You are here:الرئيسية>فعاليات>ندوات>مؤتمر عن التحديات الاقتصادية والأمنية في دول الثورات العربية

علي خليفة الكواري: مفهوم الديمقراطية المعاصرة

الخميس، 04 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 7042 مرة
علي خليفة الكواري
 
بادئ ذي بدء نحتاج من أجل تحديد مفهوم الديمقراطية التي نسعى إلى تعزيز جهودها، إلى التأكيد على أن الديمقراطية منهج يؤدي اتباعه إلى تفعيل عملية سياسية وإرساء أسس نظام حكم وليست عقيدة جامدة تنافس غيرها من العقائد والنظريات وتنفيها، وإنما يتأثر مضمون الممارسة الديمقراطية بالتفضيلات العقائدية للمجتمعات وثوابتها في إطار المحافظة على الديمقراطية باعتبارها منهجا لإدارة أوجه الاختلاف وتعارض المصالح سلميا وفق مبادئ ومؤسسات وآليات وضمانات لا تقوم لنظام الحكم الديمقراطي قائمة إذا لم يتم العمل بالحد الأدنى اللازم منها.

ونقطة البداية في تحديد مفهوم الديمقراطية تتمثل في التأكيد على إن الديمقراطية لا يوجد لها تعريف جامع مانع، ولا شكل تطبيقي واحد صالح لكل زمان ومكان تأخذ به جميع نظم الحكم الديمقراطية في العالم. وربما لن يوجد مثل هذا التعريف أو الشكل الثابت، طالما استمر وجود الأمم والشعوب والمجتمعات والدول المتعددة المرجعيات الثقافية والتاريخ الاجتماعي، وذات التجارب السياسية المتنوعة. ولو كان للديمقراطية شكل جامد ومضمون عقائدي ثابت، لما استطاع نظام الحكم الديمقراطي أن ينتشر عبر القارات ويتكيف مع مختلف الثقافات دون أن ينفي عقائد المجتمعات وقيم الشعوب المختلفة، بل إن الممارسة الديمقراطية الحقة قد ساعدت على تنمية الثقافات الوطنية وأكدت على الثوابت التي تٌجِلّها الشعوب. الأمر الذي أدى إلى تزايد الطلب على نظام الحكم الديمقراطي من قبل الشعوب في كافة الدول غير الديمقراطية دون استثناء.

إن الديمقراطية اليوم مفهوم حي ينمو وينضج لتلبية الحاجة المتعاظمة لنظام الحكم الديمقراطي. وقد بدأ مفهوم الديمقراطية أميل إلى الأخذ بصفة المنهج ونظام الحكم والعملية السياسية، واصبح له من التعريفات بعدد ما هناك من باحثين تناولوا الديمقراطية. بل ان نفس الباحثين قد غيروا تعريفاتهم عبر الزمن (Vanhanen1997:28 - 31). كما نمى فهم مشترك افضل لدى الدارسين حول دواعي وأسباب وشروط الانتقال إلى الديمقراطية، ولم تعد الشروط المسبقة التي كان يعتقد في الماضي أنها تتمثل في النمو الاقتصادي وانتشار الثقافة الديمقراطية شروطا لازمة لحدوث انتقال إلى الديمقراطية (Vanhanen 1997:10 - 26). بل لم يعد يرى المتابعون لعملية الانتقال إلى الديمقراطية ان الشــروط الاقتصـادية والاجتماعية كافية في حد ذاتها إلى جانب عدم كونها غير لازمة للانتقال (Waterbury 1999:261)، وإنما قد يكون تردي أداء النظام السياسي في مجال الأمن والتنمية – على سبيل المثال - ومن ثم الوصول إلى مأزق سياسي Stalemate وطريق مسدود يحول دون قدرة النظام السياسي على الحكم بأساليبه السابقة، وعدم قدرة أي من فصائل المعارضة على الاستحواذ على الحكم منه، سببا للانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي باعتباره الاختيار الثاني المتاح لجميع القوى الفاعلة (Waterbury 1999:261). هذا إضافة إلى عدد كبير من العوامل الأخرى التي يمكن أن تؤدي إلى الانتقال إلى الديمقراطية حيث لم يكن يتوقع حدوث الانتقال في الماضي (Diamonds and others 1989 (vol.3): IX - XXV) مثل وجود حاكم مستنير أو وجود قيادات واعية ومسئولة تتوافق على الانتقال إلى الديمقراطية. ومن هنا يمكن القول ان شروط الممارسة الديمقراطية، من بنى مجتمعية ناضجة وثقافة ديمقراطية ووجود مجتمع مدني ورأي عام مستنير، يمكن أن تنمو من خلال عملية التحول الديمقراطي نفسها بعد إعلان القطيعة مع قبول حكم الفرد والقلة وإنكار هيمنتهم على مقدرات الدولة والمجتمع، وليس من الضروري أن تكون تلك الشروط مكتملة قبل الانتقال إلى الديمقراطية.

وجديرٌ بالتأكيد أيضاً أن عدم وجود تعريف جامع مانع للديمقراطية صالح لكل زمان ومكان، لا يعني بأي حال من الأحوال أن الديمقراطية شئ هلامي غامض غير محدد المعالم والصفات. فالديمقراطية لها ثوابت تتجلى اليوم في مبادئ ومؤسسات وآليات وضمانات الدستور الديمقراطي. كما أن للديمقراطية قيما تتمثل في الحرية والمساواة والعدل والتسامح تفترض ضرورة قبول الآخر والتعامل معه على قدم المساواة.

ولذلك كله فإن قضية الانتقال إلى الديمقراطية وما يجب أن يليها من تحول ديمقراطي سلمي ليست مجرد مسألة فنية إدارية وإنما هي قضية إرادة سياسية تؤسس على التوافق السياسي والمصالحات التاريخية بين القوى التي تنشد التغيير من ناحية وبينها وبين السلطة الحاكمة من ناحية ثانية، كما تتطلب بالضرورة مقاربات جادة لإزالة اوجه التعارض المحتمل بين ما هو من ثوابت المجتمعات بالضرورة وما هو من ثوابت الديمقراطية بالضرورة أيضا. فبدون إجراء مثل هذه المراجعة، وإبداع مقاربات جادة ومسئولة تواجه إشكاليات الديمقراطية، وتؤسس لها في ثقافة المجتمع واعتبارات المصالح المشروعة لأفراده وجماعاته، يستحيل أن يتم الانتقال إلى الديمقراطية مهما كانت المبررات الفعلية للانتقال قوية وملحة. وحتى لو تم انتقال قسري تكتيكي دون توافق حقيقي ومقاربات موضوعية، فإن عملية التحول الديمقراطي لن تبدأ ولن تستقر ما لم يؤسس النظام السياسي على حد أدنى من القواسم المشتركة التي تجعل من التجمع البشري مجتمعاً بالمعنى العلمي، ما يربط بين جماعاته اكثر مما يربط أي جماعة منهم بمجتمع آخر، الأمر الذي يوحد مصيرهم المشترك في الحاضر والمستقبل ويجعل منهم جماعة سياسية واحدة في إطار التنوع.

ومن هنا يمكننا التأكيد منذ البداية، إن الديمقراطية مفهوم سياسي حي ومتطور يؤثر في المجتمعات التي تجرى ممارسته فيها وتؤثر قيم المجتمعات وثقافتها ومصالحها في مضمونه. ويعود ذلك إلى حقيقة كون الديمقراطية منهجا وعملية سياسية وليست عقيدة مثل غيرها من العقائد، وإنما تتأثر الممارسة الديمقراطية بعقائد المجتمعات التي تتم فيها وتراعي ثوابتها، تعبيرا عن اختيارات الجماعة التي تمارسها. إن الديمقراطية اليوم هي –في المقام الأول - نظام حكم ومنهج سلمي لإدارة اوجه الاختلاف في الرأي والتعارض في المصالح. ويتم ذلك من خلال إقرار وحماية وضمان ممارسة حق المشاركة السياسية الفعالة من قبل الكثرة Polarchy في عملية اتخاذ القرارات الجماعية الملزمة للجماعة السياسية (Dahl1989: 1 - 9)، بما في ذلك تداول السلطة وفق شرعية دستور ديمقراطي (الكواري 1996(أ):121 - 160).

ولعل كون إحدى تجليات المشاركة السياسية الفعالة تتمثل في تداول السلطة سلميا من خلال الانتخابات الحرة والنزيهة، توضح لنا أيضا أهمية العملية الديمقراطية على الأرض، باعتبارها منهج اختيار متجدد لمتخذي القرار من قبل الملزمين بالقرارات العامة، يتم بواسطته ومن خلال الانتخابات الدورية النزيهة تفويض كل من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية وفقا للبرامج الفردية أو الحزبية التي عرضها متخذو القرارات الجماعية على الناخبين عندما رشحوا أنفسهم لتولي السلطة (Schumpeter 1970:269 - 273). إن تلك البرامج التي يتم انتخاب المفوضين لتولي السلطة على أساسها قد تحمل تفضيلات عقائدية وتفضيلها لمصالح دون غيرها طالما كانت تلك التفضيلات والمصالح لا تتعدى على حقوق الآخرين وتتم وفق مبادئ الشرعية الدستورية.

وخاصية المنهج هذه، تفك ارتباط الديمقراطية المعاصرة بالمحتوى العقائدي الذي اكتسبته من خلال سبق الغرب الرأسمالي الليبرالي إلى تطبيقها، وتبعد عنها شبهة العقيدة المنافسة لغيرها من العقائد، وتسبغ عليها صفة نظام الحكم السياسي. ومن هنا فان السعي لتعزيز الجهود الديمقراطية في الديمقراطيات الناشئة خارج دائرة الحضارة الغربية، يتطلب مقاربة مفهوم الديمقراطية باعتبارها نظامَ حكم ومنهجاً لإدارة اوجه الاختلاف في ضوء التأكيد على اعتبارين جوهريين:

أولهما: إن نظام الحكم الديمقراطي نظام له معالم واضحة وحدود فاصلة عن غيره من نظم الحكم البديلة، فالديمقراطية ليست لفظا مشاعاً يمكن إطلاقه على أي فعل أو فكرة نريد أن نحسنها. ولذلك لابد من تحديد المبادئ والمؤسسات والآليات والضمانات العامة المشتركة التي لا تقوم للممارسة الديمقراطية قائمة - على المستوى الكلي والجزئي - إذا لم يتم تطبيق حد أدنى من كل منها في الحياة السياسية على المستوى الرسمي وفي المجتمع المدني.

ثانيهما: تحديد الثوابت وهي بالنسبة لمجتمعاتنا الدين الإسلامي والانتماء العربي في إطار التنوع الإثني والديني والمذهبي. وكذلك تنقية ثقافتنا السياسية من شوائب الاستبداد والتعرف على القيم الإيجابية والمصالح المشروعة لشعوبنا وتأكيد ذلك في مضمون الممارسة الديمقراطية المنشودة وتأسيسها عليه. كما أن نظام الحكم الديمقراطي أيضا، لا تقوم له قائمة إذا لم يؤسس على أرضية مشتركة (الغنوشي 2000: 217) وجوامع فكرية ومصلحيه، يجد فيها أفراد الشعب وجماعاته، مرجعية مقبولة لتضامنهم وتعاونهم وتفاعلهم الاجتماعي من اجل كسب الحاضر وتأمين المستقبل من منطلق وحدة المصير.

ولتحقيق هذين التحفظين الجوهريين باعتبارهما شرطين لازمين لا تقوم للديمقراطية الحقيقية قائمه إذا جرت التضحية بأي منهما، يجب علينا إعمال الفكر وإجراء المقاربات الجادة المسئولة باعتبار الديمقراطية إشكالية بالنسبة للمجتمعات العربية وليست مجرد مشكلة (الحسن1988: 149 - 151). ومن هنا يتطلب أمر مقاربة الديمقراطية بما تحمله من قيم إنسانية وثوابت منهجية مع ثوابت مجتمعاتنا، إبداعا حقيقيا في الفكر السياسي وحل معادلة صعبة، ليس بغير العقل في ضوء المصالح المرسلة وفي إطار الثوابت والقيم العليا التي يجلها المجتمع، من سبيل لمقاربتها بشكل جاد مسئول ومقبول من قبل دعاة الديمقراطية والمتحفظين على بعض احتمالاتها.

ومما لا شك فيه أن الديمقراطية في البلاد العربية والإسلامية إشكالية معقدة، وهذا ما يفسر جزئيا تأخر العرب والمسلمين في مجال الديمقراطية بالرغم من حاجتهم الماسة لمواجهة الاستبداد وحكم الغلبة الذي طبع تاريخهم السياسي وأدى إلى تخلفهم، هذا في حين تقدم غيرهم من الأمم والشعوب على طريق مواجهة الاستبداد ووضع حد لحكم القوة الغاشمة وفتحوا آفاقا رحبة للاستقرار الحقيقي والتراكم الذي قاد إلى الأمن والتنمية والتقدم العلمي والتقني. هذا بالرغم من كون الولاية في الإسلام للأمة وليست للفرد ولا للقلة، وأمرهم شورى بينهم والعدل أساس الحكم والمسلمون جميعاً متساوون ومدعوون إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل أن تلك المبادئ تشمل الجماعة السياسية كلها دون تمييز من منطلق المصالح المرسلة. وللمسلمين في رسول الله وصحيفة المدينة أسوة حسنة.

إن الديمقراطية في الدول غير الديمقراطية تمثل بحق إشكالية وليست مجرد مشكلة بسيطة يمكن حلها عن طريق استيراد تكنولوجيا الديمقراطية بمضمونها القيمي والعقائدي، وفي ضوء انحيازها المصلحي التقليدي الليبرالي والرأسمالي والإمبريالي، دون فرز لما هو من الديمقراطية بالضرورة. وإنما يجب تأصيل الديمقراطية وتأسيسها في الحياة الثقافية والتوجهات الاجتماعية، بعد ضبطها بثوابت المجتمع وتأسيسها على القيم الإيجابية والمصالح المشروعة. وذلك من اجل توطين الديمقراطية وإقرارها في الحياة السياسية العربية وحمايتها بإطار أخلاقي يجعل ممارستها نابعة من الضمير وخاضعة لمحاسبة "النفس اللوامة" ومحصنة بتنظيمات المجتمع وقيمه وهادفة لتحقيق مصالحة. وألا فإن "الديمقراطية" سوف تتحول إلى مجرد لعبة تقنية انتهازية مستوردة تتوقف عند حد عد الأصوات بعد تزويرها أو التأثير على الناخبين بذهب السلطة وسيفها، يقصد منها استمرار أوضاع الاستبداد والاستغلال والإقصاء والفساد بكافة مظاهره في إطار الهيمنة الأجنبية والعجز الوطني بعد أن يتم اختراق وتفكيك البنى التقليدية ونظم القيم المرتبطة بها، دون أن تحل محلها بنى ديمقراطية. وفي هذه الحالة لن تستقر الديمقراطية ولن تقوم لها قائمة إلى أن يتصالح مضمون الديمقراطية مع شكلها وتتم المقاربة الموضوعية بين ثوابت الديمقراطية وثوابت المجتمعات التي تنتقل إليها.

ولعل انحراف التجارب الديمقراطية في البلاد العربية عن مقتضيات المساواة والعدل والإنصاف وعجزها عن تحقيق الأهداف الوطنية والاجتماعية التي تنشدها الشعوب، كان في الماضي وسيكون في المستقبل، السبب في سقوط النظم التي تدعي تطبيقها وتقف عند حدود الشكل دون المضمون. هذا مهما قلنا إن هذه النواقص أو العجز استخدم بمثابة الحق الذي يراد به باطل عندما سقطت تلك التجارب أحيانا لصالح " العادل المستبد" وآلت إلى يد المستبد دون عدل، لان العدل والاستبداد لا يجتمعان.
*********

وفي سياق محاولتنا تحديد مفهوم الديمقراطية التي نسعى إلى تعزيز جهود الانتقال إليها، يحسن بنا أن نشير أولا: إلى مسار الانتقال ومن ثم عملية التحول الديمقراطي. وثانيا: نناقش أهمية بناء مقومات الديمقراطية ومرتكزاتها قبل وخلال عمليتي الانتقال والتحول الديمقراطي المستمرة والمتجددة.

1 – 1 الانتقال إلى الديمقراطية وعملية التحول الديمقراطي

يتم الانتقال إلى الديمقراطية من نظم حكم الوصاية - بمختلف أشكالها - حيث يؤسس الحكم على الغلبة وتكون السيادة لفرد أو لقلة من الناس وليس الشعب مصدر السلطات. وهذه الأنواع من نظم الحكم هي التي سادت العالم وتوالت على حكمه عبر العصور حتى برز نظام الحكم الديمقراطي. وبالرغم من أن النموذج المثالي ideal لهذه النظم قد يتم الاقتراب منه لفترات قصيرة واستثنائية في عمر الدول والقيادات "الكرزمية" الفذة، إلا أن نظم الحكم هذه لا تلبث أن تؤسس على حكم الغلبة والعصبية وتمر بدورة ابن خلدون (ابن خلدون 1978: 145 - 147) حتى تصل في نهاية الأمر إلى الضعف والعجز والاستبداد، الأمر الذي يسهل لعصبية طامحة وطامعة أخرى أن تتغلب على الأولى وتعيد الكره. وقد أجرى روبرت دال مناقشات شيقة بين حجج دعاة نظم حكم الوصاية وحالة الفوضى حيث لا توجد حكومة، فوجد أننا عندما نقارن واقع نظام الحكم الديمقراطي بواقع بدائله فإننا لا شك مدركون تميزه في المدى البعيد (Dahl 1989: 37 - 82).

ويمكننا أن نعرض تصورنا لنموذج حكم الغلبة في الرسم (1).
ملحق رقم (1)


وفي هذا النموذج نجد أن نظام حكم الغلبة نظام مغلق بسبب توارث قيادته وتآكل عصبيته وطغيان المصالح الشخصية على المصلحة العامة فيه تدريجياً، ولذلك لابد أن يؤدي إلى الضعف ويؤول إلى العجز عن تحقيق الأهداف الوطنية المتغيرة بتغير الأوضاع الداخلية والمحيط الخارجي وتحدياتهما، الأمر الذي يتيح فرص انقضاض أقلية استراتيجية عليه – عصبية أو عصابة - ، يؤول مصيرها بعد تغلبها بفترة –طالت أو قصرت - إلى مثل ما آل إليه مصير العصبية السابقة. وهلم جرا.

وقد أتاح نظام الحكم الديمقراطي منذ أن أعيد اكتشاف مبادئ المواطنة والمشاركة السياسية وحكم القانون في دائرة الحضارة الغربية (الكواري 2001: 111 - 117)، بديلا لحكم الغلبة وسيادة الفرد أو القلة على الناس، نتيجة معاناة الشعوب من الاستبداد ووعي حكمائها ومفكريها والناشطين فيها بإمكانيات نظام الحكم الديمقراطي وأهميته في كسر الحلقة المفرغة التي دار فيها حكم الغلبة عبر التاريخ. وإذا كان هذا الوعي بإمكانيات الديمقراطية قد مثل إبداعا إنسانيا عند بدايته في العالم الحديث، فقد اصبح بالنسبة للشعوب بعد نجاح كل من الثورتين الأمريكية والفرنسية في أن يؤسسا نظم حكم ديمقراطية يكون الشعب فيها مصدر السلطات ويؤسس الاجتماع السياسي على مبدأ المواطنة المتساوية، أمرا واقعيا يمكن إدراكه ومقارنته مع واقع نظم الحكم البديلة الأخرى. ومن هنا انفتح المجال لوجود بديل عملي لمصيدة حكم الوصاية والغلبة والأنفكاك من دورة ابن خلدون للدول وحتميتها، تمثل في الانتقال إلى الديمقراطية وفق تعاقد مجتمعي متجدد، تغير بموجب شرعيته الدول قياداتها وتصوغ أهدافها العامة المرحلية. ويوضح الرسم رقم (2) مسار هذا البديل الذي يمكن أن يجد حكم الغلبة والعصبية نفسه فيه منتقلا بسلام إن هو أدرك ضرورات الانتقال في الوقت المناسب، أو بانتفاضة شعبية إلى نظام حكم ديمقراطي بدلاً من أن يستمر في عجزه حتى يتاح لعصبية أخرى أن تنقض عليه وتغلبه.

الرسم: (2) مسار الانتقال إلى الديمقراطية
استيعاب السلطة لضرورات الانتقال وتوافقها مع المجتمع
ملحق رقم (2)

ونقطة البداية في البحث عن بديل لنظام الحكم غير الديمقراطي ليست واحدة في كل زمان ومكان وظرف من الظروف. ولكن يمكننا القول - بقدر من الاطمئنان - إن البحث الجدي عن بديل لنظام حكم الوصاية القائم على الغلبة، يبرز بقوة عندما يعجز ذلك النظام عن الحكم بأساليب حكمه السابقة، في وقت تجد فيه كل من العصبيات التي تنشد تغييره نفسها غير قادرة على الانقلاب عليه بمفردها، لأسباب داخلية أو خارجية. عندها يصل المجتمع كما وصلت السلطة إلى طريق مسدود وتتعاظم الأزمات وينتشر القلق على الحاضر والمستقبل بين أفراد الشعب وجماعاته. عند هذا المنعطف تجد المجتمعات الحية كما تجد السلطة الحكيمة نفسها على مفترق طرق ويأخذ المثقفون والناشطون دور نشر الوعي بإمكانيات الديمقراطية وقدرة النظام الديمقراطي على إخراج السلطة والمجتمع من المأزق والطريق المسدود.

ويمكن أن يقود ذلك الوضع المأزوم إلى قيام انتفاضة مؤسسة للديمقراطية. كما يمكن أن يقود إلى انفتاح سياسي يخفف الضغط على نظام الحكم ويفتح الأمل للشعب في احتمالات التغيير السلمي. وهذا الانفتاح السياسي يمكن أن تستفيد منه القوى التي تنشد التغيير بعد أن تعذر عليها الانقلاب على السلطة، في إعادة طرح نفسها كقوى تنشد التغيير الديمقراطي وتنمي الديمقراطية داخلها وفيما بينها. الأمر الذي يتيح تعبئة وتنظيم القوى صاحبة المصلحة في الديمقراطية، كما يوسع من دائرة قبول مبدأ المواطنة المتساوية ومبدأ الشعب مصدر السلطات وحكم القانون. وقبول هذه المبادئ الديمقراطية نفسيا وفكريا وتأسيسها في الثقافة الوطنية يفتح آفاقا لبناء الدولة وبروز دور المؤسسات، كما يسمح بنمو حركة ديمقراطية وطلب فعال تدفع به القوى التي تنشد التغيير وتعمل على التوافق عليه مع السلطة وفق شرعية دستور ديمقراطي. وإذا استوعبت السلطة ضرورة الانتقال وتوافقت مع المجتمع على تعاقد مجتمعي متجدد وفق شرعية دستور ديمقراطي تكون إرادة الديمقراطية قد تبلورت وانتقل المجتمع إلى عملية التحول الديمقراطي التي يوضحها الرسم رقم (3).

الرسم (3) عملية التحول الديمقراطي: تفاعلات العملية الديمقراطية
ملحق رقم (3)

وجدير بالتأكيد أن كلا من مسار الانتقال إلى الديمقراطية وعملية التحول الديمقراطي اللذين أوضحناهما في الرسم (2) و(3)، ليسا بالبساطة والحتمية التي يبدوان بهما من تتبع الرسم وإنما هما عمليتان معقدتان يحكم مسارهما صراع الإرادات وتوازن القوى وتركيب البنى المجتمعية ونضج الثقافة السياسية من عدمه. كما يتأثران بالعوامل الداخلية والخارجية وروح العصر. ولذلك قد تتراجع عملية الانفتاح السياسي أو تتغير المعطيات التي تمهد للتوافق بين أطراف المعارضة أو بينها وبين السلطة بحيث تعود فرص الانتقال إلى المربع الأول أو قد يحدث ما ليس في الحسبان، مثل نمو قناعة بالديمقراطية لدى الحاكم الفرد أو ضغط خارجي أو انقلاب يتبنى الانتقال إلى الديمقراطية ويتم الانتقال إليها سلمياً. كما أن عملية التحول الديمقراطي، بعد أن تبدأ بالاحتكام إلى شريعة دستور ديمقراطي، قد تنتكس ويعطل العمل بالدستور الديمقراطي ويعود الحكم سيرته الأولى، حكم غلبة وعصبية، يعمل الديمقراطيون فيه على عودة انتقاله إلى الديمقراطية مرة أخرى وأخرى وهكذا دواليك، حتى يتجاوز نظام الحكم الديمقراطي مرحلة الانتقال الأولى وتترسخ مقومات الديمقراطية، من شرعية دستورية ورأي عام وبنى مجتمعية وثقافة ديمقراطية. وتصبح الديمقراطية قيمة اجتماعية ومعياراً أخلاقيا. وتجارب الإنسانية تشير إلى عدة قرون يحتاجها المجتمع حتى تستقر الممارسة الديمقراطية فيه ولدينا قد تكفي عدة عقود بفضل إمكانية استفادتنا من تجارب الآخرين إذا احسنا الاستفادة ووعينا مسار التاريخ الإنساني وضرورات العصر الذي نعيش فيه.

1 – 2 مقومات الديمقراطية

يتضح أيضا من عرضنا لمفهوم الديمقراطية المعاصر والإشارة إلى مسار الانتقال إليها وبدء عملية التحول الديمقراطي، أن نظام الحكم الديمقراطي لابد له من مرتكزات فكرية ومقومات تنظيمية يتم بناؤها تدريجيا في الثقافة السياسية ويتم تصحيح البنى المجتمعية وفقا لها. وإذا كان غياب المقومات الكاملة وانتشار الثقافة الديمقراطية على مستوى المجتمع كله ليس أمرا لازما للانتقال إلى الديمقراطية، فأن ذلك لا يعني غياب الحد الأدنى من مقومات الديمقراطية ووجود حد أدنى من الثقافة الديمقراطية عند الناشطين السياسيين على الأقل. بل إن عملية التحول الديمقراطي لا تستمر آلا إذا أرسيت مقومات الديمقراطية وانتشرت الثقافة الديمقراطية في المجتمع واتسع نطاق قبولها النفسي والفكري تدريجيا بعد تأسيسها على ثوابت المجتمع والقيم العليا التي يجلها المجتمع. ويمكننا إجمال هذه المقومات في خمسة مرتكزات: أولها: اعتبار المواطنة مصدر الحقوق ومناط الواجبات وثانيها: الإقرار بأن الشعب مصدر السلطات وثالثها: الاحتكام إلى شرعية دستور ديمقراطي ورابعها: قيام مجتمع مدني ونمو رأي عام مستنير. وخامسها: تحول الديمقراطية إلى قيمة اجتماعية ومعيار أخلاقي.

1-2-1 المواطنة مصدر الحقوق ومناط الواجبات.

مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية لكل من يحمل جنسية الدولة دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو المذهب أو الجنس أو أي تمييز آخر، يشكل حجر الزاوية في بناء الديمقراطية، وهو أيضا مبدأ حاكم للنظام الديمقراطي (الكواري 2001: 104 - 125). ويحسب للفكر السياسي الإسلامي (الافندي 2001: 144 - 158) والفكر الوطني–القومي (الحروب 2001: 126 - 143) المعاصرين، تقدمهما السريع على طريق حل هذه الإشكالية وإجراء مقاربات هامة من اجل إقرار مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية غير المنقوصة لكل المواطنين دون تمييز بما في ذلك تولي المناصب العليا والمشاركة السياسية الفعالة على قدم المساواة. إن إقرار مبدأ المواطنة هو حجر الزاوية في نظام الحكم الديمقراطي الذي لا يمكن قبل قبوله والاستعداد للتصرف بمقتضاه الحديث عن الديمقراطية. وإذا كان قبول المواطنة المتساوية من حيث المبدأ قد تقدم على المستوى الفكري والنفسي فإن الدول العربية ما زال أمامها شوط طويل قبل أن تصل إلى إقرار مبدأ المواطنة المتساوية والعمل به على ارض الواقع.

1 - 2 - 2 الإقرار بان الشعب مصدر السلطات

هذا أيضا مبدأ حاكم، ولا تقوم لنظام الحكم الديمقراطي قائمة إذا لم يتم إقراره والعمل بموجب مقتضياته على ارض الواقع. وإقرار هذا المبدأ هو التعبير الحقيقي عن قبول مبدأ المواطنة المتساوية. ويبدأ هذا الاعتراف من خلال استيعاب معنى أن "لا سيادة لفرد ولا لقلة على الناس"(متولي 1989: 153). والمنطق الديمقراطي في ذلك ينطلق من كون السلطة تتم ممارستها بإرادة بشرية مهما تم الإدعاء بغير ذلك. ومن المؤكد انه لا يوجد اليوم بشر معصوم ولا يوجد تفويض إلهي ولا طبيعي لبشر. إن تفويض ممارسة السلطة إما أن يسبغه الفرد أو القلة الحاكمة على نفسها بالقوة أو تفوضه بإرادتها البشرية لمن هو تحت سلطتها من البشر مع الاحتفاظ بإدعاء حق السيادة على الشعب. والشعب أو الكثرة من الشعب Polarchy على الأقل – بكل تأكيد - أحق من الفرد أو القلة بتفويض السلطة للحكام والمشرعين. ولذلك فالحاكم والمشرّع الديمقراطي يستمد شرعية ممارسته للسلطة من الشعب، فالشعب في نظام الحكم الديمقراطي مصدر السلطات وهو الذي يفوض السلطتين التنفيذية والتشريعية عبر انتخابات دورية حرة ونزيهة. (Dahl 1989: 1 - 9).

وجدير بالذكر أن إقرار مبدأ الشعب مصدر السلطات قد اصبح مقبولا في الفكر الحركي الإسلامي المعاصر كما ورد على لسان مأمون الهضيبي (حسن 1997: 178) طالما كانت الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع كما نص عليها دستور مصر لعام 1971. وجدير بالتأكيد أيضا أن مبدأ الشعب مصدر السلطات لا يقتضي بالضرورة أن يكون البرلمان صاحب السيادة المطلقة في التشريع - على نمط وستمنستر - ، وإنما –حسب اعتقادي - يمكن أن يتم التشريع وفق شرعية دستور تراعي فيه مبادئ تشريعية مثل، مقاصد الشريعة أو الشريعة الإسلامية في حالة المسلمين باعتبارها مصدرا رئيسيا أو المصدر الرئيسي للتشريع (متولي 1990: 15 - 25و246 - 297) شريطة أن يتم أولا: تحديد المقصود بالشريعة الإسلامية الملزمة، بشكل واضح لا يتعدى الوحي الإلهي. وثانيا: تحديد المحكمة الدستورية باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بالنظر في هذا القيد الدستوري، والمختصة وحدها بالحكم بدستورية القوانين. ولا يجوز أن يترك الأمر للفقهاء أو "رجال" الدين فليس في الإسلام رجال دين ولا حكومة دينية وإنما يعهد به إلى القضاء الدستوري. ومما يحسب للفكر السياسي بكافة تياراته وفصائله في البلاد العربية هو إدراكه لأهمية هذه المقاربة التي تساعد على تجاوز إشكالية احتمال التعارض بين الديمقراطية والإسلام، كما تعزز الحوار الجاد والمسؤول باتجاه مقاربة هذه الإشكالية.الأمر الذي يفتح المجال أمام قبول نظم الحكم الديمقراطية شعبيا في البلاد العربية بعد إجراء المقاربات الأخرى اللازمة لإزالة شبهة التعارض بين نظام الحكم الديمقراطي وثوابت المجتمع وقيمه الإيجابية. انظر على سبيل المثال: (حسن 1997: 172 - 216) (التميمي 1997) (مركز دراسات الوحدة العربية 1989: 321 - 358) إضافة إلى إصدارات مشروع دراسات الديمقراطية في البلاد العربية.

1 - 2 - 3 الاحتكام إلى شرعية دستور ديمقراطي.

والمقوم الثالث لنظام الحكم الديمقراطي يتمثل في وجود الدستور الديمقراطي. والدستور الديمقراطي يمثل الحد الفاصل بين نظام الحكم الديمقراطي وغيره من نظم الحكم الأخرى، ويمثل بحق الارتقاء إلى مرتبة التعاقد المجتمعي المتجدد (وقيدي 1997: 50 - 70) وفق شرعية دستور ديمقراطي. فالديمقراطية المعاصرة هي اليوم ممارسة تجري وفق شرعية دستور يرتكز على المبادئ العامة المشتركة للدستور الديمقراطي، كما يقيم المؤسسات والآليات ويوفر الضمانات القانونية وضمانات الرأي العام الواعي والمستنير الذي تعبر عنه منظمات المجتمع ابتداءً من الأحزاب السياسية والنقابات والروابط والجمعيات وأجهزة الإعلام الحرة النزيهة ذات الاهتمام بالشئون العامة. وإذا كان الدستور الديمقراطي لا يضيره أن يكون تعبيرا عن توافق مجتمعي على حدود الممارسة الديمقراطية (ديمقراطية توافقية مرنة)، إلا أنه لا يجوز أن يؤدي ذلك إلى جمود ذلك التوافق وإنما يجب أن تكون هناك مرونة تسمح بأن يعكس التوافق الحاجة لمقتضيات التعاقد المجتمعي المتجدد بتجدد الحاجات المجتمعية وتغير الظروف وموازين القوى في ضوء ثوابت المجتمع.

وجدير بالتأكيد أن الدستور الديمقراطي يختلف اختلافا نوعيا عن دستور المنحة الظاهرة أو المبطنة بالاستفتاءات، حيث يكون الحاكم الفرد أو القلة الحاكمة هي صاحبة الرأي الأخير في تعديل الدستور أو تفسيره حسب أهوائها متى أرادت وكيفما أرادت. ومهما تم تغليف تلك الإرادة الفردية بإجراءات شكلية - مثل الاستفتاءات الموجهة إعلاميا أو المزورة – فإن الديمقراطية تفقد مضمونها من حيث هي مشاركة سياسية فعاله من قبل جميع المواطنين في عملية اتخاذ القرارات الجماعية الملزمة. ولعل الدليل واضح على دساتير المنحة الظاهرة أو المبطنة في سائر الدول العربية التي يتم تعديل دساتيرها أو تعطيلها وفق الإرادة المنفردة للحاكم الفرد أو القلة الحاكمة، ويغطى ذلك في بعض الأحيان باستفتاءات نتائجها معروفة مسبقا. فذلك مع الأسف ظاهرة عربية عامة لا تحتاج إلى كثير من العناء لإثباتها، وعلى العرب أن يتخلوا –لفترة من الزمن على الأقل - عن الاستفتاءات التي أصبحت تسئ إلى الشعب وتزور إرادته وتحط من كرامته. إن الديمقراطية ليست مجرد تصويت وإنما هي مداولات متأنية تسمح بتحديد المصالح وبيان المسارات والتعرف على الخيارات من خلال الحوار الواسع قبل الدعوة إلى التصويت.

ومن هنا يمكن التمييز بين الممارسات الديمقراطية بغرضها. فهناك من يريد تحقيق الشكل دون المضمون فيسرع إلى التصويت ويلجأ إلى الاستفتاءات الموجهة من اجل اكتساب شرعية ديمقراطية مزورة، وهناك من يتريث في التصويت إلى أن تتم في المجتمع مداولات متأنية Deliberative Democracy حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود قبل أن يدعو إلى التصويت (Gutmann & Thomson1997:1992 - 229).

ولعل ما يميز الدستور الديمقراطي عن دستور المنحة أيضاً يتمثل في النظر إلى الدولة باعتبارها مؤسسة تقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها. ومن هنا يجب احترام الدستور الديمقراطي والالتزام به من قبل الحاكم والمحكوم باعتباره عقدا يفصل شخص الحاكم عن شخصية الدولة. كما يفصل المال العام والملكية العامة والنفوذ العام للدولة عن الحاكم، باعتبار الدولة مؤسسة منفصلة عن شخص من يحكمها، يجب على الحكومة أن تقوم بتوجيه وتوظيف إمكانياتها وسلطتها لما فيه الصالح العام. فليست الدولة هي الحاكم والحاكم هو الدولة، يفعل بها ما يشاء متى شاء. وهذا يقتضي:

أولا: أن يختلف الدستور الديمقراطي من حيث طريقة وضعه وإقراره وإجراءات تعديله أو تعطيله - في الظروف الطارئة المؤقتة - ، حيث يجب أن يتم وضع ومناقشة وإقرار الدستور الديمقراطي من قبل جمعية وطنية تأسيسية منتخبة انتخابا عاما حرا ونزيها. وهذه نقطة البداية التي يجب أن تليها حصانة للشرعية الدستورية تتمثل في حكم القانون واستقلال القضاء ونزاهته ممثلا في المحكمة الدستورية. هذا إضافة إلى قدرة المجتمع المدني والرأي العام على إيقاف أي تعد للسلطة على الشرعية الدستورية.

ثانيا: أن يؤسس الدستور الديمقراطي على خمسة مبادئ ديمقراطية عامة مشتركة لا تقوم للدستور الديمقراطي قائمة إذا غاب أي منها عن روح ونص هذا الدستور. أولها: لا سيادة لفرد ولا لقلة على الشعب، والشعب مصدر السلطات. ثانيها: سيطرة أحكام القانون والمساواة أمامه. ثالثها: عدم الجمع بين أي من السلطة التنفيذية أو التشريعية والقضائية في يد شخص أو مؤسسة واحدة. رابعها: ضمان الحقوق والحريات العامة دستوريا وقانونيا وقضائيا، ومن خلال تنمية فاعلية المجتمع المدني وقدرته على الدفاع عن حق ممارسة الحريات العامة. خامسها: تداول السلطة التنفيذية والتشريعية سلميا وفق آلية انتخابات دورية عامة حرة ونزيهة تحت إشراف قضائي كامل ومستقل وشفافية تحد من الفساد والإفساد والتضليل في العملية الانتخابية.

1 - 2 - 4 امتلاك مصادر ووسائل المشاركة الفعالة.

المرتكز الرابع للديمقراطية يتمثل في امتلاك المواطنين أفرادا وجماعات للحد الأدنى من مصادر الاستقلال الاقتصادي والتصرف الاجتماعي والفعل السياسي. وذلك من خلال تأمين حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب حقوقهم القانونية وبواسطة ممارستهم على ارض الواقع لحرية التعبير والتنظيم. والتي تتطلب بدورها بناء مجتمع مدني وتنمية رأي عام مستنير تعبيرا عن نمو القدرة على تنظيم الأفراد والجماعات لأنفسهم. إضافة إلى حق وإمكانية وصولهم إلى مصادر المعلومات البديلة التي تساعدهم على المشاركة السياسية الفعالة الواعية المستنيرة لما فيه تحقيق مصالحهم. إن امتلاك مصادر وسائل المشاركة الفعالة، هو الوجه الآخر للديمقراطية والضمانة الأهلية لوضعها موضع التطبيق.

إن التجربة الديمقراطية تبقى حبراً على ورق ومجرد نصوص دستورية وشكل ظاهري أجوف، إلى أن تتوفر للمواطنين أفرادا وجماعات مصادر ووسائل المشاركة السياسية الفعالة والقدرة على ممارسة الحقوق وأداء الواجبات التي ينص عليها الدستور الديمقراطي، والتي لا تقوم لنظام الحكم الديمقراطي قائمة دون ممارستها على ارض الواقع من قبل الكثرة Polarchy من المواطنين على الأقل (Dhal 1989: 163 - 192).

