You are here:الرئيسية>الأرشيف>محمد باسك منار - محصلة التحركات الراهنة من أجل الديمقراطية في المملكة المغربية

البحث عن مداخل انتقال إلى نظم حكم ديمقراطية – د. علي خليفة الكواري

الخميس، 04 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 6244 مرة
تقديم

الدوحة 7/10/2001

هذا الكتاب تجربة جماعية جديدة في الحوار - عن قرب وعن بعد - من اجل تنمية فهم مشترك افضل وبلورة قواسم مشتركة، تساهم في اكتشاف وتبني مداخل مرحلية تساعد بلدان المنطقة على الانتقال إلى الحياة الديمقراطية وإرساء نظم حكم ديمقراطية تتوافق عليها القوى والتيارات التي تنشد التغيير من ناحية، ومن ناحية أخرى تتوافق عليها تلك القوى في كل بلد مع حكومتها كي يتم التوصل إلى التوافق المجتمعي وإرساء شرعية دستور ديمقراطي يحتكم إليه.

إن الانتقال من نظم حكم شمولية أو تسلطية تدعى الوصاية على الناس، إلى نظم حكم ديمقراطية تستمد شرعيتها من ارادات الشعوب، هو النقلة النوعية والسبيل الوحيد الذي تصبح فيه عملية التحول الديمقراطية الشاقة وما تتطلبه من تنمية شروط الممارسة الديمقراطية الحقة أمر ممكن، بل هو الخطوة الأولى في الطريق الصحيح الذي يمكن ضمن مساره تنمية الحد الأدنى المتصاعد من مصادر ووسائل المشاركة السياسية الفعالة في عملية تحديد الخيارات الوطنية واتخاذ القرارات العامة من قبل الملزمين بتطبيقها. وبدون الانتقال الدستوري إلى الديمقراطية لا ينتظر من حكم الغلبة والوصاية أن يسمح بإنضاج الظروف التي تساعد على امتلاك الشعوب مصادر ووسائل المشاركة السياسية الفعالة. إن الحكم الشمولي والتسلطي بطبيعته يسعى دائماً إلى إجهاض أي تقدم يقود إلى تحقيق شروط التحول الديمقراطي ويتجه إلى إعادة إنتاج نفسه وتكيف آليات حكمه التسلطي، بما يحول دون نمو شروط عملية التحول الديمقراطي. ولذلك فأن الانتقال الدستوري المدعوم بتوافق رموز الفكر والعمل السياسي، إلى الديمقراطية مهما كانت أسبابه ودوافعه هو أمر حاسم في الانتقال إلى الديمقراطية وبدأ عملية التحول الديمقراطي والانتقال تدريجياً من شكل الديمقراطية إلى مضمونها بواسطة النضال الديمقراطي الذي يوفره الانفتاح السياسي وسقوط دعوى الوصاية على الناس. ومن هنا فأن الانتقال إلى الديمقراطية هو الشرط اللازم لبدء عملية التحول الديمقراطي ولكنه ليس شرط كافيا لذلك، حتى تمتلك الكثرة من أبناء الشعب تدريجيا مصادر ووسائل المشاركة السياسية الفعالة وتستقر الممارسة الديمقراطية. إن الانتقال إلى الديمقراطية في حد ذاته يمثل أما حالة توازن للقوى وأما حالة تراضي عقلاني تعبر بموجبه التيارات التي تنشد التغيير عن توافقا فيما بينها واتفاق مع حكومتها على أسس نظام حكم لا يقصي أحداً، وإنما يتيح المجال للجميع بفضل إدارته السلمية لاختلاف الآراء وتعارض المصالح، أما عملية التحول الديمقراطي فأنها عملية تاريخية تتطلب شروط اكثر واكبر من شروط الانتقال إلى الديمقراطية.

والجدير بالتأكيد أن هذا الطموح المشروع ليس حكرا على شعوب أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وإنما هو طموح جميع الشعوب العربية والإسلامية وكل شعب مازال يرزح تحت وطأة حكم الفرد أو القلة, نتيجة الغلبة على الحكم وتكريس التسلط على مقدرات الوطن بالقوة والعنف بكافة أشكاله. ولعل اختيار أقطار مجلس التعاون - هذه المرة أيضاً - قد جاء باعتبارها شريحة عربية يضمها تجمع إقليمي يمكن الاستفادة من إطاره في تحليل الواقع الوطني والإقليمي وعرض رؤية مستقبلية إقليمية لتعزيز المساعي الديمقراطية في الحياة السياسية الرسمية والأهلية على حد سواء.

ويتألف هذا الكتاب من قسم أول تناول الدراسة التي قمت بإعدادها. وقسم ثانٍ ضم تعقيبات باحثين ومفكرين وممارسين مهتمين ومعنيين بقضية إرساء نظم حكم ديمقراطية في دول المنطقة . كما يضم الملحق الأول المناقشات التي دارت في اللقاء الثاني والعشرين لمنتدى التنمية والذي عقد في دبي من 1 - 2 فبراير 2001 , بينما يضم الملحق الثاني المداخلة التي طرحتها في نادى العروبة في البحرين بتاريخ 20 يونيو 2001 في سياق مناقشة رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية في دول المنطقة. وكل هذه المادة تأتي في سياق البحث الجماعي المشترك عن مداخل الانتقال إلى الديمقراطية وإرساء نظم حكم ديمقراطية، جرت على مدى عام كامل من تبادل الآراء بين شريحة مهتمة بالقضايا العامة من أبناء المنطقة.

بدأت هذه المحاولة بإعداد ورقة من أجل تقديمها إلى اللقاء الثاني والعشرين لمنتدى التنمية بعنوان "تنمية رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية" ضمن موضوع اللقاء، الذي كان يدور حول "متطلبات وتحديات التحول الديمقراطي في أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية". وقد تطلب طرح مثل تلك الرؤية تناول مفهوم الديمقراطية، وتقييم محصلة التجارب السياسية، وتحرى البنى المجتمعية والنظر إلى مكانة الديمقراطية بين الأهداف الوطنية الكبرى، قبل الحديث عن الرؤية المستقبلية. الأمر الذي جعل حجم الورقة يتعدى ما يمكن تقديمه ضمن الوقت المتاح في اللقاء، فجاءت فكر تطوير الورقة إلى كتيب. وبعد اللقاء وبفضل الملاحظات القيمة التي أبداها المشاركون فيه وتأييدهم لفكرة تنمية رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية، ووضع متطلبات تنميتها موضع التطبيق، قمت باستكمال عناصر الدراسة ونقحت الرؤية التي طرحتها على اللقاء مستفيداً من مناقشات الحضور الكرام. (انظر الملحق(1)).

وحين انتهيت من كتابة مخطوطة الدراسة دفعت بها إلى عدد من المفكرين والباحثين والممارسين المعنيين بالشأن العام والمهتمين بقضية الانتقال إلى الديمقراطية وإرساء نظم حكم ديمقراطية في دول المنطقة، معظمهم ممن لم يحضروا اللقاء الثاني والعشرين لمنتدى التنمية، وتمنيت عليهم التعقيب على فكرة تنمية رؤية مستقبلية وإمكانية وضع متطلبات تنميتها موضع التطبيق (انظر الرسالة في مقدمة القسم الثاني) وقد تفضل عدد كبير ممن كتبت إليهم بالتعقيب (انظر القسم الثاني) وأعتذر اثنان بسبب ضيق الوقت ولم يرد علىّ في الوقت المحدد بعض الذين حرصت على الاستماع إلى آرائهم، ومازلت احرص على مشاركتهم فيما يلي نشر هذا الكتاب من جهد مشترك بين الديمقراطيين من مختلف القوى السياسية والتيارات الفكرية المؤثرة على الحياة السياسية في دول المنطقة.

وحسب تقديري فإن ما سوف يلي نشر هذا الكتاب من جهد جماعي مشترك، يتمثل فيما أشارت إليه مداخلات أعضاء منتدى التنمية وما أكد عليه المعقبون على الدراسة من تأييد لوضع متطلبات تنمية رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية في أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، موضع التطبيق. وذلك من خلال إيجاد أداة للحوار الديمقراطي، تتمثل في منتدى للحوار يكون لمنتدى التنمية الفضل في إطلاق مبادرته.

وفي الختام أؤكد أن هذه التجربة الجماعية، في الحوار والهادفة إلى تنمية فهم مشترك افضل من اجل التوصل إلى قواسم مشتركة تساهم في تعزيز المساعي الديمقراطية وتساعد على الانتقال إلى الديمقراطية وإرساء نظم حكم ديمقراطية في المنطقة، ما كان لها أن تتحقق لولا فضل أصحاب الفضل عليَّ. وأصحاب الفضل كثيرون لا أستطيع حصر أسمائهم، أذكر منهم منتدى التنمية الذي أتاح لأبناء المنطقة - على مدى ربع قرن - تناول الموضوعات الهامة ذات التأثير على حاضر ومستقبل دول المنطقة بقدر ما تسمح به البيئة السياسية في دول المنطقة, وكذلك أخواني وأخواتي أعضاء المنتدى الذين حضروا اللقاء الثاني والعشرين، واثروا الورقة بآرائهم ودعموها بتوجهاتهم الجادة. وكانت استجابة عدد من المفكرين والباحثين والممارسين من أبناء المنطقة، وتعقيباتهم على الدراسة في سابقة غير معهودة في حياتنا العربية, بادرة اعتز بها وأحيي جهد من قام بها واشكرهم جميعاً على إغناء الموضوع بملاحظاتهم واقتراحاتهم القيمة. وأخيرا وليس آخرا فإن المناقشات التي جرت والدراسات التي تمت على مدى عقدين من الزمن في إطار منتدى التنمية وإطار مركز دراسات الوحدة العربية إضافة إلى مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية الذي يتخذ من اكسفورد مقراً له، كانت بارزة فيما طرحته من تحليل للواقع وتعبير عن الطموح، الذي لا يتعدى دوري فيه دور الناقل لهموم وطموحات جيل عربي يبحث عن نظام سياسي ديمقراطي يسمح لبلداننا العربية بالاستقرار والتطور وتحقيق الأمن والنماء.وتبقي بعد ذلك مسئوليتي الشخصية عما اجتهدت فيه، فأعتذر لعجزي وتقصيري عن التعبير عما أتيح لي من آراء قيمة وروئ مضيئة والله من وراء القصد.
انظر الكتاب الصادر عن المنتدى حول اللقاء: عبد الخالق عبد الله وآخرون، متطلبات وتحديات التحول الديمقراطي في دول مجلس التعاون الخليجي، دار قرطاس، الكويت، 2001
 
نحو تنمية رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية في أقطار مجلس التعاون"

يتوقف مستقبل الديمقراطية في أية دولة على مسار تجربتها السياسية، وما أدت إليه تلك التجربة من محصلة في مجال المشاركة السياسية وحقوق الإنسان والأمن والتنمية. كما يتوقف على نوعية البنى المجتمعية الراهنة في كل من السلطة والمجتمع وعلاقاتهما الداخلية وارتباطاتهما الخارجية. ومن هنا فإن رصد مستقبل الديمقراطية والحديث عن رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية لابد أن يجري في إطار كيان محدد، وشعب يتحرك فيه الأفراد والجماعات ويتفاعلون ضمن إطار منظومة قانونية وأعراف تقليدية وظروف عامة تخص ذلك الكيان، وتحدد علاقة الحاكم بالمحكوم وتؤثر على علاقة السلطة بالمجتمع والتفاعل بينهما. هذا دون أن ننكر ما للروابط والانتماءات القومية والدينية والأبعاد الهامة الأخرى من تأثير على وعي الأفراد والجماعات وتوجهاتهم ولاءاتهم. ولكن يبقى الكيان السياسي الواحد هو الإطار الذي يتحرك فيه المواطنون في نضالهم من أجل الديمقراطية.

إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكننا تحري مستقبل الديمقراطية والحديث عن تعزيز المساعي الديمقراطية في مجموعة من الدول لا تشكل كيانا سياسيا وقانونيا موحداً في الوقت الحاضر. وأصعب من ذلك كيف يمكننا تعزيز الجهود الديمقراطية عبر الحدود في مجموعة من الدول يعجز المواطنون في أغلبيتها عن طرح الموضوع – بشكل رسمي - للحوار الوطني داخل بلدانهم، بسبب تدني مستوى الحريات العامة ونتيجة حظر العمل العلني السلمي - عن طريق الترغيب والترهيب - على كافة التوجهات التي تنشد التغيير الديمقراطي.

إن الإجابة على هذه التساؤلات أمر صعب، وربما تكون الإجابة بالنفي إذا كان تعزيز المساعي الديمقراطية يعني تكوين حركة ديمقراطية إقليمية تناضل من أجل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في المنطقة. فذلك النضال غير متيسر بشكل إقليمي موحد من الناحية الواقعية، بل تقف دونه حدود الدولة القطرية، كما تحول دونه القوانين الوطنية في كل دولة.

لذلك فإن ما ظنه منتدى التنمية ممكنا - حسب تقديري - عندما قرر طرح قضية الديمقراطية في الدول الأعضاء بمجلس التعاون للحوار في لقائه السنوي الثاني والعشرين، لا يتعدى إعمال الفكر والنظر من قبل أبناء المنطقة في أسباب تقدم الشعوب في العالم بشكل عام على طريق الديمقراطية، وتخلف دول المنطقة التي مازال الحكم المطلق غير المقيد بدستور ديمقراطي هو السائد في أغلبيتها العظمى، إن لم يكن من حيث الواقع سائدا فيها جميعا (Derbyshine 1991: 49) بدرجات مختلفة في أغلب الأوقات.

ولعل ما قصده منتدى التنمية من طرح قضية الديمقراطية يتمثل في سعيه إلى تنمية فهم مشترك أفضل بين المعنيين بالتحول الديمقراطي حول معضلة الديمقراطية في المنطقة والبحث المشترك عن المداخل والسبل التي تعزز المساعي الديمقراطية فكريا ومعرفيا وربما إعلاميا وثقافيا في نهاية المطاف. أما مسألة النضال من أجل الديمقراطية والتوافق على قيام الحركة الديمقراطية في كل دولة فإنها من اختصاص القوى التي تنشد التغيير الديمقراطي في تلك الدولة، وذلك في ضوء إدراك حكومتها لمكانة الديمقراطية وتقدير أهميتها لتحقيق الأهداف الوطنية الكبرى التي يجب أن تسعى إلى تحقيقها كل حكومة حتى تكون حكومة شرعية تراعي المصالح الوطنية.

وفي هذه الدراسة، التي بدأت بورقة أعدت لمنتدى التنمية وتطورت إلى كتيب، سوف نقدم قراءة أولية –مستفيدين مما دار من مناقشات في المنتدى وخارجه - على أمل أن تساعد من الناحية الفكرية والمعرفية على تعزيز المساعي الديمقراطية في دول المنطقة، وسوف نتناول في هذه الدراسة ست نقاط تتمثل في: أولا: مفهوم الديمقراطية. ثانيا: محصلة التجارب السياسية المعاصرة. ثالثا: البنى الراهنة. رابعا: الأهداف الوطنية الكبرى. خامسا: تنمية رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية. سادساً: متطلبات تنمية رؤية مستقبلية.
 
 
المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها
قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة