You are here:الرئيسية>الجماعة العربية للديمقراطية - الجماعة العربية للديمقراطية

محسن عوض: الديمقراطية وحقوق الإنسان فى الوطن العربي: ثلاثون شهراً من الإعصار

يصادف انعقاد المؤتمر القومي العربي فى مصر الثورة مرور ثلاثين شهراً منذ إندلاع إعصار الثورة فى تونس فى ديسمبر/كانون أول 2010، وهى فترة تحولات وتحديات عظيمة فى الوطن العربي وإن كانت قصيرة فى عمر الشعوب.

لقد طال الإعصار الذى إندلع من تونس قبل ثلاثين شهراً كل البلدان العربية بدرجات متفاوتة من العمق، نجح فى إزاحة نظم استبدادية وإطلاق مد تحرري وفتح مسارات للمستقبل وعزز مكتسبات للمجتمعات العربية لا يمكن النكوص عنها، واضطر كافة النظم العربية لفتح ملفات الإصلاح المجمدة منذ عقود لكنه فى الوقت نفسه أطلق تحديات جسيمة ليس أولها حمامات الدم التى نشهدها فى سوريا وليس آخرها التربص الاستعماري الذى يسعى إلى اغتنام صعوبات المرحلة الانتقالية التى تواجهها بلدان المنطقة لإعادتها إلى حظيرة التبعية وإعادة رسم خرائطها السياسية والاجتماعية.

وتسعى هذه الورقة إلى إجلاء طبيعة هذه التحولات ومدى تاثيرها على قضيتين مفصليتين فى مسار هذه الثورة هما لب التحدى ومناط الرجاء فى التحاق البلدان العربية بمواكب العصر وتبوأ المكانة التى تستحقها تحت الشمس وهما قضيتا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وتنظر هذه الورقة إلى أن الديمقراطية وحقوق الإنسان باعتبارهما وجهان لعملة واحدة، فلا سبيل إلى الإنتقال إلى الديمقراطية دون تعزيز احترام حقوق الإنسان. ولا سبيل إلى تعزيز حقوق الإنسان دون إطلاق الحريات الديمقراطية. ولا سبيل للديمقراطية وحقوق الإنسان دون تنمية يكون الإنسان محورها ومبتغاها.

وتستند هذه الورقة إلى جهد بحثي جماعي لفريق باحثى المنظمة العربية لحقوق الإنسان استغرق شهوراً وغاص فى التحولات الدستورية والقانونية والممارسات فى مجال حقوق الإنسان والحريات العامة ومسار الانتقال الديمقراطي عبر ما تم من انتخابات واستفتاءات وحوارات دعت إليها السلطة وحراك اجتماعي لم يهدأ له خاطر رغم مرور كل هذه الفترة، وذلك عبر خمسة عناوين رئيسية تتناول: قراءة فى التطور الدستوري والقانوني، وقراءة فى الحقوق الأساسية، واستعراض ممارسة الحريات العامة، والحق فى المشاركة وسؤال الانتقال إلى الديمقراطية، وأخيراً التحديات التنموية فى الوطن العربي.

أولاً: قراءة فى التطور الدستوري والقانوني.

1. التغييرات الدستورية.

رافق مشهد التغيير في الوطن العربي، إدخال تغييرات واسعة النطاق على البنية الدستورية والتشريعية. سواء في البلدان التي أخذ فيها الحراك الاجتماعي طابع الثورات والانتفاضات، أو تلك التي بادرت إلى إجراء إصلاحات لاستيعاب الحركة الاحتجاجية.

فعصفت الثورات والانتفاضات بالأطر الدستورية في خمس بلدان عربية هي تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا بأشكال متنوعة، واستبدلتها بإعلانات دستورية أو دساتير جديدة. كما أدخلت بلدان عربية أخرى تعديلات على دساتيرها بدرجات مختلفة من العمق وهى المغرب والأردن والبحرين وسلطنة عمان، فضلاً عن الصومال الذي يمثل حالة خاصة. وشكلت الجزائر لجنة في سبيلها لتعديل الدستور، ولأول مرة منذ عقود رُفعت عن كاهل الدساتير العربية حالات الطوارئ التي كانت تحجب ضماناتها في ثلاث بلدان عربية. 

وطالت التغييرات في البنية القانونية إصدار قوانين جديدة، أو تعديلات على قوانين قائمة، شملت قوانين مباشرة الحقوق السياسية وقوانين الانتخابات بمستوياتها المختلفة، وقوانين تنظيم الحريات العامة، كما أدخلت تعديلات على قوانين العقوبات.

وقد اتسمت معظم الوثائق الدستورية بما يلى:

جاءت معظم الوثائق الدستورية بعيدة كل البعد عن المبادئ الحديثة لوضع الدساتير حيث أُجرى بعضها في كنف السلطة من جانب لجان غير منتخبة حتى وإن ضمت كفاءات وخبرات مهنية رفيعة، ولم تعكس بالضرورة التنوع السياسي والفكري والاجتماعي على غرار ما حدث في الأردن والمغرب وسوريا. بل واكتفت إحدى البلدان بمصادقة الملك على الدستور دون إستفتاء شعبي عليه.

عززت معظم الوثائق الدستورية من مضمون حقوق الإنسان وحقوق المواطنة بالمقارنة مع الدساتير السابقة، وقيدت من السلطة المطلقة للحكومات في إعلان حالة الطوارئ واستمرارها، وعززت من دور المجالس النيابية ودورها في الرقابة والتشريع، كما عززت الرقابة على دستورية القوانين باستحداث محاكم دستورية جديدة.

لكن في المقابل حافظت الوثاق الدستورية الصادرة في النظم الملكية على مركزية الملك في النظام السياسي فهو يملك ويحكم ولا يُساءل، كما أنه يُعد مرجعية لكل سلطات الدولة، وحكما بينها ويُعين أو يرأس طائفة واسعة من المجالس والهيئات، وذاته مصونة.

وتعرض تشكيل اللجان التأسيسية لوضع الدساتير لمنازعات سياسية وقانونية على نحو ما حدث في مصر، حيث جرى التنازع على تفسير النص الخاص بتشكيل الجمعية التأسيسية في الإعلان الدستوري، إذ فسره البعض على أنه تفويض بالاختيار من جانب البرلمان فيما فسره البعض الآخر بأنه انتخاب للجمعية التأسيسية من خارج أعضاء البرلمان. وأدى فرض التفسير الأول في تشكيل الجمعية التأسيسية إلى استقطاب سياسي حاد وجدل حول تشكيلها تحول إلى نزاع قضائي تم بموجبه حل الجمعية التأسيسية الأولى. واختيار جمعية جديدة لم تحظ بدورها بتوافق وطني بل عمقت الانقسام الوطني حول الجمعية التأسيسية ومنتجها الدستوري.

وتكررت نفس الظاهرة في ليبيا بشكل آخر، فبعد أن حدد الإعلان الدستوري أن يقوم المؤتمر الوطني العام في أول اجتماع له باختيار هيئة تأسيسية لصياغة مشروع دستور، على أن يُعتمد من المؤتمر الوطني ويُطرح للاستفتاء العام. فقد تم بطريقة مفاجئة قبل انتخابات المؤتمر الوطني تعديل على الإعلان الدستوري، تضمن انتخاب الهيئة التأسيسية بطريق الانتخاب المباشر، على ألا يكون أعضاؤها من بين أعضاء المؤتمر الوطني العام. وقد انعكس ذلك على البرنامج الزمني لإصدار الدستور وأثار جدلاً شديداً داخل المؤتمر الوطني. 

لم يجر فحص جدي للمشاكل الواردة في الدساتير القائمة والتي كانت تنعكس على التشريعات المنظمة للحقوق الأساسية والحريات العامة على وجه الخصوص مثل إحالة تنظيم هذه الحقوق والحريات إلى القوانين دون ضوابط كافية تحول دون مخالفتها للنص الدستوري، فبلغت مثل هذه الإحالات في بعض هذه التشريعات لنحو ثمانين تشريعاً على غرار ما جاء في الدستور المصري.

لم تحسم أي من الوثائق الدستورية الصادرة مكانة المواثيق الدولية والإقليمية الخاصة بحقوق الإنسان بالنسبة للتشريعات الوطنية، وكذا لم تتضمن أية وثيقة دستورية قواعد القانون الدولي الإنساني.

ولم تحظ العدالة الاجتماعية، والتي كانت سبباً ومطلباً للحراك الاجتماعي بالأهمية الواجبة في الوثائق الدستورية.

مع بروز دور التيار السياسي الإسلامي في الحياة السياسية والاجتماعية وتصدره التشكيلات النيابية في تونس ومصر والمغرب وتعزيز حضوره في باقي البلدان العربية برزت قضية الشريعة الإسلامية ومكانتها الدستورية اتصالا بمضمونها أو بتطبيقها أو بتحديد هوية الدولة وقد عمقت صياغتها في الدستور المصري من الانقسام الوطني.

وأدى التسرع في إصدار الإعلانات الدستورية أو الدساتير دون إحكام صياغتها، أو التوصل إلى توافق وطني حولها، إلى إصدار تعديلات متكررة عليها على نحو ما حدث في الإعلان الدستوري الليبي، بل وبلغت المفارقة ذروتها في مصر بتبني رئيس الدولة والحكومة الدعوة لتعديلات دستورية للمواد الخلافية قبل إقرار الدستور نفسه.

وأثار العزل السياسي لرموز النظم السياسية السابقة جدلاً واسعاً حول دمجه في الوثائق الدستورية أو وضع قوانين مستقلة بشأنه في سياق إعداد الوثائق الدستورية حول مدة العزل السياسي والمشمولين بأحكامه.

وفي كل الأحوال فقد جاءت هذه الوثائق الدستورية دون طموحات وتطلعات المجتمعات العربية في تقرير مصيرها بنفسها وفي تكريس الحريات العامة على وجه الخصوص، وفى تهيئة سبل الانتقال إلى الديمقراطية.

2. تطور الإطار القانوني.

فى سياق القوانين المنظمة للحريات العامة استاثرت قوانين الانتخابات بأكبر قدر من التغيير بإصدار قوانين جديدة أو إدخال تعديلات على القوانين القائمة في تونس ومصر والجزائر والمغرب وليبيا وموريانيا والأردن وسوريا ولبنان والكويت والإمارات وقطر وسلطنة عمان أى فى أكثر من نصف البلدان العربية.

وقد اتسمت هذه القوانين الانتخابية بمايلى:

أحرزت معظم القوانين الانتخابية تقدما في تعزيز الحق في المشاركة عدا قانون الانتخابات في الأردن الذى جاء محبطا لتطلعات القوى السياسية بل ومناقضا لتوجهات لجنة الحوار الوطني، وأفضى إلى مقاطعة قوى سياسية للانتخابات. وكذلك التعديل الذى أدخل على قانون الانتخابات فى الكويت وأفضى بدوره إلى نفس النتيجة.

تباينت أنماط اللجان الانتخابية التى أنشئت للاشراف على الانتخابات بين نمط المفوضية العليا للانتخابات فى ليبيا، واللجان الوطنية العليا فى تونس والاردن والجزائر وسوريا ومصر والكويت وسلطنة عمان. كما تنوعت في نطاق اختصاصها فميزت في مصر بين لجان الاشراف على الانتخابات التشريعية والرئاسية، وشملت في سوريا اختصاص الانتخابات النتشريعية والادارية دون الرئاسية، واختصت في سلطنة عمان بانتخابات مجلس الشورى دون المجالس البلدية. كما تباينت في تشكليها بين التشكيل القضائى أو المتنوع.

جمعت معظم القوانين الانتخابية بين نظامى الانتخاب الفردى والقوائم.

خذ إصدار بعض القوانين مثلما حدث في مصر طابع العجلة والارتباك، كان أهم مظاهره، إدخال تعديلات على القوانين بعد إصدارها، وعدم اتساقها مع أحكام الدستور مما أدى إلى ابطال قانون انتخابات مجلس الشعب بعد الانتخابات، وحتى عندما تم اصدار الدستور الجديد، وإقرار مبدأ الرقابة القبلية على قوانين الانتخابات، جاء القانون الجديد الذى أقره مجلس الشوى مشوبا بعوار دستورى وتم استبداله بقانون آخر.

عززت معظم القوانين مشاركة النساء في الحياة السياسية باستثناء مصر التى استبعدت قوانينها الانتخابية تكريس حصة للنساء بعد طعن دستوري بعدم دستورية هذه الحصة التى كانت قد تقررت في العام 2009 بدعوى تعارضها مع مبدأ المساواة، وليبيا التى تخلى قانونها عن الحصة المخصصة للنساء والمحددة ب 10% من المقاعد. 

 

ولم ينافس حجم التعديلات على قوانين الانتخابات إلاٌ القوانين المنظمة لحرية الرأي والتعبير وخاصة الحريات الاعلامية، حيث صدرت قوانين أو تعديلات لقوانين قائمة في تونس والعراق والجزائر والسعودية وليبيا والأردن وسوريا وقطر وسلطنة عمان ومصر والكويت والإمارات أى أكثر من نصف البلدان العربية أيضاً.

وقد اتسمت هذه القوانين بما يلى:

حمل معظمها واجهات براقة مثل إلغاء العقوبات السالبة للحرية فى جرائم النشر. بينما أبقى على هذه العقوبة فى القوانين الجزائية.

واستخدم معظمها عبارات فضافضة ومبهمة تسمح بالتأويل والتفسير بما يهدد الحريات الاعلامية ويضع الاعلامييين تحت طائلة القانون.

ومال معظمها للتشديد والتقييد بدلاً من الإباحة والإتاحة وأثار معظمها اعترضات واسعة النطاق بين الاعلاميين والصحفيين والمدونين، واضطرت أحدى الحكومات للتراجع عن المضى فى اقرار القانون على نحو ما حدث فى الكويت.

ولم يواكبها صدور قوانين إتاحة المعلومات الرسمية مما يضطر الاعلاميين والصحفيين بالرجوع إلى مصادر غير دقيقة يمكن أن تضعهم تحت طائلة القانون. 

 

وشهد الحق في تنظيم الأحزاب إصدار قوانين جديدة وادخال تعديلات على قوانين قائمة، فى كل من تونس ومصر والجزائر وليبيا وسوريا والمغرب والأردن أى أكثر من ثلث البلدان العربية.

وقد اتسمت هذه القوانين بما يلى:

سهلت معظم هذه القوانين المنظمة تأسيس الأحزاب، إذ نصت على مُهل زمنية لرد الحكومة على طلب تأسيس الحزب، وما لم يرد من الحكومة اعتراض مسبب خلال المهلة المحددة، يُعد الحزب قائماً، وقد ترواحت هذه المدد الزمنية بين خمسة أيام فى أدناها كما ورد فى قانون الاحزاب الليبي و60 يوماً فى أقصاها كما ورد فى قانونى الاحزاب الجزائري والتونسي.

كفلت بعض القوانين مساهمة الدولة فى دعم تمويل الأحزاب من الميزانية العامة للدولة وفق شروط متنوعة مثلما ورد فى قانون الأحزاب في ليبيا وتونس.

وتباين النصاب الواجب للاعضاء المؤسسين للأحزاب بين 250 عضواً مؤسساً فى ليبيا وبين خمسة آلاف عضو فى مصر.

وبينما نص قانون الأحزاب في مصر على تشكيل لجنة للأحزاب تتفاعل مع مطالبت انفاذ قانون الأحزاب، فقد أعطى قانون الأحزاب الجزائري مهمة التفاعل مع الأحزاب إلى وزارة الداخلية. 

 

كذلك أصدرت بعض البلدان العربية قوانين جديدة للجمعيات الاهلية أو طرحت مشروعات لقوانين جديدة، وهى تونس وليبيا والجزائر ومصر والبحرين.

وقد اتسمت هذه القوانين ومشروعات القوانين بالآتي:

تجاوب قانون الجمعيات فى تونس مع تطلعات الرأى العام حيث أزال كل القيود وسهل تكوين الجمعيات.

وتعرض قانون الجمعيات فى الجزائر لانتقادالت أهمها أنه يعطى صلاحيات أوسع لرفض منح الصفة القانونية للجمعيات الجديدة كما يتيح للسلطالت حل الجمعيات على أساس نصوص فضفاضة.

وأتاحت ليبيا تكوين الجمعيات استناداً إلى الإعلان الدستوري الصادر فى أغسطس/آب 2011 .

وجاء مشروع قانون الجمعيات فى البحرين الذى أقرته الحكومة فى أغسطس/آب 2012 دون مشاورة المنظمات غير الحكومية.

ولم يكن الحال أفضل من ذلك فى مصر فجميع المسودات التى طرحت فى مجل الشورى حفلت بالعديد من القيود وفرغت النص الدستورى الذى يكفل تكوين الجمعيات بالإخطار من مضمونه.

وأزاحت ثلاث بلدان عربية عن كاهلها حالة الطوارئ التى كانت تحجب الضمانات الدستورية والقانونية وتطلق يد السلطة التنفيذية بغير حساب وهى مصر والجزائر وسوريا بينما استمر تمديدها فى تونس وفرضها بشكل جزئي فى السودان.

لكن رافق إلغاء حالات الطوارئ فى الجزائر فى 24 فبراير/شباط 2012 تعديل قانون الاجراءات الجزائية بما يمنح القضاة صلاحية إحالة المشتبه في ارتكابهم جرائم ارهابية إلى "إقامات محمية" فى أمكن لا يفصح عنها لعدة أشهر فى كل مرة. كما اضطرت مصر لإعادة فرضها مرة أخرى فى مدن القناة فى مارس/آذار 2013. بينما لم يؤخذ إلغاء حالة الطوارئ فى سوريا على محمل الجدية فى السياق الذى صدر فيه.

وبالنسبة للقوانين المتصلة بالحق فى المحاكمات العادلة التى تمثل أهم ضمانة للحريات العامة وسيادة حكم القانون أقرت التعديلات الدستورية محاكم دستورية فى الأردن والمغرب كما أدخلت مصر تعديلات على قانون المحكمة الدستورية تسمح بالرقابة السابقة على قوانين الانتخابات. لكن لم يتم تعزيز استقلال القضاء إذ تأخر الاهتمام بقوانين السلطة القضائية وإصلاح قوانين الإجراءات الجنائية.

كما استمر اللجوء للمحاكم الاستثنائية وتحصين بعض أعمال وقرارات الحكومات من الرقابة القضائية بدعوى أعمال السيادة. فاستمرت المحاكم الاستثنائية بمسمياتها المختلفة فى كثير من البلدان العربية.

وصدرت قوانين للعزل السياسي في مصر وليبيا وأحدثت فى الأخيرة إرتباكاً سياسياً إذ لم تقتصر على العزل السياسي بل امتدت للعزل من الوظائف العامة وامتد نطاقها الزمني منذ بداية حكم العقيد القذافي فى العام 1969.

وتفردت اليمن بإصدار قانون للحصانة، أقره البرلمان اليمنى فى فبراير/شباط 2012 يحصن الرئيس السابق من المساءلة الجنائية. كما تفردت ليبيا باصدار قانون بشأن ارساء المصالحة الوطنية والعدالة الإنتقالية.

ثانياً: قراءة في ممارسة الحقوق الأساسية

سدد المجتمع العربي من دماء أبنائه ثمناً فادحاً من أجل التغيير لكن تراوحت أعداد القتلى والمصابين فى تونس ومصر واليمن وهى البلدان التي نجحت في الحفاظ على سلمية حركتها الاحتجاجية بين المئات من القتلى والآلاف من المصابين.

بينما قفزت أرقام الضحايا فى الدول التى انزلقت إلى النزاعات المسلحة إلى ما بين عشرات إلى مئات الآلاف من القتلى والمصابين، إذ بلغت فى ليبيا وفقاً للمصادر الرسمية 50 ألفا بينهم 20 ألفا لا يزال مصيرهم مجهولاً، كما بلغت فى سوريا أكثر من 70 ألف قتيل وفق أغلب التقديرات بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المصابين. ورغم أن هذه الأرقام قد تكون محملة بقدر من المبالغات أو محملة باعتبارات سياسية يظل القدر المتيقن منها جسيماً إلى الحد الذى لا يحتاج لأى مبالغة.

أما خارج الدول الخمس التي تحولت فيها الحركة الاحتجاجية إلى ثورات وانتفاضات فقد اقتصر انتهاك الحق في الحياة والسلامة البدنية فيها - مما له صلة بالاحتجاجات الاجتماعية - على آحاد أو عشرات الحالات كما هو الحال في معظم البلدان العربية.

إضافة إلى ذلك استمرت أعمال القتل في عدة بلدان عربية على خلفية أعمال الإرهاب ومكافحته ووقع أبرزها في العراق واليمن والسعودية والجزائر والصومال، كما استمر مشهد القتل على خلفية النزاعات الداخلية المسلحة في السودان والصومال والعراق. وبقيت جرائم قتل الفلسطينيين على أيدي سلطات الاحتلال والمستعمرين مأساة يومية متجددة.

وتكشف خلال يناير/كانون ثان 2013 أبعاد إحدى الجرائم الكبرى في انتهاك الحق في الحياة فى سياق تبادل الاتهامات حول مسئولية قتل مواطن أمريكي مسلم بالطائرات بدون طيار بقرار من أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وتداولت المصادر الأمريكية والدولية أرقاماً تتراوح ما بين (2562) و(4700) ضحية وتبنى السيناتور الأمريكي الجمهوري ليندسون جراهام الرقم الأخير. وتعود أهمية تصريحاته هذه إلى أنه من المدافعين الغيورين عن هذا النوع من العمليات العسكرية، ونُسب إليه تصريح يقول فيه "قتلنا 4700 منهم، وأحياناً نضرب أشخاصا أبرياء وهو ما أمقته، لكننا فى حالة حرب".

وقد تم استخدام هذه الطائرات إلى جانب باكستان وأفغاستان فى العراق واليمن والصومال وليبيا. كما واصلت الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية استخدامها خلال العام 2012، ونفذت ما يتراوح بين 25 و83 غارة من هذا النوع.

وفى كل الأحوال فلم يضاه غزارة هذه الدماء التي شهدتها المنطقة إلا جسامة الإفلات من العقاب. فمعظم المحاكمات التي أُجريت للمسئولين الأمنيين المتهمين بقتل المحتجين السلميين لم تفض إلى عقوبات بسبب نقص الأدلة وقصور التحقيقات. وعجزت القوانين القائمة عن ملاحقة آخرين، وتعذر ملاحقة آخرين فروا إلى الخارج وتحصن آخرون بترتيبات قانونية فى سياق ما سمى بالخروج الآمن.

وقد أفضى هذا الواقع إلى بروز مفهوم العدالة الانتقالية كمخرج لتجاوز هذا المأزق، فبادرت تونس إلى تأسيس وزارة تعنى بالعدالة الانتقالية، كما بادرت ليبيا بوضع قانون للعدالة الانتقالية. وأُعيد طرح هذا المدخل فى غيرهما من بلدان المنطق. بينما يسود جدل حول هذا المفهوم وتطبيقاته إذ اعتبره البعض نوع خاص من العدالة بينما هو العدالة فى المراحل الانتقالية. وتطلع البعض لمد نطاقه الزمنى ليتفاعل مع اجحافات مضت عليها عقود على نحو يفتح الباب لتصفية الحسابات السياسية. وركز النقاش على الجزء العقابي دون النظر لطابعه كمسار لكشف الحقائق التاريخية. وتم إغفال الجوانب الأخرى المتعددة لمفهوم العدالة الانتقالية. 

 

وفى مجال الحق في الحرية والأمان الشخصي فشلت بلدان المنطقة على اختلاف ظروفها في حماية هذا الحق. بل وتورطت في انتهاكات جسيمة له، إذ شهدت المنطقة احتجاز وسجن عشرات الآلاف من الأشخاص. وقد تم معظمها وفق قوانين الطوارئ أو ما يماثلها من قوانين استثنائية في الدول التي تأخذ بها، كما تم خارج قوانين الإجراءات الجنائية في باقي الدول. ولم تحل رياح التغيير التي أطاحت بمعظم "حالات" الطوارئ في الحد من انتهاك الحق في الحرية والأمان الشخصي، حيث رافق إلغاء حالات الطوارئ قوانين أخرى تؤدى نفس أغراضها على نحو ما سبقت الاشارة، وبقيت معظم القوانين الاستثنائية في البلدان الأخرى على حالها كمصدر تهديد لهذا الحق.

وأفرزت الثورات التي انزلقت إلى النزاعات المسلحة عدة ظاهرات خطيرة في تهديد الحق في الحرية والأمان الشخصي، إذ قفزت بأعداد المعتقلين والمختفين إلى أرقام غير مسبوقة مثل سوريا وليبا. كما كسرت مبدأ "احتكار الدولة للإكراه". بانتشار ميليشيات مسلحة تمارس سلطات الحجز والسجن خارج عهدة الدولة في سوريا وليبيا.

وفي سياق التغيير الاجتماعي الذي واكب تطور المشهد السياسي، بصعود التيار الإسلامي، استفحلت ظاهرات تهدد الحق في الحرية والأمان الشخصي، فبعد أن كانت هيئة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في السعودية، نموذجاً فريداً وبائساً لانتهاك حرمة الحياة الخاصة للأفراد في المنطقة، فقد استشرت هذه الظاهرة فأفرزت التطورات في السودان جيل جديد من "رعاة الأخلاق" فيما أطلق عليها "لجان تزكية المجتمع" مستندة إلى إجراءات قانونية. وهدد الرئيس السوداني بإعادة محاكم النظام العام.

واستلهمت جماعات في بلدان أخرى هذه التجربة مثل مصر وتونس بتكوين ما يسمى "باللجان الشعبية" وحتى حكومة حماس المهمومة بكوارث اعتداءات قوات الاحتلال والحصار وجدت مكانا في أولوياتها لملاحقة شباب يتأنقون بطريقة رأتها غير لائقة، أو فتيات ترى أنهن غير محتشمات، وتنظر فى منع الاختلاط بين الجنسين في المدارس رغم النقص الفادح في المدارس ونقص المدرسين.

كذلك أفرزت الثورات التي انزلقت إلى النزاع المسلح ظاهرة خطيرة أخرى، وهي انتشار السلاح بين مختلف فئات المجتمع على نحو يهدد أمن هذه المجتمعات وأمانها، وقد رُفع هذا السلاح في وجه الدولة أحيانا للضغط من أجل تحقيق مطالب، واستخدم في اشتباكات عائلية وقبلية، بل وفى الزهو في مناسبات وطنية أفضت لسقوط قتلى.

وأمتد أثر هذه الظاهرة إلى البلدان المجاورة، بالتهريب لأغراض سياسية أو تجارية، وشملت الأسلحة المهربة أنواعاً مختلفة من الصواريخ، والأسلحة الثقيلة والذخائر، وأصبحت أحد الشواغل الأمنية الكئيبة في بلدان مثل مصر وتونس والسودان ولبنان وغيرها.

وبينما صدرت عشرات من قوانين العفو العام والخاص التي أفضت إلى إطلاق سراح سياسيين محتجزين بموجب قوانين الطوارئ أمضوا فترة عقوبتهم في تطور إيجابى يضع حداً لمظالم طال أمدها، فقد شمل ذلك المسار أيضا إطلاق سراح آلاف من الجنائيين الخطرين من معتادى الإجرام الذين يمثلون خطراً على أمن المجتمع بعد زوال سند احتجازهم. تضافر مع عن فرار آلاف السجناء الجنائيين خلال الثورة التونسية والمصرية مما شكل تحدياً خطيراً.

كما أدى ضعف الأجهزة الأمنية، وفقدان هيبتها وبطء قدرتها على التكيف مع الواقع الجديد، وانفجار المطالب المهنية والاجتماعية للفئات الدنيا منها، إلى ضعف قدرتها فى ملاحقة الخارجين على القانون، دفعت جماعات لنقل القانون لأياديها، وقامت بالقبض على "البلطجية" وقتلهم والتمثيل بجثتهم في عدة محافظات مصرية، وسعى البعض اللآخر باغتنام الفرصة لتشكيل لجان شعبية مسلحة بدعوى دعم الأمن.

وظلت الأعمال الإرهابية، ومكافحتها مصدراً متجدداً للانتهاك الجسيم للحق في الحرية والأمان الشخصي في المنطقة سواء من جانب الجماعات الإرهابية التي تمدد انتشارها جغرافياً في سياق الاضطرابات التي شهدتها المنطقة وتداعيتها السابق الإشارة إليها، أو استخدامها تكئة من جانب بعض الحكومات لتبرير تجاوزاتها حيال معارضيها. 

 

وفى سياق الحق في المحاكمة العادلة: استمر تغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية في معظم البلدان العربية، وتعرض نظام العدالة في كثير من البلدان العربية لامتحان عسير على صلة بموضوعات إصلاح القضاء، أو معاقبة أركان الأنظمة التي سقطت، أو في سياق إشرافه على الانتخابات وإدارتها، أو بسبب الصبغة السياسية لبعض أحكامه في موضوعات موضع انقسام في المجتمعات بعد الثورة، أو بسبب تصدى بعض المحاكم العليا لتقرير مدى دستورية بعض القوانين أو عدم دستوريتها، أو في الفصل في مدى مشروعية قرارات صادرة من جانب الحكومة أو البرلمان وما إذ كانت تدخل في نطاق أعمال السيادة أو تخرج عن نطاقها وتخضع لرقابة القضاء.

وفى سياق الظروف الاستثنائية التي تمر بها بعض البلدان العربية تأثرت العدالة جراء ما نال الأجهزة المعاونة للقضاء من اضطراب مثل الأجهزة الشرطية وغيرها من الجهات الأمنية المنوط بها جمع التحريات، وأجهزة الطب الشرعي، وأعوان القضاء الذين انخرطوا في الحراك الاجتماعي.

وأضاف إضعاف أجهزة الشرطة وارتباكها في ظل المتغيرات الجارية إلى صعوبة إضافية ليس فقط في إنفاذ أحكام القضاء بل وحتى في حماية القضاة والمحاكم والنيابات مما أثر على هيبة القضاء وزاد من البطء في البت في القضايا والدعاوى.

وضاعف من مأزق العدالة قصور التشريعات الموضوعية والإجرائية في البلدان العربية عن ملاحقة أنماط من الجرائم الخطيرة مثل جرائم الفساد والجرائم السياسية وجرائم الانتهاكات الممنهجة والجسيمة لحقوق الإنسان، وأدى هذا الواقع القانوني إلى ارتباك في معالجة الكثير من القضايا، وإخفاق في الملاحقة القضائية لأركان النظم السابقة، وأفضى إلى إفلات الكثير منهم من العقوبة كما أن محاولة تلافى هذه الثغرة في بعض البلدان العربية مثل مصر وليبيا عمقت الانقسامات السياسية داخل البلاد.

بينما استمر انتهاك الحق فى المحاكمة العادلة جراء استخدام المحاكم الاستثنائية أو محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وشهدت المنطقة خلال الفترة التى تغطيها هذه الدراسة عشرات من المحاكمات الجائرة التى لا تمت بصلة إلى معايير المحاكمة العادلة. 

 

وظلت حقوق السجناء وغيرهم من المحتجزين: إحدى التحديات الكبرى التي تواجه بلدان المنطقة منذ اندلاع الحراك الاجتماعي، ففى السياق المضطرب الذي رافق الحراك الاجتماعي، واجهت البلدان العربية ظاهرات غير مسبوقة. كان من أبرزها ظاهرة الفرار الجماعي للسجناء والمحتجزين في كل من تونس ومصر، وما رافقها من سقوط عشرات إلى مئات من القتلى من السجناء والمحتجزين. وهى قضية لا تزال موضع التباس لدى الرأي العام، وما إذا كانت إجراء متعمداً من جانب أجهزة أمن النظم السابقة لإشاعة الاضطراب في مرافق الدولة، أم أنها تمت في سياق التمرد مع انهيار الأجهزة الأمنية، كما أنها موضع تحقيق في مصر.

ثمة ظاهرة أخرى غير مسبوقة أفرزتها التطورات في أوضاع السجناء وغيرهم من المحتجزين المصنفين خطرين من معتادى الإجرام، والذين تم إطلاق سراحهم في سياق إلغاء قوانين الطوارئ في بعض البلدان بانتهاء السند القانوني لاحتجازهم، وهو أمر أثار إشكالية قانونية مزدوجة، فمن ناحية كان يمثل امتثالاً لحكم القانون، ومن ناحية أخرى أفضى إلى تفشي الجريمة، وخاصة في ظل الضعف الذي اعترى الأجهزة الأمنية والقضائية.

كما استجدت ظاهرة أخرى غير مسبوقة، في البلدان التي انزلقت إلى النزاعات المسلحة على غرار ما حدث في ليبيا، بسيطرة ميلشيات محلية مسلحة على نسبة من السجون وإصرارهم على رفض سيطرة الحكومة المركزية عليها بل وإنشاء أماكن احتجاز جديدة في مناطق سيطرتهم، وهو أمر يخل على نحو مباشر بركيزه أساسية من ركائز مفهوم الدولة، وهو احتكار الإكراه، كما أنه عرض السجناء لانتهاك طائفة واسعة من حقوقهم القانونية.

كذلك رافق النزاع المسلح الذي واكب الحراك الاجتماعي في بعض البلدان العربية، استشراء ظاهرة المختفين قسرياً، فى ليبيا وسوريا قدرتها المصادر بالآلاف مما ضاعف من خطورة هذه الظاهرة التي عرفتها المنطقة عبر العديد من النزاعات المسلحة السابقة ولازالت تعانى من آثارها بلدان مثل لبنان والعراق والسودان والجزائر والصومال. 

كما تفشت في سياق الأحداث استشراء ظاهرة التعذيب وأفضت إلى وفاة أعداد كبيرة من الأفراد، وقع أغلبها في سياق النزاعات المسلحة، لكن امتدت لمعظم البلدان العربية. 

كذلك تفشت في سياق الأحداث ظاهرة تسليم اللاجئين السياسيين، دون مراعاة للإجراءات القانونية المرعية وبالمخالفة للمعايير الدولية، وكذلك بالمخالفة لأحكام قضائية صادرة في بعض هذه البلدان.

وبينما استمر الانتهاك الجسيم باحتجاز المشتبه في تورطهم في الأعمال الإرهابية في الولايات المتحدة من المواطنين العرب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتراجع الإدارة الأمريكية عن إغلاق هذا الملف بعد وعود من الرئيس الأمريكي، فقد كشفت المصادر الدولية عن أبعاد مزرية لانتهاك الحقوق القانونية للمشتبه فيهم في قضايا الإرهاب، وتورط ثلاثة عشر حكومة عربية في النقل غير القانوني لهؤلاء المشتبه فيهم، وتعذيبهم، وقبلت هذه الحكومات أن تكون بلدانها "سلة نفايات" لجرائم المخابرات الأمريكية فئ تعذيب وانتهاك حقوق هؤلاء المحتجزين. 

 

ثالثاً: الحريات العامة.

انتزعت الشعوب العربية في سياق الحراك الاجتماعي مساحة غير مسبوقة من حرية الرأي والتعبير بكافة شُعبها، قضت على الاحتكار الرسمي للإعلام في بعض البلدان العربية، وعززت التعددية الإعلامية في أخرى، وكرست الإعلام الالكتروني كفاعل رئيسي على الساحة الإعلامية، فحّسنت من تدفق المعلومات ووسعت من خيارات الناس وقدرتهم على بلورة آرائهم حيال الشئون العامة.

لكن بقدر ما يبعثه هذا المشهد العام من تفاؤل، فإنه ينطوي على العديد من التحديات، فالانطلاقة التي حققتها حرية الرأي والتعبير، لا تزال غير محمية بسياج دستوري وقانوني يضمن لها الاستدامة، حيث جاءت القوانين المنظمة للحريات الإعلامية حمالة أوجه، ولم يرافقها تعديلات على قوانين العقوبات التي ظلت تكرس العقوبات السالبة للحريات في قضايا النشر.

وشاب الانطلاق الواسع لحرية الرأي والتعبير أعراض جانبيه جسيمة، ففي غياب قوانين تتيح الحق في الوصول للمعلومات، عانى الرأي العام من الخلط بين الشائعات والأخبار والمعلومات. وتعرض صحفيون وإعلاميون لمساءلات قانونية، وفى غياب مواثيق شرف فاعلة، ومساءلة مهنية قادرة انطلقت فضائيات ومدونات تحمل دعاوى طائفية ومذهبية بل وأحيانا عنصرية، وانغمست أخرى في الغيبيات والشعوذة.

وعانى الصحفيون، والإعلاميون، والمدونون جراء دورهم المشهود في واجهة الحراك الاجتماعي الذي تشهده المنطقة من ضغوط التغيير، وعدم قدرة النظم السياسية على التكيف مع الواقع الجديد، والانقسامات السياسية على خيارات المستقبل، فأصبحوا هدفاً رئيسياً في طاحونة القتل والاعتداءات البدنية لم تقع فقط من جانب النظم، بل ووقعت كذلك وبضراوة من جانب نشطاء سياسيين ومعارضين في الرأي.

وقُتل عشرات من الصحفيين والإعلاميين العرب، والأجانب من مراسلي الصحافة العالمية ووكالات الأنباء أثناء تغطيتهم للنزاعات المسلحة في ليبيا وسوريا وفلسطين والصومال. وقد قتل بعضهم على أيدي القوات الحكومية، وقتل البعض الآخر على أيدي المعارضة المسلحة. وجاءت بعض هذه الإعتداءات جراء الاشباكات لكن استهدف بعضها صحفيين وإعلاميين لصفتهم أو لشخوصهم.

كذلك تعرض العديد من الصحفيين والإعلاميين للقتل والاعتداءات البدنية خلال تغطيتهم لأحداث الاحتجاجات التي اندلعت في معظم البلدان العربية.

كذلك لم تتوقف الاعتداءات عند الصحفيين والإعلاميين، بل امتدت لمؤسساتهم الصحفية والإعلامية، فتم اقتحام العديد من هذه المؤسسات وتدمير معداتها من جانب جماعات معارضة لأدائها دون أن تجد حماية من سلطات الدولة.

وبادرت السلطات في معظم البلدان العربية بغلق فضائيات، أو التهديد بغلقها تحت دعاوى مخالفات قانونية، وأحالت عشرات من الصحفيين والإعلاميين إلى النيابيات بتهم متنوعة. 

وأتاحت التكنولوجيا الحديثة أداة إضافية لدى حكومات لعرقلة الفضائيات وهي اختراق البث الإعلامي للفضائيات باستهداف الأقمار الصناعية بل وأصبح مألوفاً أن يحمل شريط الأخبار في قنوات مثل الجزيرة، والعربية وغيرها، إرشادات مستمرة موجهة إلى مشاهديها بالانتقال إلى مواقع مغايرة لمتابعتها.

وتعرضت مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت، ومواقع الإعلام الإلكتروني لنصيب مماثل من القمع بالقوانين والممارسة على حد سواء، فجرى حجب العديد من المواقع تحت ذرائع مختلفة، كما جرى القبض على العديد من المدونين ومساءلتهم، وإحالتهم إلى المحاكم، ومعاقبتهم بأحكام قضائية.

وعلى غرار اختراق البث الإعلامي الفضائي، تعرض الإعلام الإلكتروني لظاهرة مماثلة وتولت مجموعات من "الهكرز" (القراصنة) اقتحام العديد من المواقع الإلكترونية جاء بعضها امتداداً للظاهرة العالمية المألوفة، ولكن بدا أن بعضها مقصود باستهداف مواقع معنية. 

 

كان تغييب الحق فى التنظيم بأشكاله المختلفة الحزبية والنقابية والجمعوية إحدى الآليات الاستراتيجية التى استخدمتها معظم البلدان العربية لتكريس هيمنتها حتى يظل المواطنون أفراداً فى مواجهة السلطة. وقد أحدثت الثورات وغيرها من اشكال الحراك الاجتماعي فى البلدان العربية تاثيراً عميقاً على ممارسة الحق فى التنظيم الحزبى جاء بعضها على مستوي التشريعات مشجعاً على نحو ما سبق الاشارة إليه، ولكن جاء أهمها على مستوى الممارسة الواقعية فنشأت مئات من الأحزاب السياسية فى تونس ومصر وليبيا، واتاحت الجزائر تسجيل 23 حزباً بعد توقف منذ العام 1999، كما تشكلت عشرات من الإئتلافات الشبابية فى تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن.

وقد اعادت هذه الانطلاقة الزخم للحياة السياسية، إذ فتحت نقاشات حيوية حول كل القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن أيضاً اثارت تحديات وإشكاليات مهمة، كان من ابرزها تشظى العمل الحزبى، ونشوء الأحزاب السياسية ذات المرجعية الاسلامية.

وقد تشكلت معظم هذه الأحزاب الجديدة التي تعبر عن التيارات المدنية على عجل فى سياق الاستعداد لخوض الانتخابات، ونشأت فى سياق تنافسات واستقطابت حادة، فجاءت أقرب إلى الائتلافات الانتخابية منها إلى الاحزاب السياسية، فلم تقم تعبيراً عن مصالح اجتماعية واقتصادية، ولم يتسع الوقت لبعضها لاعداد برامج حزبية مفصلة، ولم تستطع أن تستقطب القدر الكافى من التأييد فى الانتخابات لعبور الحد الادنى للتمثيل النيابى.

بينما حمل تأسيس احزاب سياسية ذات مرجعيات إسلامية تحدياً من نوع آخر، فبينما كان من الطبيعي بل ومن الواجب أن تستعيد جماعات التيار السياسى الاسلامى حقها المحجوب فى المشاركة السياسية فقد جاءت محملة بصورة ذهنية نمطية سلبية فى سياق المواجهة مع الأنظمة السابقة، لم تسع إلى تصويبها وعمقتها التنافسات والاستقطابات. ومن ناحية أخرى خلطت هذه الأحزاب بين التنظيم الدعوى الذى اكسبها شعبية وبين العمل السياسي، كما خلطت بين دور الضحية الذى اثار التعاطف الشعبى معها وبين مقتضيات السلطة.

وقد اثارت هذه الاشكاليات استقطابات حادة وانقسامات داخل المجتمع مع التيارات المدنية، ومع المواطنين من غير المسلمين، وداخل التيار الاسلامى ذاته والذى تتفاوت رؤاه وتفسيراته حول العديد من القضايا الخلافية، وخاصة تجاه بعض المذاهب الاسلامية الأخرى، وغير المسلمين، وحقوق المرأة. فضلاً عن أن بعض فصائل هذا التيار كانت تمارس العمل السياسى لأول مرة فى تاريخها فتورطت فى تصادمات حادة مع القوى الاجتماعية. 

 

وعلى مستوى ممارسة الحق فى التنظيم النقابى: فرضت القوى الاجتماعية بشقيها العمالى والمهنى مبدأ التعددية النقابية، ونشأت مئات من التنظيمات النقابية والعمالية والمهنية المستقلة، بل تجاوزت هذه الكيانات المجال التقليدى للعمل النقابى العمالى والمهنى إلى قطاعات لم تكن مالوفة من قبل مثل الشرطة وأئمة المساجد.

وأصبحت الاعتصامات والاضرابات والمفاوضة الجماعية شاناً يومياً فى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبالمثل أصبحت آلية التقاضى حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية شائعة بعد أن كانت قاصرة على التفاعل فى مجال الحقوق المدينة والسياسية.

لكن كما هو مألوف فى سياق التغييرات المفاجئة والعميقة، فاقت المطالب الاجتماعية والاقتصادية المكبوتة ووسائل اقتضائها قدرات الدول، واقترنت بعض مظاهر الاحتجاجات المشروعة بتجاوزات غير مشروعة مثل قطع الطرق والسكك الحديد، وأعمال عنف مثل اقتحام منشأت حكومية أو احتلال مساكن مخصصة لأشخاص آخرين، أو تجريف الرقعة الزراعية الخصبة بالبناء على الأراضى زراعية.

الحق في المشاركة وسؤال الانتقال إلى الديمقراطية.

بينما يمثل الحق في المشاركة في إدارة الشئون العامة أحد المرتكزات الجوهرية على طريق الانتقال إلى الديمقراطية في الظروف العادية، فإنه يكتسب أهمية خاصة في سياق المشهد المتغير على الساحة العربية، حيث كان تفريغه من مضمونه أحد الأسباب الرئيسية لاندلاع الثورات والانتفاضات وغيرها من أشكال الحراك الاجتماعي الذي شهدته المنطقة.

كما أنه يظل مؤشراً أساسياً على شرعية أنظمة الحكم الجديدة التي أتت بها هذه الثورات، وطوق النجاة لغيرها من النظم التي تسعى لاستيعاب تطلعات شعوبها وتفادي الاضطرابات. فضلاً عن دور هذا الحق في تكريس المواطنة، وتراكم الوعي السياسي والاجتماعي الذي افتقدته المنطقة لعقود طويلة.

وقد شهدت الساحة العربية أنماطا متعددة من الاختبارات الجدية في إعمال هذا الحق من خلال سلسلة الاستفتاءات والانتخابات بمستوياتها المختلفة، وانطلاق حوارات وطنية بين السلطات والمجتمعات في أكثر من نصف البلدان العربية.

وقد تم استخدام آلية الاستفتاء فى خمسة بلدان عربية فجرت عدة استفتاءات مصر والسودان والمغرب والجزائر واليمن، وقد جرت معظم هذه الاستفتاءات على صلة بإقرار إعلانات دستورية أو دساتير، بينما انفرد أحدها وهو الاستفتاء الذي أجرى في السودان بواحدة من أخطر الاستحقاقات الدستورية في تاريخ البلاد، وهو الاستفتاء على حق تقرير المصير المقرر في اتفاقية سلام الجنوب، والذي يخير أبناء الجنوب بين الوحدة أو الاستقلال.

وشهدت البلدان العربية انتخابات رئاسية، ونيابية وبلدية. فى الانتخابات الرئاسية فرغم تنصيب خمس من رؤساء الدول العربية من خلال صناديق الانتخابات، إلا أن معظم هذه الحالات تمت في الواقع على نحو يصعب وصفه بالانتخابات. فعدا إجراء انتخابات رئاسية تنافسية مباشرة في مصر وجيبوتي، جاءت انتخاب رئيس جمهورية تونس عبر انتخابات غير مباشرة من خلال توافق تحالف الأحزاب الثلاثة الرئيسية التي فازت في انتخابات المجلس التأسيسي وعُرض ترشيحه للتصويت في الجمعية التأسيسية وأيدته. وجاء انتخاب رئيس اليمن في سياق تطبيق المبادرة الخليجية حيث تقضي باختيار شخصية موضع توافق من جانب القوى السياسية، ويتم "انتخابه" من جانب الناخبين اليمنيين، فيما كان بمثابة استفتاء أكثر من اعتباره انتخاباً.

كذلك جرى انتخاب رئيس الصومال عبر انتخابات غير مباشرة ووفق خارطة طريق مشتركة بين القوى المحلية والمجتمع الدولي من أجل إنها المرحلة الانتقالية في الصومال، وتنافس فيها 22 مرشحاً، وأسفرت عن فوز غير متوقع لحسن شيخ محمود إذ حاز على 190 صوتاً مقابل 79 صوتاً لشيخ شريف شيخ أحمد. وقد تقبل المرشح الخاسر نتائج الانتخابات ووصفها بأنها كانت عادلة. 

 

وعلى مستوى الانتخابات النيابية جرت انتخابات نيابية في نصف البلدان العربية، جاء بعضها في سياق الثورات والانتفاضات التي شهدتها المنطقة أو نتيجة لها، كما جاء بعضها في سياق الحراك الاجتماعي الذي شهدته معظم البلدان العربية أو نتيجة استحقاقات دستورية مقررة.

وقد أجريت هذه الانتخابات في كل من مصر والجزائر والمغرب وجيبوتي والصومال والكويت وسلطنة عمان والإمارات، والأردن وسوريا. واستهدفت ثلاث منها تشكيل مجالس تأسيسية لإعداد دساتير أنيط باثنان منها اختصاصات تشريعية لحين انتخاب البرلمان. وهي تونس وليبيا، بينما اختصت إحداها بإعداد الدستور فقط وأجريت بانتخابات غير مباشرة في مصر.

وتباينت البنية القانونية- السياسية لهذه الانتخابات إذ سبق معظمها تغييرات في قوانين مباشرة الحقوق السياسية، وقوانين الانتخابات وسّعت من نطاق هيئة الناخبين، وحتى في البلدان التي كانت تجرى انتخابات غير مباشرة مثل سلطنة عمان ودولة الإمارات، فقد انصرفت الأولى عن إجراء الانتخابات غير المباشرة، ووسعت الثانية من قاعدة المشاركين لانتخاب أعضاء المجلس الاتحادي.

كذلك سبق معظم هذه الانتخابات تعديلات على قوانين الأحزاب، أتاحت نشوء أحزاب جديدة، فوسعت أيضاً من قاعدة المشاركة الحزبية.

ونقلت معظم البلدان العربية التي شهدت انتخابات، الإشراف عليها من أيدي وزارت الداخلية إلى إشراف لجان انتخابية مستقلة، أوكل إليها مهمة الإشراف على الانتخابات، وتدقيق قوائم الناخبين، وقوائم المرشحين، ومراقبة مجريات الانتخاب ومدى اتساقها مع القوانين، والنظر في الطعون وإعلان نتائج الانتخابات.

وقد تفردت مصر والكويت بظاهرة خاصة، وهى إبطال مجلسين منتخبين في كل منهما، حيث أبطلت المحكمة الدستورية العليا في مصر مجلس الشعب بسبب عوار دستوري شاب قانون الانتخابات، كما تم إعادة انتخاب الجمعية التأسيسية للدستور بسبب عوار دستوري أيضاً. كذلك تم إبطال مجلس الأمة الكويتي الناتج عن انتخابات فبراير/شباط 2012، بناء على حكم من المحكمة العليا ببطلان إجراءات حل مجلس الأمة (2009) وإحيائه، ثم إجراء انتخابات أخرى في نوفمبر 2012 .

كما تفردت الانتخابات التشريعية التي أجريت في كل من سوريا والصومال بإجرائها في سياق نزاع مسلح، لكن بينما لم تؤخذ انتخابات سوريا بجدية في سياق الظروف التي أجريت فيها، فقد جاءت انتخابات الصومال على العكس من ذلك مدعومة من جانب المواطنين اللذين عاشوا ويلات الحرب لعقود، ومن جانب المجتمع الدولي الذي عانى من إفرازات هذه الحرب بانتشار القرصنة والإرهاب والمجاعات وغيرها.

وعزز السياق القانوني- السياسي من حقوق النساء في المشاركة السياسية، إذ أرست معظم القوانين الانتخابية حصصا للنساء (كوته) جاء أفضلها في تونس التي نصت قوانينها على مبدأ المناصفة وليس فقط الإنصاف، وإن حال نظام القوائم دون بلوغ هذا المطمح. لكن كان من المؤسف أن يفشل الإطار القانوني في النهوض بحقوق النساء في المشاركة السياسية في مصر، جراء حكم قضائي قضي بعدم دستورية تخصيص حصة للنساء، وكذا ليبيا التى تخلى قانونها الانتخابى عن نسبة 10% المخصصة للنساء.

وقد اتسمت مجريات العمليات الانتخابية بالسمات التالية:

أجريت معظم هذه الانتخابات في سياق اجتماعي - سياسي محتقن جراء الحراك الاجتماعي، وسبق معظمها دعوات للتأجيل أو المقاطعة، لكن اقتصرت المقاطعة الفعلية المؤثرة على الانتخابات النيابية في الأردن من جانب التيار السياسي الإسلامي اعتراضا على قانون الانتخابات، وكذلك في الكويت اتصالا بنفس السبب.

ورغم احتدام المنافسة بين القوى السياسية، والتي بلغت في بعض الأحيان حد الانقسام الوطني، فلم تشهد مجريات الانتخابات أعمال عنف واسعة النطاق تُعطل مسارها، أو تؤثر على حرية الناخبين باستثناءات محدودة.

شهدت معظم الانتخابات إقبالا غير مسبوق في حجم المشاركة وامتدت "طوابير" الناخبين في بعض الحالات لمئات الأمتار، وتحمل الناخبون بصبر ساعات طويلة من الانتظار للإدلاء بأصواتهم. كما تميزت المشاركة بحضور ملفت للنساء والشباب وكبار السن. على نحو لم يعبر فحسب عن احتدام المنافسة، وإنما، أيضا زيادة وعي المواطنين بممارسة حقوقهم السياسية، وشعورهم بأن أصواتهم يمكن أن تحدث أثراً.

تمثلت أبرز الانتقادات على مسار العمليات الانتخابية فى انتهاك قواعد الدعاية الانتخابية، وخرق فترة الصمت الانتخابي، واستخدام المال السياسي للتأثير على الناخبين، وبعض الارتباكات الإدارية في موعد فتح لجان الانتخابات أو إغلاقها، وتدخل بعض مسئولي اللجان لتوجيه الناخبين، كما ُوجهت انتقادات حول تفاعل نمط مسئولي اللجان مع السيدات المنتقبات، والأميين، وأحيانا بغياب التسهيلات للمعاقين. وفي معظم الحالات لم تكن حركة اللجان الانتخابية العليا سريعة وفعالة في مواجهة هذه الخروقات.

كذلك وقعت بعض الجرائم الانتخابية، وضُبطت حالات تزوير، كانت موضع طعون قضائية وأحالتها اللجان الانتخابية العليا للقضاء.

أجريت معظم العمليات الانتخابية في ظل مراقبة مندوبي المرشحين، ومتابعة محلية، ودولية، تفاوتت في مستواها وفعاليتها، ووجه معظمها انتقادات مهمة، لكن لا ترقي لدمغ الانتخابات بتزوير إرادة الناخبين.

شارك في معظم الانتخابات، لأول مرة، مواطني البلدان العربية المقيمين في الخارج وقد أثار ذلك في بعض الحالات إشكاليات قانونية على نحو ما جرى في مصر، حيث يقضى قانون الانتخابات بإجراء الانتخابات تحت إشراف قضائي كامل، وهو ما كان متعذرا، وأثارت الإجراءات البديلة جدلا سياسيا وقانونيا.

اعترفت القوى السياسية التي شاركت في الانتخابات في معظم الحالات، بنتائج الانتخابات رغم أن بعضها وجه انتقادات ثقيلة لها، باستثناء الكويت حيث رفضت القوى المقاطعة نتائج الانتخابات وتعهدت بإسقاط البرلمان، وجيبوتي التي رفضت المعارضة فيها نتائج الانتخابات، وأطلقت مظاهرات احتجاجية تخللت أعمال عنف، وواجهتها السلطة بإجراءات قمعية شديدة واعتقالات.

وعلى مستوى الانتخابات البلدية أجرت خمس بلدان عربية انتخابات بلدية، أو ولائية، أو مجالس محافظين وهي السعودية وسلطنة عمان والعراق والجزائر وفلسطين. وقد اتسمت هذه الانتخابات بما يلي:

أجريت إحداها لأول مرة وهي الانتخابات البلدية لسلطنة عمان، وفق القانون الذي أصدره السلطان في 2011، وأشرفت وزارة الداخلية على الانتخابات، وتم استبعاد بعض المرشحين "لأسباب أمنية" ودون توضيح.

وجاءت أخرى، وهي الانتخابات البلدية في السعودية متأخرة عن موعدها المقرر في 2009، فيما جرى تفسيره بأنه كان يهدف إلى بحث إمكانية إشراك النساء في الانتخابات. لكنها تمت أيضاً بدون مشاركة النساء.

وجاءت أخرى، وهي الانتخابات البلدية في فلسطين متأخرة عن موعدها بأكثر من خمس سنوات تحت وطأة الانقسام الوطني، واقتصرت على الضفة الغربية دون قطاع غزة مما عمق الانقسام الوطني. وتبادلت السلطة الفلسطينية في رام الله والحكومة المقالة المسئولية عن إجراء هذه الانتخابات الجزئية.

وأجريت إحداها في العراق لانتخابات مجالس المحافظين وهى أول انتخابات تجرى بعد انسحاب القوات الامريكية من العراق. وقد تمت في سياق احتقان طائفي عميق، واحتجاجات غير مسبوقة أفضت إلى إجرائها في 12 محافظة من ثمانية عشرة محافظة وسبقها ورافقها أعمال عنف خطيرة واغتيالات لبعض المرشحين.

وإلى جانب الاستفتاءات والانتخابات دعت حكومات إلى حوارات سياسية وطنية رسمية مع المجتمع. وينظر الباحث إلى هذه الحوارات كآلية للحق فى المشاركة، وقد شهدت عشرة بلدان هذا النمط من الحوارات وهي الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا، ومصر والبحرين واليمن، وسوريا والأردن وفلسطين أي نحو نصف البلدان العربية.

وقد تباينت هذه الحوارات تبايناً واسعاً في كل تجلياتها على الساحة العربية بدءاً من سياقاتها وآلية الدعوة إليها، ومروراً بتنظيمها ومدى موضوعيتها واستجابتها لتطلعات المجتمع وجدول أعمالها، ومدى جدية المناقشات خلالها، وانتهاء بنتائجها وجدية تنفيذها وآلية متابعة هذا التنفيذ. ولا يتسع هذا المقام لعرض الجوانب المختلفة لهذه الحوارات كما أن كثير منها مازال قيد الإجراء ومن ثم لا يمكن إصدار تقيم منصف لمدى ما حققته من قيمة مضافة فى العمل السياسي العام.

خامساً: التحديات التنموية فى الوطن العربي.

اتخذت الدول العربية عدداً من الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية للتجاوب مع تطلعات الحركة الاحتجاجية أو احتوائها. ويثور التساؤل عن مدى تحقيقها للتقدم ووفائها بتطلعات المجتمعات العربية للتغيير.

وتسعى هذه الورقة لتقييم هذه الإجراءات ليس فقط من خلال طبيعتها ولكن أيضاً في سياق تاثيرها على التنمية إنطلاقاً من المفهوم الذى تتبناه هذه الورقة بالترابط بين التنمية والديمقراطية، فبغير ديمقراطية يستحيل انجاز تنمية حقيقية يكون الإنسان محورها وغايتها، وبدون تنمية حقيقية تظل الديمقراطية مجرد شعار خاو من المضمون.

1. مبادرات الإصلاح:

شهدت البلدان العربية عشرات من الاجراءات تتعلق برفع الحد الأدنى من الأجور، امتد بعضها بوضع حد أعلى للأجور كذلك، وتثبيت مئات الآلاف من العاملين بعقود عمل مؤقتة، والتعهد بخلق وظائف جديدة تراوحت بين آلاف ومئات الآلاف، ومد مظلة الحماية الاجتماعية للعديد من الفئات الهشة بزيادة معاشات الضمان الاجتماعى، والمعاشات التقاعدية وامتد بعضها لتقرير إعانة بطالة.

كما شملت خفض الرسوم على بعض السلع الأساسية والمحروقات لتثبيت أسعارها، أو زيادة الدعم المخصص إلى هذه السلع، وتخصيص صناديق لإقراض الشباب. وتخصيص موارد لمشاريع التنمية فى أقاليم أو محافظات لمعالجة مظاهر الخلل فى توزيع برامج التنمية أو إنصاف بعض الفئات الهشة.

كما اختص بعضها بالسعى لتحسين بعض الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والمياه والصرف الصحى والنقل وبرامج الإسكان الاجتماعي.

وتفردت السعودية بحكم مواردها بتخصيص موارد ضخمة تغطى كل الجوانب السابقة.

ورغم أهمية كل هذه الإجراءات التى تحققت، وما أتاحته من دعم أفراد أو جماعات إلا أنها تظل فى أفضل الحالات مسكنات وإصلاحات جزئية. فلم تطرح أى اجراءات اقتصادية طويلة المدى أو تتعامل مع جوهر المشكلات التى تسببت فى الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التى أفرزت الثورات والاحتجاجات الاجتماعية.

فلم تدعو أى الحكومات العربية إلى حوار مع مجتمعاتها حول المسار الاقتصادي والاجتماعي على نحو ما فعلت فى المجال السياسي، لإشراكها فى بلورة رؤية تنموية متوافق عليها وهو ألف باء التنمية، وواصلت جميعها نفس السياسات الاقتصادية والاجتماعية السابقة التى تقوم على الإستناد إلى الاحتكام للسوق كمصدر للخيارات الاقتصادية التى أدت إلى المأزق الذى تواجهه، ولم تتعلم درس الأزمة الاقتصادية والماالية العالمية فى مراجعة السياسات الاقتصادية واعتمدت سياسة "السير كالمعتاد".

2. نموذج للتنمية منتهى الصلاحية

خلصت دراسات متخصصة مهمة إلى أن هناك شواهد تطبيقية توضح أن الدول العربية قد حققت نموا جيدا خلال الفترة ما بين 1965- 1995، وقد أوضح البنك الدولي أن مرد ذلك يكمن في طبيعة العقود الاجتماعية التي نظمت العلاقة بين الأنظمة الحاكمة وشعوبها، والتي تميزت بعدد من الملامح التنموية كان من أبرزها "تغليب اعتبارات العدالة" وإعادة توزيع الثروة في السياسات الاقتصادية والاجتماعية. واعترف البنك الدولي بأن الفترة من 1965 – 1995 التي أعقبت تأسيس هذه العقود الاجتماعية قد شهدت معدلات متميزة وغير مسبوقة في النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية.. كما حققت تلك العقود الاجتماعية انخفاضات في مستويات الفقر، وعدم التساوي في توزيع الدخل. وإن كان البنك الدولي لاحظ أن العقود الاجتماعية التي حققت هذه الإنجازات قد بدأت تعاني من الإجهاد خلال النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي مما ترتب عليه أزمات اقتصادية كبيرة حدت بمعظم حكومات المنطقة إلى تبني برامج الإصلاح الهيكلي.

وقد ركزت برامج الإصلاح الهيكلي على عملية تحقيق كفاءة استغلال الموارد؛ ومن ثم تحقيق معدلات نمو اقتصادية مرتفعة بغض النظر عما يحدث في مجال توزيع الدخل وباستخدام معلومات حديثة كعينة من الدول العربية منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي وحتى 2005 أوضحت الدراسات أن النمو الذي شهدته دول العينة لم يكن منصفا للفقراء، واستخلصت من هذه النتيجة سؤالا استراتيجيا حول ما إذا كان ينبغي على الدول العربية إعادة النظر في طبيعة السياسات التنموية التي طبقتها في إطار برامج الإصلاح الاقتصادي التي تبنتها.

3. فساد يلتهم ثمار النمو والتنمية

تجمع أدبيات التنمية، ومكافحة الفساد على الآثار الفادحة للفساد على النمو الاقتصادي والاستثمار وكذا جودة البنى التحتية والخدمات العامة، وتركيز الثروات الناتجة عن الفساد دون توظيفها في القطاعات الضرورية مثل التعليم والصحة أو توفير فرص العمل. وزيادة الأسعار، إذ ينقل رجال الأعمال عبء الرشى التي يدفعونها إلى المستهلك.

وتثبت أدبيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي علاقة تبادلية بين الفساد والفقر، إذ يزيد الفساد من جراء الفقر من خلال إعاقته للنمو الاقتصادي الذي يؤثر بدوره على مستويات الفقر من ناحية، كما يؤثر الفساد على الفقر عن طريق التأثير على عوامل الحكم الرشيد من خلال إضعاف المؤسسات السياسية ومشاركة المواطنين، وتخفيض جودة الخدمات والبنى التحتية الحكومية، مما يؤثر بدوره على مستويات الفقر.

وتحفل المصادر الدولية بتقديرات متفاوتة عن تكلفة الفساد في الوطن العربي وتقدره بعض المصادر برقم يتراوح ما بين 300 إلى 400 مليار دولار سنوياً. كما تقدر الأموال المهربة من مصر وتونس وليبيا بنحو 300 إلى 400 مليار دولار. وتقدر الأموال المهربة نتيجة الفساد من مصر وحدها بثلاثة أضعاف قيمة الموازنة. ويقدر المؤتمر الوطني الليبي أن هناك 60 مليار دولار لا يعرف أحد أين هي.

ولا تقاس خطورة الفساد بالارقام فحسب إذ أن أخطر ما ينتج عن ممارسات الفساد والإفساد هو ذلك الخلل الكبير الذي يصب أخلاقيات العمل وقيم المجتمع. وسيادة حالة ذهنية لدى الأفراد والجماعات تبرر الفساد، وتجد له من الذرائع ما يسوغ استمراره واتساع نطاق مفعوله في الحياة اليومية فتاخذ الرشوة والعمولة تدريجياً مقومات نظام حوافز جديد لا يجاريه نظام آخر. ويتقبل المجتمع نفسياً فكرة التفريط التدريجي في معايير أداء الواجب الوظيفي والمهني والرقابي. ويفقد القانون هيبته في المجتمع.

ولا يكاد يخلو بلد عربي من آليات رقابية أو قانونية لمكافحة الفساد، فجميع البلدان العربية تجرم العديد من مظاهر الفساد، وتؤسس أجهزة رقابية للمراقبة المالية والإدارية، بل ويصل عدد هذه الأجهزة في بلد مثل مصر عشرة أجهزة تعمل بشكل مباشر في الرقابة المالية والإدارية ومثلها تعمل بشكل غير مباشر لتحقيق نفس الغاية، وهو ما بررت به مصر عدم رغبتها في إضافة الآلية النابعة عن الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، وقصرتها على لجنة داخلية تابعة لوزارة التنمية الإدارية، مع إضافة عنصرين من خارج الجهاز الحكومي.

كذلك بادرت معظم البلدان العربية بالانخراط في الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، وبسرعة غير مألوفة بخلاف سلوكها حيال غيرها من الاتفاقيات الدولية الأخرى، ولم يتخلف عن الانضمام للاتفاقية سوى السعودية والسودان وسوريا الذين وقعوا ولم يصادقوا، وسلطانة عمان والصومال اللتين عزفتا عن الانضمام إلى الاتفاقية.

كما بادرت الدول العربية لإقرار اتفاقية عربية لمكافحة الفساد في إطار جامعة الدول العربية، تم التوقع عليها من جانب وزراء الداخلية، والعدل العرب في 21 ديسمبر 2010 من جانب جميع الدول العربية باستثناء الصومال.

وخلاصة القول أن البلدان العربية لديها التزامات قانونية دولية نابعة عن انضمامها طواعية للاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، وأخرى عربية وضعتها بنفسها وهي الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد. كما أن لديها مؤسسات معنية بمكافحة الفساد : حكومية وغير حكومية. ولديها قوانين جزائية وإجرائية حتى وإن كانت تحتاج لتعزيز. وأثبتت البلدان العربية في عدد من القضايا قدرتها على كشف ممارسات فساد ومعاقبة مرتكبيه.

لكن المفارقة هنا أن كل هذه المنظومة لم تفلح في الحد من الفساد، بل على العكس من ذلك فإن أغلب البلدان العربية تراجعت على مؤشر مدركات الفساد الذي تجريه منظمة الشفافية الدولية.

تتفق هذه الدراسة مع معظم العوامل التي تناولها أدبيات مكافحة الفساد مثل نقص الديمقراطية، والمشاركة، وسيادة القانون والمساءلة، وكذا نقص فعالية أداء الحكومة وجودة التشريعات. لكن تختلف هذه الدراسة مع ما يثار حول غياب الإرادة السياسية في مكافحة الفساد. فالاستخلاص الرئيسي الذي تصل إليه هذه الدراسة هو أن هناك إرادة سياسية لحماية الفساد وليس مكافحته يظهر ذلك في الطابع الممنهج للفساد الذي تكشف بسقوط بعض النظم العربية. وتشابه آلياته ومواقع المنخرطين فيه.

في هذا السياق يمكن تفسير الكثير من جوانب هذه المفارقة، فبعضها مثل الإقبال السريع على الانضمام لاتفاقية مكافحة الفساد، أو وضع اتفاقية للغرض ذاته، كان يقع في باب العلاقات العامة الدولية أكثر مما يسعى لمكافحة الفساد كما أنه تستجيب لبعض جوانب القلق الدولي مثل غسيل الأموال، أو تهيئة بيئة مواتية للاستثمار.

أما ملاحقة بعض رموز الفساد فكان يقع في باب تأديب بعض المتورطين في الفساد الذين يتمردون على شروط المسئولين من النخب الفاسدة، أو التضحية ببعض رموزه ككباش فداء لضمان استمراره. وبعضها مثل بناء المؤسسات، تم تصميمه على نحو شكلي ووفق ضوابط تعيق أكثر مما توفر قدرات حقيقية لمكافحة الفساد.

4. تحدى إقامة العدالة الاجتماعية

لا يخلو بلد عربى من برامج لإقامة قدر أو أخر من العدالة الاجتماعية مثل نظم التأمينات والمعاشات التقاعدية، أو الحماية الاجتماعية من خلال الدعم العينى أو النقدي، أو إتاحة السلع والخدمات العامة مثل التعليم الذى تلتزم البلدان العربية بأتاحته مجانياً والزامياً في مرحلة التعليم الاساسي، أو الرعاية الصحية والعلاج المجاني لغير القادرين، أو السعي لتوفير فرص العمل، أو توفير برامج للإسكان الاقتصادى لمحدودي الدخل.

كما توفر البلدان العربية النفطية أنماطاً من الرفاه الاجتماعي لمواطنيها تفوق ما قد توفره بعض الدول المتقدمة في تلبية السلع والخدمات العامة.

بيد أن هذه الصورة البراقة، التى تشغل عادة معظم التقارير الوطنية المقدمة إلى المؤسسات الدولية لا تصمد عند أول اختبار قياسا بالمعايير الدولية، فخلف هذه المواجهة تكمن أوضاع مزرية لطابع العدالة الاجتماعية المتوافرة في الواقع العربى، يستوى في ذلك البلدان الفقيرة والغنية، ولم يكن مصادفة وأن يكون أحد أسباب الحراك الاجتماعي الذى تشهده المنطقة هو غياب العدالة الاجتماعية، وأن يكون أيضا أهم مطالبه.

فمبدأ المساواة وعدم التمييز، وتكافؤ الفرص الذى يمثل حجر الأساس في العدالة الاجتماعية، يعد بحق الفريضة الغائبة في البلدان العربية. تتعدد أنماطه وذرائعه لكنه يظل متجذراً في كل البلدان العربية، بدءاً من التمييز ضد المرأة التى تشكل نصف المجتمع العربي، ويمتد إلى التمييز على أساس الدين والمذهب والمعتقد، والتمييز الإثنى، وكذا التمييز على أساس الأصل الاجتماعي.

ويؤثر التمييز بأنماطه المختلفة على تكافؤ الفرص في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأدى في بعض الحالات الحادة إلى اندلاع نزاعات مسلحة أثرت على وحدة التراب الوطني على نحو ما حدث في النموذج السودانى بانفصال الجنوب، أو تهديد وحدة التراب الوطنى على غرار تزايد المطالب الانفصالية في جنوب اليمن.

وباختبار المعيار الخاص بالتوزيع العادل للموارد والأعباء ، الذى يعتبر أحد المعايير الأساسية لقياس العدالة الاجتماعية من خلال نظم الأجور والدعم والتحويلات، وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية، وتوزيع الدخل داخل المجتمع، تظهر أنماط من التبانيات بين الدول الفقيرة والغنية لا يمكن جمعها في إطار تحليلى جامع.

فرغم ما توفره البلدان الفقيرة والمتوسطة من تبريرات بشأن قيود الموارد الاقتصادية على المستوى المتدني للأجور، تظهر المقارنة بين أدنى الأجور وأعلاها في بلد مثل مصر تفاوتاً يفوق التفاوت فى الدول الرأسمالية. ولا يمكن تبريره اجتماعياً تحت أى إدعاء، كما كانت الدولة تتبنى سياسة ضريبة موحده للفئات التى تربح عشرات، إن لم يكن مئات الملايين سنوياً، وأولئك الذين يريحون أقل الأرباح.

ورغم وفاء البلدان العربية الفقيرة بالتزاماتها بتوفير الخدمات التعليمية مجانياً وألزامياً في مرحلة التعليم الأساسي، بل ويمدها بعضها إلى مستوى التعليم الجامعي، تعانى الخدمة التعليمية الحكومية في البلدان العربية من تدن مطرد مقابل إفساح المجال للمدارس الخاصة، ونزوعها المطرد لإحلال القطاع الخاص محل التعليم الحكومى.

أما البلدان الغنية فتشهد أنماطاً مختلفة من اختلالات هيكل العدالة الاجتماعية، إذ تفرض قوانين العمل في هذه البلدان تفرض أنماطاً من القيود على العاملين من الوافدين والاجانب غير مبررة، أبرزها نظام الكفيل الصارم، الذى يرهن ارادة العاملين للكفلاء.

كما شرعت منذ أكثر من عقد في التخفف من توفير السلع والخدمات العامة التى كانت تتيحها للعاملين بحرمانهم من التعليم المجاني، والرعاية الصحية المجانية، فرغم أن عديمي الجنسية البدون يقيمون في بلدان الخليج وبشكل متصل ولأجيال متعاقبة، فإن حكومات بلدان الخليج ترفض باصرار منحهم جنسيتها وقد تفاقمت هذه الظاهرة باستخدام نزع الجنسية عن فئات من المواطنين على أساس سياسي أو أيديولوجي.

وباختبار مبدأ توفير العدالة بين الأجيال، وهو أحد المبادئ التى ترسخت فى قياس العدالة الاجتماعية، تُظهر المقارنة اختلالات عميقة في تطبيقها في البلدان العربية، كما تظهر تبايناً في نمط هذه الاختلالات، ففي البلدان الفقيرة والمتوسطة، تورط العديد من البلدان العربية في الاستدانة الواسعة التى سيقع عبؤها على الأجيال القادمة، كما فرطت معظمها فى مبدأ الاستدامة البيئية.

ورغم تنبه بعض البلدان الغنية لمبدأ توفير العدالة بين الأجيال، وأسست إحداها صندوقا للأجيال القادمة، فقد أفرطت جميعها فى استخراج البترول، وهو مصدر ناضب، ولم يهئ معظمها اقتصادها للتفاعل مع مرحلة ما بعد البترول رغم أن معظمها يحقق فوائض مالية وفيرة تتيح له ذلك.

5. اثر النزاعات المسلحة الداخلية والاحتلالات الأجنبية على التنمية:

لا يمكن الحديث عن التنمية فى ظل النزاعات المسلحة الداخلية وخلال العقود الأخيرة تنقلت النزاعات المسلحة الداخلية بين عدة بلدان عربية وأفضت لنتائج كارثية على النمو الاقتصادي والتنمية. وتعانى حالياً أربعة بلدان عربية من هذه النزاعات كما تعاني فلسطين من استمرار الاحتلال الإستيطاني الإحلالي العنصري.

وتشهد خمسة بلدان عربية أثاراً فادحة جراء النزاع الداخلي أو الاحتلال الاجنبي إذ تشهد سوريا تخريباً شاملاً للبنية التحتية. ونقصاً فادحاً فى الموارد المالية جراء توقف صادرات النفط، وهروب الإستثمارات ونقص الضرائب. وترتب على هذه الأوضاع ارتفاع مستوى البطالة إلى مستويات غير مسبوقة وانخفاض الناتج المحلى الاجمالى إلى نحو قدره تقرير اقتصادي صادر عن الأمم المتحدة عام 2012 بنسبة 29.1%.

ويعانى العراق من تشوهات اقتصادية واجتماعية خطيرة من جراء سياسات الاحتلال، ولم تسعف عوائد تصدير النفط التى تصل إلى مائة مليار دولار سنوياً فى معالجة النقص الفادح فى الخدمات الرئيسية فى امدادات الكهرباء المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي والنظافة، وتتفاقم فيه التباينات فيه بين المناطق فى الخدمات ويتم تهميش فئات واسعة النطاق من المجتمع ويعانى من زيادة البطالة والانفاق الأمنى ولم تتجسد الوعود التى قطعتها الحكومة لاحتواء الحركة الاحتجاجية وتخصيص موارد لتحسين الخدمات.

وترجع المصادر هذه الأوضاع المتردية إلى الفساد الذى يعم البلاد ويضعها فى أدنى مواقع مؤشرات الشفافية بين بلدان العالم، وكذا شغل المناصب التنفيذية المهمة على أساس الولاء الطائفي والحزبي وليس الكفاءة، ونقص انتاجية العمال. وقد أدى هذا الواقع المتردى إلى احتجاجات اجتماعية واسعة النطاق بدأت مع بدايات العام 2011 على نحو ما سبقت الإشارة وأخذت فى الاشهر الأخيرة من عام 2012 مظاهر أكثر حدة وعنفاً شملت عدة محافظات واستمرت لبضعة أشهر وطرحت فيها إلى جانب المطالب الاحتجاجية مطالبة "المواطنين السنة" الكف عن تهميشهم ووجدت تعاطفاً من بعض فئات "المواطنين الشيعة".

ورغم نجاح السودان فى اقرار اتفاقية سلام الشامل فى الجنوب منذ العام 2005 فقد أدى اختيار الجنوبيين للانفصال دون الانتهاء من بعض القضايا الجوهرية المعلقة، إلى نزاعات مسلحة بين الطرفين، كما اندلعت نزاعات مسلحة أخرى فى الولايات الحدودية مع جنوب السودان، بينما استمر نزاع دارفور رغم اتفاقيات الدوحة. وقد حرم انفصال جنوب السودان، الشمال من 75% من انتاج النفط، الذى يُمثل حوالي 40% من الإيرادات العامة ومصدر العملات الصعبة الذي تتعمد عليه الحكومة في استيراد احتياجات البلاد. فضلاً عن تزايد معدلات الهجرة والنزوح داخل السودان وخارجه. ويقدر صندوق النقد الدولى أن معدل النمو الاقتصادى فى السودان انخفض بحوالى 11% فى العام 2012 وسيبلغ صفر فى عام 2013.

واستمرت الحرب الأهلية في الصومال للعام الثالث والعشرين على التوالي عنصراً أساسياً فى ظل غياب الدولة وغياب التنمية موجة من الجفاف أفضت لكوارث ووفاة عدد كبير من المواطنين الذين عجزوا عن نيل أقل الأساسيات وتشرد داخلى ونزوح خارجي واسع النطاق واستمرار أنشطة القرصنة البحرية التي اتخذت من السواحل الصومالية منطلقاً لها، ومسرحاً لجذب جماعات القاعدة. ورغم الإصلاحات السياسية المدعومة من جانب المجتمع الدولي والاتحاد الافريقي فى بناء خارصة طريق وضعت حدا للمرحلة الانتقالية ونجحت في تأسيس مجلس تمثيلي ووضع دستور جديد وانتخاب رئيس جديد وتحجيم جماعة الشباب التى أعلنت انتماءها لتنظيم القاعدة فقد استمرت الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التى يعاني منها المواطنين جراء الصعوبات الأمنية وانعدام البنية التحتية.

ورغم أنه من غير المتوقع في بلد يعاني من احتلال عنصري استيطاني احلالي على نحو ما تعاني منه الأراضى الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 فقد شهدت هذه الأراضى تطورات غير مسبوقة بالتراكم وتحت وطأة الاحتلال والحصار والإنقسام الوطني.فبالتراكم بلغ عدد المستوطنات فى الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية 250 مستوطنة تضم 520 ألف من المستعمرين (200 ألف فى القدس الشرقية، و320 ألف فى أنحاء الضفة الغربية). وزادت الحكومة الإسرائيلية القائمة مخصصات الاستيطان بنسبة 38% عام 2011 مقارنة بالعام 2010. وضاعفتها فى العام 2012. وطرحت مشروعات استيطانية جديدة فى منطقة E1 تعزل القدس نهائيا عن الضفة الغربية وتهدف هذه السياسات لوضع نهاية فعلية لدولة فلسطينية قابلة للحياة. ناهيك عن تقويض قدرة الشعب الفلسطيني على تقرير مصيره والسيطرة على موارده الاقتصادية.

وواصلت إسرائيل حصارها الإجرامي الذي فرضته على قطاع غزة منذ يونيو/حزيران 2007، ويقوض هذا الحصار قدرة الفلسطينيين على العمل وحقهم فى الانتقال وقد تضاعفت آثاره بالإعتداءات الإسرائيلية الشاملة على قطاع غزة في ديسمبر/كانون أول 2008 (عملية الرصاص المصبوب) ونوفمبر/تشرين ثان 2012 (عملية عامود الدخان) واللتان أديتا إلى جانب قتل وإصابة ألاف من الفلسطينيين إلى تدمير كثيف للمساكن والبنية التحتية بما في ذلك المدارس والمستشفيات والمصانع.

ولا تقع مسئولية الحصار واستمراره طوال هذه السنوات على عاتق إسرائيل وحدها، بل تمتد هذه المسئولية إلى كل الدول التي آزرت هذا الحصار أو تماشت معه، أو سكتت عليه، وفي مقدمتها النظم العربية التي يتورط بعضها في تعزيز هذا الحصار مثل السلطة الوطنية الفلسطينية ومصر (مبارك) أو بالسكوت عنه اكتفاء ببيانات الشجب والإدانة مثل باقي الدول العربية. كما تقع مسئوليته على الرباعية الدولية التي تُكسب الشروط الإسرائيلية طابعاً دولياً وتضم الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية والأمم المتحدة.

6. تحدي التكامل التنموي العربي

بينما يظل التكامل التنموى العربي طوق النجاة لمعظم البلدان العربية من التبعية الاقتصادية ومعالجة الإشكاليات البنيوية للاقتصاد، ورغم ما تذخر به جامعة الدول العربية من وثائق هامة ودراسات رصينة واتفاقيات ارتكازية وقرارات واضحة لإطلاق تعاون مثمر في مجال التنمية والتكامل الاقتصادي، إلا أن الواقع يناقض ما تقضي به هذه الوثائق، عدا ذلك التعاون على مستويات عربية محدودة جغرافياً ونوعياً، ويفتقد للتنوع المنشود في ضرب النماذج الحية لمقومات التكامل والتعاون التنموي.

وقد جاء إطلاق مسار القمة التنموية العربية الدورية في العام 2009 بالتعاون بين الجامعة العربية ولجنة الأمم المتحدة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لجنوب غربي آسيا باعثاً على التفاؤل، وخاصة في ضوء ما تناولته القمة من قضايا في دورتها الأولى.

ويقوم مسار القمة التنموية العربية على مبدأ أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي الطريق الصحيح لإرساء التكامل العربي والتضامن والعمل العربي المشترك، كضمان أساسي لنهضة الأمة ولأمنها القومي ومستقبل أجيالها، وتبنت القمة منذ البداية أفكاراً حول عدد من المشروعات التكاملية الكبرى ذات العناوين البراقة والتي تعكس إيقاعاً ملموساً على السمع مثل: مشروع الربط الكهربائي العربي، ومخطط الربط البري بالسكك الحديدية، والبرنامج الطارئ للأمن الغذائي العربي، والسعي نحو إقامة الاتحاد الجمركي العربي 2015 لبلوغ السوق العربية المشتركة 2020، فضلاً عن إنشاء صندوق لدعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة في الوطن العربي، وما أضيف لها من مشروعات لاحقة في دورتي شرم الشيخ 2011 والرياض 2013 من مشروعات للربط البحري وربط شبكات الانترنت العربية، وتبني مبادرة البنك الدولي لدعم مشروعات البنية الأساسية والاستثمار في التنمية البشرية وتعزيز قدرات الصناعات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة العربية، علاوة على تعزيز جهود تنفيذ الأهداف التنموية للألفية والإعداد للمساهمة العربية في وضع الإطار الدولي ما بعد 2015، والحديث عن المشاريع العربية لدعم الشعب الفلسطيني وصمود القدس والمقدسيين، والإشارة إلى عقد للتعليم وعقد للتوظيف والتشغيل وتعزيز الدعم للمؤسسات المالية العربية والاتفاقيات الخاصة بالمستثمرين.

غير أن المتابع لمسار القمة في دوراتها الثلاث لا يسهُل عليه العثور على الطحين الناتج عن الكثير من العناوين، فلا تزال الكثير من القضايا عند مرحلة التأسيس منذ الدورة الأولى في الكويت 2009، سواء بكونها لا تزال في حدود الدراسة، أو استراتيجية في حدود النوايا، أو اتفاقية قيد الإعداد، أو قانون نموذجي قيد المراجعة، أو الدعوة لتوفير دعم مالي إضافي لمؤسسة مالية قائمة بالفعل، أو بتخصيص بعض الموارد المطلوبة لتفعيل صندوق لا يزال قيد الإنشاء، أو بتأطير جهود لطالما جرت داخل الوطن العربي وخارجه مثل البرنامج الطارئ للأمن الغذائي.

ويثير الدهشة أن وثائق الدورات تتحدث عن الرضا أو بالأحرى الترحيب بالتقدم المحرز في تحقيق الأهداف، وهو التقدم الذي يقيسه المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالجامعة العربية بمستوى التقدم في الأوراق دون الواقع.

وبينما أفسح مسار القمة مجالاً لمنتديات للمجتمع المدني والقطاع الخاص في سياق دورات القمة، قبل أن يضيف إليها منتدى للشباب، لكن تم ذلك في سياق الاستمرار في الخلل البنيوي عبر النظر للمجتمع المدني باعتباره فضاء تابع لحكومات البلدان، وليس تعبيراً عن شعوبها، والمحاولة في حصر دوره في الإطار الإنساني الإغاثي أو الاجتماعي الخيري، أو في إطار تحميله أعباء غير ممكنة في سد الخدمات الأساسية الواجبة على الحكومات في سياق الانصياع لأجندات المؤسسات المالية الدولية وانسحاب الدولة من وظائفها الاجتماعية الأساسية.

وبالرغم من أن قمة شرم الشيخ 2011 قد عايشت العاصفة الشعبية التي بدأت في تونس وحاولت الانتباه إلى بعض الأصوات المتعالية أنذلك، فإن قمة الرياض (يناير/كانون ثان 2013) جاءت بعد عامين شهدت فيهما المنطقة العربية تغيرات اجتماعية وسياسية وتحولات كبرى، كان لها عظيم الأثر على السياسات الاقتصادية الاجتماعية، ولها بعض الآثر على التوجهات في خطط التنمية، لكنها لا تزال لا تفي بالحاجة لمعالجة ما تجلى من إختلالات في السياسات الاجتماعية والاقتصادية نتج عنها زيادات قاسية في معدلات الفقر والفقر المدقع، وارتفاع معدلات البطالة الأسوأ عالمياً وخاصة بين الشباب، وتدني مريع في مستويات الخدمات الاجتماعية، بالإضافة إلى التغافل عن الالتزام بحقوق المرأة وتفشي السياسات والتشريعات المناهضة لها، وإقصاء وتهميش لعدد من الفئات الاجتماعية الأساسية كالأشخاص ذوي الإعاقة والمنتمين لإثنيات دينية أو مذهبية أو عرقية، فضلاً عن تفشي التمييز على أسس طبقية، والفجوات بين المناطق الحضرية وبين المناطق الريفية والبدوية ومناطق الأطراف. 

 

الخلاصة:

ويبقى سؤال الانتقال إلى الديمقراطية، فهل حققت إزاحة الأنظمة فى بعض البلدان العربية وتأسيس أطر دستورية وقانونية جديدة، وما ترتب على انتخابات من نتائج وما أنتجته من قوى وتوازنات، الإنتقال إلى الديمقراطية؟

للوهلة الأولى قد تبدوا الإجابة بالنفي، فالسمة السائدة فى البلدان التى شهدت ثورات هى تنازع الشرعيات ولم تترسخ بعد شرعية صندوق الانتخابات وتنازعها الشرعية الثورية بدرجات متفاوتة بين تونس ومصر واليمن، وبدرجة حادة فى ليبيا على نحو يهدد العملية السياسية.

وكذلك استمرار الانقسام الاجتماعي حول العديد من القضايا الجوهرية ذات الصلة، بدءاً بالصراع على الهوية، إلى نمط التعامل مع النظم السابقة وقياداتها وتركتها الاقتصادية والاجتماعية وصولاً إلى الخلافات حول خيارات المستقبل فى نموذج التنمية، والسياسات الاجتماعية، والعلاقات الدولية. 

وكذلك قصور مفهوم الديمقراطية لدى العديد من القوى السياسية الصاعدة التى تراه يتمثل فى إجراء انتخابات نيابية دورية، ومؤسسات تمثيلية، وتغفل ما يستند إليه المفهوم من منظومة قيمية تقر بحقوق الأقلية السياسية، والفصل بين السلطات، وسيادة القانون، واستقلال السلطة القضائية، وتفعيل حقوق المواطنة لكل فئات المجتمع دون تمييز.

أما فى البلدان التى بادرت بإجراء اصلاحات سياسية واقتصادية لاحتواء الحركة الاحتجاجية، فقد جاءت هذه الإصلاحات حذرة وبعضها عزز الواقع أكثر مما أفسح الطريق إلى المستقبل.

وأفرزت صناديق الانتخابات فيها إما قوى تعزز الاستمرار على نحو ما شهدته الجزائر، أو قوى تعزز الواقع على نحو ما أفرزته انتخابات الأردن والكويت بتقدم القوى القبلية وتراجع القوى السياسية، وهى نتائج لم تأت معزولة عن تصميم النظم الانتخابية وتقسيم الدوائر الانتخابية.

بينما ظلت هناك بلدان لا ترى من مفهوم الإصلاح سوى الإغداق المالي، ولا يزال بعضها ينازع فى مشاركة المجتمع على مستوى مجالس بلدية نصفها بالتعيين وفاقدة للصلاحيات.

ومع الاعتراف بتاثير كل هذه العوامل فى عرقلة الانتقال إلى الديمقراطية إلا انه يقابلها من ناحية أخرى تطورات ترسم صورة مختلفة للواقع. وإذا كانت الحرية تنتزع ولا تمنح كما نعتقد جميعاً، فقد انتزعت المجتمعات العربية حريتها ولم تبخل بالتضحيات وأصبح إعادتها إلى "بيت الطاعة" ضرباً من المستحيل.

كذلك فقد عززت المجتمعات العربية مكتسبات لا يمكن النكوص عنها:

أولها؛ القضاء على مشروع توريث السلطة، بعد أن كانت بعض النظم قد حولت مجتمعاتها ومقاديرها إلى متاع يورث.

وثانيها؛ أنها وضعت نهاية لتقديس السلطة، فبعد ان كانت تلميذة فى مدرسة ابتدائية تفصل لكتابة موضوع تعبير ينطوى على شعار ناقد للسطلة، أصبحت قصور الحكم موئلاً للتظاهرات والاحتجاجات والمطالب. وأصبحت هناك مطالب متصاعدة لتطوير النظم الملكية إلى ملكيات دستورية، كما تضاءل حجم المسكوت عنه من مساءل الحكم وقداسة المؤسسات العسكرية والأمنية.

وثالثها؛ ظهور فاعلين جدد بخلاف القوى التقليدية فى مقدمتهم الرأى العام، والإعلام الجديد، والنقابات المستقلة، وأشكال التنظيمات الشبابية العابرة للتنظيمات الحزبية والأيدلوجية، والحركات المطلبية.

ورابعها؛ زيادة الوعى العام وانخراط كل فئات المجتمع بكل مستوياتها فى النقاش العام. ظهر ذلك فى الاصطفاف أمام صناديق الانتخابات والاستفتاءات فى طوابير تمتد لساعات، والإنغماس فى تقييم المرشحين والسياسات العامة وتأثيرها على معيشتهم، والنقاش حول القضايا الدستورية التى كانت حكراً على مناقشات الصفوة، رغم أن واضعى الدساتير لم يسعوا إلى هذه النتيجة.

وتمثل هذه العوامل ركائز الانتقال إلى الديمقراطية وتمهد لإرساءها، خاصة إذا ما نظرنا إلى الديمقراطية باعتبارها مساراً وليست مجرد إجراءات. 

ولا تنطلق هذه النظرة من رغبة فى إشاعة التفاؤل وإنما تصدر عن قناعة تامة بأن المد التحررى الذى تشهده المنطقة لا يزال حاضراً كفرصة تاريخية بكل معنى الكلمة، واستناداً على إستقراء التاريخ الوطني، وتجارب الأمم الأخرى فى الإنتقال إلى الديمقراطية، والثقة بأن الذين قدموا كل ما قدموه من تضحيات لن يفرطوا فى الإمساك بهذه الفرصة التاريخية.

***

* محسن عوض، باحث في شئون حقوق الإنسان والديمقراطية، عضو المؤتمر القومي العربي.

المصدر: المؤتمر الرابع والعشرون للمؤتمر القومي العربي، 1 – 2 حزيران/يونيو 2013، القاهرة - مصر

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

الإخوة أعضاء المؤتمر، سيداتي سادتي

اللغة العربية تعاني من وضع يهدد كيانها ومستقبلها، ويهدد مستقبل العرب كأمة وكيان. والشعوب العربية تشعر بهذا. والأمل في ارض الكنانة التي قامت بثورة رائدة، أن تطبق المادة 11 من الدستور الجديد الذي ينص على تعريب التعليم، فيعرّب تعليم الطب والتقانة، فمصر هي قاطرة الوطن العربي فإذا عربت عربت الأقطار العربية الأخرى. نحن في الجزائر مثلا بالرغم من قرن وثلث قرن استعمار استيطاني استلابي، عربنا التعليم العام، والعلوم الإنسانية في الجامعة، لكن عندما طالبنا بتعريب تعليم الطب قيل لنا: "كيف تريدون من الجزائر تعريب تعليم الطب بينما لا زال يدرس باللغة الأجنبية في مصر، وما أدراك ما مصر".

العصر مطبوع بالطابع العلمي والتقاني والرقمي، والعلم والتقانة في الوطن العربي يدرّسان بالجامعات العربية بالإنجليزية مشرقا وبالفرنسية مغربا، باستثناء سورية والسودان؛ والعربية غائبة عن الرقمنة، وهذا هو الذي جعل خطط التنمية العربية متعثرة، ففي البلدان التي نجحت بها خطط التنمية، العلم والتقانة بها يعلمان باللغة القومية، كالصين، وكوريا، ونمور آسيا، وأندنوسيا، وتركيا، والبلدان الأوروبية، وحتى الكيان الصهيوني، وغيرها.

الطالب الجامعي العربي لا يحترم لغته لأنه يرى أن أعلى المجموعات في شهادة الثانوية العامة يوجه الحاصل عليها لكليات تدرس باللغة الأجنبية، ففي نظره أن العربية لا تصلح لعلم العصر.

إن التعليم الجامعي بالأقطار العربية يعاني من مستوى ضعيف، والسبب الرئيسي في ذلك راجع إلى تعليم العلم والتقانة باللغة الأجنبية. والبحث العلمي متدنٍّ والسبب يكمن في إنجازه باللغة الأجنبية، ولا يمكن لبحث علمي أن ينجح في أمة بلغة أجنبية؛ ثم إن الجامعات العربية تستورد المنتجات الجاهزة من الغرب، وتستورد الكتب المقررة في العلم والتقانة منه، وإذا تطورت استوردت براءات الاختراع من الغرب، ولا تحتاج إلى إنتاج بحث علمي خاص بها لأنها تابعة لغويا في العلم للغرب. عدد براءات الاختراع التي تحققها الدول كل عام من خلال مواهب مواطنيها هي مقياس تقدمها. مكتب براءات الاختراع والعلامة التجارية الأمريكي سجل في عام 2009 أن (إسرائيل) حصلت على 1525 براءة اختراع مسجلة، بينما العالم العربي مجتمعاً لم يحقق سوى 63 فقط. وهذا يعد منخفضا بشكل كبير مقارنة بدولة لديها مصادر ثروة طبيعية محدودة، وهي كوريا الجنوبية التي حققت 9566 براءة اختراع لوحدها.

في التاريخ العلم العربي برز بعد قرار عبد الملك بن مروان تعريب الدواوين الإدارية للدولة، وقرار المأمون بتأسيس بيت الحكمة.

يقول الدكتور محمد رضا محرّم الأستاذ بكلية الهندسة بجامعة الأزهر بالقاهرة في دراسة له منشورة في مجلة المستقبل العربي عدد 61، آذار/مارس 1984:

"إن البعد اللغوي أوضح أنواع الاستلاب الثقافي حيث تكون القناعات السلبية قد استقرت بشأن قدرة اللغة الأجنبية على القيام بالدور ذاته... إن التبعية العمياء للغة الأجنبية في ميادين العلم والتكنولوجية، لم تتقدم كثيرا بالعرب، كما أنها لم تتقدم بمجتمعاتهم خطوة واحدة، والتبعية اللغوية تولد التبعية النفسية التي تجسمها التبعية السياسية الاقتصادية... إن تعريب التكنولوجية معناه جعلها متداخلة في الكيان العربي ومتجانسة معه..

ويستمر الدكتور محرّم فيقول: "إن حجم مؤسسات البحث العلمي وحجم عدد المؤهلات العليا في الأقطار العربية ليس بالهين أبدا في مصر يقدر عدد حاملي الماجستير والدكتوراه بأكثر من خمسة وعشرين ألفا (سنة1984). المركز القومي للبحوث في مصر يضم 12 قسما بحثيا وأربعة معاهد بحثية متخصصة، ويعمل داخله 2300 من الإطارات العليا منهم 700 من حملة الدكتوراه. يقدر عدد حملة الدكتوراه بالوطن العربي بثلاثين ألفا. لكن دور هذه المراكز هامشي للغاية فيما يتعلق بالمشاركة الجادة في ضبط الإيقاع التكنولوجي: استيرادا وتطويرا وإبداعا، وكذالك في معاونة ودعم خطط التنمية، بل إن تقريرا رسميا صادرا عن أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجية في مصر ، يقرر أنه ـ وبغض النظر عما يردده صناع السياسة في مصر ـ فإنه لا يوجد ما يمكن وصفه بسياسة تكنولجية على المستوى القومي".

وما ينطبق على مصر ينطبق على سائر الأقطار العربية.

ويحكم الدكتور محرّم بلا جدوى وبعقم البحث العلمي بالوطن العربي، الذي يسير باللغة الأجنبية. وحكمه هذا موضوعي لأنه من رجال البحث العلمي، بل وأشرف مدة عقدين تقريبا على مؤسسات للبحث العلمي، يقول: "إن اختيار موضوعات البحوث ومجالاتها يقوم على أساس من الانتقاء الشخصي والاختيار العشوائي في الأغلب الأعم. وأكثرية البحوث تمارس إما لإرضاء الذات، أو لتحقيق متطلبات التدرج الوظيفي، واستفاء شروطه، وكاتب هذه السطور (الدكتور محرّم) وقد قضى سبعة عشر عاما بالتمام والكمال يمارس او يشرف على البحث العلمي في مجالات الهندسة، يؤكد (أن عملا مما قدمه أو أشرف عليه أو شارك فيه لم يتم في إطار أي تصور مجتمعي، أو حتى مركزي على مستوى المؤسسة العلمية التي يعمل فيها، وان كل ما أنجزه ناتج على اختيارات ذاتية، وانتهت فعاليته بمجرد النشر) . كما يعترف الدكتور محرّم "أنه لم يحدث أن دعي للمشاركة في عمل علمي أو بحثي بناء على توجه قومي أو في إطار خطة عمل مؤسسية.

ويصف الدكتور محرّم العلم والتكنولوجية التي تدرّس أو تبحث في الأقطار العربية باللغة الأجنبية "بأنه علم عقيم وتكنولوجية بغير جذور. فالعلم الذي لا يدرس باللغة القومية علم نقلي والعلم النقلي عقم مثلما أن العلم العاجز عن التجسيد في المجتمع في هيئة إنجاز تكنولوجي، مثلا، هو الآخر عقم".

يصنف الدكتور محمد رضا محرّم في خانة العالم العربي الذي يتمتع بالوعي اللغوي، وهذا النوع هو الذي تحتاج إليه الأمة العربية في سائر الميادين الثقافية ، والاجتماعية، والسياسية والاقتصادية، في مرحلة التفسخ التي تعيشها في تاريخها في ظل العولمة. إنه يشبه الطبيب الناجح لأنه أدرك جذور أزمة التعليم والعلم والتقانة بالأقطار العربية. إنه غير أولائك الذين جلسوا على كراسي مؤسساتنا التربوية والتعليمية والعلمية والبحثية في العقود السبعة الأخيرة من حياة أمتنا، والذين عالجوا داء السرطان بحبوب الأسبرين.

التاريخ يحدثنا أنه في عهد محمد علي الألباني بمصر كان العلم والتقانة يدرّسان باللغة العربية، وأن اليابانيين في بداية نهضتهم بالقرن التاسع عشر أرسلوا بعثة للقاهرة درست تجربة محمد علي التعليمية التنموية، وطبقها اليابانيون فوصلوا إلى ما وصلوا إليه . ثم جاء الاستعمار البريطاني بأرض الكنانة فعين اللورد كرومر الذي سيطر لمدة ربع قرن على التعليم بمصر وانجلزه.

نتمنى من أصحاب القرار في مصر الثورة أن يدرسوا ما كتبه العالم الكبير محمد رضا محرّم وأن يطبقوا ما رآه، وألا يحصروا تطلعاتهم في السياسة فقط، لأن وجود الأمة العربية مرتبط بهُويتها القومية، وبالتنمية الاقتصادية والاجتماعية الناجحة، وهذا لا يتحقق إلا بتوطين علم العصر؛ والتوطين لا يكون إلا باللغة القومية.

الخلاصة:

أولا: الرابط الوحيد الذي بقي يربط العرب بعضهم ببعض هو اللغة العربية وسط هذا التفتت الجغرافي والقطري والاقتصادي والسياسي.

ثانيا: المطلوب الحد من استعمال اللهجات وبخاصة في الفضائيات، وإلزام المعلم ابتداء من السنة أولى ابتدائي وحتى نهاية الجامعة أن يلقي درسه بالفصحى. وفرض الفصحى على الأفلام والإذاعات والفضائيات وعلى السمعي البصري عموما.

ثالثا: تعريب المحيط كأسماء المحلات التجارية والشركات بعربية سليمة.

رابعا: الطب والتقانة بسورية يعلمان بالعربية منذ 1920، وبالسودان منذ 1991 ، وليس غريبا أن جامعات جنوب السودان رفضت التعريب حتى قبل الانفصال.

خامسا: الغرب يريد أن يبقي العرب تابعين لغويا له وذلك بضرب لغة الضاد، فدستور العراق الأمريكي في مادته 5 ينص على ما يلي: "لكل إقليم أو محافظة اتخاذ أي لغة محلية أخرى لغة رسمية إضافية".وبناء على ذلك ألقت زوجة جلال الطلباني رئيس جمهورية العراق الحالي في اجتماع دولي نسائي في روما كلمتها باللغة الكردية.

سادسا: الأمل كل الأمل في أرض الكنانة، العرب كلهم ينتظرون أن تتخذ الدولة المصرية قرارا بتعريب الطب والتقانة، فتلحق بسورية والسودان. وأن تعمل على حفظ وترقية بل وسيادة لغة الضاد في سائر الميادين. وأنا على يقين بأن الحكومة والمعارضة يتفقان على ذالك. ونقول مرة ثانية بأن مصر هي قاطرة الوطن العربي، فإن عربت لحقت بها الأقطار العربية الأخرى. 

* رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية، عضو المؤتمر القومي العربي.

المصدر: المؤتمر الرابع والعشرون للمؤتمر القومي العربي، 1 – 2 حزيران/يونيو 2013، القاهرة - مصر.

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

الأمر المؤكد أن موجة الثورات التى اجتاحت العديد من الدول العربية، والتى مازالت تفاعلاتها وأصداؤها ممتدة في كافة أنحاء الوطن العربى، لم تنشأ من فراغ فهى وليدة ظروف مجتمعاتها داخلياً على كافة المستويات: ظروف القهر والاستبداد والفساد وظروف الفشل والعجز عن مواجهة التحديات والقيام بالوظائف الأساسية التى تقوم بها عادة نظم الحكم وفى مقدمتها إشباع الحاجات الأساسية للمواطنين: الإشباع الاقتصادى والإشباع السياسى معاً وحماية الحدود وتحقيق الأمن الداخلى المقترن باحترام حقوق الإنسان: الحقوق السياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحقوق القانونية.

وإلى جانب هذه الحقيقة المؤكدة فإن هذه الموجة من الثورات لم تحدث بمعزل عن مخططات مدروسة لها علاقة مباشرة بمصالح أطراف دولية (أمريكية على وجه الخصوص) وإقليمية أيضاً. فمفهوم "الدولة العربية الفاشلة" الذى ظهر فى الأدبيات السياسية الأمريكية فى أعقاب تفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، واقترن بالحرب الأمريكية على العراق واحتلاله كان يتضمن، ضمن أحد أبعاده، الدعوة إلى التغيير الديمقراطى جنباً إلى جنب مع الأبعاد الأخرى الأكثر أهمية الخاصة بإعادة ترسيم الخرائط السياسية فى المنطقة على أسس عرقية وطائفية ومذهبية (إعادة تقسيم ما سبق تقسيمه أثناء وفى أعقاب الحرب العالمية الأولى من أرض العرب) تحت شعار إقامة دول أو دويلات "أكثر تجانساً وانسجاماً" كبديل لنموذج الدولة الفاشلة التى "فرَّخت" من المنظور الأمريكى، تلك المجموعة من "الإرهابيين" الذين قاموا بتفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 بالولايات المتحدة.

في ذلك الوقت شغلت النخب العربية نفسها بسؤال التغيير أو الإصلاح الديمقراطى: هل حتماً يجب أن يأتي من الخارج أم هو بالأصل عمل داخلى بحت يجب أن يعتمد على مرتكزات داخلية فى كل دولة؟ وأيهما يجب أن يسبق الآخر: الإصلاح السياسى أم الإصلاح الاقتصادى. هذان السؤالان كانا معاً الشغل الشاغل لمؤتمر الإصلاح العربى الذى نظمته مكتبة الإسكندرية (12- 14 مارس/ آذار 2004) بحضور مكثف من مثقفين ومفكرين من أكثر من قطر عربى. كان هذا الانشغال بهذين السؤالين في ذلك الوقت دليلاً على إدراك عربى بوجود دور للعوامل الخارجية فى إحداث التحول أو الإصلاح الديمقراطى، لكنه كان أيضاً دليلاً على مدى الارتباك الذى هيمن على أفكار ومعتقدات بل ومواقف تلك النخب العربية من قضية التغيير الجذرية الشاملة المطلوبة فى معظم الدول العربية.

كل ما شغل تلك النخب، قبل تفجر موجة الثورات العربية، هو ذلك الهامش المحدود والضيق من الاجتهاد الذى سمحت به النظم الحاكمة الذى لا يتعدى الحديث عن تحول أو إصلاح سياسى أو اقتصادى لا يمس بحال من الأحوال هيمنة وسيطرة تلك النظم على السلطة والثروة، والآخذ فى اعتباره دور العوامل الخارجية فى تحقيق ذلك التحول أو الإصلاح على العكس تماماً من أداء الحركات الشعبية العربية التى فرضت نفسها فى ذلك الوقت أيضاً وفى مقدمتها الحركة المصرية من أجل التغيير: (كفاية) وأخواتها من الحركات والمنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدنى فى مصر ومثيلاتها فى دول عربية أخرى كانت تتحدث عن التغيير الجذرى الذى يجب أن يبدأ من رأس النظام والذى بدونه لن يتحقق الحد الأدنى من التغيير.

لم يكن هذا الانسجام بين رؤى النخب العربية القريبة من نظم الحكم والإطروحات الأمريكية الخاصة بدور العوامل الخارجية، والأمريكية على وجه الخصوص، فى إحداث التحول الديمقراطى، بعيداً عن نوع آخر من التجانس بين استقطاب طبقى اجتماعى - سياسى عالمى جديد فرض نفسه على النظام العالمى مع ظهور الولايات المتحدة قوة إمبراطورية مسيطرة عقب سقوط نظام القطبية الثنائية وبين استقطاب طبقى اجتماعى – سياسى جديد داخل الدول بين طبقات تحكم وتسيطر وتهيمن وتحتكر السلطة والثروة وطبقات أخرى فقيرة محرومة معزولة ومهمشة ومسيطر عليها.

الأهم من ذلك هو ذلك التلاقى، الذى وصل إلى درجة التحالف بين قوى الهيمنة الرأسمالية الخارجية التى يقودها النظام الإمبراطورى الأمريكى وحلفاؤه وعلى رأسهم الحليف الصهيونى وبين القوى المسيطرة على السلطة والثروة داخل الدول العربية التى تمارس الاستبداد والفساد ضد شعوبها: تحالف قوى الهيمنة فى الخارج ومن بينها العدو الصهيونى ضد المصالح الوطنية والقوى والطبقات الشعبية فى الداخل، تحالف تولت قيادته الدولة التسلطية عامة وعلى الأخص الدولة التسلطية المشخصنة.

الدولة التسلطية هى الشكل الحديث والمعاصر للدولة المستبدة التى تسعى إلى تحقيق الاحتكار الفعَّال لمصادر القوة والسلطة فى المجتمع لمصلحة الدولة أو النخبة الحاكمة. والدولة التسلطية، خلافاً لكل أنواع الدول المستبدة، تحقق هذا الاحتكار عن طريق اختزال المجتمع المدنى، وتحيل مؤسساته إلى مؤسسات تضامنية تعمل كامتداد لأجهزة الدولة أو باسمها، كما أنها خلافاً لكل أشكال الدول المستبدة الأخرى تخترق النظام الاقتصادى، فهى إما أن تلحقه بالدولة عن طريق التأميم أو المصادرة أو عن طريق خصخصة أو إعادة بيع المؤسسات الإنتاجية والاستحواذ على رصيد بيع تلك المؤسسات بحيث يصبح احتكار السلطة احتكاراً للثروة، وفي النهاية يقود احتكار الثروة للمزيد من احتكار السلطة والطغيان المفرط في الداخل مقروناً بالانسحاق أمام السيد الأمريكي الممسك بزمام الأمور بما حققه من اختراق غير مسبوق فى مؤسسات تلك الدولة ابتداءً من الرأس وامتداداً للأطراف.

لقد فرضت الدولة التسلطية نفسها على كثير من الدول العربية لكن بعض هذه الدولة تجاوزت كل حدود ومواصفات الدولة التسلطية ومزجتها بكل معالم ومكونات ما يُعرف بـ "الدولة المشخصنة" وهى دولة الحكم المطلق الذى يتجاوز في خطورته كل مخاطر ومساوئ الحكم المستبد أو دولة الاستبداد، فالدولة المستبدة والتسلطية المفرطة في اعتمادها على أجهزة الأمن والقهر المادى والمعنوى والمحتكرة للسلطة والثروة تعبر فى معظم الأحوال عن حكم جماعة مهما كانت هذه الجماعة ضيقة: قبيلة أو حزب سياسى أو طبقة سياسية، وفى كل من هذه الأنماط للدولة المستبدة يشعر الحاكم بأنه ينتمى إلى تكوين اجتماعى محدد ذى وجود مستقل عن الدولة أما الدولة المتشخصنة فإن القائم عليها لا تربطه عائلة أو قبيلة ولا نقابة أو حزب سياسى أو حتى جماعة دينية أو طبقة اجتماعية، فهو يسيطر بذاته على مقاليد السلطة، ويشخصن أدوات ووسائل الحكم فضلاً عن الحلقة الضيقة من الأشخاص المحيطين به الذين يتعمد الإبقاء عليهم فى مناصبهم لأطول فترة ممكنة بحيث تحل العلاقات الشخصية محل العلاقات الموضوعية الوظيفية. والدولة هنا، في آليات حركتها وتفاعلها، تكون منغلقة من دون أية آلية لعلاقة بينها وبين أى تكوين سياسى أو اجتماعى موجود داخل الدولة (قبيلة، جماعة دينية، حزب سياسى)، فالنظام المتشخصن نظام منغلق لا ينفتح خارج ذاته ولا يقدم آلية ما لإجراء أى تعديل أو تجديد أو تغيير، ناهيك عن الاعتماد المغرض على آليات القمع المتبعة فى الدولة التسلطية.

لم تكن محصلة هيمنة الدولة التسلطية والدولة التسلطية المتشخصنة هى الجمود السياسى المقترن بالفشل والعجز الكامل عن الأداء واستلاب المواطنين من ذواتهم والقضاء حتى على الحق الشعبى فى الحلم والخيال بمجتمع ومستقبل أفضل وتبديد كل فرصة للإصلاح والتغيير ولكن هذه المحصلة امتدت إلى تحول الدولة نحو نموذج "الدولة الخادمة" لقوى الهيمنة الدولية والإقليمية والقبول بالقيام بدور "الوكيل" خدمة لمصالح ومشروعات تلك القوى.

هذه الورقة ترتكز على تحليل أى علاقة ارتباط بين الديمقراطية وبين الدور الخارجى، كما تدرس ماهية الديمقراطية التى تعد ركيزة لمشروع النهوض العربى، وأخيراً المخاطر التى تواجه الثورات العربية ومشروعها الديمقراطى فى ظل ما يحاك من مخططات تستهدف احتواء تلك الثورات. 

 

أولاً: التغيير الديمقراطى وأكذوبة الدور الخارجى (الأمريكى)

على الرغم من كل هذه الممارسات فإن الولايات المتحدة الأمريكية التى رفعت ضرورة الخلاص من "الدولة الفاشلة" عقب أحداث تفجيرات 11 سبتمبر 2001 لم تأبه، ولو للحظة، لكل ممارسات الاستبداد والطغيان والفساد لنظم حكم عربية وغير عربية صديقة لها طالما أنها تقوم بواجباتها ووظائفها الموكلة إليها فى خدمة المصالح الأمريكية، وفى مقدمتها بقاء وأمن الكيان الصهيونى. فمعيار كفاءة "الوكيل" هنا لا تقاس بكونه ديمقراطياً أو مستبداً ولأى درجة ولكن بمدى قدرته على خدمة المصالح الأمريكية، وعندما تبدأ مؤشرات العجز عن القيام بدور "الوكيل الكفء" عندها فقط يمكن الالتفات للبحث عن "وكيل أكفأ" يقوم بالمهمة دون أى حساب لمدى احترام أو عدم احترام النظام أو الوكيل الجديد للديمقراطية وللحريات التى تتظاهر بحمايتها والدفاع عنها، ولم لا والدولة الأمريكية ذاتها ليست دولة ديمقراطية بالمعنى الحقيقى للديمقراطية، ولا تصلح أن تكون نموذجاً يحتذى به فى الممارسة الديمقراطية بمجتمعات أخرى.

فالديمقراطية الأمريكية لم تكن قبل 11 سبتمبر 2001 مثالية، بل كان بها قدر لا يستهان به من التزييف ليس فقط ضد الأقليات والجماعات العرقية والأقليات الوافدة داخل الولايات المتحدة بل أيضاً كانت ديمقراطية الذين يملكون ويسيطرون سياسياً وإعلامياً، فقد كان النموذج الديمقراطى الأمريكى، ومازال، يعتبر "ديمقراطية الأثرياء"، فحسب وصف الكاتب والروائى البريطانى جورج اورويل يمكن القول أن الناس فى البلدان الرأسمالية الغربية أحرار ولكن هناك أناساً أحراراً أكثر من غيرهم حيث الحرية فى هذه البلدان هى بمقدار القوة المالية والثراء. فالقدرة المالية أو القدرة على اجتذاب التبرعات المالية للحملات الانتخابية فى الولايات المتحدة هى شرط ضرورى للنجاح فى معظم هذه العمليات الانتخابية، وخاصة انتخابات الرئاسة ومجلسى الشيوخ والنواب وحكام الولايات. وهكذا فإن الأغنى أو المدعوم من الأغنى هو الأقدر على اختراق حواجز السلطة السياسية، وليس صدفة أن النظام السياسى الأمريكى قائم عملياً على أساس الحزبين الرئيسيين الجمهورى والديمقراطى، بينما يجرى تهميش العشرات، وربما المئات من الأحزاب والقوى والتجمعات الشعبية التى لا تتوفر لديها الإمكانيات لمنافسة متكافئة مع مرشحى الحزبين الكبيرين المدعومين من قطاعات واسعة ونافذة من أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة والشركات العملاقة القادرة على التحكم فى القيادات السياسية وبرامجها عن طريق التمويل أو حجب التمويل وعن طريق مؤسسات الدعاية المملوكة لأصحاب رأس المال الكبير، الأمر الذى يجعل القيادات السياسية، على الأغلب، واجهة لهذه الكتل المالية والشركات العملاقة.

هذا النموذج الديمقراطى الأمريكى يزداد تشويهاً من خلال الدور المعرقل للتحول الديمقراطى فى كثير من الدول العربية الذى تقوم به الإدارة الأمريكية والمؤسسات المالية الدولية الموالية لها.

ففى بحث له عن "الإسلام السياسى والسياسة الخارجية الأمريكية" ضمن كتاب "مستقبل الإسلام السياسى: وجهات نظر أمريكية، 2001" يروى جون اسبوزيتو أستاذ الأديان والعلاقات الدولية فى جامعة جورج تاون والذى عمل مستشاراً لوزير الخارجية الأمريكى الأسبق جيمس بيكر، أن الوزير بيكر كان فى طريقه إلى الشرق الأوسط فى إحدى الجولات التى زار فيها عدداً من الدول العربية، ووضع بيكر خمس نقاط رئيسية للحوار حولها مع قادة هذه الدول، إلا أنه قبل أن تهبط به الطائرة فى المنطقة قام بحذف النقطة الخامسة، ومع الأسف، وكما يروى اسبوزيتو، كانت هذه النقطة هى الديمقراطية.

ويفسر اسبوزيتو هذا التراجع الأمريكى عن طرح قضية الديمقراطية على قادة الدول العربية ومن ثم عزوف الولايات المتحدة عن دعم وتشجيع التحول الديمقراطى فى تلك الدول بأن جميع حلفاء الولايات المتحدة فى المنطقة من الدول غير الديمقراطية، وأنه من الأفضل لها ألا تفتح قضية الديمقراطية وأن تبتعد تماماً عن إثارتها حفاظاً على مصالحها الحيوية فى المنطقة.

وحتى بعد أن رفعت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش دعوة الإصلاح السياسى والديمقراطى وأظهرت قدراً من العداء إلى ما أسمته بـ "الدولة الفاشلة" فى الشرق الأوسط التى أدى فشلها فى حل القضايا الداخلية إلى تفريخ الجماعات الإرهابية، حسب زعمها، فإنها لم تظهر أى قدر من الجدية فى الدفاع عن الدعوة الديمقراطية بل تراجعت عن دعوة فرض الديمقراطية قسرياً من الخارج فيما يشبه مقايضة الديمقراطية بتنازلات عربية فى ملفى العراق وفلسطين وقد ظهر ذلك جلياً فى إعادة تأكيد كولن باول وزير الخارجية الأمريكى الأسبق فى مؤتمر عن الديمقراطية فى المغرب أن التحول الديمقراطى يجب أن يتم من الداخل وليس من الخارج بما يمثل تراجعاً عن الحماس الأمريكى السابق.

وقد فسرت نورا بن سهيل فى الدراسة التى أعدتها "مؤسسة راند" الأمريكية بعنوان The Future Security Environment In The Middle East أن المـوقـف الأمريكى من دعم التحول الديمقراطى فى الدول العربية يحكمه عامل المصلحة الأمريكية فى الأجلين القصير والطويل. ففى الأجل الطويل يعتبر التحول الديمقراطى مصلحة أمريكية لأنه يحقق الاستقرار ويحد من الصراعات نظراً لأن الدول الديمقراطية أقل ميلاً للتورط فى صراعات مع دول مجاورة وأكثر استعداداً للسلام، بينما تكون الدول غير الديمقراطية أكثر استعداداً لشن الحرب. أما فى الأجل القصير فإن التحول الديمقراطى يضر بالمصالح الأمريكية فهو يزيد من عدم الاستقرار الداخلى فى الدول العربية ومن ثم يهدد الاستقرار الإقليمى، ويزيد من حدة المشاعر العدائية للولايات المتحدة وقد يسمح بوصول جماعات مناوئة أو معادية للمصالح الأمريكية إلى الحكم، ويؤثر سلبياً على استعداد الحكومات للتعاون الأمنى مع الولايات المتحدة وقد ينعكس سلبياً على المصالح الأمريكية فى المنطقة ومن بينها مصالح إسرائيل فى السلام.

المعنى المباشر لهذا كله هو ضحد أكذوبة الانحياز الأمريكى للثورات العربية على قاعدة الانحياز الأمريكى للتغيير الديمقراطى، وكل ما يثار عن وثائق أمريكية تتحدث عن توجيه استراتيجى من الرئيس الأمريكى باراك أوباما لإدارته وأجهزته الاستخباراتية بـ "إعداد ما يلزم لأن منطقة الشرق الأوسط دخلت مرحلة حساسة وحرجة، وأنه يجب علينا إعطاء دفعة قوية من الديمقراطية لضمان المصالح وتوفير الصدقية لسياساتنا على المدى البعيد"، يؤكد هذه الحقيقة. فالتوجيه بنصه يؤكد أولاً أن حركة التغيير الجاد فى العديد من الأقطار العربية قبيل تفجر الحراك الثورى العربى كانت قد أخذت تدخل مراحل حاسمة، وأن التحرك الأمريكى المرغوب فيه بالتوجيه الاستراتيجى المشار إليه هو لمواكبة هذه الحركة الجادة نحو التغيير فى الدول العربية، ويؤكد ثانياً أن دوافع التحرك الأمريكى هى أولاً حماية المصالح الأمريكية من خلال مواكبة حركة التغيير بدلاً من التصدى لها أو إعاقتها فى ظل قناعة بحتمية نجاحها ما يجعل سياسة الإعاقة والتصدى سياسة خاطئة من منظور حماية المصالح الأمريكية، وهى ثانياً الحرص على صدقية مزاعم واشنطن بدعم الديمقراطية ومطالب التغيير.

لكن المعنى الأهم هو أن الولايات المتحدة لن تكون أبداً داعمة لديمقراطية أو لدعوة تغيير أو لثورة عربية يمكن أن تؤثر سلبياً على المصالح الأمريكية فى الوطن العربى وفى مقدمتها بقاء وأمن الكيان الصهيونى، بل أنها سوف تتحول مباشرة لانتهاج سياسات عدوانية ضد الثورات وضد الديمقراطية عندما تصطدم هذه الديمقراطية مع أى من تلك المصالح الأمريكية. هنا بالتحديد تتكشف مدى خطورة التدخل الخارجى فى إعاقة مسار التحولات الثورية العربية نحو التغيير الديمقراطى وتحقيق الأهداف التى قامت من أجلها الثورات العربية: العيش والعدالة والحرية والكرامة الإنسانية والسيادة الوطنية. 

 

ثانياً: الثورات العربية: نحو نموذج عربى للديمقراطية

إذا كانت الثورات العربية قد استهدفت إسقاط الدولة التسلطية والدولة التسلطية المتشخصنة عندما رفعت شعارها الخالد "الشعب يريد إسقاط النظام" فإنها كثورات حقيقية لا يمكن أن تفرط في ثوابت الوطنية الحقة وفى مقدمتها: وحدة الأرض والشعب والحفاظ على الإرادة والاستقلال الوطنى، كما أنها مطالبة ببلورة مشروع وطنى لبناء دولة تعتمد على الديمقراطية والحرية والعدالة ومجتمع العزة والكرامة.

هذه الحزمة من الثوابت هى المعيار الحقيقى للحكم على ثورية أو عدم ثورية أى حركة تغيير سعت أو شاركت فى دعوة "إسقاط النظام".

إذا كان المشروع النهضوى العربى قد تحدث عن أن حاجة الوطن العربى إلى الديمقراطية حاجة حيوية لا غنى عنها حتى تستقيم أوضاعه فإنه قد تحدث عنها أولاً كضرورة ابتداءً لكونها حقاً عاماً للشعب وللأمة، وتحدث عنها ثانياً باعتبارها الوسيلة الأمثل لإطلاق طاقات الوطن والشعب وتحريرها من السلبية والتواكل، وتحدث عنها ثالثاً باعتبارها القاعدة التى تبنى عليها العلاقة بين الدولة والمجتمع فى المجتمعات الحديثة.

فعندما تنتظم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والشعب، على مقتضى ديمقراطى سوف يكون تحصين جبهة الوطن الداخلية فى وجه أى خطر خارجى أو داخلى ممكناً وغير مستحيل، والديمقراطية فى المشروع النهضوى العربى نظام شامل للحكم لا تقبل تجزئة عناصرها أو انتقاء بعضها من دون آخر، ولا يوصف نظام سياسى ما بأنه ديمقراطى إلا متى اجتمعت فيه المبادئ والقواعد كافة التى تقوم عليها الديمقراطية كنظام سياسى وبالتحديد المبادئ السبعة الكبرى التى تؤسس النظام الديمقراطى وتمنحه ماهيته وهى: أولاً: الحرية بمعناها الكامل السياسى والاجتماعى والثقافى والاقتصادى وفى مقدمتها حريات الرأى والفكر والتعبير وتداول المعلومات والتنظيم. وثانياً: التعددية السياسية، وثالثاً: النظام التمثيلى المشمول بالضمانات القانونية والدستورية التى تكفل حق حرية الاقتراع وحق الرقابة. ورابعاً: الفصل بين السلطات. وخامساً: التداول الديمقراطى للسلطة. وسادساً: الدستور الديمقراطى باعتباره عقداً اجتماعياً – سياسياً بين الشعب لتحديد ماهية النظام السياسى الذى يريد. وسابعاً: النظام الاجتماعى – الاقتصادى العادل وهذا يقودنا إلى ضرورة توفير حزمة لابد منها من الضوابط والضمانات الكفيلة بتأمين مسار التغيير الديمقراطى. 

 

من بين تلك المهام والضمانات نذكر ما يلى : 

 

(1) التزامن بين الحرية السياسية والعدالة الاقتصادية :

فالديمقراطية لا يمكن أن تبقى مجرد منظومة من الضمانات المؤسسية فقط، كما أنها مجرد حريات سلبية، بل هى السياسة الرشيدة الفاعلة عندها يصبح النظام السياسى الديمقراطى هو نمط الحياة السياسية الذى لا يكتفى بإعطاء أكبر قدر من الحريات لأكبر عدد من المواطنين بل الذى يعمل جاهداً على حماية هذه الحرية. فالتفاوت الاقتصادى، خاصة إذا كان حاداً، لا يهدد التماسك الاجتماعى فحسب، بل ويؤثر سلباً على مبدأ المساواة السياسية الذى تعبر عنه الديمقراطية. ومن ثم فليس هناك تمييز بين المساواة السياسية ونظيرتها الاقتصادية، الأمر الذى جعل كثيرين يعتقدون أن الديمقراطية لا تبدأ أو تنتهى بالانتخابات. فإزاحة أو إزالة أدوات السيطرة والتحكم التى تمتلكها بعض الجماعات، دون وجه حق، وتفتقر إليها الجماعات الأخرى، هى المكمل الأساسى لسلامة الديمقراطية.

لقد تشكك مفكر ليبرالى كبير مثل روبرت دال فى إمكانية تحقيق مساواة اقتصادية فى ظل رأسمالية السوق رغم أن كثيرين يعتبرونها شرطاً أساسياً للديمقراطية. فهو يرى أن الرأسمالية لا تحقق المساواة الاقتصادية، ومن ثم فلا يمكنها أن تنجز المساواة السياسية، ولأن المواطنين غير المتكافئين اقتصادياً من غير المحتمل أن يكونوا متكافئين سياسياً فهناك علاقة توتر دائم بين الديمقراطية ونظام السوق الرأسمالية، ومن ثم يدعو دال إلى إصلاح النظام الديمقراطى الحالى فى الغرب بما يضمن له المزيد من ممارسة الأداء السياسى الأمثل فى إدارة المجتمع.

إذا كانت هذه الدعوة ضرورية فى الغرب فإنها حتمية فى المجتمعات العربية التى تعانى من تجذر وشيوع الاستبداد السياسى، والتركيز على أولوية الليبرالية الاقتصادية دون الليبرالية السياسية يؤدى إلى مزيد من الاستبداد والفساد معاً. فقد أصبحت الليبرالية الاقتصادية (الانفتاح الاقتصادى والخصخصة) أدوات لتمكين "الرأسماليين الجدد) الذين خرجوا من رحم رأسمالية الدولة السابقة للسيطرة على الاقتصاد "بطريقة قانونية" بعد أن كانت تتحكم بطريقة غير قانونية.

هكذا شهدت الدول العربية قبل موجة الثورات العربية حركة الانفتاح الليبرالى الاقتصادى المتسارع وخصخصة مؤسسات القطاع العام، بدلاً من تشييد مؤسسات إنتاجية خاصة جديدة، بينما استبعد الشق السياسى للإصلاحات الذى من المفترض أن يرسى قواعد بناء دولة عصرية ديمقراطية تضمن تداول السلطة واحترام الحريات وتحقق العدالة الاجتماعية. الأمر يزداد سوءاً فى ظل إدخال اقتصاد السوق بهذه الوتيرة وانسحاب الدولة من الميدان الاقتصادى، استجابة لخضوع نظم الحكم العربية لمعايير وضغوط المؤسسات المالية الدولية التى تفرض عليها سياسات اقتصادية معينة رغم تكلفتها المالية الباهظة، هذا الخضوع مع تآكل شرعية النظام السياسى فى ظل تردى الأوضاع المعيشية والسياسية، يضعف من قدرة مثل ذلك النظام على المساومة مع تلك المؤسسات الدولية ويزيد من فرص الاختراق الخارجى للمؤسسات الاقتصادية والمالية أولاً ومن بعدها اختراق المؤسسات الإعلامية والسياسية فتصبح الأوضاع مثل ما هى عليه الآن فى كثير من الدول العربية فساد سياسى واقتصادى مقرون بحكم تسلطى من ناحية وأوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية (ديمقراطية) شديدة السوء على المستويات الشعبية من ناحية ثانية، وتبعية متزايدة للخراج وتنامى قدرات الخارج على الهيمنة والتأثير السلبى على الإرادة السياسية الوطنية من ناحية ثالثة.

(2) اقتران الديمقراطية بالعدالة القانونية والاجتماعية

غياب العدالة القانونية والعدالة الاجتماعية يؤدى إلى انحراف عملية التحول الديمقراطى خصوصاً إذا كان التركيز يتم حول أولوية الليبرالية الاقتصادية دون الليبرالية السياسية، مثل هذا الانحراف يؤدى إلى تفويض كل محاولات الإصلاح السياسى، ولذلك فإن التوسع فى العملية الديمقراطية والليبرالية يجب أن يقترن بتوسع فى مفهوم العدالة وفى ممارسة العدالة. فالعدالة يجب ألا تقتصر على فض المنازعات بواسطة الاحتكام إلى القانون دون تمييز بل يجب أن ترتكز على مبدأ التكافل الاجتماعى فيصبح من واجب النظام الحاكم تأمين قضايا الاحتكام المنصف للقانون وتأمين الحاجات الاجتماعية للمواطنين أى بتحقيق العدالة الاجتماعية، بالحد من التفاوت الاجتماعى من ناحية وزيادة فرص المشاركة العادلة فى الثروة الوطنية من ناحية ثانية، والحرص على تحقيق الفرص المتكافئة للمواطنين من ناحية ثالثة. 

 

(3) اقتران الديمقراطية بالمساواة والمشاركة السياسية

غياب المساواة عن الديمقراطية يجهض عملية التغيير السياسى الديمقراطى، والمساواة المطلوبة هى المساواة العادلة، تماماً مثلما أن الحرية المطلوبة هى الحرية العادلة، وهنا يكتسب الإصلاح السياسى الكامل مفهومه الحقيقى. فالديمقراطية الحقيقية لا تعرف التمييز بين الأشخاص، وتقتضى المساواة أن تصبح القوانين عامة، وأن تطبق على الجميع على أساس الكفاءة الشخصية، لا على معايير المحاباة التقليدية، لذلك يتجه بعض الباحثين إلى اعتبار المساواة القيمة السياسية المناظرة للمدنية، وأن السعى من أجلها ومن أجل تحقيقها هو جوهر سياسات الإصلاح.

كما يستلزم التغيير السياسى الديمقراطى وجود درجة من المشاركة السياسية لكافة القوى والاتجاهات السياسية ووجود مؤسسات سياسية جديدة مثل الأحزاب السياسية والنقابات وجماعات الضغط لتنظيم تلك المشاركة.

فالمشاركة السياسية التى تعنى بوضوح تنظيم جهود المواطنين لاختيار قياداتهم والتأثير فى صنع وترشيد السياسة العامة تختلف عن عملية "التعبئة" التى تقوم بها النخب الحاكمة فى معظم دول العالم الثالث، ذلك لأن المشاركة السياسية مع أهميتها الشديدة تواجه بالعديد من العقبات التى تحول دون تحقيقها، فالقليل من هذه الدول هى التى تسمح بالمشاركة الفعلية (الهند مثلاً)، أما غالبيتها فيفرض الكثير من القيود على ممارستها إن لم يكن يحول نهائياً دون وجودها، فليست هناك – فى معظم الحالات – أحزاب أو نقابات أو جماعات للتعبير عن الرأى وإن وجدت فإنها تكون تحت سيطرة وهيمنة الحكومات.

وغياب المشاركة السياسية يفقد هذه الدول فرصة كبيرة لتوسيع وتأكيد الولاء القومى، واستيعاب المواطنين ضمن مؤسسات النظام السياسى وتحقيق الاستقرار، ويجعلها معرضة فى كثير من الأحيان لبروز ولاءات أخرى فرعية قبلية أو عرقية أو دينية بما يؤثر سلبياً على الوحدة الوطنية ويزيد من احتمالات عدم الاستقرار السياسى. وترجع أهمية تعميق المشاركة الجماهيرية الفعالة فى النشاط السياسى إلى أنها الوسيلة الأساسية لتحقيق المساواة كقيمة سياسية عليا فى المجتمع. 

 

(4) ترشيد السلطة

بمعنى إحلال سلطة سياسية واحدة مدنية ووطنية محل العديد من السلطات التقليدية والدينية والعائلية والعرقية. وهذا يعنى أن الحكومة يجب أن ينظر إليها كنتاج بشرى. كما أن إيجاد مثل هذه السلطة يستلزم أولاً أن يكون الإنسان هو المصدر الأساسى للسلطة العليا، ويستلزم ثانياً أن تكون الطاعة للقانون الذى ينبغى أن تكون له الأولوية فى الإلزام على غيره من أية مصادر إلزامية أخرى.

ترشيد السلطة يعنى أيضاً تأكيد السيادة الوطنية للدولة فى مواجهة أى نفوذ خارجى أى إلغاء كل مظاهر وأسباب التبعية للخارج، وفى مواجهة أى قوى أو فئات داخلية لها علاقات أو ارتباطات بالخارج، وبالتحديد التى تعتبر بمثابة الأدوات الاجتماعية للتبعية. كما يعنى كذلك تحقيق التكامل القومى بكافة أبعاده وتركيز السلطة فى أيدى الهيئات والمؤسسات السياسية القومية دون غيرها من المؤسسات الفرعية التقليدية. 

 

وهكذا فإن كل هذه العمليات من شأنها أن تدفع بالنظام السياسى إلى اكتساب الفعالية المطلوبة وتعنى زيادة قدرة النظام السياسى على التأثير بفعالية وكفاءة فى كافة أجزاء ونواحى المجتمع، كما تعنى التمايز بين الوظائف والبنى والهياكل والمؤسسات السياسية، فالنظام السياسى فى المجتمعات المتخلفة يتسم بضعف قدرته على التعامل مع كافة التغيرات فى المجتمع، كما يتسم على حد قول "ريجز" بانعدام التخصص فى وظائفه فهى، على حد تعبيره، "وظائف مندمجة أو منصهرة معاً"، على العكس من المجتمع العصرى الذى يعرف التمايز Differentiation والتخصص Specialization على النحو الذى يؤدى إلى وجود بنى ومؤسسات متخصصة وذات كفاءة عالية فى أدائها.

وإذا كانت فعالية النظام السياسي يمكن تعريفها بأنها القدرة على استيعاب الأنماط المتنوعة والمتغيرة للمطالب والتنظيمات السياسية، فإن هذه الفعالية تتوقف على قدرة النظام السياسي على أداء وظائفه، وعلى مدى ودرجة تمايز وتخصص الوظائف والمؤسسات والأدوار وهذا يستلزم ثلاثة شروط هي:

(أ) أن تكون مجالات التخصص المختلفة القانونية والإدارية والعلمية والعسكرية منفصلة ومستقلة كل عن الأخرى وعن عالم النشاط السياسي، وأن تنشأ لها تنظيماتها الفرعية التي تتيح لها فرصة وإمكانية أداء وظائفها على النحو المطلوب. 

(ب) أن يصبح التسلسل الإداري أكثر إحكاماً وتعقيداً وتنظيماً. 

(جـ) أن يكون توزيع المناصب والسلطات على أساس الكفاءة والقدرة على الإنجاز فقط دون علاقات النسب أو القرابة أو غيرها من معايير العلاقات التقليدية. 

بذلك تكون للنظام السياسي العربي الديمقراطي المنشود الفرصة والقدرة على اكتساب الفعالية المطلوبة لأداء وظائفه. وبهذه الضمانات والضوابط الخمسة يمكن الثقة في كفاءة تحقيق الإصلاح السياسي العربي اعتماداً على قاعدة التحول من الشمولية أو السلطوية إلى الديمقراطية. فالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية العربية في حالة أزمة حقيقية في الإنجاز وفى الشرعية وفى الاستقرار، ولن يمكن تحقيق إصلاح سياسي حقيقي إلا ضمن إطار أوسع من الضوابط محكومة بالهدف الاستراتيجي لهذه العملية وهو بناء "الحكم الصالح" في المجتمعات العربية باعتبار هذا "الحكم الصالح" شرطاً جوهرياً في إستراتيجية تأسيس المشروع النهضوي العربي المأمول. 

 

ثالثاً: الثورات العربية بين خطر الإجهاض الداخلي والتدخل الخارجي

تواجه الثورات العربية وخاصة بمشروعها الرامي إلى تحقيق نموذج متكامل للبناء الديمقراطي خطرين متلازمين يستوجبان التصدي لهما أولهما الخطر الكامن في الداخل من جانب قوى معادية أو مضادة للثورة سواء من جانب فلول وأزلام النظام البائد الذي أسقطته الثورات، وثانيهما القوى الخارجية: دولية وإقليمية الساعية إما إلى إسقاط النموذج الثوري العربي الجديد أو إلى إفشاله أو الانحراف به عن أهدافه وغاياته.

لقد أخطأ كثيرون توقع نجاح موجة الثورات العربية بضربة واحدة تسقط رأس النظام ، لأنهم لم يدركوا حقيقة ما يُعرف بـ "الفعل الثوري" وما يتداول من أدبيات حول "الموجات الثورية". فالفعل الثوري لا يسير في خط مستقيم لكنه يتقدم في شكل "موجات" بين الصعود والهبوط، بين التقدم والانحسار، بين النجاح والفشل، لأسباب كثيرة أبرزها أن إسقاط رأس النظام لا يعنى إسقاط النظام، لأن دولة النظام الممتدة والمتجذرة في أحشاء المجتمع ومؤسساته تملك قدرات هائلة على المقاومة بدوافع الحفاظ على المصالح والدفاع عن الذات، كما أن القوى الثورية التي تتجمع في لحظة الذروة من الفعل الثوري تعود حتماً إلى واقعها الحقيقي من التفكك وتناقض المصالح، في وقت تفتقر فيه إلى وحدة الأيديولوجيا، أو حتى غيابها، ووحدة التنظيم، أو حتى تناقضاته، كما أن الجسد الشعبي الهائل الذي أعطى للثورة معناها سرعان ما يعود لواقعه الطبيعى قبل التفجر الثورى ويبدأ فى طرح مطالبه الفئوية والحياتية، وكل تعثر أو عجز يولد سلسلة لا تنتهى من الأزمات، ناهيك عن تدخلات الأطراف الخارجية من عربية وإقليمية ودولية كل منها تحاول إما إسقاط الثورة وإفشالها، وإما الانحراف بها إلى حيث تريد هى.

الثورات العربية واجهت هذا كله فى ظل تفاقم الأزمات المتجذرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفى ظل غياب القيادة الثورية الموحدة وغيبة التنظيم القوى القادر على أن يحل مكان النظام القديم. فأغلب الثورات العربية التى تفجرت إثر بعضها البعض ابتداءً من الثورة التونسية كانت ثورات شعبية بلا قيادة ولا تنظيم ولا حتى رؤية موحدة، فالأحزاب السياسية القديمة كانت أغلبها قد فقدت شرعيتها بسقوط النظام وحزبه الحاكم، ولم يكن فى مقدور أى منها تقديم البديل، ومن هنا جاء ظهور التنظيمات الإسلامية لتملأ الفراغ السياسى طبيعياً لأنها كانت البديل الوحيد الذى يمتلك وحدة القيادة ووحدة التنظيم ووحدة الأيديولوجيا، ناهيك عن امتلاك خلفية نضالية ضد النظم البائدة.

فقد استطاعت تنظيمات وأحزاب التيار الإسلامى اقتناص الثورات والسيطرة عليها تحت شعار "شرعية الصناديق" وإقصاء كل القوى الثورية والسياسية الأخرى ضاربة عرض الحائط بكل وعود "الشراكة الوطنية الجامعة" التى وعدت بها، وبكل ما يمكن اعتباره شروطاً موضوعية لنجاح الثورات، وفى مقدمتها ضرورة التوافق الوطنى على مرحلة انتقالية فى إدارة الدولة يكون الحكم فيها وفقاً للشراكة الوطنية وبعد انقضاء هذه الفترة، التى قد تمتد إلى خمس سنوات تهيأ فيها الدولة الانخراط فى الحكم الديمقراطى وفق قاعدة التنافس الانتخابى، تبدأ المرحلة الجديدة من الحكم بالقواعد التى يكون قد تم التوافق عليها فى دستور وطنى ديمقراطى يعد بمثابة عقد سياسى – اجتماعى جديد بين كافة المكونات الشعبية للدولة.

ما حدث كان مختلفاً تماماً حيث أعطت الأحزاب الإسلامية التى فازت فى انتخابات غير متكافئة الأولوية لـ "التمكين" من السيطرة على الدولة ونحَّت جانباً شعار "المشاركة.. لا المغالبة" واستأثرت بالسلطة فى مفارقة شديدة الغرابة. فالذين قاموا بالثورة تم إقصاؤهم "ديمقراطياً" لأنهم لم يفوزوا بالانتخابات لضعف صلتهم بالشارع، ومن شاركوا فيها من قوى وطنية وسياسية أخرى لم يحصلوا إلا على الفتات من المقاعد النيابية. والنتيجة هى تفكك وحدة القوى الثورية المشاركة فى الثورة وانقسامها مجدداً بين حكم ومعارضة، انقسام فرض الاستقطاب والصراع السياسى كمحصلة لفشل الأحزاب الإسلامية فى إدارة شؤون الدولة بإمكانياتها البشرية محدودة الكفاءة، والانعكاسات السلبية للأزمات الأمنية على الاستقرار السياسى والأوضاع الاقتصادية والمعيشية ما أدى إلى الشعور بفشل الثورة وحاجة الثورة إلى ثورة، وعودة شعار "إسقاط النظام" ليفرض نفسه كأمر واقع لما آلت إليه أحوال الثورات العربية من تعثر وانتكاسات.

ففى مصر مثلاً، فاز الإخوان المسلمون ومعهم السلفيون بأغلبية مقاعد البرلمان (الشعب والشورى) كما فاز الرئيس محمد مرسى مرشح الإخوان برئاسة الجمهورية، ودخلت البلاد فى صراع وانقسام حاد بين من يحاولون استرداد الثورة ومن يحرصون على الاستئثار بالسلطة فتفاقمت الأزمات، وباتت الدولة على مقربة من الإفلاس وسط ضغوط خارجية مالية فاقمت من حدة الأزمات الداخلية الاقتصادية والأمنية.

وفى تونس فاز حزب النهضة "الإسلامى" فى الانتخابات وكان أكثر رشداً فى توزيع المناصب القيادية (رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس المجلس الانتقالى) على أحزاب لا تنتمى إلى خطه الأيديولوجى، أما فى ليبيا فبعد الانتخابات نجح التيار الليبرالى فى منافسة الإسلاميين، لكن آلت السلطة الفعلية للميليشيات المسلحة التى مازالت ترفض تسليم ما لديها من ترسانة عسكرية هائلة استولت عليها من مخازن سلاح جيش القذافى.

وفى سوريا مازال شبح الحرب الأهلية وتقسيم البلاد يفرض نفسه بين مراوحة الحل السياسى للحل العسكرى، فى وقت امتد فيه لهيب الثورة السورية إلى الجوار العربى خاصة فى لبنان الذى بات عاجزاً عن مواصلة ترف سياسة "النأى بالنفس" نتيجة للتدخل المباشر لـ "حزب الله" فى أتون القتال داخل سوريا بجانب قوات النظام، فى وقت حفَّزت فيه أخطاء حكومة المالكى فى العراق المعارضة السنية للاقتداء بالنموذج السورى ما أدى إلى تجدد الصراع الداخلى وظهور ملامح موجة ثورية فى المناطق- العراقية المجاورة لسوريا، وكذلك أضحى الأردن أقرب ما يكون إلى الاكتواء بنيران ما يحدث فى سوريا.

وعلى الرغم من حالة الاستقرار المحدود فى اليمن إلا أن التشاؤم يسيطر على أجواء الجوار الوطنى بسبب تفاقم أزمات القضية الجنوبية التى أخذت تتحول باتجاه الصراع الانفصالى، والأزمة المتواصلة فى صعدة، إضافة إلى مطالب العدالة الانتقالية ونقمة الثوار ومنظماتهم على كل ما يحدث داخل اليمن وهم يرون الثورة تتسرب بعيداً عن أهدافها.

هذا الواقع العربى فرض نفسه على إقليم الخليج وإقليم المغرب العربى وكذلك على المناطق الجنوبية الشرقية من الوطن العربى، حيث سيطرت هواجس كيفية الخروج من مأزق الثورات وكيفية التكيف مع واقع جديد من مطالب الإصلاح السياسى والتغيير الديمقراطى والعدل الاجتماعى على اهتمامات النظم الحاكمة لكن شرط ألا تكون التكلفة باهظة. 

واقع عربى مأزوم، لم تستطع الثورات أن تغيره بالشكل والمضمون الذى كان مأمولاً لكن ما زالت الفرص والآمال تعارك مشاعر الإحباط والفشل فى جدلية لم يحسم مآلها بعد.

خصوصاً في ظل ما يدبر حالياً من مخططات أمريكية – إسرائيلية. لإعادة هيكلة النظام الإقليمى للشرق الأوسط بهدف مواجهة ما يمكن اعتباره تداعيات لموجة الثورات العربية. 

فقد كشف تقرير أعده "مركز الأمن الأمريكى الجديد" عن وجود حاجة أمريكية لضرورة إعادة "التكيف الاستراتيجى" لمواجهة ما أسماه التقرير بـ "تهديدات قصيرة المدى" فى حاجة إلى انتباه سريع من صانعى القرار السياسى الأمريكى نابعة من إيران وسوريا واليمن وكذلك العلاقات المصرية- الإسرائيلية. وأوصى ذلك التقرير بإتباع سياسات جديدة تهدف إلى فرض السيطرة وتخفيف حدة التهديدات المحتملة على المدى الطويل فى المنطقة.

هذا التقرير حمل عنوان "التكيف الاستراتيجى فى سبيل استراتيجية جديدة فى الشرق الأوسط" ودعا إلى تبنى استراتيجية جديدة تجاه المنطقة إذا ما أرادت الولايات المتحدة أن تحمى مصالحها وتستمر فى التواجد وممارسة النفوذ. وتضمن رؤى محددة بخصوص كل من العلاقات الأمريكية- الإيرانية، والعلاقات الأمريكية- الإسرائيلية، والعلاقات المصرية – الإسرائيلية واستبعاد الحل العسكرى للأزمة السورية، والوعى بحقيقة تنوع التحديات النابعة من دول الثورات العربية مشيراً إلى أن الحكومات العربية التى تقع فى منتصف المسافة بين النظم التسلطية والنظم الديمقراطية هى أقل نظم الحكم استقراراً وأكثرها قابلية للانزلاق نحو حرب أهلية، وأن قوى الإسلام السياسى ستسمر فى التصاعد على امتداد المنطقة. 

لذلك قدم هذا التقرير رؤية جديدة لإعادة تنظيم العلاقات العربية – الأمريكية تعتمد على أربعة محاور هى، أولاً، عدم التركيز فى العلاقة على الحكومات فقط بل إشراك الشعوب وقادة الفكر ومختلف الفئات فى المجتمعات العربية فى إدارة هذه العلاقة، وثانيها، اتباع استراتيجية مختلفة مع الإسلام السياسى تقوم على قاعدة عدم التعارض بين الديمقراطية والإسلام، وعدم النظر إلى هذا التيار كعدو بالضرورة للولايات المتحدة، وثالثها، منح الأولوية للإصلاح السياسى، ورابعها، دعم الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية.

هذه الرؤية القائمة على قاعدة ترميم العلاقات الأمريكية – العربية فى مرحلة ما بعد الثورات العربية تعتبر أحد المداخل الأساسية لدعم المصالح ومواجهة التهديدات الآنية والمتجددة، لكن هناك مداخل أخرى تتوافق مع متغيرين آخرين لا يقلان أهمية عن متغير الثورات العربية أولها، الوضع الاقتصادى الأمريكى المتردى داخلياً، وثانيها، التوجه الأمريكى الجديد نحو الشرق الأقصى لمواجهة مخاطر استراتيجية نابعة من المنافس الصينى الصاعد واحتمالات تشكل تحالف صينى – روسى – هندى فى هذه المنطقة يكون فى مقدوره تحدى، إن لم يكن إسقاط، الأحادية الأمريكية فى قيادة النظام العالمى.

فالواضح أن الإمبراطورية الأمريكية، أو بالأحرى "مشروع الإمبراطورية الأمريكية" الذى حاولت واشنطن فرضه عقب سقوط الاتحاد السوفيتى وانهيار نظام القطبية الثنائية العالمية عام 1991، دخل فى مرحلة "الانحدار التاريخى" التى سبق أن عرفتها إمبراطوريات أخرى سابقة، ولم يعد هذا المشروع قادراً على مواصلة سياسة "التمدد الاستراتيجى" بوصف الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة فى العالم. التقرير الذى أعدته 16 وكالة مخابرات أمريكية بعنوان "الاتجاهات العالمية 2030" (Global Trends 2030) أقر بهذه الحقيقة عندما أشار إلى أنه "مع الصعود السريع لدول أخرى، انتهت لحظة الأحادية القطبية، وبدأ "الباكس أمريكانا" (السلام الأمريكى) الذى ساد منذ العام 1945 ينحسر بسرعة. وبناء على ذلك فإنه من الأرجح أن تتجه إدارة الرئيس أوباما الثانية إلى التدخل الحذر فى الأزمات العالمية، والحرص على أن تنأى بنفسها عن التورط فى الأزمات والتدخل فى الصراعات إلا بعد أن تستنزف الدول الأخرى نفسها فيها وبعد أن تمس هذه الأزمات المصالح الأمريكية الحيوية مباشرة. ما يعنى أن واشنطن فى طريقها إلى إتباع استراتيجية أقرب إلى أن تكون "إستراتيجية النأي بالنفس" تحسباً لتحمل تكاليف تلك الأزمات على حساب مواردها ومن مصالحها ومن تحالفاتها.

هذا يعنى أن السنوات القادمة ستشهد انحساراً وتراجعاً لسياسة التدخل الأمريكى فى الأزمات والنتيجة هى ضرورة البحث عن وكيل أو وكلاء أو "تحالف للوكلاء" يتولى مهمة الدفاع عن المصالح الأمريكية فى الأقاليم والمناطق المختلفة على نحو ما كانت عليه السياسة الأمريكية عقب هزيمتها في فيتنام فى نهاية عقد الستينيات وبداية عقد السبعينيات التى اتبعت ما عُرف بـ "مبدأ نيكسون" وعندها اختارت واشنطن وكيلين بارزين للدفاع عن مصالحها فى إقليم الخليج هما إيران الشاهنشاهية كوكيل أو كشرطى عسكرى والسعودية كوكيل سياسى وفقاً لاستراتيجية عُرفت باستراتيجية "الركيزتين المتساندتين": الركيزة العسكرية الإيرانية، والركيزة السياسية المعنوية السعودية.

فقد كشفت الحرب الدائرة فى سوريا، وفقاً لتقرير لجهاز الأمن الإسرائيلى نشرته صحيفة "معاريف"، أن "الحرب السورية الأهلية تدل على أن فترة دامت أكثر من 20 سنة كانت فيها الهيمنة الأمريكية العالمية مطلقة قد انتهت". ومن هنا جاء التوجه الأمريكى للبحث عن هندسة جديدة للنظام الإقليمى للشرق الأوسط تأخذ فى اعتبارها خصوصيات وقيود الوضع الاستراتيجى الراهن فى الإقليم، كما تأخذ حقيقة التهديدات الجديدة والمتجددة التى تواجه الولايات المتحدة حالياً من جراء الثورات العربية وتداعياتها.

التفاعلات بين هذه العوامل الأربعة مجتمعة توحى بأن النظام الإقليمى الشرق أوسطى القديم يتداعى، وأن هناك معالم تتشكل لظهور نظام آخر بديل، قد تكون واشنطن هى أول المبادرين للانخراط فى هذا التوجه.

أول معالم هذا التوجه كشفته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية فى معرض تفسيرها لقبول بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية الاعتذار للحكومة وللشعب التركى فى محادثته الهاتفية مع رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية بحضور الرئيس الأمريكى باراك أوباما فى مطار بن جوريون بتل أبيب. فقد كشفت الصحيفة عن أن الخطوة التى أقدم عليها نتنياهو لم تصدر عن ضغط أمريكى، بل تتعلق بالحرب الدائرة فى سوريا "التى تكرس الحاجة إلى حليف إقليمى قوى". وأكدت أن واشنطن تسعى لإنشاء تحالف إقليمى يضم كلاً من تركيا وإسرائيل والأردن بإشراف أمريكى، وظيفته التدخل الطارئ فى سوريا تحت عنوان السيطرة على منشآت تضم الأسلحة الكيمائية، لكن الأهم ما كشفه "إليكس فيشمان" معلق الشئون الأمنية فى صحيفة "يديعوت أحرونوت".

فقد كشف فيشمان أن كثافة التحركات الأمريكية فى المنطقة فى الأشهر الأخيرة لم تكن سوى خطة تهدف إلى "بلورة حلف غير رسمى بين أربع دول فى المنطقة إضافة إلى إسرائيل" فى مواجهة إيران وسوريا، وأن هذا الحلف يحمل اسماً مشفراً فى وزارة الخارجية بعنوان "دول 4+1 هى السعودية والأردن والإمارات والسلطة الفلسطينية إلى جانب تركيا" وأن هذا الحلف سيكون مفتوحاً لانضمام دول عربية أخرى.

وعلى نحو ما فعلت واشنطن مع إيران الشاه لتتحول إلى وكيل إقليمى لحماية المصالح الأمريكية بتقديم كافة الأسلحة والقدرات العسكرية اللازمة للقيام بهذا الدور بدأت واشنطن تحذو هذا التوجه مع إسرائيل من خلال صفقة الأسلحة الجديدة المتطورة التى أعلن عنها وزير الدفاع الأمريكى تشاك هاجل فى زيارته الأولى لإسرائيل (21/4/2013)، وفى الوقت نفسه بدأت بالسعى لتمتين العلاقات بين إسرائيل وتركيا لتكون ركيزة التحالف الجديد على النحو الذى خاطب به جون كيرى وزير الخارجية الأمريكى كبار المسئولين الأتراك فى زيارته لأنقرة (7/4/2013). فقد دعا كيرى تركيا وإسرائيل إلى التطبيع الكامل لعلاقاتهما وقال: أن تطبيع العلاقات بين تركيا وإسرائيل "أمر مهم من أجل الاستقرار فى الشرق الأوسط" وقال "نريد أن تعود هذه العلاقات إلى طبيعتها، هذه العلاقة المهمة من أجل الاستقرار فى الشرق الأوسط، والحساسة حتى بالنسبة لعملية السلام نفسها".

هذا التوجه حتماً سوف يستنفر روسيا لتأسيس تحالف إقليمى مضاد يضم إيران وسوريا وحزب الله فى لبنان يكون مدعوماً من الصين والعراق، ما يعنى أمرين أولهما، أن النظام العربى معرض للتداعى والذوبان فى نظام الشرق الأوسط والعودة مجدداً إلى ما تعرض له من ضغوط بهذا الاتجاه فى بداية الخمسينات من القرن الماضى، وثانيها، أن إقليم الشرق الأوسط معرض لحرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا سوف تكون أحد أبرز أصداء الصراع الأهم الذى سوف يفرض نفسه فى إقليم الشرق الأقصى.

الخطر يواجه النظام العربى، والخطر هنا مزدوج، خطر العجز عن التكيف مع المطالب الشعبية الجديدة وإمكانيات وفرص تجاوزه شعبياً، وخطر انخراطه كمجرد طرف فى نظام الشرق الأوسط ليس بصفته نظاماً فرعياً قادراً على أن يكون فاعلاً رابعاً مع الفواعل الثلاثة الأخرى فى قلب أو محور نظام الشرق الأوسط، ولكن كمجرد طرف من أطراف النظام بل وطرف تابع ومفكك، وهنا مكمن الخطر الذى يواجه مشروع الثورات العربية الآن ويفرض عليها ضرورة الوعى بأن الثورات لم تنتصر بعد، وأن مشوار التغيير الثورى مازال طويلاً، وأن نجاح هذا المشروع يتوقف على مدى قدرة الثوار في الوعى بالمهام النضالية وفق أولوية تراتبية تجعل الوحدة الوطنية هدفاً أساسياً: وحدة الشعب ووحدة الوطن بعيداً عن أى تجاذبات أو صراعات عرقية أو طائفية، وتجعل من "ثقافة العيش المشترك" بين كافة القوى السياسية صاحبة المصلحة فى الثورة هدفاً وركيزة أساسية من أجل التأسيس لشراكة وطنية قادرة على تحقيق الاستقرار فى الداخل والتصدى لكل محاولات التغلغل والتدخل الخارجى.

* المنسق العام للمؤتمر القومي - الإسلامي، عضو المؤتمر القومي العربي، كاتب وسياسي.

المصدر: المؤتمر الرابع والعشرون للمؤتمر اقومي العربي، 1 – 2 حزيران/يونيو 2013، القاهرة - مصر

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

تنويه 

كان من المقرر أن تكون هذه الورقة "حول التجدّد الحضاري"، ولكن إلحاح ما يجري من خلافات وصراعات وانقسام بين تيارات الأمّة القومية والإسلامية والوطنية واليسارية، ولاسيّما بين التيارين الكبيرين القومي والإسلامي، فرض عليها أن تعطي الأولوية في هذه الورقة لموضوع العلاقات بين التيارين القومي – الإسلامي لأهميته الراهنة القصوى، وهو على كل حال جزء من هموم التجدّد الحضاري للأمّة العربية.

أولاً: العلاقة التاريخية بين التيارين القومي والإسلامي

أثبتت التجربة العربية التاريخية المعاصرة، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى إلى اليوم، أن اتحاد الشعب وتوافق قواه المناضلة على اختلاف توجهاتها الإسلامية والقومية والوطنية واليسارية، سمحا بالصمود أمام أعتى التحديات، كما أديا إلى انتصارات كلما سمحت موازين القوى.

أ. مرحلة الاستعمار المباشر والاستقلال

لقد تجلّت هذه الموضوعة، البدهية في تجارب النضال الوطني ضدّ الاستعمار المباشر في الصمود وفي الانتصارات، وهو ما أكّدته تجارب الأقطار العربية في مقاومة الاحتلالات والأنظمة العميلة.

أما تجربة مرحلة الاستقلال والنضال ضدّ الاستعمار الجديد والأحلاف العسكرية والمشروع الصهيوني، فقد مرّت بمراحل وحالات متفاوتة، لاسيّما من ناحية توافق تلك القوى السياسية، كما من جهة انقساماتها وما نشأ من صراعات في ما بينها. فقد كان التوافق يسمح بالهجوم والتقدّم، حتى لو كان موضوعياً أو تقاطعاً عند نقطة معينة. أما الانقسامات فقد كانت عامل إضعاف، وأحياناً كانت عامل استنزاف وإرباك شديدين.

ب. المرحلة الناصرية:

إن التفاف الجماهير العربية العريضة مصرياً وعربياً خلف التجربة الناصرية كان يقلّل نسبياً من سلبيات ما كان ينشب من صراعات وتناقضات في ما بينها وبين قوى إسلامية أو قومية أو وطنية قطرية أو يسارية، لكن مع ذلك كانت تلك السلبيات تأخذ مداها في حالات، وأخطرها مرحلة الانفصال بين سورية ومصر في ضرب الوحدة، وكذلك في ما بعد عدوان حزيران/يونيو 1967.

فإلى جانب الانتصارات التي تحقّقت خلال الخمسينيات ضدّ الاستعمار القديم والمعاهدات الاستعمارية والأحلاف العسكرية، وذلك بتحقيق استقلال أغلب الدول العربية وسقوط حلف بغداد، والانتصار على عدوان 1956، وتحرير الجزائر، وما تحقّق من انجازات على صعيد تصفية الإقطاع والتأميمات والعدالة الاجتماعية (نسبياً)، وصولاً إلى الإنجاز الأكبر بتحقيق الوحدة بين مصر وسوريا، كانت هنالك انتكاسات تمثّلت بضرب وحدة مصر وسوريا وتكريس الانفصال إلى يومنا هذا، وكان هنالك ما نشب من صراعات حادة في ما بين القوى القومية نفسها، أو في ما بينها وبين القوى الإسلامية، وقد حدث مثل هذا مع القوى اليسارية.

وبكلمة، بين أيدينا خلال الخمسينيات والستينيات جبل متراكم من الصراعات الداخلية في ما بين القوى التي يفترض التقاؤها في الخندق الواحد، أو اتحادها في الجبهة العريضة، وقد نجم عن ذلك الكثير من السلبيات على مجال التحرّر العربي والوحدة العربية ومواجهة الكيان الصهيوني، كما على مستوى حقوق الإنسان أو الهيبة العامة والسمّعة لتلك القوى. 

فقط، هنا يجب أن نتذكّر ما وصلته الانقسامات من ألوان العداء والتشهير والتخوين، وكان كل طرف يحسب نفسه على جانب الصواب واليقين. أما اليوم، وبعد الابتعاد عن تلك الظروف والحالات لا يستطيع أحد أن يفكّر بمثل تلك اليقينية والاطمئنان، بل ذهبت الأغلبية للمراجعة والنقد الذاتي سواء أكان علنياً أمّ داخلياً. بل لا أحد يحب أن يتذكر تلك الصراعات وما كان يقال أو يحدث فيها.

الأمر الذي يوجب ونحن نخوض اليوم انقساماتنا أن نتذكّر ونعتبر.

ج. مرحلة السبعينيات والثمانينيات

أما في السبعينات وفي ظلّ عدوان 1967 ونتائجه باحتلال القدس والضفة الغربية وقطاع غزّة، والجولان وسيناء، وفي ظلّ المقاومة الفلسطينية وحرب تشرين/رمضان 1973، فعلينا أن نتذكّر الصراعات والانقسامات داخل فصائل المقاومة في ما بين اليسار وفتح والعروبيين، أو في ما بين المقاومة وعدد من الدول العربية، وأخطرها الانقسام البعثي – البعثي بين سوريا والعراق.

هنا أيضاً لا بدّ من وقفة وتذكر واعتبار.

وفي الثمانينيات، برغم انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية وسقوط شاه إيران الذي أزال صخرة كبيرة عن الصدر العربي والشعب الإيراني، استمرّت صراعات مرحلة السبعينيات وانقساماتها، لاسيّما تفاقمها داخل منظمة التحرير الفلسطينية، كما تفجّرت صراعات حادة جديدة إزاء الحرب العراقية – الإيرانية التي دامت أكثر من ثماني سنوات. 

ولكن يجب أن يذكر هنا أهمية المراحل، ولو القصيرة، التي كانت تحدث فيها التقاطعات في ما بين القوى القومية والإسلامية والوطنية واليسارية، مثل حرب تشرين أو انطلاق الانتفاضة الأولى في فلسطين، كما يجب أن يذكر لأواخر الثمانينيات بداية إطلاق مرحلة جديدة لعلاقات تحالفيه بين التيارين القومي والإسلامي. وهذا الأخير أخذ يتعزز ويعود إلى الساحة بقوة مع إرهاصات المقاومتين في لبنان وفلسطين وتشكّل صحوة إسلامية عامة.

ثانياً: مرحلة التسعينيات وعشرية ق 21

أ. ففي الوقت الذي انهار فيه المعسكر الاشتراكي السوفياتي وسبقته الحرب الأمريكية – العالمية العدوانية التي شنّت على العراق، ومن ثمّ الهجوم الأمريكي على العالم لإقامة نظام عالمي أحادي القطبية وتكريس مرحلة جديدة في سيطرة الرأسمالية الإمبريالية العالمية التي حملت اسم العولمة، أي في وقت ما بعد 1990 – 1991، من مرحلة التسعينيات والعشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين م، الموافق عشرينيات القرن الخامس عشر الهجري، ففي هذا الوقت وامتداده لعقدين عرفت العلاقات بين التيارين القومي والإسلامي ما يمكن أن يسمى عصرهما الذهبي، وكان من بين تعبيرات ذلك مبادرة مركز دراسات الوحدة العربية في أواخر الثمانينيات لعقد ندوة حوار قومي – إسلامي في القاهرة، ثم مبادرة المؤتمر القومي العربي مع عدد من القوى الإسلامية لتأسيس المؤتمر القومي – الإسلامي، ومن ثمّ انطلاقته ليكون عنواناً معلناً عن التقاء التيارين القومي – الإسلامي. وذلك على مستوى عربي عام، كما على مستوى قطري، وقد توازى معه تشكّل المؤتمر العام للأحزاب العربية الذي وحّد بين التيارين كذلك.

لقد اتخذت العلاقة القومية – الإسلامية ألواناً مختلفة من التنسيق والجبهات تفاوتت من قطر لقطر، وكان أقواها في اليمن، وقد ضمّت الجبهة هناك القوى القومية والإسلامية والوطنية والاشتراكية كذلك، فيما تجلّت العلاقات بين التيارين، على سبيل المثال أيضاً، في الأردن من خلال التنسيق بين الأحزاب القومية والوطنية واليسارية والإخوان المسلمين، وذلك إلى جانب تنسيق ثنائي أو تحالفي ما بين حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا وكل من حزب جبهة العمل (الاخوان المسلمون) في الأردن، وحزب العدالة والتنمية في المغرب.

المهم، وبرغم التفاوت في مستوى التنسيق أو التحالف أو التعاون بين التيارين وفقاً لخصوصية كل قطر، إلاّ أن مواجهة تحديات الهجمة الأمريكية – الصهيونية – العولمية في مرحلتيها الديمقراطية الكلينتونية في التسعينيات، والجمهورية البوشية في 2001 – 2009، قدّ تمّ التصدي لها وإحباطها عموماً من خلال دور فعال وقيادي للتيارين القومي والإسلامي وعبر جبهات ضمت أيضاً وطنيين ويساريين.

ففي مرحلة التسعينيات، وبرغم انتكاسة منظمة التحرير الفلسطينية بانتقالها من مواقع المقاومة إلى إستراتيجية التسوية مع أمريكا والكيان الصهيوني، وتوقيعها لاتفاق أوسلو 1993، وبرغم معاهدة وادي عربة التي أكملت طريق المعاهدة المصرية – الصهيونية في كمب ديفيد (وهذه كلها كانت اختراقات خطيرة في مصلحة أمريكا والكيان الصهيوني، لاسيّما في ما يتعلق بالكيان الصهيوني والعلاقات به)، إلاّ أن تعاون التيارين القومي والإسلامي مع التيارات الوطنية واليسارية أسهم في عرقلة مسار التسوية وأحبط مشروع بيريز – كلنتون لإقامة شرق أوسط جديد عبر تصفية القضية الفلسطينية والاعتراف بالعدو والتطبيع معه والدخول في العولمة (هنا أحبط أيضاً مشروع المؤتمرات الاقتصادية العالمية التي انطلقت في الدار البيضاء من المؤتمر الاقتصادي العالمي المنبثق من دافوس).

يجب أن يسجّل هنا الدور الكبير الذي لعبته المقاومة بقيادة حزب الله لتحرير جنوب لبنان، وقد تكلّل بانتصار دحر الاحتلال بلا قيد أو شرط عام 2000، ويجب كذلك أن يسجّل للمقاومة الفلسطينية حماس والجهاد بإبقاء راية المقاومة ضدّ الاحتلال مرفوعة بالرغم من اتفاق أوسلو ووجود السلطة الفلسطينية التي غرقت في مفاوضات فشلت فشلاً ذريعاً في كمب ديفيد 2. وكانت قد فشلت أيضاً مع نهاية التسعينيات، المفاوضات السورية في جنيف 1999، وقد عاد كلينتون منها إلى البيت الأبيض يضرب كفاً على كف. 

صحيح أن ثمّة إنجازات قد تحققت بإحباط مسار التسوية والتطبيع، إلاّ أن هذا المسار حقّق عدّة خطوات خطيرة.

هذا ويجب أن يذكر هنا بأن الفضل في الإنجازات لا يعود للمقاومة والمعارضة والنضالات الشعبية والدور الذي لعبه التياران القومي والإسلامي فحسب، إنما أيضاً أسهم المحور المصري – السوري – السعودي الذي تشكّل خريف 1994 إلى 2001، في الوصول إلى تلك النتيجة الهامة جداً.

ب. أما العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين ميلادي والموافق للعشرية 1420 – 1430 من القرن الخامس عشر هجري، فقد اتسمت بمواجهة الهجمة الأمريكية – الصهيونية العسكرية الأخطر في عهد بوش الابن وشركائه من المحافظين الجدد 2001 – 2009.

فقد عرفت هذه الهجمة حرباً أمريكية احتلت أفغانستان عام 2001، وهجوماً شارونياً لاحتلال مناطق (أ) في الضفة الغربية والقطاع 2002، وحرباً أمريكية – دولية احتلت العراق 2003، ثمّ حرباً صهيونية مدعومة أمريكياً علناً ضدّ حزب الله 2006 في لبنان، وأخرى ضدّ حماس في قطاع غزّة 2008 – 2009 (طبعاً الحربان استهدفتا كل لبنان وكل قطاع غزّة بكل ما فيهما من مقاومات وممانعات وتيارات قومية وإسلامية ووطنية ويسارية).

كما حملت الهجمة أيضاً ضغوطاً سياسية مشفوعة بالتهديد والوعيد على كل الدول العربية بما في ذلك تلك التي خضعت سريعاً وشكّلت ما سمي بمحور الاعتدال العربي، فالهجمة بالرغم من ذلك الخضوع السياسي، واصلت الضغوط عليها (دول الاعتدال العربي) لتغيير مناهجها الإعلامية والسيطرة على مؤسساتها الخيرية والمدنية وتغيير طبيعة جيوشها والوقوف العلني إلى جانب العدوان الصهيوني ضدّ المقاومتين في لبنان وقطاع غزّة، والسكوت إن لم يكن التواطؤ على غزو العراق واحتلاله.

وقد تعاظمت هذه الضغوط بعد احتلال العراق على كل من سوريا التي صمدت في وجهها، وعلى ليبيا واليمن حيث تراجعا أمام هذه الضغوط إلى حدّ بعيد، فضلاً عن الضغوط التي تعرض لها السودان، وأدّت إلى انفصال جنوبه وتهديده بالمزيد من التجزئة.

لكن في المقابل تشكّل محور المقاومة والممانعة وجبهات معارضة عريضة للتصدي لهذه الهجمة على مستوييها العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وكان للتيارين القومي والإسلامي على مستوى دول ومقاومات وحركات معارضة ومؤتمرات دور حاسم ليس في التصدي والصمود في مواجهة هذه الهجمة الأمريكية – الصهيونية، فحسب، وإنما أيضاً في تحقيق انتصارات وإنجازات، ويكفي أن يذكر هنا الدور الذي لعبته المقاومة العراقية في التصدي للاحتلال الأمريكي العسكري، والدور الذي لعبته الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية 2000 – 2005، ثم على مستوى أعلى انتصار المقاومة في حرب تموز 2006 في لبنان، وانتصار المقاومة 2008 – 2009 في قطاع غزّة، وكان الانتصاران الأخيران في الميدان العسكري كما في الميدان السياسي.

وإن هذه المقاومات وجدت دعماً واسعاً من التيارات المتحالفة أو المتعاونة أو المتقاطعة القومية والإسلامية والوطنية واليسارية والنقابية والهيئات الشعبية على طول البلاد العربية والإسلامية وعرضها، وكذلك من رأي عام عالمي أخذ يتشكّل ضدّ السياسات الأمريكية – الصهيونية.

ثالثاً: حول موازين القوى

لقد كانت المحصلة لهذه العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين تغييراً عميقاً في ميزان القوى الفلسطيني – العربي – الإسلامي، في غير مصلحة أمريكا والكيان الصهيوني، فبدلاً من أن يبنى شرق أوسط جديد على قياس المحافظين الجدد الصهاينة، أخذ يتشكّل وضع عربي وإسلامي جديد مالت موازين القوى الإقليمية لأول مرة منذ الحرب العالمية الأولى في مصلحته.

لا بدّ من أن يضاف أيضاً، بسرعة هنا، أن مع نهاية هذه العشرية ضربت أزمة مالية زلزالية الاقتصاد الأمريكي – الأوروبي، وأسقطت ما خططت له عولمة التسعينيات، كما استعادت روسيا عافيتها كدولة كبرى وأخذت الصين التي عزّزت قواتها العسكرية وقدراتها التقنية تتحوّل إلى أكبر دولة تجارية، وكذلك الحال برزت دول إقليمية هامة، لاسيّما الهند والبرازيل وإيران وتركيا وجنوب إفريقيا، وقد شكّل بعضها نواة جبهة البريسك ومجموعة شنغهاي لاحقاً.

هذا وإلى جانب ذلك كله صمدت مجموعة من الدول المستقلّة أو المتحرّرة في وجه أمريكا مثل فنزويلا وبوليفيا وكوبا وعدد من دول أمريكا اللاتينية.

وباختصار: التغيير الكبير في ميزان القوى لم يكن في منطقتنا فحسب، وإنما أيضاً على مستوى عالمي، وقد جاء في غير مصلحة أمريكا والكيان الصهيوني، كما في غير مصلحة أوروبا، وفي غير مصلحة محور الاعتدال العربي الذي راهن على انتصار مشروع المحافظين الجدد ضد المقاومات والممانعات والمعارضات في البلاد العربية وصولاً إلى ضرب إيران وتطويع روسيا والصين وإنهاء أمر الدول المتحرّرة من أمريكا اللاتينية.

هذه المعادلة لميزان القوى وما حققته المقاومات من انتصارات سمحتا مع نضوج للوضع الداخلي (شيخوخة الأنظمة وانهيارات رهاناتها على أمريكا)، أن تطلّ العشرية الثانية بانتصارين عظيمين حققتهما الثورتان الشبابيتان الشعبيتان في تونس ومصر، وقد تشكّل مناخ شعبي ثوري عارم من المحيط إلى الخليج، وقد راحت ارتداداته إيجاباً وسلباً، تتفاوت في سماتها من قطر إلى قطر، لاسيّما في ليبيا واليمن والبحرين وسوريا، وبقية البلاد العربية، كما تفاوتت ارتداداته، إيجاباً وسلباً، على المرحلة الانتقالية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن حيث واجهت تلك الأقطار الصراعات حول إشكالات بناء أنظمتها البديلة أو الجديدة.

إلى هنا يجب أن نعود فوراً إلى الموضوع الأساسي لهذه الورقة وهو العلاقة بين التيارين القومي والإسلامي خصوصاً، والعلاقة في ما بين القوى الإسلامية والقومية والوطنية واليسارية عموماً، وذلك مع الأخذ في الاعتبار دروس المراحل التاريخية التي مرّت بها تلك العلاقات.

رابعاً: بين مشهدين

لقد بقي المشهد الرائع لتعاون التيارين القومي والإسلامي والوطني واليساري، وبمختلف فصائل أو أحزاب كل تيار، سائداً في العقدين الأخيرين، ثم استمر، بروعة، في الثورتين التونسية والمصرية حتى انتصارهما، وكان من عوامل الانتصار بلا شكّ، ولكن ما أن دخلتا المرحلة الانتقالية وحتى هذه اللحظات غاب ذاك المشهد ليحلّ مكانه مشهد مروّع من الصراع والانقسامات في ما بين قوى تنتسب للتيارين الإسلامي والقومي، وكذلك في ما بين قوى صنعت الانتصار في الميادين والشوارع.

ومضى هذا المشهد الجديد الذي عرفته السنوات الثلاث الماضية في تكريس الانقسامات والصراعات الحادة في أغلب البلاد العربية، وخصوصاً في ليبيا والبحرين واليمن وسوريا والعراق ولبنان، وسار بموازاته تدهور نسبي في العلاقات في ما بين دول عربية وإسلامية مثل تركيا وسوريا وإيران وقطر، كانت في العشرية السابقة تتسم علاقاتها بالإيجابية والعلاقات التعاونية الوثيقة في مجالات السياسة والاقتصاد.

وبسرعة، يمكن القول أن المشهد الثاني يدعو إلى التشاؤم لولا ما حدث من تغيرات في ميزان القوى العالمي والإسلامي والعربي في غير مصلحة أمريكا والكيان الصهيوني، ولولا التدهور البنيوي الأمريكي – الصهيوني، الأمر الذي يسمح للتفاؤل بأن يفرض نفسه في مدى متوسط من السنين إن لم يكن في مدى قريب.

ما يهمنا أن نركّز عليه الآن هو العلاقات التي تصدّعت بين التيارين القومي والإسلامي، هذه العلاقات التي سهر على تعزيزها في العقدين الماضيين المؤتمر القومي العربي بالتعاون مع شقيقيه المؤتمر العام للأحزاب العربية والمؤتمر القومي – الإسلامي.

خامساً: في الحوار بين التيارين القومي والإسلامي

بغضّ النظر عن الأسباب الموضوعية والذاتية الداخلية والعربية والإسلامية التي أدّت إلى ما نشهده من انقسامات وصراعات حادة على مستوى كل قطر وعلى مستوى عام، وبغضّ النظر عن الأحكام والتفاصيل التي تحملها القوى المعنية في توصيف هذا المشهد وقراءته، وما يمكن أن يحمّله كل طرف من مسؤولية في تدهور العلاقات إلى الطرف الآخر في كل قطر، وبغضّ النظر عن خصوصية الانقسامات والصراعات في كل قطر وعن أسبابها والصيرورة التي اتخذتها، يجب أن يظلّ الجواب هو ضرورة العودة إلى الحوار من أجل وقف مسار التدهور إلى ما هو أسوأ أولاً، ثمّ ثانياً من أجل استعادة التفاهم والتنسيق حتى التحالف إن أمكن ما بين القوى المعنية الإسلامية والقومية على المستوى العام بداية ثمّ على مستوى كل قطر، بما يضم معه اليوم، أو لاحقاً، القوى الوطنية واليسارية والشبابية (أصبح من الضروري اعتبارها طرفاً وقوى سياسية قائمة بذاتها).

إن فرض هذا الجواب ليس انطلاقاً من أيديولوجية أو رغبات، وإنما اعتماداً على تجارب المراحل التاريخية التي مرّت بها تلك القوى وهي مؤتلفة أو متقاطعة كما وهي مختلفة ومتصادمة. فالانتصارات الكبرى حين كانت الظروف وموازين القوى مؤاتية (يمكن اختراقها)، كما حالات الصمود العظيمة في ظلّ ظروف وموازين قوى غير المؤاتية (في الأغلب، في الماضي) كانت تتحقق من خلال وحدة الشعب أو أغلبية الكتلة التاريخية، وفي المقدّمة التقاء القوى القومية والإسلامية موضوعياً إن لم يكن مؤطراً بفعل وعي وإرادة. 

وفي المقابل كانت السلبيات ونقاط الضعف والانتكاسات تتفاقم في ظلّ الانقسامات والصراعات في ما بين قوى حركة التحرّر العربي داخل التيار الواحد، كما بين التيارين الكبيرين في الأمّة: القومي والإسلامي.

من هنا جاء فرض الجواب أعلاه وهو ضرورة العودة إلى الحوار بين التيارين، لكن الأمر هنا يتطلب أن يراعي ما يلي:

1. ونحن نشدّد على أهمية الوحدة بين التيارين وأثرها في نتائج الصراعات الكبرى التي خاضتها وتخوضها الأمّة العربية ما ينبغي لأحد أن يفهم أننا نحصر الانتصارات والتقدّم أو النكسات والتراجع في العامل الذاتي مسقطين الدور الأكبر لموازين القوى والظروف والمناخات السائدة داخلياً وعربياً وإقليمياً وعالمياً، ومن ثمّ مدى هبوب رياحها في هذا الاتجاه أو ذاك.

2. لا بدّ من أن نقتنع أن وحدة القوة السياسية الممثلة للكتلة التاريخية للأمّة، وأساساً القوى القومية والإسلامية تشكّل حاجة قصوى وشرطاً ضرورياً لمعالجة كل ما أخذ يبرز من تحديات، أو يُفتح من آفاق لتحقيق الأهداف، وهذا بدوره يفرض بأن يتأكّد كل تيار أو حزب أو قوة أنه بمفرده لا يستطيع أن يواجه التحديات أو يحقق الأهداف.

3. إن الحوار لا يعني لفلفة الخلافات وعدم دفاع كل طرف عن خطه السياسي والاقتصادي وبرنامجه، ولا يعني الانتقال إلى التوافق من جديد عبر الضغوط أو المخاجلة، فالمطلوب أولاً أن يتوفر الاستعداد وتتوفر القناعة بضرورة الحوار بهدف الوصول إلى توافق أو في الأقل بهدف وضع سقف يُتفق عليه لتنظيم التنافس والصراع، ومن ثمّ ثانياً لتُفتح القلوب للنقد أو العتاب أو النقاش الجاد، فكيف يمكن الا يرتكز الحوار على ما هنالك من خلاف، فالخلافات تموج وتتصاعد في الشارع وفي العلن وفي كل أشكال التعبير.

4. لا بدّ من أن تتشكّل إلى جانب ذلك قناعة بأن ترك الصراع يمضي بلا ضوابط، لاسيّما في مصر وتونس، قد يتدهور إلى ما لا تُحمد عقباه، كما إذا تُرك الصراع في سوريا يتفاقم بلا انتقال به إلى الحوار والتسوية، فإن سوريا كلها ستواجه أضعاف ما حدث حتى الآن من دمار وتهجير وقتلى وجرحى ومآس إنسانية (دائماً هنالك ما هو أسوأ)، هذا وأن عدم وضع حدّ لما تواجهه ليبيا من صدامات ولجوء إلى السلاح أو ما تواجهه اليمن من مخاطر التقسيم، وما تواجهه البحرين من انقسام طائفي وهدر لحقوق الإنسان، كما ما تواجهه بقية الدول العربية من احتمالات الانفجارات والثورات والانقسامات المختلفة، فالعراق على شفا حرب أهلية إن لم يُستبَعد اللجوء إلى السلاح تماماً من جانب المعارضة، ومهما تكن الأسباب، كما يجب أن يُستبعد الحلّ الأمني تماماً من جانب الحكومة مهما أوردت من أسباب، وإلاّ سقط العراق في حرب أهلية لا تحل بالسلاح، وذلك مع ضرورة الحرص أيضاً على عدم تحويل الصراع السياسي إلى صراع طائفي أو اللجوء إلى تقسيم العراق والتخلي عنه وعن وحدته ووحدة كل مكوناته.

هذا وليست الأقطار العربية التي لم تذكر بمنأى عن احتمالات المخاطر والثورات والانفجارات. وأخيراً في هذا الصدد، يجب التنبه من خطورة مختلف الاتجاهات المتطرفة التي تدفع إلى الحروب الأهلية أو شبه الحروب الأهلية.

5. إن الضفة الغربية على أعتاب الانتفاضة الثالثة، ولهذا مؤشرات كثيرة، وستكون بحاجة ماسة إلى مساندة جماهيرية ودعم عربي وإسلامي ورأي عالمي لكي تنتصر في تحقيق أهدافها في دحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات واستنقاذ القدس وإطلاق كل الأسرى، بلا قيد أو شرط.

بل يمكن التأكيد من خلال الدراسة الدقيقة لموازين القوى وما يعانيه الكيان الصهيوني وأمريكا والغرب عموماً، من تدهور ومآزق ونقاط ضعف بأن انتفاضة مصممة حازمة لا تساوم في ظلّ وحدة وطنية فلسطينية ستفرض على العدو هزيمة محققة إنشاء الله.

6. يجب إعادة الاعتبار للعلاقة التبادلية التكاملية بين استراتيجية تحرير فلسطين واعتبار قضية فلسطين القضية المركزية، وبين استراتيجية تغيير الأوضاع العربية وتحرير إرادتها وتحقيق تضامنها ووحدتها لتتكامل مع الاستراتيجية الأولى لتحرير فلسطين. فلا اعتبار القضية الفلسطينية قضية مركزية يجب أن يشغل الجماهير عن أحداث التغيير الثوري في بلادها ولا الانشغال في أحداث التغيير الثوري يجب أن يشغلها عن دعم الشعب الفلسطيني ومقاومته وانتفاضاته أو تشغلها عن التصدي للمخططات الصهيونية، وبكلمة نحن أمام علاقة تبادل وتكامل، ولهذا يجب للتغيير العربي الثوري أن يأخذ وقته بعيداً عن التعجل والمزايدات وسؤ تقدير الموقف.

7. إن ما تحقق من اختلال في ميزان القوى العربي والإسلامي والعالمي في غير مصلحة أمريكا والكيان الصهيوني ما زال قائماً بالرغم مما وقع من انقسامات وصراعات ونشأ من سلبيات خلال الثلاث سنوات الماضية، ولاسيّما في هذه الأيام.

الأمر الذي يجعل هذه الانقسامات والصراعات تتم في ما بين أقوياء، فجميع التيارات الحيّة في الأمّة أصبحت أقوى وأشدّ حيوية واندفاعاً، فالشوارع أصبحت تعجّ بالحشود وبالاحتجاجات. وهذا كله غير ما كان يحصل في الماضي حين كانت الانقسامات تحدث في ظلّ الهيمنة الأمريكية والتفوّق العسكري الصهيوني وغطرسته، أو في ظلّ أنظمة قمعية وتابعة.

فعلى سبيل المثال، إن الصراع على "السلطة" أو الصراع في صوغ الدساتير ونوع النظام، أو الصراع على "الغنائم" أو على "النفوذ والقيادة" هو اليوم صراع بين أقوياء، وهذا ما يزيد من جهة صعوبة الحوار وإيجاد التوافق وبناء الوحدة (أو حتى الوساطة)، ولكنه يسمح في المقابل بأن تفتح إمكانات واسعة لحسن اقتسام "السلطة" و "الغنائم"، أو تحديد موقع كل قوة وطرف في التحالفات بما يعود كسباً على جميع الأطراف السياسية وعلى الأمّة وعلى تحقيق أهداف الحرية والاستقلال والوحدة والعدالة الاجتماعية وتحرير فلسطين ونهضة الأمّة.

خلاصة

إن كلّ ما تقدّم في هذه الورقة يحث التيارين القومي والإسلامي (والتيارات الوطنية واليسارية) على التوافق لكي يلعب التياران الكبيران في الأمّة، الإسلامي والقومي، دورهما على مختلف الأصعدة والأقطار للمساهمة بداية في وقف التدهور أو تفاقم الانقسامات ثم الانتقال إلى تحقيق أهداف شعوبنا وأمّتنا.

وهنا لا بدّ لمصر حيث ينعقد المؤتمر القومي العربي في كنفها الرحب من أن تكون هي الأوّلى بأن يصحح الوضع فيها من خلال تصحيح التيارين القومي والإسلامي لعلاقاتهما ببعضهما كما ببقية القوى، لاسيّما الجيش، وذلك لتلعب مصر دورها القيادي في تصحيح الوضع العربي كما العلاقات العربية – الإيرانية، والعلاقات العربية – التركية، والتصدي للتحديات المختلفة، بما فيها التحدي الصهيوني الذي يهدّد باستيطان الضفة وتهويد القدس، واقتسام المسجد الأقصى وتنكّيل بالأسرى.

إذا ما تمّ ذلك وامتدت مروحة التحالفات القومية والإسلامية لتشمل البلدان العربية والإسلامية، فإن موازين القوى والظروف الإقليمية والدولية تسمح للعرب والمسلمين بإحداث قفزة كبرى بالنسبة إلى مكانتهما العالمية.

وكلمة أخيرة: هل سنتعلم كيف نتنازل لبعضنا بعضاً لنكسب جميعاً وتكسب الأمّة وتكسب فلسطين.

والله الموفق

* المنسق العام للمؤتمر القومي - الإسلامي، عضو المؤتمر القومي العربي، كاتب وسياسي.

المصدر: المؤتمر الرابع والعشرون للمؤتمر القومي العربي، 1 – 2 حزيران/يونيو 2013، القاهرة - مصر 

 

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

يتابع المؤتمر القومى العربى حالة الأمة العربية فى دوراته السنوية، من خلال دراسة وتقييم التطورات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية التى شهدتها الأقطار العربية خلال العام المنصرف، وتجرى هذه المتابعة من منظور المشروع النهضوى العربى الذى يقوم على ستة عناصر أساسية: الوحدة العربية الديمقراطية، التنمية المستقلة، العدالة الاجتماعية، الاستقلال الوطني، الأصالة والتجدد ثقافياً ويدور البحث فى التطورات التى شهدتها الأقطار العربية فى مختلف المجالات من زاوية إقترابها أو إبتعادها عن العناصر الأساسية للمشروع النهضوى العربي، ومدى توفر إمكانيات حقيقية لدى القوى القومية والتعددية لوضع هذا المشروع موضع التطبيق من خلال إشتراكها فى النضال السياسى الدائر على إمتداد الوطن العربى ومدى فاعليتها فى التعامل مع التطورات الجارية لخدمة الشعوب العربية وتقريب يوم الوحدة فى إطار الإستقلال الوطنى والتحول الديمقراطى والتنمية المستقلة والعدالة الإجتماعية .

ورغم أن الشعوب العربية فى تونس ومصر وليبيا واليمن نجحت فى توجيه ضربة قاصمة للنظم السلطوية ببلدانها عندما نجحت من خلال الثورات الشعبيه العربيه عام 2011 فى خلع رؤوس هذه الأنظمة السلطوية وما ترتب على هذه الثورات من إنبعاث روح جديدة وخاصة بين الشباب العربى فى هذه الأقطار وغيرها حيث كانت على وشك الإنتفاض فى أقطار أخرى مثل المغرب والجزائر والأردن إلا أن النظم الحاكمة لها سارعت إلى إتخاذ إجراءات وقائية وقدمت تنازلات فى المجالين السياسي والإقتصادى الإجتماعى مما عطل قيام ثورات مماثلة بها.

إنتعشت الأمال فى إمكانية تحقيق تغييرات جذريه فى دول الثورات العربيه ، خاصة وأن القوى القومية والتقدمية لعبت دوراً أساسياً فى هذه الثورات، وكانت شعاراتها الأساسية فى اطار المشروع النهضوي العربي كما هو الحال فى مصر عندما رفعت الجماهير شعار عيش حرية عدالة إجتماعية كرامة إنسانية ولم تكن شعارات الثوره في تونس واليمن وليبيا بعيدة عن ذلك فقد كانت العداله الاجتماعيه والديمقراطيه والاستقلال الوطني قاسما مشتركا أعظم بين هذه الثورات جميعا، إلا أن عجز قوى الثورة التى كان يغلب عليها طابع الحركات الإحتجاجية وغياب القوى السياسية عن تحريك الأحداث فى البداية حرم هذه القوى عن الوصول إلى السلطة وبالتالى وضع أهداف الثورة موضع التطبيق، وبدء مرحلة الإنتقال من النظام السلطوى المرفوض إلى نظام ديمقراطي، وتوفير مقومات التحول الديمقراطى، ولكن دخول الإسلاميين الساحة السياسية وتوجههم إلى التبكير بالإنتخابات البرلمانية فى مصر وتونس وليبيا للإستفادة من قوتهم الإنتخابية ، وحصولهم على الأكثرية، وما رافق ذلك من إدارة المجلس العسكرى للبلاد فى مصر ،وتولي وقوى وعناصر تنتمى للنظام القديم السلطة فى اليمن فى إطار تسوية سياسية لم تحسم الصراع لصالح الثورة . كل هذا أدى إلى إرتباك إدارة المرحلة الإنتقالية طوال عامى 2011، 2012 واحتدم الصراع الداخلى فى كل قطر من أقطار الربيع العربى ورغم أن القوى القومية والتقدمية كانت طرفاً رئيسياً فى هذا الصراع ناضلت من أجل إستكمال مسيرة الثورة وتحقيقها لأهدافها، إلا أن علاقات القوى السياسية والحزبية لم تكن فى صالحهم لعوامل عديدة من بينها تشرذمهم وتوزعهم على أحزاب متعددة داخل كل قطر، وافتقاد الجاذبية لشعاراتهم نتيجة لإخفاق نظم الحكم الوطنية فى تحقيق مصالح الشعوب رغم إستخدامها شعارات قومية وتقدمية .كان ما يجرى على أرض الواقع عكسها تماماً نتيجة للسياسات التى إتبعتها هذه النظم .

نحاول فى هذه الورقة أن نقدم إطاراً للنقاش حول إحدى القضايا الهامة فى مسيرة الشعوب العربية فى الوقت الراهن وهى حالة التنمية المستقلة والعدالة الإجتماعية فى الوطن العربى عام 2012, وباعتبار أن التنمية المستقلة والعدالة الإجتماعية من الأركان الأساسية للمشروع النهضوى العربى فإن ما سوف نقدمه هنا من معلومات وأطروحات سيساعد المؤتمر القومى العربى على التعرف على إمكانيات الواقع فى الوطن العربى ومدى إقترابه من توفير الظروف المناسبة لوضع المشروع النهضوى موضع التنفيذ . وقد حرصت على أن تكون هذه الورقة إطاراً للمناقشة لأن الواقع العربى غنى بالأحداث والوقائع والبيانات التى لا يمكن الإحاطة بها فى حدود الحيز المحدود المتاح، كما أن الإكتفاء بعرض مؤشرات عامة سوف يمكن المشاركين من كل قطر عربى أن يعرضوا بقدر أكبر من التفصيل ومن واقع المعرفة الملموسة بأحوال بلدانهم ما يساعد على إثراء النقاش وتوفير حصيلة من المعلومات والبيانات والتقييم يستفاد منها فى تطوير الورقة بعد مناقشتها.

الإطار العام لتفاعلات الأحداث 2012

إحتدم الصراع بين قوى الثورة والقوى المضادة للثورة خلال عام 2012 حول التوجهات الإقتصادية والإجتماعية لحكومات مابعد الثوره وكانت المواجهة بين المدافعين عن مصالح الطبقات الكادحة وأغلبية الشعب وبين المنحازين إلى الطبقة الحاكمة المالكة لوسائل الإنتاج . ولم يتوقف الصراع على القوى الداخلية فقط . بل كانت له أبعاد خارجية . ولا نستطيع أن نغفل أوضاع التبعية للرأسمالية العالمية التى سادت كل أرجاء الوطن العربى ، وما فرضته العولمة الرأسمالية ومؤسساتها الدولية ( صندوق النقد الدولى – البنك الدولى – منظمة التجارة العالمية ) من شروط على إقتصاديات وسياسات الدول العربية التى قبلت الإندماج فى السوق الرأسمالى العالمى بالشروط التى فرضتها قوى العولمة وكانت هذه الأوضاع والشروط أحد محددات الصراع الرئيسية حول مستقبل الثورات العربية ومستقبل الحركات الإحتجاجية فى دول كالمغرب والجزائر والأردن . وكان لها أكبر الأثر فى محدودية النتائج إلى تحققت فى التوجه نحو التنمية المستقلة والعدالة الإجتماعية على وجه التحديد.

كانت هناك مواجهة بين توجهين أولهما يقبل بالإندماج فى السوق الرأسمالى العالمى والإعتماد على الخارج فى تحقيق التوازن للإقتصاد الوطنى وسد العجز فى الموازنة العامة للدولة والقبول بما يفرضه ذلك من تفاوتات فى الدخول وإستمرار أوضاع الفقر والتهميش فى المجتمع وإستمرار أوضاع البطالة والتضخم . وثانيهما يدعو إلى الأخذ بسياسة التنمية المستقلة والإعتماد على الذات وما يمكن أن يحققه ذلك من الحد من الفقر والبطالة والتضخم والإعتماد على الخارج بما يساعد على تحقيق العدالة الإجتماعية . ولأنه لا يمكن الإحاطة بما جرى فى الوطن العربى من تفاعلات وصراعات وتطورات خلال عام 2012 فسوف نكتفى هنا بتناول ما جرى فى ستة دول: ثلاث منها تفجرت فيها الثورة هى مصر وتونس واليمن ،وثلاث أخرى كانت مهيأة للثورة لكن السياسات التى إتبعت فيها ساعدت على تهدئة الإحتجاجات الإجتماعية وإن كانت لا تمنع إحتمالات الثورة فيما بعد هى المغرب والجزائر والأردن .كل ماحققته هذه الاصلاحات هو تأحيل الثوره في هذهن البلدان.

وقد تفاعلت الأحداث في هذه البلدان السته طوال عام 2012 فى إطار ثلاث عوامل أساسية : هى سياسات الليبرالية الجديدة التى أخذت بها هذه الدول الستة بدرجات متفاوتة، والتوجه نحو التنمية المستقلة والعدالة الإجتماعية التى دعت إليها القوى القومية والتقدمية وناضلت من أجلها وطرحتها بقوة أثناء الثورات وبعدها ،والحالة الفعلية لإقتصادات هذه البلدان والظواهر الأساسية التى حكمت النتائج المتحققة من الصراع حول طبيعة هذه الإقتصادات.

أولاً : توافق واشنطن وسياسات الليبرالية الجديدة

لم تكن الإقتصادات العربية عندما إنفجرت الثورات العربىيه بعيدة عن سياسات الليبرالية الجديدة الناجمة عن توافق واشنطن حيث قامت سياسات النظم السلطوية فى البلدان الستة التى سنتناولها فى هذه الورقة على التعامل مع صندوق النقد الدولى وقبلت بشروطه والإنضمام إلى منظمة التجارة العالمية وتنفيذ سياساتها مما خلق حالة تبعية فى هذه الدول للرأسماليةالعالميه في ظل ظاهرة العولمه شملت السياسة والإقتصاد معاً . ولم يعد القرار الوطنى فى هذه الدول مستقلاً أو متحرراً من ضغوط قوى ومؤسسات الرأسمالية العالمية . 

تدور إستراتيجية توافق واشنطن التى تعتبر أساس سياسة الليبرالية الجديدة التى تأخذ بها المؤسسات الرأسمالية الدولية والدول الرأسمالية الكبرى حول " ضرورة الدفع بأفكار إقتصاد السوق ، والتوسع فى عمليات الخصخصة مع التحرك نحو تحديد التجارة والأسواق المالية ، وضرورة تعزيز دور مؤسسات الأعمال الخاصة ، على أن يتم تقليص دور الحكومات فى النشاط الإقتصادى ليقتصر فقط على مجرد العمل على إستقرار الإقتصاد الكلى ، لذا فإن تلك الإستراتيجية ركزت على ثلاث عناصر رئيسية هى الإستقرار والخصخصة والتحرير ، والإستقرار المقصود هنا هو إستقرار الأسعار وخفض التضخم دون إبداء الإهتمام الواجب بإستقرار العمالة أو مقتضيات تحقيق العدالة الإجتماعية ، فالحكومات مدعوة إلى خصخصة كل شئ من مشروعات صناعية خدمية إلى مؤسسات الضمان الإجتماعى.

ويعتبر غياب البعد الإنسانى والإجتماعى من أبرز عيوب تلك الإستراتيجية التى تبنتها لفترات طويلة بعض مؤسسات التمويل الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولى ، والتى أدت فى العديد من الحالات إلى إثارة القلاقل السياسية والإجتماعية فى الدول التى أخذت بها ، وهو الأمر الذى دفع بالبعض إلى محاولة تطويرها ، خاصة بعد أن كشفت الأزمات المالية المتعاقبة سواء الأسيوية خلال النصف الثانى من تسعينيات القرن المنصرم ، أو العالمية التى تفجرت فى ديسمبر 2008 ، عن مخاطر تهميش دور الحكومات فى إدارة النشاط الإقتصادى ولم تكن معظم الدول العربية بعيدة عن هذه المخاطر والقلاقل ، بل أنها كانت أحد الأسباب الرئيسية للثورة المصرية 2011.

وقد دأب منظرو الليبرالية الجديدة وهى المنتج الأساسى لتوافق واشنطن على إطلاق تعميمات ذات طابع غير ديمقراطى وشمولى وغير مبرر علمياً ، كالقول مثلاً ( أن مراعاة البعد الإجتماعى وإحتجاجات الفقراء أصبحت عبئاً لا يطاق ).

( وإن دولة الرفاه تهدد المستقبل ، وإنها كانت مجرد تنازل من جانب رأس المال إبان الحرب الباردة ، وأن ذلك التنازل لم يعد له الآن ما يبرره بعد إنتهاء هذه الحرب) . أو القول مثلاً ( على كل فرد أن يتحمل قدراًمن التضحية حتى يمكن كسب المعركة فى حلبة المنافسة الدولية أو الإدعاء بأن شيئاً من اللامساواه بات أمراً لا مناص منه).

وقد وجدت هذه الأفكار إنعكاسها الواضح فى السياسات الليبرالية التى تطبق الآن فى مختلف دول العالم دون مشاركة الناس أو موافقتهم على تلك السياسات.

شروط صندوق النقد الدولي:

إلتزم صندوق النقد الدولى بإستراتيجية توافق واشنطن التى أستمد منها سياسات الليبرالية الجديدة ،وفرض شروطاً قاسية لإقراض الحكومات منها:

- التخلى عن دعم الأسعار وخصوصاً أسعار الطاقة . 

- تقليص الأجور فى القطاع العام وعدد العاملين به . 

- خصخصة القطاع العام . 

- مراجعة أنظمة التقاعد والحماية الإجتماعية لتقليص الإنفاق العام وتخفيض عجز الموازنة العامة للدولة . 

- تخفيض قيمة العملات الوطنية ( ما يسمى مرونة سعر الصرف ) الذى يعنى خلق شروط تضخم مرتفع . 

- تعويض الفقراء بإعانات نقدية مباشرة . 

- الغاء القيود المفروضه علي التجاره الخارجيه وتخفيض الجمارك لفتح سوق البلد أمام رؤوس الاموال والسلع الاجنبيه مما يؤدي الي ادماج السوق المحلي في السوق الرأسمالي العالمي.

وكما أوضحنا من قبل فإن الدول العربية لم تكن خارج إطار هذه الشروط عندما إقترضت من الصندوق وتعتبر مصر نموذجاً لذلك عندما حصلت على قرض 1991 بدأت معه عملية خصخصة واسعة النطاق وتخفيض قيمة الجنيه المصرى وإلغاء القيود المفروضة على إستيراد السلع الأجنبية لحماية الصناعة الوطنية ، وإطلاق الحرية لآليات تسوق فى تحديد أسعار السلع والخدمات . وهناك أمثلة أخرى فى باقى الدول العربية لتطبيق شروط الصندوق كان من نتيجتها إزدياد معاناة الفقراء والعاملين بأجر وذوى الدخل الثابت وهم أغلبية الشعب ،وتصاعدت الإضرابات العمالية والفئوية والحركات الإحتجاجية ، وكان هذا كله مقدمة للثورات التى شهدتها مصر وتونس واليمن.

ثانياً : التنمية المستقلة / المعتمدة على الذات

طرحت القوى القومية والتقدمية رؤية مناقضة لتوافق واشنطن تستهدف حماية مصالح الشعوب العربية على المدى الطويل وإخراجها من دائرة التبعية للرأسمالية المعولة . ولا تعتبر العناصر والمقومات الأساسية لهذه الرؤية جديدة تماماً فقد سبق أن طرحها جمال عبد الناصر مبكراً عام 1962 وتبنتها قوى قومية وتقدمية عديدة فى مختلف الأقطار العربية وطورتها فى مواجهة العولمه الرأسمالية . كما تبعتها مدرسة التبعية فقدمت رؤية متكاملة للتنمية المستقلة وكان أخر الأطروحات الرأسماليه في مواجهة هذه المواقف هو توافق واشنطن وسياسات الليبرالية الجديدة التى جسدتها شروط صندوق النقد الدولى لإقراض الدول النامية ومنها الدول العربية.

فى هذا السياق يؤكد منظرو التنمية المستقلة المعتمدة على الذات أنها لا تعنى أن إنفتاح الإقتصاد الوطنى على الإقتصاد العالمى مرفوض من حيث المبدأ ، وإنما المقصود هو أن يكون مثل هذا الإنفتاح متدرجاً وإنتقالياً ومحسوباً فى كل الأحوال فى ضوء الشوط الذى قطعته كل دولة على طريق التقدم.

وذلك هو ما يمكن أن يهئ ظروفاً مواتية للتنمية فى دول الجنوب ، ويقيها من إحتمالات الخراب العاجل إذا ما إندفعت على طريق التحرر العمومى المتسرع.

يركز نمذج التنمية المستقلة المعتمدة على الذات على عدد من المبادئ التى يسعى نموذج الليبرالية الجديدة إلى محوها مثل الإنتقائية ، والتمييز ، والتدرج فى فتح السوق الوطنى بالتوازى مع التقدم فى بناء القدرات الإنتاجية والعلمية والمزايا التنافسية.

بعبارةأخرى ، من الواجب أن تدعم السياسات التجارية والصناعية عدداً من القطاعات أو الصناعات المنتقاه بعناية ، إما لأنها مولدة لفرص عمل وفيرة ، وإما لأنها توسع القاعدة التعددية للإقتصاد ، أو لأنها تسهم فى إشباع الحاجات الأساسية للغالبية الفقيرة من السكان ، وإما لأنها ذات أهمية إستراتيجية فى بناء قطاع صناعى قوى يمكن أن يشكل قاعدة متينة للنمو الإقتصادى وهناك إتفاق عام بين أنصار نموذج التنمية المستقلة المعتمدة على الذات أنه بدون تولى القوى صاحبة المصلحة السلطة السياسية فإنه لا يمكن السير فى هذا الطريق . من المهم هنا أن يكون فى السلطة تحالف إجتماعى يعبر عن مصالح العمال والفلاحين والحرفيين والطبقة الوسطى عموماً وقطاع من الرأسمالية المصرية المنتجة تتعارض مصالحه مع سياسات الليبرالية الجديدة . ويقوم نموذج التنمية المستقلة المعتمدة على الذات على عدة مقومات أساسية هى:

1. إحداث زيادة كبيرة فى معدل الإدخار المحلى مع إستمرار الإستفادة من الإستثمار الأجنبى . 

2. دور أساسى للدولة والتخطيط يحقق: 

- السيطرة على الفائض الإقتصادى ومركزته . 

- ضبط الإستهلاك والإستيراد لرفع معدل الإدخار المحلى . 

- الإشتراك المباشر للدولة فى مجال الإنتاج والإستثمار. 

- النهوض بالقدرات العلميةوالتكنولوجية الوطنية وتكامل الأنشطة المرتبطة بها. 

3. المشاركة الديمقراطية والتوزيع العادل للثورة والدخل كشرط للإعتماد على الذات وإطراد التنمية. 

4. إنضباط علاقات الإقتصاد الوطنى بالخارج. 

5. التعاون بين دول الجنوب على شتى الجبهات لتعظيم الفائدة من تكامل أنشطتها الإقتصادية والإنتاجية؟

ثالثاً : التنمية المستقلة والعدالة الإجتماعية

لا يقتصر الهدف من تطبيق نموذج التنمية المستقلة على الخروج من دائرة التبعية وإستكمال كافة مقومات الإستقلال الوطنى سياسياً وإقتصادياً ، بل هناك أيضاً إستهداف تحقيق العدالة الإجتماعية لضمان رفع مستوى المعيشة لأغلبية الشعب الكادحة وتوفير سبل التقدم لها وضمان إستفادتها من الخدمات الأساسية للدولة بما يتناسب مع قدراتها . وإذا إستعرضنا ما يجرى على الساحة السياسية فى كل الأقطار العربية سنـ2012ـة فإننا نلاحظ أن كل القوى السياسية الليبرالية والإسلامية والإشتراكية والقومية تتبنى مفهوم العدالة الإجتماعية . ومن المهم أن تميز القوى القومية والتقدمية نفسها فيما تطرحه من إجراءات لتحقيق العدالة الإجتماعية عن القوى الأخرى الليبرالية والإسلامية مما يتطلب تحويل العدالة الإجتماعية من شعار مبهم إلى مفهوم مدقق محدد المعالم واضح الأبعاد.

مفهوم العدالة الإجتماعية:

يمكن أن ننطلق فى تناولنا لهذه المسألة من مفهوم موسع ومركب للعدالة الإجتماعية يطرحه المفكر الإقتصادى المصرى الدكتور إبراهيم العيسوى الذى يرى أن هذا المفهوم يمكن أن تشتق منه مفاهيم فرعية متنوعة ومجموعات ضيقة أو واسعة من السياسات والإجراءات العملية ، وذلك وفق التوجهات الإقتصادية والإنحيازات الإجتماعية للأحزاب والقوى السياسية المختلفة.

والعدالة الإجتماعية من هذا المنظور هى ( تلك الحالة التى ينتفى فيها الظلم والإستغلال والقهر والحرمان من الثروة أو السلطة أو من كليهما، والتى يغيب فيها الفقر والتهميش والإقصاء الإجتماعى، وتنعدم فيها الفروق غير المقبولة إجتماعياً بين الأفراد والجماعات والأقاليم داخل الدولة ، والتى يتمتع فيها الجميع بحقوق إقتصادية وإجتماعية وسياسية وبيئية متساوية وحريات متكافئة، ولا تجور فيها الأجيال الحاضرة على حقوق الأجيال المقبلة ، والتى يعم فيها الشعور بالإنصاف والتكافل والتضامن والمشاركة الإجتماعية ، والتى يتاح فيها لأفراد المجتمع فرص متكافئة لتنمية قدراتهم وملكاتهم لإطلاق طاقاتهم من مكامنها ، ولحسن توظيف هذه القدرات والطاقات بما يوفر لهؤلاء الأفراد فرص الحراك الإجتماعى الصاعد ، وبما يساعد المجتمع على النماء والتقدم المستدام ، وهى أيضاً الحالة التى لا يتعرض فيها المجتمع للإستغلال الإقتصادى وغيره من آثار التبعية لمجتمع أو مجتمعات أخرى ، وتتمتع بالإستقلال والسيطرة الوطنية على القرارات الإقتصادية والإجتماعية والسياسة).

فى هذا المفهوم يربط الدكتور إبراهيم العيسوى بين جوانب إقتصادية وإجتماعية وثقافية وسياسية ، فهو يرفض المساواة المطلقة ويؤكد على أهمية مراعاة الفروق الفردية ، كما يؤكد أن فكرة العدالة الإجتماعية لا تنفصل عن فكرة حقوق الإنسان وخاصة الحقوق الإقتصادية والإجتماعية . كما يرى أن العدالة الإجتماعية هى الطريق نحو التنمية الشاملة والمستدامة.

والآن وبعد هذا العرض لمفهوم التنمية المستقلة المعتمدة على الذات ومفهوم العدالة الإجتماعية سوف تتكشف لنا الأبعاد الحقيقية لما جرى من صراعات على إمتداد عام 2012 فى كثير من أقطار الوطن العربى سواء تلك التى شهدت الثورات أو التى مارس الحكام فيها سياسات تؤجل الثورة . وسوف نكتشف أن الصراعات التى شهدها الوطن العربى عام 2012 تدور أساساً حول مصالح الناس وخاصة الطبقات الكادحة وحول تحرير الأقطار العربية من حالة التبعية ،ومن أسرالتخلف، ومن أثار الاستبداد والسلطويه ،وهو ما سنعرض له بإيجاز فى النوعين من الدول موضع الدراسة .وسوف نكتشف من خلال هذا العرض أن المشروع النهضوي العربي في جانبيه الاقتصادي والاجتماعي لاتتوفر الشروط الكافيه لوضعه موضع التنفيذ .وأن عام 2012 شهد تطورات سلبيه باعدت كثيرا امكانية تحقق أهداف النضال القومي التقدمي من أجل التنميه المستقله والعداله الاجتماعيه .ومع هذا فان النضال من أجل سياسات تفتح الباب أمام امكانية تقريبه عمليا أمر ممكن وضروري وسوف نطرح في نهاية الورقه مثالا له.

أبعاد الصراع حول المستقبل 2012 

 

أسقطت الثورات الشعبية فى مصر وتونس وليبيا واليمن رؤوس النظم الحاكمة ولكن هياكل الدولة بقيت كما هى ، تغير أشخاص الحكام دون أن تتغير طبيعة الدولة أو التحالف الطبقى الحاكم ، وواصلت حكومات ما بعد الثورة نفس السياسات الإقتصادية المتبعة فى ظل نظم الحكم التى ثارت ضدها الشعوب ، سياسات نابعة من الليبرالية الجديدة وشروط صندوق النقد الدولى ، وبالطبع فإن حكومات المغرب والجزائر والأردن التى تحاول تنفيذ إصلاحات سياسية وإجتماعية وتزيد الأنفاق الإجتماعى وتوفر فرص عمل جديدة لتجنب الثورة فى بلادها ما زالت تنهج نفس السياسات الإقتصادية الملتزمة بشروط صندوق النقد الدولى . ومما له دلالة هامة أن خمس دول من هذه الدول الستة بما فيها دول الثورات العربية الثلاثة تسعى أو على وشك الحصول على قرض من صندوق النقد الدولى مقابل ما يسميه الصندوق برنامج للاصلاح الاقتصادي وهو تنفيذ للشروط التى أشرنا إليها سابقاً . وسواء كان الإسلاميون فى الحكم كما هو الحال فى مصر وتونس والمغرب أو كانوا ضمن تحالف حاكم كما هو فى دول أخرى فإن سياساتهم الإقتصادية لا تختلف فى كثير أو قليل مع سياسات النظم التى ثارت ضدها الشعوب ، ومن غير المهم هنا ما إذا كانت الأنظمة السياسية الجديدة التى تحل محل الأنظمة التى ثارت ضدها هى أنظمة إسلامية أم علمانية أم ليبرالية أم مدنية ، بل المهم هو قدرتها على إتباع برنامج سياسى إقتصادى ينحى جانباً بلدانها عن السياسات النيو ليبرالية . هذا بالطبع ، مع الإفتراض بأن مقرطة النظام السياسى هى أمر مفروغ منه كشرط لقبول الشعوب لإستمرارهذه الأنظمة أو الحكومات الناشئة، لكن محتوى النظام السياسى من حيث قدرته على صون الكرامة هو ما سيكون الفيصل فى الحكم على النظام.

لقد قامت الثورات العربية سنـ2011ـة ليس فقط ضد أنظمة الحكم المتسلطة فيها ولكن أيضاً ضد النظام العالمى الجديد الذى بلورته ظاهرة العولمة الرأسمالية وما ينتج عنها من سياسات للإستغلال المكثف للشعوب دون أى مراعاة لمعاناتها . ويطرح ذلك تحدياً حقيقياً أمام حكومات ما بعد الثورات وهو المتمثل فى إقامة نظام إقتصادى جديد يعطى الأولوية لمجهودات التنمية ، ويراعى العدالة الإجتماعية ، ويكفل تأمين صحى وإجتماعى للمواطنين بما يضمن لهم كرامة إنسانية تليق بهم ، ويتطلب هذا وجود تخطيط جيد من جانب الحكومة لتحديد أولوية المشاريع التى تقوم بتنفيذها مع مراعاة دورها وواجبها الإجتماعى.

وقد شهد عام 2012 صراعات سياسية حادة وتحركات جماهيرية واسعة وجهود بحثية متنوعة تهدف كلها إلى تحريك المجتمع نحو أوضاع جديدة وفق سياسات جديدة تحقق أهداف الثورة . يكفينا هنا أن نشير إلى بعض مؤشرات الإقتصاد الكلى فى هذه الدول الستة لكى يتأكد لنا أن أحوال الناس لم تتغير بعد الثورات أو بعد محاولات الإصلاح لتجنب الثورات ، وأن معاناة الناس من التضخم والفقر والتهميش وسوء توزيع الدخل القومى ، والتفاوت بين الطبقات بشكل كبير استدعت كل هذه الصراعات السياسية والتحركات الجماهيرية والجهود البحثية . ففى كثير من الأحيان إزدادت أحوال الناس سوءاً بعد الثورات ورغم جهود الإصلاح فى الدول التى تحاول تجنب الثورة فيها.

مؤشرات االإقتصاد الكلى فى الدول الستة:

1. مصر :- إزدادت معاناة الناس وتدهورت أحوالهم المعيشية خلال عام 2012 حيث لعب الإنفلات الأمنى والأزمة الإقتصادية دوراً أساسياً فى ذلك: 

- إنخفض إحتياطى النقد الأجنبى من 35 مليار دولار سنـ2010ـة إلى 25 مليار دولار سنـ2011ـة إلى 13مليار دولار سنـ2010ـة . وهو لا يكفى لتغطية إحتياجات مصر أكثر من بضعة شهور . وذلك رغم ما حصلت عليه مصر من ودائع وقروض ومساعدات من قطر والسعودية والكويت وليبيا وتركيا والتى تزيد قيمتها على 14 مليار دولار . وقد ساهم فى تحقيق هذا الإنخفاض تراجع أعداد السياح وتحويلات المصريين العاملين بالخارج . 

- تزايد عجز الموازنة العامة للدولة إلى نحو 134 بليار جنيه سنـ2011 ، 2012ــة وفى مشروع موازنة سنـ2013 ، 2014ــة إلى 185 مليار جنيه بنسبة تتجاوز 10% وذلك نتيجة لإنخفاض موارد الدولة . 

- إرتفعت معدلات البطالة لأسباب عديدة منها تراجع معدلات الإستثمار ، توقف عدد من المصانع عن الإنتاج ، عودة المصريين العاملين فى ليبيا . وكانت زيادة معدلات البطالة من 9% تقريباً سنـ2010ــة إلى12% سنـ2012ــة . 

- إنخفض الإستثمار المصرى والأجنبى . 

- إنخفض معدل النمو من 7% تقريباً سنـ2010ـة إلى حوالى 2,5% سنـ2012ـة . 

- زادت نسبة الفقراء إلى إجمالى عدد السكان حسب خط الفقر الأعلى من 41,7% سنـ2004 ، 2005ـة إلى 48,20% سنـ2010 ، 2011ـة . 

- يبلغ نصيب أغنى 20% من السكان حوالى 40% من إجمالى الدخل القومى ، ونصيب أفقر 20% من السكان حوالى 10% من إجمالى الدخل القومى وما تزال هذه المعدلات ثابتة لم يطرأ عليها تغير يذكر منذ عام 2004.

2. تونس : لم يطرأ تغير يذكر على مؤشرات الإقتصاد الكلى حيث بلغت معدلات التضخم 5% ونسبة النمو 2,7% سنوياً ، والدين 34% من إجمالى الناتج المحلى .

وتسعى الحكومة التونسية للحصول على قرض من صندوق النقد الدولى وفق الشروط المعروفة بما يعنى إستمرار السياسات الإقتصادية طبقاً للأجندة الليبرالية الجديدة.

3. اليمن : يدخل الإقتصاد اليمنى عام 2013 مثقلاً بهموم وأعباء إقتصادية وصعوبات تنموية كبيرة جداً ، وهى ذات الهموم التى يتجرع مرارتها طوال عام 2012 . 

كان التمكين قد أوقف عام 2012 نزيف التدهور الحاصل فى الخدمات الرئيسية خصوصاً المشتقات البترولية والكهرباء والغاز ، كما نجح نسبياً فى تأمين حاجات السكان ، رغم إستمرار تحديات الأمن وتخريب أنابيب النفط والكهرباء ، وزيادة تكلفة مواجهة الإرهاب ، مما إنعكس بالسلب على حركة الإستثمار الخارجى ، وضاعف من معدلات الفقر والبطالة رغم الزيادة الطفيفة فى نمو الناتج المحلى الإجمالى وتراجع العجز فى الموازنة ، وإنخفاض معدل تضخم أسعار الإستهلاك ولكن تبقى المؤشرات الكلية كما هى حيث يتوقع معدل نمو 3,5 % سنويا% فى ظل تضخم بنسبة 7% ، مع نمو السكان بنسبة 3% وإرتفاع معدلات البطالة والفقر بين الشباب.

4. المغرب : يبقى الإصلاح الفعلى فى المغرب أملاً أكثر منه حقيقة إذ أن الملك رغم الإصلاحات الدستورية ما يزال يتحكم بزمام السلطة . وتطرح الحكومة الجديدة بقيادة الإسلاميين سياسات تهتم بمكافحة الفساد وإدخال درجة عالية من المبادئ الأخلاقية فى الحياة العامة ، وإصلاح نظام الدعم الذى سيلتهم نسبة عالية من الموازنة العامة للدولة ، ويتسبب بتشوهات إقتصادية كبيرة من دون القدرة على مساعدة الفقراء . وهناك برنامج مساعدة طبية يستفيد منه حوالى 8 ملايين شخص من ذوى الدخل المنخفض، 4 ملايين يعيشون فى فقر مدقع ، ولكن هذه الجهود هامشية بالمقارنة مع المشكلة الحقيقية التى تواجهها البلاد المتمثلة فى الفساد والتفاوت فى الدخل . يعتبر الملك من أكبر المستثمرين ويسيطر على قطاعات هامة فى الإقتصاد ، ويستفيد أغنى 20% من السكان بما يقارب 70% من الدعم . يؤكد تقرير البنك الدولى عن عام 2012 سوء الأحوال الإقتصادية والإجتماعية للمغرب حيث يواجه ركود الالطلب الخارجى ، وإرتفاع أسعار السلع الأولية المستوردة ، وإنخفاض الإنتاج الزراعي مع الجمود الشديد للإقتصاد المحلى مما يكشف عن هشاشة الإقتصاد المغربى فى عام 2012 . خاصة وأن معدل النمو السنوى لم يزد عن 2,7 % من الناتج المحلى الإجمالى مقارنة بنسبة 5% سنـ2011ـة.

5. الأردن : يواجه الأردن وضعاً صعباً عام 2012 بسبب إستمرار حالة التراجع العالمى والإقليمى لظروف الإقتصاد العالمى ، والإضطرابات فى الإقليم ، وما يلقيه الملف السورى من آثار على إقتصاد المملكة ، بالإضافة إلى أن معدل النمو أعلى بقليل من معدل نمو السكان البالغ 2,2% مع إستمرار معدلات البطالة والفقر بنفس مستواها نتيجة غياب السياسات الحكومية . يتوقع أن لا تحقق الأردن معدلات جذب إستثمارية جيدة عام 2012 نتيجة لتخفيض التصنيف الإئتمانى للأردن وتأخر الإصلاح السياسى والإقتصادى وبشكل عام فإن تقرير صندوق النقد الولى ( آفاق الإقتصاد العالمى ) يؤكد حدوث هبوط حاد فى النشاط الإستثمارى والسياحى خاصة فى مصر والأردن وسوريا ولبنان وتونس.

6. الجزائر : هناك مشكلة أساسية تواجه الجزائر حيث ما يزال الإقتصاد الجزائرى قائماً على الربع بعد خمسين سنة من الإستقلال تشوبه كثير من المنغصات فى مقدمتها الرشوة والبيروقراطية والبطالة وغيرها.

وقد وفرت عائدات البترول ثراء ً مالياً سمح بإنفاق عام لم يسبق له مثيل منذ الإستقلال السياسى . فقد إرتفع من 55 مليار دولار سنـ2004ـة إلى 286 مليار دولار سنـ2011ـة . ومع ذلك فإن النسبة الرسمية للنمو خارج قطاع البترول لا تزيد عن 5 أو 6% من الناتج المحلى الإجمالى ، الأمر الذى يجعل المؤسسات الجزائرية غير قادرة على المنافسة أو الإبتكار . ويبلغ القطاع الصناعى أقل من 5% من الناتج المحلى الإجمالى . وينفق 70% من الأسر دخلهم على الخضروات والفواكه والأسماك واللحوم البيضاء والحمراء والنسيج والجلود.

يساعد الإقتصاد الريعى الجزائرى على دعم دولة اللا قانون والفساد عن طريق التهرب الضريبى . وقد إرتفع معدل التضخم من 4,5% سنـ2011ـة إلى 9% سنـ2012ـة . وتحتاج الجزائر إلى تنويع أكثر فى إقتصادها بالإضافة إلى تعزيز فرص العمل ، وخاصة فى أوساط الشباب الذين يفوق معدل البطالة بينهم 23% هناك خنق للشركات والمهارات بسبب الإعتماد أساساً على الربع الذى يسهل الإستيراد على حساب الإنتاج المحلى.

ماذا بعد؟

لابديل عن سياسات إقتصادية وإجتماعية جديدة

يمكن إعتبار مصر نموذجاً لباقى البلاد العربية التى تناولناها هنا من حيث إحتدام الصراع السياسى ووإتساع التحركات الجماهيرية والإحتجاجية وتنوع الجهود البحثية ، تهدف كلها إلى فتح الطريق أمام سياسات بديله لسياسات الليبرالية الجديدة التى ما تزال حكومات ما بعد الثورة أسيرة لها.

تشكلت فى مصر جبهة الإنقاذ الوطنى التى تضم 12 حزباً سياسياً وأكثر من إتحاد لنقابات العمال المستقله واتحادات الفلاحين وحركات إحتجاجية ومنظمات شعبية إلتقت جميعاً فى مواجهة إحتمالات عودة الإستبداد من خلال الإعلان الدستورى الإستبدادي فى 21 نوفمبر 2012 والتعجيل بإصدار دستور غير توافقى يؤسس لقيام دولة أقرب إلى دولة ولاية الفقيه وتجاهل الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسانية التى وقعت عليها الحكومات المصرية وصدقت عليها المجالس التشريعية فى عهود مختلفة . دعت جبهة الإنقاذ إلى مؤتمرات جماهيرية وأصدرت بيانات تحدد موقفها من الحكومة القائمة وتطالب كشرط للإشتراك فى الإنتخابات النيابية تشكيل حكومة محايدة وتعيين نائب عام مستقل وتوفير ضمانات نزاهة الإنتخابات من خلال القانون . كما شهدت البلاد مئات الإضرابات العمالية والمهنية شارك فيها ملايين المواطنين إحتجاجاً على السياسات الإقتصادية والمطالبة بإجراءات تحقق الإستقلال الإقتصادى والعدالة الإجتماعية . وعقدت حركة التيار الشعبى بقيادة المرشح الرئاسي والسياسي القومي حمدين صباحي مؤتمراً بعنوان ( إنقاذ الإقتصاد المصرى ) شارك فيه أكثر من ثلاثين من كبار المفكرين والباحثين الإقتصاديين والإجتماعيين ، قدموا دراسات متعمقة فى أحوال الإقتصاد المصرى وتوزيع الدخل القومى وإنتهى المؤتمر إلى توصيات نابعة من إقتناع منظمى المؤتمر والباحثين المشاركين فيه أن سياسات التنمية المستقلة المعتمدة على الذات والعدالة الإجتماعية هى أساس الخروج من الأزمة الراهنة ، كما صدرت دراسه لمجموعه من الاإقتصاديين بتكليف من الدكتور محمد البرادعى منسق جبهة الإنقاذ الوطنى . كما نظم منتدى البدائل العربى للدراسات ندوة فى أغسطس 2012 ( ثورات الكرامة العربية – رؤى لما بعد النيو ليبرالية ) شارك فيها باحثون مصريون وعرب وأجانب . هذا فضلاً عن مئات المقالات فى الصحف والدوريات التى دارت كلها حول كيفية إخراج البلاد من المأزق الإقتصادى ،وغنى عن القول أنه لا مجال هنا لطرح سياسة التنمية المستقلة المعتمدة على الذات أو العدالة الإجتماعية فى برنامج متكامل لأن الظروف القائمة فى بلاد الثورات العربية والبلاد التى تتجنب هذه الثورات بسياسات إصلاحية لا تمكن من وضع هذا البرنامج موضع التنفيذ . من هنا أهمية ما طرحته هذه اللقاءات والمؤتمرات والجهود البحثية من إجراءات ضرورية على المدى القصير تتجاوز سياسات النيوليبرالية وتمهد الطريق نحو تولى تحالف طبقى جديد للسلطة يكون مدعوما من القوى القومية والتقدمية ومن الطبقات الكادحة وذوى الدخل الثابت ، بحيث تفتح هذا الإجراءات الباب أمام تفكيك روابط التبعية للرأسمالية المعولمة ، وزيادة فرص بناء إقتصاد وطنى مستقل معتمد على الذات ، وإتخاذ إجراءات تعالج ما تعانيه هذه الشعوب من إفقار وبطالة وتفاوت هائل فى الدخل ، وعدم القدرة على الحصول على خدمات أساسية جيدة ... الخ . 

وفيما يلى نعرض الإجراءات المقترح أن تناضل من أجلها قوى الثورة والتى تنطلق من مفهوم التنمية المستقلة المعتمدة على الذات والعدالة الإجتماعية ، ولكنها لن تكون كافية على المدى القصير لوضع هذا المفهوم موضع التطبيق كأساس لسياسات الحكم.

أهم التوصيات

أولاً : إستعادة دور الدولة فى المدى القصير على المستوى الإقتصادى.

ساءت الأحوال الإقتصادية بعد الثورة وذلك لعدم وجود رؤية بديلة للسياسات الإقتصادية والإعتماد على موارد الدخل الريعية مثل السياحة ، قناة السويس ، البترول ، وتحويلات العمالة فى الخارج .. وفى وقت القلاقل وإنعدام الأمن تتأثر هذه الموارد بشدة مما كان من نتيجته إنخفاض حاد فى إحتياطى العملات الأجنبية وإنخفاض مستوى النمو الإقتصادى إلى أدنى المعدلات وضعف التشغيل مما أدى بدوره إلى إحتدام الإحتجاجات العمالية والمطالب الفئوية ( كما يسميها البعض ) وتحاول الحكومة علاج ذلك بالإستدانة من الخارج ومن صندوق النقد الدولى.

إن الإعتماد على الإقتراض من صندوق النقد الدولى سيفرض بدوره تبنى سياسات التكيف الهيكلى التى تؤدى بدورها إلى كساد إقتصادى عام . هذا الكساد مع إرتفاع نسب التضخم سيتسبب فى هذه الحالة فى زيادة معدلات وإنخفاض الدخول الحقيقية .. ومن أهم عواقب هذه السياسات إرتفاع نسب الإحتجاجات وإنهيار الوضع الأمنى بما من شأنه الدخول فى دوامة من الإنهيارات الإقتصادية المتتابعة وعجز الحكومة عن توفير الخدمات الأساسية من مياه شرب وكهرباء .. الخ.

ثانيا: الحلول البديلة فى المدى القصير

1. التخلى عن سياسات الإقتراض من صندوق النقد الدولى . 

2. تحديد الأجر الأدنى والأقصى .. مما قد يولد وفورات كبيرة فى الإنفاق الحكومى . 

3. إستعادة الدولة دورها فى التشغيل من خلال الإستثمارات فى قطاعات البنية التحتية حتى لو أدى هذا إلى التمويل بالعجز فى المدى القصير . 

4. تبنى سياسات ضريبية متصاعدة تصل فى أقصاها إلى 48% ( وهى نسبة عالمية موجودة فى أعتى الدول الرأسمالية ) وذلك لزيادة دخل الحكومة . 

5. فرض ضرائب جمركية عالية على السلع الإستهلاكية الإستفزازية وعلى السلع المنافسة بشدة للصناعات المحلية الأساسية. 

6. تفعيل دور مؤسسات حماية المستهلك ومحاربة الإحتكارات الإقتصادية التى أدت إلى إرتفاع الأسعار بصورة جنونية . 

7. تبنى سياسات الديمقراطية الإجتماعية وذلك بإعادة توزيع الدخل وضمان الخدمات الأساسية للفقراء وتؤدى تلك السياسات إلى رفع الطلب المحلى على الصناعات والخدمات المحلية بالإضافة إلى تقليل نسب الفقر المتزايدة فى مصر.

ثالثاً : العدالة الإجتماعية

هناك توافق على الأهمية القصوى لتحقيق العدالة الإجتماعية بين المواطنين وإنهاء أى تمييز ضد المرأة فى سوق العمل أو التعليم ، وتوافق أيضاً على الأهمية القصوى للعدالة الجيلية أو العدالة بين الأجيال فى إستغلال الثروات الطبيعيةوالمواد البينية. وتوافق على أن تحقيق العدالة الإجتماعية يتم من خلال عدة أمور:

1. نظام عادل للأجور يعطى حداً أدنى للأجر يكفى لحياة كريمة ويبدأ من 1500 جنيه شهرياً ، ويضع حداً أقصى للأجر للعاملين لدى الدولة يتراوح بين 15 ، 20 مثل الحد الأدنى للأجر ، ويجعل كل الدخول الإضافية لا تتجاوز الأجر الأساسى ، مع التأكيد على ربط الحد الأدنى للأجر بالحد الأدنى للمعاش وترتيب رد أموال التأمينات والفوائد الضائعة على صناديق التأمين لضمان معاشات محترمة لمن أفنوا عمرهم فى خدمة بلادهم . ويتم تمويل إصلاح نظام الأجور بلا تضخم من خلال ما يتم توفيره من وضع حد أقصى للأجر وإنهاء فوضى المستشارين والمد فوق السن ، وإستخدام جزء من الوفر الذى سيتحقق من إصلاح نظام الدعم ، وجزء من الزيادة فى الإيرادات العامة التى ستتحقق من إصلاح نظام الضرائب ونظم تسعير صادرات الغاز.

2. بناء نظام عادل للضرائب يساهم فى إعادة توزيع الدخل بصورة عادلة ، من خلال وضع حد للإعفاء الضريبى يعفى الفقراء ومحدودى الدخل من دفع الضرائب ، ويوقف فى الوقت نفسه توسع حكومة الإخوان فى فرض الضرائب الأكثر ظلماً وهى الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات والتى تساوى بين الفقراء والأغنياء عند شراء تلك السلع والخدمات . ويجب أيضاً أن يفرض النظام المستهدف ضرائب عادلة على المكاسب الرأسمالية وعلى الثورات الناضبة، ويضع نظاماً متعدد الشرائح وتصاعدى على غرار النظم الموجودة فى بلدان لديها معدلات إستثمار محلية مرتفعة ، وتجذب إستثمارات أجنبية هائلة مثل تايلاند والصين وتركيا.

3. إعادة هيكلة الدعم الذى ينبغى أن يوجه للفقراء ومحدودى الدخل عن طريق مضاعفة معاشات الضمان للفئات الأضعف وإبقاء دعم الخبز والسلع التموينية والطاقة لهم وإصلاحه لمنع أى تهريب أو إستيلاء عليه من غير المستحقين ، وإزالة دعم الطاقة عن الأغنياء بالذات فى الصناعات التى تبيع إنتاجها بأعلى من الأسعار العالمية وتستحوذ على الغالبية الساحقة من مخصصات الدعم فى صورة دعم الطاقة والصادرات . وفى هذا المجال نرفض الإجراءات الأخيرة للنظام الإخوانى برفع أسعار أنابيب البوتاجاز إلى الضعف وتوالت بعده إرتفاعات فى أسعار عدد كبير من السلع.

4. إصلاح الإنفاق العام على الصحة لتحسين أجور العاملين فى هذا القطاع وتحسين توسيع المستشفيات العامة وتجهيزاتها ورفع مستوى الخدمة الصحية المجانية للفقراء برفع هذا الإنفاق العام على الصحة من مستواه المتدنى الحالى الذى لا يزيد عن 1,6% من الناتج المحلى الإجمالى ، إلى المعدلات الإقليمية والعالمية التى تتراوح بين 3% من الناتج فى دول المنطقة ، ونحو 5,8% من الناتج العالمى.

5. إصلاح الإنفاق العام على التعليم برفعه إلى 5,2% من الناتج المحلى الإجمالى على غرار النسبة المخصصة له فى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، بما سيمكن مصر من إعطاء أجور محترمة للعاملين فى هذا القطاع ، ومنع الدروس الخصوصية ، وتطوير المدارس والجامعات وتحسين التجهيزات والمعامل فى كل قطاعات التعليم . وإصلاح الإنفاق على البحث والتطوير العلميين بمضاعفة الحصة المخصصة له من الإنفاق العام وربط الإنجازات العلمية بقطاعات الإنتاج المختلفة لرفع الإنتاج وتحسين الدخل.

6. منع ومكافحة الفساد وبناء نظام محكم للنزاهة من خلال أجهزة رقابية مستقلة تماماً عن السلطة التنفيذية بما فى ذلك وقف إجراءات النظام الحالى لتحجيم دور الجهاز المركزى للمحاسبات فى مراقبة المال العام وعدم إستثناء أى هيئة عامة بالبلاد .. وذلك لوقف ما هو جارى منذ أيام مبارك وحتى الآن من تحويل أموال عامة مستحقة لعموم المواطنين وغالبيتهم الساحقة من الفقراء والطبقة الوسطى إلى جيوب حفنة من الفاسدين ، ونظام عادل للأجور يحصد الموظفين من طلب الرشوة ، وقوانين صادمة ورادعة لمعاقبة المفسدين . 

 

المصادر

1. د. إبـراهيـم العيسوى ، كتاب الإقتصاد المصرى فى ثلاثين عاماً ، المكتبة الأكاديمية بالقاهرة 2007 . 

2. د. جودة عبد الخالق ، التثبيت والتكيف فى مصر ، إصلاح أم إهدار للتصنيع ، المجلس الأعلى للثقافة ، المشروع القومى للترجمة القاهرة 2004 . 

3. هانس – بيتر مان ، هارالد شومان ، فخ العولمة – الإعتداء على الديمقراطية والرفاهية – سلسلة عالم المعرفة ، العدد 238 ، الكويت أكتوبر 1998 . 

4. د. مضرقسيس وآخرون ، ثورات الكرامة العربية ، رؤى لما بعد النيوليبرالية ، منتدى البدائل العربى للدراسات . القاهرة 2012 . 

5. التيار الشعبى المصرى ، مؤتمر إنقاذ الإقتصاد – نحو برنامج بديل ، إبريل 2013 . 

6. د. إبراهيم العيسوى التنمية المستقلة ، كراسة تثقيفية ، حزب التحالف الشعبى الإشتراكى ، القاهرة يونيو 2012 . 

7. د. إبراهيم العيسوى ، العدالة الإجتماعية ، كراسة تثقيفية ، حزب التحالف الشعبى الإشتراكى ، القاهرة . أكتوبر 2012 . 

8. مارينا أوتاواى ، مؤسسة كارنيجى ، تقرير عن المغرب 2013 . 

 

المصدر: المؤتمر الرابع والعشرون للمؤتمر القومي العربي، 1 – 2 حزيران/يونيو 2013، القاهرة - مصر 

* نائب رئيس مركز البحوث العربية والأفريقية، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي - مصر.

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

I-مقدمة

ينعقد المؤتمر القومي العربي للنظر في حال الأمة ومناقشة قضاياها الحيوية، كما جاء في رسالة الدعوة. وعندما تفضل الأمين العام للمؤتمر الأستاذ عبد الملك المخلافي وكلفني بإعداد بحث حول الوحدة العربية، اقترحت عليه ووافق شاكرا على ان اعد ورقة عن التكامل الإقليمي العربي الذي هو، في تقديري، واحد من أهم قضايا المصير العربي لأنه يؤثر على كافة المصالح والطموحات العربية في مجالات السياسة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية والثقافة والأمن والسيادة الوطنية. ولكن على الرغم من أهمية هذه القضية فإنها لم تنل ما تستحقه من الاهتمام والمتابعة. وكثيرا ما يحدث أن تبحث مسألة التكامل الإقليمي العربي بصورة تبادلية أو ملحقة بمسألة الوحدة العربية وهذا خطأ لان لكل من المفهومين تقاليد فكرية مستقلة يندرج في إطارها. في كافة الحالات فان بحث مسألة الأقلمة بصورة مستقلة لا يقلل على الإطلاق من أهمية المسألة الوحدوية التي استأثرت ولا تزال تستأثر بالاهتمام العربي والدولي لأكثر من قرن من الزمن.

قبل الانتفاضات والثورات العربية كثيرا ما قيل عند بحث أي هدف من نهضوي عربي أن تحقيقه يتطلب توفر الإرادة السياسية لدى الذين يملكون التأثير على المنطقة وتسيير أوضاعها ولدى النخب الحاكمة العربية بصورة خاصة لأنها هي التي تملك مقاليد السلطة، وأنها هي التي تستطيع تحقيق التكامل او التباعد بين الدول العربية. هذه النظرة كانت تنطوي على شيء من الصواب، ولكن ليس كله لان مسألة بهذا الحجم لم تستأثر باهتمام قوة واحدة من القوى المؤثرة في المنطقة بل كانت موضع صراع بين قوى متعددة ومنها أو في مقدمتها النخب الحاكمة العربية، إلى جانب أطراف أخرى، داخلية وخارجية، رسمية وغير رسمية لها مواقف متنوعة ومتباينة تجاه مسألة التكامل العربي فمن هي هذه القوى؟ وما هو موقفها تجاه هذه المسألة؟ وأين يقف المتعاطفون مع التكامل الإقليمي العربي من هذا الصراع؟ وهل يملكون تحسين فرص تحقيقه في المستقبل؟

ينتمي المعنيون بالأقلمة في العالم وفي المنطقة العربية الى مدارس فكرية مختلفة. فهناك المدرسة الواقعية والقومية في السياسة الدولية. ويقول المنتمون الى هذه المدرسة ان القرارات والمشاريع التي تنفذها الدول، ومنها مشاريع التعاون والتكتل الاقليمي تهدف الى تعزيز امنها ومصالحها ومكانتها القومية. وان هذه المشاريع لا تعني الكثير للدولة الترابية لذلك فانها تحرص على ابقاء التعاون مع الدول الاخرى في مستويات متدنية بحيث يمكن التخلي عنه متى حان اجله ولم تعد هناك من حاجة ماسة اليه.

وتتفق المدرسة الوظيفية مع المدرسة الواقعية من حيث اعتبارها ان الحافز القومي هو الذي يدعو ’الحكومات التي تعمل بموجب حسابات عقلانية‘، الى انشاء التكتلات الدولية والاقليمية اذا وجدت ان الدولة التي تحكمها باتت عاجزة عن الاضطلاع بالمهام الامنية والمعيشية المطلوبة منها، كما كان الامر في اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن انصار هذه المدرسة مثل دافيد ميتراني، المؤرخ وعالم السياسة البريطاني الجنسية، اختلفوا مع انصار المدرسة الواقعية اذ اعتبروا ان المنظمات الاقليمية والدولية مثل منظمة العمل الدولية سوف تكتسب وجودا مستقلا عن الدول القومية التي اسستها بحيث انه بمجرد ظهورها وبدئها العمل. عندئذ تنبأ الوظيفيون بان هذه المنظمات سوف تنتشر ويتسع نطاق نشاطها فتتخطى الهياكل القانونية والاطر والحدود القومية من خلال تفاعلها مع بعضها البعض. وخلال زمن قصير وبحكم الاحتكاك وظروف العمل سوف تنشأ بين العاملين فيها علاقات تعاون وتفاهم افقية تتجاوز حكومات الدول التي يتبعونها والهويات القومية التي ينتمون اليها وتتكون عندهم ثقافة ونظرة مشتركة ومتجانسة. ومع مضي الوقت توقع الوظيفيون بان تنتقل هذه الروحية التي تظلل العاملين في المنظمات الاقليمية والدولية الى عقول المواطنين العاديين بعد ان تدخل هذه المنظمات حياتهم العادية واليومية. وتوقع الوظيفيون ان تندمج هذه المنظمات، علاوة على ذلك وفي نهاية المطاف، في كيان عالمي تذوب معه الدول القومية والتكتلات الاقليمية، فتذهب العولمة بالقومنة وبالأقلمة معا. 

اعتبر بعض الوظيفيين ان هذه التنبؤات تنطوي على ثغرات ومبالغات. لقد اتفق هؤلاء الذين أطلق عليهم الوظيفيين الجدد مع الوظيفيين الكلاسيكيين حول اثر المنظمات الدولية الإقليمية على العاملين فيها، وحول توقعاتهم بانتقال ولاء المواطنين وتطلعاتهم ومحط اهتماماتهم بصورة تدريجية من الدول القومية/الترابية الى مركز جديد يقع خارج هذه الدول كما لاحظ ارنست هاس، احد ابرز مفكري المدرسة الوظيفية الجديدة. الا ان الوظيفيين الجدد اختلفوا مع الوظيفيين التقليديين من حيث اقتناعهم بان الاندماج يبدأ وينتهي بالإقليم ولا يتجاوزه إلى الوحدة العالمية.

ولتفسير ثبات هذه المنظمات وتطورها ابتكر الوظيفيون الجدد مفهوم التداعي spill over وهو واحد من اهم مفاهيم الأقلمة. وبموجب هذا المفهوم فان قطار الأقلمة يبدأ في قطاع محدد ثم لا يلبث ان يصل الى محطة جديدة بحيث انه اذا دخلها خرج عن مخططه الاصلي واصطدم بحاجز سيادة الدول، واذا بقي في مكانه او حاول التراجع فانه يضيع على البلدان المعنية كل الجهود البشرية والمادية التي انفقت في تحريك القطار وايصاله الى تلك المحطة. عندها تضطر الحكومات الى التدخل من اجل السماح للاقلمة بالانتقال الى القطاعات الجديدة حتى لا يعاقبها الرأي العام والناخبون لانها اهدرت الجهود دون طائل. وهكذا تتعمق الأقلمة وتترسخ بحيث تتحول مع توالي التداعيات الى اتحادات وفدراليات.

ومع التداعيات، تصبح الديمقراطية شرطا لازما لتعميق التكتل الاقليمي. فالنظام الديمقراطي هو الذي يفسح المجال امام الشفافية والمحاسبة والمساءلة وبالتالي معاقبة الحكومة اذا حاولت ايقاف قطار الاقلمة وتسببت باهدار المال العام. بالمقارنة فان الانظمة المطلقة التي لا تعبأ كثيرا بالرأي العام ولا تخشى غضبة الناخب، لا تمانع في القضاء على كل ما انجزته في مجال التعاون مع الدول الاخرى والتكامل معها، اذا ما شجر الخلاف بينها وبينهم خاصة اذا ما طال هذا الخلاف امن النخبة الحاكمة واستقرارها. 

 

II-الفاعل الاقليمي

من هذا العرض السريع لبعض مدارس الاقلمة في العالم، وبالمقارنة مع واقعنا الراهن نجد ان المنهج الاقرب لقراءة واقع العلاقات بين الدول العربية هو المنهج الذي تتبعه المدرسة الواقعية. فالحكومات العربية، رغم التحولات الاخيرة، لا تزال هي التي تضبط ايقاع العلاقات العربية-العربية، وان نظير الدولة القومية الغربية في المنطقة العربية هو ما يوصف احيانا بالدولة القطرية الترابية. اخذا بعين الاعتبار هذه الملاحظات يمكننا تقسيم القوى المعنية بالعلاقات بين الدول العربية وباقلمة هذه الدول الى طرفين رئيسين:

اولا، القوى العظمى والكبرى

تفاوتت سياسة القوى العظمى والكبرى تجاه مشاريع الاقلمة العالمية بين التبني والدعم، من جهة، والاهمال وحتى المعارضة والمحاربة، من جهة اخرى. فالادارة الاميركية اضطلعت بدور قاطرة التعاون الاوروبي عندما نفذت مشروع مارشال في الاربعينات. ويضطلع الاتحاد الاوروبي بموقف ايجابي وفاعل اليوم تجاه سوق اميركا الجنوبية المشتركة (ميركوسور). بالمقابل اتسم موقف القوى العظمى والكبرى تجاه مشاريع التكتل الاقليمي العربي مثل مشروع الحلف العربي في الثلاثينات وجامعة الدول العربية في الاربعينات بالسلبية والمعارضة. وكان من مظاهر هذه المعارضة التدخل المسلح لتدمير اية ’قوة عظمى‘ عربية تشكل قاطرة للتكامل في المنطقة.

يتخذ البعض من هذا الموقف الدولي تجاه مسألة الاقلمة العربية مبررا للجزم بان هذا الهدف غير واقعي لان القوى الكبرى لن تسمح للعرب بتأسيس تكتل اقليمي فاعل . ويعزز اصحاب هذا الاستنتاج رأيهم بالاشارة الى المصالح الكبرى التي سوف تتعرض الى الضرر فيما لو نجح العرب في بناء تكتل اقليمي قوي يملك اهم الموارد النفطية ويسيطر على قسط مهم من الممرات الاستراتيجية في العالم. ولا ريب ان اصحاب هذا الرأي يملكون الكثير من الوقائع التاريخية التي تدعم وجهة نظرهم. ولكن بالمقابل، فانه من المستطاع العودة الى العديد من الامثلة الهامة التي تدل على ان العرب استطاعوا بالتعاون مع الشعوب الطامحة الى اقامة نظام دولي عادل، التأثير على الاوضاع الدولية لصالح هذه الشعوب والعرب.

فابتداء، كانت للعرب علاقات واسعة وممتازة مع كافة القوى البازغة في العالم اليوم كما يشهد تاريخ النضال من اجل تصفية النظام الاستعماري العالمي، وتاريخ حركة عدم الانحياز. ورغم التغير الكبير في سمات النظام الدولي فانه ما هو ايجابي منها اليوم اكثر مما هو سلبي. ومن المرجح ان تتمكن القوى العربية المعنية بموضوع التكامل ان تحصل على تأييد العديد من دول العالم لدعم هذا الهدف، وخاصة دول محور بريكس. هذا لا يعني ان يعتبر المعنيون بالاقلمة العربية تأييد هذه القوى امرا بديهيا، بل ان ينظروا اليه باعتباره ممكنا وقابلا للتحقيق شرط ان يعملوا من اجل تحقيق هذه الغاية.

اما القوى العظمى والكبرى في الغرب، فان التأثير عليها او تحييدها ايضا ليس بالمستحيل. لقد نجحت مجموعة الدول العربية بقيادة مصر، على سبيل المثال، خلال النصف الاول من الاربعينات في تأسيس جامعة الدول العربية، رغم ان هذا المشروع اصطدم بمعارضة الحكومة البريطانية والولايات المتحدة وحركة فرنسا الحرة خلال الاربعينات. 

كذلك تمكنت مجموعة الدول العربية، ممثلة بمصر ، بالتعاون مع دول اميركا اللاتينية ممثلة بالبرازيل من ادخال تعديلات جوهرية على ميثاق هيئة الامم المتحدة عام 1945 في مؤتمر سان فرانسيسكو تجلت في اضفاء بعد اجتماعي واقتصادي على الهيئة وتأكيد حق الدول الاعضاء في تكوين تكتلات اقليمية مستقلة عن سيطرة القوى العظمى والكبرى .

ان هذه الامثلة تدل على ان تغير مواقف القوى العظمى والكبرى او التأثير عليها ليس مستحيلا. وقد نكون اليوم امام فرصة جديدة للتأثير على بعض الدول الاوروبية ففي الآونة الاخيرة، وبعد المتغيرات العربية الكبرى، تدور مناقشات واسعة داخل مؤسسات الاتحاد الاوروبي وخارجه حول ضرورة مراجعة سياسة الجوار الاوروبية خاصة تجاه الجوار العربي بعد فشل هذه السياسة في تحقيق الاهداف المتوخاة منها. فقبل سنوات دعا يوشكا فيشر، وزير الخارجية الالماني الاسبق، وزعيم حزب الخضر، العرب الى اقامة اتحاد عربي قائلا ان البلاد العربية تحتاج الى ’جان مونيه عربي‘. وقبل اشهر نشرت انباء تقول ان كاترين آشتون، مسئولة الخارجية في الاتحاد الاوروبي، نصحت زعماء عرب في جولتها في المغرب العربي بتنمية التعاون الاقليمي مع دول الجوار العربي، كما نشرت انباء مماثلة تقول بان ميشال بارنييه، مسئول الاسواق الداخلية في الاتحاد الاوروبي، اقترح على رئيس الجمهورية اللبناني خلال زيارة قام بها الى بيروت في نهاية العام الفائت بالعمل على تكوين نواة مع بعض الدول العربية لانشاء سوق عربية مشتركة مع وعد بتأييد الاتحاد الاوروبي لهذا المسعى.

ان هذه التعبيرات والمواقف ليست مؤكدة ولا نعرف مدى جديتها، فقد تكون من التصريحات العابرة التي لا تحمل دلالات بعيدة المدى. ولكن من الخطأ ان يقف منها المعنيون بتطوير التعاون والتكامل الاقليمي العربي موقف الاهمال، وان يعتبروا سلفا انها لا تخدم قضيتهم، وان لا يتقصوا حوافزها واهدافها. 

 

ثانيا-القوى الاقليمية

المقصود هنا هو الدول التي تمارس تأثيرا على مستوى الاقليم ككل. ولقد حددت المؤسسة الالمانية للدراسات العالمية والمناطقية مواصفات القوى/الدول الاقليمية بدرجة عالية من الدقة اذ اعتبرت بانها تلك التي تمتلك بالخصائص التالية:

1- بانها تعتبر نفسها قوة اقليمية. 

2- بامتلاكها طاقات متفوقة عسكرية واقتصادية وديمغرافية وسياسية وعقائدية. 

3- بانها تضطلع بدور حاسم في وضع الاجندة الامنية للاقليم، وفي ترسيم حدوده الجغرافية وفي صنع عقيدته المسيطرة. 

4- بانها مندمجة اندماجا حقيقيا في الاقليم، وبانها تمتلك علاقات جيدة في الاقليم وخارجه. 

5- بان القوى الاقليمية في الاقليم وخارجه تعترف بمكانتها الاقليمية.

وهذه الخصائص تصلح ككاشف لمكانة ولدور كيانات المنطقة التي توصف بانها قوى اقليمية وهي تنطبق على النوعين التاليين من هذه القوى: 

 

ا-القوى الاقليمية غير العربية

يطلق هذا الوصف عادة على تركيا وايران واسرائيل. واذا طبقنا التعريف المشار اليه اعلاه، فاننا نجد اكثر من فارق بين تركيا وايران، من جهة، واسرائيل من جهة اخرى. فاسرائيل ليست مندمجة اندماجا حقيقيا في الاقليم. انها تملك علاقات وثيقة مع بعض دوله، ولكن من الصعب ان تعتبر هذه العلاقات طبيعية ومستقرة. والنظرة السائدة في البلدان العربية وفي العديد من بلدان العالم هي ان اسرائيل جسم غريب عن المنطقة، وانها نتاج عدوان عليها واحتلال استيطاني لاراضيها، وانها تشكل خطرا على دوله وليس كيانا يمتلك مكانة خاصة فيه. وتضطلع اسرائيل بدور كبير في وضع الاجندة الامنية للاقليم وفي ترسيم حدوده وصنع عقيدته، ولكن على نحو سلبي، اذ ان النظرة السائدة بين كثيرين من علماء السياسة والعلاقات الدولية ولدى العديد من الشعوب بما في ذلك في اوروبا، هي ان ادخال اسرائيل في المنطقة عطل تحويلها الى منطقة امان. ، كذلك ينتشر الشعور بان اسرائيل هي عدو قومي لاكثر سكان الاقليم وان عقيدتها تشكل خطرا على عقائدهم لانها تشحذ التعصب الديني والعرقي في المنطقة..

بينما ينتشر الشك في صحة تنسيب اسرائيل الى المنطقة، فان تركيا وايران تتمتعان باكثر المواصفات المطلوبة لكي تكونا طرفين في شراكة مع الاقليم العربي مثل التشابه في المعتقدات الدينية والدنيوية واعتراف المجتمع الدولي بمكانتهما في منطقة الشرق الاوسط. وتمتلك تركيا مقومات عديدة للزعامة الاقليمية، فالاقتصاد التركي يحتل المركز السابع عشر من حيث الحجم في العالم، وهو اسرع الاقتصاديات الاوروبية نموا، وتحتل تركيا المركز الحادي عشر بين دول العالم من حيث تقييم القوة العسكرية اي قبل اسرائيل التي تحتل المركز الثالث عشر. وتمتلك ايران ايضا ميزات ديمغرافية واقتصادية وعسكرية وبشرية وتاريخية تؤهلها لكي تكون واحدة من قوى الشرق الاوسط الاقليمية، فهي تحتل المرتبة السادسة عشر بين دول العالم من حيث قوتها العسكرية، وتمتلك ثروات طبيعية كبرى.

اعرب الايرانيون والاتراك عن رغبتهم في الاشتراك بصفة مراقب في القمة العربية، ووجهت الدعوات احيانا الى زعماء البلدين لحضور مثل هذه المناسبات. ان هذه المبادرات الآتية من البلدين لا تعبر بالضرورة عن رغبة في دعم مساعي العرب من اجل تحقيق التكامل الاقليمي العربي. فايران اليوم مثلها بالامس ترى نفسها زعيمة لمنطقة الشرق الاوسط. وتركيا تظهر طموحا الى تحقيق نفس الغاية في ما يدعوه وزير الخارجية التركي، داود اوغلو ب "الشرق الاوسط: الحديقة التي لا غنى عنها" اذا ان هذه الحديقة تتمتع، من وجهة نظر تركية، كل مقومات وخصوصيات الاقليم، بينما تملك تركيا جميع مميزات القوة الاقليمية الكبرى.

وكما تلعب الاعتبارات الواقعية دورا مهما في بلورة سياسة القوى العظمى تجاه التكتلات الاقليمية في المنطقة العربية، فانها تلعب دورا مهما ايضا في تحديد خيارات تركيا وايران تجاه التكامل الاقليمي العربي.

ولعل الاعتبار الواقعي الاكثر اهمية هو ان البلدين يتطلعان الى صعود سلم الزعامة الاقليمية في منطقة تعاني من فراغ كبير وترزح قواها الاقليمية تحت اعباء كبيرة، وخاصة في المشرق العربي حيث تم تحجيم دور مصر القيادي في المنطقة بعد معاهدة كامب دافيد، ودمر العراق في الحرب والاحتلال ويجري تدمير سوريا في الحرب الدائرة فيها، وتحيط السعودية التحديات من كل جانب هذا فضلا عن استنزاف المغرب والجزائر في حرب مغاربية باردة. في مطلق الحالات ينبغي ان يبتعد الايرانيون والاتراك عن التصرف على نحو يشبه سلوك بعض دول البلقان خلال مرحلة اجتياح الجيوش الهتلرية لاراضي تشيكوسلوفاكيا السابقة عام 1938. فعندها حاول التشيكوسلوفاكيون مقاومة الغزو النازي، وتطلعوا الى جيرانهم في المنطقة لمساعدتهم على الوقوف بوجه الغزاة. ولكن بدلا من تأتي تلك المساعدة تبين للتشيكوسلوفاكيين ان تلك الدول المجاورة كانت تتهيأ لاقتطاع نصيبها من اراضي تشيكوسلوفاكيا وثرواتها بعد ان ينال هتلر الحصة الكبرى من الغنيمة.

رغم هذه المحاذير وىالمخاوف فان الحكمة السياسية والتجارب التاريخية تقتضي الافتراض بان ارساء العلاقات العربية مع تركيا وايران على قواعد الشراكة بين اطراف متعاونة ليس امرا مستحيلا. فللعرب كيانهم الاقليمي المتمثل بمؤسسات العمل العربي المشترك، ولايران ولتركيا تكتلهما الاقليمي المتمثل بمنظمة التعاون الاقتصادي (ايكو) التي ولدت عام 1985 واتخذت من طهران مقرا لها التي تضم البلدين جنبا الى جنب مع باكستان وافغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى. ويستطيع التكتلان تحقيق درجة عالية من التعاون والتساند في كافة المجالات على نحو يعمق العلاقات بين الدول المنتمية اليهما.

بالمقابل فان استغلال وهن وتراجع النظام الاقليمي العربي من اجل بسط الهيمنة على المنطقة العربية يثير ردود فعل سلبية عربية متنامة ويقود الى توتر متفاقم في العلاقات بين الدول العربية، من جهة، والجارين التركي والايراني، من جهة اخرى. هذا فضلا عن ان التنافس بين الجيران انفسهم على استغلال الفراغ في المنطقة العربية وعلى تزعم الاقليم العربي سوف يؤدي الى احتدام الصراع فيما بينهم على نحو يذكرنا بالعوامل التي ادت الى الحربين العالميتين وبالصراع بين القوى الاوروبية على تقاسم الامبراطورية العثمانية. ان هذا الواقع جدير بان ينبه القيادات الايرانية والتركية الى اهمية مراجعة السياسة التي يسلكونها تجاه المنطقة العربية، والى انه افضل لهم ان يساندوا المساعي الرامية الى تحقيق الاقلمة العربية حتى تستقر المنطقة ويأمن الجميع شرور الحروب والاجتياحات.

2- القوى العربية الاقليمية

تنقسم هذه القوى الى نمطين من القوى: القوى الرسمية وقوى المجتمع المدني. وينطلق هذا التنميط من الاعتقاد الشائع بين العاملين في الحقل العربي العام .بان لكل من هذه القوى موقفها الخاص تجاه التكامل الاقليمي العربي.

أ- القوى الرسمية

تميز بعض المدارس المعنية بدراسة التكتلات الاقليمية بين النوعيين التاليين من هذه القوى:

• النخب الحاكمة

يقارن بعض المعنيين بالاقلمة النظام الاقليمي العربي بنظام الدول الوستفالي الذي نشأ عام 1648 في اوروبا بعد ان توصل ملوكها الى اتفاق يؤكد مبدأ سيادة الدول المطلقة ويمنع تدخلها في شئون بعضها البعض. فالنظام العربي هو نظام دولتي state-centric بامتياز وهو يطابق مواصفات الواقعيين للتكتلات الاقليمية. ان الغرض الرئيسي منه هو تعزيز التعاون بين الدول، بغرض ترسيخ استقلالها وسلطتها. ولئن عانت الدول العربية، كما يقول باري بوزان، استاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، بسبب الطريقة التي رسم بها الاوروبيون حدودها، من جهة، ومن تحديات التيارين القومي العربي والاسلامي، من جهة اخرى. ازاء هذه التحديات المتقابلة لجأت الحكومات العربية الى التشديد على الطابع ’الوستفالي‘ لدولها. ويعتقد بوزان ان النخب العربية الحاكمة تمكنت من تحقيق مرادها ومن تحويل التحديات العقائدية، في بعض الاحيان، الى ادوات تستخدمها حكومات المنطقة لحماية الدولة الوستفالية العربية. ولقد ارتكزت النخب الحاكمة العربية الى التطورات الهامة التالية التي طرأت على المنطقة:

• تحول اكثر دول المنطقة الى دول ريعية الطابع بعد اكتشاف النفط وانتشار نموذج الدولة التدخلية الذي لم تضبطه معايير سياسية راشدة واجتماعية عادلة. هذه التطورات افسحت المجال امام اضعاف الحوافز الاقتصادية الى بناء السوق العربية الواسعة والاعتماد المتبادل الاقتصادي بين دول المنطقة.

• تراجع الحوافز الى اقامة نظام امني اقليمي عربي نتيجة سببين، الاول، هو توقيع معاهدات السلام وتنفيذ اجراءات التطبيع مع اسرائيل. والثاني، هو انتشار الاقتناع بان الدولة العربية الترابية الوستفالية لا تحتاج الى التعاون الاقليمي الامني لاعتقاد بعض الحكومات بانها في اللحظات الحاسمة التي يتهدد فيها امنها، تستطيع الاتكال على الحلفاء والاصدقاء الدوليين.

• تراجع المشروعية التي كانت تستمدها الدولة العربية الترابية من التزامها بموجبات الانتماء العربي امام تزايد تأثير مشروعيات اخرى على حساب المشروعية العروبية لدى الرأي العام العربي.

في ظل هذه المعطيات، لم تكن لدى الدولة العربية ونخبها الحاكمة الحوافز الكافية للاهتمام بصورة جدية بمشاريع التكامل العربي، ومن المستبعد ان تبدي اهتماما بعروض المصالحة التي يمكن ان تأتيها من الجماعات المعنية بقضايا الوحدة والتعاون والتكامل بين الدول العربية كما اقترح المشروع النهضوي.

ان هذه الاوضاع قابلة للتغير. ففي المستقبل غير البعيد من المرجح ان تتعرض الدولة العربية الريعية الى المنافسة على اسواق النفط وخاصة من الولايات المتحدة مما يعرض مداخيلها العالية الى الانخفاض. هذا المتغير جدير بان يضعها، مجددا، امام الحاجة الى تنويع اقتصادها وتنمية قطاعاتها الانتاجية والى تصدير منتجاتها الى خارج اسواقها الصغيرة. اما الاتكال على مظلة الامان الحليفة فلم يعد مضمون النتائج كما كان الانطباع السائد قبل السابقة السورية. ويجدر بالذكر ان العديد من السوابق في التاريخ العربي الحديث تفضي الى نفس النتائج. ففي عام 1958 طالب الرئيس اللبناني كميل شمعون دول الغرب بالحاح التدخل لانقاذ نظام حكمه الموالي لها، ولكن دول الغرب رفضت طلبه هذا. لقد جرى التغاضي في اكثر الاحيان التغاضي عن هذه الامثلة، ومن ثم تجاهل دروسها ومنها الحاجة الى نظام امني اقليمي نابع من المنطقة. غير ان تفاقم الازمة السورية ومضاعفاتها وانتشار اللهب الى الدولة المجاورة من شأنه ان يؤكد الحاجة الماسة الى بناء مثل هذا النظام. تبقى المشروعية العروبية وهي على حالها ما دامت لا تزال تبحث عن حامل اجتماعي وسياسي يعقلنها ويعيد اليها الالق والريادة.

• البيروقراطية الاقليمية

تلعب البيروقراطية الاقليمية، كما ذكرنا اعلاه، دورا مهما في تنمية الاقلمة الى درجة ان البعض درج على اطلاق وصف ’المؤامرة البيروقراطية والتكنوقراطية‘ على المشروع الاوروبي، فهل يمكن للبيروقراطية التي تضم الاشخاص والمصالح والجماعات العاملة في مؤسسات وشبكات التعاون الاقليمي العربي الاضطلاع بمثل هذا الدور؟ ترشح اللجنة المستقلة لاصلاح جامعة الدول العربية التي شكلها الامين العام للجامعة خلال الفترة المنصرمة الى البيروقراطية الاقليمية المتمثلة بالجهاز الاداري للجامعة والتابع لامانتها العامة، للاضطلاع ببعض هذا الدور كما نستنتج من التقرير الذي قدمته مؤخرا الى الامانة العامة للجامعة.

من الضروري الاخذ بعين الاعتبار هنا ان الظروف التي تعمل بها البيروقراطية الاقليمية العربية، حيث تنتشر الانظمة الاوتوقراطية، تختلف اختلافا كبيرا عن ظروف عمل البيروقراطية الاقليمية في الديمقراطيات المتقدمة كما هو الامر في دول الاتحاد الاوروبي او في بعض دول اميركا اللاتينية. ففي الاتحاد الاوروبي تعززت مؤسسات الاتحاد مثل الرئاسة والمفوضية الاوروبية والبرلمان وممثل الاتحاد للشئون الخارجية والامن واصبحت تعمل بصورة مستقلة عن الحكومات، وباتت ’بروكسل‘، اي عاصمة الاتحاد الاوروبي تتعرض الى النقد لانها تنتهك سيادة الدول الاعضاء احيانا والى العجز الديمقراطي الذي يظهر في علاقتها مع هذه الدول احيانا . اما في مؤسسات العمل العربي المشترك، فان العاملين فيها مضطرون الى مراعاة الدول الاعضاء التي تختارهم لتمثيلها في نظام اقليمي دولتي الطابع.

انطلاقا من هذا الواقع، ولما كانت اكثر الحكومات العربية ترغب في بقاء النظام الاقليمي العربي على وضعه الراهن، فانه من المتوقع ان تبقى البيروقراطية الاقليمية العربية فاعلا محافظا يعمل على الحفاظ على الوضع الراهن ولا يسعى الى اصلاحه. ولكن التجربة الشخصية تؤكد بان قسما من العاملين في البيروقراطية الاقليمية العربية يتمنى الاضطلاع بدور ملموس في انهاض مؤسسات العمل العربي المشترك وفي تحقيق التكامل الاقليمي العربي. ومن الارجح انه لو تغيرت موازين التأثير بين مؤيد الاقلمة ومعارضها للوصول الى شيء من التكافؤ المفقود بين الطرفين، لامكن للمتعاطفين مع الاقلمة العربي ان يعززوا دورهم في البيروقراطية الاقليمية لصالح القناعات التي يحملونها. 

 

ب- قوى المجتمع المدني

في ظل الاوضاع العربية الراهنة حيث تبرز المفارقة الكبرى بين مشاريع الاقلمة ومؤسساتها التي وصلت الى ادنى مستوياتها، وفي ظل الواقع العربي الحالي حيث ادت المتغيرات العربية الهامة في اكثر من بلد عربي الى افساح المجال امام قوى المجتمع المدني العربي للتعبير عن نفسها بدرجة ملحوظة من الحرية، تقع على عاتق هذه القوى الاخيرة، وعلى عاتق المعنيين بالنهوض العربي، بصورة خاصة، مسئوليات كبرى واستثنائية في احياء مشاريع الاقلمة العربية وتفعيلها. فمن هي هذه القوى؟

يقترح المشروع، جوابا على هذا السؤال، قائمة تضم كافة القوى صاحبة المصلحة في الارتقاء بالعلاقات العربية-العربية او بتعبير آخر "الامة بمعظم طبقاتها وفئاتها، وبمعظم احزابها ونقاباتها وجمعياتها وتياراتها الفكرية المختلفة". ويبدو الاندفاع الى تحقيق الهدف الوحدوي كاسحا بحيث لا تعود المشكلة التي تواجه اصحاب المشروع هي كيفية اقناع المواطنين بتبني هذا الهدف والعمل من اجله، وانما منع الاستحواذ عليه من قبل ’المحتكرين والاقصائيين‘. ولكن لو كان هذا الحال صحيحا لما كنا في حاجة، على الارجح، الى ادراج مسألة التكامل الاقليمي العربي على جدول الاعمال. ولكن الحال غير هذا مما يفرض علينا العمل على استقصاء مواقف قوى القطاعين الخاص والمدني بدقة. تسهيلا لهذا الامر نجد انه من المفيد التمييز بين نموذجين من هذه القوى: الاول هو القوى المنتفعة من تحقيق التكامل، والثاني هو القوى المطالبة به والفرق بين الاثنين قد يكون شاسعا الى درجة التضاد.

تحت عنوان النفع تأتي عناوين فرعية كثيرة. هناك النفع الامني حيث ان جماعات من المواطنين تشعر ان بلادها مهددة الا اذا تمكنت من بناء منظومة امنية اقليمية توفر للدولة الترابية درعا اقليميا يحميها من العدوان الخارجي، ومن الحروب الاقليمية. وهناك النفع الثقافي الذي تحققه الجماعات الدينية-الثقافية او الاثنية-الثقافية من جراء تطبيق التكامل الاقليمي لانه يحقق التوازن بين التنوع والتوحد، ويبعد شبح الصهر الثقافي والتطهير الديني عن دول الاقليم. . وهناك نفع سياسي يعود على نخب حاكمة ضمن الاقليم. فتحقيق التكامل يعزز مكانة هذه النخب الدولية ويقوي مواقعها التفاوضية مع الحكومات الاخرى. وهناك منافع سياسية تفيد الاقطار الصغيرة لان مشاريع الاقلمة جديرة بالحد من ميل ’الاشقاء الكبار‘ الى استخدام الهيمنة في معاملتها للدول الاخرى. اخيرا لا آخرا، هناك النفع بمعناه الاقتصادي البحت، ولسوف نتوقف عند هذا النفع حيث ان اكثر النقاشات حول مسألة التكامل الاقليمي تنصب على الجانب الاقتصادي.

في هذا المجال تقول مدارس كثيرة ان الطبقة البورجوازية تفيد، بصورة عامة، من التكامل الاقليمي وانها تميل بصورة تلقائية الى العمل على تحقيقه. وهناك الكثير من الشواهد التي تؤكد هذه النظرة. فلقد كان طلعت حرب، احد ابرز اعلام الاقتصاد المصري في التاريخ الحديث، رائدا في حفر الذي التعاون بين مصر وبلدان المشرق العربي بحيث انه لعب دورا مهما في تأسيس غرف تجارية في هذه البلدان. وفي ايامنا هذه يؤكد "الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة العربية" هذه الصفة التي تسم الطبقة البورجوازية كداعم لتوسيع السوق. ونحن لا ننتقص من هذه الحقائق بل نؤكدها عندما نقول انه لا يفيدنا كثيرا ان نعالج مسألة علاقات الطبقات الاجتماعية بقضايا التكامل العربي بالابتسار. ذلك انه عند التدقيق، وعند وضع الدراسات الحقيقية حول مسألة التعاون والتكامل الاقليمي العربيين، سوف نجد ان البورجوازية تتشكل من شرائح قد يقف بعضها الى جانب الاقلمة بينما تقف شرائح اخرى ضدها. بل ان فئة بورجوازية معينة قد تكون، هي نفسها، مع التعاون في مجال وضده في مجال آخر.

ما ينطبق على الطبقة البورجوازية ينطبق على العديد من الطبقات والفئات الاجتماعية الاخرى. فالتكامل الاقليمي العربي يفيد المهنيين والعمال العرب فيعزز مداخيلها ويخلق فرص عمل جديدة للملايين من الشباب بمقدار ما يحسن الاحوال الاقتصادية والاجتماعية العربية. ولكن البعض قد يتضرر من جراء منافسة مهنيين او عمال عرب وافدين الى بلده من اقطار عربية اخرى، عندئذ ينقلب التأييد الى معارضة ونقمة وتدفع قضية التكامل الثمن.

ولكن هناك علاجات ومقاربات تكاملية لكل من هذه المشاكل. هناك علاجات تنبع من فكرة ان كل مشروع تكاملي يحمل معه خسائر وارباح، وانه من واجب السلطات المعنية ان تعوض ما يخسره البعض من الارباح التي يحققها البعض الآخر عبر الادوات الضريبية والتعويضية. لولا هذه الآليات والتدابير لثار المزارعون الفرنسيون ضد السوق الاوروبية المشتركة بعد سنوات قليلة من قيامها. ولولا هذه الآليات لما دعم صناعيو الارجنتين والبرازيل سوق اميركا الجنوبية المشتركة (ميركوسور).

بمقدار ما تتسع قائمة المستفيدين الموضوعيين من مشاريع الاقلمة العربية، تضيق قائمة المؤيدين الجديين لهذه المشاريع. وحتى لا نخطئ في تقييم مدى انتشار الطلب على الاقلمة العربية، فان هذه الورقة لا تقلل من حجم التأييد الذي تلقاه فكرة التكامل العربي. فمن الارجح انه لو جرت استفتاءات بهذا الشأن لكانت النتائج في صالح هذه الفكرة. ولكن هذا التأييد المفترض يبقى مثل الشك غير القابل للصرف. وحتى يتمكن صاحب هذا الشك من صرفه فلا بد له من اقناع المصرف، اي اصحاب القرار من النخب العربية السياسية، بتحويل مشاريع التكامل الى واقع حي.

لقد اقترح تقرير لجنة الاصلاح المستقلة اشراك منظمات المجتمع المدني في مؤسسات العمل العربي المشترك كشرط من شروط النهوض بها. وازدادت اهمية المشاركة هذه بعد التطورات الهامة التي طرأت على المجتمعات العربية خلال العامين الاخيرين. ومشاركة المؤتمر القومي العربي في النهوض بالاقلمة العربية لا تتطلب قرارا من جامعة الدول العربية، بل تتطلب قرارا من المؤتمر نفسه باعطاء اولوية لهذا الهدف. ولسوف يقف المؤتمر هنا امام تحديات كبيرة تتمثل بالدرجة الاولى في استعداده للقيام بدور المبادر والعامل بنشاط من اجل ردم الهوة بين اصحاب المصلحة في تحقيق التكامل العربي الاقليمي، وبين المقتنعين بضرورة تحقيق هذا الهدف ومن ثم تحويلهم الى مؤيدين و فاعلين وناشطين وساعين للوصول الى هذه الغاية، وفي تكوين اطار للعمل المشترك الذي يضم هؤلاء لهذا الغرض، وفي بلورة استراتيجية ترسم الطريق الى التكامل.

ان القيم بهذا العمل يبدو وكأن مهمة مستحيلة اخذا بعين الاعتبار المحاولات الكثيرة التي شهدتها المنطقة من اجل تحقيق التعاون الاقليمي العربي دون ان تحقق ولو قصة نجاح واحدة، وحجم القوى الداخلية والخارجية التي عملت على احباط هذه المشاريع او على التقليل من اهميتها. ولكن ما يشجع على الاضطلاع بهذه المهمة وعلى توقع نتائجها الايجابية هي ان الدعوة الى اقامة تكتل اقليمي عربي حقيقي وفاعل ونام لم تجد حتى الآن حاملا سياسيا واجتماعيا يضعها في مقدمة اهتماماته ويكرس لها الجهد العملي المطلوب والبذل الفكري الضروري ويستنبط منها الحلول الناجحة والمرغوبة للعديد لمشاكل الامة وعثراتها. ولقد سعت هذه الورقة الى اعطاء صورة متوازنة عن نمط من العقبات والصعوبات التي تعترض هذا الطريق، وعن بعض العلامات الايجابية التي تسم الواقع الدولي والعربي من وجهة نظر تكاملية عربية بحيث نتجنب التقليل من هذه الصعوبات والمبالغة في تقييم الايجابيات ونسير على الطريق المناسب لتحقيق التكامل العربي الاقليمي. وكمساهمة متواضعة في هذا الجهد فانني اضع بين ايديكم عددا من المقترحات الموجهة آملا ان تأخذ طريقها الى النقاش والتبني. 

 

III- مقترحات

اولا، ان يضع المؤتمر مسألة دعم الاقلمة العربية والنهوض بها بين اولوياته وفي مقدمة مهامه.

ثانيا، ان تشكل الامانة العامة لجنة خاصة تتولى النظر في هذه المسألة ووضع تقرير شامل عنها. وان يتوخى التقرير دراسة جوانبها الفكرية والاستراتيجية وان يتولى صياغة برنامج عام لتعزيز الاقلمة العربية. وفي صياغة هذا البرنامج يمكن الاستفادة من العديد من المشاريع و المقررات الصادرة عن مؤسسات العمل العربي المشترك وخاصة مؤتمرات القمة العربية.

ثالثا، تنظيم ملتقى فكري لمناقشة هذا التقرير خلال فترة لا تتجاوز الاربعة اشهر من ومن ثم لاعتماده كاساس من الاسس الرئيسية لعمل المؤتمر.

رابعا، الموافقة على تشكيل مرصد عربي لمراقبة سير الاقلمة الذي تقدم به الاستاذ معن بشور، الامين العام السابق للمؤتمر. ويؤمل الا يقتصر عمل المرصد على مراقبة موقف الحكومات والجهات الرسمية وادائها في مجال الاقلمة، بل ان يشمل ايضا اداء الفاعلين غير الحكوميين.

خامسا، بلورة مؤشرات الاقلمة العربية حتى تكون اساسا لتقييم مواقف واداء الحكومات والمنظمات المدنية والاهلية في مجال الاقلمة.

سادسا، تكوين شبكة عربية للتكامل الاقليمي تضم مراكز البحوث والتفكير والثقافة ومعاهد العلم المعنية بمسألة تطوير وتعميق النظام الاقليمي العربي ومؤسسات العمل العربي المشترك بغرض المساهمة في نشر ثقافة التكامل الاقليمي العربي بين المواطنين والخبرات التقنية الضرورية لبناء مشاريع التكامل.

سابعا بناء التحالفات الضرورية من اجل تشكيل هيئة مطلبية ديمقراطية عربية عابرة للاقطار يجتمع فيها مواطنون ومواطنات ينتمون الى شتى الطبقات الاجتماعية والاحزاب العقائدية والجماعات الثقافية للعمل على تعزيز وتفعيل مشاريع الاقلمة وخاصة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.

* كاتب، عضو المؤتمر القومي العربي.

المصدر: المؤتمر الرابع والعشرون للمؤتمر القومي العربي، 1 – 2 حزيران/يونيو 2013، القاهرة - مصر

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

تهتم هذه الصفحة بتقديم تجارب الانتقال إلى نظم الحكم الديمقراطي في أمريكا اللاتينية وجنوب وشرق أوروبا وآسيا وأفريقيا خلال العقود الأربعة الماضية.

ويرحب الموقع بأية مساهمة لدعم وإثراء هذه الصفحة.

وتتضمن الصفحة:

أولا: أعمال اللقاء الثامن عشر لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية لعام 2008 ويشمل الأوراق التالية:

  • عبدالفتاح ماضي، مداخل الانتقال إلى الديمقراطية: دراسة ل 11 تجربة انتقال في جنوب وشرق اوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وافريقيا.
  • رغيد كاظم الصلح، الانتقال إلى الديمقراطية: مقارنة بين تجربة سويسرا وتجربة لبنان.
  • علي فهد الزميع، تجربة الكويت.
  • امحمد المالكي، تجربة المغرب وتجربة إسبانيا.
  • عقبات الانتقال في دول مختارة: العراق - السودان - مصر..

ثانيا: الملخص التنفيذي لكتاب: لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخر العرب؟

ثالثا: أعمال المنتدى الدولي لبحث مسارات التحولات الديمقراطية - البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة - القاهرة -  جدول الأعمال

اضغط هنا لزيارة المنتدى، وهنا لقراءة البيان الصحفي.

رابعا: صفحة البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عن الإستجابة للتحولات العربية 

 

موقع الجماعة العربية للديمقراطية غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية

 

انطلق، مع مطلع شهر رمضان/ أغسطس 2011موقع الدكتور علي خليفه الكواري، الباحث والكاتب المعروف ومنسق مشارك مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية ومنسق مشارك الجماعة العربية للديمقراطية..

ويضم الموقع عددا من الأقسام الرئيسية أهمهاالمبادرات التي أطلقها الدكتور الكواري أو شارك في تأسيسها منذ عام 1955 وحتى يومنا هذا والتي يربو عددها عن العشرين مبادرة..

كما يتضمن الموقع معظم الكتابات التي كتبها الدكتور الكواري كتب وبحوث ومقالات ومداخلات. وكان آخر الكتب التي نشرها كتاب: "العين بصيرة: مثلث التجاهل: النفط والتنمية والديمقراطية" والذي صدر عام 2011 عن منتدى المعارف في بيروت..

وبالموقع قسم بعنوان "على هامش السيرة"، بجانب أقسام للمكتبة ومعرض الصور والتواصل الإفتراضي ودفتر الزوار.. 

الموقع: www.dr-alkuwari.net

انتقل إلى رحمة الله الأستاذ حسام تمام بعد صراع طويل مع المرض عن عمر يناهز 39 عاما، وذلك يوم الأربعاء 26 أكتوبر 2011. 

يعتبر تمام واحدا من ألمع الصحفيين في مصر وأحد أبرز الخبراء في شؤون حركات الإسلام السياسي في مصر والعالم.

بدأ الفقيد رحلته الصحفية في جريدة آفاق عربية، ثم عمل في قسم الحركات الإسلامية بموقع إسلام أون لاين.

أنشأ حسام تمام أول مرصد متخصص لدراسة الحركات الإسلامية، وكان قبل وفاته مديرا لوحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية. 

كما عمل تمام باحثا في عدد من المراكز البحثية المتخصصة في مصر والمغرب وأوروبا. 

للفقيد عدة كتب في هذا التخصص، بجانب المئات من الدراسات والمقالات في الصحافة العربية والأجنبية والمراكز المتخصصة. ومن مؤلفاته: مع الحركات الإسلامية في العالم: رموز وتجارب وأفكار، تحولات الإخوان المسلمين: تفكك الأيدولوجية ونهاية التنظيم. كما حرر عددا من الكتب منها: عبدالمنعم أبو الفتوح: شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر: 1970-1984..

وترأس حسام تمام موقع "الإسلاميون": بوابة الطرق الصوفية والحركات الإسلامية

للإطلاع على كتابات حسام تمام في موقعه الشخصي، اضغط هنــا.

للإطلاع على دراسات ومقالات للراحل حسام تمام على الفيس بوك، اضغط هنــا.

أرشيف مقالات حسام تمام بجريدة الشروق المصرية، اضغط هنــا.

أسكن الله الراحل فسيح جناته، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.