You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>الأرشيف>الأعمال الكاملة لمشروع دراسات الديمقراطية

 

المؤتمر الخليجي تحت شعار ( الاتحاد الخليجي مطلب شعبي )

ورقة الدكتور علي خليفة الكواري

( الديمقراطية في سبيل اتحاد مجلس التعاون الامن والتنمية مقاصده) 

30نوفمبر -- 1 ديسمبر 2012م

 

للمشاهدة اضغط هنا

لقاء تلفزيوني - برنامج حيث أن 

موضوع الحلقة ( الديمقراطية في دول الخليج وسبل تعزيزها ) 

تدير الحوار الدكتورة / إلهام بدر

مع الدكتور / علي خليفة الكواري 

والدكتور / عبدالله النفيسي

للمشاهدة اضغط هنا

استهلال:

"يظن البعض أن النفعية تنتصر للحرية على حساب المساواة وتضع نفسها بجوار الخاص على حساب العام وتقر بالمصلحة الجزئية على حساب المبدأ الكلي للتقسيم وتحرص على حضور البعد الأداتي على حساب البعد الغائي وتشبع المادي على ضد الرمزي. كما يعتقد آخرون أن الفلسفة النفعية مع جون سوارت ميل (1806- 1873) تدافع بشكل مطلق على اقتصاد السوق والملكية الخاصة والحرية الفردية والنظام الليبرالي وتنشد الرفاه ضمن مجتمع الاستهلاك عبر آليات الاستثمار والمنافسة الحرة وبالتالي تخلو من كل حديث عن العدالة والحقوق الجماعية والمساواة الاجتماعية والمصلحة المشتركة. غير أن هذا الظن يبدو كاذبا إذا تم التفريق بين المذهب النفعي عند المحدثين والفلسفة النفعية التي برزت مع التيار الأنجلوساكسوني وبين البعد البراغماتي بما هو نمط تداولي يتكامل مع النمط التركيبي والنمط الدلالي والفلسفة البراغماتية بما هي اتجاه ذرائعي وانتفاعي وتم التأكيد على أهمية القيم الاشتراكية عند ميل وارتباط الحياة الفردية بالأخلاق وتأسيس القيم على المنفعة باعتبارها مبدأ السعادة القصوى وتفضيل لذات العقل على لذات الجسم والبحث عن حياة خالية من الأم وثرية بالعمل وما يجلبه من منافع ومسرات.

"ومع ذلك فإن هذا الكائن الأرقى سيتعلم بسهولة تحمل هذا النقص (في تحقيق اللذة التي يرغب فيها) ولن يكون غيورا من ذلك الكائن الذي لا يعي هذا النقص لأنه لا يستشرف الامتياز الذي يحفزه كل نقصان".[2]

لقد تحركت النظرية النفعية على قاعدة جلب المصلحة ودفع المضرة عند نشاط الفرد ضمن دائرة المجتمع وحرصت على توفير حياة خالية من أشكال الظلم والعوز والألم ومليئة بالمتع والفوائد والخيرات والملذات بالنسبة للعقل والجسم على السواء وتخص الفرد لوحده وتطال الإطار الاجتماعي الذي يعمل ضمنه وينتج.

فما هو دور مسألة العمل ضمن الفلسفة النفعية؟ ولماذا يحتاج الإنسان إلى هذا النشاط المرهم إذا كان هدف وجوده يرتكز على تحصيل السعادة؟ والى ماذا يؤدي مسار العمل؟ وما هي تبعات ارتباط العمل بالإنتاج؟ وهل يترتب عن النظرية النفعية تكريس التفاوت والاحتكار والاستغلال؟ وبأي معنى تنتصر هذه النظرية للتنمية على حساب التوزيع وتفتقد إلى علاقات إنتاج اشتراكية وتحول دون التقارب بين الفئات المنتجة؟

1- تجديد منهج البحث الفلسفي:

"تكسب الحقيقة من أخطاء المرء الذي يفكر بنفسه بعد دراسة وتحضير أكثر مما تكسبه من الآراء الصائبة لمن يعتنقونها بسبب أنهم لا يريدون تكبد عناء التفكير".

لقد انطلق جون ستورات ميل في طرحه للمسألة المنهجية على الصعيد المعرفي من الثورة الحاسمة التي قام بها فرنسيس بايكون في كتابه الأورغانون الجديد وتخليه عن مبدأ الاستنباط واعتماده على الاستقراء. بالرغم من استخدامه للمنهج التجريبي وإتباعه بصورة متلازمة لمراحله الأربع: الملاحظة والفرضية والاختبار والاستنتاج إلا أنه ارتأى أن يضيف عدد هام من العناصر إلى هذه الطريقة التجريبية الثورية:

- منهج الاتفاق concordance:

يتمثل في تجميع الملاحظات التي تسمح بحضور الظواهر المدروسة واستبعاد الظروف التي لا تشترك معها. وبالتالي يمكن احتساب هذا الشيء الواحد الذي يظل حاضرا باستمرار هو سبب وجود الظواهر.

- منهج الافتراق différence:

يرتكز على بناء قائمة حول مجموعة الملاحظات التي تتلعق بحضور الظواهر وغيابها وذلك لاستبعاد الظروف التي لا تشترك معها.

- منهج المتغيرات المتساوقة variations concomitants:

كل تغير في الظاهرة يشير إلى أن مجموعة الظروف المتساوقة التي تتغير وتطلب استبعادها أو تظل على حالها ثابتة.

- المنهج المشترك للاتفاق والافتراق:

لما كانت مجموعة الظواهر متصلة بمبدأ سببي فإن أي تغير يحدث في المقدمات يفضي الى تغير في النتائج وأي تغير يلاحظ على النتائج فإنه يدل على وجود تغير في المقدمات.

- منهج البواقي: résidus:

يسمح باستبعاد بشكل قبلي لكل الظروف الحاضرة التي يعرفها المرء بواسطة أشكال من الاستنباط الأولى والتي تظل عاجزة عن إنتاج الأثر بمجرد أن يبحث المرء عن السبب.

هذه التقنية المنهجية تنتمي إلى فلسفة الحكم المعرفي وتتحرك ضمن تقنية التثبت والمراقبة أكثر من أن تكون تقنية الكشف والاختراع وتسمح بالتمييز بين الظواهر أكثر من الانتقال من الأسباب إلى النتائج.

خلاصة القول أن منهج الاتفاق يدل على التلازم في الوجود بين السبب والنتيجة وأن منهج الافتراق يدل على التلازم في العدم بين السبب والنتيجة وأن المنهج المشترك يقر وجود النتيجة بوجود السبب وعدمها بانعدامه وأن منهج التغيرات المتضايفة يشير إلى أن أي تغير يحدث في السبب يؤدي الى تغير في النتيجة بينما يثمر منهج البواقي تفسيرا يقوم على أن سبب شيء ما لا يكون سببا لشيء آخر مختلف عنه. لكن كيف يمكن للمرء التأكد من أن ما يلاحظه من علاقة ثابتة بين الظواهر هو علامة على وجود علاقة سببية ضرورية تقر بوجود سبب لكل ظاهرة وتعطي قانونا ثابتا لكل علاقة بين الظواهر؟ أليس من الضروري أن نميز بين المنفعة والمصلحة في المادة من جهة وبين العدالة والاستقامة في الحق من جهة أخرى؟

2-العلاقة بين المنفعة والعدالة:

"يتضمن ميدان العدالة ليس فقط ما يؤدي إلى نفع عند فعله والى سوء عند عدم فعله بل هو أيضا ما يمكن لشخص أن يشتكيه منا بالانطلاق من حقه الأخلاقي"[3]

يمارس مبدأ المنفعة الذي ينطلق منه ستيوارت ميل تأثيرا عميقا على تشكيل القناعات المعرفية والمعتقدات الأخلاقية والأفكار السياسية وساعد على نقد النظريات الأخلاقية الحدسية والنظريات التأملية وطرح المشكل ضمن منطق الحس السليم وتناوله من منطلق الملاحظة التجريبية والتكلم عنه بلغة خبرية كمية.

لهذا حاول ميل تفهم النظرية النفعية ضمن إشكالية السعادة التي تم إهمالها من طرف الفلسفة الكانطية وربطها بالوسائل النافعة التي يتبعها الطب من أجل البلوغ بالجسم الإنساني إلى حالة سوية وصحة جيدة.

لا تتوقف المنفعة التي تنشدها نظرية ميل عند مطلب تحقيق اللذة وإنما ترى بأن الشيء الوحيد الذي يرغب فيه الفرد والمجموعة على السواء من حيث هو غاية هو السعادة عند غياب الألم وحضور اللذة. ولا يمكن النظر الى التصور النفعي للحياة على أنها تصورا مبتذلا وأنانيا وذلك لارتباطه بالمتعة المادية بل يمكن الاعتماد على نوعية اللذات وليس كمياتها وتوفير شروط تجربة صالحة لتحصيل كيفيات هامة.

في نفس الاتجاه يميز ستيوارت ميل بين السعادة التي تحقق الفرح والانتشاء والبهجة على مستوى نوعية وكمية اللذات والإشباع الذي يحقق الرضا والراحة والقبول على مستوى الأحاسيس والطموحات والآمال. على هذا الأساس يكمن الهدف الأقصى للنفعية بإحراز السعادة العمومية للجميع وليس السعادة الشخصية ويتم تحديد الأخلاق النفعية على أنها مجموع القواعد والوصايا التي تطبق على السلوك البشري وتجعل من نمط وجود أمرا مستقرا وتدفع الناس الى التصرف بنا يحقق للذتهم وينمي في أحاسيسهم ملكة الخلق.

لهذا ليست السعادة التي يأمل كل إنسان الحصول عليها أمرا مستحيلا وإنما تتعلق مباشرة بما يبذله من جهد في سبيل دفع المضرة وجلب المنفعة وتجنب الأم وإنتاج اللذة من جهة ما هو طبيعي وما هي ثقافي.

بهذا المعنى تتعلق السعادة بأسلوب التربية الذي يحصل عليه المرء ومسارات التقدم التي يسير فيها ضمن منجزات الإنسانية سواء فيما يخص التنظيم العقلاني للمجتمعات أو أثناء الصراع ضد ضرورات الطبيعة.

ما هو أشكالي أن النفعية تدرج مبدأ التضحية بالذات بما هي مكابدة ونضال واستعداد للمساعدة ضمن نسقها القيمي ولكنها تشترط تحقيقها لسعادة الغير لكي تمنحها القيمة الأخلاقية وتجعلها فضيلة من درجة رفيعة. لذا يحتاج التطور في المجتمعات والتعليم الى اعتماد التضحية بالبعض من أجل تحسين شروط الوجود ضمن جدل الجزء مع الكل وداخل دائرة حقوقية تتحرك ضمن الأقلية والأغلبية دون إهمال حق الحياة. لقد وصف البعض النفعية بأنها أخلاق مصلحة غير محتاج إلى قيم مطلقة وذلك لارتباطها بالأفعال الواقعية وتحركها ضمن نظام الوسائل وحرصها على الحساب في الأوقات والطاقات من أجل بلغو السعادة العامة.

على خلاف ذلك تلتزم النفعية بمجموعة من القواعد الباطنية والقوانين الخارجية بغية نقد ميتافيزيقا القيم وتخطي تعقدية الشعور بالواجب الأخلاقي والأحاسيس الفطرية وتنزيلها ضمن دائرة المكتسب والتجربة ودمجها ضمن الإحساس الاجتماعي والمشاعر المشتركة التي تظل إحساسات طبيعية وضرورية للتطور.

ما هي الحجة التي تثبت قابلية المنفعة للتحصيل البشري؟ وهل يمكن ايلاء عناية بمقتضيات العدالة بواسطة منح الاعتبار لمستلزمات تحقيق المنفعة؟ ألا يحتاج إلى إجراء تحليل لفكرة الإحساس بالعدالة واللاّعدالة؟

ينتبه ميل إلى أن فكرة الحق هي مجرد بعد من فكرة العدالة ولكنه يقر بأن الحصول على حق معين هو أمر يقوم به المجتمع ويمنحه للفرد ويضمن امتلاكه من وجهة نظر المنفعة العمومية والسلامة الشخصية.

بعد ذلك يعتمد على معيار المنفعة من أجل انهاء حالة التعارض بين الحق الشخصي والعدالة العمومية ويقدم مجموعة من الأمثلة التطبيقية على غرار تقاسم الضرائب وحق العقاب واحتساب عائدات الشغل.

لكنه يؤكد على المنفعة العليا لقواعد العدالة وذلك حينما يؤدي إلى ترسيخ السلام وتوطيد الأمن بين الناس. فهل يمكن أن يرجع المرء أمرا سيئا إلى المسيء وأمرا حسنا إلى المحسن تطبيقا للمبدأ الجوهري للعدالة؟ وكيف يكون الفاعل مستقيما وغير منحاز ويمسك نفسه عن الهوى ويرفض أشكال اللاّعدالة غير المبررة؟

3- دوائر العدالة ضمن التقسيم الاجتماعي للعمل:

"فكرة العدالة تفترض شيئين: قاعدة التوجيه والإحساس الذي يضمن احترام القاعدة. الأولى هي مشتركة لكل الإنسانية وترنو إلى فائدتها... الأخرى هي الرغبة في تسليط العقوبة على من يخترق القاعدة"[4]

تكمن الصعوبات التي تعاني منها النظرية النفعية كما يتحسسها جون ستوارت ميل في التناقض في مسار العمل بين المنفعة والعدالة وذلك بالاستخفاف على مستوى نظام التأجير بقيمة الكفاءة والدرجة العلمية والمهارة والموهبة في ظل مجتمع تعاوني يساوي في الأجور وفق تعادل ساعات العمل ووظائف العمال.

أما في المجتمع الرأسمالي حيث تتفاوت الأجور والامتيازات حسب الدرجة العلمية والكفاءة التي يحرزها العامل والوظيفة التي يقوم بها وساعات العمل التي يقضيها فإنه يتم التضحية بمطلب توزيع الفوائد بالقسط ويحرم الناس من الاستفادة من الخيرات التي يحرزها الاقتصاد الاستثماري عن طريق تقديس قيمة العمل.

يعبر ستوارت ميل عن هذه الصعوبة بمقولة اللا تكافؤ غير المبرر في المنفعة التي يقع فيها العمل عندما يعطي امتيازات أكثر من اللزوم إلى أكثر الناس مهارة ضمن اقتصاد حر باسم احترام قيمة الجدارة وتحفيز النجاعة ويمنح تعويضا إلى أقل الناس موهبة ضمن اقتصاد تعاوني باسم احترام قيمة العدالة.

إنه من الظلم عندئذ أن نمنح العامل أجرة أقل من قيمة ما يبذله من مجهود وما ينتجه من فائدة ومردود على المجتمع وأن نضعه في موضع دوني بمقتضى العدالة والتعويض وتقاسم الخيرات مع من لا يعملون. وإنه ضرب من الاستغلال أن يستفيد المجتمع من كفاءة العامل ولا يمنحه مقابلا مستحقا لهذا المجهود.

فكيف يستفيد المجتمع من العامل؟ وما هو المعيار الذي يحدد به الأجر المناسب لما يبذله من جهود؟ ولماذا يجب أن على المجتمع أن يمنح العامل الأجر المناسب لمردوده ونجاعته؟ وماذا لو طالبه بمقتضى العدالة أن ينتج نفس ما ينتجه الآخرون طوال المدة ذاتها وبنفس الكمية المبذولة من الجهد والذكاء وبنفس القيمة؟

يطرح ستورات ميل هذا الإشكال بالبحث في مبادئ العدالة وذلك بتحليلها ليس من جهة علاقتها بالعمل فقط وإنما أيضا بتنزيلها ضمن مطلب النجاعة الاجتماعية وذلك بتبني الفكرة الأكسيولوجية التي تجعل من العدالة منفعة عمومية ومن المنفعة المتأتية من العمل استحقاقا عموميا تتكفل الدولة بتوزيعها دون استثناء.

ينتهي المسار التحليلي الذي يتبعه ميل الى اكتشاف وجهين للعدالة لا يمكن تحقيق التلاؤم بينهما والتعادل:

الوجه الأول: الدائرة الفردية تتمثل في ضمان حق الفرد على المجتمع الذي ينتمي اليه.

الطرف الذي يحدد العدل في الحق الذي يطالب به العامل من المجتمع وفق مردوده العالي.

الوجه الثاني: الدائرة الجماعية تتمثل في ضمان حق المجتمع على الفرد الذي ساهم في تكوينه.

الطرف الذي يحدد العدل في القيمة المقابلة التي يعطيها المجتمع إلى العامل حسب نظام التأجير.

لا يمكن الحسم بين الخيارين إلا بالاحتكام إلى مسألة النجاعة الاجتماعية وبالتالي لا يجوز تبرير واقع اللاّ تكافؤ بين العمل واللاّ عمل وبين الكفاءة واللاّ كفاءة وبين المردود والتعويض وبين الربح والخسارة.

خاتمة:

"إن كل ما يقيد المنافسة الحرة هو الشر المطلق وكل ما يطلقها هو الخير المعمم"

عندما يقوم ميل بتتبع أصل وفصل الإحساس بالعدالة والحق ويحلل فكرة المنفعة فإنه يميط اللثام عن عنصرين أساسين هما الرغبة في العقاب ووجود الشخص المظلوم ويتعمق أكثر في التحليل لكي يكتشف بأن شعورين غريزيين ينبعان من الرغبة في العقاب وهما الحاجة إلى الدفاع عن النفس وحس التعاطف.

إن الإحساس بالعدالة هو الرغبة الحيوانية في دفع الضرر أو الشر الذي يحدق بالذات أو بالآخرين، في بينما الرغبة في تسليط العقاب على المعتدين هو توسيع للإحساس بالتعاطف والحد من أنانية حب الذات.

بطبيعة الحال يظهر أن كل ما هو نافع للجميع هو عادل في نظر الجميع وكل ما هو حق للجميع يطالب الجميع بالحصول عليه وبالتالي يتلازم ما هو نافع مع ما هو حق ويتكامل ما هو عادل ما هو مستحق.

غير أن تحويل المنفعة إلى خير أخلاقي ضمن إطار العدالة يتطلب الانتقال من درجة الإحساس ب... إلى وضوح الفكرة ودقة المصطلح ويقتضي ضمان تلبية الحاجيات وإشباع الرغبات وحماية الوجود المشترك.

بهذا المعنى يشترط تحقيق العدالة مراعاة مصلحة الفرد بالنظر إلى موقعه ونشاطه من جهة وأن تتلاءم مع تحقيق المصلحة الاجتماعية وتوزيع سعادة رفاه على الجميع من جهة مقابلة.[5] فلماذا يستفيد صاحب رأسمال عند ازدهار الحركة الاقتصادية في المجتمع ويرفض تقاسم المساوئ عند الركود والمشاركة في الخسائر؟ وأين العدل في استفادة المجتمع من العامل أكثر من المقابل الذي يمنحه له على مردوده؟ ألم يقل ماركس في مخطوطات 1844: "يزداد العامل فقرا بقدر الزيادة في إنتاج الثروة ونماء حجما وقوة"؟[6] وما السبيل إلى المراهنة على العمل من أجل بناء علاقات تشاركية تحقق العدالة والنجاعة في ذات الوقت؟ وما هو رأي بول ريكور فيلسوف الأصوات المتعددة حينما وضع معنى "العادل بين الشرعي والنافع"؟[7]

 

الإحالات والهوامش:

[1] ميل (ستوارت جان)، عن الحرية، الفصل الثاني،

[2] Mill (John Stuart), l’utilitarisme,1863. Edition. G. Tanesse, 1965. II, p191.

[3] Mill (John Stuart), l’utilitarisme, édition Flammarion, Paris, 2010.p134.

[4] Mill (John Stuart), l’utilitarisme,1863. Edition. G. Tanesse, 1965.

[5] Marx (Karl), Manuscrits de 1844, éditions sociales,

[6] Ricœur (Paul), le juste entre le légal et le bon, revue esprit, n°9 ,septembre, 1991.

[7] Ricœur (Paul), le juste entre le légal et le bon, revue esprit, n°9 ,septembre, 1991.

المصادر والمراجع:

Mill (John Stuart), l’utilitarisme, édition Flammarion, Paris, 2010.

Mill (John Stuart), l’utilitarisme,1863. Edition. G. Tanesse, 1965,

Mill (John Stuart), Oeuvres completes, edition J.P. Mayer ; collected work , Toronto et londres, 1963.

Marx (Karl), Manuscrits de 1844, éditions sociales,

Revue esprit, n°9, septembre, 1991

 

مصدر الدراسة

بتاريخ 16 حزيران / 2017، أقر المجلس النيابي الممدد له حتى العشرين من حزيران قانوناً جديداً للانتخابات النيابية، وتم نشره في الجريدة الرسمية قبل أن تنهي مدة الدورة الاستثنائية التي تنتهي أيضاً بانتهاء الولاية الشرعية للمجلس.

 

 

إذاً، بعد العشرين من حزيران، أصبح القانون الجديد هو القانون النافذ الذي ستجري على أساسه العملية الانتخابية إلا إذا طرأ تعديل أو تغيير أو طعن دستوري في أحكامه خلال الفترة الفاصلة عن الانتخابات المقبلة التي مدّدت إلى آيار /2018، بعد تمديد للمجلس الحالي أحد عشر شهراً تحت عنوان التمديد التقني ولأجل إنجاز التحضيرات اللازمة من لوائح شطب والبطاقة الممغنطة وتأليف الهيئة المشرفة إلى ما هنالك من مستلزمات لوجستية.

 

هذا القانون تباينت ردود الفعل عليه، ما بين مؤيد بحماس له، إلى من اعتبره أفضل الممكن مروراً بالمتحفظين إلى المعارضين له.

 

هذا القانون الذي يقع في أحد عشر فعلاً، احتوى على 125 مادة، واقر بمادة وحيدة في جلسة نيابية استمرت ساعتين.

 

إن القانون الجديد الذي تنظم على أساسه العملية الانتخابية والتي تتشكل بالاستناد إليها السلطة التشريعية يندرج ضمن القوانين العادية، إلا أنه يختلف عن هذه القوانين بأنه قانون له علاقة بتكوين أهم مرفق دستوري في النظام اللبناني. إلا وهو المرفق التشريعي، ولهذا فإن القانون يجب مقاربة من عدة اتجاهات :

 

الأول، هو مدى مواءمته للنص الدستوري والثاني، هو مدى مطابقته لأصول التشريع، والثالث، يرتبط بالبعد السياسي للنتائج المترتبة على إفرازاته.

 

إن القانون الذي توزعت مواده على أحد عشر فصلاً، فإن كثيراً من فصوله ومواده، تتعلق بتقنيات العملية الانتخابية وإجراءاتها التنفيذية وآليات التطبيق، ولا يوجد خلاف عليها، سواء لجهة تشكيل الهيئة المشرفة وتوزيع الأقلام والفرز وإعلان النتائج إلى كثير من المسائل الإجرائية، لكن ما يجدر التوقف عنده، بداية، هو أن مجرد سن تشريع، لضبط وتنظيم العملية الانتخابية هو نقطة إيجابية لتجتب فراغ تشريعي في هذا المجال.

 

إذاً، أن وجود قانون أفضل من عدم وجوده وأن كان القانون مشوياً بكثير من العيوب. ثم أن الانتقال بالنظام الانتخابي من الأكثري إلى النسبي، هو نقطة إيجابية أخرى، لكن ما يجعل هاتين الإيجابيتين دون أثرٍ إيجابي ببعد وطني، معول عليه هو أنه مشوب بعيوب في المقاربات الدستورية والقانونية وبالنتائج السياسية المترتبة عليه اولاً،وثانياً أن النظام النسبي الذي انطوت عليه أحكام هذا القانون، لم يكن النظام الذي كانت تعول عليه الحركة الشعبية التي ناضلت طويلاً لاعتماد نظام نسبي تنعكس من خلاله إرادة التمثيل الشعبي الوطني.

 

من هنا، فإنه من خلال ما انطوت عليه أحكام هذا القانون وما نص عليه الدستور يتبين أن بعض أحكامه جاءت مخالفة للدستور.

 

مخالفات لنص الدستور

 

المخالفة الأولى : مخالفة أحكام البند (ح) من مقدمة الدستور حيث ينص هذا البند، على أن الغاء الطائفية السياسية هو هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية :

 

ولما كان القانون الجديد قد اعتمد في توزيع المقاعد الانتماء المذهبي، فإنه بذلك يكون قد كرس المذهبية السياسية في إعادة تكوين السلطة الاشتراعية. وبهذا التشريع يكون قد تم تجاوز نص المادتين 22 و95 من وثيقة الاتفاق الوطني، ومعها تحول المؤقت إلى دائم وأصبح ثابتة من ثوابت الحياة السياسية. وهذه مخالفة دستورية باعتبار أن قانوناً عادياً عطل واقعياً مفعول نص دستوري.

 

المخالفة الثانية : مخالفة أحكام البند (ط) من مقدمة الدستور حيث جاء في هذا البند،" بأنه لا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان" وهذه الجملة جاءت مطلقة، بحيث الفرز يجب أن لا يكون لا على أساس عرقي، أو ديني أو مذهبي. لكن من خلال التقسيم الذي اعتمده القانون للدوائر الانتخابية، فإن اعتماد تقسيم الدوائر على أساس الصفاء الطائفي ولا يغير من جوهر المسألة وجود تلاوين شكلية لتنوع طائفي والذي جاء استجابة لدعوة قوى سياسية طائفية يجعل كل طائفة تنتخب نوابها. ولعل التقسيم الانتخابي الجديد لمدينة بيروت هو المثال الصارخ على عملية الفرز، بحيث أن بيروت التي هي عاصمة لبنان، وهي العنوان الأوضح للاختلاط السكاني، ثم فرزها انتخابياً على أساس طائفي وبذلك يكون القانون قد رسم خطوط تماس سياسية بقوة القانون وليس بقوة السلاح الذي شطر المدينة إبان الأحداث وبدل أن يتجه لبنان نحو توفير مناخات سياسية وشعبية للاختلاط والعيش المشترك حصل العكس. وهذه قد تشكل مقدمة إلى تقسيم بيروت مستقبلاً نطاقين بلديين.

 

المخالفة الثالثة : مخالفة أحكام المادة 27 من الدستور

 

تنص هذه المادة على أن عضو مجلس النواب يمثل "الأمة" جمعاء، والمقصود أنه يمثل الشعب، لأن النص الأصلي أخذ عن النص الفرنسي والذي وردت فيه كلمة Nation بدل Peuple وعندما عرّب النص لم تتغير المفردة.

 

وعندما ينص الدستور على أن عضو مجلس النواب يمثل كل الشعب، فهذا يعني أنه يجب أن تفسح الفرصة للناخب اللبناني أياً كان مكان قيده في سجلات الأحوال الشخصية، أن ينتخب المرشح الذي يرى فيه المواصفات المطلوبة من وجهة نظره. أما أن ينتخب المرشح من قبل ناخبي الدائرة الانتخابية في إطار التقسيم المناطقي فهذه تسقط عن عضو مجلس النواب شمولية التمثيل طالما لم تفسح الفرصة للناخب " الوطني" أن ينتخب هذا المرشح.

 

المخالفة الرابعة : انعدام مبدأ المساواة التي نص عليها الدستور

 

أن التقسيم الانتخابي الذي أقره القانون الجديد، لم يراع المساواة بين الدوائر الانتخابية فهناك دوائر متشكلة من عدة أقضية، ودوائر من قضاء واحد، ومدن قسمت إلى دائرتين كما هي حال بيروت، وأنه بالنظر إلى تفاوت عدد المسجلين على لوائح الشطب، وبغض النظر عن نسبة الاقتراع، فإن القانون لم يأخذ بنسبية المقاعد على عدد السكان الموزعين في الدوائر. بحيث يمكن للمرشح أن يفوز في دائرة بعشرة الاف صوت أو ما دون، وفي دوائر أخرى بعشرة الاف وما فوق. وطالما أن القانون لم يراع هذه المسألة فإنه شكل تجاوزاً لا بل خرقاً لمبدأ المساواة التي نص عليها الدستور في مقدمته وبعض مواده.

 

هذه المخالفات التي انطوى عليها القانون هي مخالفات دستورية، لأنه أوجد أرضية لواقع سياسي ومجتمعي تجعل البند (ي) من مقدمة الدستور والتي تنص أنه لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، مسألة نظرية ولم تعد تجد تطبيقاتها الفعلية على الأرض من خلال رسم فواصل بين المكونات المجتمعية بذريعة صدقية التمثيل الطائفي الصحيح وبتطبيق هذه المقولة، بنسف ما نص عليه الدستور في بنده الأخير من مقدمته بند (ي).

 

مخالفات لأصول التشريع العادي

 

أما المقاربة لمخالفة أصول التشريع فهي مندرج تحت جملة عناوين:

 

المخالفة الأصولية الأولى : أن القانون قد جاء مفتقراً لأسبابه الموجبة، إذ أن الأسباب الموجبة لأي تشريع قانوني هي من الشروط الشكلة، وطالما أن القانون لم ينطو على أسباب موجبة فهو بالتالي مشوب بعيب شكلي جوهري.

 

المخالفة الثانية : إن قانوناً ترتبط به عملية إعادة تشكيل السلطة الأهم في البنيان الدستوري، وهي السلطة الاشتراعية، لم تتم مناقشته (مادة – مادة) بل جرى امراره بمادة وحيدة، واتضح أن المطلوب تمرير هذا القانون كتمرير المواد المهربة على الحدود. ونعتقد لا بل نجزم أن كثيراً من النواب لم يقرأوا القانون، وكثيرون منهم لا يفقهون آليات تطبيقه وبالتالي فإن تشريعه، كان عشوائياً على غرار كثير من القوانين، التي تعد في المطابخ السرية ومن ثم تطرح صيغها الجاهزة للتصويت عليها دون مناقشة وتمحيص وتدقيق.

 

المخالفة الثالثة : أن القانون أعطى الحق بممارسة الاقتراع بالصوت التفضيلي في إطار القضاء الذي يتم الترشح فيه على أساس مذهبي. وإذا كان القانون لم يضع شرطاً لممارسة الاقتراع بالصوت التفضيلي لمرشح من مذهب معين في إطار القضاء من ضمن الدائرة الكبرى. إلا أنه بحكم الواقع القائم والشحن المذهبي الذي ارتقع منسوبه في الأونة الأخيرة، فإن الأكثرية الساحقة من الناخبين ستعطي الصوت التفضيلي لمرشح المذهب الذي ينتمي إليه الناخب، وبذلك يكون القانون الأرثوذكسي الذي لم يمرر تحت عنوانه الواضح قد مرر تحت عنوان ملتبس، هو العنوان الذي نص عليه القانون الجديد.

 

هذا من جهو جهة، أما من جهة ثانية، فإن الدوائر التي تضم أكثر من قضاء وفيها تنوع مذهبي، فإن المقترعين في دائرة صغرى لا يستطيعون أن يقترعوا بصوتهم التفضيلي إلى مرشح في قضاء آخر من ضمن الدائرة الانتخابية الكبرى وفق التقسيم المعمول به للدوائر الانتخابية.

 

المخالفة الرابعة : هي تلك التي ترتبط باحتساب الحاصل الانتخابي.

 

لقد حدد القانون أن عدد الأصوات اللازمة للفوز هو حاصل قسمة عدد المقترعين على عدد نواب الدائرة الانتخابية، فإذا كان عدد نواب الدائرة خمسة وعدد المقترعين خمسون ألفاً يكون العدد المطلوب للفوز هو عشرة الاف صوت، وبما أن الترشيح يتم على أساس اللوائح، والاقتراع على أساس اللوائح أيضاً، وعملاً بقاعدة بنسبى فإن اللائحة تفوز بمقاعد نسبية ما تحوز عليه من أصوات.

 

وحتى تدخل اللائحة في المنافسة على المقاعد يجب أن يكون حاصلها الانتخابي يساوي العدد المطلوب من الأصوات بعد قسمة عدد المقترعين على عدد المقاعد المحددة للدائرة. وفي حال المثال أن المقترعين هم خمسون ألفاً، والمقاعد المطلوب اشغالها خمسة، فعلى اللائحة كي تدخل في المنافسة يجب أن تنال عشرة الاف صوت وما فوق، وإذا نالت أصواتاً أقل من عشرة الاف، تخرج من المنافسة، ويحسم عدد الأصوات التي نالتها من الحاصل الانتخابي العام، ويعاد احتساب نصاب جديد للفوز.

 

فمثلاً إذا نالت اللائحة الثالثة تسعة الاف صوت، يطرح هذا العدد من 50 ألف، فيصبح العدد 50.000 – 9000 = 41000 صوت.

 

وبعد تقسيم الحاصل بعد الطرح على عدد المقاعد يصبح النصاب المطلوب للفوز 41000 / 5 = 8200 صوت، ويحسب هذا النصاب الجديد تنال اللوائح التي دخلت المنافسة عدداً من المقاعد بنسبة ما نالته من أصوات. والقانون حدد آليات احتساب ذلك وأيضاً نصاب الكسور.

 

وهنا المفارقة، فإن اللائحة التي نالت 9000 صوت لا تمثل بأي مقعد فيما يصبح التمثيل بعد حسم ما نالته الثالثة من أصوات 8200 صوت، وبذلك يكون الذين اقترعوا لللائحة التي خرجت من المنافسة غير ممثلين، علماً أن عدد أصواتهم هي أعلى عدد أصوات الذين سيفوزون.

 

هذه أولى الشوائب وأما الشائبة الثانية، فإن القانون لم يعتمد وحدة المعايير للترشح في الدوائر الصغرى ضمن الدوائر الكبرى. ففي دائرة مؤلفة من أكثر من القضاء، يتم الترشيح عن القضاء وفيه يمارس التصويت بالصوت التفضيلي، وفي دائرة أخرى مؤلفة أيضاً من أكثر من قضاء ولا يتم الترشيح ضمن نطاق القضاء وإنما ضمن نطاق الدائرة الكبرى، والمثال على ذلك، دائرة بعلبك الهرمل، وهي مؤلفة من قضائين، ودائرة البقاع الغربي – راشيا وهي أيضاً مؤلفة من قضائين.

 

وأما الشائبة الثالثة، وهي تلك المتعلقة بالاقتراع بالصوت التفضيلي، فهذا الصوت يمارس في إطار القضاء

 

وليس في إطار الدائرة الكبرة، ومن يقترع بصوت تفضيلي لمرشح في لائحة ثانية، لا يحسب الصوت وإنما تحسب اللائحة، كما أن من يقترع بصوتين تفضيليين، لا يحتسب أي منها، وإنما تحتسب اللائحة، وهذا احتساب للأصوات بقوة القانون وليس بإرادة الناخب.

 

هذه الشوائب، تجعل من آليات العملية الانتخابية، آليات معقدة، فيما التبسيط هو المطلوب من ناحية واحترام ارادة الناخب من ناحية أخرى.

 

في مراقبة الانتخابات

 

أجاز القانون في مادته العشرين لهيئات المجتمع المدني ذات الاختصاص، وتحت إشراف الهيئة المشرفة على الانتخابات مراقبة مجرياتها، لكن وفق شروط محددة هي أن تكون غير سياسية، وجائزة على علم وخبر قبل سنتين من تقديم الطلب إلى الهيئة وأن تكون غير مرتبطة بأي جهة أو طرف سياسي..

 

إن هذه الشروط، وخاصة الشرط الأول يعني أن كل هيئة تكون لها صبغة سياسية سوف تستثني من مراقبة الانتخابات وإذا كانت هيئات المجتمع المدني هي هيئات عامة وتهتم بالشأن العام، أليس الأمر ينطوي على توجه سياسي عام لديها؟ وإذا كانت العملية الانتخابية هي عملية سياسية بامتياز، فهل يعقل أن تستعبد جمعيات المجتمع المدني التي تنشط في الحقل العام من مراقبة عملية سياسية!! قد يكون مفهوماً أن لا تكون الجمعية مرتبطة بأي جهة سياسية وقد يكون مفهوماً أن لا يكون أحد أعضاء هيئتها العامة أو الإدارية مرشحاً، لكن ليس مقبولاً استعبادها من ممارسة الرقابة ضمن حدود الأنظمة المرعية الإجراء، وهنا لماذا لم يشر القانون إلى هيئات دولية ذات صدقية في مراقبة الانتخابات ويفسح المجال أمامها لممارسة رقابتها لمعرفة ماذا كانت العملية الانتخابية تم بشفافية أم تشوبها شوائب ؟أن كل وذلك يفضي، أن الهيئات التي سيفسح المجال لها لممارسة دورها الرقابي، هي تلك التي تحوز على رضى الطبقة السياسية التي شرعت القانون، وشكلت الهيئة، وهذه شائبة تسجل على القانون لهذه الناخبة.

 

في موجب الاعتراض السياسي على القانون

 

من هنا، فإن القانون الذي تنعكس من خلاله عادة، إرادة التمثيل الوطني، هو القانون الذي يعتمد لبنان دائرة انتخابية واحدة، وعلى أساس النسبية وخارج القيد الطائفي ترشحاً وانتخاباً، بحيث تحتسب أصوات المقترعين على مستوى الساحة الوطنية، ويصبح بإمكان القوى العابرة للطوائف والمذاهب والمناطق أن تجد نفسها من خلال ما تجسده من حقيقة تمثيل شعبي ولو كان القانون قد أخذ بمبدأ تجيير الأصوات لمرشحين وللوائح ضمن الدائرة الوطنية الشاملة،لكان حد نسبياً من شوائبه الحادة.

 

إن المآخذ على "القانون الأكثري"، هو أنه يمنح المقاعد لمن يجوز النسبية الأعلى من الأصوات ولو كان الخاسرون قد حصلوا قد أصوات وازنة ولهذا اختير النظام النسبي لتجاوز سلبيات القانون الأكثري. لكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار بنسبة الاصوات التي ستحذف من الحاصل الانتخابي باعتبار أن اللائحة لم تنل العدد المطلوب للفور، فإن من يخرج من دائرة المنافسة سيكون عدداً هائلاً من الأصوات على مستوى الدوائر الخمسة عشر. فهل هذا يكون انعكاساً للإرادة الشعبية؟؟

 

إن النظام النسبي الذي يعمل له، سيحصر المنافسة الفعلية بين الكتل الطائفية والمذهبية، وأن ما كانت تحصل عليه هذه الكتل من مقاعد استناداً إلى سياسية المحادل والتحالفات ستحصل عليه عبر آلية احتساب جديدة، وهي ستدخل المنافسة فيما بينها، فيما أخرجت القوى ذات التمثيل الوطني الشامل من دائرة المنافسة الفعلية.

 

على هذا الأساس، فإن القانون الانتخابي، وفضلاً عن تعقيداته الكثيرة فإنما يستبطن عوامل تأزيم للوضع السياسي، لأنه نزل بالحياة السياسية من الطائفية إلى المذهبية، ولأنه حرم المواطن حق الاختيارالوطني .

 

أن قانوناً يشرع لإعادة إنتاج النظام لنفسه، ويجدد الشخصية الطائفية لهذا النظام يجب مقاومته لأنه سيرسم خطوط تماس سياسية جديدة بين الطوائف والمذاهب من خلال التقسيم الانتخابي للدوائر ويجب مقاومة هذا القانون لأنه يشرع التشرذم ويوفر أرضية لإعادة تشكيل السلطة على قواعد مذهبة الحياة السياسية.

 

لقد كان اللبنانيون يطالبون بالغاء الطائفية السياسية فباتوا اليوم في ظل هذا القانون وما سيفرزه من نتائج تحت عبء تشكيل هوية المذهبية السياسية وهي ليست إلا إحدى نتائج تراجع المشروع الوطني وضرب قواه، وإحدى مظهريات ضرب المشروع القومي وانفلات القوى الطائفية والمذهبية من عقالها. أنها من مؤشرات بروز هويات طائفية ومذهبية على حساب الهوية الوطنية والقومية، وهذا ما يعطي لعملية مقاومته كل المشروعية الشعبية والسياسية والوطنية وإنما بأساليب التعبير الديموقراطي. أنه تحد مطروح على الحركة الشعبية والوطنية وعليها أن ترتقي إلى مستوى هذا التحدي لمغادرة دولة المذاهب إلى دولة المواطنة .

 

مصدر المقال


معلومات الكتاب
عنوان الكتاب: نحو نظام عالمي جديد Vres un nouvel ordre du monde
المؤلف: جيرار شاليان و ميشال جان  Gérard Chaliand, Michel Jan
تاريخ النشر: أبريل/ نيسان 2013
الناشر: سوي، باريس- فرنسا SEUIL
عدد الصفحات: 320

 

عرفت نهاية القرن العشرين مؤشرات عدّة عن تحولات عميقة كانت بصدد التشكّل في مجال العلاقات الدولية وموازين القوى العالمي، وطالت بالتالي رسم معالم الخارطة الاستراتيجية للمتحكّمين في العالم.

وقد ظهرت كتابات كثيرة تصف ما بدا من تلك التحولات وتتلمس خيوط التحالفات الجديدة والشكل الذي سيأخذه القرن الحادي والعشرين في مجال السياسات الدولية. وتركز النقاش في أغلبها حول موقع الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى في تلك الخارطة وطرائق تصرفها في مُخرجات ما كانت تعتقد أنه "قرنُها"، (1) وخاصة بعد أن أعلنت -خلال فترة رئاسة جورج بوش الأب- نهاية القطبية في السياسة الدولية، وهيمنة الولايات المتحدة الأميركية على العالم، بل وذهب علماؤها ومثقفوها إلى أن تلك الهيمنة إعلان عن "نهاية التاريخ". (2)

ومن بين أهم الكتب التي رصدت مؤشرات تلك التحولات العميقة في النظام العالمي الجديد، والتي أثارت جدلاً واسعًا في العالم حول طروحاته، كتاب الدبلوماسي والمحلل الاستراتيجي السنغافوري كيشور محبوباني: (3) "نصف العالم الآسيوي الجديد"،(4) الذي رسم بشكل فارق أسباب تلاشي الهيمنة الغربية -والأميركية بالذات- على العالم (دون أن يعني ذلك نهاية الحضارة الغربية حسب تعبيره)، وعودة "المارد الآسيوي" إلى سطح التحكم في مفاصل العلاقات الدولية. (5)

 الاستشراف وعلم تعيين الوقائع

وفي سياق هذه التحولات، صدر في الفترة الأخيرة كتاب جديد باللغة الفرنسية تحت عنوان "نحو نظام عالمي جديد" (6) للكاتب المتخصص في العلاقات الدولية والأزمات العالمية والنزاعات المسلّحة جيرار شاليان صاحب المؤلفات العديدة في مجال الدراسات الجيوسياسية والاستشرافية، بالتعاون مع ميشال جان، المختص بالشأن الصيني.

وتأتي قيمة الكاتب (وهو الفرنسي ذو الأصول الأرمينية) كونه من بين أولئك المختصين بالقضايا السياسية والاستراتيجية المتعلقة بـ"العالم الثالث" الذين كوّنوا معارفهم وخبراتهم في الميدان، لا في الصالونات المغلقة والنقاشات النظرية. فالرجل قضى أكثر من ربع قرن "يتجول" في 75 بلَدًا من بلدان إفريقيا وآسيا وأميركا. فقد كان رجل ميدان، يقتفي أثر حركات التحرر (في الجزائر، وشمال فيتنام، وغينيا بيساو، وكولومبيا، والبيرو، وسيريلانكا، وأفغانستان، وفلسطين، والبيرو، والعراق... إلخ)، ويلتقي الثوار ليطّلع من الداخل على أفكارهم ومعاناتهم وتطلعاتهم، ويستقي مما استخلصه هناك عددًا من التحاليل والكتب والتقارير المهمة التي كان لها كبير الأثر في فهم موضوعي وعقلاني لما يجري في كثير من بقاع العالم "المهمش" و"المسحوق" و"المُستعمَر". وقد ساهم في تأسيس مؤسسات بحثية في بعض المناطق التي زارها، كمركز الدراسات الاستراتيجية في كابول 2006، وأصدر ما لا يقل عن 40 كتابًا، من أشهرها "حروب وحضارات؛ الأنتولوجيا العالمية للاستراتيجية؛ رحلة 40 سنة من حرب العصابات؛ المأزق الأفغاني؛ أطلس النظام العالمي الجديد"، وهو بالإضافة إلى اختصاصه في علم العلاقات الدولية والدراسات الجيوسياسية، مؤرخ وشاعر ومترجم.

وقد جاء كتابه الأخير، الصادر عن دار سوي الفرنسية، في 320 صفحة مقسَّمًا إلى مقدمة و 15  فصلاً وخاتمة، إضافة إلى قائمة المراجع وبعض الخرائط والجداول.

يتناول الكتاب صعود السيطرة الغربية على العالم وأفولها، سيطرة لم تدم حسب رأي المؤلف أكثر من قرنين من الزمن، كما يرسم معالم نظام دولي جديد يتشكّل تحت أعيننا، وتقفز فيه قوى صاعدة من القارة الآسيوية (وبالذات الصين) لتحتل تدريجيًا المشهد العالمي.

يتمحور الكتاب حول البحث في آليات وآثار وتداعيات "الإعلان عن بداية النهاية للهيمنة المطلقة التي مارسها الغرب منذ ما يقرب من ثلاثة قرون"، مؤشرًا إلى أن هذا التحول الجيوسياسي يظهر في الأزمة المالية والاقتصادية التي عرفها العالم عامي 2007 -2008، وفي التراجع الديمغرافي في أوروبا وأميركا، وفي ظهور الصين كقوة عظمى واحتلالها المرتبة الثانية عالميًا، إضافة إلى ظهور عدد من القوى الصاعدة كالهند والبرازيل وغيرهما.

عالم يتشكل من جديد

تلك هي الخلفية (الذهنية والنفسية) التي ينطلق منها الكاتب تفكيكًا وتحليلاً لفهم ما سيكون عليه حال النظام العالمي بعد ربع قرن من الآن. لذلك نجده يرسم في الفصل الأول خارطة الحضارات التي هيمنت على العالم وامتد نفوذها على الأراضي والعقول، وصولاً إلى ولادة الحضارة الغربية من رحم "الأنوار"، وبسط سيطرتها الروحية والمادية والسياسية على العالم على أثر الثورتين الفرنسية والأميركية. لكنه، ولئن اعترف بكونية القيم التي بشرت بها الحضارة الغربية وسعت إلى فرضها على مختلف مناطق العالم، إلا أنه انتقد بشدة تعاملها مع تلك القيم ومدى التزامها بها، بل واعتبر أن سوء إدارتها للرصيد الأخلاقي لتلك القيم هو أحد الأسباب المهمة التي سارعت بتراجعها وفقدانها لموقعها الريادي في العالم اليوم. طبعًا لم يكن "شاليان" هو أول من تناول موضوع نهاية عصر الهيمنة الغربية على العالم، فقد تشكّلت فرق بحث، وانعقدت مؤتمرات علمية، وصدرت كتب فردية وجماعية فصّلت في تراجع الهيمنة الأميركية على العالم شرقًا وغربًا؛ وذلك منذ ثمانينيات القرن الماضي. (7) بل إن الجهات الرسمية وشبه الرسمية، الأميركية نفسها بدأت بالاهتمام بهذه المسألة، وبما ينتج عنها من تطورات خطيرة. (8) ويذهب ألفريد ماك كوي، خبير المستقبليات في الجامعات الأميركية، إلى الجزم بأن "القرن الأميركي الذي بُشِّرَ به بشكل احتفائي جدًا مع بداية الحرب العالمية الثانية، سيضمحلّ وينطفئ في حدود عام 2025". (9)

وإضافة إلى عديد الفقرات الموزّعة على كامل الكتاب، فقد خصص المؤلف الفصل الثالث منه "أميركا في أزمة" للتفصيل في حيثيات فقدان أميركا للريادة العالمية، وبالخصوص على إثر تداعيات الحرب التي خاضها الرئيس بوش الأب في العراق، والتي اعتبر الكاتب أنها أفقدت أميركا بشكل نهائي ما كانت تتمتع به طيلة تاريخها المعاصر: المزاوجة الناجحة بين واقعية روزفلت وأخلاقية ويلسون، أو ما عبّر عنه ستانلي هوفمان بـ "العُذرية التاريخية دائمة التجدد".لم يصل "شاليان" إلى مستوى ما عبّر عنه بعض الباحثين بـ"الإفلاس الكامل والنهائي" للولايات المتحدة الأميركية، وإلى تسارع وتيرة تراجعها إلى حد خروجها من مشهد الكبار مع حلول سنة 2025، (10) بل ما زال يعتقد أنها ستبقى محافظة على مكانتها بالرغم من خسارتها لكثير من قواها في حربها الشاملة على الإرهاب.

1979 وبداية النهاية

تبقى الأطروحة الأكثر طرافةً وجِدّة في الكتاب ما أوْدَعَه المؤلف في الفصل الثاني منه "الانعطافة الكبرى لعام 1979"، والقائمة على مخالفة كل الذين أرّخوا لبداية التحولات العميقة في النظام الدولي بسقوط حائط برلين وانتهاء الحرب الباردة أو بغزو العراق أو بتفجيرات 11 سبتمبر/أيلول 2001، والتأكيد على أن عام 1979 هو عام محوري حاسم، أعطى "ضربة البداية" لانهيار النظام العالمي القائم، وشكّل منعطفًا تاريخيًا في مسار السياسات العالمية. رصد شاليان في هذه السنة "1979" حدوث أربعة أحداث كان لها تأثيرات حاسمة في تحديد مسارات النظام الجديد، وهذه الأحداث هي على التوالي: 

  • الانعطافة الحاسمة التي قامت بها الصين نحو اقتصاد السوق، وترحيب الولايات المتحدة الأميركية بذلك، بل واستقبالها للزعيم الصيني دنغ شياو بينغ في شهر يناير/كانون الثاني من العام 1979، وعقدها سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية معه. لقد كان قرار تبني اشتراكية السوق مفاجئًا من قبل الصينيين، وتحولاً حاسمًا عن السياسات المتبعة منذ العام 1949؛ حيث كان دنغ شياو بينغ ذو التسعين سنة من عمره قد وضع قانونًا للسلوك القويم في العلاقات الخارجية، يتألف من 28 حرفًا من الأبجدية الصينية، تشكّل سبع نصائح في المجال: (11)"تحليل التحولات بهدوء؛ مقاربة التغيير بإيمان وصبر؛ ضمان مكانتنا الخاصة؛ لا تتفاخروا بما يمكننا القيام به ولا تتعرضوا للأضواء المسلطة؛ حافظوا على التواري؛ لا تطالبوا بالقيادة أبدًا؛ ابحثوا عن الإنجاز".

    وكانت هذه المبادئ في الحقيقة موجهة بالأساس للتعامل مع الولايات المتحدة الأميركية، وأدت بعد ثلاثين سنة إلى صعود الصين لتحتل المرتبة الثانية بعد أميركا في الاقتصاد العالمي، في وقت ضربت فيه الأزمة الاقتصادية والمالية الأسواق الغربية والعالمية.
  • الثورة الإسلامية "الخمينية" في إيران، التي دفعت بالإسلام الشيعي للظهور والفعل في ساحة القوى الإقليمية، وقد ارتبط هذا الظهور بعداء حاد للإمبريالية الأميركية.
  • الأزمة النفطية الثانية بعد أزمة 1973، التي أقنعت السياسيين الغربيين وبشكل نهائي بضرورة مراجعة نمط العيش في بلدانهم.
  • غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، وفرض نظام شيوعي موال لها، وهي المرة الأولى التي يتدخل فيها السوفيت عسكريًا خارج مجال دول حلف فِرصوفيا. وقد أدى ذلك إلى جرّ الولايات المتحدة الأميركية إلى الحلبة عبر التسليح المكثف للمجاهدين الأفغان، والدخول في حلف مع الإسلام السني الذي تقوده المملكة العربية السعودية.

لقد قلبت هذه الأحداث الأربعة التي وقعت في سنة 1979 -بحسب جيرار شاليان- معادلات الصراع الدولي رأسًا على عقب، وساهمت بشكل فارق في رسم معالم النظام العالمي الصاعد، فسرّعت من السباق نحو التسلح، وانهيار المعسكر الاشتراكي بسقوط حائط برلين، والظهور القوي للإسلام "الجهادي المتشدد" في عدة مناطق من العالم، ووقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001؛ ما دفع بأميركا إلى الارتماء كليًا في حرب كونية ضد ما وصفته بالإرهاب. وقد تزامن ذلك الصدع الجيوسياسي العالمي مع تحوليْن دولييْن فاقَمَا من آثاره المدمرة على الريادة الغربية، هما: التغير الواسع في البنية الديمغرافية العالمية التي عرفت نسب شيخوخة وضمورًا سكانيًا كبيرًا في الغرب مقارنة ببقية مناطق العالم، والأزمة الاقتصادية والمالية المستفحلة التي ضربت أساسًا أوروبا والولايات المتحدة الأميركية؛ ما سمح بظهور قوى اقتصادية صاعدة وتصدرها للمشهد كالهند والبرازيل وكوريا الجنوبية وتركيا وجنوب إفريقيا وماليزيا، وعلى رأس تلك الدول تتصدر الصين المشهد كقوة اقتصادية وعسكرية وبشرية عظمى.

ساحة الموت، ساحة الولادة

يعرض الكتاب في فصوله الستة التالية (من الفصل 3 إلى الفصل 8)، وبكثير من التفصيل، للمناطق والدول التي فقدت سيطرتها في النظام المعولم السابق (أميركا-روسيا-أوروبا)، وتلك التي تشهد إرهاصات ولادة النظام الجديد في رحمها أو هي على علاقة تماس معه (آسيا والدول الصاعدة-العالم العربي-إيران)، مبرزًا عناصر القوة والضعف لدى كل منها؛ ما يسمح باستشراف الدور الذي تلعبه في النظام العالمي الذي يتشكل، مع اهتمام خاص بموقع أوروبا في تلك التحولات، وبالتخصيص بموقع فرنسا التي يرى أنها تخلفت كثيرًا عن المساهمة في الأحداث الجارية، وفقدت الأدوات اللازمة التي تؤهلها للتموقع فيه.

ويختم شاليان بالفصل التاسع الذي تناول فيه بلدان أقصى الشرق الآسيوي، وجعله في الحقيقة مقدمة للفصول الخمسة التالية التي خصصها شريكه في التأليف ميشال جان بالكامل للصين التي عرفت، منذ أن وضع مهندس سياساتها الجديد دنغ شياو بينغ تصوراته موضع التنفيذ (1979-2012)، نجاحًا هائلاً من حيث حجم الإصلاحات الاقتصادية وسرعة النتائج، وتنامي قوتها العسكرية، مع اعتماد دبلوماسية قوة كبيرة؛ ما أهّلها لأن تصبح ثاني دولة عظمى على الساحة الدولية من الناحية الاقتصادية. وبالرغم من ذلك الانفتاح الكبير على الخارج وتضاعف فرص المبادلات مع التيارات الفكرية والسياسية والحياتية العامة شرقًا وغربًا؛ فقد حافظت الصين على الحضور الفارق للدولة المركزية كراعية لتلك التحولات، وعلى بقاء الشعور القومي متأججًا لدى عامة الصينيين.

ركز ميشال جان في الفصول التي خصصها للصين على رسم صورة للصين القديمة وكيفية ولوجها للحداثة، وفصّل في آليات نهضتها الحديثة مع دنغ شياو بينغ، وفي مختلف "الدروس" التي واجهتها أثناء التحولات العميقة التي عرفتها بِنْيتها الثقافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، وعلاقة ذلك بالمحيطين بها. كما بحث فيما اعتقد أنه "إرهاصات لعصر صيني جديد"، وعرض في الفصل 14 الأولويات التي حددها الحزب الشيوعي الصيني والمسارات التي على الأمة الصينية اتباعها في السنوات الخمسة القادمة (2013-2017)،(12) وذلك أثناء انعقاد مؤتمره الثامن عشر في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2012. ومع تجديد القيادة، أكد الحزب ثقته في التوجه العام للعقود المنصرمة، ورسم هدفًا بعيدًا للصين يحدد سياساتها في مختلف المجالات لا سيما ما يخص نهضة الأمة الصينية وتصدرها للعالم مع حلول عام 2049، أي مع ذكرى مئوية إعلان قيام الجمهورية الشعبية الصينية. ولكن عقبات عديدة يمكن أن تَحُول دون تحقيق تلك الطموحات أو الأهداف المرسومة، (13) بعضها على علاقة بالداخل الاجتماعي والسياسي الصيني، وبعضها على علاقة بمفهوم الأمن الإقليمي الذي لا ينظر فيه بعض بلدان آسيا الصاعدة للهيمنة الصينية بعين الرضا، وبعضها على علاقة بالتعامل مع الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الدائرة في فلكها في ظل الرغبة في الدفاع عن مواقع مختلف الأطراف الاستراتيجية المتواجدة في نقاط تقاطع بحرية عديدة في العالم. لذلك ستجد الصين نفسها كقوة عظمى ذات نزعة توسعية واضحة في مواجهة مباشرة "عسكرية" مع أميركا وحلفائها إذا هي أخطأت التصرف وغلبت عليها نزعتها الهيمنية القديمة، خاصة وأن الصورة المُطَمْئِـنة التي تريد أن تسوّقها عن نفسها إلى حد الآن لا تعدو كونها جزءًا من استراتيجيتها القائمة على سياسة "القفازات المخملية" بحسب "شاليان".

آسيا: المارد العائد في السياسة الدولية

وفي خاتمة الكتاب، يسوق "شاليان" البراهين على أن اتجاه مراكز القوة في النظام العالمي الجديد قد تحول عن الغرب، نحو آسيا تحديدًا، وعلى رأسها الصين والهند، متبوعة ببعض القوى الإقليمية الصاعدة كالبرازيل وغيرها؛ وعلى أن الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى لن تغيب نهائيًا عن رقعة العلاقات الدولية. وهو يؤكد أن القرون التي هيمن فيها الغرب "أوروبا وأميركا" على النظام العالمي لم تكن إلا قوسًا في التاريخ الحضاري الطويل، وأننا اليوم بصدد العودة إلى عالم متعدد الأقطاب، تلعب فيه آسيا "الصين والهند بشكل خاص" والعالم الإسلامي، وبعض دول أميركا الجنوبية، والولايات المتحدة الأميركية دورًا مهمًا في تشكيل الرقعة الجديدة للعلاقات الدولية، كهياكل ومؤسسات وقيم.

ويختم المؤلفان كتابهما بنظرة استشرافية متشائمة بخصوص موقع أوروبا وقدرة فرنسا بالذات على استدراك أمرها ومواجهة مصيرها بمراجعات شجاعة وضرورية، عسى أن تتمكن أوروبا من التواجد ضمن التكتلات العشرة الأولى في العالم في حدود العام 2020.

يمثل كتاب جيرار شاليان هذا مسحًا علميًا دقيقًا لساحة العلاقات الدولية ورسمًا للتقاطعات الجيوسياسية والجيوثقافية والجيوعسكرية والجيواقتصادية التي يعرفها انهيار نظام عالمي، ومحاولة قيام آخر مكانه. وهو وإن أفلح في توظيف مختلف المعطيات المتوفرة لفهم التحولات العميقة التي يعرفها العالم، بحسٍ كبير من الموضوعية والتعاطف مع الشعوب المتحررة من الهيمنة الغربية، إلاَّ أنه لم يوفّر جهدًا في تحريض أوروبا على مراجعة توجهاتها، والاقتناع بتغيير نظرتها لذاتها وللآخرين، والتواضع للقوى الصاعدة، وذلك عبر محاولة النصح والاقتراح ورسم معالم خارطة طريق على طول صفحات الكتاب.

وإذا كنا نفهم غياب القارة الإفريقية (عدا بلدان المغرب العربي وإفريقيا الجنوبية) وغياب أميركا الجنوبية (عدا البرازيل) عن هذا الكتاب، باعتبارها لا تتوفر على المقومات التي يقوم عليها النظام العالمي الجديد كما يتصوره الكاتبان: القوة الاقتصادية، والتقدم التكنولوجي، والاستعداد العسكري، فإننا يمكن أن نشير إلى بعض من المواضع التي تميّزت بـ"خفّـة" تحليلية واستشرافية، كتلك التي نلاحظها على سبيل المثال في قراءته لمآلات الثورات العربية وتأثير إغراق المنطقة العربية في احتراب داخلي مدمّر، على قدرة الرقعة الإسلامية المترامية في تركيا وإيران وإندونيسيا وماليزيا على التموقع ضمن الخارطة الدولية المرتقبة؛ ويصبح ما جاء في هذا الكتاب على غاية الأهمية إذا نظرنا فيه بالتوازي مع كتاب كيشور محبوباني: "نصف العالم الآسيوي الجديد- التحول الحتمي للقوة العالمية نحو الشرق".

 

المصدر:

https://goo.gl/t2f1zq

 

الهوامش
1- Source: «Déclin de l’Occident et montée de l’Orient », par Jean-Pierre Lehmann, Réseau Voltaire, 2 septembre 2008, http://www.voltairenet.org/article157953.html 
2- Francis Fukuyama ; La Fin de l’Histoire et le dernier homme. Paris : Flammarion, coll. “Champs”, 1993
3- صنفته Foreign Policy في المرتبة 94 في قائمة أول 100 مفكر عالمي سنة 2011. ومن أهم مؤلفاته (بالإنجليزية): هل يستطيع الآسيويون التفكير؟ فهم الهوة بين الشرق والغرب، 2001 / ما بعد عصر البراءة، إعادة بناء الثقة بين أميركا والعالم، 2005 / نصف العالم الآسيوي الجديد: التحول الحتمي للقوة العالمية نحو الشرق، 2008 / التقارب الأكبر: آسيا والغرب، عالم واحد 2013.
4- KishoreMahbubani ; The New AsianHemisphere – The Irresistible Shift of -Global Power to the East. United States : Public Affairs, 2008
وقد تُرجم الكتاب إلى العربية تحت عنوان: نصف العالم الآسيوي الجديد-التحول الحتمي للقوة العالمية نحو الشرق. ترجمة: غادة وحيد وسمير كريم. القاهرة: المركز الوطني للترجمة، 2009. 
5- انظر: د. فريدريك معتوق؛ المارد الآسيوي يسيطر. بيروت: منتدى المعارف، 2013.
6- Gérard Chaliand (avec la collaboration de Michel JAN); Vers un nouvel ordre du monde. Paris : Seuil éditions, 2013. 298 p
7- انظر على سبيل المثال لا الحصر: Alfred W. McCoy ; « La fin du "Siècle Américain" La disparition des États-Unis en tant que superpuissance mondiale »[نهاية "القرن الأميركي"، اضمحلال الولايات المتحدة الأميركية كقوة عالمية عظمى] . Asia Times Online, 8 décembre 2010. In http://www.esprit-europeen.fr/etudes_geopo_fin-des-USA.html 
KishoreMahbubani ;The New AsianHemisphere. (op. cit)
8- أهم تلك المبادرات جاءت من فريق البحث الذي شكّله الأستاذان Alfred McCoy وFrancisco Scarano في جامعة ويسكونسن-ماديسون بالولايات المتحدة الأميركية ومشاركة مركز هارفاي غولدبرغ، وشارك فيه ما لا يقل عن 130 باحثًا من القارات الأربعة. وقد تواصل العمل في "مشروع الإمبراطورية الأميركية: صعود الهيمنة الأميركية العالمية وتراجعها" من سنة 2004 إلى غاية 2010. كما صدّرت مجلة التايم الأميركية غلافها في 22 أغسطس/آب 2011 بعنوان ذي دلالة: THE DECLINE AND FALL OF EUROPE
9- Alfred W. McCoy ; « La fin du "Siècle Américain" 
يذهب ألفريد ماك كوي إلى أن استطلاعًا للرأي أُنجِزَ في شهر أغسطس/آب 2010، بيّن أن 65 بالمائة من الأميركيين يعتقدون أن بلادهم في وضع تراجع حثيث.
10- وهو موقف ألفريد ماك كوي في الدراسة السابقة.
11- Peter Franssen ; « La Chine ouvre les portes ». www.infochina.be , 9 décembre 2009
انظر أيضًا: شاليان؛ نحو نظام عالمي جديد. ص221-225.
12- يذهب البنك الدولي إلى أن الصين يمكن أن تصبح مع سنة 2016 القوة الاقتصادية الأولى في العالم إذا ما حافظت على نسبة نمو سنوي يتجاوز 7 بالمائة بين سنوات 2010 و2020 بحسب ما حددته قرارات المؤتمر 18 للحزب الشيوعي الصيني
13- Kishore Mahbubani ; « La Chine a-t-elle oublié les règles du jeu diplomatique ? »Les Echos, 27/07/2012 
 http://lecercle.lesechos.fr/economistes-project-syndicate/autres-auteurs/221151269/chine-a-t-elle-oublie-regles-jeu-diplomatique (Traduit de l’anglais par Pierre Castegnier)

 

صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب "في إصلاح المجال الديني". وهو يتضمن وقائع الندوة الفكرية التي نظمها المركز في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 حول «إصلاح المجال الديني»، التي شارك فيها نحو أربعين باحثاً وباحثة من المفكرين والأكاديميين العرب المتخصصين العرب في الشؤون الدينية والاجتماعية.


يناقش الكتاب قضايا الإصلاح في المجال الديني من زوايا ومقاربات مختلفة، عزّزها تعدد العناوين البحثية التي تمحورت جلسات الندوة حولها، وتنوع الخلفيات الفكرية والثقافية والتجارب العملية للمشاركين في الندوة.

(لو حسنت النوايا وتوفرت الظروف الموضوعية)

توطئة:

أشدد على مسألة حسن النوايا والإبتعاد عن الخطط واللؤم وسوء النية في التعامل مع مصالح بلادنا ليبيا التي شهدت من كل هذا الكثير والذي دفع بها إلى مشارف الهلاك. فلم تنجح وثيقة ولا مبادرة ولا اتفاق ولا مشروع دستور ولا أي قالب من قوالب الصلح، لأنها تأسست في أغلبها على سوء النوايا أو جرت محاولة تطبيقها بسوء نية.

ولست وأنا بصدد الخوض في موضوع الانتخابات مشجعة عليها إطلاقا، فلا أدعي أنها خلاص للنكبة التي يعيشها الوطن. فالعملية الإنتخابية ليست بحاجة فقط إلى إرادة سياسية أو وسائل قانونية وأدوات إدارية لكنها وقبل كل شيء بحاجة إلى إرادة انتخابية حرة، وممارسة الحق في الترشح، وأمن مستتب، وجو يقوم على الثقة، تخول المترشح والناخب المشاركة في هذه العملية الإنتخابية.

غياب الخدمات وانتشار الفقر والجريمة وإهدار حقوق المواطن، وقبل كل شيء غياب الأمن، وعدم سيطرة المؤسسات التي تدعي حكما على الأرض، وانتشار المليشيات والتشكيلات المسلحة وتحكمها في مجريات الأمور، وانتشار السلاح، ليست ظروفا يمكن معها التسرع بإجراء انتخابات عامة في البلاد.

لكنني وفي هذا المقترح، أقول لمن يلوح بالانتخابات لمآرب سياسية ومكاسب ورغبة في البقاء، واستغلال حالة البلاد لإرسال بارقة أمل زائف، أن المبادرات يجب أن تكون جدية وقائمة على ظروف موضوعية وقانونية. وسأتطرق هنا فقط للشأن القانوني دون الشأن الموضوعي، تاركة امره للمختصين به.

في مارس 2017 قام رئيس مجلس النواب بالإعلان عن إجراء إنتخابات عامة رئاسية وبرلمانية وبما لا يتجاوز شهر فبراير 2018، بل قام في 7.3.2017 بمخاطبة المفوضية العليا للانتخابات بموجب خطاب رسمي يستفسر منها عن إمكانية إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بالبلاد، والتي بدورها قامت بالرد عليه إيجابا بتاريخ 12. 3. 2017 بما مفاده جاهزيتها لتنفيذ أية عملية انتخابية تكلف بها سواء رئاسية أو تشريعية.

وبتاريخ 15. 7. 2017، قام رئيس المجلس الرئاسي وقبيل انقضاء مدة الاتفاق السياسي بخمسة أشهر، بطرح مبادرة تضمنت إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في شهر مارس المقبل، والتي توقفت على شرط مستحيل التحقيق وهو قيام كل من مجلس النواب وما يعرف بمجلس الدولة بإصدار التشريعات اللازمة لذلك.

وعليه، فإن التلويح بإجراء انتخابات بين الفينة والأخرى دون توفر الشروط الموضوعية، ولا القانونية/ الدستورية، قد تنم عن سياسة متبعة لاستمرار هذه المؤسسات في "الحكم" واستمرار حالة الجمود القائمة، بل والدفع إلى مزيد من التأزم.

ورغم هذا، وعلى فرض "حسن نية" هاتين المؤسستين وجديتهما في إجراء الانتخابات، وتسليم "السلطة" إلى هيئات منتخبة، فإنني اتقدم بمقترح، اختبارا لحسن النوايا، وأحث كل الفاعلين على الساحة لتقديم مقترحات من هذا النوع لمعرفة ردود الفعل ومدى الجدية في ذلك.

عناوين المقترح:

- مخرجات لجنة فبراير 2014.
- معوقات تنفيذ مخرجات لجنة فبراير: المؤتمر الوطني العام/ مجلس النواب/ حكم المحكمة العليا.
- الاتفاق السياسي ( اتفاق الصخيرات).
- معوقات الإتفاق السياسي.
- الحالة القائمة.
- استئناف المسار الديمقراطي.
- وثيقة فبراير.
- الخلاصة/ المقترح.

أولا: مخرجات لجنة فبراير 2014:

(1) بتاريخ 5/2/2014 قام المؤتمر الوطني العام بإجراء تعديل دستوري تحت رقم التعديل السادس، جاء فيه مايلي: (تشكيل لجنة خلال شهر فبراير 2014 لإجراء تعديل دستوري يتضمن انتخابات رئاسية وبرلمانية)... (أن تنجز اللجنة عملها خلال 30 يوما من تاريخ تشكيلها، وأن يعد على ضوء تعديلاتها قانون الانتخابات).

(2) بتاريخ  12/2/2014 أصدر رئيس المؤتمر الوطني العام القرار رقم (12) لسنة 2014، بتشكيل لجنة لإعداد مقترح بتعديل الإعلان الدستوري ومقترح قانون انتخابات عامة، تضمن القرار ما يلي:

- تكون القرار من ثمانية مواد.
- تتكون اللجنة من 15 عضوا.

حدد القرار أسماء أعضاء اللجنة على النحو التالي: 6 من بين أعضاء المؤتمر الوطني العام، وتسعة من خارجه... حدد القرار مهمة اللجنة بـ "وضع مقترح تعديل دستوري" تطبيقا للتعديل الدستوري السادس... أن تباشر اللجنة عملها من يوم 15/ 2/ 2014، ولمدة 15 يوما من تاريخ انعقاد اجتماعها.

(3) بتاريخ 16/2/204 عقدت اللجنة التي اصطلح على تسميتها "لجنة فبراير" اجتماعها الأول، وتبنت "لائحة العمل الداخلي" و" المبادئ الناظمة لعملها"، وتوافقت على رئيس ونائب للرئيس ومقرر للجنة. كما قامت بوضع شعار لها وموقع على شبكة الانترنت، نشرت عليه بيانات عن جلساتها، وأعدت محاضر لاجتماعاتها.

(4) بتاريخ 4/ مارس/2014  قام رئيس اللجنة ونائبه بتسليم رئيس المؤتمر الوطني العام النسخة النهائية لمقترح فبراير، وأقام أعضاء اللجنة مؤتمرا صحفيا بالخصوص.

(5) بتاريخ 11/ مارس/ 2014 قام المؤتمر الوطني العام بإصدار التعديل الدستوري السابع، الذي ورد فيه "11. يعمل بمقترح لجنة فبراير على أن يقوم مجلس النواب المنتخب بحسم مسألة انتخاب الرئيس المؤقت بنظام انتخاب مباشر أو غير مباشر خلال مدة لا تزيد عن خمسة وأربعين يوما من عقد أول جلسة له".

ثانيا معوقات تنفيذ مقترح لجنة فبراير:

1- المؤتمر الوطني العام: قام المؤتمر الوطني العام في جلسة 11/ مارس/2014 بتفريغ مخرجات لجنة فبراير من محتواها، باعتماد جزء منها (انتخابات تشريعية) وتعليق الجزء الآخر (انتخابات رئاسية). ولا يمكن في حالات مشاريع القوانين القيام بمثل هذا الإجراء لأن القوانين نسيج واحد لا يتجزأ.... إصدار التعديل السابع للإعلان الدستوري باعتماد الانتخابات التشريعية دون الإنتخابات الرئاسية، في جلسة عاصفة حدث فيها هرج ومساومات حول إسقاط حكومة السيد زيدان مقابل اعتماد مخرجات لجنة فبراير جزئيا.... إعلان المؤتمر الوطني العام عن موعد الإنتخابات التشريعية، وإجرائها وإعلان نتائجها من قبل المفوضية العليا للانتخابات  بتاريخ 21. 7. 2014.... تقاعس رئاسة المؤتمر الوطني العام عن تسليم السلطة إلى مجلس النواب ثم رفضه التسليم، ومحاولة إحياء المؤتمر الوطني مجددا في طرابلس ببعض من أعضائه.

2- مجلس النواب: تدهور الوضع الأمني في بنغازي(مقر مجلس النواب) واضطراره للانعقاد في مدينة طبرق.... مقاطعة حوالي ثلاثين عضواً من أعضاء مجلس النواب لجلساته... بتاريخ 6 أغسطس 2014 أصدر مجلس النواب التعديل الثامن والذي قرر فيه أنه "إلى حين انتخاب رئيس الدولة (المؤقت)، يمارس مجلس النواب (المؤقت) كافة الإختصاصات الواردة أعلاه بإستثناء الإختصاصين المنصوص عليهما في الفقرتين الأولى والتاسعة من المادة المشار اليها فتسندا إلى رئيس مجلس الوزراء. وفي جميع الأحوال يجوز لمجلس النواب المؤقت أن يفوض مكتب الرئاسة في جميع أو بعض اختصاصاته المسندة إلى هذا المجلس بمقتضى هذا التعديل". وهكذا تحول مجلس النواب إلى مؤتمر وطني عام آخر، ولم يتحقق هدف مقترح لجنة فبراير بإحداث التوازن اللازم في نظام الحكم.... صدر عن مجلس النواب تفويض لبعض اختصاصات الرئيس الواردة في مقترحات لجنة فبراير إلى رئيس مجلس النواب... انقضاء مدة مجلس النواب وفقا لمقترح لجنة فبراير في 23 أكتوبر 2015 ( مدتة 18 شهرا من تاريخ انعقاد أول جلسة للهيئة التأسيسية أو انفاذ الدستور أيهما أسبق/ المادة 5)... إصدار مجلس النواب للتعديل التشريعي التاسع والذي قام فيه بمخالفة سند إنشائه (مقترح فبراير) والتمديد لنفسه بالمخالفة لمبدأ سامٍ ألا وهو مبدأ التداول السلمي للسلطة الوارد في الإعلان الدستوري، واستمراريته دون سند دستوري صحيح.

3- حكم المحكمة العليا: بتاريخ 6. 11. 2014 صدر حكم المحكمة العليا الشهير في الطعن الدستوري رقم 17 لسنة 61 ق، والذي قضى منطوقه " حكمت المحكمة- بدوائرها مجتمعة- بقبول الطعن شكلا، وبعدم دستورية الفقرة 11 من المادة 30 من الإعلان الدستوري المعدلة بموجب التعديل الدستوري السابع الصادر بتاريخ 11 مارس 2014، وكافة الآثار المترتبة عليه، وإلزام المطعون ضدهم بصفاتهم المصروفات". وهو الحكم الذي أثار جدلا كبيرا في معناه وظروف صدوره، وفاقم من الوضع وهدد وحدة البلاد وكاد أن يعصف بالمسار الديمقراطي ويخلق فراغا سياسيا في البلاد.

ثالثا: اتفاق الصخيرات:

1- بسبب معوقات تنفيذ مقترح فبراير المبينة أعلاه، خرج المسار الديمقراطي من النطاق المحلي إلى النطاق الدولي، فصدر قرار مجلس الأمن رقم (2174/ 2014) في شهر أغسطس 2014 بالبدء في عملية حوار سياسي شامل في ليبيا.

2- بتاريخ أغسطس 2014 تم تعيين السيد برناردينو ليون مبعوثا شخصيا للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسا لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا (البعثة)، والذي قام بتحديد أعضاء للجنة الحوار.

3- بدأ الحوار السياسي في سبتمبر 2014، حيث عقدت اللجنة اجتماعا وحيدا داخل البلاد (مدينة غدامس) ثم جابت بعض المدن الخارجية لتستقر في مدينة الصخيرات المغربية.

4- أعدت البعثة من واقع اجتماعات لجنة الحوار مسودات بلغ عددها التسعة. وبتاريخ 17/12/2014 قام أطراف لجنة الحوار بالتوقيع على النسخة النهائية (العاشرة) بمدينة الصخيرات. كما أعلن السيد ليون عن أسماء المجلس الرئاسي لحكومة وفاق وطني مشكلة من تسعة أشخاص.

5- بتاريخ 24/12/2015 صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2257/2015) بالترحيب بالمجلس الرئاسي، وتأييد بيان روما ديسمبر 2015 الذي "يطالب بدعم حكومة الوفاق الوطني باعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة في البلاد".

6- بتاريخ 4/11/2015 سمى الأمين العام للأمم المتحدة  السيد مارتن كوبلرمبعوثا لبعثة الأمم المتحدة  في ليبيا.

7- وبتاريخ 22/6 /2017 تم تسمية مبعوث جديد لليبيا وهو السيد غسان سلامة.

رابعا معوقات اتفاق الصخيرات:

- عدم صدور تعديل دستوري بالاتفاق السياسي، وعدم تضمينه في الإعلان الدستوري من مجلس النواب.

- عدم دخول الاتفاق السياسي حيز النفاذ وبالتالي لا يعتبر قانونا ساريا في الدولة الليبية.

- المخالفات الجسيمة للاتفاق ذاته من قبل أطرافه: تأسيس مجلس الدولة بالمخالفة للاتفاق/ مخالفة المجلس الرئاسي لاشتراط الإجماع في قرارته خاصة بعد مقاطعة عضوين واستقالة عضو من أعضائه.

- عدم إمكانية تطبيق الاتفاق السياسي على الأرض، وتدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي، والإنساني وانتشار الجريمة.

- تنامي الانقسام المؤسساتي وتشعبه، وعدم قدرته على السيطرة على المؤسسات السيادية في البلاد، والفشل في توحيد مؤسسات الدولة.

- اضافة جسم مؤسساتي جديد دون إمكانية إلغاء الأجسام المؤسساتية الأخرى أو الذوبان في مؤسسات الاتفاق السياسي، ليزيد الأمر تعقيدا وانقساما.

خامساً الحالة القائمة:

1- مجلس النواب: انقضت مدته وفقا لسند انشائه منذ أكتوبر 2015 . مشلول حاليا وغير قادر على الاجتماع و لا على عقد جلساته وفقا للنصاب المطلوب.

2- مؤسسات الاتفاق السياسي: الاتفاق السياسي لم يعتمد وليس جزءا من المنظومة القانونية الوطنية، ولم تتم المصادقة عليه وفقا للاتفاق السياسي. عجز المجلس الرئاسي عن العمل استنادا للاتفاق السياسي بسبب عدم تحقق الإجماع، عدم اعتماد حكومة الوفاق الوطني من مجلس النواب وفقا للإتفاق السياسي.... تشكيل مجلس الدولة من بعض أعضاء المؤتمر الوطني العام بإجراءات تخالف الاتفاق السياسي ذاته.... إن الإتفاق السياسي شارف على الانتهاء (17 ديسمبر 2017).

سادساً استئناف المسار الديمقراطي

1- هناك اتفاق اليوم من جانب أطراف عديدة على العودة إلى المسار الديمقراطي بانهاء الأجسام المؤسساتية الموجودة واقعيا وخوض انتخابات جديدة، ذلك أن هذه الأجسام إما انتهت مدتها (مجلس النواب)، أو أنه لم يكتمل تشكيلها ولم تعتمد (حكومة الوفاق)، أو أنها فرضت نفسها فرضا دون أي أساس (مجلس الدولة).

2- لكن ما يشكك في هذه المواقف والمبادرات هو عدم تحديد تفاصيلها ولا جديتها بوضع الإطار القانوني لها، فرئيس مجلس النواب أطلق الدعوة وخاطب الهيئة العامة للانتخابات لكنه لم يتابع الأمر ولم يجتمع مجلس النواب ويعد مشروع قانون للإنتخابات الرئاسية والبرلمانية ولم يضع مقترحا للتعديل الدستوري المرتقب واللازم لوضع هذه الدعوة موضع التنفيذ. كما وأن رئيس المجلس الرئاسي للأسف أخذ ذات المنحى، بإحالة الأمر على مجلسين متصارعين ومتخاصمين ومتنافسين، ونفض يده منها وهو الذي يدخل في صميم عمله إعداد مشاريع القوانين، كما أن تقديره الزمني لانعقاد هذه الانتخابات يثير الشك والريبة ذلك أنه تاريخ لاحق على انقضاء مدة الإتفاق السياسي، الذي يعني مزيداً من الغوص في عدم المشروعية والإمعان فيها وفرض مؤسسات الواقع بناء على إعتراف دولي يتناقض تماما مع التشريعات الوطنية بدءا بالإعلان الدستوري. وهكذا تظل هذه المواقف والمبادرات مجرد فرقعات سياسية لا نعلم ما وراءها ولا الأسباب التي دعت اليها، والأهم أن جديتها غير قائمة طالما أنها تدور في فلك السياسة وتبتعد عن فلك القانون والشرعية.

3- لذا، لا مناص من وجهة نظرنا من العودة من حيث بدأ الفشل والعوائق وتضارب المصالح والإضرار بالبلاد وبالعباد، وهو العودة إلى آخر وثيقة قانونية كان يمكن أن تكون قاطرة لإنهاء المرحلة الانتقالية بصدور دستور للبلاد ألا وهي وثيقة فبراير.

سابعاً وثيقة فبراير:

1- سريان وثيقة فبراير: هذه الوثيقة صدر بها تعديلان، هما التعديل السابع عن المؤتمر الوطني العام، والتعديل الدستوري الثامن عن مجلس النواب. والخلاف حولها كان خلافا شكليا حول النصاب الواجب تحققه والإجرءات الشكلية التي اتخذها المؤتمر الوطني العام في جلسته لتبني التعديل السابع ولم يكن في فحواها. كما وأن حكم المحكمة العليا لا يمس أمر شرعية مجلس النواب لقيامه على قانون انتخابات مايزال ساريا، وفي كل الاحوال فإن الزمن قد تجاوز كل ذلك. ضف إلى ذلك أن مجلس النواب تبنى تعديلا ثامنا أكد فيه على هذه الوثيقة ومن تم هي جزء من الإعلان الدستوري.

2- إن كل المؤسسات الحاكمة الحالية إما منتهية الصلاحية أو لم تقم بالأساس، لذا فإنه من المهم أن تنتهي، وأن تؤسس مؤسسات جديدة تقوم على مشروع حقيقي (وثيقة فبراير) لا هلامي (اتفاق الصخيرات)، تتأكد فيها المبادئ اللازمة لنظام الحكم المتعارف عليه بمقاييس دولية وهو ما تحققه وثيقة فبراير: الفصل ما بين السلطات/ رئيس منتخب للدولة اختصاصاته محدودة وحكومة معا يشكلان السلطة التنفيذية، مجلس للنواب يشكل السلطة التشريعة مقيد بسلطات محددة من أهمها التشريع اللازم للمرحلة الانتقالية/ اعتماد نظام لا مركزي/ إنشاء مجلس الدفاع والأمن القومي/ احتكار الدولة للسلاح والجيش والشرطة وحظر التشكيلات العسكرية وشبه العسكرية/  التزام الجيش بعدم المساس بالنظام الدستوري وحظر أعضاء القوات المسلحة من الاشتغال بالعمل السياسي...الخ).

ثامناً الخلاصة/ المقترح:

إن المؤسسات القائمة غير مؤهلة اليوم لاستئناف المسار الديمقراطي لإفلاسها وعجزها الكامل عن العمل، وعليها المسؤولية وليس على غيرها أن تتنحى جانبا وتترك المسار الديمقراطي يستأنف سيره، فهي غير مؤهلة لا قانونيا ولا شعبيا أن تلعب أي دور. وإن تدخلها اليوم لن يزيد الطين إلا بلة والوضع تدهورا، عليه نقترح مايلي:

أولا/ دور بعثة الأمم المتحدة في ليبيا:

1- تشكيل لجنة فنية مصغرة من الخبراء الليبيين لإعداد مشروع قانون انتخابات رئاسية وبرلمانية دون إقصاء أو عزل لأي شخص أو فئة إلا بموجب حكم قضائي. وهنا وقد عملت هذه البعثة في الشأن الليبي سنوات سبع من تاريخ تأسيسها، فإنه عليها أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة في اختيار الأشخاص المؤهلين دون محاصصة أو مكابرة أو مجاملة أو تأثير دولي أو تدخل لدول خارجية أيا كان دورها. والبعثة اليوم خبرت الليبيين جيدا كما خبروها، ولديها قائمة بالخبراء الليبيين الأكفاء والمحايدين والمستقلين، وعلى عاتقها مسؤولية وأمانة دولية قد تشكل مخرجا لها للخروج من مسارها المتعثر والمتكرر في الملف الليبي، وأن تخرج من إطار الخيال واللامعقول والاصطدام بالواقع وعدم التنفيذ (اتفاق الصخيرات)، إلى الإطار التقليدي المتعارف عليه في أنظمة الحكم. كما أن عليها أن لا تحيد عن خيار الليبيين الديمقراطي ( الإعلان الدستوري وتعديلاته بما فيها وثيقة فبراير) وأن تبدأ من حيث انتهوا لا من الصفر.

2- وضع خطة عملية متكاملة لتأمين الانتخابات تشتمل على وقف إطلاق فوري للنار في كافة ربوع البلاد، ومراقبة فعالة له.

ثانيا/ دور مجلس النواب:

يتحمل مجلس النواب المسؤولية التاريخية ويضع نصب عينيه: أن وثيقة فبراير هي من أتت به، وأنه منتخب من الشعب وقد حلف أعضاؤه اليمين القانونية على " المحافظة على استقلال الوطن وسلامة أراضيه وإحترام الإعلان الدستوري والقانون"، كما أن أعضائه ملتزمون بتمثيل كل الشعب وليس طائفة منه ( المادة 8/ مقترح فبراير)، وأن فشله سيشكل لعنة له من كل الأجيال القادمة إلى ما آلت اليه أوضاع البلاد في عهده. كما وأن عليه أن يواجه عجزه وعدم قدرته على العمل ولا على المضي قدما. لذا، نقترح القيام بما يلي:

- الإعلان عن إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية استنادا للإعلان الدستوري وتعديلاته بما فيها وثيقة فبراير، وتحديد موعد لذلك لا يتجاوز 17 ديسمبر 2017.

- الالتزام بتبني واعتماد مقترح قانون الانتخابات الذي سيعده الخبراء الليبيين المختارين من بعثة الأمم المتحدة دون تعديل أو تغيير، وإصداره في تشريع، وإحالة أمر تنفيذه إلى المفوضية العليا للانتخابات.

- التعهد والالتزام بتسليم السلطة التشريعية إلى الهيئة المنتخبة.

ثالثا/ مؤسسات اتفاق الصخيرات:

يُعلن توافقا سياسيا على النحو التالي: في مقابل التزام مجلس النواب بتبني وإصدار مقترح اللجنة الفنية المصغرة بقانون الانتخابات بدون تعديل، تعلن المؤسسات المنبثقة عن الإتفاق السياسي (المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني/ مجلس الدولة) عن حلها لنفسها بنفسها بإنتهاء المدة المقررة لها وفقاً للاتفاق السياسي، ومغادرة المشهد السياسي، وتسليم كل ما في عهدتها للرئيس المنتخب وحكومته دون أي تأخير.

رابعاً/ اللجنة الفنية المصغرة لمشروع قانون الانتخابات:

- تحلف اللجنة اليمين أمام المحكمة العليا الليبية.

- تلتزم اللجنة الفنية المصغرة بوضع لائحة داخلية ومبادئ ناظمة والالتزام بمدة عملها.

- يتعهد ويلتزم كل عضو فيها بعدم خوض غمار أية انتخابات مقبلة ولمدة لا تقل عن عشرة سنوات قادمة (قد تزيد عن ذلك).

- الالتزام بالشفافية واطلاع عموم الناس على أعمالها أولا بأول.

خامسا/ الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور:

بمجرد الإعلان عن نتائج الانتخابات، تعلق الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور أعمالها، وهي هيئة لو التزمت بعملها خلال المدة المقررة لها ووضعت مصلحة ليبيا فوق كل اعتبار لكفت الليبيين الكثير، وأسهمت في وضع حل للأزمة التي تمر بها ليبيا. لكن فشلها في ذلك للأسف ساهم في إخراج القرار من الأيادي الليبية إلى الخارج، كما أسهم في تفاقم الأوضاع. وهي تتحمل المسؤولية كما غيرها عن ذلك.

وفي الختام، فإن القول بإن حل المعضلة الليبية هو حل سياسي "وليس قانوني"، هو قول ترتب عليه خوض مغامرات سياسية ثبت فشلها لخروجها عن قواعد المنطق وما هو معمول به ومتعارف عليه - ولعل قصة التصويت بالإجماع في اتفاق الصخيرات دليل على ذلك- وهو قول بحاجة إلى إعادة النظر، فالعمل السياسي الذي لا يفضي إلى نتاج قانوني جدي ومهني، هو عمل مراهق أدى بنا إلى ما نحن عليه اليوم.

وما توفيقي إلا بالله.

عزة كامل المقهور

المصدر: ليبيا المستقبل

الكتاب: التجربة النهضوية الألمانية: كيف تغلبت ألمانيا على معوقات النهضة؟

المؤلف: د. عبد الجليل أميم وآخرون

الناشر: مركز نماء للبحوث والدراسات

عدد الصفحات: 255 ص

يتناول هذا العمل التجربة النهضوية الألمانية بالبحث والتدبر من باب أهم العوائق والمشكلات التي واجهتها وكيف تجاوزتها حتى تبلور هذا الأنموذج التنموي الناجح، ولعل التجربة الألمانية قد ألهمت عددًا من الكتّاب والباحثين فتناولوها بالدراسة والتمحيص؛ لأنها مثال لدولةٍ انتقلت من وضع الهزيمة والتقسيم والتحطيم الذي تسبّبت فيه الحروب إلى دولة قوية ذات اقتصاد متطور، وتضطلع بدور قيادي على مستوى أوروبا. لكن أغلبهم ركز على الشق الاقتصادي فقط في حين أن هذا الكتاب يعالج نجاحاتٍ ألمانية على المستوى السياسي والعلمي والثقافي بشيء من التفصيل.

عالج الكاتب في الجزء المتعلق بالنظام السياسي الألماني أهم الإنجازات السياسية التي تحققت في مرحلة البناء فقد أعزى الكاتب اختيار النظام الفيدرالي إلى محاولة الحفاظ على وحدة الدولة وفي نفس الوقت إلى السماح بممارسة الاختلاف ووضع هامشٍ للتنوع في إطار المصلحة الوطنية وهو ما تم بالفعل، وقد أشار إلى أن تأهيل النظام الفيدرالي في ألمانيا تم انطلاقًا من السياق التاريخي الألماني الذي تطور فيه الوعي السياسي، ومن ثمة فهو يختلف عن نظيره السويسري الذي تم بناؤه انطلاقًا من فِكْر نظري بحت، كما عالج كيف واجهت ألمانيا تحدي إرساء الديمقراطية من خلال أدوات متعددة ومبتكرة تنوعت مابين: زرع قيم المواطنة والمسؤولية، والتسامح وإعادة بناء المؤسسات، وفي الأخير إعادة تشكيل ثقافة سياسية تعود إلى النسق القِيمي الذي ساد في المرحلة قبل النازية من خلال دعم ثقافة حوارية تتقبل التعدد والاختلاف. كما أفرد جزءًا تناول فيه دور الحلفاء في بلورة نظام سياسي ديمقراطي في ألمانيا.

بيّن الكاتب خصوصيةً تتعلق بالصراع السياسي في ألمانيا تتعلق بمحورية الاقتصاد في البرامج الحزبية الألمانية، وفي الجزء التالي عالج السياسة الخارجية الألمانية، موضِّحًا أن ألمانيا ركّزت على هدفين رئيسين هما: دعم الاقتصاد الالماني وترقيته، وتحقيق الوحدة الأوروبية، فألمانيا من الدول المؤسِّسة للاتحاد الأوروبي، وقد عملت جاهدةً على بناء الثقة مع الدول الأوروبية وترميم علاقتها بهم.

كما استعرض الكاتب عوامل نجاح النظام التعليمي الالماني حيث قد تم تصميمه وفق رؤية شمولية، ووُضعت له أهداف واضحة، أهمها: بناء رأسمال بشريّ لتحقيق قدرة تنافسية، وتشجيع الابتكار والإبداع، وأيضًا ربطه بمحيطه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وقد تم توفير بنية تحتية ومؤسسات متطورة لتحقيق ذلك، نتج عن ما سبق أن ساهم النظام التعليمي في خلق كوادر ونخبة علمية عالية؛ إذ تتميز ألمانيا بأنها من أكثر الدول المنتجة للعقول المبدعة في المجالين العلمي والفلسفي، كما أنها الأولى أوروبيًّا من ناحية براءة الاختراعات.

وقد ركّز الكاتب على المعجزة الألمانية الاقتصادية موضِّحًا أولًا العوامل التي اعترضت إقامة صناعة قوية، والعقبات التي جعلت ألمانيا تتأخر صناعيًّا مقارنة بدول أوروبية أخرى. في المقابل تناول بعض الإمكانيات الاقتصادية التي منحتها ميزةً تسمح بتفوقها في بعض المجالات. وأوضح كيف تم بناء إجراءات وسياسات متكاملة حوّلت ألمانيا من دولة تعتمد على القطاع الفِلاحي بشكل أساسي إلى دولة صناعية متطورة. من بين هذه السياسات سياسة الانغلاق التجاري المؤقت حتى تكوين صناعة ثقيلة ذات مناعة اقتصادية، وقد أوضح الجدل الذي دار بين صانعيْ السياسة حول السياسات المناسبة. وفي النهاية تناول عددًا من المحاولات النظرية لتفسير القفزة الألمانية على المستوى الاقتصادي تراوحت بين نظريات أنصار دور العوامل الخارجية التي أرجعت هذا التحول الهائل إلى دور مشروع مارشال، وبين نظريات أنصار العوامل الداخلية التي عزت النهضة الاقتصادية للأنموذج الاقتصادي الألماني المبتكَر. والملاحَظ على هذه النظريات أنها وفرت رؤية متكاملة تفسر النهضة الألمانية من خلال التركيز على جزئياتها المختلفة.

وقد خصّص الكاتب جزءًا لمعالجة الأسس العقدية والقِيمية للنهضة الألمانية ، حيث بيّن أن ألمانيا تتميز بخاصيتين هما: التعدد القِيمي من ناحية، وتعدد الدوائر الثقافية التي تمثّل مصدر هذه القيم من ناحية ثانية، وقد بيّن الكاتب كيف أن هاتين الخاصيتين ساهمتا في تشكيل أنموذج الإنسان الألماني المتمّدن شديد الاتصال بتاريخه الحضاري.

في الختام حاول الكاتب إسقاط الإشكاليات الألمانية على الإشكاليات التي تعاني منها الدول العربية معالجًا أهم إشكالية وهي إشكالية علاقة الدين والدولة، وقد أوضح الكاتب أن العلمانية بشكلها الكلاسيكي التي تنادي بالفصل التام بين الدين والدولة ليست سوى شكل نظري غير موجود في أوروبا خاصة في ألمانيا، فالدين ما يزال حاضرًا في المجال العام خاصة السياسي، لكن الذي تغير هو علاقة الكنيسة بالسلطة السياسية، كما أن الدين بشكله الثقافي ما يزال مصدرًا للقيم المعيارية في ألمانيا، ومن ثم فقد اُعتبِر أن الطرح العلماني النظري غير ممكن عمليًّا، ومن ثم فإن حضور الدين في الدول العربية لا يشكل إشكالية نهضوية حقيقية، رغم كثافة الطرح النظري من قبل المثقفين في أدبيات التنمية. وقد أنهى الكاتب عمله باستخلاص عدد من الدروس التي يمكن أن تستفيد منها الدول النامية.

الكتاب يمثل إضافة إلى المكتبة العربية، كما أن الكاتب نجح في علاج الموضوع وفقًا للأهداف التي شرحها في المقدمة وقدّم إضاءة إضافية لبعض الأمور التي كانت غامضة ولم تعتنِ بها الدراسات الأخرى المشابهة خاصة في الجزء المتعلق بالأصول الفلسفية للنهضة الألمانية، لكن الجزء الذي تناول الإشكالات المركزية للنهضة في العالم العربي لم يكن وافيًا نظرًا لأن العالم العربي لا يعاني فقط من إشكالية علاقة الدين بالدولة بل من إشكاليات ثقافية واجتماعية وقيمية وسياسية مختلفة، ولكن نظرًا لاتساع الموضوع المتعلق بهذه الإشكاليات ونظرًا لطبيعة الدراسة الإجرائية التي قام بها الكاتب فإنه يعذر في هذا المجال على أمل أن يفتح هذا العمل نقاشاتٍ ضرورية قد تؤدي إلى إنجاز دراسات تستوفي الباقي من هذا الموضوع.

 

 

مصدر القراءة هنا

 

جلسة من ندوة عقدت بمركز الملك عبدالله لحوار الأديان بالأردن, تمحورت حول تعزيز السلم والعيش المشترك

 

الندوة على موقع اليوتيوب هنا.

 

 

 

 

 

 

إن استمرار التوترات الدينية والمذهبية وانحسار القومية العربية في أنواع مختلفة من القومية الإسلامية التي تطمح إلى ممارسة الممانعة أمام الغزو الثقافي الغربي وتغض النظر عما يحصل في فلسطين منذ عقود، سيكون طريق الهلاك الحتمي الذي يجب أن نحيد عنه بسرعة لنعيد بناء مناخ رحب، ليس يقبل بالتعددية الدينية والمذهبية فقط بل يكون هدفه الرئيسي القضاء على النموذج الصهيوني الإقصائي والقمعي، وذلك عبر إعادة التعددية بكل أبعادها في المشرق العربي؛ وهي تعددية ستحافظ على ما تبقى من الوجود العربي المسيحي كما ستحافظ على كل المذاهب الإسلامية معززة مكرمة، وليست كما هي الحال الآن متوجسة وخائفة ومتوترة.
 
لقراءة نص الدراسة كاملة اضغط هنا
 
الصفحة 8 من 102