You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>دراسات وبحوث>هشام يحيي- الثورات في المنطقة العربية وحق تداول المعلومات : تأثير ذلك على مكافحة الفساد

البنى الراهنة في دول المنطقة

الخميس، 04 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 6227 مرة
لقد أفرزت التجربة السياسية في كل دولة من دول المنطقة بني سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وعلاقات جيو - سياسية. ومستقبل الديمقراطية في أي من دول المنطقة يتوقف على نوعية البنى التي أسفرت عنها التجارب السياسية المعاصرة فيها. ولذلك فإن تحديد نقطة البداية التي يجب أن تنطلق منها جهود تعزيز المساعي الديمقراطية تتطلب منا التعرف على تلك البنى وتحرى تأثيراتها على عملية الانتقال إلى الديمقراطية وبدء عملية التحول الديمقراطي.

ومن هنا فان توصيف تلك البنى بشكل شامل والتعرف على الجوانب الإيجابية والسلبية فيها من حيث علاقتها بمستقبل الديمقراطية، لابد أن يكون في كل دولة على حدة. فالدولة - كما سبقت الإشارة - هي الإطار القانوني والسياسي الذي تطبق فيه الديمقراطية ويجري فيه النضال الحقيقي من اجل الانتقال إلى نظام الحكم الديمقراطي. وتجنبا للتكرار فإنني أحيل القارئ إلى التفصيل الوارد في منهج "دراسة مستقبل الديمقراطية في البلاد العربية" والمنشور في مجلة المستقبل العربي العدد 213 نوفمبر 1996 (برهان غليون ص 37 - 53 وعلي خليفة الكواري ص 54 - 69). ففي ذلك المنهج محاولة تفيد من يريد أن يجري دراسة تحلل البنى الراهنة في أي دولة من دول المنطقة بهدف تحديد تأثيرات البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والجيو - سياسية على إمكانية الانتقال إلى الديمقراطية وتعزيز عملية التحول الديمقراطي.

وبالرغم من أن دراسة البنى يجب إجراؤها على كيان محدد، فإننا في سياق سعينا المشترك لتنمية رؤية مستقبلية في دول المنطقة يمكننا التطرق بإيجاز إلى ما هو عام ومشترك في البنى الراهنة في دول المنطقة.

3 - 1 البنية السياسية

نجد تشابها بين دول المنطقة في البنية السياسية باستثناء الكويت حيث يوجد دستور تعاقدي غير معطل في الوقت الحاضر يميز بنيتها السياسية من حيث البنية الدستورية والقانونية والعلاقة بين السلطات وأدوارها ومصادر شرعيتها، ومن حيث وجود الحياة البرلمانية، ومن حيث تنظيم المجتمع المدني واستقلاله النسبي وبالتالي إمكانية نمو توازن القوى بين الدولة والمجتمع نسبيا مقارنة بالدول الأخرى في المنطقة. فدول المنطقة بشكل عام مازالت بنيتها السياسية بنية شمولية ونظام الحكم فيها مطلق وتنظيمات المجتمع المدني محدودة، لا تتعدى مجالات العمل الخيري البحت المحكوم بتوجهات السلطة وتفضيلاتها من حيث الأشخاص الذين تسمح لهم بالترخيص ومن حيث نوعية النشاط. كما أن تنظيمات المجتمع المدني لا تشمل الأحزاب والحركات السياسية والنقابات، ولا تتضمن حتى الجمعيات المهنية أو الجمعيات الثقافية التي إن وجدت في دولة أو اثنتين، فإنها محاصرة بإجراءات أمنية تمنعها من التفاعل الإيجابي مع القضايا الوطنية والمهنية العامة. أما المعارضة في دول المنطقة فإنها غير مقبولة ولا توجد لها قنوات شرعية للتعبير عن معارضتها سلميا، هذا باستثناء الكويت والى حد أقل البحرين في عهد الانفتاح السياسي الراهن باتجاه العمل بدستور 1973. وفي غياب دساتير ديمقراطية معمول بها في الأغلبية العظمى من دول المنطقة، يضعف حكم القانون ويتعذر استقلال القضاء، نتيجة عدم وجود حصانة للقضاة وغياب وجود القضاء الدستوري وانعدام الفصل بين السلطات.

ومن هنا فان البنية السياسية في دول المنطقة يمكن توصيفها بشكل عام بأنها بنية شمولية سلطوية لا تفسح مجالا شرعيا للطلب الديمقراطي وتحول بكافة الوسائل القانونية والسلطوية ومن خلال سيطرتها على أجهزة الثقافة والأعلام والتعليم والوعظ والإرشاد، دون تنمية الوعي الديمقراطي دع عنك العمل الديمقراطي. كما أن تلك البنية السياسية قد أعاقت إمكانيات الحوار الوطني حول الأهداف الوطنية والأولويات الإستراتيجية وحالت دون ضرورة تنمية قواسم مشتركة بين الأطراف التي تنشد التغيير وعرقلت سبل قيام حركة ديمقراطية سلمية. ولعل هذه البنية السلطوية من ناحية وضعف البنية السياسية والتنظيمية للمجتمع الأهلي تفسر لنا القضاء على الحركات الوطنية مهما كانت شعبيتها - البحرين عام 1956 نموذجا -. كما تشير إلى الطريقة التي تعاملت بها دول المنطقة مع مقدمي العرائض المتفائلة بعد حرب الخليج الثانية (الكتبي 2000: 220 - 235) والتي كانت تنشد الديمقراطية أو الشورى الملزمة وتحث على الفصل بين شخص الحاكم وخزينته الخاصة وبين شخصية الدولة ومالها العام، وتدعو إلى إقامة الحكم الرشيد وتحقيق العدل والإنصاف.

وقد أثبتت الطبيعة الشمولية للبنية السياسية عدم قدرتها على تحمل التجارب الديمقراطية كما هو الحال في البحرين عندما حٌل البرلمان وعطل العمل بالدستور عام 1975. أو قبولها على مضض ومحاولة تعطيلها بشكل غير دستوري في الكويت كما حصل اكثر من مرة، أو الحيلولة دون فعالية التجربة الديمقراطية ومنعها من إجراء التغيير الديمقراطي المنشود –تداول السلطة التنفيذية - إذا تعذر تعطيلها أحيانا.

ويبقى بالرغم من ذلك في هذه البنية السياسية السلطوية بقية من أعراف قبلية وضوابط شرعية دينية وأسلوب معارضة صامتة اعتاد عليه أهل المنطقة في علاقتهم مع الحكام يتمثل في الابتعاد عن السلطة ونقدها بصوت خافت وبشكل فردي غير مباشر. هذا إضافة إلى خبرة سياسية اكتسبتها الأسر الحاكمة تجعلها لا تفرط في العنف المادي الجسدي ولا تعاقب الناس مادياً على ما في صدورهم مكتفية بما خسروه نتيجة ابتعادهم عن مراكز الحظوة والنفوذ. ويعود ذلك الأسلوب الهادي إلى الأعراف كما يأتي مراعاة لصورتها الخارجية وتجنبا لما قد تتعرض إليه من ضغوط القوى الديمقراطية في الخارج. الأمر الذي يجعل من الممكن مواجهتها بمطالب ديمقراطية سلمية إذا اتفقت الأطراف التي تنشد التغير على المطالب وكسرت الحاجز النفسي الذي يمنعها من تقديم تلك المطالب والإصرار عليها. وهذا ما يفسر القدرة على المطالب المباشرة والعرائض التي شهدتها دول المنطقة عبر عقود القرن العشرين كله.

3 - 2 البنية الثقافية

البنية الثقافية في دول المنطقة هي امتداد للبنية الثقافية العربية والإسلامية. وهذه الثقافة من الناحية النظرية تحمل الكثير من القيم التي يمكن أن تؤسس عليها الديمقراطية مثل المساواة والعدل والإنصاف والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إضافة إلى التكافل الاجتماعي والتواصي بالحق وبالصبر ومقاومة الظلم، إلا أن هذه الثقافة - مع الأسف - من حيث التطبيق لم توظف هذه القيم في الحياة السياسية بسبب تأسيس الحكم منذ زمن بعيد على الغلبة، وعدم قيام نظام للشورى الملزمة والافتقار إلى آليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصة ما يتعلق منه بنظام الحكم وممارسة السلطة. فقد تأسس الحكم نتيجة لذلك بعد عصر الخلفاء الراشدين على الغلبة والقهر والقوة الغاشمة وتوظيف نفوذ الدولة من اجل جلب المال واحتكار مصادر التسلط من "ذهب المعز وسيفه". ومن هنا فإن نظم الحكم في البلاد العربية والإسلامية بشكل عام لم تتطور بعد باتجاه توسيع إطار المشاركة السياسية الفعالة. كما لم يتم في العصر الحديث تأسيس الديمقراطية وتأصيلها في الثقافة السياسية لتحظى بالقبول في المجتمع والتبني من قبل القوى السياسية التي تنشد التغيير. إن الديمقراطية مازالت حتى بالنسبة للذين يرفعونها شعاراً يحتاج إلى تطبيق.

ولعل هذا المفارقة بين القيم السامية التي يتم تكرارها على مسامع العرب والمسلمين عبر مئات القرون وبين واقعهم السياسي المر قد أحدثت انفصاما بين القول والفعل وسببت الازدواجية في شخصية الفرد. الأمر الذي أصبحت الثقافة بمقتضاه في أزمة سمحت بانحراف السلوك الاجتماعي عن متطلبات الممارسة الديمقراطية لما تتطلبه من صدق وشفافية، على مستوى السلطة وعلى مستوى المجتمع بشكل عام، فأصبح الكل.. الحاكم والمحكوم على ارض الواقع غير ديمقراطيين عندما تصل المسائل إلى واجباتهم تجاه مشاركة الآخرين في اتخاذ القرارات المؤثرة على حياتهم أو اطلاعهم على ما يخصهم من شئون عامة، سواء كان ذلك في البيت والمدرسة ومكان العمل والتكوينات الاجتماعية الأهلية التقليدية منها والتنظيمات الحديثة أو على مستوى الدولة.

ويمكننا نقد البنية الثقافية الراهنة والنظر السريع إلى تأثيراتها على الثقافة الديمقراطية من خلال غياب مفهوم للديمقراطية عام مشترك مؤسس في الحياة السياسية ومؤصلا بالقيم التي يجلها المجتمع، الأمر الذي سبب اضطرابات على مستوى الفهم والسلوك وجعل الموقف من الديمقراطية يحمل الكثير من اوجه الرفض. فهناك من يرفضها من حيث المبدأ لأسباب عقائدية أو لأسباب تتعلق بالمصالح والمراتب السياسية الموروثة. كما أن هناك من يرفضها لأسباب ثقافية تاريخية تقول باختلاف تاريخ التجربة السياسية والبنى المجتمعية للعرب والمسلمين عن متطلبات الديمقراطية. وأخيرا وليس آخرا هناك من يرفض الديمقراطية مرحليا بسبب تصديرها من الغرب وارتباطها بنموذج يؤدي إلى تفكيك المجتمعات واختراقها دون أن يسمح بتطبيق الديمقراطية على ارض الواقع، وإنما يحول النظم الشمولية إلى نظم سلطوية توظف الديمقراطية شكليا من اجل فرض هيمنة داخلية خاضعة هي نفسها لهيمنة خارجية. وحتى اليوم مازال مفهوم الديمقراطية على الساحة العربية وفي دول المنطقة نتيجة لهذه الاعتراضات المبدئية والتاريخية والمرحلية، يواجه عددا من الإشكاليات تحتاج إلى مقاربات حتى يحظى مفهوم الديمقراطية بقبول نفسي وتبن سياسي من قبل الأطراف التي تنشد التغيير على المستويين الرسمي والأهلي.

ومن هنا سوف تستمر العقبات إلى أن تؤسس الديمقراطية على القيم والأخلاق والشمائل التي يجهلها الضمير الجمعي ويتوق إليها العربي والمسلم من منطلق العقيدة والعزة والكرامة والمصلحة. وهذا بدوره يتطلب تنقية الثقافة السياسية من القيم والعادات والتقاليد السياسية التي أفرزتها عصور الاستبداد وتداعيات حكم الغلبة. عندها سوف يتم قبول الديمقراطية في المنطقة…هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يجب مقاربة إشكاليات الديمقراطية التي تقف حجر عثرة في وجه القبول النفسي والفكري لنظام الحكم الديمقراطي لدى أفراد وجماعات هم بالأساس أصحاب مصلحة في الديمقراطية وتبرز في هذا الصدد ثلاث إشكاليات: أولاها: احتمال تعارض نتائج الممارسة الديمقراطية مع مقتضيات العقيدة الإسلامية، وثانيتها: احتمالات تسخير الديمقراطية لأغراض اختراق الأمن القومي وإضعاف القدرة على المواجهة والرباط التي طبعت عليها المجتمعات العربية الإسلامية بالرغم من ضعفها (إشكالية الديمقراطية مع مقتضيات الأمن القومي). وثالثتها: مقاربة الديمقراطية مع مقتضيات العدالة الاجتماعية (إشكالية الديمقراطية مع العدالة الاجتماعية).

ويتطلب أمر استقرار الديمقراطية أيضا، أن تؤسس الثقافة الديمقراطية في الوعي الاجتماعي وتنعكس على الممارسة السلوكية بشكل عام، وعلى وجه الخصوص لدى النشطاء في المجتمع وتنمو منظمات المجتمع المدني وصولا إلى التنظيمات السياسية، وينتظم الشعب تحت قيادة "سراة" يرتفعون إلى مستوى المسئولية التاريخية ويعملون مجتمعين من اجل تعزيز الطلب على الديمقراطية من خلال قيام حركة ديمقراطية وطنية تسعى إلى التوافق مع الحكومات على دستور ديمقراطي. وجدير بالتأكيد إن قضية الاحتكام إلى شرعية دستور ديمقراطي تتطلب استيعاب الحكام بشكل خاص والسياسيين والنخب الحاكمة بشكل عام ضرورة الانتقال إلى الديمقراطية تحقيقاً لمصلحة الطرفين في المدى البعيد.

3 - 3 البنية الاقتصادية

يمكن توصيف البنية الاقتصادية في دول المنطقة بأنها بنية ترتكز على ريع النفط وسياسات إعادة تخصيصه من قبل الحكومات عن طريق ميزانية الدولة. وجدير بالتأكيد أنه فيما عدا الكويت، لا تخضع الميزانيات العامة ولا حساباتها الختامية لأي رقابة شعبية ولا تنشر كل بنود الميزانيات العامة ولا حساباتها الختامية وديوان المحاسبة تابع للسلطة التنفيذية وليس تابعا كما يجب للسلطة التشريعية مع اختلاف مسمياتها. وحتى مجالس الشورى وربما مجالس الوزراء في اغلب دول المنطقة لا تطلع على الحسابات الختامية للميزانيات ولا تقرير ديوان المحاسبة. وقد طبع الريع النفطي اقتصاديات دول المنطقة وجعله رهينة له فلم يتم حتى الآن بناء قاعدة اقتصادية يمكن أن تكون بديلة للنفط في المدى المنظور من حيث توفير مصادر دخل عام، أو توليد متطلبات الاستثمار، أو توفير فرص عمل مجدية اقتصاديا تحافظ على مستوى النشاطات وتضمن دخلا فرديا ومستوى معيشة معقول في معزل عن دعم ريع النفط. وقد كان ومازال للطبيعة الريعية للاقتصاد والسياسات المتعلقة بتخصيصه تأثيرات سلبية، حيث انحازت تلك السياسات إلى جانب الاستهلاك والنشاطات الطفيلية ووظفت الريع لتغطية فشل التنمية الاقتصادية، كما صاحب ذلك كله عدم عدالة في توزيع ريع النفط في الماضي والحاضر وعلى حساب أجيال المستقبل.

ومما هو جدير بالملاحظة أيضا أن تأثير الريع والسياسات التي اتبعت في تخصيصه وما صاحبها من فشل وعجز عن بدء عملية نمو أو تنمية اقتصادية، أعاقت إمكانية الانتقال إلى الديمقراطية. وسوف يعيق الريع والسياسات المتبعة في تخصيصه الانتقال للديمقراطية نتيجة غياب النشاطات المنتجة التي تظهر قيمة الإنسان العامل ودور عمله المنتج. الأمر الذي تعطيه الاستقلالية التي تسمح له بالتعبير عن رأيه دون تملق ودون خوف من انقطاع مصدر رزقه بسبب هيمنة الحكومة على فرص العمل ومصادر النشاطات المدعومة بترخيص الحكومة أو بمشترياتها أو محاباتها في التعامل أو بقرارها المباشر في التوظيف والترقية. ولعل تركز العمالة المواطنة في العمل الحكومي والقطاع العام، إضافة إلى انفصام العلاقة بين إنتاجيتها ومكافأتها من ناحية، واعتماد النشاطات التجارية والمالية وحتى الصناعية على النفوذ المستمدة من العلاقة بالسلطة والتنعم بنفوذها والحظوة بالرضى لدى متخذي القرار، يبين لنا التأثيرات السلبية لريع النفط في ضوء السياسات المتبعة في تخصيصه، كما تفسر لنا الحاجة إلى أن يراعى الموظف أو صاحب النشاط الخضوع حتى تفتح له أبواب الكسب المشروع وغير المشروع. ويمكن من نظرة إلى العلاقة العضوية بين من يملكون النفوذ في الحكومة وبين من يتولون المناصب أو يزاولون النشاطات في القطاع الخاص ويملكونها، يتبين لنا سوء استخدام ريع النفط لشراء الرضى على حساب الحقوق السياسية للمواطن.

3 - 4 البنية الاجتماعية

ولعل البنية الاجتماعية الراهنة وما تعانيه من تفشي القيم الاستهلاكية والروح الاتكالية وما تعانيه من خلل سكاني، يتفاقم إضافة إلى ما تعانيه من وأد اجتماعي للمرأة ونظرة عنصرية أو دونيه لبعض فئات المواطنين، تشير إلى ضعف البنية الاجتماعية وتحد من قدرة المجتمع على التفاعل الإيجابي والعمل المشترك بين جميع المواطنين من اجل تأمين المصير وتأكيد حق الجميع في المشاركة السياسية الفعالة. فتلك الظواهر السلبية أفرزت نسقا ريعيا –سلطويا في المجتمع. كما أن الخلل السكاني على سبيل المثال بدلا من أن يتم إصلاحه قد تفاقم، وأصبحت نسبة قوة العمل المواطنة في جميع دول المنطقة في نهاية التسعينيات اقل من نسبتها في بداية الثمانينات.

وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة قوة العمل المواطنة في عام 1997 انخفضت عن ما كانت في عام 1981 في المملكة العربية من 57.1% إلى 35%، وفي عمان من 46% إلى 35%، والبحرين من 56% إلى 38%، والكويت من 21% إلى 17%، وقطر من 15% إلى 10% وفي الإمارات من 13.9% إلى 9.5% (النجار 2000: 132). وقد أدى هذا الخلل السكاني إلى تعطيل قدرة مجتمع المواطنين على التعاون والتعاضد، وأضعفت قدرته على الفعل وردة الفعل، وجعلت منه أقلية بين الأقليات التي يتكون منها السكان وليس بالضرورة اكبر الأقليات أو أكثرها قدرة على المنافسة الاقتصادية. ولولا الحماية القانونية لمراكز المواطنين ودعم دخلهم من ريع النفط لما استطاعوا أن يحتفظوا بمراكزهم الاجتماعية الراهنة، التي لا تعبر عن قدرتهم على المنافسة الاقتصادية مع الوافدين وإنما تعبر عن دعم الدولة لمراكزهم الاجتماعية. ولعل نظرة إلى مجتمعات المنطقة تشير إلى إن المجتمعات الوطنية بدأت تفقد دورها باعتبارها التيار الرئيسي بين السكان وأن علاقات السكان في اغلب دول المنطقة اقرب إلى علاقات معسكر العمل من علاقات المجتمع بالمعنى العلمي للمجتمع. فلا يشكل المواطنون في اغلب دول المنطقة لا سيما الصغيرة منها كل المجتمع أو أغلبيته. وفي الوقت نفسه لا يشكل كل السكان مجتمعا ترتبط مصائر أفراده وجماعاته ببعضها اكثر مما ترتبط بأي مجتمع خارج حدوده. ومما لاشك فيه أن وضعا اجتماعيا هذه خصائصه وصفاته لا يتمتع ببنية اجتماعية قوية واندماج وطني ولا شعور بوحدة المصير يجعل من تفاعل أفراده وتوجهاتهم نحو تأمين الحاضر وكسب المستقبل من خلال تأكيد حقهم في المشاركة في اتخاذ القرارات الجماعية الملزمة من خلال حركة سياسية تستطيع أن تدعم طلبا فعالا على الديمقراطية.

3 - 5 البنية الجيو – سياسية

وهذه البنية في المنطقة ضعيفة أيضا مثل سابقاتها من البنى بل هي تعبير عن ضعف تلك البنئ ومحصلتها، حيث يتوقف أمن المنطقة العسكري اليوم على وجود القوات الأجنبية للدفاع عنها. كما نجد أن الخلافات الحدودية بين دول المنطقة ومع جيرانهم مازالت دون آلية إقليمية قانونية تسمح بالتوصل إلى حلول للمشاكل الحدودية. هذا إضافة إلى أن علاقة حكومات المنطقة بشعوبها مازالت تتسم بطابع عدم التفهم للطموحات المشروعة للشعوب مما يجعل الحكومات عرضة للضغوط الخارجية.

أن مثل هذه العلاقات الجيو - سياسية المختلة لا بد لها أن تعيق الإرادة الوطنية للحكومات والشعوب وتؤثر في قدرتها على التغيير وفقا لمصالحها المشروعة. ومن بينها إقامة نظام حكم ديمقراطي وطني يمتلك الإرادة الوطنية المعبرة عن خيارات المجتمع والقادرة على تأمين متطلبات الأمن والنماء فيه، بعيدا عما تمليه المصالح غير المشروعة والاعتبارات الداخلية منها والخارجية.

وجدير بالملاحظة أن حكومات الغرب بشكل عام وحكومة الولايات المتحدة بشكل خاص ليست معنية بقيام نظم حكم ديمقراطية في المنطقة وربما تعيق قيامها.ويعود ذلك إلى نظرتها الضيقة وإلى كون مصالحها تتحقق بشكل افضل من خلال علاقاتها بحكومات مطلقة اكثر مما تتحقق مع قيام حكومات وطنية ديمقراطية.
المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها
 
 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة