينتظر دول المجلس. إن التغير الحاد في أسعار النفط -كما يتفق هذا الطيف من الدراسات التي لا زالت تقر بدور ما يلعبه هذا المورد الطبيعي في بنية الدول وسياساتها- سيكون لها تأثير مهم. غير أن هذا التأثير سيفهم بشكل أفضل باستحضار عوامل متعددة كالتاريخ السياسي الخاص بكل حالة ووجود حركة اجتماعية نشطة من عدمه أو التكوين الطبقي وتحالفات النخب في اللحظة الراهنة. الإستنتاجات الإقتصادية الحتمية كتلك التي أصدرها فريدمان قد تقودنا إلى تقييمات وأحكام غير دقيقة ببساطة أنها تأخذ أبصارنا إلى نموذج نظري مرتب وجذاب بعيداً عن معطيات الواقع المتشابكة.

المصدر: مدونة أعواد قش، 1 يناير 2016

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

في خضم الصراع الإقليمي والدولي حول الشرق العربي، يبقى السؤال الأساسي، ودون التقليل من أهمية كل الأسئلة الاخرى، مرتبطا بقضية الحقوق الأساسية للفرد وللجماعة في العمل السياسي. إن مشهد الموت المنتشر في حروب ونزاعات لن يكون لها نهاية قريبة يحتم علينا أو على بعضنا ان يطرح هذا البعد الذي بدونه لن يتأسس مشهد العرب القادم. لن تحقق منطقتنا نجاحات حقيقية في جبهة عسكرية أو حربية من اليمن إلى سوريا دون النظر لمدى خطورة أن يكون الوضع العربي في معظم حالاته خالياً من العمق الحقوقي والمؤسسي التنموي والسياسي.

نحن بحاجة لمراجعة، لسياسات التميز ولمأزق الحقوق والحريات السائد في الدول العربية. بلا هذه المراجعة فإننا سائرون نحو حروب أكثر فتكا. الحروب في منطقتنا التي قد تنجح في إضعاف فئات وتيارات ودول هي نفسها التي تصنع مقاتلي الغد. وطالما لم تصل لنخبنا الصيغ الأكثر التزاما بالحقوق والحريات والاٍقتصاد المتوازن والتنمية ودور الثقافة الديمقراطية والعدالة في نشر السلم في المجتمع بما يتضمن الإشراك لقواعد المجتمع سنبقى في نزاع مع أنفسنا أولا ومع الاجيال الصاعدة على كل صعيد. 

النموذج العربي، حتى اللحظة، مختلف عن النماذج التي تطورت في العالم وذلك لأنه أحادي التوجه يتعامل مع ما يحيط به من الأعلى بمعزل عن المجتمع. لسان حال النموذج العربي الرسمي: «التاريخ تصنعه النخب ولا دور للشعوب والجماهير في تلك الصناعة». إن النموذج العربي الراهن يتمسك بتحويل السلطة لحالة فردية. الفردية في النظام السياسي قد تنجح في حالات على المدى القصير والمتوسط ولكنها تتحول لمأزق كبير على المدى البعيد. فالفترات الطويلة من الحكم الفردي غير المساءلة كفيلة بتكليس السياسة وتدمير الاقتصاد وتعميق الجمود ونشر الفساد. 

النظام السياسي الفردي والذي لا يخضع لآليات ديمقراطية يصيب كما يخطئ، لكنه وبسبب عدم المساءلة ، نجده غير مضطر لأخذ توازنات المجتمع بعين الاعتبار، إنه غير مضطر لمراجعة وضع الفئات المتضررة مصالحها من جراء سياساته، إنه يتصرف بحرية وكثيرا بقساوة و بمعزل عن هذا النصف أو ذا الربع من المجتمع في كل شأن اقتصادي وحقوقي وسياسي في الحرب كما هو في السلم. لا يوجد لدى الأنظمة غير المساءلة كوابح كافية لوقف الأخطاء التي قد تكون مدمرة و لمناقشة صنع القرار قبل ان يستفحل.

ان كل الأنظمة السياسية في الشرق والغرب هي أنظمة أقليات، ففي النظام الديمقراطي ينتخب الناخب اقلية من الأفراد للقيادة، وفي النظام غير الديمقراطي تأتي للحكم أقلية من الأفراد بواسطة شرعية تاريخية أسرية او انقلاب عسكري أو انتقال سلطة من فرد لآخر. تلك الأقلية هي الاخرى بإمكانها أن تنظم الدولة والسلطة بنجاح. لكن الفارق الحقيقي بين النظام الديمقراطي وغير الديمقراطي مرتبط بكون الأقلية الحاكمة في النظام الديمقراطي تعلم جيدا ان لسلطتها حدوداً، لهذا تجدها في معظم الحالات أكثر تمهلا ومرونة في صنع القرار، واكثر استعدادا لأخذ آراء المعارضين بعين الاعتبار بما في ذلك امكانية استخدام بعض من تلك التصورات في سياساتها العامة.

إن الجانب الذي يميز النظام الديمقراطي، الذي يخطئ كما يصيب، مرتبط بعقلانيته في تناول مسائل الخلاف وكونه أقل اندفاعا وقساوة واكثر قدرة على تصحيح الخطأ بعد الوقوع فيه. إن حرص الديمقراطية على اتجاهات الرأي العام واعادة الإنتخاب وخضوعها بشكل واضح لفصل السلطات (لا تملك كل الاوراق) يلعب دوره في احترام تعددية الآراء والمدارس في المجتمع. هناك في الحالة الديمقراطية حياة سياسية تفاعلية، تختلف تلك الحالة عن النظام غير الديمقراطي الذي يخلو في معظم الحالات من الحياة السياسية بين أحزاب وتيارات وصحافة وإعلام. في الجوهر تبقى الانظمة غير الديمقراطية صناديق سوداء في الحرب كما هي في السلم، ومن الصعب معرفة مضامينها قبل فوات الأوان. 

المصدر: الوطن القطرية، 28 فبراير  2016

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

الصفحة 11 من 102