You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>دراسات وبحوث>ولاء جاد الكريم، المشاركة السياسية للشباب بين البنى الحزبية والحالة الثورية: الحالة المصرية نموذجًا

فاجأ الأمين العام للحركة السلفية والمدرس بكلية الشريعة في الكويت ـ الدكتور حاكم المطيري ـ الساحة العلمية والإعلامية بكتاب ثار فيه على الخطاب السياسي الإسلامي ، من خلال دراسة موضوعية للخطاب السياسي الشرعي ومراحله التاريخية .

 

بداية الكتاب :
ويبدأ المؤلف كتابه بأسئلة مدببة ضخمة يفاجئ بها عقل القارئ ، كما أشار إلى ذلك فهمي هويدي بقوله :" لقد طرح الدكتور المطيري في مقدمته أسئلة ماخطر لي يوماً أن تكون شغلاً لأحد القيادات السلفية .."


يقول الدكتور حاكم المطيري في أولى حروف كتابه :


"لقد اجتهدت أن أجيب عن أسئلة كثيرة طالما دار حولها الجدل تتمثل في:


ـ ما طبيعة الدولة الإسلامية؟ وهل للإسلام نظام سياسي واضح المعالم؟ وهل بالإمكان بعث هذا النظام من جديد؟ وهل نحن في حاجة إليه؟


ـ ما العلاقة بين المجتمع والدولة؟ وما ومدى تدخلها في شؤون المجتمع؟
ـ ما الحقوق السياسية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية؟


ـ كيف تراجع الخطاب السياسي الإسلامي؟ وما أسباب تراجعه؟ وما علاقة الفقه السياسي بالواقع؟ وما أثر هذا الفقه على ثقافة المجتمع؟


ـ كيف بدأ الإسلام دينًا يدعو إلى تحرير الإنسان من العبودية والخضوع لغير الله –عز وجل- إلى دين يوجب على أتباعه الخضوع للرؤساء والعلماء مهما انحرفوا وبدلوا؛ بدعوى طاعة أولي الأمر؟


ـ لِـمَ لَمْ يعد أكثر علماء الإسلام ودعاته اليوم يهتمون بحقوق الإنسان وحريته والعدالة الاجتماعية والمساواة.. إلخ، وهي المبادئ التي طالما دعا إليها النبي –صلى الله عليه وسلم- وهو في مكة، وأكدها في المدينة، وهي التي أدت إلى سرعة انتشار الإسلام في العالم كله؛ إذ رأت الأمم أنه دين العدل والمساواة والحرية والرحمة؛ كما قال تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [الأنبياء: 107]؟!


ـ كيف تم اختزال مفهوم الشريعة لتصبح السياسة الشرعية، وحقوق الإنسان، والحريات، والعدالة الاجتماعية، والمساواة؛ كل ذلك لا علاقة له بالشريعة التي يراد تطبيقها والدين الذي يدعى الناس إليه اليوم؟!


ـ ما حقيقة الدعوة النبوية والدين الذي جاء به النبي –صلى الله عليه وسلم- إذًا لم يدع الناس إلى هذه المبادئ التي هي من معاني كلمة (لا إله إلا الله)؟! فلا إله يستحق الخضوع والطاعة والخوف والرغبة سوى الله، وما سواه فبشر كلهم إخوة من أم وأب، فلا طاعة ولا تعظيم ولا خوف من مخلوق مهما علا قدره وعظم شأنه؛ إذ الجميع عبيد الله وأحرار مع من سواه.


ـ كيف تم تفريغ الإسلام من مضمونه، فصار أكثر الدعاة إليه اليوم يدعون الناس إلى دين لا قيمة فيه للإنسان وحريته وكرامته وحقوقه، إلى دين لا يدعو إلى العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية، بل يرفض تغيير الواقع ويدعو إلى ترسيخه بدعوى طاعة ولي الأمر؟!!


ـ كيف ندعو شعوب العالم الحر الذي تساوى فيها الحاكم ولمحكوم حيث الشعب يحاسب رؤساءه، وينتقد علانية ويعزلهم بطرح الثقة بهم، ولا يستطيع الحاكم سجن أحد أو مصادره حريته أو تعذيبه؛ إذ الحاكم وكيل عن المحكوم الذي يحق له عزله؛ إلى دين يدعو أتباعه اليوم إلى الخضوع للحاكم وعدم نقده علانية،ودم التصدي لجوره؛ والصبر على ذلك مهما بلغ فساده وظلمه، إذ طاعته من طاعة الله ورسوله؟ كما يحرم على هذه الشعوب الحرة أن تقيم الأحزاب السياسية أو تتداول السلطة فيما بينما لو دخلت في الدين الجديد؟


ثم يصل المؤلف إلى حقيقة صارخة : " لقد أصبح الناس يدعون اليوم إلى دين إن لم يكن ممسوخًا مشوهًا فهو مختزل ناقص، لا تصلح عليه أمة ولا تستقيم عليه ملة، بل هو أغلال وآصار؛ الإسلام الحق منها براء أدى إلى هذا الواقع الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم:من تخلف، وانحطاط، وشيوع للظلم والفساد؛ فكان لابد من مراجعة الخطاب السياسي الإسلامي.


ووضح المؤلف منهجه في البحث والاستدلال في أنه قد أخذ على نفسه والتزم بالصحيح من الأحاديث، وبالمقبول من الأخبار والروايات التاريخية ، وقد اجتهد في دراسة أسانيد الروايات التاريخية .


ثم يضيف : "وقد اجتهدت في تتبع مراحل الخطاب السياسي طوال التاريخ الإسلامي؛ لمعرفة ما طرأ عليه من تغيير وتحول، وأسباب ذلك ونتائجه.


ولم أحمل النصوص ما لا تحتمل، كما لم أعبأ بما عليه الناس اليوم، ولم ألتفت إلى الموافق والمخالف في الرأي، بل قصدت الحق دون الخلق، فمن التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس."
ـ الخطاب السياسي الشرعي ومراحله :


ويشرع المؤلف مقسما المراحل التاريخية للخطاب السياسي الإسلامي بأنها منظومة الأحكام والقواعد التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة الإسلامية ويقسمها إلى ثلاث مراحل رئيسية.. الأولى الخطاب السياسي الشرعي المنزل ، والخطاب السياسي المؤول ، والخطاب المبدل .
ـ الهدي الصافي :


المرحلة الأولى ، وهي الخطاب السياسي الشرعي (المنزل) التي تمثل تعاليم الإسلام كما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، ويشير المؤلف إلى تميز هذه المرحلة بمجموعة من المبادئ وهي بالترتيب:


( لا دين بلا دولة ، ولا دولة بلا إمام ، ولا إمامة بلا عقد ، ولا عقد بيعة إلا برضا الأمة ، ولا رضا إلا بشورى بين المسلمين ، ولا شورى بلا حريـــــــــة .)


ويرى المؤلف " أن ما تعيشه الأمة اليوم من انحطاط وتخلف هو نتيجة طبيعية للانحراف الذي طرأ على الخطاب السياسي الشرعي، الذي جرد الأمة باسم الدين والسنة من حقها في اختيار السلطة ومحاسبتها ومقاومة طغيانها وانحرافها، وإصلاحها عند فسادها، حتى شاع الظلم والاستبداد، وظهر الفساد، فكانت النتيجة الهلاك كما أخبر بذلك القرآن في قوله تعالى: "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" أي ما كان الله ليهلك الأمم بسبب الشرك وحده حتى يتجاوزوا ذلك إلى التظالم فيما بينهم.


ثم يقرر الكاتب أن الخطاب السياسي الشرعي المنزل هو ا لخطاب الذي يمثل تعاليم الإسلام الحق، وأن ما عداه إما مؤول أو مبدل يجب رده ورفضه والتمسك بما كان عليه الخلفاء الراشدون في باب الإمامة وسياسة شؤون الأمة، كما جاء في الحديث: "عليكم بسنتي وسنة الخلقاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور". وأن التمسك بهذا الخطاب هو السنة والسلفية، وما سواه هو من البدع التي أحدثها الملوك والأمراء، وتابعهم على أهوائهم العلماء والفقهاء، اتباعًا منهم لسنن القياصرة والأكاسرة كما أخبر بذلك النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعاً بذراع.. فارس والروم".

 

ـ الدين المؤول :
والمرحلة الثانية تمثلت في الخطاب السياسي الشرعي (المؤول) والتي بدأت بانتهاء الخلافة الراشدة وانتهت بسقوط الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن الماضي ، وملامحها كما رصدها تمثلت في فيما يلي :


ـ مصادرة حق الأمة في اختيار الإمام ، الأمر الذي عد تراجعاً خطيراً للخطاب السياسي ، حول الحكم الشورى إلى ملك عضوض ، توارثه الأمويون والعباسيون ومن بعدهم بشتى أنواع التأويل لنصوص الكتاب والسنة التي ناقشها المؤلف ورد عليها بكل تفصيل.


ـ مصادرة حق الأمة في المشاركة بالرأي والشورى .


ـ وغياب دور الأمة في الرقابة على بيت المال .


ـ كما تراجع دور الأمة في مواجهة الظلم والانحراف ، والاستسلام إلى الأمراء والانصياع للظلم بذريعة وجوب طاعة ولي الأمر حيناً وبسد ذريعة الفتن حيناً أخرى .


وبرغم سلبيات مرحلة الخطاب السياسي المؤول إلا أن المؤلف ارتأى في نهاية المطاف أنه حافظ على بعض مبادئ الخطاب السياسي المنزل كإقامة الملة بتحكيم الشريعة وإقامة الجهاد ، والذود عن الحياض ، والمحافظة على الخلافة وإن كانت صورية .
ـ الانحطاط :


أما المرحلة الثالثة التي سماها المؤلف (الخطاب السياسي الشرعي المبدل) بدأت بعد سقوط الخلافة العثمانية إلى عصرنا هذا ، وقد تم في هذه المرحلة تبديل شرع الله بأنظمة مستوردة ثم وقوع الأمة كلها في أسر الاستعمار الغربي ، وقد برز هذا الخطاب مغلفاً بغلاف الدين في كتاب الدكتور علي عبد الرازق الذي نفى عن الإسلام فكرة الإسلام السياسي ، الأمر الذي سوغ إلى إلغاء الخلافة الإسلامية مما أدى إلى قيام الدولة القطرية تحكمها أنظمة علمانية عميلة ، لاترى وجوب الجهاد ولا تطبيق الشريعة .


وفي هذه المرحلة رأى المؤلف أن الثالوث الذي تم حظره في الخطاب المبدل هو : ( الخلافة ، الشريعة ، الجهاد) ولم يكتف الخطاب المبدل بالتراجع عن مبادئ الخطاب المؤول ، بل أضفى الشرعية على الخطاب الجديد باسم الدين .

مشروع التغيير :


مشروع الكتاب وهدفه النهائي هو نبذ الخطابين المؤول والمبدل والعودة إلى الخطاب المنزل ، حيث يقول المؤلف: " وأن هذا الخطاب ـ أي المنزل ـ لن يتحقق إلا بمواجهة الخطاب المؤول والمبدل فكريًا، ثم بالعمل على نشره ودعوة الأمة وحكوماتها إلى تبنيه بالطرق السليمة؛ لتبادر الحكومات نفسها إلى إصلاح الأوضاع وتدارك ما فاتها".

وقد يختلف القارئ مع الباحث في العديد من النقاط ،إلا أن القيمة المعنوية والعلمية في اقتحام بعض المواضيع والتحرر من جمودها تجعل للكتاب قيمة ذاتية تستحق الثناء.

المصدر: بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2008

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

يضم كتاب أحمد زغلول الشيطي «مائة خطوة من الثورة/ يوميات من ميدان التحرير» (دار الآداب)، شهادة كاتبٍ شارك في الثورة المصرية، وواكب تطوراتها المتلاحقة حتى لحظة سقوط النظام. إنها كتابة تحاول اللحاق بالحدث، ولا تجد فرصة كافية لترف التأمل والتنقيح. كتابة تعيد إلى أذهاننا السؤال الأبدي عن خطورة القضايا الكبرى والأحداث السريعة على الأدب، وإمكان ألا تكون النيات النبيلة والمتحمسة كافية لخلق نص أدبي يوازي الحدث في القيمة والنوعية...


لفت الشيطي انتباه القراء والنقاد بباكورته الروائية «ورود سامة لصقر» (1990)، وأعقبها بثلاث مجموعات قصصية كرّست اسمه بقوة داخل الحساسية الجديدة لجيل كامل من الكتاب المصريين الذين ظهرت أعمالهم في الفترة ذاتها.

لكنّه يدعونا هذه المرة إلى تذوق كتابة مختلفة ومتخففة من الشروط الصارمة للممارسة الأدبية.


منذ البداية، يشير الشيطي إلى صعوبة «التعامل مع مادة ملتهبة في طور التشكّل»، لكنّه يشير ـــ في الوقت نفسه ـــ إلى صعوبة تجنّب رغبته في «اقتناص لحظاتٍ تخصني، بعيني أنا، لا بعين كاميرا أو حتى برواية شهود عيان». بين هذين الحدين، تتحرك مادة الكتاب، لكننا ننتبه سريعاً إلى أن اليوميات تعيد علينا ما رأيناه على الشاشات، وقرأنا عنه على الشبكة العنكبوتية، وأنها تفتقر إلى زاوية النظر الخاصة التي حاول الكاتب اقتناصها. صحيح أن اليوميات تتطلب تراجعاً للكاتب المتطلب عادةً في نصه الخاص، وتحولّه إلى مؤرخ مفاجئ للثورة التي يشارك فيها ويراقب تطوراتها، لكنّ ذلك لا يعني أن تخسر اليوميات الاحتياطي الروائي والقصصي الذي أحببنا تجلياته في نتاج الكاتب نفسه.


هكذا، ينخفض سقف توقّعاتنا كلما تقدمنا في الكتاب، لكنّنا لا نعدم بعض التفاصيل التي توفّر لليوميات مستوىً مقبولاً، كذلك تنجح الكتابة أحياناً في إدخالنا إلى قلب الحشود التي اعتصمت في ميدان التحرير ومحيطه. هكذا، ينقسم المشهد العام إلى مشاهد عديدة. تتوالى تطورات المشهد بحسب المحطات الرئيسية للحدث. نعاين الغضب المتزايد للمتظاهرين مع مماطلة للرئيس في التنحي. نقرأ عن الاشتباكات مع البلطجية، وعن الإصرار على البقاء في الميدان الذي تحول إلى «أكبر سجل مدني في مصر.. شباب في العشرينيات... يرغبون في تحرير شهادة وفاة للسلطة الشائخة، وتحرير شهادة ميلاد للجميع».


المؤلف المقيم في القاهرة، يستعيد الخوف القديم من رجال الأمن بسبب قرب بيتهم من قسم الشرطة في دمياط، ويصعب عليه تصديق أن «تنهال الشتائم على السيد الرئيس والسيدة حرمه من دون أن تفيض أرواح من نطقوا بالشتائم». نقرأ الشعارات التي رفعت وقد اكتسبت صلابة إضافية بعد نجاح الثورة في تنحية الرئيس. نضحك مجدداً على النكات التي برع المصريون في تزويد ثورتهم بها. الثورة مروية من اختلاط المؤلف بالثائرين في الميدان، ومن مراقبته لهم من شرفة شقته القريبة. ينقل إلينا نقاشات سريعة مع زملائه الكتاب والمثقفين بشأن الحدث الكبير، مادحاً الروح الجديدة للشبان واختلافهم عن جيله وعن الأجيال السابقة.


بطريقة ما، يحار القارئ بين تعاطفه مع الثورة، وبين ذائقته المتطلبة التي لا يكترث بها الكاتب، ولا الحدث الكبير الذي يؤرّخ له في يومياته.


المصدر: القاهرة: دار ميريت، 2011

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

1- مختارات من الكتاب:
" في جميع الأنظمة الأخرى يكون الإنسان مخلوقا للقانون ، بينما في الديموقراطية وحدها يكون القانون مخلوقا للإنسان " ص62 .( الكاتب التشيكي الأصل النمسوي المهجر (فرانز كافكا، 1882-1924).
"والحال أن السياسة هي انطلاق من معرفة الواقع : علم عقلنة الواقع" ص44.


"السياسة فن صيانة الوجود وحفظ الحق في الحياة والفرحة" ص60.


"السياسة مسألة بشرية ودنيوية خالصة" ص 108.


" كيف نتغير في عالم متغير ونبقى نحن؟ أو بتعبير أكثر تناقضاً : كيف يمكن أن نتغير بدون أن نتغير؟ " ص147.


1-تقـديم:
في رواية (خريف البطريق) للروائي الكولومبي العالمي ماركيز يسأل القس الكاثوليكي – القادم من روما داعيةً للنصرانية – يسأل أحد حكام إحدى دول أمريكا الجنوبية عن تاريخ وصوله إلى الحكم، يستعين الحاكم بذاكرته فتخذله ولا تسعفه ، لأنه لطول مدة حكمه طال عليه الأمد فنسي متى ابتدأ فقال غير عابئ بصمت ذاكرته – لم يتعود أن يعبأ بشيء – منذ مئة سنة أو مئتين إلا ثلاثين عاما!!!


ولو عكسنا السؤال منذ متى لم يحكم الإسلام أكثر هذه الأرض لما كان الجواب بعيدا عن المدة التي بدأ فيها الحاكم فترة حكمه في إحدى دول أمريكا الجنوبية.


ليس وارداً هنا الحديث عن حكم الشخص بل عن حكم النص أو نص الحكم المؤسس لشرعيته الذي انتهى أو تآكلت أجزاء كثيرة من شرعيته بسقوط الدولة العثمانية في نهاية الربع الأول من القرن الماضي، هذا السقوط الذي وضع العرب المسلمين أمام تجربة غير مسبوقة لشرعية الدولة، وذلك عندما ارتأى كل تيار أن يوجد دولة تكون على مقاسه، وأن يكون حضور الإسلام – أحد أهم أعمدة الشرعية للدولة العثمانية – أن يكون حضوره – كليا أو جزئيا – حسب ظروف ومصلحة الحكم الداخلية والإقليمية والعالمية.


ولكن ما أن يستقر الحكم على النموذج الذي يريده الحاكم حتى يطلق العنان لورش الحكم المختلفة لحشد أدلة التراث والمعاصرة كيما تمنح الشرعية الإسلامية أو الدستورية – أو كليهما – للنموذج المقترح.


وما أن يتحقق ذلك حتى يسدل الستار على المقومات الشرعية أو الدستورية، فلا تنقح ولا تراجع ، بل تنقل إلى المدارس لتحفظ ، وإلى وسائل الإعلام لتمجد ، وإذا ما استجدت ظروف تدعو إلى التطوير أو التغيير في الوسائل والأساليب ردّ حزب الحكم قائلا:


أيها الناس: اتهموا عقولكم ، فهذه مسائل لا مجال للاجتهاد فيها وستظل قابلة للتطبيق دون أن تمس حتى يوم القيامة!!!


ولئن كان التغيير من داخل التراث عصيا، كان ذلك ولم يزل ، فما بالكم بالتغيير من خارج التراث وتجربته التاريخية كالدعوة إلى الديموقراطية مثلا.


إن هذه الأوراق تدعو القراء إلى قراءة متأنية لهذه الكلمة ابتغاء أن يكون الموقف منها على علم فلا نقرأ عنها فقط ، بل أيضا تقتضي منا التسلح بالمعرفة ، وأن نكون مدججين بالثقافة للدفاع عن المبادئ الثابتة التي تشكل منها هويتنا، إن المبادئ ثابتة، ولكن سبل الدفاع عنها متغيرة، ولعل من أعظم سبل الدفاع عنها تحريرها ممن يريد اختزال نصرتها بالرصاص الذي يخترق جسم الضحية ليستقر في قلب واقع الدعوة ومستقبلها.


هذه الأوراق استراحة للقارئ لتعريفه ببعض ما قد يفيده عن هذا المصطلح ليكون الموقف منه – سلباً أو إيجاباً – قائما على المعرفة ونابعا من القراءة.


2-تمرينات ومقاربات للديموقراطية:
يورد الكاتب في مواضع مختلفة السياقات تعريفاً أو تقريباً لمكونات كلمة الديموقراطية.
يقول ص 10:


" الديموقراطية تعريفا هي بكل تأكيد حكومة العدد الأكبر ، أو بتعبير أدق الحكومة التمثيلية للعدد الأكبر".


" أعطيت الأولوية في تعريف الديموقراطية لمعيار الحد من السلطة، وجاء تحديدها في الغالب تحديدا سلبيا باعتبارها نقيض الدكتاتورية " ص 37.


وفي ص41 " إن الديموقراطية قابلة للتعريف بأنها: إرادة التركيب بين الفكر العقلاني والحرية الشخصية والهوية الثقافية ".


وفي ص50/51 "الديموقراطية تتحدد بأنها مجهود للمؤالفة بين الوحدة والتنوع بين الحرية والاندماج".


" ليست هي أحسن أنظمة الحكم فحسب،بل أكثرها عقلانية واستجابة لشروط الوجود الإنساني" ص60.


" أول ما تعنيه هو أن الحكم ليس للشعب بما هو كذلك ، بل لممثلى الشعب المنتخبين" ص78.


وفي ص86-87: " الديموقراطية نظام لتبادل السلطة، وأول بند في العقد الديموقراطي هو أن يحتفظ الخصم لخصمه بالحق في الوصول إلى السلطة بدوره".


"وصحيح أن العيب الكبير للديموقراطية التمثيلية أنها تختزل سلطة المحكومين، ولكن ميزتها الكبرى أنها تحد على الأخص من سلطة الحاكمين" ص92.
" الحاكم الديموقراطي حصراً :


هو من يستطيع الذين يحكمهم أن يضعوا حدا لخدماته شاكرين أو غير شاكرين، وهذا دون أن يض

طروا إلى العنف أو للخروج على القانون" ص103.
ويقول عن المقاومة المدنية بوصفها إحدى ثمار الديموقراطية ص131:


" لا تهدف إلى أن تنتزع من الطغاة شيئا بقدر ما تحاول أن تمتنع عن إعطائهم شيئا، إنها القدرة على الرفض وقول : لا ".


3-أكلاف الديموقراطية:
والكاتب لا يقدم الديموقراطية وصفة سحرية أو وجبة سريعة تخرج المجتمعات من مآزقها كلمح بالبصر وبثمن بخس من التضحيات والضحايا.
" لا تعد بأي فردوس ، ولا تندر الحالات التي تكون فيها ممارستها جهنمية " ص 9. ويرى أنها يجب أن تكون ثقافة عامة وخياراً شعبياً وإلا " فليس لشعب أن يكون ديموقراطياً رغماً عن ألفه" ص 15.
إذن هي لا تسقط بالبراشوت " المظلة" ولا تكون بثرثرة بعض أمشاج المثقفين ؛ لأنها ما " في الرؤوس وليس فقط في صناديق الاقتراح ، وثقافة الديموقراطية لا تستقر في الرؤوس دون ثمن باهظ ، ولو أن التعبير بات ممجوجاً لتكلمنا عن ضرورة ثورة ثقافية فهي لا يمكن أن تكون نظاما للحكم دون أن تكون نظاماً للمجتمع ، وليس لها أن تسيّر العلاقات بين الحكام والمحكومين دون أن تسيّر العلاقات بين المحكومين أنفسهم ، ولئن تكن الحرية الديموقراطية تنتهي لا محالة إلى صندوق الاقتراع ، فإن الصندوق الأول الذي تنطلق منه هو جمجمة الرأس " 16/17.
وإذا أردننا الديموقراطية مجاناً فنحن نستهلها ونريد وردتها بلا شوكتها – ومن الاستسهال – كما من الاختزال – ما قتل " ص 18.

 

4- مأخـذ وتعقيب:
لم يكن الحديث عن الديموقراطية ممكناً دون الحديث عن الأصولية والأصوليين ، وإذا كان الكاتب قد أورد نماذج لمن حاول استقلال الديموقراطية عن دعاتها ولم يُحابِ الديموقراطيات الكاذبة والديموقراطيين المزيفين فهو لم يتخل عن المنهج عينه مع الأصوليين.


وابتداءً لا بد من التفريق بين الأصوليين والإسلام ، فإذا كانت طوائف شتى تستظل بهذا الاسم فإن من يحمل الإسلام عقيدة صحيحة ومقاصد مخلصة ووعي بالذات والواقع المحلي والعالمين ، إن من يفعل ذلك قلة في العالم ، وهذا مثال هجوم الكاتب على الأصوليين " فأي تهافت منطق في موقف من يعتبر المرأة بنصف عقل ودين ومن يصر على حرمانها من نصف حقها في الإرث(1)وفي الأهلية القانونية ويطالب لها مع ذلك بحق التصويت تاماً غير منقوص ولا مشروط ص 20.


المشكلة مع هذا المنهج في الكتابة أن الكاتب يخلط بين آراء من يسميهم " الأصوليين " وبين الأحكام الشرعية ، يسوس المسيحية – في حرية رفض ما يشاء عنها – بالإسلام متغافلاً عن تحريف الأولى مراجع ونسخها شرائع.


ولم يقبل من البابا أن يستغل موقفه الكاثوليكي للدعم المطلق لحركة التضامن البولندية بقيادة ليخ فاونسا وجعل كنسية " فر صوفيا " منبراً للثقافة الديموقراطية ، ويصف مجتمعاتنا بأنها " تخضع لغزو صحراوي وأصولي توظف فيه دولارات النفط بتمويل مكتبات " الثقافة الصفراء " ص 23.
هل يريد أن نوظف الدولارات لنشر "الثقافة الخضراء" ؟.


إننا نخشى كما قال الباكستاني المسلم ثم الأمريكي جنسية إقبال أحمد " يُطلب من المسلمين التخلي عن دينهم ليكسبوا الحضارة ، أخشى أن نخسر ديننا وألا نكسب الحضارة".
الكاتب يمثل بكتابته إحدى مشكلات الفكر العربي الحديث وهي افتقار دعاة هذا الفكر أكثرهم إلى فهم الإسلام بعيداً عن النظارة الشيوعية والمجاهر الاستشراقية وكذلك افتقار أكثر دعاة الفكر الإسلامي الحديث إلى الاحتكاك العميق المنهجي بالفكر الحديث.


إن تبادل الإدانات لا يفضي إلى شيء أما تيار الأفكار فإنه يفضي إلى المستقبل ، وتجسير الجسور بين الحضارات لبحث إمكانات التلاقي والتلاقح البناءين ، إن الوظيفة الأسمى للكتابة أن تعمل بوصفها مجسات لاكتشاف مواطن القصور والتصدع للعمل على إعادة تأهيلها وتفعيلها.

 

5- خاتمـة:
كنت أدرّس طلبة التخرج في قسم الأدب في الجامعة لمحات عن الإبداع الروائي وقراءة الرواية ، فرأيت بعض الطلبة تمعرت وجوههم فقلت لهم:


"لكم مطلق الحريّة أن تقبلوا مضمون هذه الرواية أو ترفضوه وأن تقدموا الشعر وتؤثروه ،ولكن لا عذر لكم -بوصفكم طلاب أدب-أن تتجاهلوا أصول الرواية وطرائق قراءتها تجاهل الديموقراطية أو جهلها الأمران كلاهما ممنوع،أما قبولها ورفضها فإن أبسط صور الديموقراطية لا تمنح الحق بذلك فحسب بل وتضمنه أيضاً"(1) للأسف فقد سف محمد عباد الجابري ، وذكر مثل هذا الهراء.

المصدر: بيروت: دار الطليعة، 1998

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

عبد الحسين شعبان يرى ضرورة تأمين حقوق الاقليات القومية والدينية ونبذ الطائفية السياسية قانونا ومجتمعيا.


الباحث العراقي عبد الحسين شعبان يصل في كتابه "جدل الهوّيات في العراق والدولة والمواطنة" الى ما سبقه اليه باحثون كثر في الشأن القومي ووحدة الامم والى استنتاجات ابرزها قوله انه لاهوية موحدة دون احترام الهويات الفرعية .


ورأى ان هذا الاحترام يفترض تأمين حقوق تلك الاقليات في انواعها واشكالها المختلفة. وقال الدكتور عبد الحسين شعبان الاكاديمي ورجل الفكر "لا يمكن الحديث عن هوية موحّدة اوجامعة ومواطنة كاملة دون احترام الهويات الفرعية المتعددة والمتنوعة المختلفة والمؤتلفة".


واضاف ان هذا "يقتضي تأمين حقوق الاقليات القومية والدينية ونبذ الطائفية السياسية قانونا ومجتمعيا ولعل ذلك يمكن ان يسهم في تعزيز وتعميق الشعور الوطني والانتماء للكيان القانوني كوطن وليس كطائفة او مذهب او دين او قومية او اثنية اوعشيرة او منطقة اي الانتماء للامة- الدولة ذات الكيان الموحد والمتعدد وليس سلطة متغيرة قد تستمر وقد تنحسر".
كتاب شعبان جاء في 110 صفحات متوسطة القطع وصدر عن "الدار العربية للعلوم ناشرون " في بيروت .


وشعبان كما جاء في التعريف به في الكتاب هو "اكاديمي ومفكر من الجيل الثاني للمجددين العراقيين يساري النشأة والتوجه لكنه لم يتقيد بتعاليم المدرسة الماركسية التقليدية ومنذ الثمانينات كانت له مساهمات متميزة في اطار التجديد والتغيير والنقد للتيار الاشتراكي واليساري وتعكس مؤلفاته وكتبه ومساهماته المتنوعة انشغالات خاصة بقضايا الديمقراطية والاصلاح والمجتمع المدني".


ودرس شعبان في جامعة بغداد وواصل دراساته العليا في براج حيث نال درجات منها دكتوراه في القانون وله مؤلفات ومساهمات متعددة في مجالات القانون والسياسة الدولية وفي الصراع العربي الاسرائيلي وفي موضوع الاسلام وقضايا فكرية مختلفة. وهو عضو في اتحادالمحامين العرب في القاهرة وفي جمعية المحامين الدولية في لندن.


ويقول المؤلف "يشغل موضوع الهوية حيزا غير قليل في الثقافة والفكر وفي دراسات علوم السياسة والقانون والاجتماع في ظل الجدل الذي ارتفعت وتيرته منذ ربع قرن تقريبا سواء على المستوى الداخلي او الدولي في اطار مجتمعات متعددة التكوينات و الهويات او في احتدامات لمصالح دولية او اقليمية".


وكان لانهيارالانظمة الشمولية وبخاصة في اوروبا الشرقية اثره الكبير في "احتدام الصراع بين ""هويات كبرى وصغرى"" وهويات ""تابعة ومتبوعة"" وهويات ""دنيا وعليا "" وهويات ""قوية وضعيفة ""رغم ميلي الى تىسميتها ""هويات فرعية "" وهويّات ""كليّة" بمعنى عامة او شاملة".


واضاف "وادّى هذا المتغيّر الى انقسام دول وانفصال كيانات ظلت "" متحدة ""لسنوات طويلة او هكذا بدت الصورة ولعبت العولمة دورا مهما في تشجيع ذلك وبخاصة اذا كانت الكيانات الكبرى عامل تحدّ للقوى المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية وهو ما وفّر ظروفا موضوعية وان كانت لاغراض خاصة لبروز الهويا ت الفرعية وخصوصا في ظل ارتفاع رصيد فكرة حقوق الانسان ومبادىء المواطنة والمساواة وهوكان غائبا في في ظل الانظمة الشمولية والاستبدادية".


وفي الحديث عن الهوية العراقية قال شعبان"الهوية العراقية المتعددة الجامعة والموحدة ستكون اشمل واعمّ واكثر انسجاما وثقة كلما كانت حقوق الاقليات القومية والدينية واللغوية والسلالية مؤمنة ومحترمة واغنى بالحقوق والحريات والمساواة".


وتناول الباحث "جدل وصراع الهويات في العراق وتاريخه واطرافه ناهيكم عن اسبابه وتأثيراته وبخاصة دور الاحتلال الاميركي في تأجيجه وقبله الاستعمار البريطاني خدمة لاهدافهما السياسية".


وقال الباحث "ولعل المشاريع الاخيرة التي جرى تسويقها تحت عناوين مختلفة انما هي امتدادات لمشاريع قديمة سواء اتخذت مبررات باسم""الواقعية السياسية"" او لانهاء العنف او مبررات سياسية واكاديمية لكنها كانت تهدف تقريب التقسيم".


قسم الباحث كتابه الى خمسة اقسام فخصص القسم الاول "لمعنى الهوية ودلالاتها ودراستها من خلال الثابت والمتغيّر ..." اما القسم الثاني فناقش فيه المؤلف "فكرة الهوية والدولة وبخاصة الدولة العراقية من خلال مرجعيتها ما بين احتلالين متوقفا عند الهوية والطائفية السياسية والهوية وصورة ما سمّي بالعراق "" الجديد ""ومشارع التقسيم المطروحة".
وخصص الباحث القسم الثالث من الكتاب "لفكرة الهوية والجنسية وتوقف عند حدود المواطنة والجنسية مسلطا الضوء على اوضاع الماضي والحاضر".


القسم الرابع خصص لموضوع الهوية والتنوع الثقافي "متوقفا عند الهويات الفرعية وعلاقتها خصوصا بالشرعية الدولية لحقوق الانسان باحثا في راهن الهوية من خلال المرحلة الامريكية - الدولية التي ارادت اعطاء نكهة خاصة للهويات العراقية ولا سيما بتعويم الهوية الجامعة".


اما في القسم الخامس فقد قام الباحث بفحص موضوع الهوية "من خلال المحاصصة الطائفية والاثنية ليناقش بعد ذلك جدل الهويات من خلال الفيدرالية وعلاقتها بالديمقراطية والدستور وقضية المهجرين والهوية الضائعة".


وفي الكتاب مقدمة وخاتمة وملحق هو ""مشروع قانون تحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق"" فضلا عن تعريف بالباحث.


اما في "الملحق" الذي حمل عنوانا هو"مشروع قانون تحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق" الذي تألف من سبع عشرة مادة فقد دعا شعبان الى اعتبار الطائفية جريمة في حق الشعب والوطن ودعا الى ان يمنع منعا باتا استغلال المناسبات الدينية للترويج للطائفية او المذهبية والى منع توزيع اواقتسام المناصب الحكومية وغير الحكومية على اساس الانتماء الطائفي والمذهبي.
وطالب بحظر استخدام وسائل الاعلام كلها في الترويج لاي غرض طائفي كما دعا الى منع التصنيفات والتقسيمات الطائفية والمذهبية في االجيش والقوات المسلحة وقوى الامن الداخلي والشرطة وجميع دوائر الدولة ومرافقها.وطالب بمنع الترشح في اي نوع من الانتخابات على الصعيدين الوطني والمحلي استنادا الى اي معيار طائفي او مذهبي والى تحريم الوظائف القضائية كلها وفقا لاي اعتبار ات طائفية او مذهبية.


ودعا الى منع رجال الدين من اصدار الفتاوى التي تتعلق بالشأن العام خاصة السياسية منها والى ان تدار جميع المراقد والاماكن المقدسة من قبل الدولة والى منع استخدام الشعارات الدينية الطائفية والمذهبية في الجامعات والمعاهد العليا والمدارس كافة والى عدم الاعتراف بشهادات المدارس الدينية الا اذا اذا كانت برامجها مقبولة ومعتمدة لرقابة حكومية .

المصدر: بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

مقدّمة

كان للإسلاميّين دورٌ بارزٌ في الثّورة اللّيبيّة منذ انطلاقتها في 17 شباط / فبراير 2011؛ فقد تجنّدوا كمقاتلين عسكريّين وشاركوا بفعاليّة في مصراتة ومعركة تحرير طرابلس ثم تحرير سرت واعتقال القذّافي وقتله.

لقد كانت الحركةُ الإسلاميّةُ في ليبيا بتيّاراتها وأجنحتها المختلفة، مجهولةً بالنسبة إلى غير اللّيبيّين أو غير المُختَصِّينَ في الشّأن الليبيّ، نتيجة القمع والتّعتيم الإعلاميّ لنظام القذّافي من جهة، وضعف هذه الحركة ولجوئها إلى العمل السّريّ من جهة أخرى.

ومن المفيد جدا في هذا السياق العودة إلى كتاب الباحث الليبيّ محمود النّاكوع "الحركاتُ الإسلاميّةُ الحديثةُ في ليبيا: منطلقاتُها، قياداتُها، تجارِبُها، مآلاتُها"، الصّادر عام 2010، أي قبل أشهرٍ من اندلاع الثّورة، للتعرف على هذه الحركات الإسلاميّة ومنطلقاتِها وتَجارِبِها.

ولا يهدِف هذا الكتابُ - كما يقول المؤلّف - إلى التّوسّع في منطلقات وتراث الحركات والجماعات والأحزاب الإسلاميّة الأمّ أو الأصليّة، ولكنّه يهدِف إلى التّعريف الموجز بالفروع التي نشأت في ليبيا، وهي فروعٌ محدودةُ الإبداع والعطاء الفكريّ، فهو لم يَعثُر على كتبٍ أو مجلّاتٍ ولا حتّى صُحفٍ صدرت عنها، فقد ضُيّق عليها في عهد القذّافي، ولم يُسمح بنشر أيّ تراث لها، حتّى لو كان تاريخيًّا قديمًا.

وكان النّظام الليبيّ بشوكته الأمنيّة العسكريّة، وبقدراته الماليّة، وبعلاقاته الدّولِيّة قد انتصر على تلك الجماعات الصغيرة عددًا وعُدَّةً، وهو انتصارٌ فرضته ملابساتٌ وظروفٌ عِدَّةٌ، هي من طبيعة ليبيا جغرافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.

وعلى الرّغم من ذلك الانتصار المادّيّ للسّلطة ومؤسّساتها، فإنّه بقي انتصارًا محدودًا؛ فهناك مسائلُ لا يُمكن أن تُقمع بأدواتها، وهي العقائدُ والأفكارُ. فمهما بلغت قوّة الدّولة وأجهزتها من "السّجون، وأدوات التّعذيب والقتل وهدم البيوت"، فإنّها لن تستطيع تغيير القناعات الدينيّة أو الفكريّة كما أثبتت تجارِبُ التّاريخ الإنسانيّ. وهذا ما يشير إليه الكاتب في تقديمه للكتاب (الصفحة الخلفية من الغلاف) قائلا: "إنَّ كلّ عقيدةٍ صحيحةِ المنطلقات، ومنسجمةٍ مع الفِطرة الإنسانيّة، وقابلةٍ عقليًّا للحوار، كانت هي المنتصرة في نهاية مسار الصّراع"، فكلّ فكر دينيٍّ أو بشريٍّ محض، قام على أُسسٍ من أنساقٍ عقليّةٍ وروحيّةٍ وأخلاقيّةٍ، لا يُمكن أن يُهزم بأدواتٍ مادّيّةٍ صمّاء.

ويرى النّاكوع أنّه إذا استطاعت الحركات الإسلاميّة أن تُراجع فكرها وعملها مراجعةً سليمةً، وفي وضعٍ لا ضغوطَ فيه، عندها ستكون العِبَرُ مُثمرةً، وذاتَ جدوى، بل وذاتَ مستقبل.

ولا شكّ في أنّ جميع الحركات، والجماعات الإسلاميّة التي خاضت تجرِبة التّنظيم والعمل، ودخل بعضُها في صراعٍ ضدّ السّلطة، كانت متأثّرةً بما يجري في البلاد من تحوّلات ثقافيّةٍ وسياسيّةٍ صاحبتها أعمال عُنفٍ وصداماتٌ داميةٌ في الجامعات وخارجها (قبل ثورة 17 فبراير)، كما كانت متأثّرةً بما كان يجري في المحيط الجغرافيّ العربيّ والإسلاميّ.

وقبل أن يتناول الكتاب الحركات الإسلامية الحديثة تاريخًا وفكرًا وممارسةً، استعرض بإيجاز الوضع السياسيّ في البلاد، وبالتّحديد منذ نهاية الحرب العالميّة الثّانية، وحتّى الإعلان عن الاستقلال. فقد نالت ليبيا استقلالها في 24 كانون الأول / ديسمبر 1951 بعد كفاح عسكريّ وسياسيّ دام نحو أربعين عامًا (1911-1951)، وجاء الاستقلال ثمرة التّضحيات التي قُدّرت بأكثر من نصف مليون ليبيّ.

ويذكر الشيخ الطّاهر الزّاويّ أنّ بعض هؤلاء، استُشهدوا في ميادين الجهاد والصراع ضدّ الغزاة الطّليان، وبعضهم ماتوا من جرّاء مضاعفات الحرب ومنها: المعتقلات والهجرات والمجاعات والأمراض التي كانت تفتك بالنّاس دون أيّ عناية من الدّولة المُحتلّة، ودون وجود أيّ مساعدات إنسانيّة، لا من داخل الوطن الذي كان سكّانه يعانون من الفقر والجهل، ولا من جهات أخرى.

وعندما خسرت إيطاليا الحرب العالميّة الثّانية، وانسحبت قواتها من ليبيا عام 1943، أصبحت البلاد تحت حكم الإدارة العسكريّة البريطانيّة باستثناء المناطق الجنوبيّة (فزّان)، الّتي أصبحت تحت سيطرة القوّات العسكريّة الفرنسيّة. وقد أنشأ الإنجليز إدارةً عسكريّةً مؤقّتةً في المِنطقة الشّماليّة في كلٍّ من برقة وطرابلس، وكلّ واحدة منهما منفصلة عن الأخرى انفصالًا تامًّا، بينما خضعت المنطقة الجنوبيّة لحكم الفرنسيّين الذين أنشأوا بدورهم إدارةً عسكريّةً فيها، باعتبار أنّ الفرنسيّين هم الّذين قاموا بالعمليّات العسكريّة الّتي أخرجت الطّليان وحلفاءهم من هذه المِنطقة.

وخلال هذه المرحلة -أي ما بين 1943 و1951- كانت البلاد وقياداتها الوطنيّة تخوض المعركة السياسيّة لنيل الاستقلال، وكانت أجواءُ ما بعد الحرب العالميّة الثّانية تبدو مُناسِبَةً لتصعيد العمل السياسيّ وطنيًّا وعربيًّا ودوليًّا، وأعطت بريطانيا الضّوء الأخضر للقيادات السّياسيّة والثّقافيّة لإطلاق نشاطاتها، وبدأ مُناخٌ جديدٌ يختلف تمامًا عن أجواء الاحتلال الإيطاليّ وما جرّه من عذاب ودمار. وحتّى منتصف عام 1943، بدأ الحَراك العمليّ في تأسيس النّوادي الثّقافيّة، ثمّ الأحزاب السياسيّة، وقد بلغ عددُها خلال بضع سنوات أكثر من عشرة أحزاب سياسيّة منها:

الحزب الوطنيّ بقيادة أحمد الفقيه حسن عام 1944.
الجبهة الوطنيّة المتّحدة بقيادة سالم المنتصر عام 1946.
حزب الكتلة الوطنيّة بقيادة علي الفقيه حسن وأخيه أحمد وعناصر أخرى انشقّت عن الحزب الوطنيّ.
جمعيّة عمر المختار برئاسة خليل الكوافي عام 1943.
الجبهة الوطنية برعاية السّيّد ادريس السّنوسي عام 1946.
حزب المؤتمر الوطنيّ بزعامة بشير السّعداوي في يوليو 1949.


كما تأسّست أحزاب وجمعيّات صغيرة أخرى.

وكانت تلك الأحزاب والجمعيّات، وقياداتها كثيرة الاختلاف والتقلّبات، وتعكس المِزاج الثّقافيّ السّياسيّ الّذي لم تكن له أيّ خبرة سابقة في هذا المجال، وهو أمر طبيعيّ تمرّ به كلّ التّجارب الحزبيّة، خاصّة في مثل تلك الظروف الصّعبة.

المهمّ أنّ تلك المرحلة بكل ما فيها من سلبيّات وصراعات، أعدّت القيادات والجماعات السّياسيّة لمواصلةِ عمليّة الكفاح السياسيّ على المستوى الإقليميّ والدّوليّ، وتمكّنت مع عوامل خارجيّة أن تُحقّق هدفها، وهو انتزاع الاستقلال بقرار من الأمم المتّحدة، فأصبحت ليبيا، أوّل مرّة في التّاريخ، دولةً مستقلّةً، لها دستورها ومؤسساتها التّشريعيّة، بنظامٍ ملكيٍّ اتّحاديٍّ. ونُصّب محمد إدريس السّنوسي، حفيد المصلح الإسلاميّ محمد علي السّنوسي ( 1787-1859) مَلِكًا عليها.

وإنَّ الدّارس لتلك المراحل من تاريخ ليبيا السّياسيّ، يلاحظ أنّ الوطنيّة هي البعدُ الثّقافيُّ الّذي أفرز كلّ النّشاطات والأحزاب، وأنّ الإسلام كان مصدرًا أساسيًّا في إلهام تلك التّيّارات الوطنيّة معاني الكفاح والثّبات والاستشهاد، خاصّة وأنّ الأمير إدريس، الزّعيم الرّوحي لذلك الحَراك، ينتسب إلى حركة إسلاميّة إصلاحيّة، هي الحركة السّنوسيّة.

 

الحالة السّياسيّة في البلاد قبيل الاستقلال

وقد تأخر ظهور الحركات الإسلاميّة، ولم تفرز المراحل السابقة لعام 1952 أيّ حركة أو تنظيم، أو حزب يُسمّى أو يستمدّ من الإسلام صفته السّياسيّة. وفي 19 شُباط / فبراير من عام 1952 تمّ تنظيم أوّل انتخابات نيابيّة في ليبيا، لكنَّ حزب المؤتمر شكّك في نزاهتها، ووقعت في أثنائها صدامات وأعمال عنف بين الشّرطة والمواطنين، أدّت إلى سقوط قتلى وجرحى في المدن السّاحليّة في ولاية طرابلس، كما جرى اعتقال عدد كبير من أنصار حزب المؤتمر. وبسبب تلك الأحداث، تغيّرت الأوضاع السّياسيّة تغيّرًا دراميًّا، أدّى إلى نتائج سلبيّة، حيث أعلنت حكومة محمود المنتصر حالة الطوارئ، واعتُقل بشير السّعداوي، ثم جرى إبعادُه إلى خارج البلاد للتخلّص من وجوده كزعيم معارض طموح، وحُلّ حزبه الذي كان أكبر الأحزاب، ثم أُلغيت فكرة الأحزاب في كلّ البلاد وحُلّت جميعُها، لأنّ السّلطة الحاكمة؛ بحسب رأي مجيد خدوري، لم تكن تنظر بارتياح إلى النّظام الحزبيّ.

أدّى منع تشكيل الأحزاب بصورة قانونيّة وعلنيّة إلى خيار العمل السّرّيّ، ومن هنا كانت بدايات الحركات الإسلاميّة، وغيرها من الحركات القوميّة واليساريّة، وهو الذي سيقودها جميعًا إلى صراعات ومواجهات مع السُلطة الحاكمة.

وسوف تتّجه مآلات هذه الأحزاب التّنظيميّة إلى أوضاع في غاية الصّعوبة، وستنتهى قياداتها وعدد كبير من أعضائها إلى السّجون والقتل في الدّاخل، أو إلى الهروب والهجرة إلى خارج الوطن، وبعضها سيتوقّف عن النّشاط توقّفًا كاملًا في داخل البلاد وخارجها.

وعلى الرّغم من ضياع فرصة نظام الأحزاب في العهد الملكيّ وحكوماته المتعاقبة، ولجوء التّيّارات المُسيّسة إلى العمل السّريّ، إلّا أنّ النّظام الملكيّ تعامل معها بشيءٍ من التّسامح والأحكام المُخفّفة لمن تم اعتقالهم، مثل البعثيّين والقوميّين العرب؛ بينما اختلف الأمر بشدّة في عهد معمّر القذّافي، حيث أصبحت الحزبيّةُ جريمةً عقوبتُها الموت. وعلى الرّغم من ذلك، لم تتوقّف التّنظيمات السّرّيّة، بل تضاعف عددُها، وهو ما يبحث فيه هذا الكتاب.

 


ظهور الإخوان المسلمين في ليبيا

يقسم الكاتب تاريخ حركة الإخوان المسلمين في ليبيا إلى ثلاث مراحل، كانت انطلاقة المرحلة الأولى منها في أواخر العَقد الرّابع من القرن العشرين، والتي يُمكن وصفُها بأنّها مرحلة التّعريف بالمنطلقات والأفكار العامّة للجماعة والدّعوة لنشرها، والعمل من أجل استقطاب الأنصار في أوساط الشّباب.

ومن أهمّ أسباب وصول فكر الإخوان إلى ليبيا -وخاصةً إلى مدينة بنغازي- قدوم ثلاثةٍ من الشّبّان المصريّين من جماعة الإخوان من مصر إلى ليبيا، وهم عز الدّين إبراهيم، ومحمود الشّربيني، وجلال سعدة، الّذين هربوا بسبب الاتّهامات الّتي وُجّهت إلى عدد من الإخوان في حادثة اغتيال النقراشي رئيس الحكومة المصريّة عام 1949.

واحتضنت مدينة بنغازي هؤلاء الشُّبّان، بعد إصرار الأمير إدريس على رفض تسليمهم للسّلطات المصريّة، واستطاع أحدُهم وهو الأستاذ عزّ الدّين إبراهيم من خلال التّدريس في المدارس اللّيليّة، ومن خلال العلاقات التي أقامها مع النّاس، أن يعطى صورة جيّدة عن الإخوان ودعوتهم، ونتيجة ذلك؛ انتمى عددٌ من الشّبان اللّيبيّين إلى الجماعة. وإلى جانب هؤلاء الشُّبّان الثلاثة الفارين، كان لبعض المُدرّسين المصريّين من الإخوان المسلمين، تأثيرهم في تلك المرحلة في ليبيا.

يذكر عبد الله أبوسن، أحد شخصيّات الإخوان في ليبيا، في مقابلة مع مجلّة المجتمع الكويتيّة، العدد 1054 "أنّ حركة الإخوان بدأت في ليبيا في أواخر أربعينيّات القرن العشرين، على أيدى مجموعة من المُدرّسين المصريّين المُنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك بعض الإخوان الّذين لجأوا إلى ليبيا، وعلى رأسهم الأستاذ الدّكتور عزّ الدّين إبراهيم".

كانت الانطلاقة الأولى في ولاية طرابلس بعيد الاستقلال، حيث جاء إلى البلاد عددٌ كبيرٌ من المدرّسين المصريّين للتّدريس في المدارس الإعداديّة والثّانويّة وفي المعاهد، وكان بعضهم من الإخوان أو من المتعاطفين مع الإخوان، كما رجع إلى البلاد عددٌ من اللّيبيّين الّذين درسوا في مصر، أو كانوا مهاجرين في مصر، وتأثّروا هناك بدعوة الإخوان، وبعضُهم شارك معهم في حرب فلسطين عام 1948.

أمّا المُنطلقاتُ الفكريّةُ الّتي قامت عليها الحركةُ في ليبيا، فهي المنطلقاتُ ذاتُها الّتي وضعها مؤسّسها في مصر الإمام حسن البنّا عام 1929، والّتي ركّزت -في بدايات دعوته- على الأخلاق والتّعليم وبناء الفرد المسلم بناء سليمًا.

وفى رسالة المؤتمر الخامس، تبدو شموليّةُ فكره واضحةَ المعالم.. يقول حسن البنّا: "فكرةُ الإخوان المسلمين تضمّ كلّ المعاني الإصلاحيّة، فهي دعوةٌ سلفيّةٌ؛ لأنّهم (أي الإخوان) يدعون إلى العودة بالإسلام إلى مَعينه الصّافي من كتاب الله وسُنّة رسوله. وطريقةٌ سُنّيّةٌ؛ لأنّهم يحملون أنفسهم على العمل بالسُّنّة المطهّرة في كلّ شيء، وبخاصّةٍ في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا. وحقيقةٌ صوفيّةٌ؛ لأنّهم يعلمون أنّ أساسَ الخير طهارةُ النفسِ، ونقاءُ القلبِ، والمواظبةُ على العملِ، والحبُّ في الله، والارتباطُ على الخير. وهيئةٌ سياسيّةٌ؛ لأنّهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل، وتعديلِ النّظر في صلة الأمّة الإسلاميّة بغيرها من الأمم في الخارج، وتربيةِ الشّعب على العِزّة والكرامة والحرص على قوميّته إلى أبعد حدٍّ. وهي جماعةٌ رياضيّةٌ؛ ورابطةٌ علميّةٌ ثقافيّةٌ؛ وشِركةٌ اقتصاديّةٌ؛ وفكرةٌ اجتماعيّةٌ".

بهذه الشموليّة تحدّث دُعاة حركة الإخوان في ليبيا إلى الشّباب لجذبهم نحو تيّارهم الّذي كان يَشُقُّ طريقه بصعوبة، خاصّة بعد قيام الثّورة المصريّة عام 1952، وحلّها لكلّ الأحزاب أوّلًا، ثمّ حلّها لجماعة الإخوان.. بعد أن تباينت السّياسات والأهداف بين قيادة الثّورة وقيادة الإخوان.

وبسبب ذلك الصدام الدّامي بين الإخوان في مصر وعبد الناصر، جاء إلى ليبيا في العهد الملكيّ عددٌ من الشّخصيّات الإخوانيّة، ومن هؤلاء: الدّكتور محمود أبو السّعود؛ وهو اقتصاديٌّ معروفٌ، والدّكتور مصطفى مؤمن؛ وهو مهندسٌ مِعماريٌّ مشهورٌ، والمهندس يوسف ندى؛ رجلُ الأعمال المعروف، والمهندس عمر الشّاوي. وكانوا يمارسون أعمالًا مِهنيّةً في مجالاتٍ تتناسبُ مع قُدراتهم.

وسط تلك الخلافات والصّراعات، وفى أجوائها الصّاخبة في مصر؛ حيث الحملات الإعلاميّة، وحيث الاعتقالات، ثمّ الإعدامات التي طالت عددًا من قيادات الإخوان، كانت ليبيا ما زالت تستقبل الكثير من المُدرّسين المصريّين للعمل في مدارسها ومعاهدها؛ ومنهم من يحملون دعوة الإخوان، دون الجهر بانتمائهم إلّا لمن يثقون به ثقة كاملة.

وفى العَقدين الخامس والسّادس من القرن الماضي -وبرغم الظّروف الصّعبة نِسبيًّا- نشأ تيّار الإخوان في ليبيا، وأصبح عددُ المنتمين إليه والمتعاطفين معهم يُقدّر بالمئات، وذلك برغم قانون تجريم الأحزاب، وبرغم المناوشات والهجمات الكلاميّة الّتي كان يقوم بها التيّار النّاصريّ في ليبيا ضدّ الإخوان بصورة عامّة، وهو التّيّار الأوسع شعبيّةً نتيجةَ تأثير خُطب عبد النّاصر وإعلامه.

في تلك المرحلة‘ لم يتبلور عملُ الإخوان في ليبيا في شكلِ تنظيمٍ له تَصوُّراتُه النّظريّة، وله أُطُرُهُ التّنظيميّة، وله قياداتُه المختارةُ اختيارًا مباشرًا من قاعدةٍ مُنتَظِمَةٍ على أُسسٍ انتخابيّةٍ متعارفٌ عليها. وربّما وُجدت بعضُ الأسر كوُحداتٍ تنظيميّةٍ لأغراضٍ تعليميّةٍ تربويّةٍ، ولكنها لم تَرقَ إلى أيّ مستوًى من مُستويات التّنظيمات الحزبيّة.

وقد تأثّر بمدرسة الإخوان العشراتُ من الشّخصيّات الليبيّة الّذين عُرفوا بمكانتهم السّياسيّة أو العلميّة أو الاجتماعيّة طَوال الخمسينيّات والستينيّات والسبعينيّات من القرن الماضي؛ ومنهم من تولّى مراكزَ مرموقةً في مؤسّسات الدّولة.

وقد حافظ تيّارُ الإخوان -خلال تلك المراحل المتوتّرة سياسيًّا- على حضورٍ ملموسٍ، بفضل عددٍ من رموزه الّتي كانت تعملُ في المعاهد المتوسّطة، مثل معهد مالك بن أنس، وفي المدارس الإعداديّة والثّانويّة المنتشرة في كلّ البلاد، وفى كليّات الجامعة اللّيبيّة، وفي جامعة محمد بن علي السنوسيّ الإسلاميّة. كما كان لتلك الرّموز نشاط مهم من منابر المساجد في عددٍ من المدن اللّيبيّة ومنها: طرابلس، بنغازي، الزّاوية، البيضاء، درنه، مصراته، غريان، نالوت. ومن تلك الرّموز: الشّيخ فتح الله محمد أحواص، وهو أشهرُ خطيب إسلاميٍّ آنذاك، والشّيخ محمّد كريدان. وعمرو النّامي، الذي كان له نشاط في نالوت مع الأستاذ المربّي الشّيخ علي يحي معمر، ومن الرّموز الإخوانيّة في بنغازي، والتي كانت تمارس الخطابة، وإلقاء الدّروس، عبد الكريم الجهاني وادريس ماضي.

ومن المهم التّأكيد على دور الكتب والمجلّات الإسلاميّة، والتي انتجتها أقلام إخوانيّة ومنها كتب سيّد قطب. ومن المجلّات: مجلّة "المسلمون" ورئيس تحريرها سعيد رمضان، وكتاب الحضارة الإسلاميّة لمصطفى السّباعي، وكذلك كتب محمد قطب، وكتابات العلّامة الهندي أبو الحسن الندوي، والشّيخ محمّد الغزالي، وغيرهم.

ومن الشّخصيّات الإسلاميّة البارزة التي كانت على صِلةٍ بالإخوان في طرابلس، الدّكتور أحمد صدقي الدجاني، بل إنّ البعض كان يعتبره من الإخوان. وهو شخصيّةٌ لها نشاطُها الفكريّ المنتظمُ عبرَ المحاضرات العامّة، والأحاديث الإذاعيّة، والمقالات الصحفيّة.

 

الإخوان المسلمون: المرحلة الثانية

ألحقت إسرائيل خلال حرب حزيران / يونيو 1967 هزائم فادحة بعدد من الجيوش العربيّة، وخاصّةً الجيش المصريّ، ما أحدث ردود أفعال كبيرة لدى كلّ المستويات الشعبيّة في الوطن العربيّ، وخاصّةً على مستوى الأحزاب والحركات، ومنها التّيّارات والحركات الإسلاميّة.

وفي ليبيا، وبعد الحرب بشهور قليلة، بادرت مجموعة من الشخصيّات المنتمية فكريًّا إلى مدرسة الإخوان، ببحث إمكانيّة إنشاء تنظيمٍ يجمع أكبر عدد من الأشخاص المقتنعين بأفكارهم، وانتهت المشاورات والاتّصالات إلى عقد سلسلة من الاجتماعات في شقة محمد رمضان هويسة في منطقة زاوية الدّهماني في طرابلس. وكان هويسة الذي ينحدر من أسرة معروفة لها مكانتها الاجتماعيّة يعمل في التّجارة والمقاولات، وانتمى إلى الإخوان مذ كان طالبًا في الثّانويّة، وكان شديد الحماسة للجماعة وتاريخها وجهادها، فلم يُخفِ انتماءه إليها، وخاصّةً عندما كان يدرُس بجامعة بنغازي في أوائل ستينيّات القرن الماضي.

انتهت سلسلة الاجتماعات تلك، إلى الاتّفاق على تأسيس تنظيمٍ للإخوان في طرابلس، وضمّت لجنته القياديّة الشيخ فتح الله محمد أحواص (الذي كان يُعرف بالشّيخ فاتح أحواص): رئيسًا للتّنظيم، ومحمد رمضان هويسة: مسؤولًا للعلاقات الخارجيّة، ومحمود محمّد النّاكوع: مسؤولًا عن شؤون التّنظيم، وعمرو خليفة النّامي: مسؤولًا عن النّشاط الجامعيّ، ومختار ناصف: مسؤولًا عن الشّؤون المالية.

وبرزت هذه اللّجنة بحكم نشاطها وحضورها الفكريّ والاجتماعي وتاريخها في تَيّار الإخوان، ولم تكن مُختارةً أو مُنتخبةً من مجموع الأعضاء بصورة مباشرة، بل كانت موضع قَبولٍ بحكم المنزلة والقدرة والثّقة، ولم تَعرف تلك التّجرِبة ما يُسمّى عند الإخوان بالبيعة. ونظرًا لسِرّيّةِ العمل، فلم تَكتب المجموعةُ أيّ نظامٍ أساسيٍّ، أو ميثاقٍ، أو بيان.

في غضون ذلك، كان لإخوان بنغازي تنظيمٌ مُشابِهٌ، وكان من قياداته: عبد الكريم الجهاني، ادريس ماضي، مصطفى الجهاني، محمد الصلابي، صالح الغول وآخرون، وقد وُجدت علاقاتٌ تنسيقيّةٌ لتبادل الآراء والمعلومات حول النّشاط العامّ بسرّيّةٍ تامّةٍ، مُستغلّةً الهامش الذي أتاحه النّظام؛ وكان في ذلك متّسعٌ للنّشاط الثقافيّ وإلقاء الخطب.. وإن كانت سياسيّة. وطَوالَ العهد الملكيّ 1952 - 1969، لم تعتقل السّلطات أعضاء تلك التّجارب التّنظيميّة الإخوانيّة؛ لا في طرابلس ولا في بنغازي. ولكن الجميع كانوا تحت رقابة الأجهزة الأمنيّة.

ظلّت تلك المحاولةُ مقتصرةً في نشاطها على تنظيم بعض اللّقاءات لمجموعة الأُسَر، الّتي لا يتجاوز عددُ أعضائها الأربعين؛ وهؤلاء هم كلّ أعضاء التّنظيم في طرابلس وما حولَها من مدن في غرب البلاد، ولكنّ العشرات من قُدامى الإخوان لم ينضمّوا إلى المحاولة المذكورة لأسبابٍ متعدّدة.

تلك التجرِبة التّنظيميّة استمرّت نحو عام، ثمّ توقّف النّشاط تلقائيًّا، حيث انقطع كثيرون عن حضور لقاءات الأُسَر، وهي لقاءاتٌ روتينيّةٌ رتيبةٌ، تدور جلساتُها حولَ قراءةٍ في موضوعٍ تثقيفيٍّ في التّفسير، أو الحديث، أو التّاريخ. ولم يكن هناك أيّ نشاط سياسيٍّ أو صحافيٍّ يدفع إلى الحَراك بحيويّة، فلم تكن لدى الإخوان وقتها رؤيةٌ سياسيّةٌ واضحةٌ ومبرمجةٌ للتّعامل اليوميّ أو المرحليّ مع الواقع السّياسيّ والتّوقّعات المستقبليّة، واقتصرت بالإضافة إلى نشاطها الدّعَوِيِّ، على معارضة الفساد الّذي كان محدودًا، ومعارضةِ وجود القواعد الأجنبيّة، وذلك من خلال الخُطَب، وبعض الكتابات الصحافيّة.

وخشى الإخوان وقوع انقلاب عسكريّ، يضع البلاد في مَهبّ الرّياح العاصفة، ويكرّر في ليبيا ما حدث في المشرق العربيّ، حيث كانت الحركات الإسلاميّة -وخاصّةً الإخوان- ضحيةَ تلك الانقلابات. وكانت سرّيّة العمل من أهمّ معوّقات نموّ جماعة الإخوان نموًّا مناسبًا، كما كان الحال بالنّسبة للتّنظيمات الأخرى.

وعندما وقع الانقلاب العسكريّ بقيادة الضّبّاط الوَحدويّين في الأوّل من أيلول / سبتمبر 1969، والّذي أنهى النّظام الملكيّ، لم يكن هناك وجودٌ فعليٌّ للتّجرِبة التّنظيميّة الإخوانيّة، ولم يتمّ حلّها بصورة حاسمة من قِبَلِ اللّجنة القياديّة للانقلاب، وعبر مِلَفّات الأمن الموجودة لدى النّظام الملكيّ، والّتي تضمّنت قائمةً بأسماء العناصر الإخوانيّة النّشطة والمعروفة بحضورها الثقافيّ أو الصحافيّ أو الجامعيّ، جرى اعتقالُ نحو ثلاثين شخصًا من طرابلس في نيسان / ابريل عام 1973، أثناء الإعلان عمّا سُمّيَ رسميًّا بالثّورة الثّقافيّة والإداريّة، كان في مقدّمتهم اللّجنة القياديّة (يسمّيها البعض، الأسرة القياديّة).

واستمرّ الاعتقال لفتراتٍ متعدّدة، كان أقصاها حوالَى واحد وعشرين شهرًا، وبرغم البدء في إجراءات محاكمة تلك المجموعة، إلّا أنّ المحاكمة توقّفت بأمرٍ سياسيٍّ، وأُفرج عن الجميع، إثر خطابٍ للعقيد القذّافي رئيس مجلس قيادة الثّورة، قال فيه: إنّه إذا أراد الإخوان العمل للإسلام، فعليهم أن يعملوا له خارج ليبيا، وأن يتّجهوا إلى جمعيّة الدّعوة الإسلاميّة، ويهتمّوا بنشر الإسلام في إفريقيا وآسيا.

وفور الإفراج عنهم، طلبت الأجهزة الأمنيّة من عددٍ من الشّخصيّات، الاتّصال بجمعيّة الدّعوة في طرابلس، تنفيذًا لقرار القذّافي، وطلبت من عمرو النّامي أن يسافر للعمل خارج البلاد، وبذلك انتهى نشاط حركة الإخوان في ليبيا، وأصبحت محظورةً مثل كلّ الأحزاب الأخرى.

 

الإخوان المسلمون: المرحلة الثالثة

في أواخر العَقد السّابع، وأوائل العَقد الثّامن من القرن العشرين، انتشرت ظاهرة ما بات يُسَمَّى بالصّحوة الإسلاميّة، خاصةً بعد نجاح الثّورة الإسلاميّة في ايران عام 1979. وقد عجّت أوروبّا الغربيّة، والولايات المتّحدة، وكندا، بنشاط الشّباب المسلم، متمثّلًا في المؤتمرات، والنّدوات، والمخيّمات، والمنشورات، والتّظاهرات، ومن بينهم الآلافُ من الشّباب اللّيبيّ الّذين يدرسون في تلك البلدان الغربيّة، ويشاهدون ذلك الحَراك الإسلاميّ العامّ، ويتفاعلُ بعضُهم تفاعُلًا إيجابيًّا مع مدّه.

وقد كان أعضاء الإخوان المسلمين من البلدان العربيّة على اتّصالٍ مباشرٍ ونشطٍ في كلّ السّاحات الأوروبيّة والأميركيّة؛ وفي تلك الأجواء، انجذب كثيرٌ من الشّباب اللّيبيّ إليهم، وشاركهم في نشاطاتهم الثّقافيّة التّربويّة، وفي لقاءاتهم العامّة، ولاحقًا أسّس الشّباب اللّيبيّ في الولايات المُتّحدة أوّل تنظيمٍ للإخوان خارجَ البلاد، أطلقوا عليه اسم "الجماعة الإسلاميّة - ليبيا"؛ كان من قيادات تلك الجماعة عبد الله الشيباني وآخرون، وضمّت مجموعةً من أصحاب المؤهّلات العلميّة الّذين لم يُعلَن عن أسمائهم، وأصدرت الجماعةُ مجلّةً ناطقةً باسمها، تحت عنوان "المسلم"، والّتي صدر عددُها الأوّل في أيلول / سبتمبر 1980.

وعندما تأسّست الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا عام 1981، بمبادرة من مجموعةٍ من الشّخصيّات الإسلاميّة، انضمّ عددٌ من أعضاء الجماعة الإسلاميّة إليها، وكوّنوا مع عناصر أخرى تيّارًا مُهِمًّا داخلَها؛ وكان أحمد أحواس، أكثر قيادات الجبهة حماسةً واهتمامًا بذلك التّيّار، وظلّت الجماعةُ قائمةً بتواصُلَ نشاطِها.

وقد عاد عددٌ كبيرٌ من أعضاء الإخوان مطلعَ الثّمانينيّات إلى ليبيا بعد أن أكملوا دراساتهم العليا، ليستأنفوا سِرّيًّا تنظيم الإخوان، ومن بين الشخصيات التي شاركت في إحياء النّشاط الإخواني في تلك المرحلة: عماد البناني، عبد المنعم المجراب، الأمين بلحاج، عبد المجيد بروين. ومن العناصر السابقة، انضمّ كُلٌّ من إدريس ماضي ومصطفى الجهاني؛ وهذان انضمّا -في ما بعد- إلى حركة التّجمّع الإسلامي.

تُعتبر تلك؛ المحاولةَ التّنظيميّةَ الأولى من نوعها، التي تجمع قيادة وأعضاء كلّ حركة الإخوان في جميع أنحاء ليبيا. لقد تمّ ذلك عام 1987، وفي عام 1991، طوّرت المجموعة القياديّة أسلوبها في اختيار القيادات، وأجرت انتخاباتٍ لاختيار مجلسٍ للشّورى، يُنتخب أحدُ أعضائه مُراقبًا عامًّا.

لقد كانت القبضة الأمنيّة الحكوميّة في تلك الظروف بالغةَ الشّدّة، إذ لم يكن هنالك مجالٌ لأيّ نشاٍط سياسيٍّ أو دَعَوِيٍّ ملموسٍ؛ وكلّ الّذي كان مُتاحًا، هو توجيه بعض الشّباب تربويًّا، من خلال علاقات العمل، أو في إطار العلاقات العائليّة، أو في بعض المناسبات الاجتماعيّة والدّينيّة. كما عمل الإخوان على جمع بعض الأموال لمساعدة الفقراء، وتخفيف الاحتقان السّائد في المجتمع، بحسب تعبير المراقب العامّ للإخوان سليمان عبد القادر، في مقابلةٍ مع قناة الجزيرة، عبر برنامج "زيارة خاصّة" في 30 / 5 / 2009.

في عام 1995، شنّت السّلطات الأمنيّة حملة اعتقالات واسعة، شملت تنظيمات عدّة، واستطاعت أعدادٌ كبيرةٌ من الشّباب المنتمي إلى تنظيماتٍ إسلاميّةٍ -ومنهم بعض الإخوان- الهروبَ من البلاد بشتّى الطّرق، ليتّجه أغلبُهم إلى أوروبّا الغربيّة، بينما استأنفت مجموعات أخرى -أغلبهم من الطّلّاب العائدين- النّشاط من جديد؛ ومن هؤلاء: عبد الله عزّ الدّين المراقب العام، سالم أبو حنك نائب المراقب العام، ومجموعة من أصحاب الشّهادات العلميّة العليا.

وفى عام 1998، اكتشفت السّلطات الأمنيّة التّنظيم الإخوانيّ، فنفّذت حملة اعتقالات واسعة، شملت نحو مئة عضوٍ، حيث حُكم على المراقب العام ونائبه بالإعدام، وحُكم على أعضاء مجلس الشّورى بالمؤبّد، وعلى أعدادٍ أخرى بالسَّجن لسنواتٍ عِدّة. ومن أبرز العناصر التي كانت ضمن المعتقلين، الدّكتور عبد الله شاميّة، أستاذ الاقتصاد المعروف في جامعة قاريونس.

وخلال وجودهم في المعتقل، جرت محاولاتٌ عِدّة من جماعات إسلاميّةٍ وعلماءَ مسلمين، للتّحدُّث مع السّلطات اللّيبيّة للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين؛ مبرّرةً محاولاتِها بأنّ عملهم مؤسّسٌ على العمل السّلمي الدّعوِيّ، وليس على أيّ عملٍ عسكريٍّ، ولا يهدِف إلى التّغيير بالقوّة. وكان الشّيخ يوسف القرضاوي أحدَ أبرز أولئك العلماء؛ حيث زار ليبيا، وقابل العقيد معمّر القذّافي.. ويُعتقد أنّه تحدّث معه عن مسألة المعتقلين.

بقي الإخوان في السّجون حتى آذار / مارس عام 2006، حيث أُفرج عنهم جميعًا بعد تدخُّل سيف الإسلام القذّافي، الّذى جعل من مهامّ جمعيّة القذّافي للأعمال الخيريّة، تبني بعض مِلفّات حقوق الإنسان. فبعد سلسلة من الحوارات والاتصالات مع عددٍ من قيادات الإخوان في الخارج، وبعد حوارات مع المعتقلين، تمّ الاتّفاقُ - بعد مُوافقة العقيد القذّافي - على الإفراج عن الإخوان، بشرط ألّا يقوموا بأيّ نشاطٍ تنظيميٍّ ولا سياسيٍّ ولا اجتماعيٍّ عامٍّ، وأن يعيشوا مواطنين عاديّين، وأن يمارسوا حياتهم العاديّة.. وأُعطيت لهم أو لبعضهم تعويضاتٌ ماليّةٌ، وبعضُهم رجع إلى أعماله السّابقة، أو انخرط في أعمالٍ جديدة.

وظلّ عددٌ من الإخوان في الخارج، والّذين لم يتجاوز عددُهم مئتي شخص[1]، يواصلون نشاطهم، ويتابعون تطوّرات الوضع في البلاد؛ وواصلت قياداتُهم الإدلاء بتصريحات تؤكّد حضورهم، وتؤكّد أنّ نهجهم قائمٌ على الإصلاح والدّعوة إليه. وقد عبّرت مواقعُ تلك القيادات على شبكة الإنترنت، عن مواقفها في كثيرٍ من القضايا الوطنيّة.

هكذا نلاحظ أنّه ومن خلال مسيرة الإخوان المسلمين في ليبيا لأكثر من نصف قرن، لم يكن العمل العسكريّ واستخدامُ والعُنف يمثّل لديهم وسيلةً للتّغيير، وبالتّالي فقد ظلّت وسائلُهم فكريّةً ثقافيّةً تربويّةً؛ ولذلك برزت عبر المراحل الثّلاث المذكورة من تاريخهم في ليبيا، قياداتٌ وشخصيّاتٌ لها مكانتُها الاجتماعيّةُ والثّقافيّةُ. فالخُطباءُ والدُّعاةُ، وأساتذةُ الجامعاتِ، والكُتّابُ والصّحافيّون، والأدباءُ والشّعراءُ والتّجّار؛ جميعُهم من تلك القيادات.

 

حزب التّحرير الإسلاميّ

تأسّس حزبُ التّحرير الإسلاميّ بمبادرةٍ من الشّيخ تقي الدّين النّبهاني عام 1953، وهو شخصيّةٌ فلسطينية إسلاميّةٌ درس في الأزهر، وكان على صِلةٍ بالشّيخ حسن البنّا، مُنطلِقًا من ضرورة العمل على إعادة الخلافة الإسلاميّة، وقد ألّف النّبهاني مجموعةً من الكتب في السّياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والنُّظم، والدساتير ولاسيما الدستور الإسلامي. ومن أهمّ تلك الكتب "نظامُ الإسلام" الّذي يُدَرّسُ في الحلقات الأسبوعيّة الّتي يَعِقدُها الحزب.

إذًا، فالحزب تنظيمٌ سياسيٌّ إسلاميٌّ يدعو إلى استئناف الحياة الإسلاميّة، بإقامة دولة الخلافة من جديد، وهو يسعى إلى بلوغ هذه الغاية عبر ثلاث مراحل؛ الأولى: عبر استقطاب العناصر. والثّانية: بالتّفاعل مع المجتمع عن طريق نشر أفكار وآراء الحزب من خلال الدّروس والمحاضرات والنّشرات السّياسيّة وإرسال الوفود، والثالثة: بطلب النُّصرة ممّن لهم القدرةُ والتّأثيرُ لإقامة دولة الإسلام. هذا؛ والحزب لا يتبنّى ولا يُجيز استعمال القوّة وسيلةً للتّغيير أو الوصول إلى أهدافه تلك.

وبحسب رواية محمد سعد؛ أحد العناصر القياديّة، والّذي غادر ليبيا إلى الولايات المتّحدة، فقد وصلت دعوةُ الحزب إلى ليبيا في أواسط خمسينيّات القرن الماضي، وأوّل من أنشأ حلقاتِه الأولى، هو: الشّيخ حسن عبد اللطيف أبو سلطان، الّذي كان مُدرّسًا في معهد التّعليم العالي في مدينة بنغازي، وهو فلسطينيٌّ من مواليد عام 1918، ولقد تمّ ترحيله من البلاد عقب انقلاب الضّبّاط عام 1969.

في العقد السّادس من القرن الماضي، شهد التّنظيم نُمُوًّا في أوساط المدارس الثّانويّة، وفي الكُلّيّات الجامعيّة، في كلٍّ من طرابلس وبنغازي؛ وقد كان المسؤول الأوّل في الحزب هو عبد الله أبو القاسم المسلاتي، أمّا المسؤول عن طرابلس وما حولَها هو حسن كُردي، ومن أبرز عناصره الآخرين: صالح النوال، محمد أحفاف، محمد الترهوني، على القصبي، علي كاجيجي، عبد الله حموده، علي العكرمي، ومحمد علي يحي معمر الّذي تمكّن من الهَرَبِ من السِّجن وتوجّه إلى مصر، بعد الاعتقالات التي حدثت خلال ما سُمِّيَ بالثّورة الثّقافيّة والإداريّة عام 1973.

وفي ذلك العام، اعتقلت السّلطات اللّيبيّة معظم قيادات الحزب وأعضائه، الّذين بلغ عددهم نحو أربعين شخصًا، أكثرُهم من الشُّبَّانِ الّذين تراوحت أعمارُهم ما بين السّادسةَ عشرةَ والخامسةِ والعشرين. والّذين سُرعانَ ما أُفرج عن أكثرهم، وهم من صغار السّنّ في تمّوز / يوليو عام 1974، مع الإبقاءِ على قُرابة عشرةٍ من العناصر القياديّة.

وفي نيسان / ابريل من عام 1981، اُعتقل ثلاثون من ناشطي الحزب في طرابلس وبنغازي وأجدابيا. وفي نيسان / ابريل عام 1982 جرت محاكمتُهم أمامَ المحكمة الثّورية، الّتي حكمت بالإعدام حُضوريًّا على كلٍّ من عبد الله المسلاتي، وحسن كردي الّذي كان يعاني من مرض السّل، وعبد الله حمودة، وصالح النوال، ومحمد أحفاف، ونمر خالد عيسى، وناصر سريس، وعلس عوض الله، وبديع حسن بدر. الأربعة الأخيرون من فلسطين، وكانوا يعملون بالتّدريس في أجدابيا. وقد نُفِّذَ حكمُ الإعدام فيهم جميعًا في نيسان / ابريل عام 1983. وحُكم غيابيًّا بالإعدام على كلٍّ من: محمد سعد امعزب، وأحمد أحفاف، بعدَما تمكّنا من مغادرة البلاد، حيث غادرها الأوّل في عام 1981، أمّا الثاني فقد غادرها قبله في عام 1978.

قبل ذلك؛ وفي عام 1981، اغتالت قوّات الأمن كُلًّا من عبد الرحمن بيوض، وماجد المقدسي (وهو طبيبٌ فلسطينيٌّ)، وخليفة ميلاد الكميشي (وهو من ابو زيان بغريان)؛ ويُروى أنّ أمّه قد زغردت وكبّرت، عندما سُلِّمَ الجُثمانُ إلى الأسرة في "أبو زيان".

ويَعتقدُ القياديّ محمد سعد، أنّ الحزب قد انتهى في ليبيا منذ حملة الإعدامات تلك.

 

جماعة التّبليغ والدّعوة

أسّس جماعة التّبليغ والدّعوة الشّيخ محمّد إلياس الكاندهلويّ ( 1302 - 1364 ه) عام 1867م في الهند، وسُرعان ما انتشرت في معظم بُلدان العالم شرقًا وغربًا، ومن مبادئها: الكلمةُ الطَيِّبَةُ "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وإقامةُ الصّلوات، والعلمُ والذّكرُ، وإكرامُ كلِّ مسلم، والإخلاصُ، والنّفيرُ في سبيل الله.

بدأت الجماعة نشاطها في ليبيا منذ ستينيّات القرن الماضي، وهو نشاطٌ دَعوِيٌّ مفتوحٌ، يتبنّى أصحابُه أسلوبًا متميّزًا في مادّته وأدواته؛ فمضمونُه لا يقترب من السّياسة، ولا يخوضُ في أيّ شأنٍ من شُؤونها. تعتمد جماعةُ التّبليغ والدّعوة على تنقية النّفس من شوائب المادّة بتزكيتها بالقرآن وبالعبادات، وينطلق مريدوها من المسجد باعتباره مركزًا يستقطبُ عامّة المسلمين كبارًا وصغارًا، فيدعونهم إلى السّياحة، أي الخروج في مجموعاتٍ لممارسة العبادة الجماعيّة.

لقد لاحظ السّنوسي بسيكري، أنَّ المنتمين إلى خطّ التّبليغ كانوا ينشطون في المساجد، ويستقطبون الشّباب من أصحاب التّعليم الدّينيّ القليل، ومن ذوي الحماسة العالية؛، ومنهم عبد السلام المشيطي، ومحمد خضير. ومن أبرز عناصرهم محمد أبو سدرة الذى اعتقل منذ عام 1989 ولم يفرج عنه إلا عام 2009.

يقول السنوسي: "كان في ذلك الوقت نشاطٌ دَعوِيٌّ للشّيخ صالح التيناز، وهو من الشّخصيّات المعروفة بتديُّنها منذ زمنٍ سابقٍ للصّحوة الحديثة، واستمرّ في تديُّنه وفي سَمتِه التّعبّديّ الرّوحيّ الأخلاقيّ". ويعتقِد السّنوسي أنّ نشاط جماعة التّبليغ توقّف في بنغازى حوالَى عام 1986.

نشِط أبناءُ الجماعة في طرابلس منذ ستينيّات القرن الماضي، وعُرفوا بدعوتهم النّاسَ إلى الخروج معهم في رحلات دَعويّة، وهو أسلوبٌ تربويٌّ تَعبُّدِيٌّ استفاد منه كثيرٌ من الشّباب، حيث أصبح بعضهم من كبار الدّعاة.

الشّيخ مبروك غيث المدهوني، كان من الّذين تأثّروا بطريقة جماعة التّبليغ، وعَرف عنه طلّاب جامعة طرابلس ذلك التّوجه، منذ أن كان معيدًا في كليّة العلوم 1976، كما عُرف بذلك شخصٌ آخر يُدعى محمود المصراتي. وقد واصل الشّيخ مبروك نشاطه الدّعويَّ عندما كان في الولايات المتّحدة في الثمانينيّات، وأثّر في عددٍ من الشّباب، وكان من ناشطي تلك المرحلة أيضًا، بشير الخرّوبي، وحسن اللّيدي.

وفى مَوسم الحجّ من عام 1985، عُثِرَ على الشّيخ مبروك مقتولًا في مدينة جدة، وتقول أوساطُ المعارضة، إنّ المستفيدَ من قتله هو النظامُ اللِّيبيّ، وإنّ عناصر من اللّجان الثّوريّة أو من الأمن اللّيبيّ، هي التي نفّذت اغتيالَه. ويبدو أنّ نشاط جماعة التّبليغ قد توقّف في ليبيا منذ أواخر ثمانينيّات القرن العشرين.

 

الجماعة الإسلاميّة المقاتلة

تُعتبر الجماعة الإسلاميّة المقاتِلة، من أهمّ وأقوى التّنظيمات الإسلاميّة اللّيبيّة الّتي اعتمدت خيار التّغيير بقوّة السّلاح، وخاضت مواجهاتٍ عسكريَّةً مع قوّات السّلطة المُتمَثِّلَة في الجيش أو الشُّرطة أو اللِّجان الثّوريّة.

بدأت إرهاصات ميلاد هذه الجماعة في أوائل ثمانينيّات القرن الماضي، وتزامنت مع بروز تنظيم "اللّجان الثّوريّة"، أحد أذرع السّلطة الحاكمة، وهو تنظيمٌ مسلّحٌ يجمع بين أعدادٍ من المدنيّين وبعض الضّبّاط العسكريّين، تمّت تعبئتُهم جميعًا بمنطلقات وأهداف الثّورة، وقد مارست تلك اللّجان العُنف، وصفّت الكثير من الشّخصيّات المعارضة، أو التي يُشَكُّ في ولائها للسّلطة الحاكمة.

ومن أبرز الشّخصيّات الإسلاميّة الّتي صُفِّيت بسبب خُطبها ومَواقفِها الإسلاميّة المُعلنة والرّافِضة للخطاب الرّسميّ، وخاصةً فيما يتعلّق بالسّنّة النّبويّة ودَور العلماء، هو: الشّيخ محمّد البشتي الّذي قتلته اللّجان الثّوريّة عام 1983.

ومنذ بداية أعمال العُنف الّتي نفّذتها اللّجان الثّوريّة عام 1980، واستهدفت عشرات الشّخصيّات داخلَ البلاد وخارجَها. اشتدّ غليان الصّراع داخل المجتمع اللّيبيّ، وخاصّةً في أوساط الشّباب الّذين شاهدوا زملاءهم وإخوانهم يُعلّقون على أعواد المشانق في الجامعات وفي الميادين العامّة وداخلَ السُّجون. في تلك الأجواء المأزومة المُلتهبة، كانت بذورُ أفكار العُنف المُضادّ داخلَ البلاد وخارجَها تجدُ تربةً خِصبةً للنُّموّ والانتشار.

وعلى المستوى العالمي، كانت هناك تحوُّلاتٌ إسلاميّةٌ كبرى، لها صداها وانعكاساتُها على كلّ المجتمعات الإسلاميّة، ومنها نجاحُ الثّورة الإيرانيّة في عام 1979، والثّورة الأفغانيّة (1979- 1992). كلّ تلك التّطوّرات الدّاخليّة والتّغيّرات الإسلاميّة العالميّة، كانت تصبّ في صالح التّيّارات الجهاديّة المُقاتلة، وأصبح الشّباب المُتديّن في ليبيا يبحث ويقرأ عن الفكر الجهاديّ.

لقد كانت الأشرطةُ وما تتضمّنه من مادّةٍ جهاديّةٍ، ومنها: خطب عبد الله عزّام، وغيره، إلى جانب خطب الشّيخ محمد البشتي، وأعمال سيّد قطب، وآراء أحمد بن تيميّة في مادّة الفَتاوى المتعلّقة بالجهاد، هي بعضَ المصادر التي ألهبت حماسة الشّباب، ودفعتهم إلى إنشاء تنظيمٍ سِرِّيٍّ مُعارض قُدّر عددُ أعضائه بالمئات.

أطلقت الجماعةُ مجلّةً بعنوان "الفجر" صدر عددُها الأوّل عام 1994، وهي مجلّةٌ شهريّةٌ تصدر عن مركز الإعلام الإسلاميّ، وُزّعت في لندن في تسعينيّات القرن الماضي، وكانت تحوي مادّةً تعبويّةً إسلاميّةً ضدّ الحُكم القائم في ليبيا.

وبالرّجوع إلى بعض أدبيّات الجماعة، ومقالاتهم، نجدُ صياغةً شديدةَ العُنف في نهج التّغيير الّذي اختارته تلك الجماعة، وتَجسّدَ ذلك العُنفُ في عِدَّةِ عمليّاتٍ انتظمت جميع مناطق ليبيا من غربها إلى شرقها؛ فقد وقعت صدامات مسلّحةٌ بينَ عناصر الجماعة وقوّات السلطة داخلَ البلاد، ما بينَ 1995 و1998. وتُقدِّرُ بعضُ مصادر التّنظيم أنّ خسائر الجماعة جرّاءَ تلك المصادمات، قد بلغت نحو مئة عضو.

وظلّ تنظيم هذه الجماعة يعمل بشكلٍ سِرِّيٍّ داخلَ البلاد وخارجَها، إلى 18 تشرين الأول / أكتوبر 1995، حيث صدر أوّل بيان بشأن الإعلان عن قيام الجماعة الإسلاميّة المقاتلة في ليبيا؛ وجاء فيه: "تُعلن الجماعة الإسلاميّة المقاتلة، عن قيامها من أجل اداء واجب الجهاد في سبيل الله.. وقد آن الأوان للجماعة الإسلاميّة المقاتلة، أن تخرُج من طور السّريّة إلى طور العلنيّة، نظرًا للمرحلة الحسّاسة الّتي يمُرّ بها العمل الجهاديّ في ليبيا. كما تُعلن عن تبنّيها للأحداث الجهاديّة المباركة الّتي اندلعت منذ شهر محرّم 1416 ه في مناطق ليبيا شرقًا وغربًا".

وللجماعةِ منطلقاتٌ عبّرت عنها في كتاب يحمل عنوان: "خطوطٌ عريضةٌ في منهج الجماعة الإسلاميّة المُقاتلة" بقلم: أبو المنذر السّاعديّ، الّذي يُعتبر فقيهَ الجماعة، أو منظّرَها الشرعيّ.

وقد كشفت المواجهاتُ ثمّ التّحقيقاتُ التي تمّت في ما بعد مع أعضاء الجماعة، أنّ أعضاء الجماعة تمكّنوا من حيازة كميّات كبيرةٍ من الأسلحة، وتمكّنوا من استخدام عددٍ من المَزارع والمواقع الأُخرى لتخزين أسلحتِهم واستخدامها في الوقت المناسب. لقد دلّ ذلك على وجود خللٍ في مؤسّسات السّلطة. غير أنّ الخلل لم يدُم طويلًا، إذ سُرعانَ ما طوّرت المؤسّسات الأمنيّة قدراتِها، وأصبحت صاحبةَ اليد المسيطرة في كلّ البلاد.

وممن عُرف من قيادات ذلك التّنظيم الأسماء التّالية: عبد الحكيم الخويلدي بلحاج، ولقبه أبو عبد الله الصادق، وهو أمير الجماعة، وهو حاليًّا رئيس المجلس العسكري للثّوّار في طرابلس، وهو الّذي قاد عمليّة تحرير طرابلس من نظام القذّافي في أيلول / سبتمبر 2011؛ سامي مصطفى السّاعديّ، ولقبه أبو المنذر، وهو المنظّر الشرعيّ للجماعة؛ صلاح فتحي سليمان، ويعرف بعبد الرّحمن الحطّاب، وقد قُتل في درنه، أثناءَ مواجهات مع قوّةٍ عسكريّةٍ للنّظام عام 1997؛ خالد الشّريف (أبو حازم) نائب أمير الجماعة؛ ومفتاح الدّوادي، أمير الجماعة عام 1992؛ ونعمان بن عثمان، رئيس اللّجنة الإعلاميّة والسّياسيّة، والنّاطق باسم الجماعة تحت اسم (أبو تمامة اللّيبيّ، وعبد المجيد اللّيبيّ)، ومصطفى قنيفيد، مسؤول اللّجنة العسكريّة، وعبد الوهّاب قائد، آمر القطاع الجنوبيّ، وعبد الحكيم العماري، رئيس اللّجنة الأمنيّة الّذي قُتل هو وصالح عبد السيد، رئيس اللّجنة الشّرعيّة في عام 1996. وكان جلّ هؤلاء من طلبة كليّة الهندسة في طرابلس، وبعضُهم من كُلِّيَّتَيِ الطّب والعلوم السّياسيّة.

ومنذ المواجهات الّتي وقعت بين عناصر الجماعة وقوّات النّظام، والّتي تصاعدت وتيرتُها خلالَ عامَي 1995 و1996، وقيام الأجهزة الأمنيّة بتضييق الخناق عليهم، واعتقال العدد الأكبر منهم، انتهى نشاط الجماعة داخل البلاد، ثمّ جرى اعتقالُ أميرهم ونائبه من قبل الاستخبارات الأميركيّة وسُلِّما إلى السّلطات اللّيبيّة عام 2006.

سعى سيف الإسلام القذّافي عبر مؤسّسة القذّافي للأعمال الخيريّة، الّتي أبدت رغبتها في 15 / 6 / 2005 في فتح باب الحوار مع المنتمين إلى هذه الجماعة، في حال استعدادهم ورغبتهم في ذلك الحوار. ثمّ بدأت الجمعيّة في أيلول / سبتمبر 2006 حوارًا بنّاءً مع بعض قيادات الجماعة، بهدف إقناعهم بالعدول عن العُنف. ومنذ عام 2007، دخلت الحوارات مرحلةً متقدّمةً نسبيًّا، وتمّ الإفراج عن تسعين شخصًا لهم علاقةٌ ما بالجماعة المقاتلة.

واستمرّت الحوارات مع قيادات الجماعة، وشاركت فيها عناصر من كبار ضُبّاط الأمن، وشارك في بعض جلساتها كلٌّ من الشّيخ علي الصّلابي، ونعمان بن عثمان. وكلاهما كانا قبل مرحلة الحوار، على صلة بسيف الإسلام.

وقامت قيادة الجماعة بمراجعة منطلقاتها الفكريّة، وأعلنت عن تصحيحاتٍ تَنبُذُ العُنف ضدّ الدّولة، قام بها عبد الحكيم بلحاج، ونوّه بها الشّيخ يوسف القرضاوي، الذي لعب دورًا في محاولة الإفراج عن أعضاء الجماعة.

 

حركة التجمّع الإسلاميّ
بدأت الحركة على شكل مجموعة من الملتزمين إسلاميًّا، مع المحافظة على السُّنَّة النّبويّة بصورةٍ مُعتدلةٍ عام 1974، كما يروى الشّيخ محمد أحداش، وفي أوائل التّسعينيّات من القرن الماضي، انضمّوا إلى تنظيم الإخوان المسلمين في ليبيا لمدّة قصيرة، سرعان ما وقعت بعدها خلافات تنظيميّة أدت إلى انشقاقٍ فانسحب عددٌ منهم من التّنظيم، وأسّسوا "حركة التّجمّع الإسلاميّ"؛ على نمط التّنظيمات الجبهويّة المَرِنة التي تسعى إلى جمع أكبر عددٍ من الإسلاميّين دونَ فرض قيودٍ تنظيميّة، ودونَ الارتباط بأيّ تنظيمٍ إسلاميٍّ خارجَ البلاد.

تأسّست حركة التّجمّع الإسلامي عام 1990، ومن أبرز قياداتها: مصطفى الطرابلسي، جمال الورفلي، محمد أحداش، ادريس ماضي، مصطفى الجهاني، والأخيران كانا من الإخوان المسلمين المخضرمين، قبل أن ينضمّا إلى التجمع، وكلاهما قُتل في مجزرة سجن "أبو سليم" الّتي نفّذها نظام القذّافي عام 1996، كما قُتل جمال الورفلي، وجمال الفيتوري، وتوفيق بن عمران، وجميعهم ينتمون إلى التّجمّع الإسلاميّ.

وقد قال الشّيخ محمد أحداش في كلمة رثائيّة للشّيخ إدريس ماضي، بعد إبلاغ أسرته رسميًّا بوفاته في صيف عام 2009: "أمّا الحركة الإسلاميّة في ليبيا، فهو أحد روّادها ومعالمها؛ بدأها بالانضمام إلى الإخوان المسلمين في الخمسينيّات إلى انفراط عِقدها في أوائل السبعينيّات، وتعرّض للسّجن والتّحقيق بسبب ذلك، ثمّ شارك في عودتها في أواخر الثمانينيّات، وصار مراقبًا عامًّا لها في بلدٍ يُجرّم الحزبيّة بالقانون ويعدمها في الواقع، بل يُجرّم ويعاقب عن مجرّد العلم بوجود حزب، فكيف بالله بترؤُّسه، وفي وقت كانت تعني فيه هذه الوظيفة الإرهاق الأمنيّ والنّفسيّ والبدنيّ والماليّ. ثمّ شارك في تأسيس التّجمّع الإسلاميّ، وتولّى قيادته إلى أن سُجن ظُلمًا وعُدوانًا في صيف 1995".

ويُعتبر الدّكتور مصطفى الطرابلسي، وهو أستاذ جامعيّ متخصّص في الجغرافيا، المنظّرَ الرئيسَ للتّجمّع، وله بعض الأوراق التي تبحث في مسائل تتعلّق بالدّولة الإسلاميّة، والحكم الإسلاميّ، والطريق إلى ذلك؛ وقد كان مُعجبًا بأفكار حسن التّرابي في خياراته التنظيمية وتطويرها، وعدم ركونها إلى التّقليد والجمود، ومنها تَجرِبَتُه في التّنظيم الجبهويّ (جبهة الإنقاذ).

وتركّز المنطلقات الفكريّة للتجمع على التربية الشّرعيّة، وتدرّس في حلقات، كما تهتمّ بالعقائد، والفقه المالكيّ. ومن الكتب التي كانت متداولةً بين الأعضاء: "كبرى اليقينيّات الكونيّة" للشّيخ محمّد سعيد رمضان البوطي، و"الأصولُ الثلاثة: الله، الرسول، الإسلام" لسعيد حوى.

ويُروى أنّ أفكار الشّيخ راشد الغنّوشي رئيس حركة النّهضة الإسلاميّة في تونس، كانت إحدى مصادر التثقيف عند بعض عناصر التّجمّع، بل كان بعضهم يوزّع الأشرطة التي تتضمّن خطبه. وللتّنظيم نشرة داخليّة تُسمّى "السّبيل" تتكوّن مادّتها من توجيهات تربويّة، وتعليقات على الأحداث الداخليّة، ولهم ميثاق يعبر عن منطلقات التّجمّع.

وقد تضمّن التّجمّع مجموعةً تؤمن بالعمل الجهادي؛ أي العمل المسلّح، بقيت تحت لوائه نحو عام، ثمّ انسحبت وانضمّت إلى الجماعة الإسلاميّة المقاتلة. وعندما حدثت الصّدامات المسلّحة بين مجموعات من الجماعة المُقاتلة وقوّات الدّولة، وجرت اعتقالات عام 1995 شملت عناصر من الجهاديّين الّذين كانوا في التّجمّع، وعندها اكتشفت السّلطات تنظيم التّجمّع واعتقلت عددًا منهم، وفرّ الآخرون إلى خارج البلاد، واتّجهوا نحو بعض البلدان العربيّة ثمّ إلى أوروبّا، والولايات المتّحدة. ومن أولئك الّذين تمكّنوا من مغادرة البلاد: مصطفى الطرابلسي، محمد أحداش، عادل صنع الله، عبد الوهاب الهلالي، سالم بشاشة، وآخرون.

يُذكر أنّ كُلا من الشّيخ محمد أحداش وعادل صنع الله، قد انقطعت صلتُهما بالتّجمّع منذ سنوات كثيرة، ولكلٍّ منهما نشاطُه الثّقافيّ الشّخصيّ في المهجر.

 

المجموعات السّلفيّة

السّلفيّة بشكلٍ عامٍّ، لفظةٌ تعني التديّن على طريقة السّلف الصّالح، وهم صحابةُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومن تبعهم واقتدى بهم. وعلى هذا الأساس فإنّ جميع الحركات الإسلاميّة، تعتبر نفسها سلفيّةً بمعنًى من معاني الاقتداء الكثيرة، ومنهم ما ُيمكن تسميتُه بالسّلفيّة النّصّيّة الحَرفِيّة، وهي مدرسةٌ يكثُر روّادها والمنظّرون لها في المملكة العربيّة السّعوديّة وفي مناطق أخرى من العالم الإسلاميّ. هذه المدرسة لا تهتمُّ بالاجتهاد والفكر المقاصديّ الشّرعيّ، الّذى يذهب إلى ما وراء الألفاظ، ويبحث في معانيها، في إطار المكان والزّمان والحياة السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. تُعنى المدرسةُ النّصّيّةُ الحَرفيّةُ كثيرًا بالمظاهر الخارجيّة مثل: إعفاء اللّحى، وتقصير السّراويل وغيرها من الملابس لتصل إلى ما فوق الكعبين، ولا تُجِيزُ بعض آرائها للسّيدات قيادةَ السّيّارات.

ومنهم مجموعةٌ فكرُها يرتكز على الولاء للسّلطة ولوليّ الأمر فيها. هذا الفكرُ قد وصل إلى ليبيا في كثيرٍ من مفاهيمه من المدرسة السّلفيّة السّعوديّة، والّتي تُعرف في بعض فروعها بالمدخليّة، نسبةً إلى شخصٍ سعوديٍّ اسمُه ربيع المدخلي.

وتعرّف عددٌ من اللّيبيّين على أفكار ذلك التيار، خلال تأدية مناسك الحجّ والعمرة، كما تأثّر بعض الشّباب بآراء مقبل الوادعي، وهو من اليمن، وله آراء ومواقف متشدّدة، ومعادية لأفكار مدرسة الوسط والاعتدال، التي يُعتبر الشّيخ يوسف القرضاوي من أبرز رموزها والمنظّرين لها في هذا العصر.

ويبدو أنّ السّلطات اللّيبيّة الّتي كانت تُعاني من حركات الإسلام السّياسيّ (وبعضها مسلّح ومقاتل)، فضّلت أن تغضّ النّظر عن التّيّار السّلفيّ الّذى لا عداوة له مع السّلطة، بل يؤمن بطاعة وليّ الأمر على علّاته، لكنّ هذا التّيّار كان يُقلق بمفاهيمه وسلوكه الكثير من المواطنين، ومنهم روّاد المساجد الّذين يُزعجهم فرضُ سلوك معيّن أثناء الوقوف للصّلاة، من أولئك الشّباب الّذين يعملون على إلصاق أرجلهم بأرجل المُصلّين، وكأنّ الصلاة لا تجوز إلا بتلك الكيفيّة؛ كذلك يدخلُون في جدلٍ مع عامّة النّاس في كثيرٍ من العادات والتّقاليد الخاصّة بالأكل والشّرب واللّباس.

والجديرُ بالملاحظة، أنّ الفكر السّلفيّ ظلّ عند عموم المجتمع اللّيبيّ، كما عبّر عنه الأئمة الكبار من أمثال الإمام ملك بن أنس، صاحب المذهب السائد في ليبيا، فهو الأصلُ في عبادات ومعاملات المجتمع اللّيبيّ، وهو الأصلُ في الفَتاوى التي تتعلّق بشؤون الأفراد والأُسر.

 

خلاصة نقديّة

لمّا كان الكتابُ قد كُتبَ ونُشرَ قبل ثورات الرّبيع العربيّ، وتحديدًا الثّورة اللّيبيّة، فإنّ الباحث اللّيبيّ، الّذي كان ينتمي سابقًا إلى تيّار الإخوان المسلمين، لم يكن يتوقّع هذه الثّورات، وبالتّالي أيّ تغييرٍ جذريٍّ في النّظام أو سقوطه.

لذلك انتقد الباحثُ لجوءَ الحركات الإسلاميّة في ليبيا إلى السّلاح والعُنف، بناءً على فشل تجارِب الحركات الجهاديّة في مصر والجزائر وغيرهما في التّغيير، وجنوحها نحو العُنف ضدّ المدنيّين والإرهاب.

وعوّل الباحث على بعض خطوات الانفتاح التي قام بها النّظام عبر سيف الإسلام القذّافي تُجاه الإسلاميّين وإطلاق بعضهم من السّجون، وبالتّالي فإنّه لا يُمكن لومُ الكاتبِ الّذي لم يتوقّع كغيره من اللّيبيّين والمراقبين سقوط النّظام اللّيبيّ أو إمكانيّة سقوطه، خصوصًا بعد تحسّن علاقات القذّافي مع الغرب والولايات المتّحدة الأميركيّة في السّنوات الأخيرة.

مع ذلك، يبقى الكتابُ دليلًا مفيدًا عن الحركة الإسلاميّة في ليبيا وتيّاراتها المختلفة، ولعلّ المرحلةَ المُقبلةَ من تاريخ ليبيا، ستبيّنُ الدّور الّذي ستلعبُه هذه الحركات في النّظام الجديد، وإمكانيّة تكيّفها وقَبُولِها بالديموقراطيّة والمشاركة وقَبُولِ الآخر.


[1] وكان عددهم خارج البلاد حسب قول المراقب العام سليمان عبد القادر لا يتجاوز المئتي شخص. (الجزيرة، زيارة خاصة. تاريخ الحلقة 30 / 5 / 2009)

المصدر: لندن: دار الحكمة، 2010

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

يحاول كتاب "الإسلاميون بين الثورة والدولة.. إشكالية إنتاج النموذج وبناء الخطاب" تقديم تفسير لـ"الظاهرة الإسلامية" التي فرضت نفسها على النظم السياسية العربية بعد سلسلة ثورات الربيع العربي، باعتبارها ليست نبتا مصطنعا هبط علينا من خارج سياق المجتمع والتاريخ، بل بوصفها انعكاسا لأزمات وحاجات سياسية وثقافية واجتماعية.

وتأتي أهمية الكتاب من أن الثورات العربية وما نتج عنها من وصول الإسلاميين إلى السلطة، قد دفع بالكثير من الأسئلة الإشكالية التي لم تحسم إلى السطح، وأخذ السجال حولها صبغة دينية وفقهية بحيث طغى في الغالب على دلالاته باعتباره فكرا سياسيا وفلسفيا معاصرا.

وتضاف إلى أهمية الكتاب أن مؤلفه الدكتور عبد الغني عماد، أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، باحث متخصص في الإسلام السياسي، وقد أشرف في هذا السياق على (موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربي).

يحتوي الكتاب على سبعة فصول إلى جانب المقدمة والخلاصة العامة والخاتمة. الفصل الأول: "في الثورة والسلطة والفقيه"، الفصل الثاني: "الدين والدولة وإشكالية المرجعية على وقع الثورات العربية"، الفصل الثالث: "الحراك الإسلامي: تحديات الدولة ومهام الدعوة"، الفصل الرابع: "الاجتهاد والتجديد والخطاب الإسلامي المعاصر: الإشكاليات والسجالات".

أما الفصل الخامس فهو عن: "الحركات الإسلامية وإشكالية تطبيق الشريعة الإسلامية"، بينما الفصل السادس: "الإسلاميون والآخر: بين المفاصَلة والمواطَنة"، والفصل السابع عن: "الدولة والدعوة: دراسة مقارنة بين التجربتين الإيرانية والتركية".

ونظرا للتكثيف الكبير في قضايا الكتاب وتفريعاته، فقد أحسن المؤلف صنعا حين وضع له خلاصة جامعة، تضمنت عناصر (عناوين) ثلاثة رئيسية، تمثل سياجا رابطا لفصول الكتاب السبعة، وهي على الترتيب: إشكالية النموذج وبناء الخطاب، والدعوة والدولة: خطاب الوصل والفصل والسياسة والدين، الأيديولوجيا والسلطة: ثنائيات الوعي الشقي.


الدولة أم الأمة
يبدأ الكتاب بمناقشة قضية قبول المجتمعات العربية والإسلامية بالكيانات والدول القطرية باعتبارها واقعا قائما دون أن يعني ذلك قبولا بشرعيتها أو بكونها بديلا يمكن أن يشكل الدولة/الأمة التي تعبر عن هويتها ورغبتها في التوحد وحاجتها إلى النهوض وحماية مصالحها.

فالدول العربية الرسمية التي قامت إثر الاحتلال الأجنبي أو على يديه احتكمت عمليا -وفي الغالب- إلى منطق سلطوي واستبدادي، حيث آلت تجربة "الدولة" إلى فشل ذريع ومدمر للحياة السياسية والاجتماعية.

ويرى الدكتور عبد الغني أن الحركات الإسلامية الصحوية استفادت من هذا الفشل، واكتسبت جاذبيتها من اقتصار مهمتها على تبيان عورات تلك الأنظمة وفسادها وهزائمها المتكررة.

ولأسباب مختلفة لم يكن ثمة اهتمام ببناء نظرية في "الدولة" والمواطنة والمؤسسات وفصل السلطات وتداول السلطة والحريات، إذ كانت الأولويات في مكان آخر يتعلق بالتنظير لكل ما له علاقة بالهوية والأمة ووحدتها والجماعة والشريعة وتطبيقها والأصالة والتراث والحاكمية.

لكن أهم ملاحظات الكتاب على "الحركة الإسلامية" أن النصوص المرجعية الإسلامية لديها لا تدل على وجود نظام حكم جاهز ومجمع عليه قديما وحديثا، كما أن تشكل الدولة شهد منذ بدايته انحباسا معرفيا في حدود "النموذج المثالي" الذي تم استمداده من المدونة التاريخية الفقهية، ممثلا في تجربة النبي صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة، دون أن يتعرض هذا النموذج إلى بحث منهجي يوضح أسباب الانحراف عنه في التجربة السياسية التاريخية من جهة، وما ترتب عليه من جهة أخرى، ومن دون أن يتم تطوير هذا النموذج وتحديثه.


الثورة والخروج
ويتطرق الكتاب إلى مفهوم الثورة في التراث السياسي الإسلامي، فقد كان هناك ارتباط أساسي لمفهوم "الثورة" بمفهوم الخروج على طاعة "ولي الأمر"، والإنتاج الفقهي المكثف لمفهوم الفتنة الذي تم دمجه بها.

"هذا الارتباط يبرر غياب استخدام هذا المصطلح في أدبيات الإسلام السياسي المعاصر، بل غياب مفهوم الثورة الشعبية الشاملة ضد الحاكم الغاشم كآلية أساسية من آليات التغيير الديمقراطي والسلمي".

ويكشف المؤلف أن هذا الأمر لا يعود إلى أن الخبرة التاريخية الإسلامية لم تعرف معنى "المعارضة" باعتبارها كيانا اجتماعيا منظما يتمتع بحقوق قانونية موازية من حرية الرأي والفكر والعمل، "فمثل هذه الخبرات بالأساس حديثة التكون في التجربة الإنسانية ولم تتبلور في الثقافة الغربية إلا في القرنين الماضيين، وفي ظل ديناميات معقدة ومتدرجة، وهي لم تجد البيئة الصالحة للنمو ولم يسمح لها بالتبلور الطبيعي في مجتمعاتنا، على الرغم من أن بذورها موجودة في أصل الثقافة الإسلامية ومرجعياتها التي تحض على مقاومة الظلم والاستبداد وتشدد على العدل والشورى".


النموذج المثالي
بعد اندلاع ثورات الربيع العربي وبروز الحركات الإسلامية في طور جديد يسعى لتجاوز طور المعارضة التي اعتاد عليها، كان من الضروري البحث في المرجعية الإسلامية لتلك الحركات لمفهوم الدولة الذي تنبثق منه وسائل الإدارة السياسية.

ويخلُص المؤلف -بعد سرده تقاتل بعض القدامى كالشهرستاني وابن خلدون حول "النموذج"- إلى أن الدولة الإسلامية المتحققة هي تلك التي جسدها نظام الخلافة، وإذا ما استثنينا العهد الراشدي الذي يشكل قوام النموذج المثالي للدولة والحكم، فإن الباقي منه ملك عضوض مطعون في شرعيته وبتوظيفه نصوص الدين في سياسة الحكم، بما يحقق استبداد الحاكم وإعادة إنتاج أدوات سلطته.

لافتا إلى انقسام حاد حول ذلك النموذج التاريخي، بين من يرى ضرورة تبني منهج التجديد والاجتهاد ناهلا من تراث الإصلاحيين الأوائل، وبين السلفيين الذين حافظوا على صفاء الفكرة وتجمدوا في لحظتها التاريخية، وبين من قام بمزاوجتها مع الفكر الإخواني أو القطبي ليعيد إنتاجها -وفقا للكاتب- على شكل السلفية الجهادية المقاتلة.

وبالتالي، "ليس في وسعنا أن نغامر ونستنتج أن نموذجا عربيا معاصرا قد تبلور بصيغة ما، فثمة أكثر من صيغة معاصرة اليوم للمشروع الإسلامي في علاقته بالدولة".

مشيرا إلى ثلاثة نماذج معاصرة متباينة المظهر والجوهر، هي: النموذج "الطالباني"، والنموذج "الإيراني"، والنموذج "التركي".


الدعوة والدولة
ويذهب الدكتور عبد الغني عماد إلى إن وصول الإسلاميين إلى السلطة من دون تملكهم العدة النظرية اللازمة في مسألة الدولة، وتمركز خطابهم التركيبي بين محوري الدعوة والدولة، قد أرسى نوعا من الالتباس بين دولتهم "الإسلامية" المنشودة والدولة الديمقراطية، على الرغم من الجهود المهمة المبذولة لسد الفجوات من قبل هذه الحركات وبعض مفكريها.

وذكر أن الإسلاميين قدموا خطابا تركيبيا بين الدعوة والدولة، وقاموا بتنميطه في الوعي الحركي لجيل كامل من دون البحث المعمق في إشكالياته لا من الناحية النظرية ولا من الناحية التطبيقية، وهو الأمر الذي أفضى حين تصدى الإسلاميون للعمل السياسي الحقيقي إلى صدامات ثقافية واجتماعية وعقدية كبيرة.

وبعد الإشارة إلى نماذج التشدد المنبعث من سيطرة الإيديولوجيا في بعض التجارب السياسية الحديثة لإسلاميين، أكد عماد على أن الإنصاف يقتضي القول إن طبيعة الأنظمة التسلطية العربية لم تتح للإسلاميين مجالا لاختبار فرضية "الدمج والاعتدال مقابل الإقصاء والتشدد "فالحركات الإسلامية كغيرها من التعبيرات السياسية المحافظة والمؤدلجة، يمكن إخراجها من سياقها الأيديولوجي المغلق، وترشيد سلوكها السياسي في ظل أنظمة ديمقراطية تقبل بإدماج المعارضة في صميم بنيتها، وهو أمر كان مستحيلا في ظل النظام العربي الرسمي، إلا أنه صار ممكنا بعد ثورات الربيع الربيعي.


من التنظير إلى الممارسة
يرى المؤلف أن الإسلاميين ضيعوا وقتا طويلا في السعي إلى السلطة من خلال تسييس الدين، وها هم قد وصلوا إلى مبتغاهم في بعض البلدان العربية، ومن بينها مصر بموقعها ودورها وحجمها، لكن معالجتهم قد نتج عنها غياب لنموذج "الدولة" في نتاجهم الفكري والثقافي، فالنص الحزبي الإسلامي أهمل الجوانب التأسيسية للعمل السياسي الكامنة في المجتمع نفسه الذي يضم الفاعلين الحقيقيين أصحاب المصلحة في صناعة الدولة، ذلك أن هدف السياسة الرئيسي ليس تغيير عقائد الناس وأفكارهم، بل رعاية مصالحهم بالاستناد إلى الروح الثقافية والحضارية العامة التي تسود المجتمع.

وقد تعرض المؤلف لتجربة الإخوان المسلمين القصيرة في حكم مصر، وعوامل التعثر التي صاحبت فترة حكمهم، كما تنبأ بعودة "الإخوان" فاعلا رئيسيا في الحراك السياسي مستقبلا، نظرا لما يمتلكونه من أدوات تاريخية وثقافية واجتماعية ومرونة في التكيف مع الضغوط السياسية، على الرغم من أنه يذهب إلى أنه ليس من المنتظر أن تبدأ الجماعة في النقد الذاتي لتجربتهم في الوقت القريب.

وأخيرا، فقد قدم الإسلاميون -كما قدم غيرهم- الكثير من المثل و"الطوباويات" وهم في المعارضة، لكنهم خسروا كثيرا من "طهرانيتهم" في اللحظة التي دخلوا فيها عالم السياسة والحكم.

وذلك ما يضعنا أمام حقيقة ذكرها الدكتور عبد الغني عماد حين قال: إن "المشاركة في السلطة تروّض الأيديولوجيا، وتدفع بالفاعلين السياسيين إلى "عقلنة" الخطاب، وتضعهم في مواجهة الواقع، فمنطق الدعوة يختلف عن منطق الدولة، ففي الأولى تمثل الأيديولوجيا رأسمالا غنيا، وفي الثانية عبئا شاقا، لذا يكثر فيها الحديث عن فقه المصلحة والضرورة والموازنات".

المصدر : الجزيرة

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

يعرض مؤلف كتاب "شهادتي على ميلاد أمة في رابعة الصمود" شهادته، ويروي بقلمه وكاميرته الكثير من الأسرار ومشاهداته في اعتصام رابعة، حيث شارك وعايش أحداثه كلها لحظة بلحظة.

د. جمال عبد الستار ليس مجرد أزهري ومتخصص بالدعوة الإسلامية أستاذا وداعية ومسؤولا حكوميا (وكيل وزارة الأوقاف لشؤون الدعوة أيام مرسي).. بل شاهد عيان المحرقة.

وفي البداية يجيب المؤلف عن سؤال: لماذا الاعتصام؟ حيث يوضح أنه بعد أن وصل الإسلاميون لسدة الحكم وفق الآليات الديمقراطية نكص المتشدقون بالمدنية ونادوا بلا خجل بدولة عسكرية، بل هدموا ما بناه الشعب وقتلوا المخالفين أو اعتقلوهم، وعسكروا الشوارع والميادين.

لذا كانت المواجهة حتمية لا بين تيار بعينه، بل شعب تاق للحرية وبين قوة غاشمة ألفت رؤية الشعب خاضعا لها، فاتخذ الاعتصام وسيلة لاستكمال أهداف ثورة يناير "فكانت رابعة ميدانا وميقاتا لإعداد أمة جديدة ومخيما ربانيا عجيبا".


من قلب الحدث
يقول الكاتب: لم أتحدث عن اعتصام "ميدان النهضة" ليس تجاهلا، فأنا لم أشرف بالذهاب إليه لاعتصامي الكامل في رابعة من أولى لحظاته، فآثرت ألا أكتب إلا ما رأيته.

ثم يشرع بالدخول فيخيرنا بين أي من مداخل الميدان الأربعة الرئيسة (المنصة وطيبة مول وصلاح سالم والتأمين الصحي)، فتقع عينك على متطوعين مهمتهم الحفاظ على السلمية بالتأكد من شخصية الداخلين ومنع البلطجية والمندسين، وقد مرض أحدهم وكان مسنا فأبى إلا الاستمرار حتى سقط مغشيا عليه ثم لقي ربه مرابطا.

ويتنقل بنا بين خيام الاعتصام فترى إبداعا في بنائها، وكأنك تجد لكل قرية مصرية خيمة، وساكنوها من مختلف الطبقات والأعمار والتوجهات، وقاسمهم المشترك رفض الانقلاب، وهم بين القرآن والتزكية والنقاش، ورغم "الازدحام الشديد ينفصل الرجال عن النساء في أدب راقٍ وخلق رفيع".

أما منصة الميدان -التي أذهلت الملايين وأربكت حسابات الانقلابيين وتابعتها أجهزة الاستخبارات العالمية والمحلية- ففيها تُلقى البيانات، ويعتليها سياسيون وصحفيون وفنانون وشعراء وقضاة، والعلماء تاج رأس المنصة.

ويدلف الكاتب بنا لخيمة التوثيق المزودة بأجهزة حاسوب وكاميرات تصوير لحفظ الفعاليات لتكون أرشيفا للأجيال.. وطائرات بسيطة بدون طيار مزودة بكاميرات تم شراؤها عن طريق الإنترنت، سعر الواحدة عشرة آلاف جنيه.


غرفة السلاح.. والبث
وينتقل الشاهد (المؤلف) بين جنبات مسجد رابعة وقد أصبح مؤسسة تربوية سياسية اجتماعية إعلامية صحية علمية أدبية متكاملة، وقد خصصت فيه ساحة للنساء.

استوقفي مُسن استشهد أحد أبنائه الثلاثة وأصيب الثاني واعتقل الثالث، يقول: قد حضرت لأكمل المشوار حتى نسقط الانقلاب.."

ويطلعنا على غرفة الإمام وقد أصبحت مقرا لمجموعة من العلماء لتوزيع المحاضرات وإمامة الصلوات ودروس النساء، علاوة على بث روح الثبات في قلوب المعتصمين وترشيد حماسة الشباب.

ويضيف: ظلت الغرفة صامدة حتى أحاطت بها النيران فاحترقت بكل ما فيها حتى أتت على السلاح الذي غمز به الانقلابيون. وفي لحظة اعتراف يقول الشاهد: نعم، كان هذا السلاح مع أكثر المعتصمين أفرادا وعلماء، وفي كل خيمة.. لقد أحرقوه، إنه كتاب الله.

ويتحدث الكتاب عن دور بعض مهندسي الاتصالات والإعلاميين المعتصمين في إعادة تشغيل أجهزة التلفزيون الحكومي بعد أن انصرف الطاقم بعد الفض ليعود بث الجزيرة والحوار والقدس واليرموك وغيرها، ولتنقل وقائع الاعتصام من أول لحظة، وأحلك عشر ساعات لمذبحة فض رابعة، ولينكشف زيف الإعلام الرسمي.


من روائع الميدان
ويسطر الشاهد صورا ونماذج للصمود نقتطف منها: "استوقفتني امرأة، قائلة: يا دكتور أنا فقيرة، فظننتها تريد صدقة لكنها سرعان ما قالت إنها لا تجد ما تنفقه على المعتصمين غير ما تبقى لها من ذكرى زوجها (دبلة الخطوبة).

ويمضي: "ومُسن استشهد أحد أبنائه الثلاثة وأصيب الثاني واعتقل الثالث، يقول "قد حضرت لأكمل المشوار حتى نسقط الانقلاب..".

ويحكي باسما عن خيمة لأسرة تطل على غرفة الإمام يستيقظ أطفالها باكرا بالصياح واللعب، والأم تهدهد رضيعها مداعبة "ارحل يا سيسي.. يسقط حكم العسكر". وشاب يحفظ القرآن أصيب فيوصي ابن قريته "أنا اقترضت من شركة فودافون رصيدا.. أرجوك سدده عني" ثم تفيض روحه.

وآخر يستعطف الكاتب أن يدعو له بالشهادة، فيخبره والده بالنبأ سعيدا، فأبادره "لقد صدق الله فصدقه"،

وثالث رُزقَها ولم يعتصم لتردده جراء أكاذيب بعض "الإعلاميين" لكنه حسم أمره وتوجه للميدان ينقل المصابين فجاءته رصاصة من خلفه، ورابع طلب أن يُحلق له "حلاقة الشهادة" فيُلبى له طلبه، ويستجيب له ربه، وخامس يأبى تحت وقع الرصاص إلا أن يؤذن لصلاة الفجر لوقتها وهو يترنم بصوته حتى أكمل نداء الصلاة، قائلا "فيا هناء من استشهد وهو يرفع الأذان".

وشيخ، يلفظ شابٌ أنفاسه الأخيرة على يديه قائلا "اثبتوا.. الجنة حلوة "أوي" (جدا)". وامرأة أرستقراطية تأتي وبيدها زوجها المستشار "هندخل علشان ندعمكم" بعد أن كانت تصرخ في المعتصمين "انتو شوية كلاب". وصعيدية تدفع ابنها يوم الفض "كيف نترك إخوتك ونخون الدماء؟ لا يا بني، يا نموت معاهم يا نحقق مناهم".

وأسرة قضى بالغاز السام اثنان من أطفالها الثلاثة، والأب المكلوم يخاطب زوجه "لم يعد لي في هذه الدنيا مكان، فإما أن أسترد حق أولادي أو ألحق بهم". فتودعه، وبعد عشر دقائق يأتيها محمولا وقد تفجر رأسه برصاصة فلحق بصغيريه.


بأي ذنب قتلونا؟
وفي الفصل الثاني يروي د. عبد الستار بعضا من أسرار مجزرة الحرس والمنصة وفض رابعة، ففي جمعة 5 يوليو "تعاهدنا على المسير إلى الحرس الجمهوري للمطالبة بتسليمنا الرئيس المنتخب، وألا يخرج أحدنا إلا بعد كتابة وصيته".

واصطف الأئمة بزيهم الأزهري يحملون المصاحف، فهرعت الآلاف خلفهم فتحولت لمليونية قوبلت برصاص قوات نادي الحرس وعلت الرؤوس الطائرات ولم يمنع القتل من زحف الجماهير.. "فأخذت أنادي على كل واحد منهم (قيادات الحرس) باسمه ورتبته أن احفظوا مصر من الفتنة، وذكرناهم بحب الله ثم الوطن".

وكان الدعاء مع اليقين حتى تأثر الجند فانهمرت الدموع من عيونهم فاضطروا لاستبدالهم، وكانت لحظات صدق فـ"الشعب والجيش يد واحدة" ومر السبت بهدوء وجاء الأحد يوم التفاوض والحوار، وحضر لنا عميد فأخبرناه بمطلبنا فوعدنا أن يبلغ القيادة طالبا مهلة ساعة.. وجاء الرد بالركعة الثانية لصلاة الفجر: قنابل غاز ورصاص حي في ظهور الساجدين بدعم مجموعة من فوق أسطح المباني تمارس هواية إصابة العيون وتفجير الرؤوس.

واستمر القتل حتى التاسعة والنصف صباحا تقريبا، وكان من بين الشهداء أساتذة وطلاب جامعات أزهر وإعلاميون ومهندسون ودعاة.

ومن نجا اعتُقل، وقد أرغموا البعض على التصوير وهم يحملون السلاح ولفقوا لهم قضايا قد تصل إحداها للإعدام، وقد نقل الشاهد عن واحد ممن أطلق سراحه أنه شاهد بنفسه رصاصة تأتي من جهة قوات الجيش لتستقر بجسد أحد الضباط فترديه قتيلا.

وفي جمعة الـ17 من رمضان تقاطر المصريون على "رابعة" حتى وصل ذروته بعد صلاة العشاء والقيام، فجاءت فكرة التمدد خارج الميدان بالقيام بمسيرة في شارع النصر، واصطدمت بكمين و"لاحظنا حقدا دفينا من استهداف المعتصمين السلميين" وضربا استمر من الواحدة ليلا حتى التاسعة صباحا، ولم يسلم من لاذ بجامعة الأزهر للاحتماء من نيران بلطجية أمن الدولة من أعلى كلية الدعوة الإسلامية ومسجد الزهراء. ويتساءل الشاهد: من فتح لهم الأبواب، ومن أدخل الأسلحة والقنابل؟

ويفند الكاتب ادعاء وزير الداخلية بأن المعتصمين كانوا ينوون حرق قاعة المؤتمرات "وأنا أعجب من تصديق العامة وصمت العلماء وخرس مؤسسات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان والمؤسسات الدولية: فكيف عرف السفاح نيتهم؟ وهذه القاعة كانت تقع بمنطقة الثوار فلماذا لم يحرقوها؟ وهل بمجرد النية يقتل المئات ويصاب ما يزيد على ألف؟ وهل من حق الشرطة أن تقتل بمجرد الظن؟


المحرقة
ويتساءل الشاهد الناجي من المحرقة: لماذا فض الاعتصام بالقوة والأجهزة السيادية والأمنية على علم -من خلال عناصرها داخل الاعتصام- بتفاصيل ما يحدث بالميدان والخيام والمنصة على الهواء مباشرة؟
ويجيب: كنا ندرك أننا أمام اعتداء غاشم بسبب صمود أحرج الانقلابيين، اتساع دائرة التأييد للشرعية والزحف الشعبي خاصة بالعيد، فقد الأمل في يأس المعتصمين، المسيرات لبعض الوزارات أحدثت زلزلة لدى حكومة الانقلاب، الاقتراب من بداية الدراسة والحذر من انضمام الحركات الطلابية، التيقن من سلمية الاعتصام خاصة بعد زيارة الهيئات الدولية الحقوقية.

ويقترب الشاهد من أولى لحظات الحرق صباح الأربعاء 14 أغسطس "مع أول دقيقة ارتقى شهيد ثم طفل رضيع.. وتوالت الاعتداءات واقتربت الطائرات من الرؤوس، ولو كان هناك أدنى سلاح بالميدان لأصابها.. وأضحى الموت أقرب من شراك النعل.. "فلا تكاد تسير خطوة إلا تجد شهيدا أو جريحا، والدماء تغطي كل المكان، وأنظر في وجوههم النضرة فأقول: ماذا أجرمت في حق وطنك ودينك ليقتلوك؟

ثم خرجت هائما من الصالات التي أضحت أكبر "سلخانة" بشرية في العصر الحديث، وخرجت متوجها لشارع الطيران والطلقات تدوي فإذا بي أمام خيمة المقطم خلف المنصة وقد غاب عنها الأحياء وملأها الشهداء، والمصابون يصرخون.. وظلت المنصة صامدة وقد أضحت هدف المعتدين الأول ولم يخفت صوتها إلا في حدود الخامسة، حيث فوجئنا بالجرافات تدخل من الخلف بعد إحراق وتجريف خيمة المقطم بما فيها من الجثث والمصابين.. وتهاوت راية المنصة بعد 48 يوما وقد أذهلت العالم.


في العمر بقية
ويضيف الشاهد: ووسط القصف والغاز والنار التي بدأت تأكل الميدان خرجت مسرعا فاخترقت الزحام أستجدي الهواء واشتد خفقان القلب، ودون تفكير وجدت نفسي ومجموعة كبيرة بشارع الطيران أمام المسجد وقد تحول لرماد وخراب، وإذا بالمفاجأة: قوات أفرادها يصرخون "ارفعوا أيديكم" والطلقات تخرج من فوهات رشاشاتهم حارقة.. ونمر أمامهم (ويتعجب) فلماذا لم يقتلونا أو يأسرونا؟ هل أعمى الله أبصارهم؟

ويكمل شهادته بقوله إنهم اتجهوا بعد ذلك لمسجد الإيمان بشارع مكرم عبيد، حيث تم تجميع ما أمكن إحضاره من جثامين الشهداء قبل أن يقوموا بإحراق الميدان والمسجد بما فيهما من أحياء وأموات.

وأسدل الستار على شهادة ناجٍ من "أسود يوم بتاريخ مصر حصدت فيه أرواح أكثر من ستة آلاف مصري وما يزيد على عشرين ألف مصاب، ليزرعوا فتنة ويوزعوا على القرى والمدن أحزانا ونيرانا لا يعلم إلا الله متى تنطفئ. أحرقوا الميدان لتلعنهم الميادين.. أحرقوا رابعة فأراد الله أن تكون أشهر معلم بالكرة الأرضية".

المصدر : الجزيرة

 

كرة الكتاب وهي " التلاعب بالعقول " تأكدت بعد الأحداث الأخيرة .

تجتذب وسائل الإعلام أذكي المواهب ؛ لأنها تقدم لهم أعلى الحوافز ، لكن ينتهي الأمر بالموهوبين إلى العمل في الإعلانات والإعلام . . والتضليل.

من بين الأساطير الشائعة عن التلفزيون الأمريكي أنه يعمل بوصفه منارة ديمقراطية ثقافية تستجيب كلية لإرادة أغلبية المشاهدين .

أمام الضغط الإعلامي لا يجد الجمهور فسحة للتأمل والتفكير والتحليل ، ويقدم إليه الوعي جاهزا ، ولكنه وعي مبرمج ومُعَد مسبقاً باتجاه واحد مرسوم .

في تقدم الأحداث مناسبة لاستذكار كتب ودراسات سابقة تساعد على الفهم والتحليل وتذكر الناس بمقولات وآراء عما يجري لم تجد فيها مفاجأة ، وبرغم أن منهجية البحث عن أدلة وشواهد لفكرة جاهزة ومعدة يضلل الفهم ويستدرج الناس إلى غير الحقيقة ، وبخاصة عندما تحشد إمكانات معرفية كبيرة ومتقدمة لحشر هذه الفكرة في أذهان الناس وتأكيدها في عقولهم ، فإن بعضاً من هذه التقاليد تساعد على الفهم ، وتنبه على " التلاعب بالعقول " الذي يمارس بدهاء وتحت غطاء من الديمقراطية والحياد والموضوعية والحرية الإعلامية والسياسية ، وهذا تماما ما يقدمه كتاب "المتلاعبون بالعقول" من تأليف ( هربرت شيللر ) أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة كاليفورنيا ، والذي نشره المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت عام 1986 ثم أعيد إصداره عام 1999م ؛ تقديرا لأهمية الكتاب المتجددة والحاجة مرة أخرى لاستعادته , ولكنه اليوم بعد الأحداث الأخيرة يبدو أكثر أهمية برغم التطور الإعلامي الكبير الذي حدث بعد إصدار الكتاب ، ولكنها تطورات تؤكد مقولة الكتاب وفكرته عن التلاعب بالعقول الذي تمارسه وسائل الإعلام الأمريكية.


فقد تمثلت العبقرية المرعبة للنخبة السياسية الأمريكية في قدرتها على إقناع الشعب بالتصويت ضد أكثر مصالحه أهمية دون حاجة للقمع والاضطهاد ، فيقوم مديرو أجهزة الإعلام في أمريكا بوضع أسس عملية تداول الصور والمعلومات ويشرفون على معالجتها وتنقيحها وإحكام السيطرة عليها، تلك الصور والمعلومات تحدد معتقدات الناس ومواقفهم، بل وتحدد في النهاية سلوكهم ، وهذه الدراسة النقدية لوسائل الإعلام والاتصال في الولايات المتحدة تعني العالم كله ، فالإعلام الأمريكي ( كما السياسة الأمريكية ) يصوغ مواقف العالم واتجاهاته ، والثقافة الأمريكية يجري تصديرها عالميا، وقد أصبحت بالفعل النموذج السائد في العالم.


وحيث يكون التضليل الإعلامي هو الأداة الأساسية للهيمنة تكون الأولوية لتنسيق الوسائل التقنية للتضليل وتنقيحها على الأنشطة الثقافية الأخرى ، وتجتذب وسائل الإعلام - طبقا لمبادئ السوق - أذكي المواهب ؛ لأنها تقدم أعلى الحوافز وهكذا ينتهي الأمر بالدارسين الموهوبين من حاملي أعلى الشهادات العلمية والأكاديمية إلى العمل في الإعلانات والإعلام.. والتضليل.
تتم السيطرة على أجهزة المعلومات وفق قاعدة بسيطة من قواعد السوق ، فامتلاك وسائل الإعلام والسيطرة عليها شأنه شأن الملكية الأخرى متاح لمن يملكون رأس المال ، والنتيجة الحتمية لذلك أن تصبح محطات الإذاعة وشبكات التلفزيون والصحف والمجلات وصناعة السينما ودور النشر مملوكة جميعها لمجموعة من المؤسسات المشتركة والتكتلات الإعلامية ويصبح الجهاز الإعلامي جاهزا للاضطلاع بدور فعال وحاسم في عملية التضليل.


وتحت غطاء حماية الملكية الخاصة وحراسة رفاه الفرد وحقوقه يتم تشييد هيكل كامل من التضليل الإعلامي ، فهذه الشركات العملاقة من الاحتكار الإعلامي تسوق على أنها مثال للجهد الفردي ، ولكي يؤدي التضليل الإعلامي دوره بفعالية أكبر لا بد من إخفاء شواهد وجوده ، أي أن التضليل يكون ناجحا عندما يشعر المضللون بأن الأشياء هي على ما هي عليه من الوجهة الطبيعية والحتمية ، أو بعبارة أخرى : إن التضليل الإعلامي يقتضي واقعا زائفا هو الإنكار المستمر لوجوده أصلا ، فقد شاركت وسائل الإعلام على اختلافها في الترويج لأسطورة المباحث الفيدرالية بوصفها وكالة لا سياسية عالية الكفاءة لتنفيذ القانون ، ولكن جهاز المباحث استخدم في الواقع في إرهاب وتطويق أي سخط اجتماعي.


ويبرر المسيطرون على وسائل الإعلام ما تحفل به برامج التلفزيون من جرائم قتل تعرض كل يوم بالعشرات بالقول : إنهم يقدمون للناس ما يحبونه ، ثم يقولون بلا مبالاة : إن الطبيعة الإنسانية تتطلب للأسف ثماني عشرة ساعة من الإيذاء والقتل . وتلقى كتابات تفسير النزوع الإنساني للعدوان والنهب برده إلى السلوك الحيواني سوقا شديدة الرواج .


فكيف يفسر "حلالو عقد " اقتصاد السوق هذه الثقوب الواضحة في النسيج الاجتماعي ؟ الواقع أن المتحكمين في الوعي ليسوا في حاجة إلى أن يصوغوا تفسيرات تؤدي إلى تبلد الإدراك وتخفيف الضغوط المطالبة بالتغيير الاجتماعي ، فالصناعة الثقافية التي يقوم نشاطها على المبادئ التنافسية التقليدية توفر من جانبها أي عدد من النظريات المفسرة وتتكفل أجهزة الإعلام بإمكاناتها الهائلة بأن يحصل الشعب على فرصة قراءة وسماع ومشاهدة كل ما يتعلق بأحداث نظرية تربط الجريمة المدنية بسلوك التزاوج عند الحيوانات آكلة اللحوم.


وقد لقي السود والهنود الحمر والصينيون والشرق أوسطيون والآسيويون والأقليات العرقية الأمريكية الأخرى أقل قدر من الاهتمام في الإبداعات الثقافية المصنوعة ، ومع ذلك فهي أقليات استغلت من جانب كل قطاعات الأغلبية البيضاء، ولم يلق الانقسام الاجتماعي إلى عامل وصاحب عمل أي حظ من الدراسة أو الاهتمام.


ويبدو في الظاهر ثمة تنوع كبير في البث الإعلامي مستمد من العدد الكبير للصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون ، ولكن النتيجة كما لو كان ثمة مصدر واحد، فالمادة الترفيهية والأخبار والمعلومات العامة والتوجهات والأفكار يجري انتقاؤها جميعا من الإطار المرجعي الإعلامي نفسه من جانب "حراس" للبوابة الإعلامية تحركهم دواع تجارية لا يمكن التخلي عنها، وقد يختلف الأسلوب والتعبير المجازي لكن الجوهر واحد، فقد تبين أن من بين الأساطير الشائعة عن التلفزيون الأمريكي أنه يعمل بوصفه ديمقراطية ثقافية تستجيب كلية لإرادة أغلبية المشاهدين فيما يتعلق باستمرار برامج معينة واختفاء أخرى، والأدق أن يقال أنه يمثل رغبة واتجاه المعلنين ، وأن المصمم الحقيقي للبرامج هو صناع المواد الغذائية والأدوات المنزلية ومستحضرات التجميل والسيارات والأدوية، والواقع أن برامج كثيرة اختفت برغم شعبيتها والإقبال عليها ولكنها لم تجذب اهتمام المعلنين.


وبرغم ذلك فإن شرط التعددية الاتصالية هذا والخالي تماما من أي تنوع حقيقي هو الذي يوفر أسباب القوة للنظام السائد لتعليب الوعي فالفيض الإعلامي المتدفق عبر العديد من القنوات يخلق الثقة ويضفي المصداقية على فكرة الاختيار الإعلامي الحر في الوقت الذي يتمثل فيه تأثيره الأساسي في توفير الدعم المستمر للوضع القائم في حين يعتقد المشاهد والمستمع والقارئ أنه في جو تلقائي من الحرية والتعددية وتختفي الحقيقة فأجهزة الإعلام لا تلفت أنظار جمهورها لأسلوب عملها.


وعند وقوع أزمة فعلية أو كاذبة أو مفتعلة ينشأ جو هستيري محموم بعيد تماما عن المعقولية ، يؤدي إلى الإحساس الزائف بالطابع الملح للأزمة المترتب على الإصرار على فورية المتابعة ، كما يؤدي إلى النفخ في أهمية الموضوع ، ومن ثم تكون الخطوة التالية هي إفراغه من أهميته ونتيجة لذلك تضعف قدرة الجمهور على التمييز بين درجات الأهمية ، فالإعلان متلاحق السرعة عن تحطم طائرة وعن هجوم إرهابي وعن جريمة ما واختلاس وعن إضراب وعن موجة الحر أو البرد يتحول العقل إلى غربال تصب فيه التصريحات والإعلانات ، أقلها مهم وأكثرها لا أهمية له ، وبدلا من أن يساعد الإعلام في تركيز الإدراك وبلورة المعنى نجده يسفر عن الإقرار الضمني (اللاشعوري) بعدم القدرة على التعامل مع موجات الأحداث المتلاحقة التي تطرق بإلحاح على وعي الناس فيتعين عليه دفاعا عن النفس أن يخفض درجة حساسيته واهتمامه، فتكنولوجيا الاتصال باستخداماتها الحالية تروج لتوجهات بلا تاريخ فيه توجهات مضادة للمعرفة.
وهكذا يبقى الجمهور في دوامة من الأحداث والتدفق والإغداق ، ولا يجد فسحة للتأمل والتفكير والتحليل ، ويقدم إليه الوعي جاهزاً ، ولكنه وعي مبرمج ومعد مسبقا باتجاه واحد مرسوم ، وعندما يجد البعض فرصة للتساؤل والشك فإنهم يتحولون إلى أقلية تفكر عكس التيار وتخالف المجموع العام ويبدون مغفلين ومجانين ولا يفهمون، وقد يضطرون ( وهذا ما يحدث غالبا ) إلى إخفاء تساؤلاتهم وقناعاتهم وهاتف ضميرهم ، ويتظاهرون بأنهم مثل كل الناس ، ويقتلون بالتدريج ملكة التساؤل والضمير المزعج ، أو يقبلون على مضض ويمارسون سرا متعة اللوم والتأنيب كأنما يهربون من أنفسهم أو يكفرون عن ذنوبهم.

المصدر: الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1999

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

الكتاب: حرية الإعلام في الوطن العربي

 

الكاتب: الدكتور أحمد بلمختار منيرة

 

الناشر: الشركة المغربية لتوزيع الكتاب المغرب

 

عدد الصفحات: 191

 

الطبعة: الأولى 2014

-------------------------

 

لماذا موضوع حرية الإعلام؟

يرى الكاتب أن سؤال الحرية آني، دائم ويتجدد باستمرار، وأن حرية الإعلام هو القياس الحقيقي لمدى حرية المجتمع برمته، ويؤكد أن غيابها أو تفريغها من محتواها، يجعل الكلام عن كل القيم التي ترتبط بالديمقراطية مجرد كلام، في زمن العولمة الجارفة.

وبعد أن يعرف الكاتب حرية الإعلام بكونها "حرية الصوت، وحرية الصورة، وحرية الكلمة، وحرية النص، وحرية الحصول على المعلومات وتبليغها وتلقيها"، وبأنها تجمل في حرية الرأي والتعبير عبر وسائل الإعلام من إذاعة وتلفزيون وصحافة مكتوبة وإنترنت، يعتبر أن تتمثل في المفارقة التي توجد بين الأطر الدستورية والتشريعية وبين واقع الممارسة العملية، فإذا كانت الدساتير العربية والخطابات الرسمية تتضمن ما يكفي من التنصيص على حرية الإعلام، ولا تتناقض موادها مع مضمون المادة ١٩ من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، فإن المنظمات الحقوقية والنقابات الصحفية، والممارسين والمدونين والناشطين، يشكون أن أقلامهم وأصواتهم يتم خنقها من حين لآخر، وهم يدعون إلى تغيير القوانين بشكل يمكن من حرية الإعلام في الوطن العربي واقعا يلمسه المواطن العادي.

ويرى الكاتب أن معالجة موضوع حرية الإعلام في الوطن العربي، تقضي أولا التعرف على واقع حال حرية الإعلام في الوطن العربي ولو نسبيا، بأكثر ما يمكن من التجرد، والمقصود معرفة مدى حرية الإعلام في الوطن العربي خلال الحقبة التاريخية المختارة، للتأمل بعد ذلك في الأفق المنشود لهذه الحرية، والذهاب إلى أبعد من ذلك إلى الحق في الإعلام، كحق من حقوق الإنسان المركزية، وإن كانت الدول الديمقراطية في الشمال تتحدث اليوم عن الحق في الاتصال الذي هو أوسع نطاقا من الحق في الإعلام.

حرية الإعلام في الوطن العربي: واقع الحال

بعد استعراضه لوضع الإعلام العربي كما رصدته التقارير الدولية والإقليمية والوطنية، يخلص الكاتب إلى أن حرية الإعلام والصحافة عرفت انفراجا في دول الهامش الديمقراطي، في التسعينيات من القرن العشرين، وأن سنة ١٩٩٨ لم تكن بالسنة السعيدة في التعامل مع قضية حرية الصحافة العربية، ويسجل تراجع حرية الإعلام والصحافة في الوطن العربي بشكل ملحوظ، حتى فيما يسمى بدول الهامش الديمقراطي بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، بالإضافة إلى استمرار الإجراءات الحبسية والغرامات المالية، ثم وجود معاناة طالت المدونين والناشطين والإعلاميين، خاصة في مصر وتونس وسوريا، التي وردت أسماؤها بقائمة الأعداء الكبار للانترنت.

ومن الخلاصات التي سجلها الكاتب أيضا ظهور مؤشر نفساني خطير جدا، وهو الرقابة الذاتية التي أصبح عدد كبير من الإعلاميين يمارسها على نفسه مخافة من المتابعات والملاحقات.

ويقدم الكاتب خلاصة تشخيصية عامة مفادها أن حرية الإعلام خلال المرحلة من التسعينيات من القرن الماضي إلى نهاية ٢٠١٠، اتسمت بالتدني الكبير في جل الدول العربية بالرغم من مظاهر تعدد الفضائيات والإذاعات والتلفزيونات وغيرها، والتراجع الملحوظ منذ أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، في بلدان عربية، تسير في اتجاه الانفتاح الديمقراطي.

الأفق المنشود لحرية الإعلام في الوطن العربي

يرى الكاتب في مستهل هذا الفصل، أن توسيع مجال حرية الإعلام في الوطن العربي، بشكل ملموس لدى المواطن، أصبح حتمية، ويشدد على أن افتقاد الحرية، يعني افتقاد الفرص والقدرات، حيث تعتبر الحرية وسيلة لتحقيق هدف معين، مشيرا إلى أن الممارسة لجميع أنواع نشاط المواطن العربي كمثال، في الاقتصاد والسياسة والثقافة والإعلام، أثبتت أن الحرية شرط إلزامي لكل عمل إبداعي، فهي تحرر الطاقات وتخلق المبادرات وتبعث الحيوية.

ويتوقف الكاتب عند حرية الإعلام من خلال بعض الفلسفات والنظريات، منها الفلسفة الإعلامية الإسلامية، التي يقول عنها أنها تلتقي في بعض النقاط مع النظريات الفلسفية الأخرى، ويرى أنه إذا كانت الفلسفة الإسلامية في الإعلام، تلتزم بما شرعه الله، وتنطلق في نشاطها من الثوابت الإسلامية، فليس معنى ذلك أن منهجها يتفق مع منهج النظم التيقروقراطية المقدسة، لأن القواعد التي تقوم عليها هذه النظم، تستند إلى مبادئ غير إسلامية.

ويؤكد الكاتب ضمن نفس الفصل، أن الوطن العربي الذي يعيش ثورة الإعلام والاتصال مطالب برفع تحديات العولمة في أبعادها المختلفة، ويقول "إذا كان الربيع العربي يؤرخ لبداية مرحلة جديدة في حياة الشعوب العربية، فإن الإعلام الحر والمهني، بإمكانه القيام بأدوار هامة من شأنها أن تسهم بقدر وافر في تحقيق التقدم الملموس في للوطن العربي". كما يرى أن وسائل الإعلام تستطيع أن تساهم في التنمية الوطنية الاقتصادية والاجتماعية.

ويتوقف الكاتب في المبحث الأخير ضمن هذا الفصل عند أهمية حماية حرية الإعلام، معتبرا أن حمايتها هي حماية للديمقراطية، مؤكدا وجود ضمانات ومرتكزات صلبة لحرية الإعلام في الوطن العربي، إذ يشير في هذا الصدد إلى ثلاث منها، أولها "إن حرية الإعلام هي اليوم أكثر من أي وقت مضى، حتمية تاريخية"، وثانيها، "إن السيطرة الرسمية على وسائل الإعلام، والحرية الشكلية، وتعدد الفضائيات الفارغة في المضامين الوطنية والقومية، هي وغيرها أشياء ساهمت في تعثر الديمقراطية"، وثالثا، "إن الإعلام رافعة من رافعات التنمية، فهو يلعب أدوارا رئيسية في مجالات تنموية متعددة، ويسهم بقدر وافر في مجالات أخرى".

من الحرية إلى الحق

يتوقف الكاتب في البداية من تعريف مفهوم الإعلام ومفهوم الحق فيه وفي الاتصال، الحق في الإعلام والاتصال، ثم ينتقل بعد قراءة بعض المفاهيم، إلى مناقشة الحق في الإعلام في المواثيق الدولية، ويذكر بأن الميثاق العربي لحقوق الإنسان، نص في المادة ٣٢ على أنه يضمن الحق في الإعلام، كما اعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الحق في الإعلام، حقاً من الحقوق الأساسية.

واستعرض الكاتب ضمن نفس الفصل، بعض مضامين إعلان "ميونيخ" للنقابات الصحفية الأوروبية لسنة ١٩٧١، منها "احترام الحقيقة وإيصالها للجمهور كما هي"، و"عدم إخفاء المعلومات المهمة"، ثم "الحفاظ على سرية المهنة"، و"تصحيح كل معلومة خاطئة"، و"عدم الخلط بين الصحافة والإشهار"، و"رفض أي وصاية مباشرة أو غير مباشرة". كما تطرق الكاتب إلى حقوق الصحفي التي شملها الإعلان.

ويشدد الكاتب في الجزء الأخير من المحور، على أن حق المواطن العربي في الإعلام، كأي مواطن في العالم، بأبعاده المتكاملة والتي تتمثل أساسا في أن يعلم ويعلم عنه، وأن يتعلم وأن يتثقف، وهو ما يعني الإسهام إعلاميا في إعادة بناء الإنسان العربي مراعيا:

- ألا يكون الإعلام مجرد رسائل في اتجاه واحد.

- أن يواكب الإعلام حركة التنمية الوطنية ويقدم لها الأفكار الجديدة وتجارب الآخرين.

- حرية الإعلام أن يكون حرا ومستقلا.

ويختم الكاتب بالقول إن المأمول أن تنتهي مرحلة السيطرة على تدفق المعلومات ونوعيتها، فتحديات العولمة تقتضي تحسين جودة المعلومات وتمكين المواطن العربي منها، ليشارك الدولة والجهة والجماعة المحلية في اتخاذ القرارات المناسبة، لمحاربة معضلات الفقر والجهل والبطالة والتهميش التي تنخر جسم الاقتصاد في الوطن العربي.

خاتمة

وضمن خاتمة الكتاب يعرض الكتاب لعلاقة الحرية بالمسؤولية في الإعلام، ويعتبر أن ربط حرية الإعلام بالمسؤولية، تستلزم ثلاثة أمور، وهي "مواثيق الشرف الإعلامية"، و"قوانين الصحافة والإعلام"، التي تجعل من الحرية الحقيقية للرأي والإبداع أسها المتين، ثم "المجالس العليا للإعلام والصحافة".

ويختم الكاتب بالتأكيد على أنه إذا كانت أي معلومة تشكل موضوعا للاختلاف، فهي تتراوح بين مظهرين كبيرين من مظاهر الحرية، وهما:

أولا: الحق في المعلومة يمثل إنقاذا للديمقراطية.

ثانيا: الحق في الحياة بسلام هو إنقاذ للفرد.

ليشدد أخيرا على أن الإعلام المتمتع بالحرية والاستقلالية، استثمار في التغيير، إذ بإمكان الإعلام ، حسب الكاتب، أن يلعب أدوارا رئيسية وأخرى موازية في مسلسل التنمية العربية، كما أن الحاجة إلى استشارة خبراء الإعلام والاتصال، ضرورة، لأن اختزال الإعلام في وسائله، سبب من أسباب تعثر وثيرة التنمية في الوطن العربي..
المصدر: المغرب: الشركة المغربية لتوزيع الكتب، 2014

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

يستعرض هذا الكتاب مشوار حياة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر منذ ولادته وحتى وفاته (1918-1970), ويقدم هذه الرحلة في قسمين: الأول من الولادة حتى قيام الثورة, والثاني منذ عام 1952 حتى وفاته.

والكتاب من النوع السردي التاريخي، وفيه مئات الصور والوثائق التي تغطي الفترة التي يتناولها، في الذكرى التاسعة والخمسين لقيام الثورة.

والمؤلفان خالد عزب الذي يعمل مديراً لإدارة المشروعات الخاصة بمكتبة الإسكندرية، والباحثة في نفس المكتبة صفاء خليفة, نجحا في تقديم معلومات مهمة، واجتهدا في توثيقها عن حياة عبد الناصر.

وقد امتدت المرحلة الأولى 33 عاما من حياة الرئيس المصري الأسبق, منذ نزوح عائلته من قرية "بني مر" (3 كلم شمال شرق مدينة أسيوط التي تبعد عن القاهرة إلى الجنوب بنحو 400 كلم), إلى ولادته منتصف يناير/كانون الثاني 1918 في حي "باكوس" بالإسكندرية, كابن أول لأبيه عبد الناصر حسين الذي كان موظفا صغيراً في مصلحة البريد.

وعاشت الأسرة حياة متواضعة لا تختلف كثيراً عن حياة مئات الآلاف من أبناء مصر الكادحين.

درس عبد الناصر التعليم الابتدائي في مدرسة "النحاسين" بالقاهرة الفاطمية, ثم عاد إلى الإسكندرية ليحصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة العطارين، ثم درس في مدرسة رأس التين الثانوية, لكنه عاد مجدداً ليحصل على شهادة البكالوريا عام 1936 من مدرسة النهضة بالقاهرة.


التحاقه بالحربية
في فترة الثلاثينيات شارك عبد الناصر في المظاهرات التي قامت ضد دستور عام 1930 والذي كان يقف خلفه رئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا, وعقب حصوله على البكالوريا تقدم للالتحاق بالكلية الحربية, لكنه لم يوفق في النتيجة (اختبار كشف الهيئة) لأن والده كان موظفا صغيرا ولا يملك "واسطة".

لكنه لم ييأس, وتقدم مرة أخرى في مارس/آذار 1937 وتم قبوله هذه المرة, وتخرج من الكلية الحربية (كانت مدة الدراسة وقتها 16 شهرا فقط) في الأول من يوليو/تموز 1938 برتبة "ملازم ثان" في سلاح المشاة.

وتعرف في الكلية الحربية على عدد من رفاقه بعد ذلك, منهم زميل الدفعة محمد أنور السادات (الرئيس), ثم عبد الحكيم عامر وخالد محيي الدين وزكريا محيي الدين وعبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم وصلاح سالم وجمال سالم وحسين الشافعي ويوسف صديق واللواء محمد نجيب.

وفي معسكر "منقباد" التابع لمحافظة أٍسيوط، بدأت أولى خطوات تشكيل خلايا سرية للعمل الوطني, وعندما بدأت ملامح النشاط في الظهور تم نقل الضباط إلى الإسكندرية وطنطا والقاهرة ومرسى مطروح, ونقل جمال عبد الناصر إلى منطقة إمبابة بالجيزة ومنها إلى منطقة العلمين (قرب الإسكندرية), ثم إلى "أبو زعبل" ومنها إلى السودان أوائل عام 1939.

وفي عام 1943 انتدب عبد الناصر للتدريس بالكلية الحربية, وفي يونيو/حزيران 1944 تزوج من السيدة تحية محمد كاظم، وهي ابنة تاجر إيراني الأصل قدم أجداده إلى مصر عبر العراق.

وفي أثناء وجوده بالكلية الحربية (1944-1946) التقى ثلاثة من أهم الشخصيات التي أثرت في طريقه, الأول خالد محيي الدين الذي تخرج بعده بعامين (1940) والذي عرفه بأحمد فؤاد المحامي, وقد أصبح رئيسا لبنك مصر بعد ذلك, وهو واضع قوانين يوليو/تموز الاشتراكية عام 1961.


الضباط الأحرار
ويذكر الكتاب أن عام 1945 هو البداية الفعلية لتكوين "تنظيم الضباط الأحرار", حين كان عبد الناصر يعقد الاجتماعات مع الضباط في بيته, في أسلوب يجمع بين الجرأة والحذر واليقظة.

وفي عام 1948 درس عبد الناصر في كلية "أركان حرب" ليتخرج بعدها برتبة صاغ (رائد), ثم عاد إلى التدريس مرة أخرى في الكلية الحربية.

وعقب عودة الجيش المصري من حرب فلسطين في سبتمبر/أيلول 1949, تم التأسيس الفعلي لتنظيم الضباط الأحرار من عسكريين فقط. ولم يكن هذا التنظيم يحمل أيدولوجية واحدة, وتحولت المنشورات التي كان يصدرها إلى نشرة دورية في نهاية عام 1950 باسم "صوت الضباط الأحرار" التي انتشرت في أوساط الضباط بصورة كبيرة.

وابتداءً من يناير/كانون الثاني 1950 اختير عبد الناصر رئيساً للجنة التنفيذية للضباط الأحرار وحتى قيام الثورة عام 1952, كما تم اختيار اللواء محمد نجيب قائداً للحركة منذ أواخر عام 1951.

وفي عام 1952 تم إعداد خطة الاستيلاء على السلطة عبر السيطرة على المراكز المهمة لأسلحة الجيش المصري, ووضع ضباط من التنظيم على رأس تلك المراكز, وأن يتم تقسيم القاهرة إلى أربعة قطاعات, لكل قطاع مجموعة من الضباط الأحرار، وتم إسناد إدارة العمليات العسكرية للضابط زكريا محيي الدين.

وكان المفترض بدء تنفيذ الخطة في الواحدة من صباح يوم 22/7, لكنها تأجلت لمدة 24 ساعة, وتم تكليف علي ماهر برئاسة الوزارة بعد نجاح الحركة.

وبعد قيام الثورة بشهر واحد صدر قانون الإصلاح الزراعي الذي قرر حدا أقصى للملكية الزراعية لا يتجاوز 200 فدان للفرد, تم تعديلها عام 1961 إلى 100 فدان فقط، وفي عام 1962 تقلصت إلى 50 فدانا للأسرة.

واستولت الثورة على نحو مليون فدان زراعي في ما سمي بقانون الإصلاح الزراعي, وأعطتها للفلاحين مقابل حق انتفاع.


دستور مؤقت
وفي فبراير/شباط 1953 صدر دستور مؤقت لمدة ثلاث سنوات, وفي نفس الفترة تم تشكيل "هيئة التحرير" كأول تنظيم سياسي شكله مجلس قيادة الثورة بعد حظر الأحزاب السياسية.

ولكن لم تلق التجربة نجاحا, حيث كان برنامج الهيئة متواضعا وبه عدة أوجه للقصور, باعتبار أن "ثورة يوليو" قامت بدون نظرية، واعتمدت لفترة طويلة على التجريب في ممارسة الحكم, كما أنها هيئة سياسية ضمن نظام عسكري بهدف إضفاء الشرعية السياسية على حركة الجيش, واستمرت نحو عامين فقط.

وفي يونيو/حزيران 1953 أعلن مجلس قيادة الثورة إلغاء الملكية وإعلان قيام الجمهورية، وتولى عبد الناصر مسؤولية نائب رئيس الوزراء ووزارة الداخلية، بينما تولى اللواء محمد نجيب رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء.

وفي يناير/كانون الثاني 1954 حلّ مجلس قيادة الثورة جماعة الإخوان المسلمين، وأعقب ذلك حدوث أزمة فبراير/شباط واستقالة اللواء محمد نجيب من رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء, لكنه عاد مجدداً إلى رئاسة الجمهورية بضغط شعبي.

وأعلن مجلس قيادة الثورة حل نفسه وتعيين خالد محيي الدين رئيسا لوزارة مدنية تعيد الحياة النيابية في أقرب وقت ممكن, لكن سرعان ما انقلب الوضع نتيجة رفض بعض ضباط الصف الثاني من الضباط الأحرار لقرارات مجلس قيادة الثورة، وألغى المجلس قراره بحل نفسه وعودة الحياة المدنية.

وفي أبريل/نيسان 1954 تم تأليف وزارة جديدة برئاسة عبد الناصر, وفي يوليو/تموز التالي تم توقيع اتفاقية الجلاء بالأحرف الأولى, وفي أكتوبر/تشرين الأول التالي تعرض عبد الناصر لمحاولة اغتيال في ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية, وهي المحاولة التي أدت إلى إحكام سيطرته على السلطة.

فقام في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه بإعفاء اللواء محمد نجيب من جميع مناصبه, وأجرى استفتاء شعبيا في يونيو/حزيران 1956 أقر اختياره رئيسا للجمهورية. وقبل ذلك شارك عبد الناصر في أبريل/نيسان في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا بحضور ممثلي 29 دولة، وهو المؤتمر الذي ولدت فيه فكرة "الحياد الإيجابي وعدم الانحياز".

ويستعرض الكتاب دور عبد الناصر في دعم حركات التحرر الأفريقية, خصوصاً في الجزائر وتونس والمغرب, وصولا إلى قرار تأميم قناة السويس يوم 26/7/1956, وهو القرار الذي أحدث ضجة كبرى في الغرب, ونتج عنه قيام العدوان الثلاثي على مصر (إنجلترا وفرنسا وإسرائيل) في أكتوبر/تشرين الأول 1956, وأدى الإنذار السوفياتي إلى توقف العدوان وانسحاب القوات المشاركة فيه.


الوحدة مع سوريا
في فبراير/شباط 1958 تم إعلان الوحدة بين مصر وسوريا ولقي ترحيبا واسعا, لكن هذه الخطوة سرعان ما باءت بالفشل وانتهت في سبتمبر/أيلول 1961.

وفي عام 1960 أعلن عبد الناصر البدء في مشروع بناء السد العالي الذي انتهى عام 1969, وفي يوليو/تموز 1961 صدرت القوانين الاشتراكية التي أدت إلى تأميم الكثير من المؤسسات والشركات التي يمتلكها القطاع الخاص.

وفي مايو/أيار 1962 تم تأسيس الاتحاد الاشتراكي العربي كتنظيم سياسي أوحد يقود العمل السياسي، وأعقب ذلك تشكيل مجلس رئاسي لتحمل المسؤوليات التنفيذية مع عبد الناصر, وتوسعت صلاحياته وأصبح عدد أعضائه 25 عضوا برئاسة علي صبري.

وشارك عبد الناصر في مؤتمر القمة العربية الأول الذي انعقد بالقاهرة في يناير/كانون الثاني 1964، وكان من قراراته أن قيام إسرائيل خطر أساسي يجب دفعه سياسيا واقتصاديا وإعلاميا, وإنشاء قيادة عسكرية عربية موحدة، وإنشاء قواعد سليمة لتنظيم الشعب الفلسطيني, بالإضافة إلى دورية انعقاد القمة مرة في السنة على الأقل.

وفي سبتمبر/أيلول 1964 أقيم مؤتمر القمة العربية الثاني في مدينة الإسكندرية, حيث تبنى إطلاق خطة العمل الجماعي لتحرير فلسطين عاجلا وآجلا، والترحيب بمنظمة التحرير الفلسطينية، ودعم قرارها إنشاء جيش التحرير الفلسطيني.

وتناول الكتاب حرب الأيام الستة التي بدأت يوم 5 يونيو/حزيران 1967, وقد سبقتها حالة من التصعيد المتبادل، وأدت في النهاية إلى إلحاق إسرائيل الهزيمة بالدول العربية المجاورة وعلى رأسها مصر, وهو ما أدى إلى إعلان عبد الناصر تحمله المسؤولية الكاملة عن الهزيمة وقراره التنحي عن رئاسة الجمهورية.

لكن عبد الناصر عاد في اليوم التالي إلى المسؤولية بعد مظاهرات شعبية, ثم شارك في مؤتمر القمة الذي عقد في الخرطوم من 29/8 إلى 2/9/1967, والذي صدرت عنه اللاءات الثلاثة الشهيرة "لا للاعتراف.. لا للتفاوض.. لا للصلح", وتأكيد وحدة الصف العربي والتعاون في إزالة آثار العدوان على الأراضي الفلسطينية.

حرب الاستنزاف
ويشير الكتاب إلى دور عبد الناصر في حرب الاستنزاف (67-1970) الذي كان الركيزة الأساسية لثقة القوات المسلحة في أفرادها وسلاحها, والذي أدى في النهاية إلى تحقيق نصر أكتوبر/تشرين الأول 1973.

ويصل الكتاب إلى الختام بوفاة عبد الناصر وهو في الثانية والخمسين من العمر يوم 28/9/1970, بعد حياة حافلة بالأحداث والمواقف والمتاعب, وبعد رحلة كفاح لها ما لها وعليها ما عليها, لكنها في النهاية أصبحت جزءا من تاريخ مصر والمنطقة العربية.

المصدر : الجزيرة

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها