You are here:الرئيسية>الأرشيف>محسن عوض: الديمقراطية وحقوق الإنسان فى الوطن العربي

تنمية رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية

الخميس، 04 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 6376 مرة
غرض الرؤية المستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية في أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي سوف نخلص إليها في هذا الفصل، يتمثل في تمكين المواطنين في دول المنطقة من توعية وتنظيم أنفسهم والتعاون مع حكوماتهم بعد إقناعها بأهمية وإمكانية الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية. وهذا الغرض بالرغم من سهولة القول به ومشروعيته العظيمة إلا أن الوصول إليه أمر عصي، تشير إلى صعوباته محصلة التجارب السياسية المعاصرة في دول المنطقة وما أسفرت عنه من بنى سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وارتباطات جيو - سياسية، تحمل في تركيباتها من عوامل إعاقة الانتقال إلى الديمقراطية اكثر مما تحمل من عوامل تعزيز المساعي الديمقراطية.

ومن هنا فإن مستقبل الديمقراطية في المنطقة يتطلب بذل الكثير من الجهد والتفكير المشترك من أجل تنمية فهم مشترك افضل للديمقراطية والتعرف على سبل ومداخل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في ضوء محصلة التجارب السياسية فيها وما أسفرت عنه من بنى مجتمعية وفي إطار الأهداف الوطنية الكبرى لمجتمعات المنطقة. وعلينا أن نتحاور فيما بيننا وأن نوسع دائرة الحوار على المستوى الإقليمي والمستوى الوطني من اجل تنمية رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية على المستوى الإقليمي وتشجيع القوى التي تنشد التغيير في كل دولة من دول المنطقة على التوافق على رؤية وطنية مستقبلية تساعد على تنمية الطلب الفعال على الديمقراطية في كل من دول المنطقة حسب ظروفها وإمكانيات الانتقال سلميا إلى نظام حكم ديمقراطي فيها.

ومن باب المحاولة ومن اجل تحفيز الحوار حول كيفية تنمية رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية في المنطقة، اسمحوا لي أن اطرح للنقاش أربع نقاط ذات علاقة ببناء رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية:

أولها: التعرف على أصحاب المصلحة في الديمقراطية. ثانيها: الواقع الراهن للحركة الديمقراطية. ثالثها: الإمكانيات والفرص المتاحة. رابعها: العوامل المعيقة.

5 - 1 أصحاب المصلحة في الديمقراطية

يمكن النظر إلى أصحاب المصلحة في الديمقراطية ورصد توجهاتهم من زاويتين: أولاهما: زاوية الأفراد والجماعات غير المنظمة والتي تعبر عن نفسها من خلال ما هو متاح من أطر وقنوات التعبير مثل الأندية (البحارنة 1999) والجمعيات والمجالس والمساجد والديوانيات، ومن خلال العرائض والتجمعات الوطنية التي تبرز في فترات متباعدة وقت الأزمات. هذا إضافة إلى الأعمال الفنية والكتابات الأدبية والصحفية والأكاديمية والفكرية، التي يعبر من خلالها الأفراد عن مصلحتهم في الديمقراطية ودعوتهم إليها. وثانيتهما: من خلال القوى أو الأحزاب والحركات التي تعبر عن مصالحها ومواقفها بشكل واضح ومنظم.

وإذا استثنينا الكويت حيث توجد أحزاب الأمر الواقع كما توجد اتحادات ونقابات وجمعيات، ويبرز تجمع وطني دستوري عبر التيارات عندما يعطل الدستور ويحل مجلس الأمة(النفيسي 1978: 229 - 238)، فإن القوى السياسية الفاعلة اليوم في دول المنطقة لا تتعدى الأسر الحاكمة والقوى الخارجية المؤثرة على القرار الوطني، وإلى حد ما يضاف إليهما تيارات بشكل عام مثل التيار الديني والتيار الوطني بكافة تكويناتهما، وربما بعض الطوائف والقبائل والمناطق وتجمعات التجار والعمال والطلاب في أوقات الأزمات.. أما الأفراد مهما كثر عددهم فإنهم لا يمثلون قوة سياسية فعالة في اتخاذ القرارات وتحديد الخيارات الوطنية ومنها الخيار الديمقراطي. ويبقى بذلك تعبير الأفراد والجماعات المعارضة عبر التيارات الدينية والوطنية وغيرها من التكوينات التقليدية أو الحديثة، تعبير معارضة غير متاح لها حرية التنظيم كي تصبح قوة سياسية مؤثرة بشكل مباشر في عملية اتخاذ القرارات وتحديد الخيارات.

ومن هنا يمكننا القول إن هناك أفراداً كثيرين وجماعات متعددة في دول المنطقة تعتبر نفسها صاحبة مصلحة في الديمقراطية، وتعبر عن ذلك من خلال الأطر والقنوات المحدودة المتاحة لها. إلا أن هؤلاء الأفراد والجماعات لم يصبحوا بعد، قوة سياسية فعاله متمكنة من التعبير علنيا عن مصلحتها في الديمقراطية، ولن يصبحوا قوة سياسية إلا عندما يتحولون إلى حركات سياسية ذات قوة فاعلة.

وفي اعتقادي أن الأفراد والجماعات التي تعتبر نفسها صاحبة مصلحة في الديمقراطية في كل دولة من دول المنطقة، يمكن أن يتسع نطاقها ويتبلور طلبها حتى تصبح قوة سياسية فعالة تعبر عن مصلحتها في إقامة نظام حكم ديمقراطي، كلما اتسع الهامش المتاح لحرية التعبير وحرية التنظيم.

فمن حيث المبدأ يمكن اعتبار جميع الأفراد العقلاء والجماعات المنصفة وغير المتعدية على حقوق الآخرين، أصحاب مصلحة في الديمقراطية. هذا دون إنكار لما في الطبيعة الإنسانية من ميول العدوان وحب الاستئثار إذا لم يكن هناك رادع للظلم وحافز للعدل كافيان. ومن هنا يجب تعزيز قيمة الإنصاف وإعلاء شأن العقل والعقلانية في السلوك تحت طائلة الضبط الاجتماعي. وذلك من اجل تعبئة أصحاب المصلحة في الديمقراطية والحيلولة دون انحراف السلوك الثقافي. إن الأفراد والجماعات التي مازالت لا تدرك مصلحتها من إقامة نظام حكم ديمقراطي - حسب وجهة نظري – (إذا استطاع المجتمع الحد من ميول العدوان والاستئثار لديها)، إما أنهم لم يتفكروا في إمكانية التكامل بين الشورى والديمقراطية (الأنصاري 1980: 425: 450)، ولم يلاحظوا بعد قوة العلاقة بين المبادئ الديمقراطية وبين القيم الدينية والإنسانية الخالدة من حرية ومساواة وعدل وإنصاف وتكافل في ظل تعايش سلمي (شلتوت: 433 –467). وإما أنهم غير مطلعين أو غير مدركين لإنجازات نظم الحكم الديمقراطية في مجال الأمن الوطني والتنمية وحفظ كرامة الإنسان، مقارنة بغيرها من نظم الحكم غير الديمقراطية المعاصرة لها. إن أي مقارنة بين نظام الحكم الديمقراطي على أرض الواقع مع بدائله، تبرهن على أن نظام الحكم الديمقراطي هو حقا "أقل نظم الحكم سوءاً " على الإطلاق.

ولعل سبب عدم التفكير العميق في أفضلية نظام الحكم الديمقراطي وتقدير إنجازاته وما يتيحه للأمم والشعوب من استمرار الاستقرار والتراكم المادي والمعرفي في ظل سلم اجتماعي، يعود إلى سوء فهم أو سوء ظن وربما سوء طبع لدى البعض. كما قد يكون عائدا إلى غشاوة مصلحة آنية أنانية ضيقة تقف عند حدود اللحظة الراهنة وتفتقد إلى الحكمة. وربما تكفي العقلاء والمنطقيين من هؤلاء نظرة إلى حقيقة استمرار المصالح المشروعة للأسر الحاكمة وسائر النخب الباقية في الدول التي وصلت إلى الديمقراطية سلميا، بسبب قبولها بالحكم الديمقراطي الدستوري. هذا بينما زالت الأسر والنخب الحاكمة التي لم تسمح بمسار الإصلاح السياسي والانتقال إلى الديمقراطية. إن نظرة متأملة لحياة الحكام ومصيرهم في الدول الديمقراطية بعد خروج السلطة من أيديهم، مقارنة بحياة الحكام بعد زوال السلطة في الدولة غير الديمقراطية، كفيلة بان تجعل العاقل يدرك أفضلية نظام الحكم الديمقراطي. (الخاطر 2000: 9). وعندها سوف يدرك هؤلاء المترددون من زاوية مصالحهم في المدى البعيد، ما يمكن أن يوفره نظام الحكم الديمقراطي من استمرار المصالح المشروعة وما يمكن أن يحققه من سلم اجتماعي على قاعدة الديمقراطية عندما يكون الحاكم أو المسئول في سدة الحكم وعندما يعود إلى المجتمع باعتباره مواطنا.

وحتى يتحول معظم الأفراد العقلاء والجماعات المنصفة إلى إدراك مصلحتهم في الديمقراطية، لابد أن يقتنعوا بإمكانياتها وبقدرتها على تسهيل الوصول إلى تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى، كما إن عليهم أن يطوروا مواقفهم تجاهها. وهذا يقتضي الرد الواضح والمقنع من قبل الداعين للديمقراطية على اعتراضات المعترضين عليها الديمقراطية من حيث المبدأ لأسباب عقائدية أو مصلحية، وتحفظات المتحفظين على الديمقراطية لأسباب مرحلية أو نتيجة لفشل تجارب تصديرها إلى الدول العربية.

وهذا الرد على اعتراضات المعترضين وتحفظات المتحفظين يقتضي مشاركتهم في الحوار حول المفهوم المعاصر للديمقراطية الذي ينفي عنها شبهة العقيدة المنافسة للعقيدة الإسلامية ويسبغ عليها صفة نظام الحكم والمنهج السلمي لإدارة أوجه الاختلاف في الآراء وتعارض المصالح. كما يقتضي إضافة إلى مقاربة إشكالية الديمقراطية مع الإسلام، الحوار أيضا من اجل مقاربة إشكاليات أخرى ذات أهمية في توضيح مصلحة الأفراد والجماعات في الديمقراطية. ومن هذه الإشكاليات تبرز احتمالات اختراق الأمن الوطني والتعدي على الثوابت الوطنية من دين وهوية وقيم إيجابية، من قبل قوى الهيمنة الخارجية التي تروج لأشكال من الديمقراطية تتوافق مع مصالحها غير المشروعة وتهدف إلى تصدير قيمها وعقائدها على حساب قيم ومعتقدات وأمن ومصالح المجتمعات الأخرى.

ولعل توسيع قاعدة أصحاب المصلحة في الديمقراطية يقتضي أيضا شراء رضا أصحاب الامتيازات والمكانات التقليدية بثمن مؤقت ومقبول إنسانيا عن طريق التدرج في إلغاء تلك الامتيازات، الأمر الذي يوجد مخرجا سلميا لأصحاب تلك الامتيازات التي قد تغري الرغبة في استمرارها، بعض الجماعات بمعاداة الديمقراطية والوقوف في وجه المطالبين بها. وهذا المخرج السلمي قد يساعد على التوافق بين الأسر الحاكمة والجماعات والفئات المحسوبة عليها من ناحية وبين عموم المواطنين من ناحية أخرى، ويرسي شرعية دستورية كما هو الحال في دستور الكويت لعام 1961، وكما كان عليه الحال في البحرين عندما طبق دستور 1972 وعندما تم قبول ميثاق العمل الوطني عام 2001 من اجل عودة العمل بالدستور.

5 - 2 الواقع الراهن للحركة الديمقراطية

الحركة الديمقراطية في دول المنطقة ضعيفة بشكل عام - مع وجود فوارق من بلد إلى آخر - لسببين جوهريين: أولهما: غياب الأحزاب السياسية التي تعارض قيامها جميع نظم الحكم في المنطقة، بل تحرمها قوانين أغلبية دولها. وحتى ما هو موجود منها بحكم الأمر الواقع في الكويت، هو إلى الجمعيات والتعاضديات أقرب منه إلى الأحزاب السياسية الوطنية من حيث العضوية، التي تسعى إلى الوصول إلى السلطة التنفيذية من خلال الانتخابات وفق برنامج وطني (المديرس 1996: 38 - 42). وثانيهما: عدم قدرة الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير على الانخراط في حركة دستورية ديمقراطية بسبب غياب قواسم مشتركة تغلب أمر التوافق بينهم على دستور ديمقراطي، على اختلافاتهم الأخرى. وذلك نتيجة ضعف التنظيمات الأهلية وضيق أفق "السراة" ومن يحتلون دور الوجهاء في المجتمع وضعف حس المسئولية التاريخية لدى بعضهم. وإذا كان الشاعر العربي يقول:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة لمن جهالهم سادوا
فإن الأفراد والجماعات أصحاب المصلحة في الديمقراطية مازالوا - إلى حد كبير، دون تنظيم ودون قيادات تاريخية، وما هو موجود من تكوينات وتيارات مازالت تفتقر إلى القيادات الحكيمة القادرة على الارتفاع إلى مستوى المسئولية التاريخية المطلوبة للتوافق على قواسم مشتركة تسمح بقيام حركة وطنية وديمقراطية تنشد الإصلاح في كل دولة وفقا لظروفها. وربما تكون آلية الضبط السلطوي - الريعي التي تتبعها نظم الحكم، هي أيضا إحدى أهم الأسباب الجوهرية في الحيلولة دون تنمية تنظيمات سياسية وبروز قيادات ديمقراطية ترتفع إلى مستوى المسئولية التاريخية بدلا من "الوجهاء" الذين يهتم بهم البروتوكول والإعلام في المناسبات لملاء الفراغ.

ولعل الكويت هي الأكثر تأهيلا لبروز نموذج لحركة دستورية ديمقراطية تضم الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير وتسعى إلى تطبيق دستور الكويت لعام 1962 نصا وروحا. إن "اباء" الدستور الكويتي(الديين 1999: 9 - 54) مازالوا هم أو إمتداداتهم السياسية على قيد الحياة، كما إن التجربة السياسية الكويتية قد حققت قدرا من حرية التعبير وإلى حد أقل حرية التنظيم، يجب استثمارهما للانتقال إلى الديمقراطية من خلال تطبيق دستور الكويت نصا وروحا وتحويل وضع الأسرة الحاكمة إلى ملكية دستورية، تقبل بمبدأ تداول السلطة التنفيذية ولا تعارض التخلص من أي احتكار سياسي واجتماعي واقتصادي يتعارض مع متطلبات الممارسة الديمقراطية. ولعل انغماس التيار الديني والتيار الوطني الذي يتعصب بعض أفراده للعلمانية والليبرالية الغربية، في جدل عقيم ومجانبة فقه الأولويات لدى بعض جماعات الإسلام السياسي، تشكل خطورة على مستقبل الممارسة الديمقراطية إذا لم يتدارك التيار الوطني والتيار الديني أهمية الاستفادة من الحرية التي ضمنها دستور الكويت للانتقال إلى الديمقراطية وتداول السلطة التنفيذية وفقا للشريعة الدستورية الراهنة. وتبدو الآثار السلبية لمماحكات التيار الديني والتيار الوطني على السلبية التي يظهرها أهل الكويت تجاه العمل السياسي المنظم والميل إلى العمل الفردي المستقل وفقدان الحماس الجماهيري لمنظمات المجتمع المدني ذات البعد الثقافي والسياسي العام.

ولقد برزت ملامح حركة ديمقراطية في الكويت بشكل خاص خلال فترات تعطيل الدستور وحل مجلس الأمة لاسيما في الفترة من 1986 - 1992، حيث برز في الكويت حزبان قويان "حزب الدستور الديمقراطي"، و"حزب الأسرة الحاكمة"والذي استطاع بالرغم من المعارضة الشعبية القوية العمل من خارج الدستور والدعوة إلى انتخاب مجلس وطني غير دستوري بدلا من مجلس الأمة(الحسن 1990: 12 - 15).

ومما يلاحظ أن الحركة الدستورية الديمقراطية التي تبلورت في الكويت لم تحافظ على تماسكها بعد العودة إلى انتخابات مجلس الأمة. بل إن الخلافات الثانوية بين التيار الديني والتيار الوطني بشكل عام وبين فصائل كل تيار سرعان ما تعود إلى البروز، الأمر الذي يمنع هذين التيارين من العمل على تثبيت دستور الكويت لعام 1962 نصا وروحا وصولا إلى هدف تداول السلطة التنفيذية (عدم احتكار رئاسة مجلس الوزراء ووزارات السيادة)، والانتقال بالتجربة السياسية إلى مستوى الممارسة الديمقراطية الحقة. ومن هنا فإن "حزب الدستور الديمقراطي" لابد أن يستمر حتى تنتقل التجربة الكويتية إلى ممارسة ديمقراطية حقه. ولابد أن يكون هناك برنامج يتوافق عليه الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير وتسعى إلى تطبيق دستور الكويت. وهذا يقتضي التوافق على قواسم مشتركة - منها مشاركة المرأة في الحياة السياسية والمواطنة المتساوية وتسوية قضية البدون - وبرنامج مرحلي ينمي القوى التي تنشد التغيير الديمقراطي ويزيد من قدرتها التنظيمية ويعزز جهودها نحو تثبيت العمل بدستور الكويت وتطبيقه، وحسم الخيار الديمقراطي والانتقال من خلال الإمكانيات التي يتيحها نظام الحكم الديمقراطي إلى حسم الخيارات الوطنية الأخرى كما دعى إلى ذلك جاسم السعدون في ندوة العلاقات الكويتية العراقية عام 1999.

وتأتي البحرين بعد الكويت من حيث إمكانية تنمية حركة ديمقراطية. وقد اتضح ذلك من بروز مطالب العودة للعمل بدستور البحرين لعام 1972. ويوجد في البحرين أساس تاريخي لتنمية حركة ديمقراطية من اجل العودة للعمل بالدستور ومن اجل تفعيل العمل به وترسيخه بعد العودة إليه. ويتمثل ذلك في "هيئة الاتحاد الوطني" التي مثلت شعب البحرين في الخمسينيات وفي العريضة التي وقعها آنذاك 25 ألف بحريني من أصل 80 ألف نسمة هم كل سكان البحرين عام 1954 (شهداد1999: 40)، وما تلاها من حركة علنية قدمت مطالب لحكومة البحرين والحكومة البريطانية، وتفاوضت حولها حتى عام 1956 عندما تم حل الهيئة واعتقلت قياداتها (الباكر 1965: 75 - 236). كما أن دستور البحرين لعام 1972 يمثل أساسا متينا لنشوء حركة ديمقراطية في الوقت الحاضر. وقد تأكد ذلك منذ عام 1990على وجه الخصوص، عندما تتالت العرائض وتلتها الاضطرابات والمطالبات التي رفعها الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير ومازالت تؤكد على مطالبتها بعودة العمل بدستور 1972 بعد الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني. وتمثل العريضة التي وقع عليها –أيضا - 25ألف من أهل البحرين أيضا في منتصف التسعينات مظهرا بارزا للحركة الديمقراطية في البحرين (الشملان وآخرون 1997: 17). وبالرغم من كثرة المطالبين بالديمقراطية في البحرين إلا أن القيادات التي تتبنى هذه المطالب مازالت غير قادرة على تفعيل طلبها في كل الأوقات لتشكل حركة ديمقراطية أو حزب الدستور الديمقراطي. وربما يعود ذلك إلى الإجراءات الأمنية وإلى آلية الضبط السلطوي. كما قد يعود جزئيا إلى قوة العامل الطائفي الديني في الحركة التي تنشد التغيير في الوقت الحاضر. الأمر الذي يعطي السلطات حجة مواجهتها وإقناع بعض فئات الشعب وربما الرأي العام العربي الرسمي ضدها. وهذا يقتضي من الحركة الديمقراطية في البحرين أن تعيد طرح نفسها في مرحلة ما بعد الميثاق الوطني، على أساس وطني سياسي واضح ومتوازن يضمن فعاليتها الداخلية ويقلل من معارضتها الخارجية بسبب الطائفية. وفي هذا مصلحة كبرى لشعب البحرين ولشعوب المنطقة ومستقبل الديمقراطية فيها.

وتتفاوت الأوضاع في بقية دول الخليج، ولكنها –مجتمعة - تفتقر إلى حركة ديمقراطية محسوسة. هذا بالرغم من أن الحركة الوطنية في هذه الدول في الخمسينيات والستينيات كانت تشارك الكويت والبحرين طموحاتهما الديمقراطية (الزيدي 2000: 325 - 330). وقد قدمت الحركة الوطنية وإمتداداتها في الحركة العمالية والطلابية في قطر –على سبيل المثال - مطالب وطنية (الكواري 1996 (ب): 165 - 197و219 - 221). وفي عقد السبعينيات كانت هناك طموحات الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية، من خلال تحول النظم الأساسية في قطر والإمارات وسلطنة عمان إلى دساتير ديمقراطية دائمة. ولكن هذه المطالب أيضا تراجعت تدريجيا مع الطفرة النفطية. هذا بالرغم من بقاء الطموحات التي تم التعبير عنها، بالكتابات والدعوات والبيانات والدراسات وكان أبرزها مذكرة المجلس الوطني ومجلس الوزراء في اتحاد الإمارات العربية في عام 1979، إلى المجلس الأعلى(غباش 1979: 5 - 9)، ودراسات الإصلاح الإداري التي شهدتها المملكة وقطر وسلطنة عمان في مطلع السبعينيات حتى منتصفها. وكذلك ما عبر عنه منتدى التنمية وغيره من الملتقيات، من أطروحات وتوصيات منذ عام 1979 وحتى اليوم، في ضوء قيام الثورة الإيرانية والحرب العراقية–الإيرانية وإنشاء مجلس التعاون وتراجع أسعار النفط.

وفي مطلع التسعينيات عادت مطالب الديمقراطية والشورى إلى البروز وعبرت عنها تحركات وعرائض الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير على امتداد دول المنطقة (الكتبي 2000: 222 - 235). و- مع الأسف - لم تلق تلك العرائض التي لم تكن تسندها حركة ديمقراطية، آذاناً صاغية بل تم التعامل معها أمنيا وأخفتت الأصوات. وبذلك بقى الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير في تيارات دينية ووطنية تعوزها التنظيمات، كما تفتقر إلى وحدة التوجه بسبب غياب القواسم المشتركة بينها وعدم توافقها على العمل الفكري والتنظيمن المشترك من أجل الانتقال إلى ￿لديمقراطية. هذا بالرغم من مصلحة تلك التيارات في الديمقراطية وتأكيد كثير من المنتمين إلى التيار الديني والتيار الوطني على ضرورة الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية من أجل تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى. وسوف تبقى الحركة الديمقراطية ضعيفة أو غائبة عن ساحة الدول الأربع إلى أن يرتفع حس المسئولية لدى الواعين من رجالاتها ونسائها بفضائل الديمقراطية وضرورات الإصلاح الجذري ويعبروا عن إحساسهم هذا بمخاطبة السلطات علنيا وجماعيا بشكل صادق ومسئول. وهذا لن يتم إلا بعد أن يكسر هؤلاء حاجز الذل والخوف ويصدقوا مع أنفسهم ومع السلطة في بلدانهم.

5 - 3 الإمكانيات والفرص المتاحة لتعزيز التحول الديمقراطي

ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
الإمكانيات المتاحة لتعزيز التحول الديمقراطي في دول المنطقة باستثناء الكويت وربما البحرين، محدودة والفرص قليلة. ويمكن أن تسبب قراءة الواقع الراهن إحباطا للمرء ويأسا من إمكانية التحول الديمقراطي في أغلب دول المنطقة في المدى المنظور. ولكن النظرة التاريخية التي لا تقف عند حدود اللحظة الراهنة، وإنما تمد افقها إلى المستقبل بهدف المشاركة في صنعه، لابد لها أن تتواصى بالصبر وأن تنطلق من الأمل، وأن تُعمل الفكر في الواقع وتتحرى ما في ماضيها وحاضرها من عوامل تساعد على تنمية إمكانيات التحول الديمقراطي وزيادة فرص الانتقال إلى الديمقراطية. وهذه النظرة لابد أن تكون على مستوى كل دولة ومن قبل مواطنيها الذين هم أقرب إلى الواقع وأعرف بالباطن وأقدر على معرفة الإمكانيات واغتنام الفرص. ومع هذا التحفظ فإن الباحث يمكنه الإشارة إلى عدد من الفرص وطرح عدد من الإمكانيات المشتركة بقصد إجراء حوار حول دلالتها بالنسبة لكل دولة من دول المنطقة.

والإمكانيات التي تحسن الإشارة إليها في هذا الصدد تتمثل في التالي:

أولا: تزايد الوعي بمفهوم المواطنة والمطالبة بأداء مقتضياتها من حقوق وواجبات. ويعود ذلك إلى انتشار التعليم وسهولة المعرفة والاحتكاك بالعالم من خلال السفر والتجارة ومن خلال الإعلام، الأمر الذي نور بصيرة المواطنين وجعلهم يقارنون أوضاعهم بأوضاع المواطن في الدول الديمقراطية، ويحسون بالفرق –على المستوى الشخصي– من حيث المساواة القانونية والحق في التعبير والتنظيم وضمانات الكرامة الإنسانية عندما يكونون في دولة ديمقراطية، مقارنة بما يفتقدونه في أوطانهم من حقوق المواطنة وكرامة الإنسان. إن هذا الوعي والإدراك جعل المواطن في دول المنطقة غير قانع بوضع الرعية والتابع المطيع. وأخذ المواطن يجاهر بعدم قناعته هذه وينتقد بصوت عال، وإن كان صوت هذا الانتقاد ما يزال صوتا فرديا ضائعا يفتقر إلى الوسائل التنظيمية والحركة الجماعية التي يمكن أن تجعله مسموعا ومؤثرا على عملية اتخاذ القرارات العامة وتحديد الخيارات الوطنية.

ثانيا: تزايد استخدام مصطلح الديمقراطية في الخطاب الرسمي للحكومات والنخب الحاكمة. ويتعدى ذلك الخطاب مجرد اللفظ إلى التطبيق أحيانا. ومثال ذلك إقرار نظم أساسية للحكم وتعيين مجالس شورى في الدول التي لم يكن فيها شيء من ذلك. وهذا اعتراف اضطراري وإن كان على مضض بأن الدولة من حيث المبدأ، مؤسسة يجب أن يتم تنظيم العلاقات فيها من خلال نظام أساسي للحكم، ويشارك الشعب من خلال مجالس الشورى في إبداء الرأي. وكذلك يتمثل هذا الخطاب الرسمي في الحديث عن تحول النظم الأساسية للحكم والدساتير المعطلة في بعض دول المنطقة إلى دساتير دائمة تقيم مجالس شورى ومجالس نيابية وبلدية منتخبة تشارك فيها المرأة. إن هذا الخطاب الرسمي حول "الديمقراطية" والتظاهر بتطبيقها، بالرغم من شكليته وبعده عن الديمقراطية الحقيقية بسبب عدم احتكامه إلى شرعية دستور ديمقراطي، يدل على مراجعة الحكام لنظم حكمهم، واعتبار مشاركة الشعوب لهم بأنها مصدر من مصادر الشرعية. وهذه المراجعة التي فرضها العصر وزاد من ضرورتها وعي الشعوب ومطالبة الأفراد بحقوق المواطنة واستعداد بعضهم لتحمل واجباتها، تمثل إمكانية للانتقال من الديمقراطية اللفظية التي تسود الخطاب، إلى الديمقراطية الحقة تدريجيا. هذا إذا نمى الطلب المجتمعي على الديمقراطية. لقد أصبحت الديمقراطية مقبولة ولو ظاهريا على المستوى الرسمي، وبالتالي فان المطالبة بها ليست خيانة أو كفرا. وهذا يزيل حاجزا وينمي إمكانية من إمكانيات التحول الديمقراطي، على المؤمنين بالديمقراطية الاستفادة منه.

ثالثا: التوجه العالمي نحو الديمقراطية. لعل التوجه العالمي بشكل عام وعلى الأخص بين الشعوب والمنظمات الأهلية غير المغرضة في الغرب وفي العالم أجمع، أصبحت إمكانية من الإمكانيات وفرصة يمكن أن يستفيد منها كل شعب من الشعوب الساعية للانتقال إلى الديمقراطية في مواجهة حكوماتها. ويعود ذلك إلى تأثير الرأي العام العالمي عندما يطّلع على النضال الديمقراطي من خلال أجهزة الإعلام والإنترنت ويتم التعاطف مع ذلك النضال من قبل المنظمات الأهلية المؤثرة على قرارات الدول. وإذا كان العامل الخارجي لا يمكن أن يكون بديلا عن العوامل الداخلية، وإذا كانت إمكانياته قد لا تتعدى التعاطف، فإنه مفيد جدا من الناحية النفسية والمعنوية للحركة الديمقراطية، ومؤثر على السمعة التي تحاول أن تبنيها الدول غير الديمقراطية لنفسها وتوظف من أجلها الإعلام والعلاقات العامة فضلا عن التساهل مع المصالح الأجنبية.

إن التوجه العالمي نحو الديمقراطية يمثل إمكانية محلية للحركة الديمقراطية، إذا هي استطاعت أن تصل إلى درجة من التماسك الداخلي والاستمرارية وكسبت الرأي العام المحلي والإقليمي ونفذت إلى وسائل الإعلام العالمي وعبر شبكة المعلومات الإلكترونية. إن الدول في عصر العولمة لم تعد محصنة ضد التأثير الخارجي أو غنية عن تأييد الدول الأخرى وقناعات شعوبها. ومن هنا فان التوجه العالمي تجاه الديمقراطية سوف يؤثر من حيث إضعاف إرادة الدول الأجنبية واستمرارها في تأييد الحكومات غير الديمقراطية. وذلك عندما يصل صوت المطالب الديمقراطية إلى جمعيات حقوق الإنسان والمنظمات الأهلية والرأي العام في العالم. لقد اصبح هناك بعد خارجي للنضال الديمقراطي، يمكن أن يعزز جهوده على المستوى المحلي. هذا إذا ابتعدت الحركة الديمقراطية عن شبهة الاختراق الخارجي وحافظت على استقلالها، ولم تستخدم من قبل الغير لترويج القيم والمصالح والعقائد المتعارضة مع ثوابت مجتمعها، طمعا في التمويل والتأييد الخارجي. إن البعد الخارجي مكمل لبعد النضال الداخلي ولذلك يجب الحذر من طغيان اعتباراته كي لا يكون استخدامه ضد الحركة الديمقراطية الوطنية من قبل أعدائها في الداخل حقا يراد به باطل.

رابعا: التغيرات الاقتصادية وتراجع دعم الدولة. تشهد دول المنطقة تغيرات اقتصادية وسكانية أدت إلى تراجع نصيب الفرد من ريع النفط، الأمر الذي سوف يؤدي إلى عجز الحكومات عن توفير وظائف للمواطنين في القطاع العام ويقلص من دعمها للخدمات ويكشف فشلها في التنمية. كما تحد هذه التغيرات المالية من قدرة الدولة على الاحتفاظ بسياسات إعادة توزيع ريع النفط والتي شكلت آلية الضبط السلطوي - الريعي في الماضي. ومن هنا فإن حكومات المنطقة تواجه الآن وسوف تواجه في المستقبل أوضاعاً مختلفة لن تجدي أساليب الحكم السابقة في مواجهتها، مهما أضيفت العصا إلى الجزرة. الأمر الذي يجعل الحكومات تعيد النظر، وإفساح مجال للقطاع الخاص الإنتاجي وتشجيع المهنيين على الحرف الحرة، والاهتمام بالتنمية الاقتصادية لتوفير فرص عمل منتجة وتوليد مصادر دخل للمواطنين وللدولة نفسها من خلال الرسوم والضرائب. وهذه السياسات التي سوف تٌجبر ماليا عليها الحكومات عاجلا أو آجلا، تقتضي رفع سقف الحرية الاقتصادية والسياسية وسوف تفسح مجالا للمبادرات غير الحكومية على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي، نتيجة زيادة نسبة المستقلين في دخلهم وترقيهم المهني وحراكهم الاجتماعي عن هيمنة الحكومات. كما تعيد إلى الساحة السياسية عامل الضرائب باعتباره واجبا على المواطنين يقابله حق المشاركة في الرقابة واتخاذ القرارات العامة.

وينتظر أيضا أن يؤدي تردد حكومات المنطقة عن إجراء إصلاح جذري شامل – بسبب الخوف من أن يمس منافع بعض الفئات وأولوياتها على المال العام عندما يتم إعادة تقسيم أعباء الإصلاح بعدل بين المواطنين - ، إلى وضع تتدنى فيه مستويات المعيشة بالنسبة لذوي الدخل المحدود وتنتشر فيه البطالة وعلى الأخص بطالة المتعلمين. وسوف تبدو نتيجة لذلك التردي الفروق الاقتصادية والاجتماعية جلية ينكرها المواطنون ويعملون على تصحيحها. وهنا تبرز بسبب تقلص الدعم الحكومي وانحيازه ضد مصلحة ذوي الدخل المحدود إضافة إلى ضرورة اعتماد المواطنين على أنفسهم وتزايد الدور الإنتاجي للمواطنين وتحررهم النسبي من هيمنة السلطة وعدم رضاهم عن تراجع دعم الدولة، حاجة لقيام تنظيمات أهلية تطرح اهتماماتهم وتدافع عن مصالحهم، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى قيام نقابات وتنظيمات سياسية وجمعيات حقوق الإنسان وبروز نواة حركات ديمقراطية تحقق الانتقال السلمي إلى الديمقراطية. هذا إذا كانت التيارات التي تنشد التغيير والحكومات قادرة على إدراك فضائل إرساء نظم حكم ديمقراطية تقيم العدل والإنصاف على قاعدة المساواة بين المواطنين، وتؤسس لسلم اجتماعي ومصالحة تاريخية على قاعدة الديمقراطية.

خامسا: تزايد نشاط التجمعات الأهلية ونمو التنظيمات غير الحكومية. تختلف دول المنطقة بشكل واضح في مدى مراعاتها لحرية التعبير والتنظيم. فهناك الكويت التي تتقدم على دول المنطقة وتصل حرية التنظيم فيها إلى قبول أحزاب الأمر الواقع. وهناك البحرين والإمارات حيث توجد فيهما منظمات مهنية وثقافية وأندية وفقا لقانون الجمعيات. وفي بقية دول المنطقة توجد جمعيات خيرية فقط. والى جانب تنظيمات المجتمع المدني الحديث المشار إليها، توجد تجمعات غير رسمية تساهم في تشكيل الرأي العام برز تأثيرها في البحرين قبل وبعد الاستفتاء على الميثاق الوطني.

وأهم هذه التجمعات غير الرسمية الحركات غير المرخص لها إضافة إلى المساجد والمجالس والملتقيات غير الرسمية الأخرى التي أصبحت تلعب دورا ثقافيا وسياسيا متصاعدا في دول المنطقة خاصة عندما تنعدم حرية التنظيم أو يتم التضييق عليها. كما هو الحال في دول الخليج التي لا تتوفر فيها تنظيمات المجتمع المدني ذات الطابع السياسي، وكما يحصل في الكويت إبان فترات تعطيل الدستور حيث تلعب الديوانية إلى جانب المسجد دورا سياسيا في التعبير عن الرأي العام. ومن هنا فإن تنشيط دور المسجد والمجلس أو الديوانية وملتقيات الأمر الواقع باعتبارها الحد الأدنى الذي يحتفظ المواطنون بحق التجمع فيها والتداول على هامش تجمعهم فيما يخصهم من شئون عامة، يمثل إمكانية يصعب تعطيلها بالكامل وسوف تبقى مهمة في الحياة الاجتماعية والسياسية حتى ينمو المجتمع المدني ويقوم بوظائفه كاملة من خلال الأحزاب والنقابات وجمعيات حقوق الإنسان إضافة إلى جمعيات النفع العام غير الحكومية الأخرى.

وإلى جانب التجمعات الأهلية غير الرسمية، بدأ ينمو في دول المنطقة مجتمع مدني من الجمعيات غير الحكومية الخيرية والثقافية والمهنية وصولا لأحزاب الأمر الواقع في الكويت(المديرس: 1996). هذا إلى جانب وجود محسوس لتيار ديني إسلامي وتيارات قومية وليبرالية واجتماعية وطنية. فضلا عن وجود، مشاركات خارجية للمواطنين في نشاطات خيرية وثقافية ومهنية وأكاديمية وإنسانية على مستوى العالم إضافة إلى المستويين العربي والإقليمي. وهذه التحركات الشعبية على المستوى الأهلي ومن خلال منظمات المجتمع المدني والصلات الخارجية لمواطني دول المنطقة، سوف تزيد من حرية التنظيم وتفسح مجالات أرحب لحرية التعبير عن طريق البحث العلمي والدراسات وعن طريق كتابة الآراء والمساهمة في اللقاءات. الأمر الذي سوف يساعد على تقارب الأفراد والجماعات وبلورة قواسم مشتركة للعمل المشترك لما فيه من مصلحة عامة لشعوب المنطقة وحكوماتها.

سادسا: الاعتبارات الدينية والتقليدية في علاقة الحكام بالمحكومين. تعتمد حكومات المنطقة على سياسة المجاملة في علاقتها مع مجتمعاتها. وتعطي تصرفاتها السلطوية بعدا دينيا ومظهرا تقليديا قبليا وعائلياً ولا تُفرط في استخدام العنف، وإنما تستخدمه بالقدر الكافي للاحتفاظ بسلطتها المطلقة تجاه كل من يهدد سلطة الحاكم الفرد ولو كان أقرب المقربين. ويتضح من تاريخ العلاقة بين الشعوب والحكومات بأن الحكومات عندما تواجه بحركة وطنية مثل هيئة الاتحاد الوطني في البحرين والحركات الوطنية والعمالية والطلابية في قطر والحركة المطالبة بعودة العمل بالدستور في الكويت والتحركات الدينية السلمية في المملكة وغيرها من دول المنطقة، وتحرك المجلس الوطني ومجلس الوزراء الاتحادي والصحافة المستقلة في الإمارات، وحتى التحركات الأكثر عنفا في عٌمان وبعض دول المنطقة … فإن ردة فعل الحكام الأولية تتصف بالسياسة وتحرص على التعامل مع هذه التحركات آخذة في الاعتبار الأعراف التقليدية والاعتبارات الدينية، ولا تستخدم العنف إلا عندما يتم إضعاف تلك التحركات ويتم تعبئة التأييد الداخلي والخارجي ضدها. ونلاحظ أيضا أن تعامل الحكومات مع أصحاب الرأي والحجة الدينية والانتماءات التقليدية اكثر لينا من تعاملهم مع غيرهم من المعارضين.

وهذه الطبيعة الخاصة لعلاقة الحكام بالمحكومين في دول المنطقة ودرجة المجاملة التي تحظى بها الاعتبارات الدينية والتقليدية تتيح إمكانية يمكن تعزيزها. وعلى المطالبين بالديمقراطية أن يركزوا على إظهار المبادئ وإبراز القيم والعودة إلى علاقة المساواة والندية التي سادت بين مؤسسي الأسرة الحاكمة والقبائل والعائلات التي تشكل منها المجتمع في ذلك الوقت. إن إبراز قيمة الإنسان، والتركيز على الاعتبارات الأخلاقية والتذكير بالعلاقة التقليدية والتصرف مع الحكام بمقتضيات ذلك وعلى مستوى الندية، سوف يعيد الذاكرة التاريخية للحكومات والشعوب ويساعدهما على إعادة تأسيس العلاقة بينهما على قاعدة المساواة والندية وفق شرعية دستور ديمقراطي، لا تكون فيه السيادة لفرد ولا لقلة على الناس وإنما السيادة لله وحده عز وجل، والشعب مصدر السلطات. ويصبح الحاكم أولاً بين متساوين كما كان الحال في الأحلاف القبلية في المنطقة وأعراف القبيلة العربية التقليدية التي تقوم العلاقة بين أفرادها المتحالفين على أساس الأعراف والاحترام المتبادل.

ومما لاشك فيه أن تفعيل الاعتبارات الدينية والتقليدية والتركيز على كرامة الإنسان إلى جانب إبراز حقوق المواطن وتماسك المجتمع عبر الأجيال، تشكل كلها إمكانيات ثقافية يمكن أن تضاف إلى إمكانيات الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية. هذا إذا تم الرجوع الصادق إلى المعنى العظيم لمبدأ التوحيد من حيث أنه في جوهره نفي لعبودية الإنسان لغيره من البشر. وتم تطبيقا لذلك الإيمان، التصدي لمهمات القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصرار على مراعاة مبدأ المساواة والعدل والإنصاف، وأصبحت الدعوة تركز على أن الأمر شورى بين الجماعة، والشورى ملزمة والأمة هي التي تفوض السلطة لمن يحكمها أو يشرع نيابة عنها وفق شرعية دستور ديمقراطي يحفظ للشريعة مكانتها. ويضاف إلى هذا الاعتبار العقائدي الذي يجب توظيفه من أجل الانتقال إلى الديمقراطية، اعتبارات تقليدية تتعلق بالتاريخ الاجتماعي والسياسي لدول المنطقة، وبروز الأسر الحاكمة نتيجة توافق الأفراد والجماعات وقيامهم بمساندة مؤسسي تلك الأسر - بعد اختيارهم في أغلب الأحيان - في الوصول إلى السلطة وفق مفهوم يحافظ على كرامة السكان ويحقق مصالحهم ويقوم على مشاركتهم في القرارات وفي الخيرات. إن الفرد عندما يرتقي بنفسه إلى مرتبة المواطن ويرتفع بحس المسئولية المجتمعية والأخلاقية لديه سوف يجد إمكانيات معقولة، تفتح آفاقا للعمل السلمي من اجل الديمقراطية تبدأ بالعمل الفردي ووصولاً للعمل الجماعي (فخرو 2000 (ب): 14 - 32).

5 - 4 العقبات والعوامل المعيقة للتحول الديمقراطي

العقبات التي تقف أمام الانتقال إلى الديمقراطية عديدة كما يتضح ذلك من البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والجيوسياسية الراهنة التي سبقت الإشارة إليها. فالواقع الراهن لتلك البنى التي أسفرت عنها التجارب السياسية المعاصرة لدول المنطقة، يشير إلى عقبات عصية على التجاوز. هذا مع وجود اختلاف نوعي كبير بين وضع الكويت وأوضاع بقية دول المنطقة بسبب تطورها السياسي وما أسفر عنه من مستوى الحريات العامة التي يتيحها دستور الكويت لعام 1962، وما يوفره بالتالي من إمكانيات شرعية للنضال الديمقراطي ونمو حركة ديمقراطية قادرة على مواجهة العوامل المعيقة لعملية التحول الديمقراطي (النجار 1996). وفي تقديري أن أهم العقبات والعوامل المشتركة المعيقة في دول المنطقة بشكل عام تتمثل في التالي:

أولا: ضخامة مصالح الأسر الحاكمة وما يعود عليها من المال العام كرواتب ومخصصات وعطايا وخدمات، وما يتمتع به بعض أفرادها من قدرة على استملاك الأراضي الشاسعة. هذا إضافة إلى المكانة السياسية التي يتمتع بها أفرادها وتعطيهم الأولوية في تولي المناصب والوظائف العامة فضلا عن الأولوية الاجتماعية المفروضة بقوة البرتوكول الرسمي (الشيوخ قبل الوزراء). ولعل نظرة على المناصب العليا في الحكومات وما يتبعها من مؤسسات تبين أولويات أفراد الأسر الحاكمة في تولي الوظائف العامة فضلا عن مواقع ووزارات السيادة. وإلى جانب هذا كله يتمتع أفراد الأسر الحاكمة بشكل عام بمزايا القرب من متخذي القرار. هذا مع اختلاف درجة تلك المزايا من فرد إلى آخر ومن بلد إلى آخر، الأمر الذي يجعل كل رجل أعمال أجنبي أو محلي محتاجاً إلى استخدام ذلك النفوذ من أجل الحصول على الأعمال لاسيما المتعلقة منها بالدولة أو التي تحتاج إلى ترخيص وموافقات الحكومة للقيام بها أو تزويدها بالخدمات والتسهيلات.

وتضاف النخب الأخرى من وزراء وكبار موظفين وسماسرة الأعمال والعمولات (مواطنين ووافدين)، إلى أصحاب النفوذ " الجالب للمال". ولعل نظرة إلى الثروات الكبرى وإلى ملكية وعضوية مجالس إدارة الشركات الكبرى الفردية منها والمساهمة العامة تشير إلى العلاقة بين النفوذ في السلطة والمكانة في القطاع الخاص. هذا بالرغم من أن احتمالات تعارض ذلك مع المصلحة العامة بل تعارضه مع نصوص دستورية وقانونية سارية المفعول. وهنا يمكننا توصيف العلاقة بين السلطة والثروة بما وصف ابن خلدون الدولة السلطانية غير الديمقراطية به، حسب ما سبقت الإشارة " الجاه مفيد للمال" "والتملق مفيد للجاه" (الجابري 2000: 12). وإلى أن يفك الارتباط بين السلطة العامة والمصالح الشخصية ويوضع حد لكون التملق سبيلا للسلطة والنفوذ، ويعاد الاعتبار تدريجيا لحرمة المال العام والنفوذ العام، فإن هذه العقبة المتمثلة في ضخامة المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة سوف تبقى عقبة كأداء تسد طريق الديمقراطية وتعرقل الانتقال إليها.

ثانيا: ضخامة المصالح الأجنبية. تحظى الشركات متعددة الجنسية الغربية، بمصالح نفطية وتجارية ومالية كبيرة في المنطقة وأولوية وسهولة في التعامل مع الحكومات على وجه الخصوص. كما تتمتع الحكومات الغربية المهيمنة على النظام العالمي بوجود عسكري ودور أمني ونفوذ ضاغط على عملية اتخاذ القرارات الوطنية. وهذه الأوضاع التي تمد جذورها في التاريخ الحديث لدول المنطقة وتكتسب تأثيرها من حقيقة دورها العسكري والأمني في المنطقة وسيطرتها على النفط، تشكل عقبة أمام الانتقال إلى الديمقراطية. ويعود ذلك لسببين رئيسيين: أولهما: تقدير القوى الأجنبية صاحبة المصالح المحلية، لخطورة الديمقراطية الحقة على مصالحها غير المشروعة واحتمال تعارض التوجهات الوطنية مع استراتيجيات الهيمنة التي تسعى إلى فرضها على الدول التابعة. إن الديمقراطية الحقة لابد أن تكون ذات اتجاهات وطنية والتزام بتحقيق المصالح الوطنية، والتي قد تتطلب من دول المنطقة الاندماج الإقليمي في كيان موحد قادر على توفير الأمن والنماء في إطار التكامل العربي بدلا من الاعتماد على الحماية الأجنبية. وثانيهما: إن التفاوض مع الحكام مقابل تأمين استمرار حكمهم، أثبت – على مستوى العالم - أنه أيسر وأسهل للقوى الأجنبية ذات الاستراتيجيات المعادية لتطلعات الشعوب وذات المصالح في احتكار الموارد الطبيعية والتجارية والراغبة في احتكار مشتريات السلاح وتشجيعها. ومن هنا فإن الحكومات الغربية في الماضي والحاضر ليست متحمسة بشكل عام للديمقراطية في الدول العربية. هذا إذا لم تكن ضدها في بعض الدول إذا تعذر إفراغ الديمقراطية من توجهاتها الوطنية. وحيث لا يوجد طلب شعبي فعال على الديمقراطية أو حركة وطنية ديمقراطية يحتمل أن توازن ضغط المصالح الأجنبية أو يحتمل أن تصل إلى الرأي العام الخارجي وتكسبه ضد تصرفات حكوماته في المستقبل، فإن النفوذ الأجنبي صاحب المصالح المحلية سوف يظل عامل إعاقة للديمقراطية.

ثالثا: تفاقم الخلل السكاني واستمرار الخلل الإنتاجي. تشكل أوجه الخلل هذه معوقات حقيقية لحركة الشعوب ونمو قدرتها الذاتية وإرادتها المستقلة اللازمين لتنمية طلب فعال على الديمقراطية. فالخلل السكاني الذي يتفاقم عاما بعد عام كما أشرنا سابقا، أدى إلى تهميش دور قوة العمل المواطنة وطردها من المواقع المنتجة التي لا تستغني عن إنتاجها الدولة والمجتمع، وجعل دور المواطنين في اتخاذ القرارات في القطاع الخاص والعام دوراً ثانويا إذا قورن بدور الوافدين. كما أصبح المواطنون في الدول الصغيرة أقلية، ليست بالضرورة أكبر الاقليات في الدولة. ومن هنا فإن مجتمعات أغلب دول المنطقة كما سبق أن بينا، لم يعد ينطبق عليها مصطلح المجتمعي بالمعنى العلمي، وإنما هي إلى معسكرات العمل أقرب (الكواري 1996 (ب): 231 - 250). وهذا يؤثر على قدرة المواطنين في الدفاع عن مصالحهم ويجعلهم، بحكم ضعف تأثيرهم على القرار وهامشية دورهم الإنتاجي الذي لا تعتمد عليه الدولة، غير متمكنين من العمل على تأمين مصيرهم. فالسكان كلهم لا يجمعهم مصير واحد وأخطار المستقبل ليست مشتركة بالنسبة لهم جميعا. ومن هنا فإن مصالحهم ليست واحدة وأهدافهم العامة ليست مشتركة ومصيرهم ليس متماثلا.

وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة استمرار الخلل الإنتاجي واستمرار الاعتماد على الريع من صادرات النفط واستخدامه لتعزيز آلية الضبط السلطوي كما أشرنا سابقا، فإن تفاقم الخلل السكاني واستمرار الخلل الإنتاجي يشكلان عقبات أمام الانتقال إلى الديمقراطية، ولابد من إصلاحهما من أجل تفعيل دور المواطنين وتنمية قدراتهم وتحرير إرادتهم الأمر الذي لا يمكن لهم بدونه تنمية طلب فعال على الديمقراطية. ولعل المفارقة المحزنة هنا تتمثل في تناقض المصالح الآنية لبعض القوى الفاعلة في المنطقة مع متطلبات إصلاح الخلل السكاني والخلل الإنتاجي لما يمثله استمرارهما من دعم لآلية الضبط السلطوي. هذا إضافة إلى إدمان مجتمعات المنطقة للمنافع الآنية التي يتيحهما هذان الخللان. ولذلك فقد مرت اكثر من فرصة على دول المنطقة لتصحيح كل منهما دون أن تغتنم. والكويت خير مثال على ذلك.

رابعا: عدم التوافق على مفهوم الديمقراطية وغياب العمل بها. أصحاب المصلحة من الأفراد والجماعات في الديمقراطية كثيرون، ولكنهم غير متفقين على مضمون الديمقراطية ولا يمارس معظمهم الديمقراطية على أرض الواقع على أي مستوى من مستوياتها. فالديمقراطية ما زالت شعاراً يفتقر إلى وجود مفهوم مشترك متفق عليه بين الداعين إلى الانتقال إليها. كما أن ممارستها في تنظيمات المجتمع المدني مثل الجمعيات والتجمعات المهنية وأحزاب الأمر الواقع وحتى الشركات المساهمة يشوبها الكثير من أوجه النقص. الأمر الذي حد جزئيا من نمو التنظيمات غير الحكومية الحقة –على قلتها - وحال دون اتساعها بسبب جمود القيادات وكثرة الانشقاقات والانفلاق على المصالح الآنية الضيقة.
وقد أدى غموض مفهوم الديمقراطية وغياب العمل بها، إلى صعوبة العمل المشترك بين التيارات والقوى السياسية التي تنشد التغيير وحال دون نمو المجتمع المدني وبروز حركة ديمقراطية. ومن هنا فإن عدم التوافق على مضمون الديمقراطية بين أصحاب المصلحة فيها وغياب العمل بها في داخل تنظيمات المجتمع المدني، تدعو إلى تحديد مفهوم الديمقراطية وتوضيح مضامينه الدستورية من خلال الحوار بين القوى التي تنشد التغيير الديمقراطي وبين الحركة الديمقراطية وبين الحكومات حتى يتم خروج الحكومة والشعب من مصيدة الحكم غير الديمقراطي،ويسهل أمر التوافق بينهما على الديمقراطية وتبدأ عملية التحول الديمقراطي الطويلة والشاقة ولكن الممتعة ذهنيا وإنسانيا والمعطاءة وطنيا.
 
 
المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها
 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة