You are here:الرئيسية>مفاهيم>مفاهيم - الجماعة العربية للديمقراطية

 

 

مفهوم الدستورالديمقراطي

  تعريف الدُّستور:

 للدُّستور تعريفات كثيرة تختلف عن بعضها البعض، وذلك وفقاً لطبيعة النّظام الدُّستوريّ، وظروف الدّولة السياسيّة والاقتصاديّة، وينقسم الفقه في تعريفه للدُّستور إلى معيارين أساسيين وهما: المعيار الشّكلي، والمعيار الموضوعيّ، ويعتمد المعيار الشّكلي على وجود وثيقة دُستوريّة تحتوي على مجموعة من القواعد والأحكام دون النّظر إلى طبيعتها، أمّا المعيار الموضوعي فهو يعتمد على مضمون القواعد الدُّستوريّة سواء كانت مكتوبة في الوثيقة أو غير مكتوبة، ويُفرّق المعيار الموضوعي بين القاعدة الدّستوريّة والقاعدة القانونيّة، فهو يأخذ بعين الاعتبار مُحتوى النّص وليس مكانه.[١] إذاً إنّ الدُّستور عبارة عن مجموعة قواعد مكتوبة وغير مكتوبة، تحمل المبادئ والقيم المُنظّمة للمُجتمع، وتُحدّد صلاحيّات وحُدود السُّلطة السياسيّة، كما تُنظّم السُّلطات وعلاقاتها ببعضها البعض، مع الحفاظ على حُقوق وواجبات الأفراد، ويُنظّم الدُّستور الأمور الداخليّة والخارجيّة للدّولة، كما يُحدّد شكل الدّولة وحكومتها، وهو الذي يُمثّل قُوّة المُجتمع، وأي وثيقة أخرى تتعارض مع الأحكام الواردة فيه تُعد باطلة.[٢] وتعريف الدُّستور في المبادئ العامّة للقانون الدُّستوري: (مجموعة من المبادئ الأساسيّة المُنظّمة لسُلطات الدّولة والمُبيّنة لحقوق كلّ من الحُكّام والمحكومين فيها، والواضعة للأُصُول الرّئيسيّة التي تُنظّم العلاقات بين مُختلف سُلطاتها العامّة)،[٢] ويقول الدّكتور إبراهيم أبو خزام في الدُّستور أنّه مجموعة من القواعد التي تصدُر عن مُشرّع دُستوري، وهي تُنظّم عمل السُّلطات العامّة في الدّولة، وتُراعي حقوق وحُريّات المُواطن وتحميها.[١]

عناصر الدُّستور: يضُم الدُّستور أربعة عناصر رئيسيّة، وهي:[٢] المُقدّمة: وتُسمى أيضاً الدّيباجة، وهي جُزء يخلو من القوانين، وإنّما يحُث مشاعر المُواطنين. الجُزء التّنظيمي: وهو الجُزء المسؤول عن العلاقة بين السُّلطات، فهو يتضمّن بياناً يذكُر المُؤسسات والإجراءات التي يلجأ لها المُواطن لتحقيق أهدافه بطرق قانونيّة. الجُزء الخاص بحقوق وحُريّات المواطن: وهو الجُزء الذّي يشتمل على حُقوق المُواطن، مثل حقّ المُساواة بغضّ النّظر عن اللون أو الجنس أو المُعتقدات، وحقّ الانتخاب، وحقّ الإضراب والتّظاهُر، كما يشتمل على حُريّات المُواطن مثل حريّة تكوين الأحزاب السياسيّة. الجُزء الخاص بأحكام تعديل الدُّستور: حيث تتمتّع بعض الدّساتير بالمُرونة، وإمكانيّة تعديل بعض أحكامها، وذلك بشرط عمل استفتاء عام للشّعب وموافقة الهيئة التّشريعيّة على ذلك.

أنواع الدّساتير: تنقسم الدّساتير إلى عدّة أنواع تبعاً لأمور مُعيّنة، فمن حيث التّدوين تنقسم إلى مكتوبة أو عُرفيّة، ومن حيث المُرونة في تعديل الأحكام فهي مرنة أو جامدة، ومن حيث الإطالة في التّفاصيل فهي دساتير مُطوّلة أو مُوجزة، أمّا من حيث ديْمُومتها فهي دائمة أو مُؤقتّة، والدّساتير حسب طريقة وضعها تكون ديمُقراطيّة أو غير ديمقراطيّة، وحسب نظام الدّولة تكون ملكيّة أو جُمهوريّة، إضافة إلى تقسيمات أخرى غيرها، وفيما يلي توضيح بسيط للأساسي منها:[٣]

 الدّساتير المكتوبة والدّساتير العُرفيّة: وتُدعى أيضاً المُدوّنة وغير المُدوّنة، فالدُّستور المُدوّن هو الذي تصدُر أحكامه على شكل نُصوص شرعيّة في وثيقة واحدة أو أكثر، وتكون صادرة عن هيئة مُختصّة بذلك، ولا يُشترط أنْ تكون جميع الأحكام مكتوبة وإنّما غالبيّتها،

أمّا الدّساتير غير المُدوّنة أو العُرفيّة: فهي التي تكون أحكامها ومبادؤها عُرفيّة، وغير صادرة عن هيئة رسميّة مُختصّة، والأصح أنْ تُسمّى بالدّساتير غير المُدوّنة؛ وذلك لأنّها لا تشتمل على الأعراف فقط، وإنّما على أحكام القضاء أيضاً.

الدّساتير الجامدة والدّساتير المرنة: الدُّستور الجامد هو الذي لا يُمكن إجراء تعديلات على أحكامه بسُهولة ويُسر، وليس المقصود به استحالة التّعديل، وإنّما يكون تعديل الأحكام أكثر صُعوبة من القوانين العاديّة، وتُحال إجراءات التّعديل إلى هيئة غير تلك المسؤولة عن القوانين العاديّة، وجُمود الدُّستور ينطبق على جميع قوانينه حتّى تلك التي تحمل طبيعة غير دُستوريّة، مثل نُصوص الأُسرة والمُجتمع، ولا ينطبق الجُمود على النُّصوص الدُّستورية المُنظّمة في قوانين خاصّة مثل قانون مجلس النُّواب أو الأحزاب السّياسيّة. وبالنّسبة للدُّستور المرن فهو الذي يُمكن تعديل أحكامه بالطّريقة نفسها التي تُعدّل فيها القوانين العاديّة، وتقوم بذلك السُّلطات المسؤولة نفسها عن تعديل القوانين العاديّة، وغالبا تكون الدّساتير غير المُدوّنة دساتير مرنة؛ لأنّها نشأت عن طريق الأعراف أو الأحكام القضائيّة السّابقة وبذلك يتم تعدليها بإصدار تشريع جديد يُخالف القديم.

الدّساتير الدّائمة والدّساتير المُؤقتة: الدُّستور الدّائم هو الذي يتم وضْع أحكامه لتُنظّم أوضاع الدّولة لأجل غير مُحدّد، وقد ظهر هذا المُصطلح ليتم تمييز الدّساتير المُدوّنة عن غير المُدوّنة؛ وذلك لأنّ الدّساتير غير المُدوّنة لا يُمكن أنْ تكون إلّا دائمة؛ كونها تصدُر من الأعراف والأحكام القضائيّة السّابقة، أمّا الدُّستور المُؤقت فهو الذي يصدُر بهدف تنظيم الدّولة خلال فترة انتقاليّة، أو لفترة مُؤقتة إلى حين سَنّ دُستور دائم للدّولة، ولا يُصرّح بفترة ديمومته وإنّما يُشار في أحكامه إلى أنّه مُؤقت، وتُسنّ مثل هذه الدّساتير في فترات الانقلاب أو الثّورة بحيث تكون الأوضاع غير مُستقرّة فتلجأ الهيئة التّشريعية لذلك.

الدّساتير المُوجزة والدّساتر المُطوّلة: الدُّستور المُوجز هو الدُّستور الذي تُنظّم أحكامه الدّولة دون إسهاب، بحيث يكون عدد النّصوص مُحدّداً ولا تخوض في التّفاصيل، وتتْرُك هذه الدّساتير المسائل الفرعيّة والدّقيقة للأعراف، أمّا الدُّستور المُطوّل فهو الذي يخوض في التّفاصيل، ويُسهب في القضايا الفرعيّة، ويُعالج قضايا من اختصاص المُشرّع العادي، كما أنّه ليست هناك أيّ علاقة بين إيجاز الدّستور وديمومته، فالدّستور المُوجز هو دُستور إمّا دائم وإمّا مُؤقت.

الدّساتير الدّيمقراطيّة والدّساتير غير الدّيمقراطيّة: تُقسّم الدّساتير إلى ديمقراطيّة وغير ديمقراطيّة، وذلك تبعاً لأسلوب وضعها، وتضع هذه الدّساتير الجمعيّة التأسيسيّة أو الاستفتاء الدُّستوري، حتى وإن كانت الصّلاحيّات بيد هيئة واحدة، أمّا الدُّستور غير الديمقراطي فيُوضع بأسلوب العقد، وهو بذلك غير ديمقراطيّ حتّى وإنْ كانت الصّلاحيات مُوزّعة على السُّلطات الثّلاث، وتحتوي على مبادئ ديمقراطيّة في نُصوصها. القواعد التي يُعالجها الدُّستور من أهم القواعد التي يُعالجها الدّستور سواء كان شكلياً أو موضوعياً:[١] القواعد المنظّمة لعمل السُّلطات التشريعيّة، والتنفيذيّة، والقضائيّة، من حيث صلاحيّاتها، وطُرق ممارستها لها والعلاقة بينها. الحُريّات والحقوق الأساسيّة للمُواطنين، وكيفيّة حمايتها.

 أساليب نشأة الدُّستور: سواء كانت أساليب ديمقراطيّة، أو غير ديمقراطيّة. طرق وضع الدّساتير يتم وضع الدُّستور وسنّ قوانينه وأحكامه بطرق ديمقراطيّة وغير ديمقراطيّة، والطرق الديمقراطيّة هي:[٤] طريقة المنحة: وفيها يكون الملك هو صاحب السُّلطة المُطلقة، ولكنّه يتنازل عن جُزء من صلاحيّاته بسبب ظُروف مُعيّنة. طريقة العقد: وهي طريقة يتعاقد فيها الحاكم مع مُمثّلي الشّعب ويتم إصدار الدُّستور بعدها. وبعد تطوُّر المُجتمعات وظُهور الأنظمة الدّيمقراطيّة أصبحت الدّساتير تُوضع بنظام ديمقراطي يتمثّل بطريقتين هُما:[٤] الجمعيّة التّأسيسيّة المُنتخبة: وفيها ينتخب الشّعب أشخاصاً يمثّلونه بهذه المُهمّة. الاستفتاء الدّستوري: بحيث تُوضع أحكام الدُّستور عن طريق جمعية نيابيّة مُنتخبة من قبل الشعب، وبعد ذلك يتم عرض الدُّستور على الشّعب ولا يُصبح نافذاً إلّا بعد موافقة الشّعب عليه. سُموّ الدُّستور يُقصد بسُموّ الدُّستور أنّ أيّ قاعدة دُستوريّة تعلو على كافّة القواعد القانونيّة التي تُطبّق في الدّولة سواء شكلياً أو موضوعياً، وبالتالي فإنّ نظام الدّولة محكوم بهذه القواعد الدُّستوريّة، وعلى كافّة سُلطات الدّولة أنْ تُمارس أيّ اختصاص وفق تلك الأحكام والقواعد، ومن نتائج سُموّ الدُّستور أنّ قواعد الدستور وأحكامه تُصبح أكثر ثباتاً من القوانين العاديّة، ولا يُمكن إلغاء أي قاعدة إلا باستبدالها بقاعدة أخرى، كما أنّه لا يُمكن أنْ تُخالف القوانين العاديّة أي قاعدة دُستوريّة.[٥] ويختلف السُّمو الموضوعي عن السُّمو الشّكلي للدُّستور،

السُّمو الموضوعي للدُّستور: يكون السُّمو الموضوعي للدّستور في الأمور التي تُنظّمها قواعده، مثل أُسس وقواعد نظام الحُكم، وتحديد الفلسفة الاقتصاديّة، والسياسيّة، والاجتماعيّة لنظام الحُكم، وبإنشاء السُّلطات العامّة في الدّولة، وتحديد كيفيّة تعاملها ومُمارسة وظائفها، ويُسمّى أيضاً بالسُّمو المادّي، ومن نتائجه أنّه يُعزّز مبدأ المشروعيّة، حيث يخضع الحاكم والمحكوم للقوانين والأحكام الصّادرة عنه، كما تقوم السُّلطات الثّلاث، التّشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة بمهمّاتها وفق أحكام وشُروط الدُّستور، ويُمنع أيضاً تفويض أيٍّ من مهمّات السُّلطات الثّلاث التي منحها إيّاها الدّستور لأي جهة أخرى.

السُّمو الشّكلي للدُّستور: يتحقّق هذا النّوع من السُّمو عندما تكون إجراءات تعديل أيّ من أحكام الدُّستور مُعقّدة، ومن نتائج ذلك أنّ يُصبح الدُّستور في قمّة الهرم، ولا تستطيع أيّ هيئة أن تسنّ أيّ قانون مُخالف لأحكامه، وهذا يشمل جميع قواعد الدُّستور في الدّساتير الجامدة، أمّا المرنة منها فلا يتحقّق هذا النّوع من السُّمو لها؛ لأنّه من المُمكن أن تُعدّل أحكامها بإجراءات تعديل أيّ قانون آخر.

المصدرhttp://mawdoo3.com/%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1

 

 

مفهوم الحزب الديمقراطي

  • صفة الديمقراطية:يمكننا القول إن صفة الديمقراطية لا يمكن اكتسابها بمجرد إضافة اللفظ والتشدق بالشعارات، وإنما هناك شروط موضوعية لاكتسابها. فهناك دولة وهناك دولة ديمقراطية، وهناك حزب وهناك حزب ديمقراطي، وهناك انتخابات وهناك انتخابات ديمقراطية، وهناك دستور وهناك دستور ديمقراطي، ولا بد لنا من فحص المضمون والتأكد من المنهج قبل أن نطلق صفة الديمقراطية أو نحجبها.
  • اكتساب صفة الديمقراطية: وابتداء يمكننا القول إن صفة الديمقراطية يكتسبها الحزب مثلما تكتسبها الدولة عندما يطبق نظام حكم ديمقراطي في أي منهما. ونظام الحكم الديمقراطي نظام محدد المعالم يتطلب وجود منظومة كاملة ومتكاملة بعضها مع بعض تتضمن مبادئ ومؤسسات وآليات تضبط عملية تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة وتداول السلطة دوريا، وتؤكد على حق وواجب الملزمين بتنفيذ تلك القرارات في المشاركة السياسية الفعالة في عملية اتخاذها.
  • القرابة بين الحزب والدولة: الحزب هو أقرب المنظمات الطوعية وغير الحكومية إلى الدولة، والحزب في الدولة الديمقراطية إما أنه حكومة الدولة أو حكومة الظل فيها، فهو وسيلة الوصول إلى السلطة وأداة تداولها سلميا أو بالعنف وهو الحكومة أو المعارضة. ومهما اختلفت مسميات العصبية التي تجمع أعضاء الحزب الواحد من أفراد وجماعات واتسع أو ضاق شمول عضويتها مختلف أفراد وجماعات المواطنين فإن الأحزاب جميعها تسعى للوصول إلى السلطة. لذلك فإن ممارسة الديمقراطية داخل الحزب واتساع نطاق عضويته وشمولها المواطنين دون تمييز لسبب العرق أو الدين أو المذهب، إضافة إلى نظرته غير الإقصائية إلى غيره من الأحزاب أيضا هي كبرى الضمانات للممارسة الديمقراطية داخل الدولة عندما يصل ذلك الحزب إلى سدة الحكم فيها. والحزب الذي لا يؤسس على مبدأ المساواة بين المواطنين أو لا يمارس الديمقراطية داخله وفي علاقاته ببقية الأحزاب قبل الوصول إلى الحكم، يصعب إن لم يكن مستحيلا عليه ممارسة الديمقراطية في الدولة التي يصل إلى الحكم فيها سلميا أو عن طريق العنف.

”هل ظاهرة غياب الديمقراطية في أحزاب البلاد العربية جزء من استمرار غياب الديمقراطية في الدولة وغيابها في المجتمع الذي لا تنعقد في العادة الزعامة فيه إلا لصاحب غلبة أو ثروة أو مكانة اجتماعية أو مقام ديني؟”

  • تأثير ديمقراطية الدولة على الحزب: وبالرغم من وجاهة الملاحظة الثالثة المشار إليها أعلاه وانطلاقها من القول المأثور فاقد الشيء لا يعطيه، فإن ممارسة الديمقراطية داخل أحزاب دولة غير ديمقراطية تسلطية تمنع قيام الأحزاب من حيث المبدأ أو تسعى إلى الهيمنة عليها أو إلحاقها بالحزب الحاكم المعلن أو المستتر في حالة وجود عائلات حاكمة ملكية أو جمهورية، يمثل مانعا يقف دون إمكانية نمو أحزاب ديمقراطية داخل نظام حكم غير ديمقراطي. فمن ناحية تميل الأحزاب السرية إلى الاعتماد على عصبية تثق فيها وتأتمنها، وتجعل من نفسها طليعة إستراتيجية تعمل للوصول إلى الحكم عن طريق العنف بعد أن تعذر عليها الوصول السلمي. ومن ناحية ثانية تفقد الأحزاب الملحقة والمحتواة من السلطة صدقيتها، كما تواجه الأحزاب التي تحاول الاستقلال عن السلطة القائمة محاربة وتعطيلا لعملها وتدخلا في شؤونها وربما التخلص منها بحجج ملفقة وأسباب واهية.
  • أحزاب العالم الثالث:ولعل ما يسمى بأحزاب العالم الثالث يشير إلى إشكالية ممارسة الديمقراطية داخل أحزاب برزت واتسعت في غياب الديمقراطية داخل الدولة التي نشأت فيها. وأول فئة من تلك الأحزاب وأهمها هي حركات التحرر الوطني التي تبوأت سدة الحكم بعد الاستقلال واحتكرت السلطة بعد ذلك. وثانيها الأحزاب التي أنشئت بعد قيام انقلابات عسكرية ضد بنى سياسية تقليدية جامدة.وثالثها أحزاب قامت على أساس زعامات دينية أو طائفية أو قبلية أو مناطقية أو إثنية، تحمل داخلها في كثير من الأحوال بذور الانفصال وتقوم على الإقصاء من حيث العضوية.

وكل هذه الفئات من الأحزاب نشأت في ظروف غياب الديمقراطية في الدولة التي برزت فيها، وقد كانت نشأتها تعبر عن حاجات وطنية أو اجتماعية أو فئوية، ولذلك حصلت على إجماع نسبي على أهدافها الأحادية البسيطة ضمن مجتمعها، مثل الاستقلال أو مقاومة الاستبداد أو الإقصاء أو الإهمال الذي يتعرض له الشعب كله أو جماعة أو فئة من فئاته.

كما أنها تعتمد في العادة على قيادات تاريخية أو زعامات اجتماعية ودينية دون أن تمارس الديمقراطية داخلها. وعندما تتحقق جزئيا تلك الأهداف الأحادية البسيطة وتتغير مشكلات المجتمع يصعب حصول تلك الأحزاب على ما كانت تصل إليه من إجماع. ولذلك تتحول بالتالي إلى أحزاب أفراد وزعامات، يتقلص الولاء الطوعي لها وتعتمد على الغلبة إذا كانت حاكمة، ويكثر الانشقاق فيها كلما اختلفت آراء الزعامات وتوجهاتهم أو تعارضت مصالح المنتسبين إليها إذا كانت خارج الحكم.

  • غياب الديمقراطية حتمي أم انتقالي:وإذا كانت البلاد العربية جزءا من العالم الثالث فهل ظاهرة غياب الديمقراطية داخل أحزاب البلاد العربية بشكل عام يمكن تفسيرها في ضوء ظاهرة أحزاب العالم الثالث؟ وهل ما سمي أحزاب العالم الثالث هو ظاهرة انتقالية يمكن تجاوزها إلى بناء أحزاب ديمقراطية؟ ما الخبرات التاريخية في دول العالم الثالث وكيف نجحت بعضها في بناء أحزاب ديمقراطية؟ أم أن ظاهرة غياب الديمقراطية في أحزاب البلاد العربية هي جزء من استمرار غياب الديمقراطية في الدولة من ناحية ومن ناحية أخرى غيابها في المجتمع الذي لا تنعقد في العادة الزعامة فيه إلا لصاحب غلبة وثروة أو مكانة اجتماعية أو مقام ديني، الذي لا تعدو فيه أغلب أحزاب اليوم أن تكون امتدادا لتشكيلات وراثية من قبلية أو طائفية أو إثنية.

”يتطلب استقرار العمل بنظام الحكم الديمقراطي وجود قناعات لدى التيارات والقوى الفاعلة إلى جانب المواطن بإمكانية تطبيقه وإيمانا بأهمية ذلك”

  • الدولة الديمقراطيةكما سبقت الإشارة فإن أقرب مؤسسة إلى مؤسسة الحزب –مع الفارق– هي الدولة. والحد الأدنى لاكتساب الدولة المعاصرة صفة الديمقراطية يتمثل في وجود المبادئ والمؤسسات والآليات التالية:

أ- ألا يكون في الدولة الديمقراطية من حيث النص وعلى أرض الواقع سيادة لفرد أو لقلة من الناس على الشعب.
بالأخذ بمبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات السياسية والقانونية على الأقل.
ج- التوافق على شرعية دستور ديمقراطي. والدستور الديمقراطي هو تعاقد مجتمعي متجدد وليس منحة أو مكرمة أو ما هو أقرب إليهما. ولذلك فالدستور الديمقراطي لا بد أن يكون عقد تتم مناقشته وإقراره بحرية من قبل جمعية تأسيسية منتخبة، سواء تم عرضه على استفتاء شعبي أو لم يتم. كما لا بد للدستور الديمقراطي أن يرتكز على أركان عامة مشتركة من حيث النص والتطبيق على أرض الواقع. أولها: الشعب مصدر السلطات، ثانيها: سيطرة أحكام القانون والمساواة أمامه، ثالثها: عدم الجمع بين السلطات الثلاث في يد شخص أو مؤسسة واحدة، رابعها: ضمان ممارسة الحريات العامة،خامسها: تداول السلطة وفق آلية انتخابات دورية حرة ونزيهة.

وجدير بالتأكيد أن تلك المبادئ والمؤسسات والآليات هي ضوابط رسمية وقانونية على الممارسة الديمقراطية، تتوقف أهميتها وفاعليتها على حقيقة تطبيقها على أرض الواقع، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، يتطلب استقرار العمل بنظام الحكم الديمقراطي وجود قناعات لدى التيارات والقوى الفاعلة إلى جانب المواطن، بإمكانية تطبيقه وإيمانا بأهمية ذلك.

ولا بد لتلك القناعات وذلك الإيمان من النمو، وأن يترسخا في النفوس إلى جانب النصوص تدريجياً. هذا حتى تصبح الممارسة الديمقراطية خلقا حميدا والديمقراطية قيمة اجتماعية يضبطها وعي اجتماعي ومجتمع مدني فاعل ورأي عام مستنير، تستطيع جميعها أن ترتقي بالممارسة الديمقراطية عبر عملية التحول الديمقراطي الطويلة والشاقة، من الشكل إلى المضمون الذي يكرس أسلوب الشفافية والصدقية ويعوّد جميع أطراف العملية الديمقراطية على تداول الرأي بتأن وأخذ مصالح الآخرين بإنصاف قبل التصويت على القرارات وتحديد الخيارات العامة من قبل المفوضين بذلك.

”تحول اتجاه الأحزاب في الغرب تاريخيا من أحزاب النخبة إلى أحزاب الجماهير إلى أحزاب الفرصة إلى أحزاب الانتخابات أخيرا، الأمر الذي أدى إلى تناقص عضوية الأحزاب السياسية وتراجع دورها

  • الحزب الديمقراطي: وفي ضوء التشابه بين مقومات وضوابط نظام الحكم في الدولة والضوابط الحاكمة لإدارة الأحزاب –مع وجود فوارق- يمكننا القول إن المبادئ والمؤسسات والآليات التي يلزم وجود حد أدنى منها في الحزب حتى يكتسب صفة الديمقراطية يمكن إجمالها في ما يلي:

أألا يكون في الحزب سيادة على أعضائه، من قبل زعيم أو عائلة أو صاحب صفة دينية أو طائفية أو قبلية لها حق أو عرف ثابت يكرس موقعها في القيادة.
بأن تكون العضوية بضوابطها الديمقراطية هي وحدها مناط الواجبات ومصدر الحقوق الحزبية.
جأن تكون العضوية في الحزب –من حيث المبدأ– مفتوحة لجميع المواطنين دون إقصاء أو تميز من حيث العرق والدين والمذهب، وأن يكون اكتساب العضوية -متاحا من حيث المبدأ- حقا لكل من اكتسب صفة المواطن في الدولة. وهذا المبدأ قد يثير إشكالية لدى الأحزاب الدينية والطائفية والإثنية والمناطقية والطبقية. وهذه الإشكالية لا بد من مقاربتها حتى يمكن للأحزاب أن تتداول السلطة سلميا. وذلك عندما يكون انتقالها من الشبيه إلى الشبيه، حيث يتعذر انتقال السلطة سلميا من النقيض إلى النقيض عندما يكون هدف أحد الأحزاب هو إقصاء الحزب الآخر وليس تداول السلطة معه سلميا.

د- أن يحتكم أعضاء الحزب في علاقاتهم الداخلية إلى شرعية دستورية متجددة يتوافقون عليها ابتداء، في ضوء ارتكازها على الأركان التي سبق الإشارة إلى أنها تكسب الدستور صفة الديمقراطية، وهذه يمكن تلخيصها في التالي:

هناك إجماع على مركزية دور الأحزاب في نظم الحكم الديمقراطية نتيجة لعدم وجود بديل لها يستطيع أن يؤدي دورها ووظائفها

أولاأن يكون أعضاء الحزب هم مصدر السلطة في الحزب ولا وصاية لفرد أو قلة من أعضاء الحزب أو غيرهم على قرار الحزب.
ثانياسيطرة نظم الحزب ولوائحه والمساواة أمامها بين أعضاء الحزب في ضوء قانون الأحزاب ودستور الدولة. 
ثالثاعدم الجمع بين السلطة التنفيذية في الحزب والسلطة التشريعية التي يملكها مؤتمره العام المنتخب انتخابا دوريا حرا ونزيها، هذا مع وجود شكل من أشكال المحكمة الحزبية الدستورية المستقلة يعود لها الفصل في الشؤون الحزبية بين أعضاء الحزب وأطيافه الداخلية قبل اللجوء إلى القضاء في الدولة.
رابعاضمان حرية التعبير في الحزب وإتاحة الفرصة لنمو التيارات والأطياف داخل الحزب وأخذها أشكالا معترفا بها داخليا من أجل نمو الأحزاب وبلوغها مستوى الكتلة المؤثرة عندما تسمح بالتعدد داخل الوحدة، وتقضي على أسباب التفتت والانشقاقات. 
خامسا: تداول السلطة في الحزب وفق آلية انتخابات دورية حرة ونزيهة من القاعدة إلى القمة. 
سادساقبول الحزب لوجود غيره من الأحزاب وضبط فكره ومنهجه وبرنامجه في ضوء حق الرأي والمصلحة الأخرى في التمثيل دون إقصاء أو احتواء بالترهيب أو التغييب والإنكار، بما في ذلك حق التنافس للوصول إلى السلطة وتداولها سلمياً بين الأحزاب، وواجب الدفاع عن حق الأحزاب الأخرى في الوجود والتعبير.

وجدير بالتأكيد في حالة الحزب أيضا أن تلك المبادئ والمؤسسات والآليات هي ضوابط رسمية وقانونية من أجل الممارسة الديمقراطية تتوقف أهميتها على تطبيقها على أرض الواقع كما تم تأكيد ذلك في حالة الدولة أعلاه.

”رغم بروز عدد من تنظيمات المجتمع المدني المنافسة للأحزاب في القيام ببعض وظائفها، فإن الأحزاب تبقى وحدها المؤهلة للوصول إلى السلطة وتداولها دون غيرها من المنظمات غير الحكومية ”

وجدير بالذكر والتأكيد أيضا أن الممارسة الديمقراطية في الأحزاب كما هي في الدول مسألة نسبية، هناك حد أدنى من المبادئ والمؤسسات والآليات يجب وجودها في الممارسة حتى تتصف بالديمقراطية، وبعد التأكد من وجود هذا الحد يبقى الفرق واردا وأحيانا كبيرا بين الممارسات الديمقراطية في الحزب وفي الدولة من حيث درجة النضج والاستقرار ونوعية الديمقراطية وفرص الارتقاء بها.

  • التشابه مع الفارق بين الحزب والدولة: وبالرغم من تشابه مقومات وضوابط نظام الحكم الديمقراطي في الدولة مع المقومات والضوابط الحاكمة لإدارة الحزب الديمقراطي، فإن هناك فوارق بينهما من عدة أوجه:
    أولها: أن علاقة الحزب بأعضائه علاقة طوعية اختيارية، بينما علاقة المواطن بالدولة وراثية عضوية. 
    ثانيها: أن الدولة تحتكر العنف وتفرض إرادتها على مواطنيها وفقا للقانون في الدولة الديمقراطية، بينما الحزب لا يحتكر العنف ولا يجوز له اللجوء إليه لتنفيذ القانون على أعضائه وإنما يخضع الحزب وأعضاؤه على قدم المساواة لقوانين الدولة عامة وقانون الأحزاب خاصة. 
    ثالثهاأن الحزب جزء من كل في الدولة ويمكن أن تنمو عضويته أو تتقلص حسب قناعة المواطنين بتوجهاته وبرنامجه. أما الدولة فإن حجم مواطنيها أكثر ثباتا وليس أمامهم إلا إصلاح الدولة حتى تصلح أحوالهم العامة والخاصة، بعكس الحزب الذي يجد العضو منه بدا إذا لم تتحقق من خلاله طموحاته وتراعى مصالحه. 
    رابعاالدولة بحكم امتلاكها للسيادة على إقليمها هي إقصائية لسيادة غيرها من الدول على إقليمها. أما الحزب فهو جزء من كل ولا يجوز له إقصاء وجهات النظر والمصالح الأخرى، وإنما يتنافس معها فهي شريكة معه على قدم المساواة. 
    خامسايخضع الحزب لقانون الأحزاب في الدولة وتشرف أجهزة الدولة المختصة على الحزب وإدارته وأمواله ونشاطاته وفقا للقانون.

”من أهم المؤهلات التي تجعل الأحزاب السياسية قادرة على الارتقاء بالديمقراطية اتساع عضويتها وتزايد قدرتها على إدماج المواطنين أفرادا وجماعات في الحياة السياسية فعلا وليس مجرد السعي للحصول على أصواتهم”

ومن هنا فإن قانون الأحزاب في الدولة وكيفية الإشراف على تطبيقه يمكن أن يكون ذا تأثير إيجابي أو سلبي على ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب. أما الدولة فإنها ذات سيادة تجاه الخارج، ولم يصل تدخل المجتمع الدولي بعد إلى حد المتابعة والإشراف الإداري على تطبيقها للمواثيق والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها. وبالتالي فإن الممارسة الديمقراطية داخلها تتوقف على عوامل داخلية بالدرجة الأولى، أما الأحزاب فإن مدى تدخل الدولة القانوني في شؤونها أكثر تأثيرا على أدائها الديمقراطي.

  • أزمة الأحزاب في الدول الديمقراطية: وفي ختام هذه الملاحظات الأولية حول مفهوم الحزب الديمقراطي الذي ننشد وجوده ونسعى إلى التعرف على شروط ذلك، يجب ألا تغيب عن ذهننا أزمة الأحزاب في الدولة الديمقراطية أيضا ولا النقد الإيجابي والبناء في سياق الدعوة إلى إصلاح الأحزاب السياسية في الدول الديمقراطية. وفي هذا الصدد هناك نوعان من النقد:

أ- النقد التاريخي الذي يقول بقانون الأولجارشية الحديدي في الأحزاب، مثلما هو موجود في الدولة أيضا، وبالتالي استحالة قيام حزب ديمقراطي. وهذا النوع من النقد مثله مثل النقد الذي شكك في قيام ديمقراطية سياسية قبل قيام ديمقراطية اقتصادية واجتماعية. وهو نقد وارد وصحيح إلى حد كبير وفي مجمله مفيد من حيث سعيه إلى التنبيه إلى خطورة السيطرة على الأحزاب من قبل قياداتها وكذلك التأكيد على ضرورة الارتقاء بالممارسة الديمقراطية في الدولة وداخل الأحزاب وفي ما بينها.

حيث يشير هذا النقد إلى أن الممارسة الديمقراطية على أرض الواقع تحتاج إلى توفير مصادر المشاركة في اتخاذ القرارات وتحديد الخيارات العامة، إلى جانب الحق السياسي والقانوني الذي ينص على مشاركة الملزمين بتلك القرارات والخيارات العامة في اتخاذها. وإيجابية هذا النقد تكون في التنبيه إلى ضرورة توفير شروط المشاركة السياسية الفعالة على مستوى الدولة ومستوى الأحزاب. وحتى يتم ذلك فإن الديمقراطية السياسية والنص القانوني على الحق فيها وكذلك الديمقراطية النسبية داخل الأحزاب وفي ما بينها، تبقى مدخلا ضروريا لتنمية الديمقراطية والارتقاء بها، فما لا يدرك كله لا يترك جله.

ب- النقد المعاصر الموجه إلى ظاهرة تزايد وقوع أحزاب الدول الديمقراطية في أيدي بيروقراطية الأحزاب التي أصبحت تعتمد على مهنة الانتخابات وصناعة الرأي العام من خلال توظيف العلاقات العامة.

”النقد الموجه إلى الأحزاب في الدول الديمقراطية تاريخا وحديثا هو دعوة من أجل إصلاحها على قاعدة الديمقراطية حتى يتحقق مزيد من الممارسة الديمقراطية داخلها كما ونوعا”

وكذلك يوجه النقد إلى الأحزاب بسبب تزايد دور الشركات المتعدية الجنسية وإمبراطوريات المال والإعلام في دعمها والتأثير على توجهاتها.

هذا إضافة إلى تزايد العوامل الخارجية وتدخل الدول ذات النفوذ في الحياة السياسية الوطنية. الأمر الذي أدى إلى ابتعاد الأحزاب السياسية بشكل عام عن الاعتماد على أعضائها وصرف نظرها عن ضرورة توسيع عضويتها والارتقاء بالممارسة الديمقراطية داخلها. وإلى جانب ذلك تزايد أيضا في الدول الديمقراطية -عددا وتأثيرا- دور ما يسمى أحزاب الانتخابات Electoralist parties التي ترتكز دعوتها في تولي السلطة على جاذبية شخصيات تستقطبها، أو برامج مصنوعة بعناية ومهنية إعلامية لكسب الأصوات، إلى جانب أحزاب انتخابات أخرى ينطبق عليها التعبير الشعبي المصري "بتاع كله" Catch all.

وقد أدى تحول اتجاه الأحزاب في الغرب تاريخيا من أحزاب النخبة إلى أحزاب الجماهير إلى أحزاب الفرصة إلى أحزاب الانتخابات أخيرا، إلى تناقص عضوية الأحزاب السياسية وتراجع دور الأحزاب من حيث إدماج المواطنين في الحياة السياسية كما قل حرصها على الارتقاء بالممارسة الديمقراطية وزيادة امتلاك المواطنين لمزيد من مصادر المشاركة السياسية الفعالة.

ومع صحة هذا النقد نسيبا وخطورته على الديمقراطية نفسها إلا أن هناك إجماعا على مركزية دور الأحزاب في نظم الحكم الديمقراطية نتيجة لعدم وجود بديل لها يستطيع أن يؤدي الوظائف التالية:

  • تعبئة المواطنين وتفعيل دورهم السياسي وإدماجهم في الحياة السياسية.
  • تحري المصالح المشتركة والتوفيق بينها وجمع الموطنين حولها.
  • التعرف على السياسات العامة وبلورتها في برنامج سياسي قابل للتنفيذ.
  • تجنيد القادة السياسيين وتنمية قدراتهم على حكم الدولة وإدارتها.

وبالرغم من بروز عدد من تنظيمات المجتمع المدني المنافسة للأحزاب في القيام ببعض وظائفها، إلا أن الأحزاب تبقى وحدها المؤهلة للوصول إلى السلطة وتداولها دون غيرها من المنظمات غير الحكومية. وستبقى الحاجة إليها قائمة والدعوة إلى إصلاحها وتأهيلها للقيام بدورها المركزي في نظم الحكم الديمقراطية دعوة جادة ومسؤولة وفي محلها.

ومن أهم تلك المؤهلات التي تجعل الأحزاب السياسية قادرة على الارتقاء بالديمقراطية اتساع عضوية الأحزاب وتزايد قدرتها على إدماج المواطنين أفرادا وجماعات في الحياة السياسية فعلا وليس مجرد السعي للحصول على أصواتهم. هذا إلى جانب تعزيز مسؤوليتها الوطنية ورعايتها للمصالح العامة فضلا عن عملها الدؤوب من أجل إرساء الممارسة الديمقراطية داخلها وفي ما بينها وداخل الدولة والارتقاء بها أيضا.

وفي ذلك تتساوى حاجة الدول الديمقراطية والدول التي تنشد الديمقراطية إلى وجود أحزاب وطنية ديمقراطية فيها. وما النقد الموجه إلى الأحزاب في الدول الديمقراطية تاريخا وحديثا إلا دعوة من أجل إصلاحها على قاعدة الديمقراطية والارتقاء بها حتى يتحقق مزيد من الممارسة الديمقراطية داخلها من حيث النوع إلى جانب الكم، حتى يتم عبور الديمقراطية بسلام من حقبتها السياسية الراهنة التي تغلب عليها الإجرائية، إلى حقبة يمتلك فيها المواطنون أفرادا وجماعات مصادر المشاركة في عملية تحديد الخيارات واتخاذ القرارات التي يلزمون بتطبيقها، ويبرز دورهم في تحديد مضمون الديمقراطية إلى جانب ضبط منهجها.

 

 

فصل السلطات

لم يلهم فكر "مونتسكيو"قادة الثورة الفرنسية حين شددوا على التنصيص في المادة السادسة عشرة من دستور 1791 على أن "كل مجتمع لا يتوفر على ضمانات للحريات وفصل للسلط هو مجتمع بدون دستور.." ، فقد كانوا، علاوة على تقديرهم لفكر صاحب "روح القوانين" ،(1748) مدركين أهمية فصل السلطات في إعادة بناء الدولة والسلطة على قدر من التوازن لم يألفوه قبل إنجاز ثورتهم (1789) . فالتوازن يحدد دائرة السلطة ويرسم حدود المسؤولية، ويضمن الاحترام السليم للحقوق والحريات.

في وجوب أن تحد السلطة السلطة

يعتبر فصل السلط مبدأ دستوريا موجها للحد من الاستبداد وضمان الحرية، فكل مناهضي السلطة ناصروه ودعوا إلى إقراره، وإن اختلفت تصوراتهم إزاء المفهوم وتطبيقاته25 .

أ-في مغزى المفهوم ومضمونه

ينطوي مفهوم" فصل السلط" -كغيره من المفاهيم التي أطرت الحركة الدستورية الكلاسيكية وساهمت في تطورها- على مغزى يتعلق بانشغال الدولة القومية الحديثة، منذ بداية تشكلها في القرن السادس عشر، بكيفية إعادة تأسيس نظام الحكم على قدر من التوازن يجعل التعايش بين السلطة والحرية ممكنا. فالسلطة التي أضحت ملازمة للدولة، وضرورية لتنظيمها وضمانة لفرض الاحترام بداخلها، هل يقدر الساهرون عليها التوفيق بين ممارستهم إياها واستمرار تمتع الأفراد بحقوقهم وحرياتهم الطبيعية؟ لذلك، فالتساؤل عن المغزى من "فصل السلط" هو في الواقع تساؤل عن إمكانية التوازن داخل الدولة، وفي علاقة هذه الأخيرة بالمجتمع26.

لقد شغلت فكرة التوازن équilibre مجمل تيارات الفكر السياسي الأوروبي خلال القرون الفاصلة بين السابع عشر والتاسع عشر27 ، كما شكلت محور اهتمام النخب السياسية التي أطرت الحركة الدستورية الكلاسيكية وقادت تطورها. فالتوازن أصبح يعني خلال الحقبة أعلاه (ق 17- 19) بناء المجتمع على قدر من التوافق، يضمن لمكوناته، على اختلاف مصالحها، درجة من الانسجام والتماسك،الشيء الذي افتقدته مجتمعات سابقة عن تشكل الدولة القومية الحديثة 28 ، كما يقضي بان تحكم الحياة السياسية وتؤطر ممارسة فاعليها بمبدأ يسمح بإمكانيات "تعاقب الأكثرية والمعارضة على الحكم"، ويتطلب التوازن، في مستوى ثالث، توزيع الاختصاصات بين "السلطة المركزية والسلطات المحلية"، وداخل السلطة المركزية بين الحكومة والبرلمان.29

فإذا كان المغزى من الدعوة إلى تبني مبدأ "فصل السلط" إقامة نوع من التوازن داخل مؤسسات الدولة، وفي علاقتها بالمجتمع، فإن أفكار "مونتسكيو" (1689- 1755).وتصوراته حول هذا الموضوع وآليات تطبيقية ، قد اتسمت بنوع من الشمولية والتعقيد،والغموض أحيانا،الأمر الذي يبرر سيل الدراسات التي تناولت تراث هذا المفكر وحللت أبعاد نظريته، والدلالات التي إكتساها مبدأ "فصل السلطات" لحظة انتقاله من الإطار النظري إلى صعيد الواقع والممارسة30 .يذكر ان أرسطو يتحدث في كتابه "السياسة" عن ضرورة تمييز السلطات عن بعضها البعض، والأمر نفسه دعا إليه "ج.لوك" في مؤلفه "محاولة في الحكم المدني" (1690)، حين أشار إلى وجود ثلاث سلط في الدولة: سلطة سن القوانين والتشريعات، والسلطة التنفيذية ، ثم السلطة الفيدرالية المنوط بها إدارة العلاقات الخارجية، غير أن مساهمة "مونتسكيو" كان لها الدور البارز في تأصيل المفهوم وفتح إمكانيات ارتقائه إلى صعيد الممارسة.

ينطلق مونتسكيو من أن الحرية السياسية" هي أصل الحريات وشرط تحققها، فبانعدامها تتعذر ممارسة " حرية الفكر والعقيدة والتملك"31 .لذلك، شدد يقول:" الحرية السياسية،عند المواطن ، هي راحة البال المتأتية من شعور الفرد بالأمن ولكي تتوفر هذه الحرية، على الحكومة أن تكون حاضرة، بحيث لا يخشى مواطن مواطنا آخر.. والحريةالسياسية لا توجد إلا في الحكومات المعتدلة. ولكنها ليست دائما في الحكومات المعتدلة.إنها لا توجد إلا إذا لم يسئ استعمال السلطة. ولكنها تجربة خالدة أن كل إنسان يتولى السلطة محمول على إساءة استعمالها وسيتمادى حتى يجد حدا يقف عنده..."،ليضيف "ولكي لا نسيء استعمال السلطة يجب بحكم طبيعة الأشياء ، أن توقف السلطة السلطة.."32

يحيل هذا النص على التلازم الموجود بين الحرية السياسية وفصل السلطات، علما أن "مونتسكيو" كان واضحا حيال مدلول الحرية السياسية وطبيعتها. فأن يكون الشخص حرا سياسيا معناه أن يتصرف وفق ما تسمح به القوانين والأنظمة السائدة، إذ أن كل تصرف يحصل خلافا لذلك، يعرض الحريات إلى الضرر والانتهاك ، وهذا بتقدير مونتسكيو، مصدر نشوء الاستبداد في التاريخ السياسي الحديث. فعلى قاعدة التلازم بين الحرية وفصل السلطات ميز مونتسكيو بين ثلاثة أشكال للحكم: النظام الجمهوري، حيث تكون السلطة العليا بيد الشعب إذا كان ديمقراطيا، أو بيد فئة قليلة من الشعب إذا كان ارستقراطيا، والنظام الملكي،حيث تمارس السلطة من لدن فرد واحد هو الملك، والنظام الاستبدادي وهو من أسوأ وأخطر أشكال الحكم 33.

ففي الواقع لم يقف مونتسكيو عند شكل واحد لأنظمة الحكم بغية تقديمه بديلا صالحا لتنظيم العلاقة بين " المحكومين" و "الحكام"، وليجعل السلطة قابلة للممارسة في الحدود غير المضرة بالحريات، بل قام، خلافا لذلك، بنمذجة هذه الأنظمة وتصنيفها، وإن أبدى إعجابه بالنظامين الجمهوري34 والملكي،35 وشدد على سوء النظام الاستبدادي وخطورته36 . لذلك ، كان المدخل لعلاج ظاهرة الاستبداد، وصيانة الحريات، وإرساء نوع من التوازن السياسي، هو"فصل السلطات"، بقدر يجعل حدود كل واحدة واضحة ومعروفة ومحترمة، ففي كل دولة، يقول مونتسكيو، "يوجد ثلاثة أنواع من السلطة: السلطة التشريعية، والسلطة المنفذة للأمور المتعلقة بحقوق الإنسان ،ثم السلطة المنفذة للأمور المتعلقة بالقانون المدني . فبموجب السلطة الأولى يتولى الملك أو الحاكم سن القوانين لمرحلة أو بشكل دائم، ويعدل أو يلغي القوانين القائمة، وبواسطة الثانية يقر السلم أو يعلن الحرب،ويرسل ويتقبل السفراء،ويقر الأمن ويحتاط للغزوات، وبالثالثة، يعاقب الجرائم في الخلافات بين الناس .وتسمى هذه السلطة الأخيرة السلطة القضائية،والأخرى السلطة التنفيذية للدولة"37.

فمما تجدر ملاحظته أن رغم انطلاق مونتسكيو من وجود ثلاث سلط، تستقل كل منها بمجالها الخاص، فقد ذهب إلى أن "كل ممارس للسلطة ميال بطبعه إلى سوء استعمالها. لذلك وجب تحديد السلطة بالسلطة. فإذا اجتمعت السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية في هيأة واحدة أو بين يدي شخص واحد، زالت الحرية، أو يخشى أن يسن نفس الملك أو نفس المجلس قوانين جائرة لكي ينفذها بصورة جائرة... ويزول كل شيء إذا مارس الإنسان الواحد أو مجلس الأعيان أو مجلس النبلاء أو الشعب ذاته، هذه السلطات الثلاث، وهي سن القوانين ،وتنفيذ القوانين العامة، ثم الفصل في الجرائم أو الخلافات بين الناس38"

ب بصدد تأويل المفهوم

تنطوي قراءة كتابات مونتسكيو بخصوص فصل السلطات على ملاحظات تتعلق بطبيعة المفهوم والتأويلات الناجمة عنه على الصعيدين النظري والتطبيقي. فهل يحيل فصل السلطات عنده على مبدأ حقوقي له من العمق والقوة ما يجعله قاعدة قانونية، أم لا يتعدى كونه إجراءا فنيا لتنظيم العلاقة بين المؤسسات الدستورية بشكل يجنب ارتداء السلطة طابعا استبداديا، وبصون الحريات ويحافظ عليها ؟. وإذا كان الأمر بهذا المعنى، كيف تتمكن السلطة وقف السلطة والحد من تجاوزاتها؟. فبغض النظر عما إذا كانت نظرية "مونتسكيو" مبدءا حقوقيا وقاعدة قانونية، أم مجرد تفنية لتنظيم العلاقة بين سلطات الدولة، فإن مساهمتة كانت واضحة في تأصيل فكرة لم تكن معروفة ومأخوذا بها على قدر واسع، تتعلق بضرورة وجود هيئات وأجهزة وسيطة 39 ، قادرة على إقامة نوع من التوازن بداخل المؤسسات الدستورية للدولة. فمونتسكيو لم يدافع عن ضرورة "توزيع السلطات بين الأجهزة العليا للدولة وحسب، بل بين هذه الأخيرة والمجموعات المكونة للمجتمع الوطني، كالجماعات المحلية على سبيل المثال، وقد شدد على استقلال هذه الأخيرة التي نعتها ب"السلطات الوسيطة"، التي لا تقتصر على المدن، بل على القوى المتنوعة المؤثرة في المجتمع،كالنبلاء ورجال الدين والهيئات القضائية.

فمما يرجح ميل مونتسكيو إلى الأخذ ب "توزيع السلطات" وليس فصل السلط،40 هو طبيعة الآليات التي اعتمدها قاعدة لتحقيق فكرة التوازن بين المؤسسات الدستورية. فمنجهة، تتمتع كل سلطة ب"قدرة البت" la faculté de statuer، أي حقها المطلق في ممارسة الصلاحيات التي تدخل أصلا في نطاق اختصاصها. فهكذا، تكمن وظيفة البرلمان في سن القوانين، في حين يتولى الجهاز التنفيذي السهر على تطبيق هذه الأخيرة، أما السلطة القضائية فوظيفتها النظر في المنازعات وترتيب العقوبات والجزاءات. تتمتع السلطات الثلاث،إلى جانب ذلك،ب "قدرة المنع" la faculté d’empêcher ، أي صلاحية مراقبة الواحدة الأخرى، بشكل يحتم على كل منها الالتزام بدائرة الاختصاصات المسموح لها بممارستها.ومع ذلك، لم يكن قصد مونتسكيو إقامة طلاق بين السلطات بقدر ما كان يروم تحقيق قدر من التعاون فيما بينها، عبر السماح للسلطة التنفيذية بمشاطرة الجهاز التشريعي بعض اختصاصاته، والحق نفسه يعترف به للسلطة التشريعية في علاقتها بالجهاز التنفيذي.وإذا كان مونتسكيو قد أولى اهتماما مركزيا للسلطتين التشريعية والتنفيذية وجعلهما في صدارة مؤلفه "روح القوانين"، فإنه خلافا لذلك، لم يمنح السلطة القضائية الاهتمام نفسه، بل اعتبرها في إحدى مقاطعه معدومة. ففي سياق حديثه عن النظام الانجليزي، ذهب يقول:"من السلطات الثلاث، التي تذكرنا، نعتبر السلطة القضائية،إلى حد ما، معدومة،وهكذا لا يبقى إلا سلطتان"41 .هل يفهم من ذلك، أن الفصل يجب أن يكون قاطعا بين السلطتين السياسيتين التشريعية والتنفيذية من جهة، والسلطة القضائية من جهة ثانية، وخلافا لذلك، يجب أن يسود نوع من التوازن والمراقبة بين جهازي التشريع والتنفيذ طبقا لقاعدة "المراقبة والتوازن" check and balance؟. ففي الواقع، شكلت نصوص مونتسكيو موضوع جدل فقهي وقانوني عميق، سواء على صعيد الدراسات الحقوقية الكلاسيكية،42 أو على مستوى المقاربات المواكبة للتغيرات التي طالت المفاهيم الدستورية المعاصرة.43

لعل من النقط القوية التي تصلح أساسا لتأويل مفهوم فصل السلطات كما تم التعبير عنه في كتابات "مونتسكيو، الوظيفة التي تمكنت نصوص هذا الأخير من أدائها في سياق المناخ الفكري والسياسي للقرن الثامن عشر، أي قرن الثورة الفرنسية وما نتج عنها من تداعيات على صعيد تطور الوعي السياسي بظاهرة السلطة وبناء نظم الحكم44. فالواقع السياسي الانجليزي، الذي شكل حقلا تجريبيا لمونتسكيو- وهو بعدد صياغة نظرية حول الحرية السياسية وسلطان القانون وفصل السلطات45 .- ظهر خلال القرن الثامن عشر أكثر النظم السياسية تقدما على صعيد احترام الحريات، وتنظيم ممارسة السلطة، والتهيؤ للانتقال إلى وضع ديمقراطي تلعب المشاركة والمراقبة الشعبية في نطاقه دورا مركزيا46.

لقد تخللت الواقع الانجليزي،لحظة تفكير مونتسكيو في صياغة نظرية فصل السلطات، ثلاث قوى اجتماعية: التاج (الملكية)، والارستقراطية،وعموم فئات الشعب، فكان ضروريا إيجاد المسوغات الفلسفية والنظرية لخلق نوع من التعايش بينها على صعيد تأسيس السلطة وانتقاء آليات ممارستها.لذلك، ذهب الباحثون إلى أن مونتسكيو لم "يبدع شيئا جديدا، بقدر ما قام بتأويل خطاب الملك شارل الأول "، القائل بأن الملكية في بريطانيا خليط بين الحكم الملكي والارستقراطي والديمقراطي"، مما يعني أن الأساس الفلسفي للنظام السياسي يستند إلى ثلاث مشروعيات: التاج ،باعتباره تجسيدا للاستمرارية التاريخية، والارستقراطية، كتعبير عن قطاع مؤثر في الحياة الاجتماعية والسياسية الانجليزية، والشعب، الذي ترسخت مكانته وبدأ يبرز كبعد وازن في تطور النظام السياسي. فهل معنى ذلك أن مبدأ فصل السلطات عند مونتسكيو لا يعدو أن يكون وسيلة للتوفيق بينالمشروعيات المتنافسة؟47.

إننا نميل إلى اعتبار مبدأ فصل السلطات تقنية لجعل التعايش ممكنا بين المؤسسات الدستورية أكثر منه قاعدة قانونية لتحديد شكل معين للنظام السياسي. وحين نجعل هذا المبدأ أداة فنية لتوفير التعايش بين السلطات، فإننا نقصد بداهة التعايش بين قوى اجتماعية متباينة من حيث المواقع، مختلفة من حيث المشاريع الاجتماعية التي تروم تطبيقها حين حيازتها السلطة وامتلاك أدواتها. فمن هذه الزاوية بالذات ،يصبح المبدأ فعلا وسيلة للتوفيق بين المشروعيات المتنافسة والمتصارعة داخل المجتمع السياسي48.

2-في أن تكون الحقوق والحريات مضمونة

لم يكن الانخراط في إرساء دعائم حكم دستوري منفصلا عن الانخراط في تخويل الحقوق والحريات طابعا دستوريا . فالدستور، بما هو ضبط لقواعد ممارسة السلطة ، يصبح ضامنا للحقوق والحريات، عبر إفراده أحكاما خاصا بها، وتنصيصه على الوسائل الكفيلة بصيانة ممارستها وجعلها في منأى عن تعسف السلطة وشطط ممارسيها. لذلك، لا تقاس ديمقراطية الدساتير بمدى إقرارها للحقوق والحريات فحسب، بل تتحدد أيضا بدرجة حرصها على تأكيد الشرعية الدستورية، أي جعل ما هو مدرج في باب الحقوق والحريات محترما على صعيد التطبيق والممارسة. فقد قدمت التجربة الدستورية الفرنسية نماذج كثيرة في تاريخها عن ضعف شرط احترام الحقوق والحريات أمام إقرارها غياها في نص الدستور، قياسا للتجربتين الانجليزية والأمريكية، حيث ساهمت النصوص الدستورية المكتوبة منذ صدور وثيقة العهد الأعظم magna charta عام 1215، وما أعقبها من نصوص خلال القرون اللاحقة 49، وكذا التعديلات الأولى التي أدخلت على الدستور الأمريكي (1787)50 ، في تأكيد مفهوم الحرية وتعزيز المساعي الرامية إلى ترسيخه في الثقافة السياسية للمجتمعين معا. ونميل إلى الظن أن "خصوصية "المسار الدستوري والسياسي الفرنسي تحكم في ما يشبه الانفصام بين إقرار الحقوق والحريات في وثائق الدستور وصعوبة احترامها على مستوى الممارسة، إذ الجدير بالملاحظة أن الفرنسيين عاشوا مخاضا دام قرابة القرن (1789-1884) قبل أن يستقروا بغير رجعة على شكل النظام الذي اعتمدوه نموذجا لبلادهم، فقد جربوا النظام الإمبراطوري، والملكية، والجمهورية، ونظام القناصل51.

أدسترة الحقوق ومتطلبات دولة القانون

نقصد ب "الدسترة" constitutionnalisation تضمين الدستور حقوقا وحريات وتنزيلها منزلة الأحكام الخاصة بتنظيم السلطة والعلاقة بين المؤسسات. وإذا كان إقرار الحقوق والحريات في الوثيقة الدستورية أمرا إيجابيا وخطوة مهمة على سبيل الاعتراف بها ، فهل تكفي الدسترة لجعل منظومة الحقوق في منأى عن الشطط في استعمال السلطة؟. إن الدسترة في ذاتها لا تكفي لجعل الحقوق والحريات مضمونة ومصانة بل لا بد من مصاحبتها بضمانات تكفل لذويها القدرة على التمتع بها، كما تحتاج إلى قضاء مستقل ونزيه يحفظ للدستور علويته وسموه على كافة النصوص الأخرى، ويجعل أحكامه سارية على الأفراد والجماعات.

لقد أصبحت دسترة الحقوق والحريات ظاهرة عالمية،حيث أخذت جميع الدساتير، بما فيها الدول التي تأخرت في تبني فكرة الدستور، بالتنصيص إما في بيانات ملحقة،أو في ديباجة الدستور وصلبه على الحقوق والحريات المنوطة بالإنسان، لاعتبارات خاصة بقيمة الدستور ومكانته في البنيان القانوني والمؤسسي للدولة العصرية، ولان ديمقراطية هذه الأخيرة ومشروعيتها أصبحتا تقاسان بمدى احترامها لمنظومة الحقوق والحريات على صعيد الممارسة، وليس على مستوى التنصيص في الوثيقة الدستورية. فهكذا، لا تنحصر قيمة مبدأ تدرج القوانين hiérarchie des lois في تصدر الدستور رأس الهرم ووجوب أن تكون القواعد الأدنى درجة منه منسجمة مع روحه فحسب، بل إن التدرج ، علاوة، على ذلك يحمي الحريات ويحافظ عليها. لذلك، لم تكتف العديد من الدساتير بإقرار قائمة الحقوق والحريات، بل ألزمت المشرع وباقي السلطات، عبر جملة من الأحكام، باحترام الحقوق الأساسية. فالفصل الأول من دستور فرنسا لعام 1791 منع على الجهاز التشريعي إصدار القوانين التي من شأنها المس أو عرقلة ممارسة الحقوق الطبيعية المتضمنة في نص الدستور، وقد سارت على نهجه مجمل دساتير فرنسا اللاحقة (1793-1848-1958)، إضافة إلى أن المادة الخامسة من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 نحت المنحى نفسه حين قضت بأن "ليس للقانون الحق في منع سوى الأعمال الضارة بالمجتمع.فكل ما لا يحرمه القانون لا يمكن منعه ولا يمكن إجبار أحد على فعل مالمبأمر به القانون".

تحتاج حماية الحقوق والحريات وضمان سلامة ممارستها إلى جملة شروط تتجاوز مستوى اعتراف الدساتير بها وتضمينها في صلب أحكامها .فقد كشفت التجربة هشاشة الحرية كما تصورها بناة الديمقراطية الكلاسيكية في اوروبا والغرب عموما. فلكي تتحقق الحرية وتستمر ويحسن استعمالها تحتاج إلى حد أدنى من الإجماع حولها كقيمة وضرورة، فحين يتكون لدى الناس تمسك أكيد ودائم بالحرية، يتولد لديهم الوعي المطلوب للدفاع عنها وصيانتها من شطط السلطة وسوء استعمال الأفراد والجماعات لها. فلو أخذنا حقوق الأقلية السياسية على سبيل المثال ،للاحظنا المكانة التي تحظى بها في النظم الديمقراطية خلافا لغيرها من التجارب. ففي بريطانيا مثلا تشكل الأقلية جسما سياسيا قائم الذات، إنها جهاز رسمي للنظام، بل مؤسسة دستورية منوطة بها ممارسة وظيفة أساسية في الدولة، أي معارضة سلطة الأغلبية الحاكمة52 . فهكذا يكون احترام المعارضة بداية لاحترامحقوق الأفراد، كما أن الاحترام الأساسي للحريات يبدأ باحترام المعارضة. والحال أن الديمقراطية السليمة لا تشتغل جيدا وتصون الحريات إلا حين يمتد لبسط احترامها إلى الخطوط الكبرى لنظامها السياسي، أي القواعد الخاصة بتنظيم الحكم، بما في ذلك فصل السلطات والطريقة التي يمارس الشعب بواسطتها سيادته. مقصد القول أن احترام الحقوق والحريات رهين بمدى تحقق ما يشبه الإجماع حول الحرية مفهوما وممارستا أي ميلاد وعي مجتمعي ينزل الحرية في منزلة القيم الكبرى التي لا تخضع للمساومة أو المزايدة.

 

 

دولة القانون

تتعزز دسترة الحقوق والحريات وتنجز وظائفها في حماية هذه الأخيرة وصيانتها، حين تكتمل عناصر دولة القانون وتتم مأسستها، فما الذي يجعل دولة القانون ضامنة الحقوق والحريات التي أقرتها الدساتير واعترفت بوجودها؟. سيكون مجديا بداية الإشارة إلى الجدل الفقهي الذي أغنى مفهوم دولة القانون وساهم في تأصيله، قبل صيرورته متداولا في النظر السياسي. وفي هذا الصدد، يتميز الفقه الألماني بقدر كبير من الريادة والعمق في صياغة نظرية متكاملة حول المفهوم53 .

**توزع الفقه الألماني تصوران، يروم الأول تقييد الحضور الكلي والمهيمن للدولة قصد حماية الحريات الفردية بواسطة سن القوانين وإقامة المحاكم المستقلة، في حين يسعى الثاني إلى اعتبار القانون أداة للتنظيم العقلاني للدولة، ووسيلة لخلق نوع من الملاءمة بين هذه الأخيرة والمحكومين.

*فالجوهري عند التصور الأول استناد الدولة في علاقتها بالأفراد إلى قواعد عامة وضوابط موجودة سلفا، حيث يصبح التمييز واضحا بين "دولة القانون" Etat de droit، والدولة البوليسية ¶ Etat de police.

*فالدولة البوليسية، خلافا للحكم الاستبدادي أو حكم الغلبة، تعطي حيزا واضحا للقانون، باعتباره وسيلة بيد الإدارة تستعملها بحرية مطلقة، قصد تحقيق انصياع الأفراد له، دون أن تخضع في ذلك لأية ضوابط أو قواعد سامية، أو كما كتب عن ذلك "كاري دومالبرغ C. demalberg. "قائلا" تتحق الدولة البوليسية حين تكون السلطة الإدارية قادرة، بطريقة تقديرية وحرية مطلقة، على جعل المواطنين خاضعين للإجراءات التي تراها ضرورية لمواجهة الظروف وتحقيق الأهداف المتوخاة 54 " . لذلك، تنهض الدولة البوليسية، وفق هذا المعنى، على "حسن فعل الأمير"، حيث لا وجود لأي تقييد قانوني لعمل السلطة، ولا حماية فعلية للمواطنين إزاء هذه الأخيرة. بيد أن دولة القانون، وهذا ما يميزها عن الدولة البوليسية، لا تعتبر القانون مجرد وسيلة عمل للدولة، بل أداة لتقييد سلطتها، فهي بتعبير "كاري دومالبرغ" "تهدف إلى حماية المواطنين والدفاع عنهم ضد تحكم واستبداد سلطات الدولة"55 .

*في حين تروم نظرية "دولة القانون" تأكيد سمو القانون على الإدارة على صعيد التطبيق والممارسة. فالدولة لا تكتفي بالامتناع عن التدخل بشكل مخالف للقانون، بل هي مجبرة على التصرف وفق قواعده وأحكامه. لذلك، لاتعني نظرية دولة القانون عند الفقهاء الألمان استحالة فرض الإدارة والالتزامات القانونية على الأفراد فحسب، بل يقصد بها إجبارية إحترامها الشرعية القانونية أيضا56.

ينطوي الفقه الألماني على العديد من الاجتهادات في تحليل نظرية "دولة القانون" والقضايا المرتبطة بها. فهي ليست "دولة محكومة بالقانون" فحسب، بل خاضعة له أيضا، الأمر الذي دفع بعض الفقهاء إلى استبعاد الفكرة القاضية بعدم إخضاع الدولة للقانون، باعتبارها وحدة متمتعة بسلطة السيطرة والهيمنة. بيد أن جدلا واسعا أثير حول الموضوع منطلقا من التصور القاضي، منذ نهاية القرن التاسع عشر، بان الدولة، باعتبارها شخصا قانونيا، هي صاحبة الحق الأصلي والوحيد في السيادة لا يشاطرها في ذلك المحكومون ولا الأمة، فهي شخص قانوني مستقل متمتع بمجموعة من الحقوق دون سواه، كما أنه يحتكر سلطة الإكراه، أي القدرة على إصدار الأوامر والنواهي، فهي بالنتيجة المصدر الوحيد للقانون، مما يعني أنها الكفيلة بتضمين القانون القوة الإلزامية الضرورية لتطبيقه.

**تتميز النظرية الفرنسية، خلافا لنظيرتها الألمانية، بوجود إرث مؤسس في مجال العلاقة بين الدولة والمجتمع قبل الثورة (1789) وبعدها. فخلال النظام القديم سعى الفرنسيون إلى تأسيس نظام قانوني تراتبي ordre juridique hiérarchique لتقييد السلطة الملكية المطلقة، وإخضاعها لقواعد سامية عليا، وجعلها مصدر وجودها واستمرارها، بيد أن الثورة الفرنسية، وما حملت من قيم ومبادئ 57، ستخول الفرنسيين إطارا مرجعيا لإعادة صياغة مشروعية الدولة والسلطة، وتجديد العلاقة بين الحكام والمحكومين، إنه مفهوم "الأمة" Nation صاحبة السيادة ومصدر القوانين والتشريعات . فالتراتبية الجديدة قضت بوجود تسلسل من القواعد تتصدره "الحقوق الطبيعية للإنسان" غير القابلة للمس، المعترف بها من طرف المجالس التمثيلية " تليها إعلانات حقوق الإنسان والمواطن"، ثم الدستور" و"القوانين" و"القواعد" الأدنى منه درجة. لذلك، يتوجب على الدولة وأجهزتها احترام هذه الهرمية، وعدم خرق النظام المتضمن فيها. فهكذا، ساهمت التراتبية الناشئة بعد الثورة، المزامنة للنظام الجديد، في تشكيل صورة جديدة لمفهوم "دولة القانون" لدى الفقه الفرنسي. فالحاصل عند "كاري دومالبرغ" أن فرنسا لاتطبق نظام "دولة القانون Etat de droit، بل نظام الدولة القانونية le système de l’Etat légal 58، مبرزا الفرق بين الوضعيتين، حيث يقيد القانون نشاط الدولة في الحالة الأولى، وتكون الأسبقية للدستور، دون أن يتعرض القانون لأي شكل من أشكال الاعتراض، في حين نكون في الحالة الثانية، أي دولة القانون، أمام وضعية تكفل حماية الأفراد وصيانة حرياتهم، حيث تكون الحقوق في منأى عن كل خرق أو مس من أية جهة، بما في ذلك الجهاز التشريعي. فهكذا، تكون الدولة القانونية إطارا لتنظيم السلطات، في حين تتحقق دولة القانون لتكريس مبدإ حماية حقوق الأفراد وحرياتهم.. فهل ظهر مفهوم "دولة القانون" لمقاومة "الدولة القانونية والحلول محلها؟.

شكل هذا السؤال جوهر النقاش حول علاقة "الدولة" ب "القانون" في الفقه الفرنسي المعاصر. فهكذا ، سيذهب "كاري دومالبرغ" إلى القول بأن الذي يبرر وجود الدولة من الناحية القانونية خضوع سلطتها للقانون، مستندا في ذلك إلى اجتهادات الفقيه "هوريو" ذات الشأن، معتبرا تقييد الدولة بالقانون يبدأ مع مأسستها وربط أجهزتها بمجموعة من القواعد والأحكام المنظمة لها . بيد أننا إذا تجاوزنا النقاشات التي طالت الفقه الفرنسي، وتحكمت في مدارسه وتياراته59 ، نشير إلى أهمية الجدل الذي أدخل البعد الديمقراطي في مقاربة العلاقة بين "الدولة" و"القانون" وتحليل مفهوم "دولة القانون" في الفكر السياسي الفرنسي. فأنصار "نظرية السيادة الوطنية" اعتبروا الدولة امتدادا للأمة وليست حدثا سياسيا اصيلا. لذلك، يؤسسون ميلاد الدولة وتكونها على فكرة الاتفاق أو قاعدة التعاقد، كما صاغتها الفلسفة العقدية عند كل من "هولز"، "لوك"، و "روسو"، مما يعني أن المصدر الاتفاقي لنشوء الدولة يتضمن قيودا على سلطتها ونشاط أجهزتها. فالدولة تظل مشروعة، أي مقبولة، طالما احترمت القانون المعبر عن الإرادة العامة بحسب روسو، غير أنها تتعارض مع المشروعية حين لا تكترث بالقوانين، فتتناقض مع الإرادة العامة، مما يسمح للأفراد بمعارضتها ومقاومتها بتعبير "جون لوك".

لقد دشنت فكرة الربط بين الدولة والأمة، والدولة والتعاقد والتوافق، إمكانية إعادة تأسيس مفهوم "دولة القانون" وربطه بإشكالية الديمقراطية. فهكذا، سيتحول المفهوم إلى "ضمانة نظرية ووسيلة عملية لإعادة تقويم دور المجالس النيابية، بالتشديد أكثر على دور الرقابة الدستورية والقانونية وليس الضمانات السياسية، متيحا الفرصة لإبراز "الديمقراطية" كأساس لتقعيد مفهوم "دولة القانون"، علما أن الديمقراطية هنا لا تعني قانون الأغلبية وحسب، بل احترام قواعد اللعبة، والقيم المستبطنة فيها أيضا. فهكذا، يصبح القانون ، باعتباره أداة للتنظيم والضبط، عنصرا تأسيسيا للديمقراطية60 .

تجدر الإشارة إلى أن التطبيق السليم لدولة القانون يحتاج جملة من الظروف والضمانات كي ينغرس المفهوم في وعي المجتمع وثقافته السياسة، لعل أهمها: توسيع دائرة الشرعية، وتقوية الرقابة القضائية، وضمان علوية الدستور وسموه.

يقصد بـ"الشرعية" المرجعية التي يتم الاستناد إليها لفحص قانونية الشيئ، أكان نصا قانونيا، أم قرارا نابعا عن نشاط تنظيمي أو إداري. فإذا كان القاضي الإداري يتولى، منذ القديم، مراقبة شرعية النشاط الإداري، فإن دائرة تدخله ظلت محصورة في القانون دون أن تتجاوزه إلى ما هو أوسع واشمل لتمتد إلى باقي مكونات "كتلة الشرعية" Bloc de la légalité، بما في ذلك الدستور والمعاهدات، والمبادئ العامة للقانون ذات الأصل القضائي61 ، علما أن في توسيع دائرة الشرعية ما يساعد القاضي الإداري على ضمان التبعية القانونية للإدارة، وتحقيق رقابة أكثر لنشاطها.ففي ألمانيا مثلا، لم يتردد القاضي الإداري في الاستناد، علاوة على القانون، على القواعد المستنبطة من القانون الأساسي واستنتاجات المحكمة الدستورية، بخلاف فرنسا، التي استبعدت إمكانية مراقبة مدى ملاءمة العمل الإداري والتأويلات الصادرة عن المجلس الدستوري.

*تعتبر الرقابة القضائية Contrôle juridictionnel وسيلة أساسية لحماية "دولة القانون" وضمان تحققها، كما أن تقوية استقلالية القاضي الاداري من شأنها صيانة "دولة القانون" وفرض احترامها، بيد أن الاستقلالية وإن كانت شرطا ضروريا لاستتباب "دولة القانون" وانتظامها، فإن قيودا عديدة تحد فعاليتها على صعيد الواقع. ففي فرنسا مثلا، ظلت مجموعة من أعمال الجهاز التنفيذي في علاقتها بالسلطات العمومية الأخرى، أو تلك المرتبطة بسير العلاقات الدولية، مستبعدة من كل رقابة بحجة اندراجها ضمن أعمال السيادة62 ، علما أن جدلا فقهيا واسعا انتقد هذه النظرية، وتحفظ على وجود هذا النمط من الأعمال،التي سعى مجلس الدولة الفرنسي،لمدة طويلة، إلى تحصينها من رقابة القضاء63.

*لا يجادل اثنان في أن مراقبة دستورية القوانين شرط ضروري لدولة القانون، بدونها يغدو الدستور دون معنى، ويتحول إلى قيمة رمزية. فقد أكدت تجارب العديد من الدول بين الحربين أهمية المبدأ (النمسا 1919، تشيكوسلوفاكيا 1920، اسبانيا 1931)، كما أبان التزايد المتصاعد للمحاكم الدستورية ما بعد الحرب العالمية الثانية التراجع الواضح لهيمنة القانون، والوضع التفاضلي الذي ظل متمتعا به لمدة طويلة، الواقع الذي أكدته فكرة تخويل محاكم دستورية خاصة وظيفة الرقابة، كما حصل بالنمسا عام 1920 بتأثير من "هانسكلسن H. Kelsen" وانتشر في العديد من الأقطار الاوربية: ايطاليا (1947)، المانيا (1949)، فرنسا(1958)، تركيا (1961)، يوغوسلافيا (1963)، البرتغال (1976)، اسبانيا(1978)، اليونان (1979)، وامتد إلى الدول الاشتراكية، بولونيا (1982)، هنغاريا (1983)، الاتحاد السوفياتي سابقا (1988)64 . تجدر الإشارة في هذا المقام، إلى أن طرق عمل المحاكم الدستورية الموما إليها أعلاه، وطبيعة تدخلها، أثر على النظم السياسية وأسعفها في انتهاج سياسة قضائية حقيقية بسبب تمكن القاضي الدستوري من قواعده المرجعية بواسطة التأويل، كما هو شأن محكمة كارسوKarsruhe حين تحيل على نظرية القواعد الدستورية المفتوحة، أو عبر الاجتهاد في خلق قواعد انطلاقا من التقاليد السياسية، كما هو حال المبادئ السياسية المتضمنة في قوانين الجمهورية المستخلصة من طرف المجلس الدستوري الفرنسي65 . فالحاصل أن القضاء الدستوري أصبح متمتعا في جل الدول الليبرالية، بمكانة مركزية، بسبب مساهمته في ضمان 'التوازنات الدستورية"، وحماية الحقوق والحريات، والتأثير الواضح في النظم السياسية إلى درجة تخوف هذه الأخيرة من انبعاث شبح "حكومة القضاة" gouvernement des juges ، كما حصل في تاريخ القضاء الأمريكي، حيث هيمنت المحكمة العليا على كل المؤسسات الدستورية وعطلت نشاطها.

 

 

الدستور الديمقراطي

يعني مصطلح "دستور، الذي يقابله في الفرنسية « Constitution »  ،"التأسيس أو البناء"، أي التنظيم أو القانون الأساسي " ، فهو يحيل على مرجعية مفادها البحث عن الأسس الكفيلة بتأصيل وضبط ممارسة السلطة وتنظيم مؤسسات الدولة ، وعلى خلفية ذلك يفسر لماذا ارتبط مفهوم الدستور بالد ستورانية الأوروبية الهادفة، مع مطلع القرن الثامن عشر، إلى إعادة بناء الدولة والسلطة على تصورات فلسفية وآليات تنظيمية جديدة.

فبغض النظر عن الجدل الفقهي بخصوص التعريف والتحديد، تثير مسألة "الدستور" العديد من الأسئلة الخاصة بتاريخية وجودها كفكرة، والدلالات التي اكتستها عبر حقب تطورها، والشروط التي سهلت إمكانية صيرورتها مفهوما مركزيا، وانتقالها من السياق القاري الأوروبي، إلى المستوى العالمي والكوني، وكلها قضايا بالغة الأهمية من الناحيتينالعلمية والعملية في فهم معنى الدستور وإدراك مركزيته. بيد أن أهم سؤال، نعتقد برجاحة طرحه، يتعلق بالشروط العامة التي قررت ميلاد فكرة الدستور وساعدت على انتشارها على الصعيدين القاري والدولي.

لعل من الصعوبة بمكان الإلمام بأصول فكرة الدستور وتمثل دلالاتها بمعزل عن التطورات المعتملة داخل المجتمعات الأوروبية على امتداد الفترة الفاصلة بين القرنين السادس عشر والسابع عشر.فقد شهدت أوروبا نهضة شاملة طالت نظامها الاقتصادي، وعلاقتها الاجتماعية، ونظمها السياسية ، وأسسها المعرفية والثقافية، فكانت المحصلة أن دخلت دولا ومجتمعات دائرة العقلانية والحداثة وبناء دولة القانون، التي يشكل المجتمع المدني ومشاركته عنصرا مقررا فيها. فعلى خلفية هذه التطورات، ولدت الحاجة إلى دسترة الحياة السياسية، أي إخضاع الدولة وممارسة السلطة والعلاقات بين المؤسسات لوثيقة تتضمن مجموعة من القواعد المكتوبة المحددة لفلسفة وشكل الدولة، والقادرة على تقييد سلطاتها العامة.2 بيد أن الربط بين فكرة الدستور والتغيرات المشار إليها أعلاه لايكفي وحده للتدليل على أصل الظاهرة الدستورية، بل يستلزم، إضافة إلى ذلك، تحليل العلاقة الطردية بين تشكل الطبقة الوسطى (الرأسمالية لاحقا) واستحكامها في مقومات النسيج الاقتصادي والاجتماعي ورغبتها في الاستحواذ على السلطة ومصادرها، وهو مشروع لم يكن في استطاعتها إنجازه دون وضع قواعد دستورية قارة وواضحة، تقيد السلطة وتضبطها من جهة، وتضفي المشروعية على ممارستها من زاوية ثانية، المعطى الذي عبرت عنه دساتير الجيل الأول في كل من الولايات المتحدة الأمريكية (1787)،وفرنسا (1791-1973-1795).

فالقاعدة إذن، أن تتوفر الدولة على دستور يحدد فلسفة حكمها وطبيعة نظامها ، وينظم علاقات سلطاتها، ويضمن حقوق وحريات أفرادها، أما الاستثناء فحين تنعدم هذه الوثيقة ولا تكترث الدولة بوجودها، وفي هذا السياق كان "اندريه هوريو" محقا حين شدد على أن "الرغبة في الدخول إلى المجتمع الدولي بدون دستور، هي تقريبا الدخول إلى حفلة ساهرة بثياب الحمام"3. بيد أن الدستور وحده لا يكفي لاكتساب الدولة المشروعية المطلوبة، بل تصبح المشروعية légitimité حقيقة مقبولة حين تتعزز وثيقة الدستور بالاحترام وتحاط بالشروط الكفيلة بضمان صيانتها ، أي حين تتحقق الشرعية الدستورية légalité constitutionnelle .

إن ما يميز الدستور الديمقراطي Constitution démocratique ويجعله جديرا بهذه الصفة استناده على جملة مقومات تضفي صبغة الديمقراطية عليه، وتبعده عن الدساتير الموضوعة إما بإرادة منفردة، كما هو حال الدساتير الممنوحة، أو عبر استفتاءات مفتقدة إلى شروط الاستقلالية والحياد والنزاهة. لعل أهم مقومات الدستور الديمقراطي (أولاً): تأسيسه علي مبداء المواطنة الكاملة المتساوية والتسليم بأن الشعب مصدر السلطات ولاسيادة لفرد أوقلة عليه, (ثانياً) : حكم القانون،(ثالثاً): أن يحترم فيه فصل السلطات (رابعاً): تؤكد فيه الحقوق والحريات (خامساً): ان يتم الاعتراف بالتداول السلمي للسلطة بين الأغلبية والمعارضة. هذا بالإضافة إلى الطريقة التي يوضع بموجبها الدستور من قبل جمعية وطنية تأسيسية منتخبة.

أولا:في أن يكون الشعب مصدر السلطات

يشكل هذا المقوم أحد دعامات الدستور الديمقراطي .فما معنى أن يكون الشعب مصدر السيادة ؟ ،وما هي الآثار المترتبة عن تحقق السيادة في الشعب؟

1- في معنى السيادة اللازمة للدستور الديمقراطي

يحيل مفهوم السيادة على معنى القدرة .فالدولة ذات السيادة هي "الدولة القادرة على اتخاذ القرارا ت والأعمال المتصلة بمصيرها على الصعيدين الداخلي والخارجي بحرية تامة" 4 ، أي أنها "سلطة حقوقية متفوقة"، تجعل الدولة إطارا وحيدا قادرا على امتلاك مشروعية استتباب الأمن والنظام بالداخل، وتملك حرية التعامل على صعيد العلاقات الخارجية. 5 و ينطبق المدلول نفسه على "الشعب". فهكذا ، تتحقق سيادة الشعب حين يصبح أفراده قادرين على تقرير مصيرهم بأنفسهم، دون شعور بالضغط أو الخوف، أو تقييد إرادتهم. فالشعب بهذا المعنى يكون مناط السلطات ومصدرها، حيث لا سلطة لفرد أو قلة عليه، أو بتعبير عبد الحميد متولي : "لا سيادة لفرد ولا لقلة على الناس."6.

يذكر أن نقاشا عميقا وواسعا طال مدارس الفكر السياسي الأوروبي الحديث حول مبدأ السيادة، وما إدا كانت الأمة nation أم الشعب peuple مصدرها، والحال أن الجدل كان يعكس في سياقه التاريخي تناقضا بين أطروحتين متباينتين بخصوص مسألة السلطة وآليات ممارستها، ولم ينظر قط إلى القضية باعتبارها اختلافا تقنيا حول وسائل الحكم وتدبير الشأن العام . فالقائلون ب "سيادة الأمة" (السيادة الوطنية) يرجحون إقرار النظام التمثيلي، الذي دون أن يجرد الشعب من المشاركة السياسية يقيد حجم مساهمته. أما أنصار نظريات "السيادة الشعبية"، فيسعون إلى توسيع فضاء مشاركة المواطنين بتخويلهم مجموعة من الوسائل المتراوحة بين تعميم حق الانتخاب وتنويع أدواته، والحق في الاعتراض على القوانين والمبادرة في اقتراحها ورفضها .

حول مبدأ سيادة الأمة

يقضي مبدأ السيادة الوطنية souveraineté nationale أن تتشخص السيادة في الأمة التي تتكون من كل الأفراد الذين يتشكل منهم عنصر الشعب، لكن تفوقهم وتسمو عنهم من حيث القوة الرمزية والعمق التاريخي.7 فالأمة كيان عضوي معنوي، يرمز للماضي والحاضر والمستقبل، كما يضم الأحياء والأموات والذين سيولدون غدا، إنها "تشخص استمرار الدولة والنظام".8 لذدلك، ذهب الفقه الدستوري إلى أن "السيادة الوطنية تأكيد المثالية الديمقراطية 9 ،أي هي " تأكيد حكم المجموع بالمجموع لمصلحة المجموع"،10 مما يفيد أن مبدأ سيادة الأمة يعني تحقيق وحدة الحاكمين والمحكومين بغية تجسيد مبدأ الصالح العام، ومن ثمة لا تكون "السيادة الوطنية إلا حيث يكون أساس الحكم كلمة الشعب".

يترتب عما سلف أن السلطات في الدولة يجب أن تمارس لمصلحة الجميع، لا لمصلحة الحاكمين الشخصية ولو كانوا يمثلون الأكثرية. السلطة والحكم وجدا بالضرورة من أجل الشعب، وليس الشعب هو الذي وجد من أجل الحكم. فحين يتمكن مجموع أفراد الشعب من تسيير أمورهم العامة، تتجسد السيادة في الأمة وتصبح مصدر السلطات. بيد أن التاريخ علمنا أن كل طبقة، أو شريحة، أو فئة تتملك السلطة تجنح بالضرورة إلى استغلالها لصالحها وليس لمصلحة الجميع، غير أن العقل البشري، باجتهاده، تمكن في نظم سياسية كثيرة من لجم أنانيات الأفراد والجماعات وجعل الانتصار للمشترك قيمة مجتمعية سامية. فحين يتحقق التعايش بين الميولات الفردية وضرورات العيش المشترك تتيسر سبل التعبير عن الطموحات الشخصية ويصبح المجتمع أكثر جاهزية لتقبلها والدفاع عن مشروعيتها. لذلك، تتطلب الديمقراطية في مثاليتها أمرين متلازمين على حد قول الفقيه جورج فيديلg.vedel :استقلال الفرد إزاء السلطة قدر الإمكان، وتملك الأفراد بمجموعهم هذه السلطة بالذات، و بصيغة أدق إن الديمقراطية هي التي " تتحقق فيها الحرية على صعيدين: حرية كل فرد ، أي سلطة تحديد نفسه بنفسه، وحرية المجموع، أي حرية الأفراد بأن يحددوا بأنفسهم نظام حياتهم المشتركة"11 ، ربما يبدو صعبا إن لم يكن مستحيلا الجمع بين طرفي ثنائية يبدوان في خط التعارض: حرية الفرد وسيادة المجموع. فمن أجل تحقيق ذلك يكون المجموع في أوكد الحاجة إلى إعمال قاعدة الإجماع وليس قاعدة الأكثرية، لأن الإجماع وحده كفيل بادراك مقصد الوفاق بين الفرد والمجموع، أي تحقيق الوحدة الكاملة بين الحاكمين والمحكومين، إذ يشترك الجميع في الحكم، ولا يطيع أحد غير نفسه مع ذلك."12

يصعب على صعيد الممارسة تجسيد قاعدة الإجماع. ففي مجتمعات مؤسسة على فلسفة الاختلاف في مظاهره المتنوعة الاجتماعية والسياسية والفكرية، وحتى اللاتنية واللغوية أحيانا ، يكون من قبيل الطوبي الانتصار لفكرة الإجماع، إذ بقدر ما يختلف الناس ويدافعون عن شرعية اختلافهم، بالقدر نفسه ينشدون الوفاق والتوفيق بين متناقضاتهم .لذلك، كان مفهوم المعارضة، أو "الحق في المقاومة" بتعبير "ج لوك" فاتحة عهد جديد في بناء السياسة والحكم وتدبير الشأن العام. لقد انسحب مفهوم الإجماع لصالح الأكثرية، التي لا تعني حكم الغلبة باسم الأغلبية، بل حكم الأكثرية باسم القانون، فالناس حين يمنحون أصواتهم بمحض إرادتهم، أي يفوضون سيادتهم لأكثرية، لايفوتون حقوقهم، فشتان ما بين التفويض والتفويت، إنهم يمنحون الأكثرية سلطة النيابة عنهم باسم القانون والشرائع المتوافق عليها، وقد كان "غرفيتش" محقا حين قال: "ليست الديمقراطية حكم العدد بل هي حكم القانون". ميزة النظم ذات الدساتير الديمقراطية أنها تحكم باسم الأكثرية دون التفريط في الأقلية (المعارضة)، فإذا كانت الأكثرية مالكة السيادة عبر التفويض، فإن للأقلية حقوقا مكفولةبالدستور وحكم القانون، ففي سياق من هذا النوع "تتحقق في المجتمع صورة اقرب ما تكون إلى حكم الفرد بالفرد والجميع بالجميع في وقت واحد"13، لعل أجود ما ابتكره الفكر الديمقراطي الحديث مواءمته بين الميولات الفردية الطبيعية في الإنسان، وضرورات العيش المشترك.

ب في معنى السيادة الشعبية وحدودها

يكتسي مصطلح "شعب" peuple معاني كثيرة، تختلف بحسب السياقات التي يوظف فيها. فالشعب ركن من أركان الدولة، وأحد دعامات نشوئها، إذ يتعذر ميلاد الدولة واكتساب الشرعية دون استنادها على جماعة بشرية متوفرة على حدة أدنى من التماسك والانسجام، ومع ذلك يتميز مصطلح "شعب" عن غيره من المفاهيم، كالأمة والسكان، أو الطائفة ، والزاوية، والعشيرة والقبيلة . فأفراد الشعب هم أحياء الأمة، يشكلون فرعا منها وتظل هي الأصل، فإذا كان من الصعوبة اليوم إقامة فواصل دقيقة ونهائية بين سيادة الأمة والسيادة الشعبية، فإن ثمة قيمة منهجية استوجبت إقامة فصل إجرائي بينهما، بغية فهم سياق التنازع والتعارض في التاريخ، واستنتاج الآثار الحقوقية المترتبة عنهما. فهكذا، لم يتردد أحد الذين مهدوا للثورة الفرنسية بأفكارهم وخدموا مشروعها السياسي بعد نجاحها عام 1789، "عمانويل جوزيف سييس"14 ، في توظيف مفهوم الأمة لجعل المشاركة السياسية مقيدة باعتبارات المال (الضرائب)، والجنس (المرأة) والسن ،والتعليم، فحيث أن أكثرية المواطنين في رأيه، "لا يتوفرون على التعليم والثقافة، ولا يملكون الوسائل الضرورية ليقرروا بأنفسهم في الشؤون العامة... ينبغي أن نكتفي منهم بأخذ رأيهم في تعيين النواب الذين هم أقدر الناس على اتخاذ القرارات، وبذلك يمكن لأولئك الذين لا يتوفرون على الأهلية لمزاولة شؤون الحكم أن يمنحوا ثقتهم إلى مواطنين آخرين هم أدرى بالصالح العام وبتأويل الإرادة الشعبية"15. بيد أن فكر "سييس" ، وبعض الذين ساندوا أطروحته، سرعان ما انتقد وتمت الدعوة إلى تجاوزه بالانتصار لنظرية السيادة الشعبية على خلفية توسيع دائرة المشاركة ورفع الشروط المقيدة لها، وفي هذا الصدد تقدم كتابات ج ج روسو دفاعا متميزا عن هذا المنحى، على الرغم مما يلف أفكاره من غموض والالتباس وتعقيد أحيانا16 .

تنهض أطروحة روسو ذات الشأن، كما تضمنها مؤلفه "العقد الاجتماعي" (1762)، على فكرة مفصلية تدور حول الرغبة في الوحدة. فبمقتضى العقد الاجتماعي يندمج الأفراد في الجماعة، ليكونوا شخصا جديدا هو "الإرادة العامة"، أو على حد قوله "كل منا يضع في الشراكة شخصه وكل قدرته، تحت سلطة الإرادة العامة، ونحن نتلقى ككل، أي كجسم، كل عضو وكأنه جزء لا يتجزأ من الكل. كل شريك يتحد مع الكل ولا يتحد مع أي شخص بشكل خاص، إنه لا يخضع هكذا إلا لذاته ويبقى حرا كما في السابق.." 17 فكأننا به يقول إن الشعب الذي توحد بطواعية وكامل السيادة، هو في الوقت ذاته سيد نفسه، حجته في ذلك حريته التي لم يفقدها في سياق إبرامه العقد الاجتماعي وتكوين الإرادة العامة، وهو ما نبه إليه بالقول: "والشعب الحر يطيع ولكنه لا يسترق، له رؤساء وليس له أسياد. يطيع القوانين، ولكنه لا يطيع إلا القوانين، وهو بقوة القوانين لا يطيع البشر"18 .

يتضح من المقطع أعلاه مدى الربط الذي يقيمه " روسو" بين "الحرية" و "المساواة" مختلفا مع ج . لوك الذي أقرن الحرية بالملكية، وجعل هذه الأخيرة شرطا للحرية ووسيلة للتمتع بها. لذلك، كان انحيازه للسيادة الوطنية، خلافا لروسو الذي انتصر للسيادة الشعبية. بيد أن روسو لا يكتفي بالربط بين الحرية والمساواة، بل يعتبر تكوين المجتمع السياسي (الدولة ومؤسساتها) من صنع الأفراد وإنجاز إراداتهم . فالشعب عنده "حصيلة مجموع الأفراد والمواطنين الموجودين فوق تراب دولة ما.وأن كل واحد منهم يملك في السيادة قسطا معادلا لقسط نظيره ."، من هنا كان ميله إلى أنظمة الحكم المؤسسة على قاعدة سيادة الشعب عبر مشاركة أوسع مكوناته، وليس الأمة مجسدة في نوابها وممثليها.

2- بصدد النتائج المترتبة عن أيلولة السيادة للشعب

يترتب عن ايلولة السيادة للشعب أن يصبح أفراده مالكي السلطات ومصدرها. فالسيادة الشعبية تفضي بالضرورة إلى الحكم المباشر، أي أن يتولى الشعب حكم نفسه دون وسيط يتدبر أموره بالنيابة عنه، إن مثل هذا النظام هو الصورة المثلى للديمقراطية ، والحال أنه ظل طوبى في التاريخ، أو تحقق في حالات محدودة جدا، قد لا تصلح نموذجا للإحالة والاسترشاد19 . مقصد القول في هذا المقام، أن ارتكازالدستور الديمقراطي على قاعدة أن "الشعب صاحب السيادة ومنبع السلطات"، يراد منه بناء شرعية السلطة على مبدأ المشاركة والقبول الطوعي والإرادي ، فحين يتحقق ذلك، وتغدو السلطة في منأى عن كل أشكال الاغتصاب، يختار المحكومون طرق التعبير عن سيادتهم ،بما تسمح به ظروفهم وأوضاعهم العامة. فقد يجنحون إلى اعتماد آليات الحكم المباشر الذي يعد الشعب مناطه، أوقد يرجحون طرق الحكم غير المباشر، الذي دون أن يجرد الشعب من أحقيته في السيادة والسلطة يسمح له بتفويض أمره لمن يراه جديرا بالنيابة عنه،وفي كل الحالات أصبحت خطوط التمييز بين نمطي السيادة إجرائية أكثر منها قطعية، بل إن العديد من الدساتير تنص على النوعين معا في أحكام وثائقها.20

في معنى الوكالة الإلزامية

تستمد نظرية "الوكالة الإلزامية" mandat impératif " أسسها من مقتضيات القانون الخاص، حيث تنشأ علاقة تعاقدية بين "الموكل" و "الوكيل" يسمح بواسطتها للثاني بالتصرف في أمور الأول ولحسابه، شريطة أن يبقى الوكيل خاضعا للموكل وتابعا لرغباته ومصالحه.21 فأخذا بهذه النظرية يكون "الناخبون في وضعية من يصدر مسبقا تعليمات ملموسة وأمرية، أي يحدد الناخبون القرارات التي يتحتم على الناخب أن يتخذها وكذلك الاتجاه الذي ينبغي أن يظل متمسكا به،.."22 مما يعني أن على النائب أو الوكيل أن يرتبط بالناخب أو الموكل بمجموعة من الواجبات تفقده كل استقلاليته لأداء وظيفته وممارسة نشاطه.فالنائب ،في هذه الحالة، لا يمثل الوطن ككل، بل الدائرة التي انتخبته، مما يعني أنه ملزم بحدود الدائرة التي صوتت عليه واختارته بهذه الصفة ، وكل خروج عن هذا الإطار يكون تحت طائلة المحاسبة التي قد تصل حد الإقالة، كما هو معتمد صراحة في العديد من الدساتير23

ب-حول قاعدة التفويض

يختلف التفويض عن التفويت في احتفاظ المفوض بحقه كمالك أصلي للسلطة، في حين يفضي التفويت إلى انتقال الحق من شخص إلى آخر كما تنتقل الملكية أو ما شابهها. فالمفوض له ليس مالكا للسلطة ، إنه ممارس لها بما قضت به اتفاقات التفويض.. ربما كانت نظرية التفويض أكثر النماذج إجرائية لاستحالة إدراك الديمقراطية في صورتها المباشرة. لذلك، ارتبطت فكرة التفويض بنمط الحكم التمثيلي،حيث "تمثل الأمة في ممارسة السيادة هيئات منتخبة تفوض بممارسة سلطات الدولة ، فالشعب في هذا الحكم لا يتخذ مقرراته بنفسه وإنما يسمي الذين يقررونها مكانه وباسمه، ويكون عمله انتخابيا محضا24".

تجدر الإشارة إلى أن نقد أطروحة السيادة الوطنية، المؤسسة على مفهوم الأمة، كان مرده احتراز أنصار هذه النظرية من فكرة المشاركة السياسية الواسعة وسعيها إلى إحاطتهابقيود وموانع متعددة كما أسلفنا القول. بيد أن تقدم الممارسة الديمقراطية وترسخ آلياتها، وتراكم الثقافة السياسية المعبرة عنها ، ساعد على قبول أن تفوض الأمة سلطاتها لاستحالة ممارستها مباشرة من الناحبتين العملية والموضوعية، ويمكن القول أن الإصلاحات العميقة التي طالت النظم الانتخابية البريطانية خلال أواسط القرن التاسع عشر دفعت في اتجاه لاستيعاب التدريجي لقاعدة التفويض وإقرار مفهوم التمثيلية la représentation .

يقضي مبدأ التفويض أن تسري أثاره على ممارسته وليس على أصله. فالقاعدة أن تبقى السيادة لاصقة بالأمة ولا يمكن النزول عنها، فلها حق تعديل التفويض متى شاءت، أو توقيفه أو إنهائه بمحض إرادتها كلما شعرت بوجود ضرورة أو حاجة إلى ذلك. لعل الذي يمنح تفويضا السلطة طابعه الحقوقي بأسلوب التمثيل، ومؤاده أن أعمال ممثلي الأمة المنتخبين لا تعبر عن إرادتهم بل عن إرادة الأمة، ولا تجري لمصلحتهم بل لمصلحة الأمة"، غير أن مبدأ التمثيل وإن كان يقترب في مدلوله في الحقوق الدستورية من الوكالة في الحقوق الخاصة، فإن ثمة ما يجعلهما مختلفين،إذ يستمد الممثل المنتخب شرعيته من سلطة الاقتراع،وإن ذهب اتجاه في الفقه الدستوري إلى أن العلاقة بين الناخب والمنتخب هي نفسها الموجودة بين الوكيل والموكل، مما يعني أن هناك وكالة شخصية وأمريه تلزم كل نائب بالارتباط بدائرته. ففي الواقع لم يجد هذا الاتجاه ما يسنده داخل الفقه الدستوري، حيث رجحت الغالبية أن يكون للوكالة (التفويض) مدلول في الحقوق العامة مختلف عما هو عليه في الحقوق الخاصة، وقد تم تفسير ذلك بأن "الوكالة تعطى من الأمة بمجموعها إلى البرلمان بمجموعه، على الرغم من تجزئة الانتخاب على دوائر انتخابية بدافع الضرورة العملية، وهي بذلك تكون تمثيلية لا أمرية أو إلزامية، يتحول النائب من خلالها ناطقا باسم الأمة ككل وإن حظي بتصويت الناخبين في دائرته المحدودة والمحددة.

فهكذا ، تبدو أهمية أن تكون السيادة لشخص اعتباري معنوي، أكان الأمة بالمعنى الواسع، أم الشعب كفرع منها، وليس لفرد طبيعي بعينه، أكان ملكا أم أميرا أم حاكما بصفات أخرى. فحين تتجسد السيادة في الأمة أوفي الشعب، يكون الولاء لشخص اعتباري مجرد، يدين له الجميع، فتكون العلاقة عندئذ مبنية ليس على الامتيازات التي يهبها الحاكم، باعتباره شخصا طبيعيا، ولكن مؤسسة على نظام المواطنة الذي يجعل الناس متساوين قانونيا في الحقوق والواجبات. إن مسيرة الديمقراطيات الحديثة حبلى بمثل هذه النماذج التي انتقل فيها الناس من الولاء لشخص إلى الولاء للأمة، فحققوا بذلك مواطنتهم، ونزعوا عنهم صفة الرعية. لقد اخترقت روح الثورة الفرنسية(1789) قطيعتان :قطيعة استبدال الولاء لشخص الملك بالولاء للأمة (مات الملك عاش الملك)، وقطيعة إحلال المواطنة موضع الرعية..وفي الظن أن مثل هذه الروح هي التي أذكت جذوة التغيير في فرنسا وفتحت أفق التطور نحو بناء جديد للسلطة والحكم والمؤسسات.

 

 

الثقافة الديمقراطية

سيكون مجديا التمييز بين الديمقراطية كآلية، والديمقراطية كثقافة. فعبر الأولى تتحول الديمقراطية إلى وسيلة أو أداة، وبواسطة الثانية تغدو سيرورة processus ، والحال أن هناك فرقا بين الألية    mécanisme  و "الثقافة  culture .فإذا كانت الأولى وسيلة إجرائية لإدراك شيء ما أو تنفيذه، فإن الثانية ، بما هي عملية ذهنية، محرك أساسي للإنتاج، إنتاج الأفكار والمفاهيم الكبرى، "التي من شأنها أن تجعل المجتمع في حركة دائمة، كإنتاج الديمقراطية والايديولوجيا والدولة والاقتصاد والمفاهيم المتصلة بالسوق، ومفاهيم الحرية والمساواة والعدل، والأطر المنظمة للحياة من قوانين وتشريعات، ودساتير، ونحو ذلك مما يعتبر أسسا أولى في حركة أي مجتمع من المجتمعات70. لذلك، يتعزز التداول بالثقافة الديمقراطية، ولا يستقيم بالديمقراطية كآلية.

ا- في الحاجة إلى نهضة فكرية لانبثاق الثقافة الديمقراطية

تيسرت لميلاد الثقافة الديمقراطية وإنغراسها في بنيان المجتمع جملة شروط من ضمنها وجود تيارات فكرية داعية وداعمة لها.فالثقافة، بما هي التعبير العميق عن طموحات المجتمع وتطلعاته وأساليب عيشه ووجوده، لا تبرز وتكتمل دون وجود من يتحمل مسؤولية تأصيلها وتفعيد اسسها، بالتنظير والاجتهاد والسعي الدؤوب نحو الكمال.ففي الغرب - حيث شكل، بامتياز، حقل الإحالة في هذه الدراسة – تدين ثقافته الديمقراطية لشروط متعددة في صدارتها دور الفكر والمفكرين وطبقات العلماء في صياغة أسس المجتمع وتطلعات أفراده. فهكذا ، شكلت النظرية العقدية على سبيل المثال قطيعة نوعية مع الفكر القروسطي، حين أخرجت السياسة وما يرتبط بها من إشكاليات من دائرة الغيب والميتافيزيقا وربطتها بالإنسان ومحيطه. فالحاكم بشر يختاره الناس بإرادتهم الحرة، والسلطة معطى موضوعي يصنعها الناس ويرسمون حدود ممارستها. فمنذ عهد "ماكيافللي" لم تعد السياسة ملتبسة مع الأخلاق والدين وما يندرج ضمنهما، كما لم تعد السلطة أمرا هلاميا غير قابل للفهم والاختراق، فقد غدت ظاهرة جديرة بالفهم استنادا إلى قوانين وقواعد اجتهد العقل البشري في ابتكارها واثبات حجية صدقيتها.تكمن قيمة الفتوحات الفكرية المؤسسة للثقافة الديمقراطية في استعادة امتلاك الإنسان إرادته في تدبير شؤونه العامة، بعدما غابت أو غيبت عنه لقرون، فكما لم تعد الطبيعة لغزا محيرا ومخيفا بفضل الاكتشافات العلمية، كذلك لم تعد الدولة قوة قهرية تمارس السلطة بغير حق، وتتمادي في الشطط دون مساءلة أو محاسبة. فقد كان قدر "مونتسكيو" أن يخصص جزءا يسيرا من حياته الفكرية ليثبت أن "الحرية السياسية أم الحريات"، وإنها واسطة العقد، بتحققها تتحقق الحريات الأخرى، والأمر نفسه، دافع عنه آخرون، كسبينوزا في موضوع "التسامح"، وهيجل عن "المجتمع المدني" و "دوتوكفيل" عن أهمية أن تبنى الديمقراطية من الأسفل عبر المشاركة القاعدية للمواطنين.

ب-في اكتمال بناء الدولة ونضجها تتيسر الثقافة الديمقراطية

تشكل الدولة مدرسة السياسة بامتياز، يتعلم الأفراد في كنفها أبجديات التنظيم، والتعايش المشترك والبناء الجماعي، ويتشبعون في نطاقها بقيم الحوار والاختلاف والتسامح، ويؤصلون في إطارها مبدأ المواطنة ، ويعقلون مضمونه ويتمثلون أبعاده السياسة والحضارية. لذلك، حين تعذر تاريخيا على بعض الشعوب تشييد دولة بهذه المواصفات، صعب عليهم تطوير الممارسة ومراكمة الخبرة بخصوص قضايا الاجتماع السياسي. بيد أن الدولة هنا غير مفصولة عن البنيان المجتمعي والقوى النسقية المهيمنة، فما بين الدولة والمجتمع علاقة مفصلية لفهم انبثاق الثقافة الديمقراطية من عدمها.

لقد شكل بناء الدولة القومية الحديثة في أوربا (ق.16) تاريخا نوعيا على صعيد إعادة صياغة البنى المجتمعية العامة. فعلاوة على التطور الحاصل في الاقتصاد وما يرتبط به من مفاهيم وآليات، نجح العقل في استعادة مكانته المركزية في تنظيم حياة الناس وتدبير شؤونهم، ولم يعد لغيره من سلطان لاختراق وعيهم الجمعي ، فبالعقل دشنت الدولة القومية الحديثة التفكير في السياسة بما هي فن تدبير المصالح وتيسير شروط العيش المشترك، وفي هذا السياق، يجدر التنبه إلى الدور المركزي الذي لعبته الطبقة الوسطى (الرأسمالية لاحقا) في ترسيخ بنى الدولة وتقعيد أسسها ومؤسساتها. لقد شكلت رافعة حقيقية لسيرورة البناء الجديد، كما نجحت في نسج أوصال الالتحام الذي منح الدولة قوة التماسك وإرادة الاستقرار والاستمرار، علما أن رحلة البناء لم تكن هينة ودون كلفة ، فقد قدمت المجتمعات الاوروبية ثمن اكتمال بناء الدولة ونضج روحها العامة، فكانت النتيجة أن رسمت خطوط العيش داخل الدولة وفي كنفها، وتحققت للأفراد إرادة الدفاع عن هذه الأخيرة ككيان للعيش المشترك دون أن يحرموا، أو يمنعوا، من ممارسة حقهم في الاختلاف. وبمفهوم المخالفة، شكل عدم إكتمال بناء الدولة، وضعف نضجها، وسقم عودها أن غدت مؤسسة هلامية، و مفهوما ملتبسا عصيا على الإدراك والمعايشة، وفي هذا الصدد كان عبد اللهالعروي محقا حين ميز بين دولتين: "الدولة الضرورة "و"الدولة الاسطورة، لينتصر للأولى وينبذ الثانية قائلا: "من يتكلم عن التربية، التي تجعل من الإنسان الحيواني إنسانيا أو التي تفتح عين الفرد على الغاية التي من اجلها يعيش، يتكلم حتما عن الدولة. كل مربي لابد له من مربي والدولة هي مربية المربين. العقل اكتساب لدى الطفل ولدى الرجل الراشد، القيمة العليا مهما كان مصدرها، تلقن ، التلقين يرتكز على النفوذ، النفوذ ينتهي في آخر التحليل بالدولة. هكذا، نجد كل الأنبياء والرسل والمعلمين يدخلون، بعد حين يطول أو يقصر، هم أنفسهم أو بالنيابة حيز الدولة. ليس هناك معارضة بين الدولة والمصلح بل بين دولتين، الأولى مستقرة، والثانية مستجدة حسب تعبير ابن خلدون".71 ففي الظن أن حكم صاحب المقدمة على واقع الدولة في المجال العربي الإسلامي لازال مستمرا، وأن الدولة العربية الحديثة في حاجة إلى قدر يسير من الإكتمال والنضج كي تغدو مدرسة السياسة بامتياز، وتصبح إطارا مشتركا لاستيلاد الثقافة المنتجة للديمقراطية.

 

 

التداول السلمي على السلطة

يقصد بـ "التداول" أو "التعاقب" على السلطة تلك العملية التي تسمح للشيء بحلول بديل محله، ويجعل الشخص يعقب نظيره في المسؤولية، والإدارة، والقيادة. فمنطق التداول أو التعاقب ينبذ الجمود، والديمومة على خط المماثلة، ويحبذ، بالمقابل، التجديد في الأفكار والممارسات والسلوكات. لذلك، تأسست ثقافة التداول في الدول التي تأصلت فيها الظاهرة، واستقرت، وانتظمت في التجربة على قاعدة الاعتراف بشرعية الاختلاف، الذي يكفله وجود أغلبية ومعارضة، ويضمنه الحوار المتبادل، وتصونه إرادة المواطن الحرة والمسؤولةفي حسم اختياره والدفاع عن نتائجه، وتحمل تبعاته. فبقدر ما للأغلبية من مشروعية التوجيه، والقيادة والإدارة، بالقدر نفسه للأقلية حق المساهمة في الملاحظة، والنقد والتعبير عن الراي الحر.. إن الذي أعطى للتداول السلمي على السلطة شرعية الوجود، وحتمية التحقق والانجاز، كون الحوار بين الأغلبية والمعارضة موجودا، ومطلوبا، ومستندا إلى قواعد محددة لعب التاريخ والتسويات والتوافق دورا مركزيا في إقرارها وتكريسها على صعيد الممارسة.

1-في ضرورة التعددية لتحقق التداول

يقتضي التداول على السلطة وجود تعددية سياسية مؤسسة على قيم الحوار، والتنافس، والاعتراف المتبادل. فالتداول، من حيث كونه انتقالا للسلطة من طرف إلى آخر، لا يتحقق ويعطي مفعوله دون وجود قدر من التنافس الذي يجعل التناوب بين الأغلبية والمعارضة ممكنا على صعيد الممارسة.

(أ)-حول الشروط الواجبة في التداول

يعتبر المعجم الدستوري التداول ممكنا في الديمقراطيات التعددية دون سواها، حيث تجري الانتخابات العامة بشكل دوري و منتظم بواسطة الاقتراع العام الحر والنزيه66 .بيد أن ثمة شروطا لازمة لتحقق إمكانية التداول السلمي على السلطة.

**يتعلق الشرط الأول بوجوب تحقق توافق بين الفاعلين السياسيين حول سير المؤسسات وطريقة عملها، بما في ذلك السياسة الداخلية والخارجية وضمان ديمومة واستمرار الدولة.

يستمد مفهوم التوافق شرعيته من أهميته المفصلية في جعل إطار المنافسة محددا، واضحا، وشفافا، كما يكتسي مركزيته من الدور المنوط به في إلزام الجميع على احترام شرعة الاتفاقات المبرمة والالتزام ببنودها ومقتضياتها.فحين يتحقق شرط التوافق على قواعد اللعبة السياسية، يسهل التداول، بما هو عملية سلمية للتعاقب على السلطة بين الأكثرية والمعارضة، غير أن غيابه، أو عدم تحقق شرط الالتزام به إن كان موجودا ومدونا، يفضي إلى اغتصاب السلطة والإبقاء عليها بكل الوسائل المادية والرمزية التي تحت سيطرة ممارسي حكم الغلبة.

ليست قواعد اللعبة شيئا مجردا، أو أمرا مستحيل المنال، إنها أولا وقبل كل شيئ الدستور وما يتضمن من مقتضيات وأحكام، ثم الممارسات التي تكونت بالتدريج في المجتمع فأصبحت أساس ثقافته السياسية، تؤطر سلوك الناس وترشدهم، وتثري وعيهم السياسي والمدني.فحين يقبل الناس عن طواعية قيمة الحوار ويلمسون نتائجه في حياتهم العامة تزداد ثقتهم في حجية القوانين وفعلية المؤسسات، فيتضاعف حرصهم على احترامها وصيانتها، بل ويتعمق استعدادهم للتضحية من أجل ديمومتها، وإذذاك فقط تتحقق المصالحة المنشودة بين المجتمعين السياسي والمدني، علما أن ذلك لا يحول دون ممارسة الاختلاف في تشخيص المصالح وانتقاء طرق الدفاع عنها. غير أن التجربة أكدت، بما لا يترك مجالا للشك، أن غياب وجود التوافق حول قواعد اللعبة يفسد العملية السياسية، ويعرض مشروعية الفاعلين للتآكل، ويقوي نزعات التبرم من الدولة ومؤسساتها، ويضعف قوة الاقتناع بقيمة التشريعات والقوانين في الضبط والتنظيم والتعايش.

**يرتبط الشرط الثاني بوجود حياة حزبية مستقرة، منتظمة، ومؤسسة على ثقافة المشاركة. فإذا كانت الثنائية الحزبية bipartisme حالة مثلى لتحقق التداول السلمي على السلطة، فإن غيابها لسبب أو لآخر، يستلزم قيام تقاطب bipolarisation للقوى السياسية المتنافسة. تكمن القيمة الاستراتيجية لهذا الشرط في مكانة الأحزاب ودورها المركزي في تنشيط واستقامة الحياة السياسية. فغير خاف العلاقة التلازمية بين الأحزاب والعملية الديمقراطية، وفي صدارة تعبيراتها التداول السلمي على السلطة. فبقدر ما ساعد ترسخ فكرة الديمقراطية في النظم السياسية المعاصرة على تنمية الفعل الحزبي وتطويره وتقويته، بالقدر نفسه إنعكس الأداء الحزبي المنتظم، المستقر، والمؤسس على روح التنافسية على صقل الديمقراطية وتعميق الوعي بها. فمن الملاحظ ،على سبيل المثال ، أن بريطانيا، وهي نموذج لظاهرة الثنائية الحزبية، وإن لم تكن فكرة الحزبية منتشرة وممتدة داخل حقلها السياسي حتى بداية النصف الأخير من القرن التاسع عشر، فإن الإصلاحات العميقة التي طالت المنظومة الانتخابية عامي 1832 و1867، ساهمت بشكل كبير في إطلاق ديناميةالفعل الحزبي نتيجة إزالة جزء مهم من الموانع التي حالت لعدة عقود، دون توسع الجسم الانتخابي وجعله قادرا على المشاركة الفعلية والفعالة، فحتى صدور كتاب "جون ستيورات ميل "حول" الحكم التمثيلي عام 1861 ، لم تقع الإشارة على نظام الأحزاب في الكتابات الدستورية والسياسية البريطانية 67 .

تجدر الإشارة إلى أن التداول السلمي على السلطة لا يرتهن تحققه بالثنائية الحزبية، بل يمكن أن يتحقق في حقل سياسي موسوم بالتقاطبات والتحالفات الحزبية، كما هو حاصل في العديد من النظم السياسية، فقد قدمت التجربة الفرنسية نماذج من التداول غير المؤسس على حزب أكثري 68 ، كما هو الشأن في بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية، بل على تحالفات متمحورة حول حزب مدعوم بأحزاب قريبة من فكره وإستراتيجيته السياسية. وإذا كان التداول الحاصل في إطار الثنائية الحزبية يتيح لحزب الأغلبية قدرا كبيرا من الحرية في صياغة برنامجه، وتشكيل جهازه الحكومي، والارتكاز على غطاء برلماني مريح، فإن التداول المنبثق عن تقاطبات أو تحالفات حزبية يستلزم قدرا كبيرا من التوافق حول إدارة سلطة التداول انطلاقا من تكوين الحكومة وصياغة برنامجها، وحتى التنسيق مع فرق الأغلبية البرلمانية. مقصد القول أن وجود أحزاب مهيكلة، مستقرة ومنتظمة، ومستقلة عن الدولة ومؤسساتها شرط وجوب لتحقق إمكانية التداول على السلطة، كما أن غيابها يحول دون دوران السلطة ويشجع على الاستبداد بها.

**يتعلق الشرط الثالث بمكانة المعارضة والضمانات الممنوحة لها كي تصبح هي الأخرى أغلبية حاكمة. فالديمقراطية، بما هي نقيض حكم الغلبة، لاتستقيم على وجود أغلبية حاكمة، وإن استمدت شرعيتها من انتخابات حرة ونزيهة، بل تكتمل بوجود معارضة قادرة على التعبير عن رأيها والسعي إلى إقناع المواطنين برجاحة موقفها. تلعب المعارضة في النظام الديمقراطي دورا لا يقل أهمية عن دور الأغلبية الحاكمة. لذلك، يكفل لها الدستور والتشريعات والقوانين حقوقا تحافظ على كيانها المستقل، ويفتح لها باب الاجتهاد في النقد والمعارضة والتقويم ، فهي بمعنى ما تتكامل مع الأغلبية وتختلف عنها.

ليست الديمقراطية، كما قال "غرفيتش" "حكم العدد بل هي حكم القانون". لذلك ، يتطلب وجوبا التمييز بين الديمقراطية كآلية والديمقراطية كثقافة، فحين يعتد بالأغلبية كأسلوب في الحكم والسلطة مجردة عن بعدها الثقافي والقيمي تتحول إلى أداة لشرعنة الاستبداد وحكم الغلبة، والحال أن الأغلبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع لا تستقيم وتصبح مشروعة إلا عندما تتواصل مع التعاقد والتوافق اللذين يشكلان زادها الثقافي ومرجعيتها السياسية. مقصد القول أن الأغلبية ليست سيفا مسلطا، بل أكثرية رجحتها العملية الانتخابية التنافسية لتحكم وفق قواعد اللعبة المتوافق والمتفق عليها، وفي صدارة ذلك ضمان حقوق المعارضة (الأقلية) وصون وجودها، والمحافظة عليها مشاركة بالنقد والاعتراض والدفاع عن حق الاختلاف.

 

ب في أهمية الانتخابات التنافسية لتحقق التداول

تعتبر الانتخابات التعددية أساس التداول ومناطه، فمن غير الممكن تصور تحقق التعاقب على السلطة خارج مدار الانتخابات التنافسية، بل إن التصويت الحر والمستقل والتنافسي هو الذي يمنح التداول مشروعيته الدستورية والسياسية. لم يكن ممكنا توسيع دائرة الانتخابات وتعزيز بعدها التنافسي لو لم يترسخ النظام التمثيلي ويتعمق مفعوله. ففي هذا النظام يختار الناس بمحض إرادتهم ممثلين لهم رقباء بجانب الحكام، بل قد يصبحون هم أنفسهم حكاما، وليس مجرد ناطقين باسم المواطنين. فهكذا، فتح النظام التمثيلي، المؤسس على قاعدة الانتخابات، إمكانية تطوير فكرة التنافسية وصقل أساليبها الإجرائية، وقد اكسبته التجربة ميزتين أساسيتين في صيرورته نظاما أصيلا في الديمقراطيات الأوروبية والغريبة الحديثة.

*تتعلق الميزة الأولى بكون الانتخاب لم يتحول إلى عقد وكالة بين الناخب والمنتخب، أي لم يترتب عن التصويت نشوء ما يشبه الوكالة الالزامية بين الطرفين، فحين يدلي الناخب بصوته عن طواعية وحرية ويساهم في تعزيز فوز المترشح، لا يتولد بالضرورة لدى المنتخب شعور بوجود علاقة إلزامية، هي في حكم العلاقة بين الوكيل والموكل في العقود المدنية، مما يعني تحلل المنتخب من أية رابطة إلزامية مع من انتخبوه.. فهل يفهم من ذلك أن العلاقة بين الطرفين تنقطع بمجرد الإعلان عن نتائج الانتخابات؟.

ميزة الانتخابات التنافسية المؤطرة بالثقافة الديمقراطية أنها وإن لم تولد علاقة عقدية إلزامية بين الناخب والمنتخب، فإنها تؤسس على توافقات مسبقة بين الطرفين، عبر البرامج الانتخابية، والوفاء المتجدد بالخطوط المفصلية لهذه الأخيرة، كما تعزز بالوعي المستمر واليقظ من جانب الجسم الانتخابي نفسه، عبر مواكبته ومتابعته لأداء المنتخب، ومن خلال مراقبته المعنوية له، إذ يكون الجزاء- في حالة التنكر للعمليات الرضائية التي تتم بين الناخب والمنتخب، والتي لاتسفر بالضرورة عن عقود بينهما، -عدم تجديد التصويت عليه أو على حزبه، وهذا ما يساهم في تحقق التداول السلمي على السلطة عبر انتقال المعارضة إلى أغلبية دائمة وتحول هذه الأخيرة إلى معارضة ضاغطة.

*ترتبط الميزة الثانية ب "التنافسية" compétitivité نفسها، التي "تقتضي إختيارا فعليا حرا من قبل الناخبين أو البرامج التي ينتمي إليها المرشحون"69 .

تستمد "التنافسية" مشروعيتها من الثقافة الديمقراطية المؤطرة لها . فجوهر التنافسية وجود فرقاء متعارضين ومختلفين في التصورات والبرامج والاستراتيجيات، غير أنهم متراضون حول قواعد اللعبة السياسية وحدودها. فقد أثبتت التجربة كم كانت كلفة إنجاز مسألة التوافق والتراضي غالية وكبيرة. فقد كان على الفرنسيين أن يعيشوا قرابة قرن (1789-1884) من الصراع كي يصلوا إلى توافق حول نظامهم السياسي، أي الجمهورية والقيم المؤسسة لها. كما نحت البريطانيون بنيان نظامهم بالتدريج منذ انتزاع النبلاء حق مشاطرة الملك التشريع وسن الضرائب، وتدوينه في شرعة "الميثاق الأعظم" Magna charte عام 1215، وحتى استقامة دعائم البرلمانية الديمقراطية. مقصد القول أن "التنافسية" ثقافة وسلوك قبل أن تكون وصفة أو شعارا، لذلك، تحتاج إلى عامل التدرج في الزمن، كما تستلزم منطق الحلول القصوى، أي القطيعة مع كل ما من شانه أن يبخس مضمونها أو يحولها إلى يافطة لا معنى لها ولا روح.

فمن الجدير بالأهمية التنبه إلى استحالة التوفيق بين "التنافسية" و "الإجماع" unanimité ، لانتساب المفهومين إلى حقلين مرجعيين مختلفين . ففي السياسة، حيث ينتعش صراع المصالح، يكون عصيا على الإجماع أن يتحقق، إذ أكثر ما تسمح به ثقافة الناس، حين تكون ديمقراطية، أن يبحثوا عن التوافقات لإدراك المشترك، والحال أن التجربة أكدت، بما لا يدعو إلى الشك، أن الإجماع في السياسة مفسدة لها ومضرة بها. ميزة الثقافة الديمقراطية أنها لا تلغي التناقضات المتأصلة في المجتمع، كما لا تتنكر لها، غير أنها تجتهد في تأطيرها والبحث على السبل الكفيلة بترشيدها وخلق فضاءات للتعايش بين أطرافها. ولربما قدمت تجربة وسط وشرق أوربا مثالا عن محدودية مقاربة معالجة التناقضاتفي المجتمع باعتماد منهجية الفكر الواحد، والرأي الواحد، وبالنتيجة الحزب الوحيد.

 

الانتخابات الديمقراطية

د/ عبدالفتاح ماضي

 

تمهيد:

تشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من بليون شخص في العالم يُدلون بأصواتهم في انتخابات ديمقراطية تنافسية لاختيار حكامهم وممثليهم في مؤسسات صنع السياسات واتخاذ القرارات.[1] فبعد موجات التحول الديمقراطي التي شهدها العالم في العقدين الأخيرين من القرن العشرين تُجرى معظم دول العالم انتخابات من نوع ما، بيد أن نحو نصف دول العالم فقط تشهد انتخابات توصف بأنها ديمقراطية وتنافسية. أما بقية الانتخابات فلا توصف بذلك،[2] إذ طوّر الحكام أدوات وأساليب للتلاعب في عملية الانتخابات - أو ما يسمى في أدبيات السياسة "technology of manipulation" - بغرض تحقيق مقاصد غير تلك التي تُرجى من الانتخابات الديمقراطية، وعلى رأسها الحصول على الشرعية أمام الجماهير والتخفيف من حدة الضغوط المطالبة بالإصلاح واحترام حقوق الإنسان في الداخل والخارج. وفي المنطقة العربية لم تؤد الانتخابات التي تجريها بعض أنظمة الحكم إلى انتقال ديمقراطي واحد، ناهيك عن تحول ديمقراطي حقيقي.[3]

وقد أفضى استخدام الانتخابات والتعددية الحزبية الشكلية إلى تجاوز التقسيم التقليدي لنظم الحكم (نظم ديمقراطية بنماذجها المختلفة مقابل كل من النظم التسلطية والنظم الشمولية بأشكالهما المختلفة)، وظهور أشكال عدة لتصنيفات جديدة، حال "الديمقراطية الزائفة" "pseudo democracy " ، أو "النظم المختلطة" "hybrid regimes"، أو "النظم شبه الديمقراطية" "semi-democracy"، أو "التسلطية الانتخابية" "electoral authoritarianism" أو "التسلطية التنافسية" "competitive authoritarianism".[4] 

ونظراً لأن آلية الانتخابات تستخدم في النظم الديمقراطية والتسلطية والشمولية لتحقيق مقاصد ووظائف متباينة، فإن هذه الورقة تستهدف الوقوف على المعايير التي يمكن من خلالها التفرقة بين الانتخابات الديمقراطية التنافسية وبين غيرها من الانتخابات التي لا يمكن وصفها لا بالديمقراطية ولا بالتنافسية. إن تحقيق هذا الهدف يمثل معياراً أساسياً من معايير التمييز بين النظم الديمقراطية وغيرها من النظم غير الديمقراطية وذلك بالنظر إلى أن آلية الانتخابات أضحت من أبرز الآليات التي يلجأ لها الحكام المستبدون في عالمنا المعاصر. إن التفرقة بين الانتخابات الديمقراطية والانتخابات غير الديمقراطية تحدد الحد الأدنى الذي على نظم الحكم الوصول إليه حتى يمكن وصفها بالديمقراطية، أو – على أقل تقدير – النظر إليها على أنها في طريقها إلى الديمقراطية.   

 مفهوم "الانتخابات الديمقراطية":

يحتل مفهوم "الانتخابات الديمقراطية"، عند كثير من الباحثين، موقع الصدارة في النظم الديمقراطية وذلك منذ أن عرّف جوزيف شومبيتر الديمقراطية على أنها مجموعة من الإجراءات والمؤسسات التي يستطيع الأفراد من خلالها المشاركة في عملية صنع القرارات السياسية عن طريق التنافس في انتخابات حرة.[5] وعلى الرغم من اهتمام الكثيرين بهذا المفهوم عند حديثهم عن الديمقراطية، إلا أنه لا يوجد، حتى اليوم، تعريف متفق عليه بين المهتمين بالانتخابات، أو مجموعة من المعايير القاطعة التي تُحدد معالم الانتخابات الحرة والنزيهة، كما لا يوجد منهجية واحدة يمكن من خلالها وضع مؤشرات محددة وشاملة للانتخابات الديمقراطية.[6]

لقد وضع روبرت دال الانتخابات الحرة والنزيهة ضمن الشروط السبعة للشكل الديمقراطي من وجهة نظره، غير أنه لم يُقدم تعريفاً تفصيلياً للانتخابات الحرة والنزيهة، مؤكداُ على ضرورة أن يسبق إجراء تلك الانتخابات مجموعة من الحريات والحقوق الديمقراطية، معتبراً أن الترتيب المنطقي للأمور يأتي على النحو التالي: حرية الحصول على المعلومات من مصادر متعددة - حرية التعبير – حرية التنظيم وتشكيل مؤسسات مستقلة – إجراء انتخابات حرة ونزيهة. أي أن الانتخابات الحرة والنزيهة هي "ذروة الديمقراطية وليس بدايتها" عند دال، فالانتخابات لا تسبق الديمقراطية، وهي لا تنتج لا الديمقراطية ولا الحريات والحقوق.[7]

وفي الأدبيات العلمية التي تعنى بالديمقراطية والانتخابات في الغرب، حاول بعض الباحثين وضع تعريفات محددة للانتخابات الديمقراطية للحالات التي يدرسونها. ولعل من أبرز تلك الأدبيات وأكثرها شمولاً ما قام به ديفيد باتلر وآخرون، فالانتخابات العامة الديمقراطية تستند إلى شروط ستة، هي: حق التصويت العام لكل المواطنين البالغين، دورية الانتخابات وانتظامها، عدم حرمان أي جماعة من تشكيل حزب سياسي ومن الترشح للمناصب السياسية، حق التنافس على كل مقاعد المجالس التشريعية، حرية إدارة الحملات الانتخابية على وضع لا يحرم فيه القانون ولا وسائل العنف المرشحين من عرض آرائهم وقدراتهم ولا الناخبين من مناقشة تلك الآراء، وتمكين الناخبين من الإدلاء بأصواتهم وسط جو من الحرية والسرية وفرز الأصوات وإعلانها بشفافية وكذا تمكين المنتصرين من مناصبهم السياسية حتى وقت الانتخابات التالية.[8]

أما عبارة "انتخابات حرة ونزيهة"، الشائعة في جُل الدراسات التي تتناول الانتخابات، فقد ظهرت لأول مرة لوصف الاستفتاء الذي تم على استقلال ما كان يُعرف بأرض توغو (دولة توغو في غرب أفريقيا وجزء من دولة غانا اليوم) في عام 1956، ثم راحت منظمة الأمم المتحدة تستخدمها في حالات مشابهه بعد ذلك. وعلى الرغم من الاستخدام الواسع للعبارة، بل وعلى الرغم من الاهتمام الشديد بعمليات المساعدة في إدارة الانتخابات والإشراف عليها ومراقبتها منذ عام 1989، لم تضع الأمم المتحدة تعريفاً متفقاً عليه للعبارة.

وبشكل عام تدور مضامين الانتخابات الديمقراطية حول معيارين رئيسيين، الأول هو "حرية الانتخابات"، أي ضرورة احترام حريات الأفراد وحقوقهم الرئيسية، والثاني هو "نزاهة" عملية إدارة الانتخابات.[9] غير أن التجارب المعاصرة للدول الديمقراطية تشير إلى أن الانتخابات الديمقراطية التنافسية لا تُجرى إلا في نظم حكم ديمقراطية، إذ هي آلية من آليات تطبيق المبادئ الرئيسية للديمقراطية، وليس هدفاً في حد ذاتها. كما تعد الانتخابات الديمقراطية شرطاً ضرورياً وليس كافياً لنظم الحكم الديمقراطية، فمجرد إجراء الانتخابات الديمقراطية لا يعني أن نظام الحكم أصبح نظاماً ديمقراطياً. ومن هنا فإن هذه الورقة تتناول هذا الموضوع من خلال الوقوف على متطلبات إجراء الانتخابات الديمقراطية من جهة ومعايير الانتخابات الديمقراطية من جهة أخرى، وذلك على النحو التالي:

أولاً: متطلبات الانتخابات الديمقراطية، وتتمثل في الإطار الدستوري للنظام الديمقراطي.

ثانياً: معيار فعّالية الانتخابات الديمقراطية، ويعني أن للانتخابات مقاصد ووظائف ويترتب عليها مجموعة من النتائج الفعلية في نظام الحكم، وليست هدفاً في حد ذاتها.

ثالثاًً: معيار حرية الانتخابات الديمقراطية، ويتمثل في كون الانتخابات تُجرى في ظل قاعدة حكم القانون، وتتسم بالتنافسية، وتحترم الحقوق والحريات الرئيسية للمواطنين.

رابعاً: معيار نزاهة الانتخابات الديمقراطية، ويعني أن الانتخابات تتم بشكل دوري ومنتظم، وتتسم عملية إدارتها والإشراف عليها وإعلان نتائجها بالحياد السياسي والعدالة والشفافية.[10] 

إن متطلبات الانتخابات الديمقراطية هي بمثابة الأساس لبنيان تلك الانتخابات، أما معاييرها الثلاثة فهي تمثل أعمدة ذلك البنيان، وذلك على النحو الذي يوضحه الشكل التالي:

 

(الشكل رقم 1)

 متطلبات الانتخابات الديمقراطية ومعاييرها

الانتخابات الديمقراطية

فعالية الانتخابات

حرية الانتخابات

نزاهة الانتخابات

متطلبات الانتخابات الديمقراطية

 
 

أولاً- متطلبات الانتخابات الديمقراطية

يكاد باحثو السياسة يُجمعون على أن جوهر نظام الحكم الديمقراطي هو تنظيم عملية اتخاذ القرارات وعمل مؤسسات الحكم من جهة، وتمكين المواطنين من المشاركة في عملية صنع القرارات السياسية من جهة ثانية، وتنظيم علاقة مؤسسات الحكم بالمواطنين من جهة ثالثة. وهذه الأمور الثلاثة هي ما يضمنه الإطار الدستوري لذلك النظام، أو ما يمكن تسميته "الدستور الديمقراطي"، الذي إن طُبقت نصوصه القانونية في الواقع، صار من اليسير وصف نظام الحكم بـ "النظام الديمقراطي"، بل وتسمية المواطن الذي يتمتع بالحقوق والحريات التي أقرها ذلك الإطار ويلتزم بالمسؤوليات والواجبات الملقاة على عاتقه بموجبه "المواطن الديمقراطي".

ويمكن تلخيص مضامين ذلك الإطار الدستوري الذي يحدد المتطلبات الرئيسية للانتخابات الديمقراطية في الأسس العامة الرئيسية للديمقراطية، والتي تدور في مجملها حول:

 

  1. تنظيم عملية اتخاذ القرارات وعمل مؤسسات الحكم من خلال الإستناد إلى مبدأحكم القانون، أي تقييد سلطة الحكومة بدستور يخضع له الحكام والمحكومون على قدم المساواة ويوفر آليات محددة لصنع القرارات، وأخرى للمساءلة السياسية، وقيام نظام قضائي مستقل لحماية مبدأ حكم القانون وصيانة حريات الأفراد وحقوقهم والنظر في مدى دستورية القوانين. هذا فضلاً عن ضمان عدم خضوع السياسيين المنتخبين الذين يمارسون وظيفة السلطة السياسية لسيطرة أو مراقبة هيئات غير منتخبة كالمؤسسات العسكرية أو الأمنية أو الدينية، وكذا مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ووجود آليات للتوازن بين تلك السلطات.[11]            

 

  1. تمكين المواطنين من المشاركة في عملية صنع القرارات السياسية واعتماد مبدأ التداول السلمي على السلطة السياسية وحق كافة القوى السياسية في التنافس على مقاعد الحكم، وذلك من خلال الإستناد إلى مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة، وأن الحكومة تقوم بممارسة مظاهر السلطة بهدف تحقيق المصلحة العامة للمواطنين وليس تحقيق مصالح فئة ما أو حزب معين. ولهذا فإن حرمان الشعب من التنافس على أي من المناصب التنفيذية أو التشريعية يتناقض مع مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة. كما أن حرمان المنتخبين من ممارسة بعض سلطاتهم يتناقض مع هذا المبدأ.

وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ أن الشعب هو المصدر النهائي للسلطة لا يعني غياب أية مرجعيات عليا، ففي الديمقراطيات الغربية المعاصرة، على سبيل المثال، ثمة مرجعية عليا – أعلى من الدساتير - لا يستطيع النواب تجاوزها وسن تشريعات تتعارض مع مبادئها العليا وقيمها الأساسية، وهي الأفكار المذهبية الفردية (الإيديولوجية الليبرالية)، التي جاءت في مجموعة من الوثائق التاريخية كإعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي وإعلان الاستقلال الأمريكي. وتضم الآليات التي طُورت هناك بهدف وضع الضوابط اللازمة لهذا المبدأ أمرين رئيسيين، هما: وضع دساتير لا تتناقض مع المرجعية العليا التي تستند إليها تلك الدساتير، وتبني نظام للمراجعة القضائية "judicial review" يختص بالنظر في مدى دستورية القوانين وعدم تناقضها مع مبادئ وثوابت المرجعية العليا.[12]

 

  1. تنظيم علاقة مؤسسات الحكم بالجماهير على أساس رابطة المواطنة، أي تمتع كافة فئات المجتمع بكافة الحقوق والواجبات على قدم المساواة، وتساوي فرص المشاركة في عملية صنع القرارات السياسية أمام كافة المواطنين البالغين بلا أي شكل من أشكال التمييز على أساس الأصل أو اللغة أو العرق أو الدين أو المذهب أو المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية. هذا فضلاً عن وجود ضمانات لحريات الأفراد وحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وضمانات دستورية وقانونية لحماية حريات وحقوق الأقليات والفئات الضعيفة في المجتمع. وهذا يعني أن الإطار الدستوري الديمقراطي يجعل من قاطني دولة ما مواطنين يتمتعون بحقوق وواجبات متساوية وفرصاً متكافئة للمشاركة في صنع القرارات السياسة وتولي المناصب العامة، وليسوا مجرد رعايا يتلقون قرارات الحكام وينفذونها.

 ثانياً - مقاصد الانتخابات الديمقراطية

 

استناداً إلى الإطار الدستوري الديمقراطي السابق الإشارة إليه، وإلى تجارب الديمقراطيات المعاصرة، فإنه يمكن القول أن الانتخابات التي تشهدها الديمقراطيات المعاصرة ليست هدفاً في حد ذاتها، وإنما هي آلية لتحقيق مقاصد أعلى.[13] ويرتبط بهذا ما يمكن تسميته "فعّالية" الانتخابات الديمقراطية، أي ما يترتب على الانتخابات من نتائج حقيقية ملموسة، أو ما تؤديه الانتخابات من وظائف فعلية في ضوء المقاصد التي من أجلها أجريت الانتخابات. ولعل أبرز مقاصد الانتخابات الديمقراطية ما يلي: (انظر الجدول رقم "1"، والذي يوضح قائمة مراجعة لمقاصد ووظائف الانتخابات الديمقراطية).   

 

  1. التعبير عن مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة: الانتخابات الديمقراطية تقوم بوظيفة التعبير عن مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات، وتنفيذ آلية التمثيل النيابي، وذلك من خلال إتاحة الفرصة أمام الناخبين لممارسة أظهر صور المشاركة السياسية في عملية صنع القرارات، وهو الاقتراع العام. وهذا يعني أن الحكومة تستند في ممارسة مظاهر السلطة إلى عنصر التفويض الشعبي، أي أن الحكم ليس حقاً إلهياً كما في النظم الثيوقراطية، وليس حقاً موروثاً كما في النظم الوراثية، كما أنه لا يتم من خلال القهر والغلبة كما في النظم العسكرية والدكتاتورية. وبهذا يتحقق الفصل بين شخص الحاكم وبين السلطة التي هي وظيفة يؤديها الحكام لحساب الجماهير وبتفويض منهم وليس مِلْكاً يتولونها بغير قبول من المحكومين. وبهذا أيضاً يمكن التمييز بين النظم الديمقراطية وغيرها من نظم الحكم المستبدة.  إن الربط بين مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة والانتخابات يحدد الطريقة التي يستمد من خلالها الحكام السلطة من الجماهير، وكذا الطريقة التي يمكن للجماهير من خلالها ممارسة حقها في مقاومة وتغيير من لا يُعبر عن آمالها ومطالبها. كما أن هذا الربط يُمكّن الإنسان من الإحساس بقيمته كمواطن مشارك في العمل العام وفي صنع القرارات وليس مجرد متلق ومنفذ لما يقرره صناع القرار.

في المقابل يستخدم بعض الحكام في الدول غير الديمقراطية آلية الانتخابات لتحقيق مقاصد تتناقض تماماً مع هذا المقصد، أي مع جوهر الانتخابات الديمقراطية الذي هو التعبير عن إرادة الشعب، فهدف هؤلاء يكون منصباً على إضفاء ما يظنونه شرعية شعبية على حكمهم المطلق. ولعل من أبرز النظم التي تبتعد عن هذا المقصد وتستخدم في الوقت نفسه آلية الانتخابات نظم الحكم التي تأخذ العلاقة بين الحكام والمحكومين شكل العلاقة بين "السيد وتابعه"، أو ما يسمى "patron & client". إذ أفرزت هذه النظم أنواع عدة من الانتخابات غير الديمقراطية، أبرزها ذلك النوع من التصويت الفردي الذي يقوم على إجبار الأفراد على التصويت لصالح الحكام نظير عائد اقتصادي مادي غير سياسي، مثل النبيذ كما كانت الحال في كولومبيا، أو الأطعمة والملابس كما في النيبال في الخمسينيات، أو تقديم مبلغ نقدي معين، أو توفير وظيفة أو مجرد الوعد بالوظيفة حال الانتخابات المصرية عام 2005. وثمة تصويت آخر يتسم بأنه جماعي في أغلب الأحيان، وفيه تُنظم السلطة الحاكمة رحلات جماعية لفئات من المجتمع بغرض توجيهها نحو التصويت لصالح الحكام، وغالباً ما يصحب هذا النوع من الرحلات تقديم هدايا صغيرة، وذلك كما كانت الحال في البرازيل قبل عام 1964.[14] وفي الحالتين لا تعبر الانتخابات عن إرادة الشعب أو اختيارات الناخبين ولا عن آراء فردية، وإنما تعكس حقيقة العلاقة بين الحاكم والمحكوم القائمة على التبعية المطلقة المستندة إما إلى خوف المشاركين (أو المدفوعين إلى المشاركة) من تنكيل السلطة وبطشها، أو تطلعهم إلى الحصول على مكسب مادي أو معنوي من جرّاء مشاركتهم. إنّ العنصر الحاكم لتلك المجتمعات هو عنصر الخوف والإكراه أو الطمع في مكاسب مادية أو معنوية، وليس الرضا والإقناع والعمل من أجل الصالح العام.

ويرتبط مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات بحق الشعوب في تقرير مصائرها وتحديد من يحكمها عبر صناديق الانتخاب دون تأثير مباشر أو غير مباشر من أي فرد أو مجموعة من الأفراد من داخل المجتمع أو من أية قوة أو هيئة خارجية. ولهذا فإن محاولات بعض القوى الدولية التأثير في نتائج الانتخابات في دول أخرى أمر يتنافى مع مبدأ الانتخابات الديمقراطية، من ذلك، مثلاً، محاولة الولايات المتحدة الأمريكية التحديد المسبق لنتائج صناديق الاقتراع في بعض الدول العربية بحيث تستبعد بعض التيارات، بل ومقاطعتها لحكومة السلطة الفلسطينية التي شكلتها حركة حماس في أعقاب فوزها بالأغلبية في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في يناير 2006.

 

  1. اختيار الحكام:توفر الانتخابات الديمقراطية الطريقة التي  يتم من خلالها اختيار الحكام بتفويض شعبي، وذلك من خلال انتقال السلطة إلى المرشحين الفائزين في الانتخابات، وذلك فيما يتصل برئاسة السلطة التنفيذية أو أعضاء المجالس التشريعية النيابية، أو الاثنين معاً، وذلك وفقاً للقواعد ذات الصلة في النظامين السياسي والانتخابي. فعلى سبيل المثال، تفرز الانتخابات في الديمقراطيات الغربية المعاصرة سلطة تشريعية تكون مسؤولة أمام هيئة الناخبين وسلطة تنفيذية تكون مسؤولة إمّا أمام الناخبين مباشرة - كما منصب رئيس الجمهورية في النظم الرئاسية وشبه الرئاسية -  أو أمام هيئات نيابية منتخبة كما الحال بالنسبة للوزارات في النظم البرلمانية أو شبه الرئاسية.هذا فضلاً عن اختيار المسؤولين بالانتخاب في بعض المجالس الإقليمية والمحلية في جُل الديمقراطيات المعاصرة. وفي النظم البرلمانية ذات نظام الحزبين الكبيرين، يُعد اختيار المجلس النيابي بالانتخاب اختياراً غير مباشر للسلطة التنفيذية، فزعيم الحزب أو الكتلة التي تحظى بالأغلبية في المجلس النيابي يكون المرشح لمنصب رئيس الوزراء، وذلك كما الحال في النظام البريطاني.[15] وفي الديمقراطيات المعاصرة لا يُفترض بالضرورة أن يقوم نواب المجالس النيابية بالعمل وفقاً لرغبات محددة للناخبين، إذ أن جوهر عملية الانتخابات هو ما يسمى نظرية التفويض العام "popular mandate"، أي تفويض هؤلاء النواب قدراً كافياً من السلطة لاقتراح سياسات واتخاذ قرارات، وذلك تبعاً للأوضاع والمتغيرات التي يواجهونها أثناء فترة عملهم كنواب عن الشعب، وبغرض تحقيق ما يرونه متوافقاً مع المصالح العامة للناخبين.[16]

وتضمن المجالس التشريعية النيابية - التي تأتي بها الانتخابات الديمقراطية - التعددية السياسية، وذلك من خلال تمثيل كافة التيارات السياسية الرئيسية في المجتمع وتمثيل أفضل للنساء والأقليات في الدول ذات التعددية العرقية أو اللغوية أو الدينية، وذلك وفقاً لقواعد النظامين السياسي والانتخابي المعمول بهما في الدولة. وذلك على عكس الحال في الانتخابات التي يجريها الحكام المستبدين في النظم غير الديمقراطية التي غالباً ما تنتج هيمنة شبه مطلقة في البرلمانات من قبل الحزب الحاكم (أو بالأصح "حزب الحاكم"[17]) أو الجبهة الحاكمة وذلك حال انتخابات سنغافورة وكوريا الشمالية ومصر وتونس وسوريا. 

 

  1. تسوية الصراعات السياسية بطرق سلمية: توفر الانتخابات آلية للتداول على السلطة وتغيير مركز القوة وإمكانية تقلد قوى المعارضة - حال فوزها في الانتخابات - الحكم بدلاً من الحكومة القائمة.[18]أي أن الانتخابات هي آلية لتسوية الصراعات السياسية في الدولة الحديثة بطرق سلمية، وهي تؤدي إلى قبول كافة المتنافسين على المناصب السياسية المختلفة نتائج الانتخابات والتسليم بشرعية الفائزين، ولاسيما المتنافسين الخاسرين في الانتخابات. ولذا فالنظام الديمقراطي لا يسمح بتغيير الحكومات بطرق غير الاحتكام إلى أغلبية أصوات الناخبين، كالانتقال العنيف للسلطة بانقلاب عسكري أو ثورة مسلحة بشكل مباشر، كما لا يمكن إقصاء حكومة جاءت باختيار الناخبين في انتخابات حرة ونزيهة بشكل غير مباشر كما دأبت المؤسسة العسكرية التركية على القيام به أكثر من مرة، وحال ما قام به الجيش في الجزائر مطلع التسعينيات من القرن الماضي.

أما في النظم غير الديمقراطية، فتتسم الانتخابات بأن نتائجها تكون معروفة مسبقاً، وليس ثمة إمكانية لتغيير مركز القوة السياسية، وذلك ليس لثبات آراء الناخبين وإدراكهم للبدائل المطروحة، وإنما نتيجةً للآليات التي يُطورها الحكام للتأثير على أصوات الناخبين إن بالترهيب والعنف ومنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم، أو بالترغيب وشراء الأصوات، أو بالتلاعب في نتائج الانتخابات، أو بالتشبث بالسلطة وتجاهل مقصد التداول على السلطة بحجة عدم وجود بديل صالح للحكم أو إدعاء معاداة قوى المعارضة لمبادئ الديمقراطية وذلك كما الحال في أكثر من بلد عربي. وهذا كله يتناقض تماماً الديمقراطية التي عرّفها شومبيتر على أنها إعطاء الناس فرصة قبول أو رفض الحكومة القائمة.[19]

 

  1. توفير الشرعية السياسية أو تجديدها: فالانتخابات تقوم بوظيفة توفير شرعية شعبية للحكومة المنتخبة أو تجديد شرعية الحكومة القائمة. فعن طريق الانتخابات الديمقراطية يصل إلى مواقع صنع القرار أولئك الذين يحظون بقبول الناخبين.[20]فالشرعية تستند في النظم الديمقراطية إلى أن الحكومة المنتخبة تعمل في إطار المبادئ الديمقراطية وتخضع لإرادة الشعب من خلال آلية الانتخابات التنافسية والدورية. وهذا بالطبع بجانب وسائل أخرى حال وجود إطار دستوري يحترمه الجميع، وآليات لمساءلة المسؤولين ومحاسبتهم، وآليات للمشاركة السياسية، وصحافة حرة ومستقلة، واستقلال قضائي، والتمتع باستقرار سياسي واقتصادي. كما توفر الانتخابات الديمقراطية آلية لتجديد شرعية الحكومات القائمة، فحكومات الدول الديمقراطية قد يعتريها الضعف مع مرور الوقت، ومن ثم تحتاج إلى تجديد شرعيتها وسط ناخبيها. وهنا يستطيع النظام الديمقراطي – عن طريق آلية الانتخابات التنافسية الدورية – أن يُجدد شرعية الحكومات القائمة ويعزز من الدعم الذي يوفره الناخبون لمَنْ هم في مواقع صنع القرار. إنه التجديد الذاتي لشرعية النظام الديمقراطي عن طريق الانتخابات الديمقراطية.[21]

وهذا عكس الحال في النظم غير الديمقراطية التي طوّر حكامها أساليب عدة لإضفاء شرعية غير حقيقية على حكمهم المطلق، ومن هذه الأساليب نظام الحزب الواحد الذي تطبقه الصين وكوريا الشمالية اليوم، وطبقته المكسيك إبان حكم الحزب الثوري حتى عام 2000 وغيرها من دول المنظومة الاشتراكية وبعض الدول العربية، وحال التستر وراء إصلاحات اقتصادية لتأجيل الإصلاح السياسي، أو التستر وراء أفكار إيديولوجية أو قومية أو صراعات خارجية، [22] أو حتى اللجوء إلى وسيلة الانتخابات ذاتها. ولا شك أن حاجة كل نظم الحكم إلى قدر معين من الشرعية هي التي تدفع الحكام غير الديمقراطيين إلى ابتداع تلك الأساليب للحصول على ذلك القدر من الشرعية وسط شعوبهم.

 

  1. محاسبة الحكام: للانتخابات مقصد هام هو محاسبة الحكام ومساءلتهم وقت الانتخابات إنْ من خلال تقويم برامج المتنافسين قبل الانتخابات، أو عن طريق مكافأة، أو معاقبة، السياسيين إذا ما أرادوا الترشح للمرة الثانية. وهذا المقصد يُعد واحداً من أبرز مقاصد الانتخابات الديمقراطية في النظم النيابية المعاصرة، وأحد الآليات الرئيسية التي يمكن من خلالها التأكد من أن الحكومة المنتخبة تستجيب بانتظام لمطالب الناخبين وترعى مصالحهم المختلفة. وقد اهتم الكثير من خبراء السياسة بمناقشة مجمل الجوانب المتصلة بالمساءلة الانتخابية، أي مساءلة الحكام عن طريق إجراء انتخابات حرة ونزيهة بصفة دورية، وجعْل بقائهم في مواقعهم مرهون بأصوات الناخبين في تلك الانتخابات.[23]

ولأن هذا النوع من المساءلة يعد محاسبة للمسؤولين عما فعلوه في السابق أو                   "hoc measure–post"، فإن آلية المحاسبة هي انتخابات التجديد أو الحصول على فترة جديدة وليس الانتخابات نفسها. ولهذا فالمساءلة هي أحد الأسباب الأساسية وراء السماح بحق الترشح لأكثر من فترة واحدة في جُل المناصب السياسية التي تتم بالانتخاب، إذ أن مقصد المساءلة لن يكون ممكناً بغير هذا الحق.[24] وبجانب هذا النوع من المساءلة ثمة وسائل تستهدف مساءلة الحكام قبل اختيارهم، كأن يخضع المتنافسون على منصب ما لتقدير وحكم الناخبين قبل إجراء الانتخابات من خلال وعودهم الانتخابية وحملاتهم الدعائية والانتخابية. كما أن ثمة حالات يُلزم فيها القانون الحكام باستشارة الناخبين عن طريق الاستفتاءات قبل اتخاذ القرار، وذلك حال القرارات المتصلة بتعديل الدستور أو حال بعض القرارات المصيرية كالانضمام إلى (أو الانسحاب من) تكتل إقليمي أو منظمة دولية، وغير ذلك.[25]

 

  1. التجنيد السياسي: تقوم الانتخابات الديمقراطية بدور تعبوي عام، فهي مصدر رئيسي من مصادر التجنيد السياسي ووسيلة هامة من وسائل المشاركة السياسية. ففي النظم الديمقراطية المعاصرة عادة ما يقوم السياسيون وقادة الأحزاب والكتل الانتخابية بمهمة اختيار المرشحين للمناصب السياسية وإعداد البرامج السياسية لمواجهة المشكلات والتحديات العامة التي تواجهها مجتمعاتهم. ولذا فالانتخابات تلعب دوراً محورياً في إعداد وتدريب السياسيين والقادة وتأهيلهم لمناصب أعلى الأمر الذي يُسهم في تجديد حيوية المجتمع ويضمن مشاركة عناصر جديدة في وضع السياسات وصنع القرارات.

وعلى العكس من ذلك نجد المجتمعات التي لا تجرى فيها انتخابات ديمقراطية غير قادرة على تجديد حيوية المجتمع ولا الدفع بعناصر جديدة إلى مواقع صنع القرارات، إذ يظل المجتمع لفترات طويلة تحت سيطرة حزب أو جماعة ما أو حتى دكتاتور فرد، فتفقد أجيال بالكامل الفرصة في المشاركة في العمل السياسي وصنع القرار. وما الانتخابات التي يجريها الحكام في بعض تلك المجتمعات تحت مسمى "الانتخابات البرلمانية" أو حتى "الانتخابات الرئاسية" إلا وسيلة للسيطرة من خلال ترشيح الموالين والأتباع وضمان فوزهم بعد التلاعب بقوانين وإجراءات الانتخابات في جميع مراحلها بدءاً من الترشيح ومروراً بالتصويت وانتهاءً بفرز النتائج وإعلانها. وليس من المستغرب والحال هكذا أن ينحصر دور هؤلاء على تبرير تصرفات الحكام وسن القوانين التي تضمن لهم البقاء في الحكم واستمرار سيطرتهم على مقاليد الأمور. إن هذا النوع من الانتخابات ليس وسيلة للتجنيد السياسي والمشاركة السياسية وإنما هو أداة للسيطرة على المجتمع وحرمانه من تجديد ذاته، وللحيلولة دون بروز سياسيين وقادة جدد يتنافسون على مواقع السلطة.      

 

  1. التثقيف السياسي: تقوم الانتخابات الديمقراطية بدور تثقيفي عام، فهي تشارك – مع وسائل وقنوات أخرى - في تثقيف المواطنين بالمسائل المتصلة بالعمل العام والشؤون السياسية قبل وأثناء عملية الانتخابات، وذلك من خلال إذاعة وإعلان البرامج المختلفة للمرشحين والأحزاب، ومواد الدعاية الانتخابية خلال فترة الانتخابات، الأمر الذي يتيح الفرصة أمام الجماهير للإطلاع على ومناقشة المشكلات والتحديات التي يواجهونها. ولذا ففي الدول الديمقراطية المعاصرة هناك علاقة طردية بين مستوى الوعي والثقافة والتعليم من جهة ومستوى المشاركة في الانتخابات من جهة أخرى.

وعلى العكس من ذلك تجد تلك العلاقة سلبية في الكثير من الدول غير الديمقراطية، فالانتخابات لا تُجرى على أساس الأفكار والبرامج السياسية التي تعالج الشأن العام، وإنما على أساس الأشخاص وأداء الخدمات والمصالح الشخصية. ولهذا يعزف المتعلمون والمثقفون عن المشاركة فيها، وتؤدي الانتخابات أشكالاُ أخرى من الوظائف. ففي مصر، على سبيل المثال، هناك عبارة "نائب الخدمات" تعبيراً عن الخدمات والتسهيلات التي يقوم بها النواب بمجرد تقلدهم لمهامهم في البرلمان لأبناء دائرتهم ومعارفهم.

 

(جدول رقم 1)

 

قائمة مراجعة لمقاصد/ وظائف الانتخابات الديمقراطية ونتائجها

 

  1. هل الانتخابات تُشكل آلية للتمثيل السياسي المعبر عن مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات؟
  2. هل تم اختيار الحكام من خلال عملية اقتراع عام؟ وهل المناصب العليا المتصلة بصنع القرارات السياسية يتقلدها مسئولون منتخبون؟
  3. هل تضمن الانتخابات التداول على السلطة وتغيير الحكومات بطرق سلمية؟ وهل للمناصب السياسية العليا فترات زمنية محددة؟
  4. هل هناك ضمانات حقيقية للحيلولة دون أن يقوم الحكام بتأجيل أو إلغاء انتخابات محددة سلفاً بغير رغبة أغلبية الناخبين؟
  5. هل أفضت الانتخابات إلى ظهور سلطة تنفيذية مسئولة بشكل مباشر أمام هيئة الناخبين، أو بشكل غير مباشر أمام مجلس نيابي منتخب؟
  6. هل أفضت الانتخابات إلى ظهور مجلس نيابي يضمن التعددية السياسية عن طريق تمثيل كافة التيارات الرئيسية في المجتمع؟
  7. هل تم تمثيل الأقليات والمرأة في الهيئات الحاكمة بطريقة تعكس حقيقة التوزيع السكاني للمجتمع؟
  8. هل قبلت كافة الأحزاب المتنافسة وكذا المرشحون المتنافسون نتائج الانتخابات؟
  9. هل تتمتع الحكومات المنتخبة بتفويض شعبي من المحكومين ومن ثم بشرعية شعبية، أو هل أدت الانتخابات إلى تجديد شرعية الحكومة القائمة؟
  10. هل تُستخدم الانتخابات كوسيلة لمحاسبة الحكام ومساءلتهم؟
  11. هل تُستخدم الانتخابات كوسيلة للتجنيد السياسي وتأهيل السياسيين للمشاركة في مواقع صنع القرار السياسي؟
  12. هل تُستخدم الانتخابات كوسيلة لتثقيف المواطنين وإتاحة الفرصة لهم للإطلاع على قضاياهم المختلفة والحلول المقترحة لمواجهتها؟
  13. هل هناك ضمانات للحيلولة دون محاولة قوى داخلية أو خارجية التأثير في نتائج الانتخابات؟
  14. هل هناك ضمانات للحيلولة دون أن تستخدم الانتخابات كأداة لتحقيق وظائف أخرى غير تلك التي تقوم بها في النظم الديمقراطية؟

 

ثالثاً: معيار "حرية" الانتخابات

 

يعنى معيار "الحرية" احترام الحقوق والحريات السياسية الرئيسية كحرية الحركة، وحرية التعبير، وحرية الاجتماع، وحرية المشاركة في التصويت، وغيرها، والواردة في مجموعة من الوثائق والاتفاقات الدولية،[26] وعدد من الوثائق الإقليمية.[27]وهذه الحريات تتفق مع الأمور التي اعتبرها دال شروطاً مسبقة لما أسماه البولارشية. أي أن معيار "حرية" الانتخابات يُشكل، في نفس الوقت، أحد متطلبات الانتخابات الديمقراطية.[28] وفي تصورنا فإنه يمكن أن نضيف إلى تلك الحريات والحقوق بعديْن جديدين: الأول أن تُجرى الانتخابات في ظل حكم القانون، والثاني أن تتسم الانتخابات بالتنافسية. (انظر الجدول رقم "2" الذي يتضمن قائمة مراجعة لمعايير حرية انتخابات الديمقراطية).

 

  1. احترام مبدأ حكم القانون:لعل أول وأبرز معايير حرية الانتخابات الديمقراطية في النظم الديمقراطية أن تلك الانتخابات لابد أن تحترم مبدأ حكم القانون"rule of law"، الذي يعني أن ممارسة السلطة بشكل شرعي لا يتم إلا من خلال خضوع القائمين عليها والمحكومين على قدم المساواة إلى قانون مسبق. إنه مبدأ سيادة القانون بدلاً من سيادة الملوك والأمراء، وطاعة القانون بدلاً من الامتثال لقرارات الأفراد. ويعد هذا المبدأ من أبرز السمات التي أظهرت صورة الدولة المعاصرة على غيرها من صور المجتمعات الإنسانية، وهو أداة لتفادي استبداد الحكام بالسلطة، ووسيلة لردع أي تدخل في حريات الأفراد من قبل السلطة.[29]

ومما لا شك فيه إن خضوع الحكام والمحكومين على قدم المساواة لقانون مسبق هو اللبنة الأولى في عملية الانتخابات الديمقراطية التنافسية. فمن مقتضيات مبدأ حكم القانون أن تُجرى الانتخابات التنافسية في ظل قانون مسبق يحدد بوضوح واجبات وحقوق المواطنين، حكاماً ومحكومين، ويُرسي القواعد التي على أساسها يتم إجراء الانتخابات بدءاً من تحديد مَنْ يحق له الترشح، وكيف يمكن التقدم للترشح، مروراً بالقواعد التي تُنظم الحملات الانتخابية من النواحي الإدارية والقانونية والمالية والإعلامية، وتلك التي تُنظم حق الاقتراع وأماكنه وكيفيته، وانتهاءً بالمسائل المتصلة بتنظيم يوم الانتخابات، والإدلاء بالأصوات، وفرز الأصوات وإعلانها، وتمكين الفائزين من تقلد مناصبهم في الهيئات النيابية. ومبدأ حكم القانون يصون حريات وحقوق الأقليات، ويقف بالمرصاد لأية ممارسات تتسم بالتمييز على أساس اللغة أو العرق أو الأصل أو الدين أو المذهب أو المكانة الاجتماعية، الأمر الذي يحقق الاستقرار ويجنب النظام مظاهر العنف الذي غالباً ما تجتاح المجتمعات التي لا تقوم على مبدأ سيادة القانون أو يُطبق فيها القانون بازدواجية تضر بحريات وحقوق الأقليات أو فئات معينة.

 

وقد أفرزت بعض تجارب التحول الديمقراطي في العقدين المنصرمين حالات لدول أجرت انتخابات ديمقراطية تنافسية قبل إنشاء المؤسسات الرئيسية للدولة الحديثة مثل حكم القانون، مؤسسات المجتمع المدني، استقلال القضاء، حكم مقيد بدستور عصري، وذلك حال ما حدث في روسيا الفيدرالية في التسعينيات من القرن العشرين، فمع ضعف مؤسسات الدولة استطاع الرئيس - المنتخب ديمقراطياً - أن يجمع سلطات واسعة في يده. وفي أفريقيا أدى ضعف مؤسسات الدولة المدنية وغياب حكم القانون إلى وجود تهديدات عدة للتجارب الديمقراطية الناشئة يأتي على رأسها تدخل الجيش وتدني معدلات الدخول وتفشي المشكلات العرقية والحدودية والحروب الأهلية.[30] وثمة انتخابات قد يصفها البعض بالديمقراطية، بيد أن هناك فئات أو جماعات معينة تخضع لتمييز عنصري دون غيرها من الفئات والجماعات استناداً إلى القانون ذاته أو إلى الممارسات الفعلية للقائمين على القانون. فانتخابات جنوب أفريقيا إبان الحكم العنصري كانت توصف بأنها ديمقراطية في مؤشري قياس الديمقراطية   "Polity IV" و"Freedom House"، وغيرهما من مؤشرات قياس الديمقراطية.[31] كما أن إسرائيل، التي توصف بأنها ديمقراطية في تقارير ذينك المؤشرين أيضاً، يعتبرها بعض الباحثين الإسرائيليين والغربيين والعرب بعيدة تماماً عن المعايير الحقة للديمقراطية، وذلك بالنظر إلى حالة الأقلية العربية في إسرائيل.[32]   

 

  1. احترام مبدأ التنافسية: أي وجود تنافس حقيقي بين مرشحين متعددين أو برامج مختلفة.ويتضمن هذا المعيار أمرين رئيسيين، هما: المعيار الكمي الصرف وهو ضرورة ألا تقتصر الانتخابات على مرشح واحد فقط، كما كانت الحال مع النظم الماركسية ذات نظم الحزب الواحد في الإتحاد السوفيتي السابق ودول شرق أوروبا والعديد من دول أفريقيا وآسيا قبل موجات التحول في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.[33]وقد أفرزت بعض التجارب انتخابات ذات مرشحين متعددين، لكن دون أن تُترك للناخبين حرية الاختيار من بين بدائل حقيقية، إذ تمارس السلطة أنواعاً متعددة من الترغيب، أو الترهيب، أو التزوير، بُغية ضمان فوز مرشحي تيار الحكومة فقط، وذلك كما كانت الحال في بعض نظم الحزب المسيطر والنظم ذات التعددية الزائفة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وغيرها.[34] كما قد يكون هذا النوع من الانتخابات ذات المرشحين المتعددين غير تنافسي نظراً لهيمنة الحزب الحاكم على مرشحي التيارات الأخرى، كما كانت الحال في مصر وإسبانيا في السبعينيات من القرن الماضي.[35]

أما المعيار الثاني فهو كيفي، أي ضرورة توفر بدائل متعددة في التنافس الانتخابي،[36] أي أن الانتخابات التنافسية الحرة لا بد أن توفر أمام الناخب اختيارات وبرامج متعددة ومختلفة. فتشابه البرامج الحزبية أو تقاربها يُقلل من درجة التنافسية التي يجب أن تتمتع بها الانتخابات الديمقراطية، ولقد دفع تقارب برامج الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة في كثير من الانتخابات الرئاسية التي تجرى هناك الكثير من الباحثين إلى النظر إلى الانتخابات الأمريكية على أنها شبة تنافسية.[37] كما أن هناك انتخابات تسود فيها جبهات قومية مع سيطرة الحزب الحاكم، وذلك كما كانت الحال في بولندا وألمانيا الشرقية إبان الحكم الشيوعي.[38] 

وبشكل عام فقد تهدد الممارسات الفعلية لبعض الحكومات مبدأ التنافسية، وذلك من خلال تدخل الحزب الحاكم ضد الأحزاب المتنافسة ووضع قيود وعراقيل قد تتسم بالشرعية القانونية حال ما حدث في البرازيل بعد عام 1964 وإيران قبل عام 1975، ومصر منذ 1976. كما أن بعض النظم تقوم بوضع عراقيل إجرائية لمنع نشوء أحزاب أو جمعيات أهلية تنافس الحكومات القائمة، وذلك حال الحظر الذي تفرضه السلطات الحاكمة في مصر وتونس على أنشطة جماعة الأخوان المسلمين والتيار الإسلامي بشكل عام، ومثله الحظر الذي تفرضه إيران على الأحزاب الوطنية. هذا بجانب قيام بعض النظم بترشيح مرشحين متعددين من حزب واحد، كما كانت الحال في نظام فرانكو في أسبانيا ونظم الحزب الواحد في أفريقيا وشرق أوروبا.[39]

وقد تُجرى انتخابات في إطار قانون يُحدد ملامحها العامة بشكل ديمقراطي، بيد أن واقع المجتمع نفسه قد يجعل منها غير تنافسية. ففي كولومبيا لم يستند الصراع بين الليبراليين والمحافظين إلى أساس سياسي وبرامج سياسية مختلفة بقدر ارتباطه بعوامل تقليدية تضرب بجذورها في المجتمع الكولومبي. كما أن التعددية الحزبية في نيجيريا ليست في جوهرها تعددية سياسية على أساس البرامج والأفكار، وذلك في ضوء محاولة كل حزب حصر نشاطه في منطقة معينة وتجاه أقلية عرقية محددة.[40]وفي العراق اليوم – في أعقاب الغزو الأمريكي لها – فرْز عرقي ومذهبي تشتد حدته يوماً بعد يوم، والانتخابات التي أجريت هناك لم تُفرز "قوى سياسية" تعبر عن المصالح العامة المشتركة للشعب العراقي بقدر ما أفضت إلى تقسيم البلاد على أساس طائفي وعرقي، الأمر الذي قد يتطور إلى حرب أهلية وليس إلى ديمقراطية نيابية.

وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن عنصر التنافس هذا ليس مطلقاً، فثمة قيود ترد عليه حتى في أعرق النظم النيابية ذات التعددية الحزبية من ذلك، على سبيل المثال، تمتع بعض الأحزاب بالإمكانات الضخمة، المادية والتنظيمية، الأمر الذي يُمكنها من حشْد أعداد كبيرة من المؤيدين، وذلك عكس الحال مع الأحزاب الصغيرة ذات الإمكانات المحدودة. كما أن هناك الكثير من القيود القانونية المفروضة على أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الشيوعية في دول ديمقراطية مثل فرنسا. هذا إلى جانب أن بعض الدول تفرض حظراً قانونياً على الجماعات التي تستند إلى نزعات انفصالية.[41]

 

  1. ضمان حريات المعرفة والتعبير والاجتماع والإعلام: تعد حماية حريات الأفراد وحقوقهم الرئيسية، ولاسيما حريات المعرفة والتعبير والاجتماع والإعلام، من معايير حرية الانتخابات الديمقراطية. وتنصرف حرية المعرفة إلى حق الناخبين في معرفة ومناقشة آراء وأفكار وبرامج كل المرشحين في الانتخابات دون قيد أو شرط أو خوف من التعرض للأذى من السلطات. ويتطلب هذا ضمان حق المرشحين للمناصب السياسية في الإعلان عن أفكارهم وبرامجهم والترويج لها بين الناخبين دون قيود أو معوقات، وكذا حق عقد الاجتماعات والمؤتمرات الانتخابية والتجمعات الجماهيرية وذلك دون تمييز أو قيود من قبل السلطة. ويرتبط هذا بحق كل المرشحين في الحصول على فرصاً متساوية في استخدام موارد الدولة ووسائل الإعلام المختلفة لعرض برامجهم وآرائهم بحرية ودون خوف من بطش السلطة التنفيذية. وقد أثارت هذه الحريات الكثير من النقاش حول ضرورة ضمان حد أدنى من هذه الحقوق، ولاسيما حق استخدام وسائل الإعلام وعقد المؤتمرات الانتخابية لكل المرشحين، الأغنياء منهم والفقراء، عن طريق تخصيص الإعتمادات المالية اللازمة لهذا الغرض.[42]إن الانتخابات الديمقراطية في النظم الديمقراطية المعاصرة لا تسمح بالممارسات التي اعتادت عليها شعوب الكثير من دول العالم الثالث مثل منع المعارضين من عقد مؤتمرات انتخابية، أو من الظهور في وسائل الإعلام الرسمية، أو وضع قيود على حرية التعبير والمناقشة، أو التمييز ضد مرشحي المعارضة.

 

  1. حرية تشكيل المنظمات السياسية المستقلة عن السلطة التنفيذية:ويرتبط بعنصر التنافسية ضرورة ضمان حرية تشكيل المنظمات السياسية المستقلة عن سلطة التنفيذ من أحزاب وتكتلات سياسية وغيرها، وكذا ضمان حرية الترشح في الانتخابات. وهذا يعني عدم وجود قيود رسمية "de jure" أو فعلية "de facto" على إنشاء تلك المنظمات والتنافس على المناصب السياسية والمقاعد النيابية.[43]ومن هنا فإن الانتخابات الديمقراطية لا يجب أن تشهد ممارسات مثل إقصاء فئة أو جماعة ما من حق الانتظام في حزب أو تكتل سياسي أو الترشح لمناصب سياسية وذلك مثلما فعل الحزب الحاكم في المكسيك قبل عام 2000 حينما أقصى الأحزاب الدينية والجهوية والمستقلين من التنافس الانتخابي أو مثلما فعل حكام كينيا وزامبيا وكوت ديفوار عندما منعوا المنافسين الحقيقيين من فرصة الترشح أو مثلما الحال الآن في بعض الدول العربية التي تحظر على التيارات السياسية الإسلامية أو الوطنية تشكيل أحزاب سياسية. كما لا تشهد الانتخابات الديمقراطية ممارسات مثل التنكيل بالمعارضين ووضع العراقيل أمامهم قبل وأثناء عملية الانتخاب، حال ما حدث في الانتخابات الأخيرة في بيلاروسيا (2006) ومثلما حدث من قبل في توغو عام 1991 وأرمينيا عام 1994، أو خضوع حق الترشح للمناصب النيابية إلى رقابة حكومية أو سيطرة جهة أو هيئة غير منتخبة حال ما يحدث في إيران منذ 1979. كما لا تشهد الانتخابات الديمقراطية ممارسات غير رسمية مثل رشوة قادة المعارضة وزرع الانقسامات بينهم كما دأب دانيال آراب موي على فعله في كينيا.

 

(جدول رقم 2)

قائمة مراجعة لمعايير حرية الانتخابات الديمقراطية

 

  1. هل السلطة مقيدة بقانون مسبق يحترمه الحكام والمحكومون على قدم المساواة؟
  2. هل هناك  تكافؤ للفرص أمام المواطنين للتنافس والمشاركة في عملية صنع القرار السياسي؟
  3. هل هناك ضمانات للحيلولة دون إقصاء فئات معينة من المشاركة السياسية؟
  4. هل يضمن القانون حق المواطنين في الترشح للمناصب السياسية؟
  5. هل هناك نظام قضائي مستقل؟
  6. هل هناك ضمانات حقيقية للحيلولة دون وضع قيود على تشكيل جمعيات مستقلة كالأحزاب السياسية وجماعات الضغط؟
  7. هل هناك ضمانات حقيقية للحيلولة دون وجود رقابة أو سيطرة من جهات غير منتخبة على المسئولين المنتخبين؟
  8. هل هناك ضمانات حقيقية للحيلولة دون وضع قيود على حق المعرفة والحصول على المعلومات وتداولها عبر وسائل الإعلام المختلفة؟

 

رابعاً: معيار "نزاهة" الانتخابات

 

يرتبط معيار "نزاهة" الانتخابات بعنصر الحياد "impartiality" الذي يجب أن تتسم به الجهة المشرفة على الانتخابات في تعاملها مع كل أطراف العملية الانتخابية من مرشحين وناخبين ومشرفين ومراقبين، وفي جميع مراحلها بدءاً من حق الاقتراع، ومروراً بكيفية تحويل أصوات الناخبين إلى مقاعد نيابية، وكيفية ممارسة هذا الحق، وانتهاءً بكل ما يتصل بالإشراف على الانتخابات وفرز الأصوات وإعلان النتائج. وترتبط نزاهة العملية الانتخابية أيضاً بمبدأ الدورية "periodical" والانتظام "regularity". ويعني الحياد المقصود هنا حياد القوانين والقواعد والأنظمة المنظمة لعملية الانتخابات، وكذا حياد الهيئة أو الإدارة المشرفة في تنفيذها لتلك القوانين والقواعد.[44] وفيما يلي أبرز معايير نزاهة الانتخابات الديمقراطية: (انظر الجدول رقم "3" الذي يتضمن قائمة مراجعة لمعايير نزاهة انتخابات الديمقراطية).

 

  1. حقالاقتراع العام:ترتبط الانتخابات الديمقراطية التنافسية بحق الاقتراع العام "universal vote"، أي حق كل المواطنين البالغين المسجلين في الاقتراع في الانتخابات دونما تمييز على أساس  اللون أو الأصل أو العرق أو المكانة الاجتماعية أو النوع أو اللغة أو الدين أو المذهب. ويرتبط بحق الاقتراع العام قاعدة "شخص واحد، صوت واحد أو one man, one vote"" بمعنى أن لكل ناخب صوت واحد، أو ما يسمى الوزن المتساوي للأصوات "equal weighting of votes". وحق الاقتراع العام وقاعدة أن لكل شخص صوت واحد يرتبطان بمبدأ رئيسي من مبادئ الديمقراطية ألا وهو المساواة السياسية الذي يعني تكافؤ الفرص أمام كل المواطنين في المشاركة في عملية صنع القرارات السياسية.[45] ولذا فإن الحرمان القانوني لطبقة معينة أو جماعة ما من حق الاقتراع ينتقص من نزاهة الانتخابات، وذلك حال حرمان المرأة من حق الترشح والاقتراع في الكويت قبل عام 2006،[46] أو الحرمان غير المباشر لفئات معينة كأن يتم إعادة توطين أو طرد فئة معينة من السكان كما حدث مع السود غير العرب في موريتانيا مطلع التسعينيات، أو من خلال طرق ملتوية كالتشديد في إجراءات التسجيل أو التلاعب في سجلات الناخبين أو منع الناخبين من الوصول إلى صناديق الانتخاب كما يحدث في الانتخابات المصرية. ويتناقض مع حق الاقتراع العام استهداف الأمن للمرشحين المعارضين أو لوسائل الإعلام والصحافة كما فعل رئيس زيمبابوي روبرت موجابي عام 2000، وكذا شراء الأصوات أو التأثير على تفضيلات الناخبين بالمال أو النفوذ كما يحدث في الكثير من الدول.[47]

 

  1. تسجيل الناخبين بشفافية وحياد:على الرغم من أن تسجيل الناخبين في سجلات انتخابية ليس شرطاً ضرورياً للانتخابات الديمقراطية، إلا أنه يعمل على تحقيق هدفين رئيسيين. فالتسجيل يُوفر آلية للنظر في المنازعات التي قد تُثار في شأن حق الفرد في التصويت، وذلك بشكل منتظم وقبل يوم الانتخابات ذاته. وهذا بالطبع يكتسب أهمية كبرى في الحالات التي يحاول شخص ما- لا يمتلك الحق في التصويت - أن يُدلي بصوته في الانتخابات، أو عندما يحاول شخص أن يمارس حقه مرتين. ومن ناحية أخرى فإن تسجيل أسماء الناخبين في سجلات انتخابية يُمكّن الهيئة المشرفة على إدارة الانتخابات من تنظيم أعمالها المتصلة بتحديد الدوائر الانتخابية وتوزيع القوة البشرية المشرفة على الدوائر المختلفة.[48]

 

  1. الحياد السياسي للقائمين على الانتخابات:ولعل من أبرز معايير نزاهة الانتخابات الديمقراطية حياد القائمين على إدارتها في جميع مراحلها بدءاً من الإشراف على عملية تسجيل الناخبين والمرشحين، ومروراً بإدارة يوم الانتخابات، وانتهاءً بعملية فرز الأصوات وإعلان نتائجها النهائية، والإشراف على حق الناخبين والمرشحين في الشكوى والتظلم أو الطعن.

ومن الناحية الوظيفية، تعمل الإدارة المشرفة على الانتخابات في إطار النظام القانوني السائد، واحترام مبدأ سيادة القانون. ولذا فإن التأكد من معاملة كل الناخبين وكل المرشحين وفقاً للقانون ودون أدنى تمييز على أساس اللغة أو العرق أو الأصل أو المكانة الاجتماعية أو الوضع الاقتصادي أو الدين أو النوع يُعد من أبرز مهام تلك الإدارة.[49] وتكتسب الإدارة المشرفة على الانتخابات ثقة المواطنين من خلال الالتزام بالحياد السياسي والحزبي. ويتطلب هذا الحياد البعد عن أية تصرفات  قد يُفهم منها تغليب مصالح الحكومة القائمة، أو مصالح فئة ما أو حزب سياسي معين، حال قبول الهدايا أو الإعلان عن مواقف سياسية محددة أو الخوض في نشاطات ذات صلة بأحد الجهات المتنافسة، وغير ذلك.[50]

ومن الناحية الهيكلية يرتبط الحياد السياسي بأمور ثلاثة، هي: الشكل التنظيمي للإدارة المنوط بها إدارة الانتخابات، وحجم السلطة الممنوحة لها، وعلاقتها بالسلطتين التنفيذية والقضائية. وتقدم التجارب الديمقراطية المعاصرة العديد من الأشكال في هذا الصدد، فبينما تَتبع إدارة الانتخابات في كل من إنجلترا وفرنسا الإدارات المحلية، وتدار محلياً في الولايات المتحدة مع وجود بعض القيود الذي يحددها الدستور الفيدرالي، فإن بعض الدول الديمقراطية تقيم لجاناً أو إدارات دائمة للانتخابات، ومستقلة تماماً عن السلطة التنفيذية. ففي كندا هناك لجنة دائمة للانتخابات منذ عام 1920، تخصص لها الدولة جزءاً من ميزانيتها، وهي تتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة الانتخابات، برغم أن الحكومة تقوم بتعيين موظفي هذه اللجنة وقت الانتخابات فقط. أما في الهند فثمة لجنة مستقلة بموجب الدستور منذ عام 1950، وفي استراليا هناك لجنة عليا مستقلة لإدارة الانتخابات منذ عام 1984، تحصل على ميزانيتها من الميزانية العامة للدولة.[51]

وفي بعض الحالات ولاسيما وقت التحول إلى الديمقراطية لا تقتصر وظيفة اللجان المشرفة على الانتخابات على إدارة الانتخابات والإشراف عليها وإعلان نتائجها، وإنما تمتد لتشمل النظر في صلاحية إجراءاتها ودقة نتائجها. وذلك كما حدث في أول انتخابات ديمقراطية تنافسية في جنوب أفريقيا بعد انهيار نظام الفصل العنصري، إذ كان من صلاحيات اللجنة المشرفة على الانتخابات هناك النظر في كل المسائل المتصلة بصلاحية الانتخابات.[52]

ومن ناحية أخرى تختلف الأشكال القائمة في الديمقراطيات المعاصرة من حيث خضوع قرارات اللجان والإدارات المشرفة على الانتخابات للقضاء. ففي دول مثل الهند واستراليا يخضع عمل تلك اللجان لنطاق عمل المراجعة القضائية، حيث تستطيع المحاكم نقْض نتيجة أية دائرة انتخابية. وكبديل لهذا فإن لجنة الانتخابات في دول كثيرة تضم قضاة، ففي استراليا لابد أن يكون رئيس لجنة الانتخابات أحد قضاة المحكمة الفيدرالية سواء كان من العاملين أو المتقاعدين.[53]

 

  1. قانون انتخابي عادل وفعّال:تستند نزاهة عملية إدارة الانتخابات، بشكل رئيسي، على القانون الانتخابي الذي ينظم عملية الانتخابات في مراحلها المختلفة، ويتيح لكل أطراف العملية الانتخابية من ناخبين ومرشحين ومشرفين، الوقوف على الكيفية التي يتم من خلالها إدارة الانتخابات والإعلان عن نتائجها. والنظام الانتخابي يحدد القواعد التي تضعها النظم الديمقراطية بغية تحويل أصوات الناخبين إلى مقاعد نيابية، [54]ولابد أن ينسجم مع التركيب الاجتماعي للمجتمع، وعلى وضع يُمكن معه تمثيل كل الفئات والجماعات المُشكلة للمجتمع. ولأن تفاصيل ومضامين أي نظام انتخابي لا بد أن توضع في ضوء الأهداف المرجوة منه والمحددة مسبقاً، فإنه يمكن تصور الأهداف الثلاثة التالية لأي نظام انتخابي:

-     تحويل أصوات الناخبين إلى مقاعد في الهيئات التمثيلية النيابية بالبرلمانات.

-     توفير الآلية التي يمكن من خلالها للناخبين محاسبة ممثليهم.

-  توفير حوافز للمتنافسين من أجل عرض برامجهم وآرائهم بحرية وتمثيل كافة فئات المجتمع. ففي المجتمعات التي يعيش فيها أقليات عرقية أو دينية أو لغوية تُوضَع بنود وقواعد مختلفة في النظم الانتخابية لتحقيق هدف دمج هذه الأقليات في المجتمع.[55] كما أن هناك قوانين انتخابية تتضمن آليات لضمان تمثيل المرأة.[56]

وقد اختلفت وتنوعت النظم الانتخابية التي عرفتها التجارب الديمقراطية المعاصرة مع اختلاف أوضاع وظروف كل دولة، على وضع لا يمكن معه أن نجد نظامين متطابقين تماماً في دولتين مختلفتين. غير أنه يمكن القول أن التجارب الديمقراطية الحديثة عرفت نظامين رئيسيين، يُعدان - مع فروعهما وصورهما المختلفة - من أبرز الأنظمة الانتخابية المعمول بها في عالمنا المعاصر، وهي نظم الأغلبية "majority systems" ونظم التمثيل النسبي "proportional systems". ولهذين النوعين الرئيسيين أشكال وأنواع عدة على النحو الذي تفصله الدراسات ذات الصلة بالنظم الانتخابية.[57]

 

  1. دورية الانتخابات:وتعني سمة الدورية تطبيق القواعد والإجراءات الانتخابية ذاتها – والمحددة مسبقاً - على جميع الناخبين والمرشحين بشكل دوري "periodic" ومنتظم "regular" وغير متحيز لفئة أو جماعة معينة. ويستند هذا المبدأ إلى سمة رئيسية من سمات الديمقراطية وهي أن تقلد المناصب السياسية تُحدد زمنياً بفترات محددة، فالمسؤولون المنتخبون لا يُنتخبون مدى الحياة في الديمقراطيات المعاصرة، وكذا إلى قاعدة أن محاسبة الحكام ومساءلتهم تقتضي أن يتم الاحتكام إلى الناخبين بشكل دوري ومنتظم بغرض الوقوف على آرائهم في شأن السياسيين المنتخبين للمناصب السياسية والبرامج والسياسات المختلفة. ويعني ما تقدم أن الحكام في الديمقراطيات المعاصرة لا يمتلكون الحق في تأجيل أو إلغاء انتخابات محددة سلفاً، كما أنه لا يمكن لهم مد فترة تقلدهم المناصب السياسية.[58] إن بعض الحكام في دول العالم الثالث يحاولون التلاعب بالقيود الدستورية التي تقيد عدد مرات الترشح لمنصب رئيس الدولة، الأمر الذي يتناقض كلية مع مبدأ دورية الانتخابات، وذلك كما حدث في مصر وتونس ولبنان، وكما فعل حكام بوركينا فاسو وساحل العاج والغابون أوزباكستان وتركمنستان.[59]

 

  1. ضمانات أخرى:ولكي توصف الانتخابات الديمقراطية بالنزاهة لابد أن تتسم بمجموعة أخرى من المعايير، لعل أبرزها ضمان سرية الاقتراع، وضمان حرية الاقتراع يوم الانتخابات لجميع الناخبين بلا أدنى تمييز، وضمان حق المتنافسين في الإشراف على سير الانتخابات في دوائرهم من خلال مندوبيهم، وضمان حماية الدوائر الانتخابية من أي تدخل من أي جهة أو هيئة ما بغرض التأثير على الناخبين لصالح مرشح معين، وضمان أمن الدوائر الانتخابية ضد أية عمليات عنف قد تستهدف تخريب العملية الانتخابية أو تعطيلها أو التأثير عليها. كما تتسم الانتخابات الديمقراطية بشفافية ونزاهة عملية فرز الأصوات وإظهار النتائج وإعلانها، وإعطاء مهلة مناسبة لتلقي الشكاوى والطعون – الذي غالباً ما تقوم به اللجنة المشرفة على الانتخابات أو المحاكم وذلك حسب النظام الانتخابي المعمول به في كل دولة.[60]

 

(جدول رقم 3)

 

1.      هل يضمن القانون حق الاقتراع العام دون تمييز على أساس عرقي أو لغوي أو ديني أو مذهبي أو جهوي أو قبلي أو عشائري؟

2.      هل هناك ضمانات للحيلولة دون استثناء فئات معينة من حق الاقتراع العام أو تمتع فئات معينة بأوزان تصويتية أكبر من غيرها؟ وفي حالة وجود هذه الفئات هل تم تبرير هذه الاستثناءات؟

3.      هل القانون الانتخابي يضمن قاعدة التصويت السري؟ وهل هناك وسائل مناسبة لمنع كل ما عدا ذلك حال التصويت العائلي أو رشوة الناخبين أو شراء الأصوات؟

4.      هل يتضمن النظام الانتخابي صيغة واضحة لتحويل الأصوات الانتخابية إلى مقاعد نيابية؟ وهل يضمن النظام الانتخابي أن كل مقاعد المجلس النيابي في البرلمان يتم ملؤها عن طريق انتخابات حرة ونزيهة ودورية؟

5.      هل هناك ضمانات حقيقية للحيلولة دون تعديل بند من القانون الانتخابي قبل الانتخابات من أجل تحقيق مصالح حزب على آخر أو فئة على أخرى؟

6.      هل يتعامل النظام الانتخابي بشكل عادل وشفاف مع تمثيل الفئات الضعيفة سياسياً في المجتمع كالمرأة والأقليات (إنْ وجدت)؟

7.      هل تم توزيع الدوائر الانتخابية بشكل يحقق أكبر قدر من المساواة بين الناخبين؟ وهل هناك إجماع ما من المرشحين على ذلك؟ وهل هناك ضمانات حقيقية للحيلولة دون تعديل حجم الدوائر الانتخابية من أجل تحقيق مصالح حزب أو مرشح على آخر؟

8.      هل تتم عملية تسجيل الناخبين بشكل منتظم ودوري؟ وهل التعليمات المتصلة بنظام التسجيل تُعلن بشكل منظم وواضح؟

9.      هل يضمن القانون الانتخابي استقلالية وحيادية اللجنة المشرفة على الانتخابات واستقلاليتها المالية عن الحكومة؟

10.  هل يتمتع كافة المتنافسين بإدارة حملاتهم الانتخابية بشكل حر ومتكافئ دون تدخل من السلطة التنفيذية؟

11.  هل ثمة آليات وإجراءات للتعامل مع أية خلافات أو شكاوى خلال فترة الحملات الانتخابية؟

12.  هل ثمة آليات للتأكد من أن وسائل الإعلام الحكومية لا تُخصص وقتاً أكبر في مساحاتها الإخبارية للحزب الحاكم أو الفئة الحاكمة؟

13.  هل تمثل الحدود القصوى للإنفاق على الحملات الانتخابية حدوداً معقولة؟ وهل بالقانون الانتخابي آليات لمعاقبة من يتجاوز هذه الحدود؟

14.  هل يوفر القانون الانتخابي آليات لتمكين المواطنين من الاطلاع على التقارير المتصلة بالإنفاق في الحملات الانتخابية؟

15.  هل يوفر القانون الانتخابي آليات لتأمين صناديق الاقتراع وأدوات التصويت قبل وأثناء وبعد الانتخابات والحيلولة دون تفشي العنف وقت الانتخابات؟

16.  هل يوفر القانون الانتخابي الآليات التي من خلالها يمكن للمواطنين المقيمين بالخارج وذوي الاحتياجات الخاصة التصويت في الانتخابات؟

17.  هل بالقانون ما يضمن حياد رجال الشرطة وعدم تدخلهم في الانتخابات واللجان إلا للإدلاء بأصواتهم أو بتصريح من المشرفين على اللجان؟

18.  هل هناك آليات حقيقية لضمان فرز الأصوات ورصدها بنزاهة وشفافية؟ وهل ثمة آلية واضحة ومحددة لإعادة فرز الأصوات إذا تطلب الأمر؟

19.  هل يضمن القانون قيام مندوبي المرشحين المتنافسين بمراقبة الانتخابات والإشراف على عملية فرز الأصوات والإعلان عن النتائج؟ وهل ثمة آليات بالقانون للتأكد من عدم تجاوز مندوبي المرشحين لأدوارهم بعد انقضاء فترة الحملات الانتخابية، أو داخل اللجان أثناء الانتخابات بغرض الترويج لمرشحهم؟

20.  هل يسمح القانون لمراقبين معتمدين (محليين أو دوليين) بمراقبة والإشراف على الانتخابات؟ وهل يحدد القانون المتطلبات التي يجب أن تتوفر في الأشخاص حتى يمارسوا دور المراقبين المعتمدين؟ وهل ثمة مطالب قانونية صارمة تحول دون عمل الملاحظين الدوليين أو المحليين أو تعرقل أعمالهم؟

21.  هل يسمح القانون لممثلي الجمعيات الأهلية ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني القيام بالإشراف على الانتخابات؟

22.  هل يوفر القانون لمندوبي المرشحين والأحزاب معايير محددة للأداء "code of conduct" خاص بيوم الانتخابات داخل اللجان وأثناء فرز الأصوات والإعلان عن النتائج؟

23.  هل القانون يضمن حق الناخبين والمرشحين في الاستئناف ضد قرار من قرارات اللجنة المشرفة على الانتخابات أمام المحاكم؟ وهل هناك فترة زمنية محددة للتقدم بالاستئناف وللنظر في الاستئناف واتخاذ قرار في شأنه؟

 

 

قائمة مراجعة لمعايير نزاهة انتخابات الديمقراطية

 

ملاحظات ختامية:

استناداً إلى ما تقدم، فإنه يمكن الانتهاء إلى الملاحظتين الرئيسيتين التاليتين:

أولاً – إن مجرد إجراء انتخابات في بلد ما لا يعني أن نظام الحكم في ذلك البلد قد خرج من مصاف الدول التسلطية أو الشمولية، وأصبح ديمقراطياً. فالانتخابات التي يوصف نظام الحكم المقترن بها بالديمقراطية لابد أولاً أن تستند إلى دستور ديمقراطي يضع المبادئ الرئيسية للديمقراطية موضع التطبيق الحقيقي، ولابد ثانياً أن تتسم بسمات ثلاث هي"الفعّالية" و"الحرية" و"النزاهة". وهذا ما يُجمله التعريف التالي الذي نقدمه لمفهوم "الانتخابات الديمقراطية".

الانتخابات الديمقراطية هي عملية اختيارٍ من بين بدائل متعددة، تتسم بأنها:

  1. فعّالة: لأنها تستهدف التعبير عن مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة، وانتخاب الحكام وتسوية الصراع على السلطة بطرق سلمية، وتوفير الشرعية الشعبية للحكام وآلية التداول على المناصب السياسية العليا ومحاسبة الحكام، ولأنها تمثل مصدراً لتوعية وتثقيف المواطنين وتجنيد السياسيين والقادة،
  2. حرة: لأنها تستند إلى مبدأي حكم القانون والتنافسية وتحترم حريات وحقوق المواطنين الرئيسية،
  3. ونزيهة: لأنها تُجرى بشكل دوري وتقوم على نظام انتخابي عادل وفعّال وتستند إلى حق الاقتراع العام ويلتزم القائمون عليها بالحياد السياسي والحزبي في إدارتها وبالشفافية في تسجيل الناخبين وفي فرز الأصوات وإعلان النتائج.

 أما ما عدا ذلك من انتخابات، فلها وظائف أخرى كإضفاء شرعية شعبية زائفة، أو تعبئة الجماهير وراء الحكام وصرف أنظارهم عن الإصلاحات السياسية الحقيقية، أو التخفيف من حدة ضغوط المعارضين المنادين بالإصلاح في الداخل، وضغوط المطالبين باحترام حقوق الإنسان في الداخل والخارج. كما أنها لا تتم بشكل دوري ومنتظم، ولا تتسم عملية إدارتها وإعلان نتائجها بالحياد والشفافية. هذا فضلاً عن أن الانتخابات غير الديمقراطية لا تحترم القانون ولا تُمكن أغلبية الناخبين من منافسة الذين هم في الحكم ناهيك عن إمكانية تقلدهم الحكم، وذلك بغض النظر عن وجود قوانين تنص على حرية التصويت من ناحية، وعن وجود برامج وبدائل متعددة أو مرشحين متعددين وقت الانتخابات من ناحية أخرى. فالعبرة ليست بالنصوص أو النوايا وإنما بالتطبيق الفعلي لتلك النصوص وللنتائج الفعلية للانتخابات.

 

ثانياً- إن مقارنة الديمقراطيات النيابية الغربية بالديمقراطيات الناشئة أو بالنظم التي تسعى نحو الديمقراطية استناداً إلى معيار إجراء الانتخابات فقط يتناقض تماماً مع الاعتبارات المتصلة باختلاف واقع تلك المجتمعات عن بعضها البعض من جهة، ويتعارض مع مقتضيات المقارنة التي هي أحد أساليب البحث العلمي من جهة أخرى. وذلك في ضوء الاعتبارات التالية:

  1. للانتخابات متطلبات هي في جوهرها المبادئ الرئيسية للدساتير الديمقراطية ومجموعة الإجراءات والقواعد والمؤسسات التي توضع بغرض تطبيق تلك المبادئ. وهذا يعني أن ثمة اختلافات عدة بين المجتمعات الديمقراطية والمجتمعات غير الديمقراطية، وذلك فيما يتصل بحكم القانون ودولة المؤسسات والحكم المقيد، بل وفي مستوى الوعي والثقافة ومستويات الدخول، وغير ذلك. وهذا ما جعل الكثير من الباحثين يركزون على أهمية إنجاز تلك المتطلبات قبل إجراء الانتخابات.[61]
  2. وارتباطاً بما سبق، يمكن القول أن الانتخابات الحرة والنزيهة والفعّالة ليست غايةً في حد ذاتها. وإنما هي وسيلة إلى غاية أعلى منها، تتمثل في المقاصد العليا للانتخابات. فعلى الرغم من إجراء انتخابات كل ست سنوات لاختيار الرئيس في المكسيك من العشرينيات حتى التسعينيات من القرن الماضي، إلا أن سيطرة الحزب الواحد على مقدرات الأمور وغياب دولة المؤسسات الديمقراطية جَعَلَ من تلك الانتخابات مجرد آليات للتصديق على رغبات ورؤى الحزب الحاكم. كما أن إجراء انتخابات شبه دورية في مصر في العقود الثلاثة الأخيرة لم تستهدف مقصداً واحداً من المقاصد السابق تناولها في هذه الورقة.
  3. إنه من غير الممكن إجراء مقارنات بين دول لا تشترك في حد أدنى من السمات العامة المشتركة. إن الاستناد إلى التحليل الشكلي القانوني فقط لا يمكن أن يكشف عن أوجه الاختلاف بين تلك الدول، فالكثير من دول العالم الثالث تتبني – من الناحية الشكلية – دساتير منقولة عن الدول الديمقراطية، لكن دون أن تعمل على تطبيقها في الواقع الفعلي. ولذا، تظل القوة السياسية حكراً على حزب ما أو طبقة معينة أو أسرة مالكة، وتبقى الجماهير بعيدة تماماً عن أن تُقرر مَنْ يحكمها، وتغيب دولة المؤسسات في كافة مجالات الحياة، وتضع السلطة قيوداً قانونية وفعلية أمام جُل حريات الأفراد وحقوقهم. وفي المقابل يُعد التحليل القائم على النظر إلى الممارسات الفعلية للحكومات، وحقيقة العلاقة بين الحكام والجماهير، وكذا البناء الاجتماعي والتجربة التاريخية والعوامل الاقتصادية والثقافية، يُعد مدخلاً ضرورياً لدراسة وتحليل الأوضاع السياسية في تلك البلدان، ولفهم لجوء الكثير من الحكام إلى آلية الانتخابات بغرض تحقيق غايات وأهداف هي أبعد ما تكون عن مقاصد الانتخابات الديمقراطية الحقة.


 

قائمة بأهم المراجع

 

الأنصاري، محمد جابر. "الديمقراطية ومعوقات التكوين السياسي العربي"، مجلة المستقبل العربي، العدد مائتان وثلاثة، كانون الأول/ يناير، 1996.

البشري، طارق. في المسألة الإسلامية المعاصرة: الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر (القاهرة: دار الشروق، 1996).

............... الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي (القاهرة: دار الشروق 1996).

............... ماهية المعاصرة (القاهرة: دار الشروق 1996).

العوا، محمد سليم. في النظام السياسي للدولة الإسلامية (القاهرة: دار الشروق، 1989).

الكواري، علي خليفة. الخليج العربي والديمقراطية: نحو رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية/ 2002).

.................... "ما العمل... من أجل المستقبل؟"، المستقبل العربي، العدد مائة وخمسة وتسعون، أيار/مايو 1995.

بدوي ، محمد طه. النظرية السياسية: النظرية العامة للمعرفة السياسية (الإسكندرية: المكتب المصري الحديث، 1986).

حللي، عبد الرحمن. "تصورات المسألة السياسية في الفكر الإسلامي المعاصر"، جريدة الحياة، لندن، 12 مارس 2005.

رينولدز، أندرو وريلي. دليل المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات حول أشكال النظم الانتخابية(استكهولم: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، 2002).

عبد الله، ثناء فؤاد. "خصوصية طرح الديمقراطية في الواقع العربي"، "، مجلة المستقبل العربي، العدد مائة وسبعة وثمانون، أيلول/ سبتمبر 1994.

غباش، محمد عبيد. "الدولة الخليجية: سلطة أكثر من مطلقة- مجتمع أقل من عاجز"، مجلة المستقبل العربي، العدد ثلاثمائة وخمسة عشر، أيار/ مايو 2005. 

غليون، برهان. "منهج دراسة مستقبل الديمقراطية في البلدان العربية: مقدمة نظرية"، مجلة المستقبل العربي، العدد مائتان وثلاثة عشر، تشرين الثاني/ نوفمبر 1996.

ليلة، محمد كامل. النظم السياسية: الدولة والحكومة (القاهرة: دار الفكر العربي، 1971).

مالكي، أمحمد. الدستور الديمقراطي والدساتير في الدول العربية: نحو إصلاح دستوري (مشروع دراسات الديمقراطية، اللقاء السنوي الخامس عشر، أكسفورد،27/8/2005)، متاحة على شبكة  الإنترنت<http://www.arabrenewal.com/index.php?rd=AI&AI0=9926> 14 يوليو 2006.

متولي، عبد الحميد. نظرات في أنظمة الحكم في الدول النامية وبوجه خاص في مصر مع المقارنة بأنظمة الديمقراطيات الغربية (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1985).

متولي، عبد الحميد (وآخرون)، القانون الدستوري والنظم السياسية (الإسكندرية: منشأة المعارف، بدون تاريخ).

مركز حقوق الإنسان والانتخابات، حقوق الإنسان والانتخابات، عدد رقم (2) من سلسلة التدريب المهني (نيويورك وجنيف: الأمم المتحدة، 1994).

 

Barkan, Joel D. "Elections in Developing Countries." In International Encyclopedia of Elections, ed.  Richard Rose. Washington, D.C.: CQ Press, a division of Congressional Quarterly Inc, 2000.

Boneo, Horacio. "Observing of Elections." In International Encyclopedia of Elections, ed.  Richard Rose. Washington, D.C.: CQ Press, a division of Congressional Quarterly Inc, 2000.

Butler, David. "Electrons Campaign." In The Encyclopedia of Democracy, ed. S.M. Lipset. Washington D.C.: Congressional Quarterly Press, 1995.

………………. "Electoral Systems." In David Butler, Howard R. Penniman and Austin Ranney, eds. Democracy at the Polls: A Comparative Study of Competitive National Elections. Washington and London: American Enterprise Institute for Public Policy Research, 1981.

Butler, David, Howard R Penniman, and Austin Ranney. "Introduction: Democratic and Nondemocratic Elections." In Democracy at the Polls: A Comparative Study of Competitive National Elections, edsDavid Butler, Howard R. Penniman and Austin Ranney. Washington and London: American Enterprise Institute for Public Policy Research, 1981.

Code of Conduct for the Ethical and Professional Administration of Elections. Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance1997.

Code of conduct for the Ethical and Professional Observation of Elections. Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance1997.

Crewe, Ivor, and David Denver. eds. Electoral Change in Western Democracies: Patterns and Sources of Electoral Volatility. New York: St. Martin's Press.Czudnowski, Moshe M, 1985.

Dahl, Robert A. "Democracy and Human Rights under Different Conditions of Development." in Asbjorn Eide and Bernt Hagtvet, eds., Human Rights in Perspective. Oxford: Blackwell. 1992.

………………… . Dilemmas of Pluralist Democracy: Autonomy Vs. Control. New Heaven: Yale University Press, 1982.

…………………. . Polyarchy: Participation and Opposition. New Haven: Yale University Press, 1972.

Diamond, Larry. Thinking About Hybrid Regimes. Journal of Democracy 13.2 (2002) 21-35.

………………….  “Institutions of Accountability,” Hoover Digest, No.3 (1999), (Feb. 26, 2004), <http://www-hoover.stanford.edu/publications/digest/993/diamond.html>

Geisler, G. "Fair? What has fairness got to do with it? Vagaries of election observations and democratic standards", The Journal of Modern African Studies, 31 (4), 1993.

Goodin, Robert E. "Accountability, Elections as One form of." In International Encyclopedia of Elections,ed.  Richard Rose. Washington, D.C.: CQ Press, a division of Congressional Quarterly Inc, 2000.

Greenberg, Douglas. et al. Constitutionalism and Democracy: Transitions in the Contemporary World. New York: Oxford University Press, 1993.

Hague, Rod and Martin Harrop. Political Science: A Comparative Introduction, 3rd ed. New York: Palgrave, Macmillan, 2001.

Hermet, Guy. "Unfree Elections." In International Encyclopedia of Elections, ed.  Richard Rose.Washington, D.C.: CQ Press, a division of Congressional Quarterly Inc, 2000.

……………. . "State-Controlled Elections: A Framework." In Guy Hermet and Richard Rose; Alain Rouquié. Elections without Choice. London: Macmillan Press, 1978.

Heywood, Andrew. Politics. 2nd ed. New York: Palgrave MacMillan, 2002.

Horowitz, Donald L"Democracy in Divided Societies," Journal of Democracy, Vol. 4, no. 4 (October 1993): 18-38.

Huntington, Samuel P. The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century. Norman: University of Oklahoma Press, 1991.

International Electoral Standards: Guidelines for reviewing the legal framework of elections.  Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance, 2005.

Jørgen Elklit, "Free and Fair Elections." In International Encyclopedia of Elections, ed.  Richard Rose. Washington, D.C.: CQ Press, a division of Congressional Quarterly Inc, 2000.

Karl, Terry Lynn. “Dilemmas of Democratization,” Comparative Politics, Vol. 23, No. 12 (1999): 143-164.

Katz, Richard S. "Functions of Elections." In International Encyclopedia of Elections, ed.  Richard Rose. Washington, D.C.: CQ Press, a division of Congressional Quarterly Inc, 2000.

King, Anthony "What Do Elections Decide?" In Democracy at the Polls: A Comparative Study of Competitive National Elections, eds. Butler, David, Howard Penniman and Austin Ranney. Washington DC: American Enterprise Institute, 1981.

Krennerich, Michael "Competitiveness of Elections." In International Encyclopedia of Elections, ed.  Richard Rose. Washington, D.C.: CQ Press, a division of Congressional Quarterly Inc, 2000.

Levitsky, Steven and Lucan A. Way. The Rise of Competitive AuthoritarianismJournal of Democracy 13.2 (2002) 51-65.  

Lijphart Arend. "Electoral Systems." In Encyclopedia of Democracy, ed. Seymour Martin Lipset. Washington, D.C.: Congressional Quarterly Books, 1995.

……………… . "Constitutional Choices for New Democracies," Journal of Democracy, Vol. 2, no. 1 (Winter 1991): 72-84.

Lindberg, Staffan I. "The Democratic Qualities of Competitive Elections: Participation, Competition and Legitimacy in Africa," Commonwealth & Comparative Politics, March, 2004, 61-105.

Linz, Juan J. and Alfred Stepan. Problems of Democratic Transition and Consolidation. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1996.

Lust-Okar, Ellen "Divided They Rule: The Management and Manipulation of Political Opposition," Comparative Politics, January: 159-179.

Mackie, Tom. "Citizenship and the Right to Vote." In International Encyclopedia of Elections, ed.  Richard Rose. Washington, D.C.: CQ Press, a division of Congressional Quarterly Inc, 2000.

Maley, Michael. "Administration of Elections." In International Encyclopedia of Elections, ed.  Richard Rose. Washington, D.C.: CQ Press, a division of Congressional Quarterly Inc, 2000.

Maranto, Robert "Elections." In Survey of Social Science: Government and Politics Series, Volume 2, Pasadena, California: Salem Press, 1995.

Massicotte, Louis and André Blais. "Constitution and Elections." In International Encyclopedia of Elections, ed.  Richard Rose. Washington, D.C.: CQ Press, a division of Congressional Quarterly Inc, 2000.

McHenry, Dean, Jr. and Abdel-Fattah Mady. “A Critique of Quantitative Measures of the Degree of Democracy in Israel,” Democratization, Vol. 13, No. 2 (April 2006): 256-282. 

McHenry, Dean, Jr. Quantitative Measures of Democracy in Africa: An Assessment," Democratization, Vol. 7, No. 2 (Summer 2000): 168-185.

Murphy, Walter. "Constitutions, Constitutionalism, and Democracy." In Constitutionalism and Democracy: Transitionin the Contemporary World, ed. Douglas Greenberg [et al.]. New York: Oxford University Press, 1993.

Pastor, Robert A. "Indirect Election." In The Encyclopedia of Democracy, ed. S.M. Lipset. Washington D.C.: Congressional Quarterly Press. 1995.

Ranney, Austin Governing: An Introduction to Political Science, 7th Ed. New Jersey: Prentice-Hall International, INC., 1996.

Reynolds, Andrew and Ben Reilly. The International IDEA Handbook of Electoral System Design. Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance1997.

Rose, Richard "Choice, Elections as A Method of." In International Encyclopedia of Elections, ed.  Richard Rose. Washington, D.C.: CQ Press, a division of Congressional Quarterly Inc, 2000.

…………….. . "Is Choice Enough? Elections and Political Authority." In Guy, Hermet; Rose, Richard; Rouquié, Alain, ed. Elections without Choice. London: Macmillan Press, 1978.

Rouquié, Alain "Clientelist Control and Authoritarian Contexts." In Guy, Hermet; Rose, Richard; Rouquié, Alain, ed. Elections without Choice. London: Macmillan Press, 1978.

Sartori, Giovanni. Comparative Constitutional Engineering: An Inquiry Into Structures, Incentives, and Outcomes. New York: Columbia University Press, 1994.

Schedler, Andreas. The Menu of Manipulation. Journal of Democracy 13.2 (2002) 36-50.

The State of Democracy: Democracy Assessments in Eight Nations around the World. Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance2003.

Zakaria, Fareed.  The Future of Freedom: Illiberal Democracy at Home and AbroadNew York: W.W. Norton, 2003.

 

 

  • دراسة مقدمة إلى مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية: "الديمقراطية والانتخابات في البلاد العربية"، أكسفورد، أغسطس 2006.

[1] Richard Rose, ed. International Encyclopedia of Elections (Washington, D.C.: CQ Press, a division of Congressional Quarterly Inc. 2000), XIX.

[2]  وذلك حسب تقارير المنظمة الأمريكية المعروفة باسم بيت الحرية "Freedom House"، الصادرة عام 2006، والمتوفرة على شبكة المعلومات الدولية (www.freedomhouse.org). انظر في شأن هذه المنظمة هامش رقم (32) من هذه الورقة.   

[3]  انظر في شأن التفرقة بين الانتقال الديمقراطي والتحول الديمقراطي: علي خليفة الكواري، الخليج العربي والديمقراطية: نحو رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية/ 2002)، 23-28. وانظر في شأن تعثر الديمقراطية في العالم العربي: برهان غليون، "منهج دراسة مستقبل الديمقراطية في البلدان العربية: مقدمة نظرية"، المستقبل العربي، العدد مائتان وثلاثة عشر، تشرين الثاني/ نوفمبر 1996، 37-42، ثناء فؤاد عبد الله، "خصوصية طرح الديمقراطية في الواقع العربي"، "، المستقبل العربي، العدد مائة وسبعة وثمانون، أيلول/ سبتمبر 1994، 4-27.

[4]  انظر:

Juan J. Linz and Alfred Stepan, Problems of Democratic Transition and Consolidation (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1996), p. 12-21 & 44, Larry Diamond, Thinking About Hybrid Regimes, Journal of Democracy 13.2 (2002) 21-35, Andreas Schedler, The Menu of ManipulationJournal of Democracy 13.2 (2002) 36-50, and Steven Levitsky and Lucan A. Way, "The Rise of Competitive Authoritarianism," Journal of Democracy 13.2 (2002) 51-65.

[5] Joseph Schumpeter, Capitalism, Socialism, and Democracy (New York, Harper, 1950), 259.

  [6]انظر:

See: Robert Dahl, "Democracy and Human Rights under Different Conditions of Development." in Asbjorn Eide and Bernt Hagtvet, eds., Human Rights in Perspective. (Oxford: Blackwell), 246.

[7]   انظر:

Robert A. Dahl, Polyarchy: Participation and Opposition. (New Haven: Yale University Press, 1971).

[8]  انظر:

David Butler, Howard R. Penniman and Austin Ranney, eds. Democracy at the Polls: A Comparative Study of Competitive National Elections (Washington and London: American Enterprise Institute for Public Policy Research, 1981), 2-3.

وتجدر الإشارة إلى إن هناك من يعرف الانتخابات بالنظر إلى وظائفها. ومن هؤلاء أندرو هيوود الذي يرى أن للانتخابات وظائف عدة، منها:  تجنيد السياسيين، واختيار الحكام والنواب، وتعليم الناخبين، وتوفير الشرعية للحكومات، وغير ذلك. أنظر:

Andrew Heywood, Politics (New York: Palgrave MacMillan, 2nd ed. 2002), 229-231.

[9]  انظر في هذا الشأن:

Jørgen Elklit, "Free and Fair Elections," in Rose, International Encyclopedia of Elections, 130-134. Austin Ranney, Governing: An Introduction to Political Science, 7th Ed. (New Jersey: Prentice-Hall International, INC., 1996)159-160, Rod Hague and Martin Harrop, 129-130, Staffan Lindberg, “The Democratic Qualities of Competitive Elections: Participation, Competition and Legitimacy in Africa”, Commonwealth and Comparative Politics 41(3) (November 2003), 61–64.

[10]  تجدر الإشارة إلى أننا سنقوم بإضافة ثلاثة جداول توضيحية للموضوعات الرئيسية التي تتضمنها هذه الورقة (معايير الانتخابات الديمقراطية) تتضمن قوائم مُراجعة "checklists"، وذلك من أجل تيسير التعرف على مدى توفر أبرز مضامين تلك المعايير في نظام ما. وقد استندنا في ذلك إلى مضامين الموضوعات التي عرضت لها هذه الورقة من ناحية، وكذا إلى المعايير الدولية ذات الصلة بالانتخابات الديمقراطية في الأدبيات المختلفة من ناحية أخرى. ولعل أبرز تلك الأدبيات التي اعتمدت عليها تلك القوائم المرجع التالي:

International Electoral Standards: Guidelines for Reviewing the Legal Framework of Elections(Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance International, IDEA, 2002).

[11]  انظر في شأن مفهوم "الدستور الديمقراطي": علي خليفة الكواري، "ما العمل... من أجل المستقبل؟"، المستقبل العربي، العدد مائة وخمسة وتسعون، أيار/مايو 1995، 60-61، وكذا: أمحمد مالكي، الدستور الديمقراطي والدساتير في الدول العربية: نحو إصلاح دستوري (مشروع دراسات الديمقراطية، اللقاء السنوي الخامس عشر، أكسفورد، 27/8/2005)، متاحة على شبكة الإنترنت <http://www.arabrenewal.com/index.php?rd=AI&AI0=9926> 14 يوليو 2006.  

[12]  تجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس من المتصور في العالم العربي أن يتعارض مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة مع القيم الأساسية والمبادئ العليا للشريعة الإسلامية والقيم والعادات المحلية، التي قد تشكل المرجعية العليا لنظم الحكم هناك، وبضمانات مشابهه كأن تؤسس الدساتير على تلك القيم العليا والمبادئ الرئيسية وثوابت المجتمع، ويوضع نظام مراجعة قضائية فعّال يقف حائلاً دون تسلط فئة أو جماعة معينة. انظر في هذا الشأن: عبدالفتاح ماضي، "كيف تكون الشريعة الإسلامية مرجعية لحزب سياسي معاصر؟"، مركز دراسات الظاهرة الإسلامية، 1 مارس 2006، متاحة على شبكة الإنترنت <http://www.islamismscope.com/index.php?art/id:100>

[13]  من الأدبيات التي تتناول مقاصد الانتخابات الديمقراطية، أو ما يسميه البعض وظائف أو أهداف الانتخابات، والتي رجعنا إليها في هذا الجزء ما يلي:

Richard S. Katz, "Functions of Elections," in Rose, International Encyclopedia of Elections, 135-141, David Butler, Howard R. Penniman and Austin Ranney, "Introduction: Democratic and Nondemocratic Elections,." in David Butler, Howard R. Penniman and Austin Ranney, eds. Democracy at the Polls, 3, Richard Rose, "Choice, Elections as A Method of," in Rose, International Encyclopedia of Elections, 36-38, Robert E. Goodin, "Accountability, Elections as One form of." in Rose, International Encyclopedia of Elections, Anthony King, "What Do Elections Decide?" in Butler, David, Howard Penniman and Austin Ranney, 293-324.

[14] Rouquié, 24-35.

[15]  تجدر الإشارة إلى أن ممارسة الحق التصويتي في انتخابات حرة ونزيهة امتد في معظم دول الغرب المعاصر إلى الكثير من الهيئات والمؤسسات غير السياسية حال مؤسسات الأعمال والأندية الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني، وغير ذلك. ففي الولايات المتحدة وحدها ثمة أكثر من نصف مليون مسؤول يتم اختيارهم عن طريق الانتخابات. انظر:

Rod Hague and Martin Harrop, Political Science: A Comparative Introduction, 3rd ed. (New York: Palgrave, Macmillan, 2001), 131.

[16] Rose, "Choice, Elections as A Method of," 37.

وترتبط هذه الرؤية بالنظريات التقليدية للتمثيل "representation" كما قدمها إدموند بيرك، عضو البرلمان الإنجليزي في نهاية القرن الثامن عشر. وهذه النظريات تقوم على أن التمثيل ليس مجرد تجميع لتفضيلات فردية، ولكنه عملية تفويض كاملة لانتخاب أعضاء البرلمان. انظر:

Fareed Zakaria, The Future of Freedom: Illiberal Democracy at Home and Abroad (New York: W.W. Norton, 2003), 168.

[17]  انظر: مناقشات اللقاء الثالث عشر لمشروع دراسات الديمقراطية في: علي خليفة الكواري (محرر)، الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004)، ( مداخلة عبدالملك المخلافي، ص 280).

[18]  Samuel P. Huntington, The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth
Century
 (Norman, University of Oklahoma Press, 1991), 5-15.

[19] Alain Rouquié, "Clientelist Control and Authoritarian Contexts," in Guy Hermet; Richard Rose; Alain Rouquié, Elections without Choice, 21.

[20]  أنظر في  شأن مفهوم "الشرعية": محمد طه بدوي ، النظرية السياسية : النظرية العامة للمعرفة السياسية(الإسكندرية : المكتب المصري الحديث ، 1986)، 102-110.

[21] Samuel P. Huntington, The Third Wave, 48.    

[22] Guy Hermet, "State-Controlled Elections: A Framework." In Guy Hermet; Richard Rose; Alain Rouquié, Elections without Choice (London: Macmillan Press, 1978) 16.

[23]  انظر في هذا الشأن:

Robert E. Goodin, "Accountability, Elections as One form of." in Rose, International Encyclopedia of Elections, 2-3.

[24] Ibid.

وبالطبع فإن هذا النوع من المساءلة يُعد، في جوهره، نوعاً من ممارسة آلية الثواب والعقاب، وليس وسيلة لتقويم الوعود الانتخابية أو البرامج السياسية التي يُعلنها المتنافسون لفترة ثانية. وهذا أمر قد تكتنفه بعض الصعاب، إذ أنه يفترض أن الناخبين لديهم القدرة على تذكر كل ما قام به كل مسؤول، وأن مستقبل كل سياسي سيكون مطابقاً لماضيه. انظر المرجع السابق، 3.

[25] Goodin, 4.

وبالإضافة إلى الانتخابات، هناك - بالطبع - مجموعة أخرى من الآليات التي طوّرتها أنظمة الحكم الديمقراطي النيابي من أجل مساءلة الحكام والمسؤولين ومحاسبتهم عن أعمالهم أثناء وبعد انقضاء فترة خدمتهم في المناصب العامة، حال المساءلة القضائية والإدارية وآليات تبادل التأثير والتأثر بين سلطتي التنفيذ والتشريع.

[26]  مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ( 1948)، والعهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية (1966)، اتفاقية الحقوق السياسية للمرأة (1952)، إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة (1960).

[27] مثل الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981)، الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان (1969)، وميثاق باريس لأوروبا الجديدة (1991). انظر في شأن هذه الوثائق والاتفاقات: مركز حقوق الإنسان والانتخابات، حقوق الإنسان والانتخابات، عدد رقم (2) من سلسلة التدريب المهني (نيويورك وجنيف: الأمم المتحدة، 1994)، وكذا:

International Electoral Standards: Guidelines for Reviewing the Legal Framework of Elections, 2002), 95-108.

[28] Elklit, 130.

[29]  انظر لمزيد من التفاصيل حول هذا المبدأ:Murphy, 3-7                                                           .

وقد كان كلٌ من صموئيل روثرفورد في كتابه "القانون والأمير- lex, rex, or the law & the prince" الصادر عام 1644، ومونيسكيو في كتابه "روح القوانين- the sprit of the laws" الصادر عام 1748 من أوائل الذين تحدثوا عن هذا المبدأ في الغرب في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادي على التوالي، وذلك بعد أن طُبق ذات المبدأ في الإسلام في القرن السابع الميلادي.

[30] Rose, XIX.

[31] Dean McHenry, Jr. "Quantitative Measures of Democracy in Africa: An Assessment," Democratization, Vol. 7, No. 2 (Summer 2000), 174-176.

 [32] تجدر الإشارة إلى أن تقارير منظمة "بيت الحرية" تتعرض للكثير من النقد، وذلك بسبب المنهج المتبع في احتساب المؤشرات التي يرى واضعوها أنها تقيس "الحقوق السياسية" و"الحريات المدنية" وتعكس، بالتالي، درجة تمتع الدولة بالحرية والديمقراطية. فعلي سبيل المثال، دأب واضعو تقارير هذه المنظمة على وصف جنوب أفريقيا – إبان نظام الفصل العنصري - بأنها "حرة" أو "حرة جزئيا"، كما تُوصف "إسرائيل" بأنها "حرة" على الدوام منذ نشأة تلك المنظمة، وذلك على الرغم من القوانين والممارسات العنصرية التي يخضع لها أفراد الأقليات غير اليهودية في الداخل وفي المناطق الفلسطينية المحتلة. انظر لمزيد من التفاصيل في شأن نقد المؤشرات الدولية الكمية التي تصف إسرائيل بالديمقراطية:

Dean McHenry, Jr. and Abdel-Fattah Mady “A Critique of Quantitative Measures of the Degree of Democracy in Israel,”Democratization, Vol. 13, No. 2 (April 2006).

[33] Hermet, "Unfree Elections," 324.

[34] Ibid.  

[35] Ibid.   

[36]  Michael Krennerich, "Competitiveness of Elections." in Rose, International Encyclopedia of Elections,43. 

[37] Richard Rose, "Choice, Elections as A Method of," 37, and Krennerich, 43-44.

[38] Hermet, 324.  

[39] Hermet, "State-Controlled Elections," 3.

[40] Rouquié, 21.

[41] Hermet, "State-Controlled Elections," 3.

[42] International Electoral Standards: Guidelines for reviewing the legal framework of elections (International IDEA, Stockholm, Sweden, 2002), 61-64.

[43] Dahl, "Democracy and Human Rights.., 246.

[44]  Elklit, 131.

[45]  International Electoral Standards: Guidelines for Reviewing the Legal Framework of Elections, 33-35.

[46]  وقد استغرق التوسع في حق الاقتراع والوصول إلى قاعدة أن لكل شخص صوت واحد نحو قرن من الزمان، انظر:

Robert Maranto, "Elections," in Survey of Social Science: Government and Politics, Volume 2, (Pasadena, California: Salem Press, 1995), 279.

[47]  ولا يعني حق الاقتراع العام حق كل مواطني الدولة في الاقتراع، إذ أن هناك فئات مُستثناه من هذا الحق دون أن ينتقص هذا من ديمقراطية النظام السياسي أو نزاهة الانتخابات وهذه الفئات تضم الأطفال دون 18 عاماً، المرضى عقلياً ونزلاء المصحات العقلية، السجناء، وغير المواطنين أو الأجانب، وغير المسجلين في الجداول الانتخابية. وتستثنى بعض الدول رجال الشرطة والجيش والقضاء كما هي الحال في مصر. وثمة من يجادل في عدم ديمقراطية بعض هذه الاستثناءات، ويرون  أن ليس ثمة مبررات لاستثناء غير المواطنين المقيمين والمسجونين. أنظر:  

Ranney, Governing, 160-161.

[48] International Electoral Standards: Guidelines for Reviewing the Legal Framework of Elections, 45-48.

[49] Michael Maley, "Administration of Elections," in Rose, International Encyclopedia of Elections, 7.

[50] Maley, 8.                                                                    

[51] Ibid.

[52] Ibid., 7.

[53] Ibid, 8.

[54]  انظر:

David M. Farrell, Electoral Systems: A Comparative Introduction (London: Palgrave, 2001), Lijphart [et al.], Electoral Systems and Party Systems, 1, Donald L. Horowitz, “Electoral Systems: A Primer for Decision Makers," Journal of Democracy 14.4 (Oct. 2003) 115-120, Arend Lijphart "Electoral Systems," in Seymour Martin Lipset, ed. The Encyclopedia of Democracy (Washington, D.C.: Congressional Quarterly Books, 1995), Maley, 9, Horowitz, Electoral Systems, 115-116,David Butler, "Electoral Systems." In David Butler, Howard R. Penniman and Austin Ranney, 7-25.

[55]  أندرو رينولدز وبن ريلي، دليل المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات حول أشكال النظم الانتخابية (استكهولم: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، 2002)، 37، 98-99.

[56]  المرجع السابق، 97-98.

[57]  انظر في شأن النوعين الرئيسيين للنظم الانتخابية:

أندرو رينولدز وبن ريلي، 18-39.

Farrell, 19-151, Lijphart, Patterns of Democracy, 143-162, Lijphart, Electoral Systems and Party Systems1, Butler, "Electoral Systems," 7-25, Ranney, Governing, 168-177, Josep M. Colomer, Political Institutions: Democracy and Social Choice (Oxford and New York: Oxford University Press, 2001), 66-140.

[58] Krennerich, 43.

[59] Ibid.

[60]  International Electoral Standards: Guidelines for Reviewing the Legal Framework of Elections, 407-409, Code of Conduct for the Ethical and Professional Administration of Elections (Stockholm, Sweden: International IDEA, 1997), and Code of conduct for the Ethical and Professional Observation of Elections (Stockholm, Sweden: International IDEA, 1997).

[61]   فعلي سبيل المثال يضع فريد زكريا، محرر مجلة النيوزويك الأمريكية، حكم القانون قبل إجراء الانتخابات الحرة في سلم الأولويات، كما أن للديمقراطية عند لاري دياموند متطلبات ليس من بينها الانتخابات، انظر: 

Larry Diamond, “Universal Democracy,” Policy Review, June 2003 and Larry Diamond, “Institutions of Accountability,” Hoover Digest, No.3 (1999), (Feb. 26, 2004),  <http://www-hoover.stanford.edu/publications/digest/993/diamond.html>

 

فيما يلي نص الحوار الذي أجرته جريدة المساء في عددها الصادر بتاريخ 29 و 30 يوليو 2017 مع الدكتور محمد منار على هامش ورقة "حراك 2011 و2017...الاختلاف والتشابه" :


س_ جاء في ورقتكم : "أن حركة 20 فبراير 2011 شكلت تحولا نوعيا في مظاهر الاحتجاج بالمغرب بحيث تم الانتقال من الاحتجاج التلقائي إلى الاحتجاج المنظم". كيف تم التوفيق بين المطالب الاجتماعية و المطالب السياسية في حراك 20 فبراير، بحيث أضحى من الصعب الفصل بينهما؟ و هل شكلت 2011 مرحلة جديدة على مستوى عدم الفصل بينما هو اجتماعي و ما هو سياسي؟

ج _ بكل تأكيد هناك ربط بين ما هو اجتماعي وما هو سياسي، فكل مطلب اجتماعي له أبعاد سياسية، كما أن بعض المطالب السياسية تكون لها أبعاد اجتماعية. المطالبة مثلا بالشغل تقتضي قرارات سياسية وإجراءات على مستوى السياسة العمومية، وهذه تجليات سياسية، كما أن تغيير الحكومة الذي هو مطلب سياسي قد يكون من أجل تحقيق مجموعة من الأمور الاقتصادية والاجتماعية. ففي الواقع لا يمكن الحديث عن فصل أو ربط، ولكن يمكن الحديث في كثير من الأحيان عن أولويات، ففي بعض الأحيان تكون الأولية لما هو دستوري أو سياسي، وأحيانا أخرى تكون الأولوية لما هو اجتماعي أو حقوقي أو غير ذلك. ففي حراك الريف كانت الأولوية لما هو اجتماعي وحقوقي وثقافي، في حين أنه في حركة 20 فبراير كانت الأولوية لمطالب سياسية ودستورية مع وجود مطالب اجتماعية كما سبق التوضيح في الورقة، وأظن أن الذي أسهم في ذلك هو سياق التحولات التي عرفتها بعض البلدان العربية، فالسياق كان مطبوعا بشعارات تؤكد أن مفتاح التغيير والمدخل للكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية هو إحداث تحول على مستوى الأنظمة السياسية. وهذا ما تبنته أيضا حركة 20 فبراير محققة بذلك تطورا ملحوظا على مستوى حركة الاحتجاج التي تنامت بالمغرب منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي والتي كانت فيها الأولوية والكثافة لمطالب اجتماعية محلية، وكمثال على ذلك تجربة التنسيقيات المحلية التي عرفها المغرب خلال 2007 و2008 والتي كانت أغلب مطالبها ذات طبيعة اجتماعية تتعلق بغلاء الأسعار وغلاء فواتير الماء والكهرباء. بقي أن نشير أنه كلما اكتسى الاحتجاج بعدا وطنيا، وكلما كان هناك تصلب في الاستجابة للمطالب الاجتماعية، كلما كانت إمكانية تحول أولوية الاحتجاج مما هو اجتماعي إلى ما هو سياسي. وربما يصبح حراك الريف في حالة تطوره مثالا واضحا على ذلك.

س _ ما هي أهم أسباب تعثر حركة 20 فبراير 2011 ؟

ج _ لا بد من الإشارة في البداية أن أهم ما حققته حركته 20 فبراير هو تنمية الشعور النضالي وبث الصمود والإصرار وتحدي القمع لدى المحتجين. وإذا كان قد تم الالتفاف على مستوى المطالب الكبرى للحركة، فإن ما يؤرق السلطة اليوم هو هذا الشعور النضالي المتنامي لدى مجموعة من الفئات من الشعب، والذي يزيد في الأرق أن هذا الشعور يتنامى بعيدا عن كل أشكال الوساطة والضبط، سواء السياسي أو النقابي، لذلك فإن ما يلاحظ أحيانا من ارتباك أو عناد أو تعامل مفرط في القسوة من قبل السلطة يكون من أهم أسبابه الرغبة في القضاء على ذلك الشعور النضالي المتنامي. ولعل من المهم هنا أن نثير الانتباه إلى حركة احتجاجية أخرى تزامنت مع حراك الريف، وهي احتجاجات قبيلة أولاد الشيخ، فقد دامت هذه الاحتجاجات لأسابيع أظهر من خلالها المحتجون صمودا وإصرارا بطوليا أمام الإنزالات المكثفة لقوات الأمن والقمع والاعتقال. لذلك فحركة 20فبرايرحققت شيئا مهما يصب في استمرار الحركة الاحتجاجية بصمود أكبر و وعي أرقى. أما عن أسباب تعثر الحركة فهي متنوعة ومتداخلة، منها عدم تحمل بعض القوى السياسية لمسؤوليتها كاملة في سندها ودعمها، بل من القوى السياسية من عارضت الحراك، وكانت ورقة رابحة استعملها النظام لسحب البساط من تحت الحركة، والمقصود هنا بدرجة أولى حزب العدالة والتنمية، الذي يؤدي اليوم ثمنا باهظا بسبب ذلك الخطأ التاريخي، كما أن هناك أسباب ذاتية تتمثل في ضعف الإقناع بمطالب الحركة وعدم التمكن من دفع فئات عريضة من الشعب للاحتجاج، خاصة بعد حركة التكيَف التكتيكي التي قام بها النظام وبعد مآل الاضطراب والفوضى التي عرفتها بعض البلدان العربية. ومن أهم أسباب التعثر عدم الاتفاق على خارطة طريق واضحة بين القوى الداعمة للحركة بسبب الاختلافات الإيديولوجية والسياسية بينها، وعدم وجود حوارات واتفاقات قبلية.

س_ من الملاحظات في حراك الريف أنه لأول مرة يبدأ الحراك من الهامش/ الأطراف و يؤثر على المركز. هل هذا دليل على ولادة أنواع جديدة من الحراك غير الكلاسيكية؟ أم يمكن اعتبار حراك الريف بأنه يشكل الاستثناء؟

ج _ نعم هذه ملاحظة مهمة، لكن لا ننسى أن انطلاق ثورات وانتفاضات 2010 كان سببه المباشر إحراق البوعزيزي لنفسه في" سيدي بوزيد"، التي هي منطقة تنتمي إلى الأطراف وليس إلى المركز. وهنا أشير إلى فكرة أعتبرها مهمة ألا وهي أن عموم الظواهر الاجتماعية يطبعها التعقيد، ولذلك من الصعب جدا في كثير من الأحيان تحليلها وفق تفكير خطي بسيط، بمعنى إذا حدث حدثٌ معين في مكان معين ستكون النتيجة حتما هي كذا، وإذا لم يحدث ذلك الحدث أو حدث في مكان آخر ستكون النتيجة مخالفة. التفكير في الظواهر الاجتماعية وأيضا الحركات الاجتماعية ينبغي أن يطبعه التركيب والتعقيد، بالنظر إلى طبيعة تلك الظواهر والحركات، لذلك هناك الكثير من العوامل التي تؤثر في صيرورة الاحتجاج ومآلاته، ولا يكون ذلك بنفس الدرجة وبنفس الترتيب في كل الحالات وإن بدت أحيانا متشابهة. نعم ما يحدث في الأطراف أو المناطق الهامشية من احتجاج قد لا يثير الانتباه في البداية نظرا لقلة المصالح المتأثرة بذلك الاحتجاج ونظرا للبعد عن الأضواء والإعلام، لكن بشاعة الحدث، كما حصل للبوعزيزي أو محسن فكري، تسهم في أن يصبح للقضية بعد وطني وربما دولي، وتبقى للفاعل في الاحتجاج أهمية قصوى في ذلك من خلال حفاظه على عدالة قضيته وصموده ونجاحه في تحويل التعاطف العام إلى مساندة فعلية، ويتوقف ذلك إلى حد بعيد على حسن استثماره للموارد الاتصالية المتاحة.

س_ غياب الزعامة عن حراك 2011 و حضورها في حراك الريف هل هو نقلة نوعية أم مجرد حدث عرضي يصعب تكراره؟

ج _ ظهرت في حراك 2011 مجموعة من القيادات الشابة، ورغم أن بعض القيادات كان لها إشعاع وطني وليس فقط محلي، فإن ذلك لم يفرز زعيما أو قائدا وطنيا للحراك يحظى بتأييد عام من قبل الجميع، فالسياق لم يكن سياق زعامات، وإنما كان سياق شباب ثائر ضد الأشكال التقليدية، ربما بما فيها شكل الزعامة، ومما صعب ذلك أيضا اختلاف التوجهات الفكرية والسياسية للمشاركين في الحراك، بحيث كان من الصعب الإجماع على شخص واحد، لكن في حراك الريف كان الأمر مختلفا، ومما ساعد على ذلك البعد المحلي والهوياتي للاحتجاج. مع التأكيد أن زعامة الزفزافي هي زعامة ميدانية تبقى دائما في حاجة إلى دعم زعامات فكرية وسياسية. فالزعامة الميدانية وحدها لا تكفي. قد يكون للزعامة الميدانية دور مهم في الصمود الميداني، لكن لاستمرار هذا الصمود ولعدم انحرافه عن اتجاهه لابد من وضوح الأفق، وتوضيح الأفق من مهام الزعامات الفكرية والسياسية الصادقة والمخلصة، إلا أنه يبدو أن المغرب يعيش فعلا أزمة زعامات فكرية وسياسية، وهذا ما يصب في تضخيم الزعامة الميدانية، التي هي بلا شك مهمة لكنها غير كافية.

س _ كيف يمكننا تفسير اختفاء أهم الزعامات الشبابية لحركة 20 فبراير و التي في معظمها تم ابتلاعها و استدراجها من طرف الفاعل الحزبي ؟

ج _ هذا ما سبقت الإشارة إليه، القادة الميدانيون للاحتجاج لابد لهم من حاضنة فكرية وسياسية إذا صح هذا التعبير، المفترض في هذه الحاضنة أن تمد أولئك القادة بالطاقة وتجعل لاحتجاجهم معنى، وإن لم يحقق كل المطالب المنشودة. ففي غياب الانتماء لمشروع فكري وسياسي تكون النتيجة إما الجري وراء مصالح شخصية محضة، أو الركون إلى الإحباط واليأس، وعوض أن تكون الحركة الاحتجاجية مشتلا لصناعة قادة سياسيين تصبح مشتلا لصناعة أناس يائسين. وهذا ما حدث للكثير من شباب حركة 20 فبراير وللأسف الشديد، والعيب ليس فيهم، ولكن في بيئة سياسية ملوثة لا تكاد تجد فيها معنى للتضحية والمبادئ والمصلحة العامة والنضال النبيل.

س _ هل يمكن القول بأن خطاب حراك الريف كان أكثر تجدرا من خطاب 20 فبراير لأنه لم يتصادم مع الهوية سواء الدينية أو الثقافية عكس خطاب 20 فبراير الذي كان سبب نفور عدد معتبر من المغاربة في التعاطف مع الحركة؟

ج _ ما يلاحظ في خطاب حراك الريف هو الشعبية والبساطة والمحافظة، وهذا أسهم إلى حد بعيد في انتشاره وأكسبه قوة حجاجية في الإقناع بضرورة الاحتجاج وأهميته. وحين نقول المحافظة فالمقصود هنا الانطلاق من الهوية الدينية والثقافية للمنطقة، وإلا فالخطاب على المستوى السياسي كان ثوريا في بعض الجوانب، خاصة فيما يتعلق بالموقف من الأحزاب السياسية والمنتخبين، وأيضا فيما يتعلق بالخطاب الديني الرسمي الذي تنتجه وزارة الأوقاف. فقادة الحراك، خاصة الزفزافي، استعملوا بكثافة خطابا دينيا، لكنه خطاب ديني شعبي يعلي من قيم الحرية والعدالة والمساواة، عكس الخطاب الديني الرسمي الذي يعتبر الاحتجاج فتنة، واستقرار الأوضاع على ما هي عليه، وبالشكل الذي هي عليه، نعمة ليس بعدها نعمة. وبكل تأكيد أسهمت تلك المسحة الدينية، بغض النظر عن مستوى عمقها وتمثلها، في تعبئة المحتجين. فالخطاب الديني يبقى مؤثرا في الشعب المغربي عموما، خاصة إذا ارتبط ذلك بدفع الظلم، وكانت هناك ثقة في المخاطبين. في حراك 2011 لم يبرز خطاب ديني، لكن في المقابل لم يبرز خطاب معادي بشكل صريح للدين، وكان في ذلك نوع من الحفاظ على التوازنات بين القوى الداعمة للحراك. دون أن ينفي ذلك وجود بعض السلوكات التي كان لها تأثير سلبي على صورة الاحتجاج. وتبقى من أبرز التحديات أمام القوى السياسية الطامحة للتغيير في المغرب صياغة خطاب جامع يعلي من القيم الإنسانية كقيمة الكرامة والحرية والعدالة والتسامح، وعدم الاقتصار على خطابات إيديولوجية ضيقة تفرق أكثر مما تجمع.

 

المصدر

 

يتضمن نداء بيروت للعمل 15 توصية بشأن رفع أولوية قضايا المرأة والسلام والأمن، مصنّفة في ثلاث فئات هي إضفاء الطابع المحلي على أجندة المرأة والسلام والأمن؛ وتعزيز دور المرأة في السلم والحرب؛ ومأسسة التعاون في قضايا المرأة والسلام والأمن.

 

للإطلاع على الملفكاملا اضغط هنا

 

المصدر ESCWA

الصفحة 7 من 102