You are here:الرئيسية>مفاهيم>مفاهيم - الجماعة العربية للديمقراطية

الأهداف الوطنية الكبرى ومكانة الديمقراطية بينها

الخميس، 04 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 6288 مرة
ما هي الأهداف الوطنية التي تشترك شعوب المنطقة في السعي إلى تحقيقها؟ وهل يمكن تحقيق هذه الأهداف في معزل عن قيام نظم حكم ديمقراطية في دول المنطقة؟

يمكن اختصار الأهداف الوطنية الكبرى في ضوء محصلة التجارب السياسية في دول المنطقة والبنى التي أسفرت عنها، في أربعة أبعاد متداخلة ومتكاملة هي التنمية، والأمن، والاندماج الإقليمي في إطار التكامل العربي، والمشاركة السياسية الفعالة. وقد تم تفصيل هذه الأبعاد في الرؤية الاستراتيجية التي تم إعدادها، بناء على طلب مجلس التعاون في عام 1983. حيث تم الانطلاق من إحدى عشرة غاية تهدف استراتيجية التنمية والتكامل إلى بلوغها لمواجهة ثمانية تحديات تم الاتفاق على وجودها المشترك في دول المنطقة (الكواري: 1985: 21 - 127).

وقد اقترحت الاستراتيجية باعتبارها إطارا عاما لخطط التنمية في كل من دول المنطقة، ثمانية أهداف استراتيجية عاجلة. أربعة منها تتعلق بتصحيح المسار: أولها: تخفيض الاعتماد على النفط وإخضاع إنتاجه لاعتبارات التنمية. وثانيها: تخفيض حجم قوة العمل الوافدة وتعديل تركيبها وتحسين نوعيتها. وثالثها: إخضاع النفقات العامة لمعايير الجدوى الاقتصادية. ورابعها: إصلاح الإدارة الراهنة وتنميتها. كما كانت الأهداف الأربعة الأخرى من الخامس إلى الثامن مختصة ببدء عملية التنمية الشاملة المستدامة ذات البعد الإنساني: أولها: بناء قاعدة اقتصادية بديلة. وثانيها: بناء قاعدة علمية تقنية ذاتية متطورة. وثالثها: إصلاح التعليم وربطه بمتطلبات التنمية. ورابعها: توفير البيئة الملائمة لتنمية ثقافية واجتماعية مستمرة. وقد تم اختتام الوثيقة المتضمنة تلك الرؤية الاستراتيجية، بذكر متطلبات التنفيذ ومنها الإشارة إلى الإصلاحات السياسية والإدارية المطلوبة على المستوى الإقليمي وفي كل دولة من دول مجلس التعاون (الكواري 1995: 153 - 186).

وجدير بالذكر إن تلك الاستراتيجية ساهم في وضعها ومناقشتها اكثر من مائة من أبناء المنطقة وشارك فيها خبراء عرب وعقدت من اجلها ندوتان على مدى عام كامل. ومما يؤسف له إن مجلس وزراء التخطيط –آنذاك - رفض مناقشتها عندما عرضتها الأمانة العامة لمجلس التعاون عليه في آذار - مارس 1984، بسبب تطرقها إلى الأبعاد السياسية والثقافية والاجتماعية لعملية التنمية وعدم وقوفها عند حدود المشاريع الاقتصادية المشتركة فقط.

واليوم حين نعود إلى تحرى الأهداف الوطنية المشتركة لدول المنطقة فإننا نجد أن " مشروع الملامح العامة لاستراتيجية التنمية والتكامل" ما زال يحمل توصيفا للأهداف الوطنية المشتركة لدول المنطقة. تحتاج الوثيقة التي أعدت عام 1983 إلى تنقيح وتطوير ولكنها مازالت تنتظر إرادة التنفيذ واستعداد متخذي القرار لمناقشتها جدياً. وهي في أساسها صالحة تتضمن الغايات وتذكر التحديات وتشير إلى الإمكانيات وتخلص إلى الأهداف الاستراتيجية ومتطلبات التنفيذ. ولعل ما نحتاج إليه اليوم هو إرادة التنفيذ التي – مع الأسف - كنا نفتقدها في دولنا عندما صدرت تلك الوثيقة. ولعل سبب عدم الالتفات إلى تلك الاستراتيجية يعود إلى غياب الديمقراطية وافتقاد المائة مشارك من مختلف دول المنطقة مثل غيرهم من بقية المواطنين القدرة في الوصول إلى متخذ القرار ومناقشة أهمية تلك الرؤية الاستراتيجية وإمكانية وضعها موضع التطبيق.

ولقد استطاع المشاركون في الندوة إقناع الأمين العام لمجلس التعاون واركان أمانته بأهمية تلك الرؤية وإمكانية تطبيقها عندما ذكروه بأنه قد صرح أن مجلس التعاون رغبة لدى الشعوب حققها حكام المنطقة، فقيل له مجلس التعاون هو الرغبة الأولى والرؤية الاستراتيجية له هي الرغبة الثانية وهي بمثابة روح للجسم. وقد حسم ذلك القول تردد الأمين العام في قبول الجزء الأخير المتعلق بمتطلبات تنفيذ الاستراتيجية، وان كان قبوله على مضض. وقد صرح الأمين العام نفسه في ندوة أخرى لتقييم مجلس التعاون بعد مرور عشر سنوات بان القضايا التي طرحتها الاستراتيجية تعتبر بطاطا حارة لا يجري التداول حولها بين الحكام ويصعب الحديث معهم حولها.

لقد كان وأد تلك الاستراتيجية يعود إلى عدم الاستعداد لقبول المشاركة الفكرية في تحديد الخيارات الوطنية. ومن هنا، فأهداف اليوم مازالت في أساسها هي أهداف الأمس، ويمكن إجمالها وتركيزها في الأهداف الكبرى التالية:

4 - 1 إقرار مبدأ المواطنة المتساوية والعمل به

وذلك تحقيقا للمساواة والعدل والإنصاف ومن اجل تعميق شعور الانتماء وتحقيق الاندماج الوطني وتعزيز الروح الوطنية عندما تتوفر الشروط القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحقق الولاء وتمكن المواطن من أداء واجبات المواطنة وضمان حقوقها دون تعارض مع انتماءاته الجوهرية الأخرى وثوابته ومراعاة مصالحة الحيوية. وتحقيق هذا الهدف يقتضي. أولا: إصلاح الخلل السكاني تدريجيا والتعامل بشكل إنساني مع متطلبات ذلك الإصلاح بما في ذلك التعويض على المتأثرين من تطبيقه وتأكيد المعاملة الإنسانية للمتضررين منه. وثانيا: إعادة الاعتبار لدور المواطنين باعتبارهم التيار الرئيسي في المجتمع، من خلال تنمية قدراتهم التنافسية والربط تدريجيا بين المكافأة والجهد والإنتاجية، وتمكينهم من المشاركة السياسية الفعالة. وثالثا: المساواة بين المواطنين دون تمييز ذكورا وإناثا على أرض الواقع في الفرص والمكانة الاجتماعية. وذلك من خلال معالجة النظرة الدونية للمرأة ولبعض فئات المواطنين فضلا عن الحد من الامتيازات الوراثية للنخب الحاكمة من حيث المكانة البرتوكولية ومن حيث الرواتب والمخصصات وادعاء الحق الخاص في المال العام، أو الأفضلية في تولي المناصب العامة واحتكار النفوذ في القطاع الخاص وفي منظمات المجتمع المدني الحديث. رابعا: استيعاب المتجنسين الجدد وإدماجهم في التيار الرئيسي في المجتمع والقضاء على مظاهر السلبية لدى الآخرين تجاههم، والحد من مظاهر التوجه إلى الحقوق الاقتصادية وامتيازات قطاع الأعمال –لدى البعض منهم – دون تحمل واجبات المواطنة والارتباط المصيري بالمجتمعات التي اكتسبوا جنسياتها.

4 - 2 التمهيد لبدء عملية تنمية شاملة مستديمة ذات بعد إنساني

وهذا يقتضي: أولا: إخضاع النفط والغاز الطبيعي من حيث عائداته وإمكانياته الصناعية وصادراته لاعتبارات المصلحة الوطنية والخيارات الاقتصادية بعيدة المدى دون قصد الإضرار بالمصالح المشروعة للأطراف الأخرى المعنية بالنفط وذلك في إطار اعتماد متبادل، إرادي وعادل. ثانيا: إصلاح توجهات الميزانية العامة وتطوير سياساتها بهدف إخضاع النفقات العامة لمعايير الجدوى واعتبارات العدالة وبالتالي البدء بالتخلص من المخصصات والنفقات التحويلية التي لا يقابلها عمل ولا تقتضيها حاجة ملحة، إلى جانب البدء بتحصيل الرسوم وفرض الضرائب من اجل توفير جزء معتبر من ريع النفط للاستثمار باعتباره إيرادا رأسماليا لا يجوز من حيث المبدأ إنفاقه على الاستهلاك الجاري. ثالثا: الشروع في بناء قاعدة اقتصادية بديلة تستفيد من إمكانيات النفط من اجل إعداد اقتصاديات المنطقة تدريجيا لعصر ما بعد الاعتماد على ريع النفط. وذلك من خلال تنمية نشاطات إنتاجية ذات جدوى اقتصادية يشارك فيها القطاع الخاص الوطني، قادرة على تحويل الميزات النسبية التي يتيحها النفط والغاز الطبيعي في الوقت الحاضر للمنطقة إلى ميزات تنافسية قادرة على الصمود في وجه تحديات العولمة والانفتاح الاقتصادي ومقتضيات اتفاقيات منظمة التجارة الدولية. رابعا: تصحيح التوجهات الطفيلية الراهنة للقطاع الخاص وتنمية قدراته الإيجابية وتعزيز سعيه للاستثمار في القطاعات ذات الجدوى الاقتصادية ومنها قطاع النفط والصناعات النفطية التي تتمتع بميزات نسبية يوفرها وجود الغاز الطبيعي والنفط في المنطقة. خامسا: إصلاح إدارة المشروعات العامة وتعزيز توجهاتها الاقتصادية والإنتاجية من اجل تنمية القطاع العام وتمكينه من استثمار جزء من ريع النفط لما فيه صالح الأجيال القادمة تحقيقاً للعدالة بين الأجيال. سادسا: العمل على عودة الاستثمارات الخارجية للمواطنين وتوفير البيئة القانونية لحماية استثمارها في الداخل.

4 - 3 بناء مقومات الأمن الوطني

وهذا يقتضي تنمية الاعتماد الإقليمي على الذات في إطار النظام العربي الإقليمي بعد تطويره وترشيده. ولتحقيق ذلك لابد من الانتقال من الاعتماد على الحماية العسكرية الأجنبية إلى بناء قدرة دفاعية من خلال كيان سياسي فيدرالي موحد يبدأ بمجلس التعاون ويمتد إلى دول الجوار العربي ويرتبط بنظام إقليمي عربي وإسلامي للأمن والاستقرار وعدم الاعتداء. كما يقتضي توظيف الدبلوماسية وحسن علاقات الجوار من ناحية والتفاهم بين الحكومات والشعوب من ناحية أخرى حتى يتم بناء الثقة في الترتيبات الإقليمية والوطنية وتنتفي الحاجة إلى القوات الأجنبية.

4 - 4 إصلاح إدارة الدولة والمجتمع واقامة الحكم الرشيد

وهذا يقتضي. أولا: إصلاح الإدارة السياسية وترشيد عملية اتخاذ القرارات وتوسيع دائرة المشاركين فيها. ثانيا: إصلاح الإدارة العامة وتنمية نظمها وأجهزتها وإعداد كوادرها المهنية والفنية من بين المواطنين دون تميز، مع وجود حصانة للموظف العام حتى يقوم بدوره ويؤدي مسئوليته تجاه تنفيذ القوانين دون خوف أو اضطرار لقبول تدخلات غير قانونية باسم السلطات العليا، وذلك باعتبار الموظف العام والإدارة العامة حماة المصلحة العامة والمناط بهما حمايتها تحت إشراف الإدارة السياسية ووفق القوانين المرعية. إن تعزيز كفاءات وسلطات الإدارة العامة أمر ضروري في إطار الحاجة الملحة لمواجهة الدور المتغير، ولكن المتعاظم الأهمية، للإدارة العامة في مجال التوجيه والتخطيط الاستراتيجي التأشيري، وفي مجال الرقابة والضبط وإدارة النشاطات في ضوء اعتبارات رعاية المصلحة العامة وحمايتها من اللاعبين الماهرين المنتهزين للفرص الذي دفعت بهم إلى الساحة الوطنية سياسات الانفتاح الاقتصادي وعززت وجودهم اتفاقيات التجارة الدولية والدور المتعاظم للشركات عابرة القارات في عصر العولمة التي تفتح مجال الهيمنة في الدولة التي تفتقر إلى إدارة عامة على مستوى الوظائف التوجيهية والرقابية المطلوب القيام بها في عصر العولمة. وثالثا: تغيير الموقف السلبي تجاه المجتمع وكفالة حرية التنظيم. وهذا يقتضي النظر في قوانين جمعيات النفع العام وإصدار قوانين ديمقراطية للأحزاب والنقابات والجمعيات الثقافية والفكرية والمهنية تسمح بقيامها وتضمن حرية التعبير والتنظيم على ارض الواقع حتى يتكون المجتمع المدني المشارك وينمو الرأي العام المستنير والفعال. رابعا: إصلاح نظام التعليم العام والخاص جذريا وتأسيسه على مقتضيات تنمية الروح الوطنية والممارسة الديمقراطية، وكذلك إطلاق حرية الإعلام وتبادل المعلومات في إطار القانون، وذلك باتجاه بناء الإنسان وتنمية قدراته وإطلاق طاقاته من خلال تعزيز دور العقل وإعلاء شأن التوجهات الوطنية وترسيخ قيم الإنتاج والإبداع والقضاء على الازدواجية في الشخصية وإصلاح ما أصابها من انفصام لا يتفق مع العقيدة الإسلامية ولا متطلبات العصر.

4 - 5 التوافق على دستور ديمقراطي

وهذا يقتضي إرساء أسس شرعية دستورية غير قابلة للتعطيل وذلك من أجل بدء عملية التحول الديمقراطية وإدارة اوجه الاختلاف في الآراء والاجتهادات والتعارض في المصالح بشكل سلمي. ويتم ذلك بإرساء منهج سياسي يمكنه التعبير عن المصلحة العامة بشكل اكثر موضوعية عندما يتم النظر إلى الدولة باعتبارها مؤسسة تقف من جميع المواطنين على مسافة واحدة. وعندما يتم الفصل بين أشخاص الحكام وشخصية الدولة والمصالح الشخصية والمصالح العامة التي يجب على الدولة أن تمثلها، ويتم ضبط الحدود بين المالية العامة والملكية العامة وبين ما هو مال خاص وملكية شخصية، كما يوضع حد لاستخدام النفوذ العام من اجل المصلحة الشخصية.

4 - 6 مكانة الديمقراطية بين الأهداف الوطنية الكبرى

أهمية الديمقراطية وإمكانياتها في تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى ومكانتها المركزية تتعدى كونها غاية وهدفا من سائر الأهداف، إلى كونها وسيلة وأداة ومنهجا سياسيا ونظام حكم يساعد اكثر من غيره من نظم الحكم على تحقيق الأهداف الوطنية. وهذا ما يميز الدولة الديمقراطية اليوم عن غيرها من نظم الحكم البديلة التي مهما كانت نواياها طيبة في مرحلة من المراحل فإنها محكومة بحتمية ابن خلدون (انظر الرسم (1) المشار إليها سابقاً)، ولابد لها من الزوال عندما تفقد العصبية الكافية. أما الدولة الديمقراطية فإن عصبيتها هي الشعب من خلال التعاقد المجتمعي المتجدد (وقيدي 1997: 50). ولذلك فقد أثبتت قدرتها على التطور والتكيف مع طموحات الشعوب، تعبيرا عن قدرتها النسبية على استمرار عملية التنمية الشاملة المستدامة، بسبب تمثيلها لآراء مواطنيها ومصالحهم بشكل متجدد عبر العصور والأجيال. ويعود ذلك إلى تجديد الدولة الديمقراطية لقياداتها السياسية والمهنية والاجتماعية وتجديد رؤيتها وتوسيع خياراتها بسبب وجود الحرية وبفضل الحراك السياسي والاجتماعي وتداول السلطة نتيجة لوجود المشاركة السياسية الفعالة في اتخاذ القرارات العامة الملزمة.

وحتى يتسنى لدول المنطقة أن تباشر في تغيير حقائق العجز الراهن عن تحقيق التنمية الشاملة المستدامة ذات الوجه الإنساني، وتصبح قادرة على امتلاك الإرادة الوطنية اللازمة لتحقيق الأمن الوطني والإقليمي وتغيير مسار تنمية الضياع، عليها أن تعترف بضياع فرص ثمينة للتنمية نتيجة لغياب المشاركة السياسية الفعالة في تحديد الخيارات الوطنية. وهذا العجز لن يتأتى لحكومات المنطقة وشعوبها إصلاحه ما لم يتم الانتقال إلى الديمقراطية وإرساء شرعية دستورية تتوافق الشعوب بموجبها مع الحكومات على دستور ديمقراطي مماثل لدستور الكويت لعام 1962 ودستور البحرين لعام 1972 الذي عطل منذ عام 1975 وأثبتت الأيام ضرورة العودة إليه وفقا للاستفتاء الذي أجرى في البحرين أخيرا. إن مثل هذا التحول إلى شرعية دستور ديمقراطي هو الكفيل بتوفير البيئة المناسبة التي تسمح القيام بإصلاحات جذرية لنمط الاستهلاك والدعة والاعتماد شبه المطلق على الدولة. ومثل هذا الإصلاح له تكاليف على المستوى الفردي وله تأثيرات مختلفة على الأفراد والجماعات نتيجة ما يتطلبه من تضحيات في مستويات المعيشة نتيجة تراجع دعم الدولة وصولاً لتلبية حاجتها إلى الضرائب والرسوم. الأمر الذي يتطلب مشاركة سياسية فعالة ومراقبة وضبط لمسار الإصلاح وتوزيع أعبائه بشكل عادل بين الأفراد والجماعات حتى يرضوا بتقليص الدعم ويصبحوا تدريجياً مستعدين لدفع الضرائب مقابل المشاركة في الرقابة على طريقة صرفها.

وجدير بالتأكيد أن الوصول إلى الأهداف الوطنية السابق ذكرها، يمر عبر مداخل استراتيجية متكاملة أربعة ذات تأثير بالغ على جميع المواطنين وتتطلب تضحيات منهم وبالتالي تحتاج إلى مشاركتهم في الرأي وفي القرار: أولها: إصلاح الخلل السكاني. وذلك حتى يصبح المواطنون أغلبية متزايدة آمنة في أوطانهم وأساس قوة العمل والتيار الرئيسي في المجتمع قانونيا وفعليا. ثانيها: إصلاح الخلل الإنتاجي. وهذا يتطلب ابتداء إعادة النظر في طبيعة الريع الاقتصادي لصادرات النفط باعتباره إيرادا رأسماليا عاما يجب أن يستثمر لصالح الجيل الراهن والأجيال المتعاقبة. وهذا الإصلاح هو المدخل للانتقال من النسق الريعي الراهن بكل ما يمثله من سلبيات، إلى نسق إنتاجي يحتاج إلى كثير من جهود المشاركة الفعالة على المستوى السياسي والإنتاجي وفي مجال التمتع بثمرات الإنتاج. ثالثها: توفير شروط الاندماج الوطني واعتبار المواطنة هي مصدر الحقوق ومناط الواجبات دون تمييز بين المواطنين ذكورا وإناثا. رابعها: الاندماج الإقليمي في إطار التكامل العربي. وهذا الاندماج إلى جانب. كونه هدفا هو أيضا وسيلة وهو السبيل الوحيد الذي يحقق لكل من دول المنطقة الصغيرة كيانا اقتصاديا واجتماعيا قابلا للتنمية وكيانا عسكريا قادرا على توفير الحد الأدنى من متطلبات الأمن وامتلاك الإرادة الوطنية.

ومثل هذا الكيان الإقليمي لا يمكن الاطمئنان إليه إلا إذا حكمت العلاقات الديمقراطية أطرافه حكاما ونخبا حاكمة بالدرجة الأولى إضافة إلى حاجة الشعوب. فالحكام والشعوب لا يمكن أن يتنازلوا عن مواقعهم لعائلة حاكمة ولا لحاكم غير ديمقراطي. وبذلك لن يتحقق الاندماج الإقليمي كما لا يمكن ولوج أي من مداخل الإصلاح الجذري المطلوب إلا إذا أرسيت شرعية دستور ديمقراطي وتم العمل بمقتضاها على المستوى الوطني، وصولا إلى المستوى الإقليمي. ولعل تجربة مثل التجربة الماليزية تقدم نموذجا لمثل هذا الانتقال السلمي للديمقراطية والاتحاد، الذي تحقق بموجبه للاتحاد الماليزي الاندماج الإقليمي لما فيه صالح أمن ونماء السلطنات والولايات الأربعة عشرة المكونة للاتحاد الماليزي. ومن هنا تبرز لنا مكانة الديمقراطية – على المستوى الوطني والإقليمي - ويتأكد دورها في تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى. فالديمقراطية بالإضافة إلى كونها هدفا في حد ذاتها هي أيضا وسيلة لتحقيق الأهداف الوطنية الكبرى الأخرى.
 
المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها
قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة