You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>دراسات وبحوث>يحيي الكبيسى- العراق: الاحتجاجات وأزمة النظام السياسي - تقييم حالة

التعقيبات والملاحظات على الدراسة

الخميس، 04 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 6800 مرة
بعد أن تم تنقيح الدراسة على ضوء المناقشات التي دارت في اللقاء الثاني والعشرين لمنتدى التنمية وتم استكمال عناصرها التي لم يسمح الوقت بعرضها على اللقاء الثاني والعشرين، دفعت بالمخطوطة إلى حوالي عشرين من الباحثين والمفكرين والممارسين من أبناء المنطقة وطلبت منهم التعقيب على موضوع الورقة وإغناء فكرة تنمية رؤية إقليمية لتعزيز المساعي الديمقراطية (انظر نص الرسالة أدناه). وقد تفضل معظم الاخوة الكرام بإرسال تعقيباتهم القيمة التي تمثل مساهمة جادة ومسئولة في عملية بناء الرؤية المستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية في أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومحاولة التعرف على متطلبات تنفيذ تلك الرؤية. وفيما يلي أورد التعقيبات مرتبة أبجديا وفق أسماء معديها.

**********

تحية طيبة..وبعد،،،
نظرا لما اعرفه عنكم من اهتمام بالديمقراطية والشورى الملزمة، واعهده من مواقفكم المعنية بتنمية نظم الحكم في المنطقة باتجاه تحقيق مشاركة سياسية فعالة في عملية اتخاذ القرارات العامة وتحديد الخيارات الوطنية، جئت طالبا تعقيبكم على الدراسة المرفقة وناشدا رأيكم حول أهمية تنمية رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية على المستوى الإقليمي والمستوى الوطني وكيفية بناء متطلبات تنفيذهما.

إن مساهماتكم الفكرية المعروفة ونضالكم العملي عبر مراحل عمركم المديد المعطاء، دفعني إلى الكتابة إليكم ملحاً راجياً أملاً متطلعاً إلى تعقيبكم على الدراسة المرفقة بشكل عام، وابدأ وجهة نظركم حول مقومات الرؤية المستقبلية المنشودة ومتطلبات تنفيذها بشكل خاص. وأنني لعلى ثقة بان إضافة اجتهادكم إلى اجتهادات عدد من المعنيين بهذا الشأن سوف يغني الحوار ويعزز من جهود تبادل الرأي باتجاه بناء رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية.
وغني عن القول إن ما ورد في الدراسة من فصول تتعلق بمفهوم الديمقراطية، ورصد لمحصلة التجارب السياسية، وما أسفرت عنه من بنى مجتمعية… لا يتعدى غرضها إعطاء خلفية لموضوع الحوار المتمثل في محاولة تحديد الأهداف الكبرى ومكانة الديمقراطية بينها، وتحرى الواقع الذي تنطلق منه الرؤية المستقبلية، واقتراح متطلبات تنفيذها. ولذلك ليس من المهم مناقشة كل ما ورد في الدراسة من تفاصيل قد تصرف الجهد عن الموضوع المراد إجراء الحوار حوله واغناءه والمتمثل في أهمية بناء رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية ومتطلبات القيام بذلك. هذا مع الترحيب الحار بكل ما سيرد من نقد لمنهج الدراسة وتقويم لأطروحاتها وتصحيح لمعلوماتها.

وجديرٌ بالتأكيد إن الحوار حول أهمية وإمكانية تنمية رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية قد بدأ فعلا في اللقاء الثاني والعشرين لمنتدى التنمية في اجتماعه المنعقد في دبي في الفترة من 1 - 2 فبراير 2001. وفي ضوء ما تم من مناقشة قمت بتنقيح الورقة التي قدمتها إلى اللقاء وتم التوسع في عناصرها حتى أصبحت كتيب مخطوطته بين يديكم.

وفي الختام أتطلع إلى مشاركتكم في الحوار ومساهمتكم في اغناءه وتصحيح مساره، أملا أن يسمح وقتكم المثقل بالالتزامات واهتماماتكم المتعددة الراهنة بتلبية رجائي لكتابة تعقيب في حدود عشر صفحات بالبريد الإلكتروني، وذلك حتى أتمكن من إرسالها إلى الناشر بنهاية شهر حزيران 2001. وكذلك من أجل نشر التعقيبات مع الدراسة ليشكلوا مضمون الرؤية المستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية في المنطقة.

وتفضلوا بقبول فائق التقدير والاحترام،،
علي خليفة الكواري


2 - 1 تعقيب الدكتور أسامة عبد الرحمن


لعله من البديهي ألا يكون هناك تعريف جامع مانع للديمقراطية، وذلك ينطبق على كثير من المبادئ العامة؛ مثل: العدالة، والمساواة، والحرية، والمصلحة العامة. ولكن في كل الأحوال؛ هناك ثوابت يعتبر الإخلال بها إخلالا بالديمقراطية، والقفز عليها قفزا على الديمقراطية، ويبقى الاجتهاد والاختلاف في التأويل، أو في التطبيق في أمور ثانوية وتفصيلية.

ومن الثوابت؛ حقوق المواطنة التي لا يمكن المساس بها، ومؤسسات المجتمع المدني الفاعلة والناشطة دون كوابح غير دستورية، وانتخابات حرة ونزيهة، وتداول سلمي للسلطة. ويحكم ذلك كله دستور ديمقراطي، وقضاء مستقل.

ولقد راج مفهوم الديمقراطية في الحقبة الأخيرة؛ رواجا كبيرا دون أن يواكب هذا الرواج استيعاب واع لهذا المفهوم لدى السواد الأعظم في دول العالم المتخلف. وبدت الديمقراطية بالنسبة للكثيرين؛ هي الخروج من المأزق، وهي الملاذ الآمن من قمع الدكتاتوريات، وأنظمة الاستبداد.

ولا شك أنه مع تهاوي الأنظمة الاشتراكية، وفي أعقاب النكبات والنكسات التي حاقت بالأمة العربية؛ فإن مبرر تغييب الديمقراطية لم يعد أمرا مقبولا بعد أن كان ذلك أمرا مقبولا تحت ذرائع متعددة؛ من أهمها مواجهة الكيان الصهيوني، وأهمية الوحدة الوطنية، وأهمية تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

ولكن السواد الأعظم على صعيد الأقطار العربية؛ لا يدرك كنه الديمقراطية ولا مقتضياتها. ويعود ذلك إلى الأمية الضاربة أوتادها على أكثر الساحة. غير أن هذا السواد الأعظم؛ وهو يقع تحت طائلة القمع، كما يقع تحت طائلة الفقر، والحرمان؛ يبحث عن مخرج، ويبحث عن مأمن، ويبحث عن كرامة. ولا ريب أنه لا يعرف إلا القليل عن الدول المتقدمة ـ وربما أقل من القليل ـ ولكنه يجدها في صورة الدول الراقية الناهضة المتقدمة والقوية على شتى الصعد، والتي تتمثل فيها حقوق المواطنة الحقة، وفرص العيش الكريم.

ولكن مما لا ريب فيه أيضا؛ أن أكثر الناس انشغالا بالديمقراطية، وضرورتها؛ هم نسبة من المثقفين، أو الناشطين مجتمعيا. وفي كثير من الأحيان تبدو مسألة الديمقراطية وكأنها أهم المسائل، وأكثرها ضرورة، وأشدها إلحاحا في واقع عربي يشكو من هيمنة أنظمة دكتاتورية ذات نمط عسكري، أو قبلي؛ لم يحقق من التنمية الفعلية ما يستحق الذكر، وخلفت على الصعيد المجتمعي؛ قطاعا عريضا تطحنه رحى الفقر، والفاقة، والبؤس، والحرمان.

صحيح أن أقطار النفط؛ ربما أتاح لها المورد المالي النفطي؛ الإنفاق على كثير من المرافق، وبدت القاعدة العريضة على صعيد المجتمع وكأنها أوفر حظا من القاعدة العريضة على صعيد أغلب الأقطار العربية. غير أنها بدأت تواجه تحديات جمة نتيجة الإنفاق غير المدروس في كثير من الأحيان والذي لم تحكمه استراتيجيات وأولويات مدروسة، والتي تبدد من خلالها كثير من المورد المالي النفطي الذي كان متعاظما خلال حقبة ما يسمى بالرواج النفطي. كما بدأت تواجه مشكلة بطالة حقيقية في خضم طوفان من العمالة الوافدة؛ الأمر الذي يعكس خللا كبيرا، وتترتب عليه عواقب وخيمة.

ومعروف أن المواطنين في عدد من هذه الأقطار؛ يمثلون أقلية. وهي أقلية أحيانا وسط أقليات أكبر منها حجما. ثم تطل البطالة الفعلية لتخلق بين قطاع من المواطنين شعورا بالإحباط، والتذمر، والنقمة خصوصا في ظل استئثار قلة بالثروة، أو بالثروة والسلطة؛ وحينئذ يكون شعور الإحباط، والتذمر، والنقمة مضاعفا.

ومعروف أن صفقات الأسلحة، وعقود المشاريع الكبرى؛ التي ليست بالضرورة مشاريع إنتاجية، أو لها أولوية قصوى في سلم الأولويات، وتبديد قدر ليس باليسير من المورد المالي النفطي تحت مظلة الفساد؛ يخلق وضعا شائكا ومتأزما. ويزداد الوضع تفاقما، أو تنكشف سوءاته بصورة أكبر؛ حين ينحسر المورد المالي النفطي.

ومن المشاهد في الآونة الأخيرة؛ أن بعض الأقطار العربية؛ رفعت شعار الديمقراطية؛ ولكنها في أكثر الأحيان أفرغته من مضمونه؛ إذ لا تعدو الديمقراطية أن تكون ديكورية ـ كما يسميها البعض ـ أو هي ديمقراطية الحزب الواحد الحاكم في مواجهة أحزاب تكاد تبدو هامشية لتجميل الصورة. وقد يكون الحزب الواحد الحاكم؛ هو حزب المؤسسة العسكرية.

ولقد رفعت بعض أقطار الخليج العربي؛ شعار الديمقراطية. ولعل الكويت من أفضل الأمثلة على الأخذ النسبي بمفهوم الديمقراطية لاعتبارات تاريخية، وجيوسياسية، وجيوستراتيجية؛ دون أن يرتكز ذلك على الثوابت الصلبة للديمقراطية. ولعل هذا ما يفسر حل مجلس الأمة أكثر من مرة. وللبحرين تجربة سابقة قصيرة تم إجهاضها. ورفعت مؤخرا كل من قطر، والبحرين؛ شعار الديمقراطية؛ مع إعطاء المرأة دورا؛ وهو واحد من نواقص التجربة الكويتية.

ومن السابق لأوانه الحكم على أي من قطر، أو البحرين؛ حتى يتبين من خلال التطبيق، وآليات العمل؛ مدى الأخذ الكامل أو النسبي بمفهوم الديمقراطية. ولكن تبقى القضية المحورية؛ وهي قيام الديمقراطية على ثوابت؛ تمثل قاعدة صلبة لا يمكن لأي حاكم ـ في أي وقت ـ المساس بها، أو القفز عليها.

وهذه القضية المحورية؛ يجب أن تكون صلب الدراسة. أنه من اليسير رفع شعار الديمقراطية، ومن السهل أيضا النكوص عنه في غياب تلك القاعدة الصلبة. ولعل وجود دستور ديمقراطي يمثل ضمانا حقيقيا. ولكن مثل هذا الدستور الديمقراطي؛ لا يمثل ضمانا حقيقيا إلا حين تكون سيادة القانون مبدءا حقيقيا، وحين يكون استقلال القضاء نهجا حقيقيا؛ فكيف يمكن في أقطار الخليج العربي وجود مثل هذا الضمان الحقيقي الذي يكفل ديمقراطية حقيقية لا ديمقراطية أهواء، ولا ديمقراطية شعارات يمكن أن تهوى في أي ريح عاصف، أو أي عاطفة هوجاء.

ولا شك أن معظم أقطار الخليج العربية؛ حديث عهد بمفهوم الديمقراطية، ولم تكن الديمقراطية تحتل حيزا ملموسا من الاهتمام على الصعيد المجتمعي في أغلبها. وما زال أغلب هذه الأقطار؛ يفتقر إلى الحد الأدنى من مقتضيات التحول الديمقراطي بما في ذلك حقوق المواطنة، وما يتعلق بها من حريات، ومؤسسات المجتمع المدني. ولا يمكن أن يتأتى التحول الديمقراطي؛ إلا من خلال ترسيخ حقوق المواطنة، وما يرتبط بها من حريات، وإتاحة الفرصة لانبثاق وفعالية مؤسسات المجتمع المدني، وضمان حرية الحركة لها. ومن خلال ذلك يمكن نشر الوعي بالديمقراطية، وترسيخ مفهومها.

ويجب ألا يغيب عن البال؛ أن مجتمعات أقطار الخليج العربية؛ تحت وطأة طوفان العمالة الوافدة ـ التي لا تمثل خللا سكانيا فحسب ـ ولكن تفكيكا لهوية هذه المجتمعات؛ أنه يصبح من العسير حتى في حالة وجود مؤسسات للمجتمع المدني قادرة على الحركة؛ أن تكون منافذ وقنوات الاتصال والتواصل فعالة. ذلك أن المجتمع أشبه ما يكون بتجمعات لا يربط بينها عادة رابط مشترك، وهم مشترك، أو مصير مشترك. وهذا ما يجعل المهمة صعبة بالنسبة لنشر الوعي بالديمقراطية، وترسيخ مفهومها.

هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى؛ فإن استمرار النزعة القبلية، والولاءات القبلية السائدة إلى حد كبير؛ هي على طرف نقيض بالنسبة للمجتمع المدني ومؤسساته. ومن هنا تبدو التضامنيات، والديوانيات؛ أكثر ارتباطا بالعرف القبلي، والتقاليد القبلية. وقد يكون هناك تقاطع بين بعض هذه الأعراف والتقاليد، وبين مؤسسات المجتمع المدني؛ إلا أنه قد يكون هناك تعارض بينها. والمجتمع المدني بطبيعته على نقيض المجتمع القبلي. وهذه النزعات القبلية، والولاءات القبلية؛ بصرف النظر عن التقاطع أو التعارض مع مقتضيات الديمقراطية؛ ومن بينها مؤسسات المجتمع المدني؛ يغلب عليها طبيعة التناقض الجوهري مع الديمقراطية؛ إلا إن جاز الأخذ بمسمى "الديمقراطية القبلية".

والقبيلة ـ كما هو معروف ـ لم تعرف الديمقراطية؛ وإن كان زعيم القبيلة قد يدخل في عقد غير مكتوب مع القبيلة؛ تحفظ له القبيلة بموجبه حق الزعامة، ويحفظ لها حق الحماية، وفرص العمل والعيش في إطار قد يتحقق فيه قدر من المشاركة يعتمد على حاجة كل طرف للطرف الآخر. وهو ما عهدته بعض ساحة المنطقة في حقبها الأولى.

أما البعد الآخر لإشكالية نشر الوعي بالديمقراطية، وترسيخ مفهومها؛ فهو ما يثار من تناقض، أو تعارض بين الديمقراطية والشورى. وهذه القضية قد نالت قدرا وافرا من النقاش والجدال، ويبدو أنها حسمت على أساس أن الركائز الجوهرية للديمقراطية لا تناقض الإسلام، وأن الأدلة القطعية لايمكن تجاوزها في أي أمر من الأمور.
ورغم أن المتشددين الإسلاميين؛ يرون الديمقراطية فكرة غربية، وأنها بالتالي ليست من الإسلام؛ فإن عددا من المفكرين الإسلاميين؛ يرونها منهجا أجدر بالاقتداء، وليس فيه ما يناقض الإسلام طالما ظل محكوما بالأدلة القطعية في الإسلام. فالغزالي؛( ) يؤكد أن الديمقراطية ليست دينا يوضع في صف الإسلام، وإنما هي تنظيم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم ننظر إليه لنطالع كيف توفرت الكرامة الفردية للمؤيد والمعارض على السواء، وكيف شيدت أسوارا قانونية لمنع الفرد من أن يطغى، ولتشجيع المخالف أن يقول بملء فيه لا يخشى سجنا، ولا اعتقالا. إن الاستبداد كان الغول الذي أكل ديننا ودنيانا. ويتساءل القرضاوي؛( ) هل الديمقراطية التي تتنادى بها شعوب العالم، والتي تكافح من أجلها جماهير غفيرة في الشرق والغرب والتي يرى فيها كثير من الإسلاميين الوسيلة المقبولة لكبح جماح الحكم الفردي في تقليم أظافر التسلط السياسي الذي ابتليت به شعوبنا المسلمة؟ هل هذه الديمقراطية كفر أو منكر كما يرى بعض السطحيين المتعجلين؟

ويبدو بالنسبة لأقطار المنطقة؛ أن فكرة الديمقراطية؛ تبدو مقبولة في الغالب، أو غير مستهجنة. وإذا كانت الكويت مثلا أسبق في التجربة؛ فإن قطر، والبحرين رفعا شعارها مؤخرا؛ وإن كان للبحرين في السابق تجربة قصيرة. وقد يؤخذ بفكرة المجلسين كما هو الحال في البحرين، وهي فكرة أخذت بها مصر. وإذا كانت المملكة العربية السعودية؛ أكثر التزاما بفكرة الشورى التي تعتمد على التعيين؛ فإنها ليست القاعدة؛ بل إن التحولات ـ ولو ظاهريا ـ في بعض أقطار المنطقة؛ تسير في الاتجاه المعاكس.

إن الدراسة لا تغفل الواقع المستبد؛ إذ تشير إلى أن البنية السياسية ـ في دول المنطقة بشكل عام ـ هي "بنية شمولية سلطوية لاتفسح مجالا شرعيا للطلب الديمقراطي، وتحول بكافة الوسائل القانونية والسلطوية، ومن خلال سيطرتها على أجهزة الثقافة والإعلام والتعليم والوعظ والإرشاد دون تنمية الوعي الديمقراطي ناهيك عن العمل الديمقراطي". إلا أنها مع ذلك تجعل فرص التحول الديمقراطي ممكنة وإن اعترفت بأن دائرة الواقع الراهن فيها إحباط للمرء، ويأس من إمكانية التحول الديمقراطي في أغلب دول المنطقة في المدى المنظور. ولذلك فإنها تحاول أن تنظر إلى المستقبل الأبعد، وتدعو إلى التواصي بالصبر والانطلاق من الأمل.

ولعل الدراسة في محاولة لخلق الأمل؛ أوردت مسائل من بينها: تزايد الوعي بمفهوم المواطنة. فما هي محصلة هذا الوعي؟ وهل تسمح الأنظمة السلطوية بأي محصلة فاعلة لهذا الوعي؟
كذلك تشير الدراسة إلى تزايد استخدام مصطلح الديمقراطية في الخطاب الرسمي. فهل هذا الاستخدام اقتناع حقيقي، أو محصلة ضغط حقيقي، أم هو تمويه، أم مجاراة شكلية لنغمة تبدو عالمية؟
إن الدراسة تؤكد أنه على الرغم من شكلية هذا الاستخدام وبعده عن الديمقراطية؛ فإنه يدل على مراجعة الحكام لنظم حكمهم، واعتبار مشاركة الشعوب لهم بأنها مصدر من مصادر الشرعية. وذلك إفراط في حسن الظن في غير موضعه، وغير واقعه.

ثم تستعرض الدراسة من حوافز الأمل نحو التحول الديمقراطي التوجه العالمي نحو الديمقراطية. رغم أن الدراسة تعترف في ذات الوقت بأن الدول الكبرى المتقدمة لا يهمها أمر الديمقراطية في أقطار الخليج العربية؛ بل إن الوجود الأمريكي يشكل عقبة، كما أن التفاوض مع الحكام بدا أيسر وأسهل للقوى الأجنبية ذات الاستراتيجيات المعادية لتطلعات الشعوب. وبالتالي فهي معارضة للديمقراطية في الأقطار العربية بشكل عام. فإذا كانت الدول الكبرى ـ وهي مرتكز الأمن لأكثر أقطار المنطقة ـ مناهضة للديمقراطية، وغير متحمسة لها؛ فكيف تكون ـ وهي قائدة العولمة التي ترفع شعار الديمقراطية في أصقاع أخرى وفق ما تحدده لها مصالحها ـ سامحة للتوجه العالمي نحو الديمقراطية أن يأخذ مداه في أقطار الخليج العربية؟

وتستطرد الدراسة في حوافز الأمل على التحول الديمقراطي معتمدة أن التغيرات الاقتصادية، وتراجع دعم الدولة؛ سوف يمثل عامل ضغط على الحكومات للاهتمام بالتنمية الاقتصادية لتوفير فرص دخل منتجة. فهل ذلك وارد فعلا؟ أم أنه إفراط في حسن الظن؟

ثم تشير الدراسة إلى دور المسجد، والمجلس، والديوانية باعتبارها الدلالات للإطار الذي يسمح به للتجمع والتداول في الشؤون العامة. ومع أن المسجد ليس بالضرورة متاحا للتداول في الشؤون العامة؛ فإن الديوانية سائدة في بعض أقطار المنطقة. وهي بالطبع من قبيل الأعراف القبلية وليست منصة لانطلاق التحول الديمقراطي.

وتشير الدراسة أيضا إلى الاعتبارات الدينية والتقليدية في علاقة الحكام بالمحكومين، وتعطي حكومات المنطقة ميزة اعتماد سياسة المجاملة في علاقتها مع مجتمعاتها، وأنها لا تفرط في استخدام العنف. ويبدو ـ إن كان ذلك صحيحا ـ أن المجتمع أيضا مسالم إلى حد كبير وأكثر اتباعا لسياسة المجاملة. وكلا الأمرين لا يفضي إلى تحول ديمقراطي.

وتشير الدراسة إلى أن الحركة الوطنية في أقطار الخليج العربي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي؛ كانت تشارك الكويت، والبحرين طموحاتهما الديمقراطية، وأنه في عقد السبعينيات من ذلك القرن؛ كانت هناك طموحات الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في قطر، والإمارات، وعمان، ولكن المطالب تراجعت مع الطفرة النفطية؛ هذا مع بقاء الطموحات التي تم التعبير عنها بالكتابات، والدعوات، والبيانات، والدراسات، ومن بين ذلك دراسات الإصلاح الإداري التي شهدتها السعودية، وقطر، وعمان، في منتصف السبعينيات من القرن الماضي حتى منتصفها.

ويبدو أن دراسات الإصلاح الإداري في بعض هذه الأقطار، وربما كلها؛ لا تعدو إجراءات إدارية محدودة في الأجهزة الحكومية، أو تتوخى تبسيط الإجراءات، وفق صيغ إدارية بحتة لا تعبر عن توجه ديمقراطي، ولا علاقة لها بالديمقراطية، وليست تقوية للنظام الإداري، أو البنية الإدارية لتكون ركيزة لنهج ديمقراطي.

إن في الدراسة محوران هامان:

المحور الأول: هو نشر الوعي بالديمقراطية، وترسيخ مفهومها، وتوحيد الطاقات من أجل تحقيقها.

المحور الثاني: هو تحقيق الديمقراطية على قاعدة صلبة من الثوابت التي لا يمكن الإخلال بها.

ولعل فكرة منتدى الحوار؛ ترتكز على أهمية فكرة نشر الوعي بالديمقراطية، وترسيخ مفهومها. ولا ريب أن نشر الوعي، وترسيخ المفهوم؛ مطلب مبدئي، ولكن ذلك مرهون بالقدرة الذاتية للمنتدى من خلال المنتمين إليه، أو المنتظمين فيه. ومن ناحية أخرى؛ بإمكانية الحركة، ومدى اتساع دائرتها.

إن مجرد إنشاء منتدى الحوار دون أن يكون قادرا على الانطلاق على الساحة العربية الخليجية ومن خلال منافذ متعددة، وقنوات متعددة للانطلاق والتواصل مع كافة قطاعات المجتمع؛ لا يمكن أن يحقق الغاية المرجوة، وربما انحصر نشاطه في تثقيف نفسه، أو محاورة نفسه. ومنافذ الاتصال والتواصل وقنواته تحكمها إلى حد كبير الأجهزة الرسمية، وهي التي تحدد نطاق الحركة، كما أنها تملك في ذات الوقت وسائل الاختراق في وضع تكثفت فيه القبضة الأمنية في أكثر أقطار المنطقة.

إن مجرد فكرة منتدى ـ حتى لو كان نشاطه محدودا ومؤطرا ـ قد ينظر إليه من عدد من أقطار المنطقة بقدر من الريبة والشك. وقد تجهض بعض هذه الأقطار أي مسعى في هذا الاتجاه. ولعل الملتقى الخليجي الذي تبلور في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وكان من بين توجهاته توسيع إطار المشاركة في اتخاذ القرار ضمن توجه سلمي حواري لا يثير ولا يستثير؛ قد تدخلت بعض الأقطار وفرضت على المنتمين فيه من مثقفيها الانسحاب منه، وعدم المشاركة فيه، وكان التدخل من قبل جهات أمنية.

ومنتدى التنمية ـ الذي تقترح الدراسة كأحد البدائل ـ أن يكون في نفس الوقت بمثابة منتدى الحوار، أو يقوم بمهمة منتدى الحوار رغم أنه أدى دورا محمودا؛ إلا أنه كان محدودا؛ مع أنه رافقته أفكار حيوية تتعلق بمجالات واسعة للأنشطة التي تخدم التنمية بمعناها الواسع. يسندها إطار تنظيمي، ومركز للدراسات، ومكتبة؛ إلا أن هذه الأفكار بقيت أفكارا، ولم تخرج فعلا إلى حيز الوجود.

ولكن الدراسة ـ من منطلق حفز الأمل ـ يبدو أنها تفرط في حسن الظن إلى حد كبير، وتبين ذلك من خلال توضيحها للمتطلبات الفكرية، والسياسية، والمتطلبات التنظيمية. فإعمال الفكر وتكثيف الحوار؛ أمر قد يبدو ميسورا للوصول إلى فهم مشترك، ومقاربة الإشكاليات، وترسيخ المفهوم.

ولكن الدراسة تؤكد على أنه يجب أن يجري حوار وطني بين المفكرين والممارسين للعمل الأهلي من أجل ترجمة مفهوم الديمقراطية، ومضامينها؛ إلى نصوص دستورية وقانونية، ووثائق شرف. ومن هذه الوثائق: ميثاق حقوق المواطنة وواجباتها، واستراتيجية الحد الأدنى من العمل الديمقراطي، ومشروع دستور ديمقراطي، واقتراح مشاريع قوانين رئيسية ذات تأثير على تطبيق الديمقراطية؛ مثل قانون المطبوعات والنشر وتداول المعلومات، وقانون الانتخابات العامة، والقوانين المتعلقة بحرية التنظيم واستقلال تنظيمات المجتمع المدني. هذا بالإضافة إلى قانون القضاء، وقانون الإجراءات الجنائية. وكل هذه من متطلبات التحول الديمقراطي.

ولكن كيف يمكن أن تتجسد على صعيد الواقع؟ ومن الذي يملك القدرة على تجسيدها في ظل الواقع الذي لم تغفله الدراسة، والذي لا يسمح في أكثر هذه الأقطار بحرية الحركة، وحرية التعبير، وحرية التنظيم، وربما حتى عقد اللقاءات والندوات التي لابد أن تخضع لموافقة رسمية؛ بل يحظر على المثقفين والباحثين في بعضها حضور الندوات والمؤتمرات العلمية أو الفكرية البحتة إلا بموافقة رسمية.

أما المتطلبات المؤسسية والتنظيمية؛ فإنها تتمحور في إنشاء منتدى الحوار الذي يمكنه تكليف فريق من أعضائه للاتصال بالمعنيين بالتطور السياسي، والمهتمين بالانتقال إلى الديمقراطية من اجل تكوين لجنة تحضيرية، أو مجلس أمناء بهدف التوافق على مضمون الوثائق لتحديد الطلب على الديمقراطية، وتحديد دور الداعين إلى إقامة نظم حكم ديمقراطية في أقطار المنطقة.

ويمكن للمنتدى أن يكون فرق عمل تتوسط لحل الخلافات بين القوى صاحبة المصلحة في الديمقراطية، وبين الحكومات والمعارضين لها. وبين أقطار المنطقة فيما يتعلق بخلافات الحدود، ومعوقات الاندماج الإقليمي الأخرى، وتنظيم منظومة ملتقيات إقليمية، وإنشاء ذلك لتعزيز العمل الأهلي.

وكل هذه أمور تبدو عصية في الواقع، وتحتاج إلى تفصيل ودرس أعمق لآليات تجسيد فكرة التحول الديمقراطي رغم كل العقبات والعوائق التي تبدو عصية.

ولعل الدراسة لم تعط هذا الجانب القدر الكافي من الأهمية باعتباره معضلة حقيقية؛ ولذلك فإن الدراسة حاولت بقفزة سريعة رهن هذا التحول بأمور منها: قدرة أهل المنطقة على توفير المتطلبات المؤسسية والتنظيمية، ورهن توفير هذه المتطلبات بعزيمة المؤمنين بأهمية الديمقراطية، وموقف الحكومات من الديمقراطية، ومدى نمو طلب فعال على الديمقراطية. ولكنها استدركت كل ذلك بعبارة موجزة بليغة: إنها اجتهاد؛ فهل أصاب الاتجاه؟ أم أن تنمية طلب فعال على الديمقراطية أمر عصي يحتاج إلى مزيد من إعمال الفكر، وربما يتطلب اكتشاف مداخل أخرى؟ وهو فعلا أمر عصي ويحتاج إلى مزيد من إعمال الفكر، وربما اكتشاف مداخل أخرى. وتعتبر الدراسة خطوة جادة في هذا الاتجاه.

************

2 - 2 تعقيب الدكتور إسماعيل الشطي

"رؤية مستقبلية لتعزيز مساعي" تعبير يعكس فخامة المصطلح مقرونا بتواضع الطموح, وبقدر ما يعبر عنوان البحث عن واقعية الآمال والحذر في انتقاء المفردات، إلا أنه في نفس الوقت يكشف حساسيات الأنظمة بالخليج إزاء خطاب الإصلاح والتطوير, وهي حساسيات تجاوزها الباحث بعمل جاد رصين فيه شمول بالعرض وتركيز بالمضمون, وبالإضافة إلى ما يحمله البحث من فكر مستنير يتضمن كذلك جهدا في التقصي وعناية بالموضوع، ورغم أن الحديث عن تطوير الأنظمة الخليجية شائك ومحفوف بالانفعالات السلطوية إلا أن البحث يفوح بعبق الشجاعة, وهي شجاعة علمية موضوعية نأت كثيرا عن الانتهازية والتشفي.

وتعقيبي هذا لا يسعى فقط إلى كشف نقاط الاختلاف مع الباحث، إنما يهدف إلى التوقف عند نقاط الالتقاء للتأكيد عليها, ويهدف كذلك لاستكمال الاستدراكات التي غفل عنها الباحث بالنسيان أو بالإيجاز، ومن تلك المنطلقات أسجل الملاحظات التالية:

1) الشروط المسبقة للديمقراطية:

1 - 1) لم استطع أن استدل على رأي الباحث فيما إذا كان يرى الديمقراطية نظام حكم يلزمه أرض ممهدة وبنية سياسية تحتية حتى يمكن تطبيقه، ففي مستهل بحثه يؤكد الباحث على إمكانية الانتقال إلى الديمقراطية دون تمهيد أو شروط مسبقة، إذ يقول "لم تعد الشروط المسبقة التي كان يعتقد في الماضي أنها تتمثل في النمو الاقتصادي وانتشار الثقافة الديمقراطية شروطا لازمة لحدوث انتقال إلى الديمقراطية، بل لم يعد يرى المتابعون لعملية الانتقال إلى الديمقراطية أن الشروط الاقتصادية والاجتماعية كافية في حد ذاتها إلى جانب كونها غير لازمة للانتقال".

ورغم أنه ينفي هنا أية شروط لازمة للانتقال إلى الديمقراطية إلى أنه في مواضع مختلفة من بحثه يتوقف عند شروط متعلقة بالديمقراطية، فهو (على سبيل المثال) ذكر في بند*

(1 - 2 - 4) "لابد من تأسيس نظام الحكم الديمقراطي على أساس توفير شروط امتلاك المواطنين أفرادا وجماعات لمصادر المشاركة السياسية الفعالة وضمان وضع تلك الشروط موضع التطبيق من خلال فاعلية المجتمع المدني وحيوية الرأي العام" ثم يشير إلى ثلاثة مصادر لتحقيق مشاركة سياسية فعالة ويضع أولها: الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتشمل تقارب مستويات الدخل والثروة والتعليم والرعاية الصحية والحق في التنمية الاقتصادية الاجتماعية والمساواة في الفرص دون تمييز. وثانيها: ضمان حرية انسياب المعلومات وحق الإطلاع عليها. ثالثها: بناء مؤسسات المجتمع المدني المستقلة عن السلطات الرسمية, والمجردة من امتدادات التكوينات الاجتماعية من قبلية وطائفية ومذهبية ومناطقية.

1 - 2) وأيا كان رأي الباحث، فإن تجربة انتقال دول أوربا الشرقية إلى الديمقراطية أثبتت أن عملية الانتقال ليست باليسيرة، وأن الأوضاع الاقتصادية المتضعضعة تعوق نجاح التجربة الديمقراطية في كثير من تلك الدول, وأنها في دول أخرى استخدمت لإقصاء الأقليات وفرض ثقافة الأغلبية، ناهيك عن الإخفاقات التي شهدتها تجربة الهند وتركيا كأعرق دولتين تبنتا الديمقراطية خارج الدول الصناعية الغربية، ففي الهند اضطرت أنديرا غاندي إلى تعطيل الحياة النيابية, في الوقت الذي تتجه فيه الديمقراطية الهندية اليوم للتحول إلى أداة بيد الأغلبية الهندوسية ضد الأقليات الأخرى, أما في تركيا فلقد كشفت تجربتها أن العسكر مصدر السلطات وليست الأمة التركية.

أن الفقر والتعصب عقبتان ضخمتان في وجه الديمقراطية, ويؤكد ما نذهب إليه مجموعة من الباحثين الغربيين، فهذا صمويل هانتنغتون في كتابة "التحول للديمقراطية في نهايات القرن العشرين" يؤكد على العلاقة الواضحة بين مستويات التطور الاقتصادي ونموه وبين الديمقراطية، ويؤكد على أن الفقر هو العقبة الكأداء في وجه النمو الديمقراطي، ويعلل الفورة الديمقراطية المعاصرة بسبب النمو الاقتصادي العالمي في الخمسينات والستينات، أما روبرت كابلان فيؤكد في مقالة له نشرت في صحيفة "هيرالد تريبيون الدولية" بعنوان "الديمقراطية الغربية كابوس للعالم الثالث" فهو يحذر الغرب من التبشير بالديمقراطية كعلاج لمشاكل دول على شفا الإفلاس وفي مجتمعات تمزقها العرقية والطائفية. وتعداد سكاني يصل إلى مراحل الانفجار ونقص في المواد الأولية. أما هنري روين بـ"الهيرالد تريبيون الدولية" ضمن مقالة نشرها بعنوان "مع التنمية يمكن للصين أن تلتحق بالديمقراطية"، فإنه يرى ما لم يكن دخل الفرد السنوي في مستوى سبعة آلاف دولار أمريكي فإن الديمقراطية لن تكون مستقرة، بينما كتب الاقتصادي الإيطالي انتونيو مريا كوستا مقالا في الـ "النيوزويك" بعنوان (الرفاه مقابل الديمقراطية) قال فيه "وكما بينت التجربة الأسيوية فإن الديمقراطية تحتاج سنوات، في الوقت الذي تدل الطوابير - التي نشهدها في موسكو هذه الأيام - بأن الناس في حاجة إلى الخبز كل يوم. أي ان اندماج النموذجين يحتاج إلى وقت".

1 - 3) غير أن الفقر ليس هو العقبة الرئيسية أمام الديمقراطية في المجتمعات الخليجية. فهذه المجتمعات تعد من أغنى مجتمعات العالم وتمتعا بالرفاه، إن العقبة الرئيسية في مثل هذه المجتمعات هو غياب البنى السياسية التحتية اللازمة لنجاح الديمقراطية، وتتمثل بالنجاح في تحويل المجتمعات القبلية المترحلة إلى مجتمعات حضرية مستقرة، وتكريس علاقة الفرد بالأرض مقابل علاقته بالكلأ والماء، وتذويب العصبيات الاجتماعية (الطائفية والقبلية والمناطقية) داخل كيان مجتمعي واحد مرتبط بأرض وتكريس فكرة الشعب أو الأمة. ثم التحول بالأفراد من رعايا إلى مواطنين لخلق فكرة المواطنة والوطن، وربط كل ذلك بفكرة الدولة التي تمنح الفرد هويته القومية، وربط الدولة بالاتفاق أو العقد الاجتماعي المتجدد وتأكيد مبدأ إلزاميته. إن الشعب والوطن والسيادة والمواطنة والدولة والدستور وغيرها هي حزمة مفاهيم تقوم عليها فكرة الدولة/ القوم، والديمقراطية لا تقوم إلا على أرض تشربت هذه المفاهيم واحتوتها، واجتزاؤها وحدها دون اعتبار ترتيبها ضمن عمليات البناء بحكم بفشلها وإخفاقها، إنها سلسلة من العمليات التي لا تنضج في المجتمعات بمرحلة واحدة كما أن مراحلها لا يمكن أن تضغط في جيل واحد، وإذا كان يمكن جلب راعي الأغنام من الصحراء وتدريبه على نمط الحياة العصرية فإنه لا يمكن تغيير قيمه ومفاهيمه بنفس سرعة التدريب, إن الوصول إلى مفهوم الدولة الديمقراطية الحديثة كإعداد الأطباء والمهندسين الذين لا يمكن اختصار سنوات دراستهم الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعية في مرحلة واحدة. إن كل مرحلة دراسية بفترتها الزمنية تعني شيئا في التربية والتأهيل, هو نفسه ما تعنيه كل مرحلة زمنية في تأهيل المجتمعات لكي تصبح مجتمعات مدنية.

لقد كانت المنطقة الخليجية قبل خمسة عقود تمثل حواضر ساحلية تضم بضع آلاف من الناس, أما الغالبية من سكانها بدو رحل يتتبعون الماء والكلأ ولم يألفوا ثقافة الاستقرار، البيت الجار والحي والجامع والسوق والقانون. آي أن الغالبية تفتقد الثقافة الحضرية وليس الثقافة المدنية، وإذا كان سكان الحواضر الساحلية مروا بمراحل مهدت للانتقال بهم إلى فكرة المجتمع المدني. فإن توطين القبائل أغرق تلك الحواضر بقيم البادية من جديد حتى بدت تلك المجتمعات لا تملك إلا غلافا رقيقا هشا من مظاهر المجتمع المدني. وقلما تسعى الأنظمة لتفكيك النسيج القبلي سعيا للوصول به إلى فكرة المجتمع المدني، مادام هذا النسيج يدعم فكرة المشيخة ذات السلطة المركزية المتفردة، بل إن بعضها يسعى لتكريسه ضمن خلطه سياسية مخدرة.

1 - 4) الكيانات الخليجية تملك كل مظاهر الدولة, حدود وسيادة وحكومة وجيش وعلم وعملة وسلام وطني ومصرف رسمي ومنتخبات رياضية، ولكنها لا تملك شعبا يدرك المفاهيم التي تترتب عليها كل هذه المظاهر، بل أن شعوبها تعاني من تشوهات في تركيباتها السكانية، إذ أنها تشكل أقلية ضئيلة من مجموع السكان, وانحرفت (تلك الكيانات) في مفهوم دولة الرعاية لتحصره في توزيع الريع على المواطنين, وتقصر واجبات المواطنة في الولاء للدولة/الأسرة الحاكمة، كما لم تتوان في الحفاظ على قيم العصبيات القبلية حتى بعد توطين القبائل.

ولهذا فنحن نختلف مع الباحث في قوله "إن شروط الممارسة الديمقراطية، من بنى مجتمعية ناضجة وثقافة ديمقراطية ووجود مجتمع مدني ورأي عام مستنير يمكن أن تنمو من خلال عملية التحول الديمقراطي نفسها بعد إعلان القطيعة مع قبول حكم الفرد والقلة وإنكار هيمنتهم على مقدرات الدولة والمجتمع، وليس من الضروري أن تكون تلك الشروط مكتملة قبل الانتقال إلى الديمقراطية" إن نقل الديمقراطية إلى مثل هذه المجتمعات دون منح مراحل النمو فترة نضج كافية يضر ببناء الدولة، وعن الذي يزعم بأن ذلك ممكنا ما عليه إلا ان يتناول المثال اللبناني، فلبنان دولة نشأت بإرادة خارجية مثل بقية أجزاء الوطن العربي، وتبنى لبنان منذ أول نشأته نموذج الدولة الديمقراطية الغربية فأسس نظاما قائما على العقد الاجتماعي، وتم فصل السلطات فيه وتشييد ركائز الديمقراطية من تعددية حزبية سياسية وتداول للسلطة وحريات مضمونة ونقابات وجمعيات مستقلة وتجارة حرة، غير أن تلك القشرة جاءت لتكرس مجتمع طائفي لم يكن مقتنعا بكل تلك التحديثات إلا بالقدر الذي تستفيد منه الطائفة، لقد لبست الطوائف مبدأ التعددية الحزبية وتقاسمت فكرة تداول السلطة ولم تتخل عن فكرة التوارث العائلي للزعامات حتى اليوم، ورغم أنها أعلنت القطيعة مع حكم الفرد أو القلة ولكنها لم تنتقل إلى الديمقراطية ولم تنضج خلال عملية التحول. لقد جنت سياسة حرق المراحل - للوصول للدولة الديمقراطية الحديثة - على لبنان وكلفته حربا أهلية استمرت سبعة عشر عاما. وإذا كان التجمعات السكانية اللبنانية ذات الطبيعية الزراعية القروية (المرتبطة بالأرض) قد واجهت تلك الصعوبات في الانصهار في هذا النموذج من الدولة، فإن التجمعات السكانية في المناطق الرعوية (المرتبطة بالماء والكلأ) كانت ستواجه صعوبات أقسى لو تبنت النموذج اللبناني.

2) المقاربة بين الديمقراطية وثقافتنا.

2 - 1) يطالب الباحث بإعمال الفكر لحل إشكالية الديمقراطية في المجتمعات العربية ومقاربتها "بما تحمله من قيم إنسانية وثوابت منهجية مع ثوابت منهجنا" حيث أن ممارسة الديمقراطية في المجتمعات الغربية جاءت منحازة لليبرالية والرأسمالية والإمبريالية، ولذا فإن ليس بالضرورة أن يكون كل ما في التجربة الديمقراطية الغربية هو من الديمقراطية ذاتها، لذا يؤكد الباحث على ضرورة الفرز من أجل "أن يتصالح مضمون الديمقراطية مع شكلها وتتم المقاربة الموضوعية بين ثوابت الديمقراطية وثوابت المجتمعات التي تنتقل إليها".

أن الباحث بمطالبته تمحيص الديمقراطية الغربية وفرز ما هو من صلبها وما هو من ثقافات الغرب نفسه يكشف عن عمق في الفهم ووعي بالموضوع، وهو بذلك يسعى لحماية المضمون من الإشكاليات التي يثيرها البعض ضد الديمقراطية باعتبارها نتاج غربي, إذا يجردها من كل الثياب التي غطت المضمون بشكل أيدلوجي أو عقدي أو قيمي غربي, ويعرضها كآلية للحكم أو نظام يتحقق به مبدأ الشورى "نظام حكم ومنهج سلمي لإدارة أوجه الاختلاف في الرأي والتعارض في المصالح"، وهو بذلك يريد أن يبعد "عنها شبهة العقيدة المنافسة لغيرها من العقائد", وأظنه كان يوجه كلامه للمتمسكين بأهداب الشريعة ويكشف لهم زيف الخطاب السلطوي المناهض للديمقراطية بدعوى حماية الإسلام، ولكي يقطع الطريق على مماحكات هذا الخطاب فإنه يدعو إلى "تأصيل الديمقراطية وتأسيسها في الحياة الثقافية التوجهات الاجتماعية، بعد ضبطها بثوابت المجتمع وتأسيسها على القيم الإيجابية والمصالح المشروعة"، وليته (هنا) توقف قليلا ليكشف الخطأ الذي يمارسه البعض بمقابلة الشورى بالديمقراطية، فهذه المقابلة تنتهي دوما لصالح الشورى، بينما الشورى والديمقراطية ليستا متماثلتين ومتقابلتين ليتم المقارنة والمفاضلة بينهما، إذ أن الشورى مبدأ ضمن حزمة مبادئ الحكم بالإسلام، وهي مبادئ تناهض الحكم التسلطي وتجعل الولاية للأمة وليس لأسرة أو فرد بعينه، أما الديمقراطية فهي آلية تهدف لإبقاء المرجعية للأمة وتنظيم الشورى فيها, فكيف يتم مقابلة المبدأ بالآلية؟! إن المستفيد الرئيس من هذه المقابلة هو الحكم الفردي الذي يجد في الانحياز للشورى مبررا لرفض الديمقراطية، في الوقت الذي لا تقدم الشورى نظاما أو آلية لممارستها.

2 - 2) غير أن كثير من الإسلاميين يفهمون الديمقراطية على أنها نسق ينتهي بمنح ممثلي الشعب سلطة التشريع، ألا يقول تعريفها الشائع أنها "حكم الشعب بالشعب", وهذا فهم مآله وصف الديمقراطية بالاعتداء على حق الربوبية في التشريع ’ باعتبار أن الله تعالى (له الخلق والأمر)، وأن الذين يضعون أنفسهم في مقام التشريع يعتدون على حق الله ويعتبرون (شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)، وهؤلاء الذين يتصدون للتشريع خلاف ما أمر به الله تعالى يسميهم القرآن بشركاء المشركين (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم)، وأن الله عاب على أهل الكتاب عندما منحوا الكنيسة حق التشريع، واعتبر أن من يمنح حق التشريع يقوم مقام الرب لأنه يعتدي على حق من حقوق الربوبية (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)، غير أن تعريف الديمقراطية بأنها (نظام حكم ومنهج سلمي لإدارة اوجه الاختلاف في الرأي والتعارض في المصالح) يسقط كل هذه التهم، وما تعريف "حكم الشعب بالشعب" إلا صيغة معاصرة لمبدأ (الولاية للأمة) أن هذا النظام يقوم على مبدأ احترام إرادة الأمة ورفض الإكراه, وهو مبدأ شرعي يصل في الإسلام إلى حد احترام الإرادة في اختيار الديانة (لا إكراه في الدين), فلو اختارت أمة ما دينا لها فلا يجوز قسرها على دين أخر, كما أنه نظام يقوم على مبدأ التراضي والتعاقد بين الأمة، ولقد عبر الإسلام عنه بمفهوم (البيعة) وأبطل آي نظام حكم لا يأخذ شرعيته بتراضي الأمة والتعاقد معها على شكل الحكم، وهذه حقيقة تعبر عنها تجربة الخلفاء الراشدين الذين كانت الأمة تشترط عليهم العمل بكتاب الله وسنه نبيه مقابل البيعة، وما هذا الاتفاق إلا شكل من أشكال التعاقد الاجتماعي وجوهر فكرة النظام الدستوري، فإذا كانت شروط البيعة تتم بشكل شفهي مختصر فما الذي يمنعها من أن تكون مدونة وبشكل تفصيلي، وإذا كان شرط البيعة أن تكون الشريعة الإسلامية مصدر التشريع فهل يكون (في هذه الحالة) الذين يتصدون لصناعة التشريعات يعتدون على حق الربوبية، إن التصدي لمسألة التشريع ليس اعتداء على حقوق الربوبية، ولكن إلغاء التشريع الإلهي بتشريع بشري هو الاعتداء على حقوق الربوبية، والديمقراطية توفر آلية لصناعة التشريعات ولا تقرر مضمونها فالذين يستخدمون هذه الآلية بإمكانهم احترام حقوق الربوبية أو الاعتداء عليها.

2 - 3) والالتزام بمبدأ "الشريعة الإسلامية مصدر التشريع" لا يعني إلغاء سلطة الأمة في التشريع, فالقاعدة التي سنها النبي (ص) (أنتم أعلم بأمور دينكم) تضع دور الأمة في نصابه الصحيح بالعملية التشريعية، خاصة وأن التشريعات الأبدية في الإسلام لا تشكل إلا نسبة ضئيلة على ارض الواقع، ومعظمها محصور بالأخلاق والعبادات والأحوال الشخصية والعقوبات، وما جاء بعد ذلك من تفصيلات أو إضافات لا يتجاوز الاجتهاد البشري الذي قد يعد تراث غير ملزم، لقد ترك الإسلام مساحات شاسعة من (أمور الدنيا) دون تشريع مكتفيا بمبادىَ عامة كالمبادىً الدستورية، فتنظيم العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدولية والعسكرية والتكنولوجية والإعلامية ظلت مفتوحة للاجتهاد البشري وخاضعة لتطور الزمان والمكان. وأما التراث الفقهي في هذه المجالات سوى ثروة تشريعية التزمت بالمبادىَ لتصوغ الأنظمة وفق المصلحة الدنيوية لزمان ومكان ما، ولكنها تظل غير ملزمة لمن يأتي من بعد، وهو موقف إسلامي أصيل أكده الأمام علي بن أبي طالب أثناء المفاوضات على الخلافة، فلقد كان الفريق المفاوض يريد تحويل التراث التشريعي الذي خلفه الخليفتان (أبو بكر وعمر) إلى أصل ملزم في عقد البيعة، بينما كان الإمام يرى ذلك اجتهادا بشريا يمكن الاستفادة منه دون إلزام، وإذا كان الإمام خسر الجولة الأولى من مفاوضات الخلافة فإنه - رغم خسارته هذه - قدم أعظم خدمة للإسلام بفصل الوحي عن التراث، ولولاه لظلت تراكمات التراث عبر الأجيال تزحف على مناطق السماح وتستولي على سلطة الأمة التشريعية.

2 - 4) إن الديمقراطية ليست مجرد آلية لصناعة التشريعات، إنها - كما عبر الباحث – "نظام حكم ومنج سلمي لإدارة اوجه الاختلاف في الرأي والتعارض في المصالح" وهذا منهج له مقتضيات تتم من خلالها الديمقراطية, وإذا كان بإمكان خصوم الديمقراطية إثارة اللغط حول الديمقراطية ذاتها فإن مصدقيهم يجب أن يبرروا موقفهم من مقتضياتها، فالحرية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص ورقابة الحكم كلها مبادئ تقتضيها الديمقراطية، في الوقت الذي يتعطاها الحكم الفردي بحذر وريبة وأحيانا برفض، وإذا كان يمكن إحسان الظن بأولئك الذين يتوهمون أن الديمقراطية عقيدة في مقابل الإسلام, فإنه لا يمكن البتة إحسان الظن بمن يقف ضد مقتضياتها، إذ أنها مبادئ إسلامية صميمة عبرت عنها روح النصوص القرآنية بصور مختلفة، ومن يطالب بمقتضيات الديمقراطية فإنه يطالب بمقتضيات النظرية السياسية بالإسلام.

2 - 5) ومطالبة الباحث بتمحيص تجربة الديمقراطية الغربية ليست مداهنة للمعارضين على أسس دينية، بل هي إدراك الاختلاف القيمي بين الحضارات, وهو تمحيص يدعونا للمطالبة بإعادة التوازن لمبدأ العدالة في مواجهة مبدأ الحرية، وقيمة الفرد أمام قيمة الأسرة، وذلك عند ممارسة الديمقراطية في مجتمعاتنا، حيث أن مبدأ الحرية كان دوما يشكل الروح الأساسية لنظرية الحكم في