وإلى أن تمتلك الكثرة من المواطنين الحد الأدنى من مصادر المشاركة السياسية الفعالة وتتوفر لها الوسائل التنظيمية للتعبير عن مصالحها وتنمية قدرتها على اتخاذ القرارات الجماعية الملزمة لما فيه تحقيق مصالحها، تبقى "الديمقراطية" مهددة بان تكون ممارسة للإقصاء والاحتواء، تسيرها إرادة الحاكم الفرد ومصالح القلة الحاكمة والقوى الخارجية الداعمة لاستمرار السلطة. وقد يتحكم في مسار هذه "الديمقراطية" نظام حكم سلطوي غايته الاستمرار في الحكم بأي ثمن، مستخدما ذهب الدولة وسيفها من اجل الترغيب والترهيب.

ولعل هذه المفارقة بين الديمقراطية من حيث الشكل والمضمون والتي نشهد نماذج لها على الساحة العربية بشكل عام، تشير إلى ضرورة مقاربة عدد من إشكاليات الديمقراطية الناشئة في البلاد العربية. وتتمثل تلك الإشكالية في احتمالات عجز الديمقراطية عن تحقيق التنمية ورفع مستوى المعيشة للجماهير، وابتعاد الديمقراطية عن مقتضيات العدالة الاجتماعية، وانحراف الديمقراطية عن متطلبات صيانة الأمن الوطني. بل أن بقاء هذه الإشكاليات دون مقاربات مقنعة لما فيه صالح توفير مصادر المشاركة السياسية الفعالة للجماهير، سوف يشكل مقتلا للتجارب "الديمقراطية" التي تبتعد عن مقتضيات تحقيق العدالة الاجتماعية والعدل السياسي وسيطرة أحكام القانون واستقلال القضاء، وتعجز عن توفير مقومات الأمن الوطني وتنصرف عن الاهتمام بالتنمية الشاملة المستديمة ذات البعد الإنساني.

إن الممارسة الديمقراطية حتى تستمر لابد أن يتمكن المواطنون بشكل سلمي –نتيجة امتلاك مصادر ووسائل المشاركة الفعالة - من التأثير على مضمونها ومسارها حتى تكون سبيلا لتحقيق الأهداف الوطنية الكبرى ومواجهة المشكلات التي يتطلع المواطنون إلى الديمقراطية من اجل مواجهتها. وذلك عندما يتمكن المواطنون من خلال المجتمع المدني والرأي العام المستنير من تأكيد ثوابت المجتمع وتحقيق أهدافه الوطنية الكبرى عن طريق المشاركة الفعالة في الممارسة الديمقراطية.

أن الديمقراطية إذا كان تطبيقها مشوها وغلب عليها الشكل الدعائي الخالي من المضمون، فإنها تسلب المواطنين مصادر المشاركة السياسية الفعالة، وتتجه إلى إنكار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لهم، مما يمنعهم من القدرة على ممارسة حرية التنظيم والتعبير ويعرقل حصولهم على العلم والمعرفة ووصول المعلومات البديلة التي تساعدهم على اتخاذ القرارات الجماعية الملزمة لهم، بما فيه تحقيق مصالحهم. وفي هذه الحالة تصبح التجربة الديمقراطية المشوهة مصدراً للإحباط وعرضه للضغوط ولطمع الطامعين في السلطة. الأمر الذي يكرس نمط حكم الغلبة والتأرجح بين الحكم الشمولي والحكم السلطوي بواسطة الانقلابات والمؤامرات، وتضيع بذلك فرصة الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية مستقرة مهما تغير أشخاص الحكام.

إن الانقضاض على "الديمقراطية" المشوهة يمكن أن يكون حقا يراد به باطل، وذريعة للطامعين في السلطة عندما يجدون أن الكثرة من المواطنين ليست مشاركة في القرار ولا مصالحها مأخوذة في الاعتبار. وهذا ما يفسر تأييد الجماهير للانقلابات في البلاد العربية والإسلامية عند بدايتها والتذمر منها بعد أن تخبر حكمها. ولعل هذا يشير أيضا إلى التبادل بين "الديمقراطية" المنحرفة عن تطلعات الجماهير، والانقلابات العسكرية التي شهدتها عدة بلدان عربية وإسلامية وبقية دول العالم الثالث.

ومن هنا يمكننا التأكيد على أن امتلاك الكثرة من المواطنين أفرادا وجماعات لمصادر ووسائل المشاركة السياسية الفعالة، يمثل مقوما من مقومات الديمقراطية، لا تتقدم التجربة السياسية باتجاه الديمقراطية ما لم يتوفر حد أدنى متصاعد من هذه المصادر والوسائل لكافة المواطنين دون تمييز. ولذلك لابد من النص على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الدستور الديمقراطي. وكذلك تحصين الديمقراطية الناشئة وحماية قابليتها للاختراق الخارجي والهيمنة الداخلية من قبل القلة المقتدرة، وذلك عن طريق قيام مجتمع مدني فعال ورأي عام مستنير. ان الديمقراطية إذا كانت في جوهرها نفيا لسيادة الفرد أو القلة على الشعب فإنها لابد من أن تمنع القلة التي تحتكر النفوذ الاجتماعي والقوة الاقتصادية من أن تتحكم بمصيرها وتهيمن على مقدراتها باسم "الديمقراطية".

وعلينا كذلك إدراك مخاطر انزلاق الممارسة الديمقراطية الناشئة نتيجة افتقار الكثرة من المواطنين لمصادر المشاركة السياسية الفعالة واحتمالات تحولها ضد مصالح وآمال الشعوب الساعية إلى العدل السياسي والعدالة الاجتماعية والتواقة إلى تحقيق الأمن الوطني والتنمية الشاملة المستديمة ذات البعد الإنساني. ومن هنا لابد من تأسيس نظام الحكم الديمقراطي على أساس توفير شروط امتلاك المواطنين أفرادا وجماعات لمصادر المشاركة السياسية الفعالة وضمان وضع تلك الشروط موضع التطبيق من خلال فعالية المجتمع المدني وحيوية الرأي العام. ويمكننا بإيجاز الإشارة–على سبيل المثال - إلى ثلاثة مصادر ووسائل هامة لتحقيق مشاركة سياسية فعالة من قبل المواطنين:

أولها: الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتشمل تقارب مستويات الدخل والثروة والتعليم والرعاية الصحية والحق في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمساواة في الفرص دون تمييز، ويتطلب ذلك إقرار الحد الأدنى للأجور والضمان الاجتماعي للعاطلين عن العمل والعاجزين عنه والمتقاعدين. كما يتطلب إقرار حق العمل وتنمية فرص العمل المنتجة المجزية اقتصاديا وتأهيل المواطنين ذكوراً وإناث من حيث التعليم والتدريب وتنمية الموارد البشرية للقيام بالوظائف المنتجة المجزية اقتصاديا في مجالات الإنتاج السلعي والخدمي في القطاع الخاص والعام.

ويمكن أن يتحقق هدف تقارب مستويات الدخل والثروة تدريجيا ونسبيا عندما يتم ربط المكافأة بالجهد والإنتاجية، وتوجه الثروة في القطاع الخاص والعام لأداء وظيفتها الاجتماعية، وتقلق المصادر غير المشروعة لتكوين الثروات الاستفزازية واستخدام السلطة للاستحواذ على المال العام، ويوضع حد للفساد المالي والإداري والسياسي وخاصة فساد متخذي القرار المناط بهم رعاية المصلحة العامة وحمايتها المفترضين. كما يتطلب تحقيق ذلك في الدول الريعية، استثمار الريع النفطي –على سبيل المثال - في بناء قاعدة اقتصادية منتجة توفر فرص عمل منتجه عبر الأجيال وتحد من قوة التوظيف السياسي للريع.

ومقاربة هذا كله والتوجه باتجاهه لا تتحقق إلا إذا استقرت أسس الحكم الصالح الرشيد وتم بناء الدولة ومؤسساتها، وجرى الفصل بين شخص الحاكم وشخصية الدولة على ارض الواقع، وباشرت الحكومة الإصلاحات الجذرية لأوجه الخلل المتعددة التي ترهن المستقبل وتكرس التخلف وتعيق امتلاك مصادر المشاركة الفعالة وتحول دون إمكانية بدء عملية التنمية. وذلك عندما تنعتق الدولة الديمقراطية من خاصية الدولة السلطانية حيث يكون "الجاه مفيدا للمال" و"التملق مفيدا للجاه" (الجابري 2000 ب: 12).

ثانيها: امتلاك المواطنين للحد الأدنى من المعرفة وضمان حرية انسياب المعلومات وتنمية القدرة على الوصول إلى المعلومات البديلة التي تساعد المواطنين على التعرف على مصالحهم وتحري وجهات النظر التي تعبر عن توجهاتهم. وهذا يقتضي العمل تدريجيا على تخفيض معدلات الأمية بكافة أشكالها وانتشار التعليم وضمان حرية التعبير وسماع الرأي والرأي الآخر واعتماد الشفافية منهجا في كل ما يتعلق بالشأن العام وكل ماله تأثير عليه. ويتطلب امتلاك المواطنين الحد الأدنى من المعلومات التي تمكنهم من المشاركة السياسية الفعالة، تنوع مصادر الإعلام والقضاء على احتكار السلطة ورأس المال لوسائل الأعلام. كما يتطلب رعاية المصلحة العامة وحمايتها من الغش في الإعلام مثلما يجب أن تكون الحماية من الغش التجاري.

ثالثها: يتمثل في نمو روافد الرأي العام وبناء المجتمع المدني المستقل، غير الخاضع لتوجيهات السلطة التنفيذية أو تحكمها غير الدستوري من خلال قوانين الأحزاب والنقابات والجمعيات، وغير المخترق من الخارج بسبب يسر التمويل لما هو مدعوم من الخارج من قيم وعقائد ومصالح. إن نمو المجتمع المدني وتنوع تنظيماته، ابتداءً بالأحزاب السياسية التي تسعى إلى الوصول إلى السلطة من خلال التداول السلمي، مرورا بالنقابات والجمعيات المهنية التي تدافع عن مصالح منتسبيها، وانتهاء بجمعيات النفع العام والجمعيات غير الهادفة للربح… هي السبيل إلى توفير الحد الأدنى من مصادر المشاركة السياسية الفعالة لجماعات المواطنين وبناء مقومات الرأي العام الواعي المستنير.

وبناء المجتمع المدني القادر على التعبير عن وجهات نظر المواطنين وتمثيل مصالحهم والرافد بأحزابه ونقاباته وجمعياته للرأي العام الواعي المستنير يقتضي شرطين: أولهما: أن يتم بناء مؤسساته على أساس وطني تضم كل منها أصحاب الروئ المتقاربة وأصحاب المصلحة المشتركة دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو الجنس. وان لا تكون أيضا منظمات المجتمع المدني امتدادا للتكوينات الوراثية من قبلية ومناطقية ومذهبية، والتي تعود إلى الحياة السياسية الحديثة بزعاماتها الوراثية لتأخذ شكلا حديثا ومسميات معاصره بينما هي إقصائية وفئوية تميز بين المواطنين وتحول بينهم وبين عملية الاندماج الوطني وإقرار مبدأ المواطنة الكاملة غير المنقوصة. وثانيهما: أن تمارس منظمات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وجمعيات، الديمقراطية داخلها وفيما بينها، بما في ذلك تنمية مصادر المشاركة السياسية الفاعلة لأعضائها. إن ممارسة الديمقراطية داخل منظمات المجتمع بشكل عام هي الضمانة لنمو منظمات المجتمع المدني وبلوغها الحجم الذي يسمح لها بالفاعلية ويجنبها مخاطر الإنشقاقات والجمود ويجعلها معبره عن الفكر الذي تدعي انتماءها إليه والمصالح التي تمثلها. وذلك عندما يتم الفصل بين شخص الزعماء وشخصية المنظمة الأهلية. كما أن الديمقراطية داخل الأحزاب التي تسعى للوصول إلى السلطة تضمن إضافة إلى ذلك إمكانية الالتزام بالديمقراطية عندما تؤول السلطة سلميا إلى هذه الأحزاب، ففاقد الشيء لا يعطيه.

1 - 2 - 5 تحول الديمقراطية إلى قيمة اجتماعية ومعيار أخلاقي

وهذا المرتكز الخامس للديمقراطية يمثل البنية التحتية والإطار الثقافي والاجتماعي لممارستها. إن الديمقراطية في حقيقتها نظام حكم ومنهج لإدارة أوجه الاختلاف وتعارض المصالح. ويتم ذلك من خلال توفير شروط المشاركة السياسية الفعالة للمواطنين أفرادا وجماعات من أجل المساهمة في اتخاذ القرارات الجماعية الملزمة لهم. ومن هنا فإنها ممارسة سياسية تجري وفق شرعية دستورية وتحكم ممارستها منظومة قانونية ويضبط أداءها ومستوى إنصافها، توازن القوى بين الدولة والمجتمع وبين جماعاته التي يتشكل منها المجتمع المدني الحديث والمجتمع الأهلي التقليدي. ولذلك فأن ممارستها على ارض الواقع مسألة نسبية وقربها من مثالها الأعلى Ideal أو بعدها عنه قضية أزلية سوف تبقى ما بقيت الإنسانية، ولن يتم الوصول إلى التطابق بين ممارسة الديمقراطية ومثلها الأعلى في أي وقت من الأوقات، كما لم يتم التطابق ولن يتم بين أي مثل أعلى وواقع ممارسته.

وجدير بالملاحظة أن الديمقراطية في بداية ممارستها كانت ومازالت ترتيبا سياسيا عقلانيا تتوافق عليه القوى السياسية الفاعلة من أجل إدارة أوجه الصراع سلميا. وتعبر عن اتفاقها هذا بإقرار شرعية دستورية وضمان ذلك بتوفير قدر من الحقوق للمواطن ومساحة من الحريات العامة تسمح للقوى من خلال ممارستها أن تعبر عن أوزانها وتحدد مصالحها وتدفع بوجهات نظرها ومصالحها، التي قد تكون أخلاقية ومنصفة وقد لا تكون كذلك.

وإذا علمنا أن انتشار نظام الحكم الديمقراطي اليوم يتم في إطار حضارات ذات نظم قيميه مختلفة، كما يتم نقله أو الدفع به لاعتبارات مختلفة. فإننا يجب أن لا نتوقع أن ينتقل نظام الحكم الديمقراطي بقيمه التي ترسخت في المجتمعات الذي استقر فيها ولانتوقع أن يكون الوازع الأخلاقي والسلوك الثقافي الذي ترسخ في تلك المجتمعات عبر الزمن واصبح موجها وضابطا لتحقيق الديمقراطية هناك، إلى الممارسات الديمقراطية الناشئة. إن الديمقراطية كقيمة ومعيار أخلاقي لم تستقر في تلك المجتمعات ألا بعد أن جرت مراجعات لما تحمله ثقافتها من قيم سلبية في الثقافة السياسية أفرزتها عصور الاستبداد، وتم إصلاح لنظام القيم يتجاوب من ناحية مع حاجات نظم الحكم الديمقراطي إلى ثقافة سياسية متسامحة ومختلفة عن الثقافة السياسية لنظم الحكم السابقة عليه. ومن ناحية أخرى تعزيز الثقافة السياسية الجديدة بثوابت الحضارات والقيم الاجتماعية التي يجلها المجتمع وتحميها آلية الضبط الاجتماعي بعد إجراء المقاربات العقلانية لتلك الثوابت، وتميز ما هو ضمن الثوابت بالضرورة وما أفرزته الأعراف والتقاليد والعادات التي قد تكون لازمة لمجتمع الأمس لكنها قد لا تكون مناسبة لمجتمع اليوم.

ولذلك فإننا نجد الثقافة الديمقراطية تحتاج إلى جهد إضافي من الحضارات خارج دائرة الحضارة الغربية، وتتطلب القيام بمراجعة لنظام القيم وتميز ما هو ثابت بالضرورة وما يمكن مقاربته في ضوء المصالح المرسلة. كما تحتاج الثقافة السياسية الجديدة إلى تنمية مستمرة من قبل الديمقراطيين في الديمقراطيات الناشئة حتى يتم استيعاب الديمقراطية كقيمة اجتماعية تخضع للضبط الاجتماعي ومعيار أخلاقي يشكل ضمير الجماعة ووازعا للفرد عند ممارسته الديمقراطية على أرض الواقع.

وحتى تتحول الديمقراطية إلى قيمة اجتماعية تخضع للضبط الاجتماعي وتصبح معيارا أخلاقيا يوجه السلوك، لابد من إزالة التعارض بينها وبين قيم وأخلاقيات المجتمع الذي وفدت إليه. ولابد أيضا من استيعابها من قبل ذلك المجتمع وتأصيلها في ثقافته، بعد أن تجرى مراجعة نقدية على الشكل الذي وفدت به محملة بقيم وأخلاق حضارات مختلفة، ودعمها بما هو لازم من مساندة أخلاقية لتوطينها حتى تصبح ممارستها قيمة اجتماعية، تخضع مثل غيرها من القيم التي يجلها المجتمع للضبط الاجتماعي.

ولعل تأسيس الديمقراطية في البلاد العربية والإسلامية على قيم المساواة والعدل والإنصاف والتكافل والصدق عند التزكية واقتران القول بالفعل، وعدم التعسف في استخدام القوة وضبط الحرية الفردية المتطرفة في المجال الاجتماعي وضبط الأنانية في المجال الاقتصادي باعتبارات الوظيفة الاجتماعية للثروة، تساعد كلها على تكيف مضمون الديمقراطية الوافدة للقيم والمعايير الأخلاقية الإيجابية للعرب والمسلمين بعد أن تجري المراجعة الضرورية لتلك القيم من منظور التسامح والاعتدال. أن مثل هذا التكيف مسألة هامة لتوطين الديمقراطية. كما أن مراجعة نظام القيم وتغيير بعض العادات السلبية السائدة، بما يعزز قيم المساواة والعدل والأنصاف ويرسخ فضيلة التسامح والسعي إلى السلم الاجتماعي القائم على إعطاء الاعتبار للمصالح المشروعة للأفراد والجماعات الأخرى وأخذ وجهات نظرهم في الاعتبار، كلها أمور لازمة كي تقبل الديمقراطية أن تستقر بمالها من مبادئ وقيم وما فيها من مؤسسات وما وصلت إليه من آليات وما تتطلبه من ضمانات تؤدي إلى وضعها موضع التطبيق من ناحية. ومن ناحية أخرى يتم قبول الديمقراطية وتأصيلها في ضمير المجتمع حتى تصبح متطلبات الممارسة الديمقراطية أساسا من أسس الثقافة السياسية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن قضية مثل قضية نزاهة الانتخابات ذات الأهمية المركزية والأثر الحاسم في الممارسة الديمقراطية على ارض الواقع، تتطلب الارتفاع بالأمانة على صوت المنتخب الفرد إلى مستوى الأمانة على الشهادة. فإذا كان شاهد الزور ملعونا وكاتم الشهادة أثما والمحرض على شهادة الزور بأي وسيلة كانت - ترغيب أو ترهيب - فاسقا. فإن صوت الناخب هو في حقيقة الأمر شهادة وتزكية يترتب عليها مصير الشأن الذي يتم الانتخاب من اجل أدائه بأمانة.

ومن هنا فإننا إذا ارتفعنا بمستوى المسئولية الفردية والمسئولية المجتمعية عن صوت المنتخب إلى مستوى المسئولية التي تعطيها ثقافتنا للشهادة، وأدى ذلك إلى تردد الفرد عن شهادة الزور (عدم انتخاب من ليس أهلا لأداء الأمانة) وتغير كذلك موقف الجماعة من شاهد الزور والمحرض على شهادة الزور (بائع الصوت أو المجامل به بدون وجه حق وشاري الصوت والمحرض للحصول عليه بدون وجه حق أيضاً)، فإننا نكون قد نمينا الوازع الداخلي لدى المنتخب والمرشح وعظمنا من مسئوليته في القيام بالانتخاب ووضعنا الفرد تحت ضغط "النفس اللوامة" وطائلة المسئولية الاجتماعية وسلطة الضبط الاجتماعي، إذا تقاعس عن القيام بالانتخاب - عندما يكون الانتخاب حرا مكتمل الشروط - أو صوتا مقابل منفعة أو جراء خوف. فعندما نضع صوت المنتخب في مرتبة الشهادة بالتزكية للمرشح، فأن الناخب لن يتساهل في صوته ولن يجامل في شهادته وتزكيته للمرشح. ولعل إضافة قسم اليمين أمام القاضي، على صدق الاعتقاد بأحقية من يزكيه الناخب قبل الإدلاء بصوته تساعد على الارتفاع بصوت الناخب إلى مستوى الشهادة. وفي هذا الصدد يمكننا أن نرى مع عبد الحميد الأنصاري إمكانية حقيقية لأن تستفيد الديمقراطية المعاصرة من رقابة الضمير التي يهتم الإسلام بتنميتها لدى الإنسان باعتبار "رقابة الضمير خير ضمان لنجاح التشريعات المختلفة في ميدان التطبيق" (الأنصاري 1980: 450).

وإذا كان مفهوم الديمقراطية - كما نراه - يرتكز على خمسة مقومات لابد من وجود الحد اللازم من كل منها حتى تقوم لنظام الحكم الديمقراطي قائمة، فإن تحول الديمقراطية إلى قيمة اجتماعية ومعيار أخلاقي يمثل مرحلة استقرار حقيقي لنظام الحكم الديمقراطي وبداية بلوغ طور النضج الذي لا يخشى فيه على الديمقراطية من طمع الطامعين ولا يكون فيه مجال لاستقرار حكم الغلبة والقوة الغاشمة. ومع ذلك فإن هناك حدا أدنى - من قبول الديمقراطية كقيمة اجتماعية، واعتبار الاستبداد وحكم الغلبة أمرا غير أخلاقي - لابد من وجوده لدى الكثرة من المواطنين لاسيما لدى النخب السياسية في الحكم والمعارضة، حتى يتم الانتقال إلى الديمقراطية وتبدأ عملية التحول الديمقراطي المستمر. أما استقرار النظام الديمقراطي وبلوغه طور النضج فإنه يحتاج إلى تأسيس الديمقراطية في الثقافة الوطنية واعتبارها قيمة اجتماعية ومعيارا أخلاقيا يخضع للضبط الاجتماعي. هذا إلى جانب الاعتراف بكون الشعب مصدر السلطات، وإقرار مبدأ المواطنة الكاملة غير المنقوصة، والاحتكام إلى شرعية دستور ديمقراطي، وامتلاك المواطنين أفراداً وجماعات لمصادر ووسائل ممارسة المشاركة السياسية الفعالة.

وعندما تتحول الديمقراطية إلى قيمة اجتماعية ومعيار أخلاقي تنتقل الممارسة الديمقراطية من مجرد كونها توافقا آنيا وترتيبا سياسيا بحتا تعكسه نصوص جامدة، لتصبح الديمقراطية من حيث هي منهج إدارة اوجه الاختلاف، من خلال المشاركة السياسية الفعالة على مستوى منظمات المجتمع المدني ومستوى الدولة - بل في الأسرة والمدرسة ومكان العمل وحيث يكون هناك طابور انتظار - ، قيمة اجتماعية مطلوبة في حد ذاتها من منطلق الإيمان بأهميتها في تحقيق المساواة والعدل والإنصاف، يتردد الفرد في تجاهلها وتستنكر الجماعة من يتعدى عليها.
المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها
تحميل المرفقات :
قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة