You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>دراسات وبحوث>أنور الجمعاوي، المشهد السياسي في تونس: الدرب الطويل نحو التوافق

عمرو عبدالرحمن- المرحلة الانتقالية في مصر

الثلاثاء، 02 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 2320 مرة
الكاتب  عمرو عبدالرحمن

أصدر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ورقة بحثية، من إعداد الأستاذ عمرو عبد الرحمن باحث الدكتوراه في جامعة (إسكس) في بريطانيا.

تقدّم الورقة قراءة نقدية في طبيعة المعوقات التي تواجه عملية التحول الديمقراطي في مصر، في أعقاب ثورة 25 يناير، في ظل انفراد المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة المرحلة الانتقالية، وانهماك هذه الإدارة في تهميش وتفتيت القوى الثورية الديمقراطية، وبسط هيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية، بالتزامن مع محاولات إنقاذ بقايا نظام مبارك والحفاظ على بنيته وقيمه المجتمعية وترتيباته المؤسسية وعلى رأسها المؤسسة الأمنية، بالإضافة إلى المخاوف التي تنتاب قطاعات واسعة من أثر صعود الإسلاميين على الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

تستعرض الورقة أسباب صعوبة اللجوء لخيار القمع مرة أخرى مع القوى السياسية والنضالات الاجتماعية، كما تشتبك بالتحليل مع اللحظة الفارقة والمرتبكة التي تعيشها القوى الديمقراطية الساعية لبناء دولة مدنية. وترصد الورقة إرهاصات هذه اللحظة مع وقائع انقسام معسكر الثورة على نفسه منذ استفتاء 19 مارس، الذي اندلعت خلاله حالة الاستقطاب الديني المدني في المجتمع المصري، وامتدت تأثيراتها حتى إجراء الانتخابات البرلمانية، التي شهدت نتائج مرحلتها الأولى صعودًا للقوى الإسلامية، بجناحيها المحافظ والمتشدد، لتحصد ثمار الاستقطاب، وتستكمل ماراثون الانتخابات التي يتوقع البعض أن يحوز فيها الإسلاميين أغلبية تتيح لهم الاستئثار بعملية وإجراءات صياغة الدستور الجديد للبلاد.

وفيما تستعرض الورقة أبعاد التحديات التي يفرضها هذا الصعود للقوى السياسية الدينية، أمام تحقيق شعارات الثورة الرئيسية في الديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية؛ فإنها تستكشف جذور الاتجاهات العامة التي تسيطر على المشهد السياسي في اللحظة الآنية، بتعقيداته وتناقضاته التاريخية، كما تقدّم الورقة رؤية للسيناريوهات المطروحة أمام أطراف الصراع العاجزة عن حسم المعركة لصالحها، ولا يقتصر هذا العجز على القوى الديمقراطية وحدها، وإنما يمتد ليشمل القوى الدينية والجيش؛ نتيجة التفاعلات التي وصفتها الورقة بـ “توازن الضعف”.

وفي هذا الإطار تستعرض الورقة أفضل السيناريوهات التي يُفيد تبنيها في تجنّب مخاطر الانزلاق في صراع هوياتي يقضي على المساحة التي يمكن اقتناصها للإبقاء على أسس العيش والفعل السياسي المشتركين؛ بما يحتفظ بفرصة بناء ديمقراطية، حتى لو كانت هشة ومؤقتة، وذلك باعتباره السيناريو الأقل كُلفة، لتجنُّب القضاء على ما تبقى من أسس الدولة المدنية، وفي الوقت ذاته لا توصد الأبواب أمام مساعي تحقيق الديمقراطية الكاملة، وإنقاذ البلاد من الوقوع في براثن السيناريوهات المؤسسة لسلطوية جديدة.

جدير بالذكر أن الورقة هي مقدمة لكتاب، سيصدر قريبًا عن مركز القاهرة، يضم أعمال مؤتمر “التحديات التي تواجه التحول الديمقراطي في مصر خلال المرحلة الانتقالية”، والذي عُقد في القاهرة خلال شهر يوليو الماضي.

نص الورقة بالكامل

المرحلة الانتقالية: الخلفيات، التناقضات، وسيناريوهات المستقبل

عمرو عبد الرحمن

جرت وقائع "مؤتمر التحول الديمقراطي في المرحلة الانتقالية" خلال فترة يمكن اعتبارها نقطة تحول رئيسية في مسار الثورة المصرية. فخلال النصف الثاني من شهر يوليو -موعد انعقاد المؤتمر- اتسعت الهوة بين المجلس العسكري وبين قطاع واسع من قوى معسكر الثورة حتى خرج الأمر من دائرة الخلاف إلى دائرة الصدام أو العداء الصريح. ظهر في نفس الوقت تقريبًا شقاق آخر بين القوى الإسلامية التي أصرت على الالتزام بنتائج استفتاء 19 مارس والقاضي بتقديم إجراء الانتخابات البرلمانية على كتابة الدستور في مواجهة قطاع من القوى الليبرالية واليسارية طرح فكرة التوافق حول مبادئ حاكمة للدستور وآلية لتشكيل الجمعية التأسيسية المخولة بصياغته قبل الذهاب للانتخابات. ومابين الشقاقين عادت الكثير من الإجراءات القمعية التي كان يُظَنُ تراجعها وأطلت لغة التخوين برأسها مرة أخرى بعد أن كانت قد اختفت في الأيام التالية لتنحى مبارك. وفى خضم هذا الاضطراب تفاقمت أزمات العنف الطائفي واتخذت بدورها منحى خطير ألقى بظلاله على عملية الانتقال برمتها كما رأينا في أحداث ماسبيرو يوم 9 أكتوبر 2011. أضف إلى ذلك التغير الدائم في الاصطفافات الحزبية إلى الحد الذي يتعذر معه فهم الخريطة السياسية بوضوح كافٍ قبل أيام من بدء المعركة الانتخابية. نُذر هذه التحولات كانت تلوح في الأفق منذ انقسام معسكر الثورة على نفسه بمناسبة الاستفتاء على التعديلات الدستورية وسعى الجيش، مدعومًا في هذه المرحلة المبكرة بالتيارات الإسلامية، للانفراد بإدارة المرحلة الانتقالية ورفض كل الأطروحات الساعية للحيلولة دون تحول المؤسسة العسكرية لطرف في صراعات المرحلة الانتقالية بدلاً من كونها ضامنًا لعملية الانتقال.

اشتبكت الأوراق المقدمة للمؤتمر والنقاشات الدائرة بين المشاركين بالتحليل مع بعض هذه التطورات كما استشرفت البعض الآخر. أفضت هذه المناقشات الغنية إلى بلورة أربعة أسئلة رئيسية قد تساعدنا على تفسير وفهم أبعاد وتداعيات هذا المشهد المختلف في تعقيده عن بساطة ووضوح مشهد الثمانية عشر يومًا الأولى من عمر الثورة. السؤال الأول ذو طابع تاريخي ويتعلق بالبحث في المقدمات التي أفضت إلى لحظة 25 يناير، أي محاولة تحليل بنية النظام الذي ينادى الجميع بتغييره وكيفية تشكلها والمسارات التي اتخذتها حركة المقاومة الجماهيرية في أطوارها المختلفة. السؤال الثاني يتعلق بفهم وتفسير انعكاسات بنية النظام تلك وطبيعة الحركة الجماهيرية على المشهد العام غداة الإطاحة بمبارك. بعبارة أخرى، وبعيدًا عن تفاصيل الخلافات والمواقف المتقلبة لمختلف الفاعلين، ما هي الاتجاهات العامة المتصارعة التي تكشف عنها القراءة المدققة للمشهد أو ما هي ملامح الصورة الأخرى التي ترتسم مع تدقيق وإعادة النظر. السؤال الثالث يتعلق بآثار هذه الاتجاهات العامة على إجراءات المرحلة الانتقالية ومن ثم على بنية النظام القادم. والسؤال الرابع والأخير يتعلق باستراتيجيات القوى الديمقراطية في تحفيز أفضل السيناريوهات الممكنة التي تهيئ بيئة حاضنة لتحقيق شعارات الثورة الرئيسية في الديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية. سنحاول في هذه المقدمة الإجابة على هذه الأسئلة الأربعة بأثر رجعى اعتمادًا على الأوراق والمناقشات التي دارت خلال أعمال المؤتمر وبالإحالة لتجارب التحول في سياقات أخرى كلما كان ذلك مفيدًا.

بنية النظام ومسارات المقاومة: 

"الشعب يريد إسقاط النظام"...هيمنت هذه العبارة الآسرة بسلاسة مفرطة على الجدل العام بمجرد إطلاقها في ليلة الخامس والعشرين من يناير بميدان التحرير. ويشكل السؤال حول كيفية إسقاط ذلك "النظام" محور الاستقطاب الحالي. ولكن لنعد للوراء قليلاً ونسأل سؤالاً أكثر بديهيةً وهو ماذا نعنى بهذه الكلمة الغامضة.. "النظام"؟ نعنى بالنظام جملة القواعد القانونية والترتيبات المؤسسية والقيم والأعراف التي تحكم آلية عمل الدولة وشكل علاقاتها بالتكوينات والمؤسسات الاجتماعية المختلفة من الأسرة إلى السوق وكيفية توزيع الموارد المادية والرمزية بين القوى الاجتماعية والسياسية. بهذا المعنى لا يقتصر مدلول مصطلح "النظام" على الجوانب الدستورية والتشريعية فقط كطبيعة نظام الحكم وهل هو رئاسي أم برلماني وشكل النظام الانتخابي. كما لا يشير المصطلح إلى نُخب أو جماعات بعينها على رأس السلطة، بل يمتد ليشمل طيفًا واسعًا من المؤسسات والديناميكيات التي لا تندرج عادة تحت ما تعنيه النخب المصرية بكلمة "النظام".

السؤال التالي يتعلق بطبيعة النظام المصري إذن الذي يتحدث الجميع عن ضرورة تغييره والملامح المميزة لبنيته وكيفية تشكلها. تأسس النظام الحاكم منذ ثورة يوليو 1952 عبر تلاقى منطقين متناقضين. المنطق الأول، هو ما يمكن أن يطلق عليه منطق "التحديث" أو "بناء الأمة" وهو ما يشير إلى سعى الدولة الحديثة الدائم لمد نفوذها عبر مؤسسات كالجيش والتعليم والصحة على مجمل السكان وتحويلهم لمواطنين أي ربطهم في علاقة مجردة مع الدولة يتساوى فيها الجميع في خضوعهم للقانون بغض النظر عن المراكز المتوارثة منذ عهود ما قبل الدولة الحديثة. هدف هذه العملية محدد سلفًا وهو اللحاق بمستويات وطرق المعيشة السائدة في المراكز الرأسمالية بمعايير هذا الزمان. ويقتضى فعل هذا المنطق تفكيكًا متصلاً للعديد من الأبنية الاجتماعية وما يصاحبها من القيم والمعتقدات المستقرة التي هيمنت على حياة المصريين لقرون وإعادة بنائها على النحو الذي يسمح بتوظيفها لخدمة هدف اللحاق ذاك. يقتضى هذا المنطق كذلك درجة عالية من الانضباط والمراقبة الدائمين بما يسمح بتوظيف هذا الطيف من المؤسسات في إطار مشروع الدولة التحديثي. هيمن هذا المنطق على جانب كبير من سياسات الدولة المصرية منذ عهد "محمد على" وعلى خطاب قطاع معتبر من النخب السياسية والثقافية. من ضمن أمثلة هذا التأثير يمكن ذكر التوسع المطرد في اقتصاد السوق وتدمير أنماط الإنتاج التقليدية السائدة في ذاك الوقت والمتحورة حول العائلة الممتدة في الريف، سياسات التجنيد الإجباري خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر وآثارها السلبية على أنماط الإنتاج العائلية تلك بعد تفريغ الريف من قطاع كبير من سكانه، التوسع في التعليم وتوحيد أنظمته، توحيد النظام القانوني والقضائي وتقليص سلطات العلماء ورجال الدين عمومًا ثم إلحاقهم بالدولة، خروج المرأة إلى المجال العام ودخول الدولة كطرف في الحيز الخاص للأسرة حيث تتراجع السلطات الأبوية المطلقة على النساء والأطفال.

في مقابل هذا المنطق، وكرد فعل لآثاره، تشكل ما يمكن أن نسميه بالمنطق الهوياتي القائم على النظر لمشروع الدولة الحديثة بوصفه جسمًا مستحدثًا مرتبطًا بزحف الاستعمار الغربي على العالم العربي والإسلامي، ومن ثَم ينبغي إخضاع هذا الجسم للنسق القيمي الذي كان سائدًا في هذه المجتمعات قبل إلحاقها بالاستعمار وليس العكس. وجهة هذا المنطق هي حداثة لا تهدف اللحاق بالغرب الديمقراطي بقدر ما تسعى لبناء مجتمع يجسّد هوية مفترضة عبر حياة الناس اليومية في هيئة وحدة عضوية متناغمة ومنضبطة تحكمها مرجعية عليا دينية أو قومية. كان لهذا المنطق أيضًا نصيبًا كبيرًا في تشكيل ميراث الحداثة المصرية خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. على سبيل المثال استمر الإسلام حاضرًا في الدساتير المصرية كمحدد لهوية الأمة ودينًا رسميًا للدولة واستمرت الشريعة كمصدر للتشريع حاضرة حتى بعد توحيد ومركزة القوانين، كذلك لعب هذا المنطق دورًا رئيسيًا في صياغة محتوى المناهج التعليمية وآليات إدارة المدارس الحكومية. يشترك كلا الميلين على تناقضهما في اعتبارهما الاستقلال الوطني أولوية رئيسية وفى ميلهم الأبوي الذي يعهد للدولة بمهمات تدخلية واسعة في حياة الناس.

أتاحت الأزمة الممتدة للديمقراطية الليبرالية الهشة التي تأسست بعد ثورة 1919 تلاقى هذين المنطقين في مُركّب أيديولوجي واحد للمرة الأولى. فمع نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، أصبح واضحًا أن طبقة كبار ملاك الأراضي والبرجوازية الصناعية الوليدة ممثلة في حزب الوفد وغيره من أحزاب الأقلية -وهى الطبقة التي حملت مشروعًا تاريخيًا لبناء الأمة المصرية- قد دخلت في أزمة مستحكمة. اعتمدت هذه الطبقة على، واستفادت من، فئة الأفندية المتعلمين تعليمًا حديثًا في دعم هيمنتها السياسية والثقافية في مقابل مزايا مادية ومكانة اجتماعية تحققت لهؤلاء الأفندية. إلا أن ضغط حزمة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية قد أدى إلى تشقق هذا التحالف وفقدان كبار ملاك الأراضي القدرة على دمج المتعلمين في مشروعهم التحديثي. ومع فقدان المتعلمين كان من الطبيعي أن تعجز طبقة كبار الملاك عن النفاذ مباشرة لجمهور الفلاحين والطبقة العاملة الناشئة وغيرهم من سكان الحضر بالسلاسة نفسها. جنح المتعلمون المصريون تحت وطأة الشعور بالتهميش والاغتراب عن النظام الاقتصادي والاجتماعي القائم وقتها إلى تبنى منطق الهوية والتعبير عنه في شكل طيف واسع من الأيديولوجيات والحركات السياسية الجذرية. تنوعت هذه الأيديولوجيات بين الفاشية والشيوعية والإسلامية ولكنها توحدت في رفضها للديمقراطية الليبرالية ونقدها اللاذع لاغتراب منتجات الدولة الحديثة من قانون وتعليم وثقافة عن حياة "الأمة". وجدت هذه التيارات لنفسها موطئ قدم داخل الجيش لتتلقح هذه الأفكار بالنزعة التحديثية الراسخة داخل مؤسسات الدولة والمعروفة بانعدام ثقتها البالغ في مجموع السكان والتشكك في قدرتهم على إنجاز أي فعل تاريخي ذو قيمة. فدمجت بذلك السعي لبناء مجتمع هوياتي بانعدام الثقة في الشعب الغير مؤتمن على هويته نفسها! كانت النتيجة هي مركب فكرى نادر يسعى لإحياء التراث ويتخذ من الغرب الديمقراطي وجهته في نفس الوقت، ويمجد من قدرات وإمكانيات الشعب المتحد وحدة عضوية تلقائية ولكنه يسعى للحد من أي إسهام من قبل هذا الشعب في بناء نظام -من المفترض أن يأتي معبرًا عن هويته تلك- فالشعب نفسه سيكون موضوعًا للإصلاح وإعادة التأهيل على يد مؤسسات الدولة التحديثية ولكن بعد أن تشربت الأخيرة بعقيدة الهوية. عقيدة الهوية هذه كانت على درجة عالية من الغموض وعكست في تركيبها أصداء لهذه التيارات الرافضة على تنوعها ما بين اجتماعية وإسلامية وعروبية وبقيت على غموضها حتى هذه اللحظة.

جاء انقلاب يوليو 1952 ليشكل بداية السعي لبناء نظام يجسد هذا المُركّب الأيديولوجي الجديد في شكل مؤسسات وآليات عمل ومنظومة قيم. تميز هذا النظام الجديد بثلاثة ملامح مستمرة حتى اليوم: الكوربوراتية، الزبونية، الدولة الأمنية. نعنى بالكوربوراتية، أو الإدماجية، نظامًا للتعبير عن المصالح الاجتماعية قائم على دمج أصحاب المصلحة في هياكل هرمية الطابع (هيكل واحد لكل مهنة أو حرفة أو طائفة) تتولى صياغة مصالح أعضائها والتعبير عنها تحت الإشراف المباشر لأحد أجهزة الدولة. جاء هذا الترتيب متوافقًا مع حرص النظام الجديد على التفريغ السياسي الدائم، أي الميل للقضاء على أي فعالية مدنية مستقلة تسعى للتعبير عن مصالح مادية أو تيارات فكرية قد تعطل تقدم مشروع إعادة تأهيل المجتمع. هذا التفريغ لا يعنى المواجهة الأمنية بالضرورة بقدر ما يعنى السعي لتسكين هذه الفعاليات داخل مصفوفة مصممة سلفًا تحدد أدوار هذه الفعاليات في عملية بناء الشعب تلك وتضمن عدم تناقضها. عبّر هذا التوجه عن نفسه بالبدء بإلغاء الأحزاب السياسية عام 1953 واستبدال التعددية الحزبية بتنويعات على نظام الحزب الواحد انتهت بتأسيس الإتحاد الاشتراكي العربي عام 1962. ثم ترسخ هذا الميل بإدماج النقابات العمالية الصاعدة جميعها في جسم واحد خاضع لإشراف وزارة القوى العاملة عام 1957. تبع ذلك دمج الجمعيات الأهلية في إتحاد واحد ووضعها تحت إشراف جهة حكومية ممثلة في وزارة الشئون الاجتماعية في العام 1964 وكذلك الحال مع النقابات المهنية والتعاونيات الزراعية بل والجماعات الفنية والأدبية. لم يكن من الممكن تصور فعالية مدنية طوعية واحدة أن تجرى بمعزل عن إشراف الدولة. أما توزيع الموارد المادية والرمزية داخل هذه الهياكل فكان يجرى عبر ما يمكن تسميته بالآلية الزبونية. وبالزبونية نعنى علاقة مباشرة بين وجوه متنفذة في أجهزة الدولة، أو على علاقة قوية بها، وجمهور من المنتفعين أصحاب المطالب بشأن توزيع خدمات أو موارد الدولة عبر هذه الهياكل الكوربوراتية المختلفة وصولاً للجمهور العام. يلتزم الطرف الأول في هذه العلاقة بتوفير هذه الخدمات في مقابل التأييد أو إعادة الانتخاب من قبل الطرف الثاني. هذا الميل للعلاقة المباشرة بين هؤلاء المتنفذين والجمهور العام يحل محل المساومات الحزبية والنقابية المعقدة وتشكّل أساسًا فى الريف عبر طبقة متوسطي الملاك وأعيان الريف التقليديين وإداريو الدولة. الآلية الإدماجية والزبونية ما كان لهما أن يفعلا فعلهما إلا تحت رعاية الدولة الأمنية. فقد أفضى تأسيس النظام على هذه الشاكلة إلى إنتاج حالة طوارئ معممة لا ترتبط بنص قانوني أو دستوري محدد بقدر ما تنتج عن وضع الشعب قيد الرعاية الأبوية. يمكن القول أن حالة الطوارئ هي المنطق الناظم لجميع النصوص الدستورية والقانونية التي صيغت خلال تلك الفترة التأسيسية. يتجلى ذلك في إعلان حالة الطوارئ نفسها بشكل شبه دائم بدءً من العام 1956 وفى الصلاحيات الواسعة للسلطة التنفيذية على حساب المجالس التشريعية المنتخبة من قبل الشعب وفى السلطات الواسعة لرئاسة الجمهورية على وجه الخصوص في جميع الدساتير أو التعديلات الدستورية التي أُقرت على مدى الستين عامًا الماضية. ولم يقتصر فعل حالة الاستثناء تلك على السطح القانوني ولكنه تضخم ليشكل هاجسًا أمنيًا دائمًا عبر عن نفسه بالتشعب الدائم للأجهزة الأمنية التي وضعت هذه الهياكل الكوربوراتية نفسها تحت إشرافها لتصبح الأجهزة الأمنية قولاً وفعلاً دولة داخل الدولة، أو لنقل لتصبح الدولة الحقيقية بينما تحولت باقي المؤسسات لقنوات تجميع مصالح تعمل تحت الإشراف المباشر لهذه الأجهزة وتخضع لمنطق العرف الملازم لحالة الاستثناء دونما توسط من سياسة أو قانون... وهنا يتجلى جوهر النظام بوضوح: تفريغ سياسي دائم يفعل فعله في جميع الاتجاهات وتغييب متعمد لحكم القانون.

لم تؤسس ثورة يوليو إذن نظامًا عسكريًا بالمعنى المعتاد للكلمة كأنظمة الحكم الانقلابية في أميركا اللاتينية مثلاً. فمن زاوية أولى، جاء انقلاب يوليو نتيجة لنشاط مجموعة سياسية داخل الجيش لديها مشروع للتغيير الجذري والهندسة الاجتماعية ولم يكن تدخلاً من قبل قيادة المؤسسة العسكرية للسيطرة على تجذير ما أو لدرء تهديد قادم من اليمين أو اليسار واستعادة الأمور لنظامها الطبيعي ثم تسليم السلطة لطرف موالى لها. وبالتالي لم يكن من الطبيعي أن يتصدى الجيش كمؤسسة لتنفيذ مشروع سياسي على هذا القدر من الجدّة والتعقيد إذ تطلب الأمر شكلاً من أشكال الإدارة السياسية المستقلة. ومن زاوية أخرى أكثر عملية، أدت التوازنات الدقيقة بين الضباط الأحرار والخوف من تكرار تجربة الانقلاب نفسها في المستقبل إلى الحرص على إبقاء الجيش بعيدًا عن هذه الإدارة السياسية.

ولكن على الرغم من ذلك، احتل الجيش كمؤسسة موقعًا متميزًا داخل هذه التركيبة بحكم كونه الأمين على عقيدة النظام ومصدرًا لتعريف أبعاد وتهديدات "الأمن القومي" من وجهة نظر العقيدة الأبوية للنظام. فيصبح بالتالي أي تشقق في الوحدة العضوية المفترضة للشعب أو محاولة أي اشتباك جماهيري مع خيارات السياسة الخارجية مصدر دائم لتهديد الأمن القومي ويتحول بالتالي لمشكلة أمنية أو إستراتيجية بالمعنى المباشر للكلمة. وهنا يكمن الجذر التاريخي لانفراد "الأجهزة السيادية" بإدارة ملفات كالملف القبطي والنوبي ثم السيناوي في مرحلة لاحقة والقائمة تطول، بكل تداعيات ذلك الانفراد على طريقة إدارة السياسة الخارجية وتحديد أولوياتها ليصبح الجيش بذلك صاحب إسهام رئيسي في دعم الطابع البوليسي للنظام. ومن جهة أخرى، شكلت عناصر قيادية في البيروقراطية العسكرية مصدرًا لا ينضب للتجنيد السياسي -أي تقديمه لقيادات الإدارة كالمحافظين ورؤساء الهيئات الصناعية مثلاً- في ضوء الطبيعة المغلقة للنظام وهاجسه الأمني الذي أعلى من شأن الثقة على أي معيار آخر، وهو الميل الذي سيتوسع بشكل ملحوظ في أعقاب حرب أكتوبر وتوقيع معاهدة السلام. بهذا المعنى شكّل الجيش كمؤسسة أحد أهم أعمدة النظام وأصبحت قيادته طرفًا دائمًا من أطراف نخبة الحكم. وهذا النمط الحاكم لعلاقة الجيش بعملية الحكم سيساعدنا في فهم الكثير من مواقف الجيش الحالية بعد انقلابه الثاني في 11 فبراير 2011.

لا يعنى استمرار هذه الملامح أن النظام لم يشهد أي تغير في توجهاته. فقد عرف نظام يوليو أطوارًا عدة نتيجة تفاعله مع مصالح مختلفة وتعاطيه مع بيئة دولية متغيرة. ففي الطور الأول من حياة هذا النظام تم تطويع الدولة لتحطيم الأساس المادي لهيمنة كبار الملاك على الحياة السياسية عن طريق قوانين العزل السياسي والإصلاح الزراعي، ثم التوسع في دور الدولة في الحياة الاقتصادية بهدف تنمية سريعة ومعتمدة على الذات تلحق بالمراكز الرأسمالية المتقدمة. وعبّر هذا الميل عن نفسه بخليط أيديولوجي تبنى "الاشتراكية العربية" شعارًا. هذا الميل أدى إلى نمو مطرد للطبقة الوسطى أو تشكيل طبقة وسطى جديدة نتيجة التوسع في التعليم والتمدن هذا بالإضافة لتعاظم دور الشرائح العليا من البيروقراطية وقطاعات البرجوازية الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بأنشطة الدولة الإنتاجية. كذلك تعاظم دور متوسطي الملاك الزراعيين وأعيان الريف وبيروقراطية الاتحادات العمالية والنقابات المهنية في عملية الإدارة اليومية نتيجة بروز الطابع الزبوني للنظام. أما نخبة الحكم فقد ظلت متمحورة في المقام الأول حول حلقة ضيقة من قيادات البيروقراطية الأمنية والعسكرية تربطها علاقات شخصية وغير رسمية مع رأس النظام مباشرة.

ولكن مع ظهور حدود نمط التنمية المعتمد على الذات واستفحال أزمات النظام الاقتصادية مع نهاية الستينيات بدء السماح بدور أوسع للسوق في تنظيم عمليات التبادل والتوزيع والانفتاح على السوق العالمي دونما إخلال جوهري بطبيعة الملكية العامة لوسائل الإنتاج. أدى ذلك الميل لتحول قطاعات واسعة من البيروقراطية المتميزة والبرجوازية المرتبطة بها لبرجوازية كبيرة تعمل بالأساس في الأنشطة الخدمية والتجارية. في المقابل بدأ وضع صغار الفلاحين في التدهور نتيجة البدء في تحرير العلاقات الزراعية على استحياء وذلك بالتوازي مع انغلاق نخبة الحكم على نفسها وتهميش البيروقراطية العمالية التي لعبت دورًا ما في عملية التعبئة على الأقل خلال الفترة الناصرية. اقترن ذلك بالسعي للتخفف من أعباء الملمح الكوربوراتى للنظام عن طريق تفكيك هياكله التعبوية -كالإتحاد الاشتراكي- والسماح بقدر من التعددية لا يسمح بالتسييس بقدر ما يحفظ نخبة الحكم محصنة من أي تأثير قادم من خارجها ومتخففة من أعباء الالتزامات الاجتماعية على محدوديتها. أي أن التحول للتعددية الحزبية المقيدة بدءً من عام 1976 كان خطوة في اتجاه انغلاق النخبة على نفسها أكثر من كونه خطوة في اتجاه عودة التسييس للمجتمع مرة أخرى. وعلى المستوى الأيديولوجي تحول الخطاب الدعائي كما هو معلوم من الاشتراكية العربية إلى خطاب يميني محافظ مطعم بنزعة دينية تلائم الاعتماد المتزايد على اقتصاديات النفط. ملامح هذا الخطاب تجلت في التخلص من البلاغة اللفظية عن "دور الشعب المعلم" -والتي كانت غطاءً لسياسات الدولة الإدماجية- والانتقال إلى الإدانة الصريحة للشعب بحكم عاداته وثقافته بوصفه مصدر رئيسي للعجز عن اللحاق بالمراكز الرأسمالية وما يستتبع ذلك من الحط من شأن الديمقراطية نفسها الآلية التي تسمح لهذا الشعب الغير مؤهل بالتحكم في مصير عملية التحديث. اقترن ذلك بتمجيد الطبقية الصريحة والتعامل مع واقع السلطوية بوصفه أفضل ما يستحقه الشعب المصري، ومن ثم تتحصن النخبة أكثر فأكثر وتضفى على عزلتها طابعًا أيديولوجيًا بوصفها، أي هذه العزلة، من طبائع الأمور مع وجود شعب غير مؤهل لحكم نفسه أو حتى المشاركة في عملية صنع القرار.

وفى مرحلة ثالثة مع بداية التسعينيات امتدت آثار التحرير الاقتصادي لتشمل المجال الإنتاجي للدولة نفسه مع التحول لسياسات الخصخصة بالاتفاق مع مؤسسات التمويل الدولية. أفضى هذا التحول إلى المزيد من التهميش للطبقة العاملة الحضرية، خصوصًا مع تفكيك القطاع العام الصناعي تقريبًا، وكذلك عدم القدرة على استيعاب الشرائح الجديدة من الطبقة الوسطى وانهيار أوضاع صغار الفلاحين. انتهى هذا المسار كما نعرف جميعًا إلى تشكيل كتلة حاكمة أوليجاركية الطابع ضربت بجذورها عموديًا في الجسد الاجتماعي لتشمل قطاعات عليا ومتميزة من البيروقراطية العسكرية/الأمنية والمدنية في كافة القطاعات بما فيها البيروقراطية العاملة في مؤسسات التمويل الدولية و شرائح من الرأسمالية الصناعية والخدمية و ملاك أراضى وبرجوازية تجارية متوسطة تجمعها شروط ولاء مافياوية الطابع. وعلى المستوى الأيديولوجي فقد انتهى الخطاب اليميني ذاك إلى "طور ليبرالي جديد" يدمج التسلط الأبوي والطبقية السافرة المميزة لعقود السبعينيات والثمانينيات مع منطق السوق الذي يرى في تدهور أحوال غالبية المواطنين نتيجة طبيعية لعمل آلياته. ومن ثم نشأ مركب أيديولوجي فج يقوم في جوهره على تبرير القمع بوصفه الطريق الوحيد للسيطرة على فائض من الأجساد التي لا تصلح حتى للحكم واعتبارها مادة خام للقهر وفقط!

بذلك تصل عملية التفريغ السياسي والخطاب المصاحب لها لأحط مراحلهما مع السنوات الأخيرة لحكم مبارك. فقد ترافق الطابع الأوليجاركى للحكم والتراكم مع عملية تفكيك مستمرة لبنى المجتمع نفسه تتطلب دراسة مستقلة للوقوف على كافة أبعادها. يكفى في هذا المقام الإشارة إلى أن نزع السياسة من المجال العام لا يعنى فقط تجريم التجمع أو التظاهر أو مصادرة الحق في التنظيم، ولكنه يعنى من ضمن ما يعنى الحط من شأن هذه القيم جميعًا، بل والحط من فكرة "الشعب مصدر السلطات" في حد ذاتها والاستهانة بها وبكل مفاعيلها من ثقافة مدنية وحكم قانون واحترام لجهاز الدولة. بل تعنى كذلك التعالي الأبوي على كل فعل احتجاجي بوصفه "قلة قيمة" وتفضيل التعلق الطفيلي بأجهزة الدولة أو مواقع النفوذ وما يستتبع ذلك من قيم التذلل والتزلف وانعدام الثقة فى الغير والعجز عن العمل الجماعي واستهجانه الدائم، لينتهي الأمر بغالبية الشعب المصري إلى جمهرة متنافرة الأهواء غير محددة المعالم لا يجمعها إلا تعلق أبوي بالدولة وخوف مرضى من أي تغيير في أي اتجاه. وأصبح مبارك هو المتحدث الرسمي باسم هذه الحالة البائسة معتمدًا على ابتزاز العالم الدائم بما يمكن أن يجره ترك هذه الجمهرة على عواهنها من تطرف وعنف، وهو في ذلك كان رائدًا وملهمًا لقادة آخرين في المنطقة عبروا عن هذا الخطاب بوسائل أكثر صراحة.

لم يكن لهذه التحولات التي مر بها النظام أن تتم دون أن تولد أشكالاً متنوعة من المقاومة. فمع كل طور جديد كانت قاعدة المنتفعين من النظام تتقلص إلى حد كبير مما دفع بالأغلبية العظمى باتجاه طيف من أشكال المقاومة الاجتماعية، بعضها عبّر عن نفسه تنظيميًا بوضوح والبعض الآخر اتخذ أشكالاً أقل اعتيادية إلى أن انتظم في النهاية مع مجرى الاحتجاج العام الذي أفضى إلى ثورة يناير. فالتحول الجزئي لاقتصاد السوق خلال سبعينيات القرن الماضي ترافق مع حركة احتجاج طلابية وعمالية واسعة اغتنت من روافد الفكر اليساري والقومي المختلفة، كما أعقبها صعود الحركات الإسلامية التي سعت لإنعاش خطاب الهوية في صيغته الشعبوية الأصلية التي تمجد الجماهير اعتمادًا على الإحساس المتصاعد بالتهميش بين صفوف المتعلمين وهو الإحساس الذي يشبه في أحد أوجهه إحساس الاغتراب العام الذي سيطر على أسلاف هذه الشرائح خلال المرحلة الأخيرة من الديمقراطية الليبرالية. استمر الرافدين كما هو معلوم في الهيمنة على المعارضة المصرية خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات مع تزايد ملحوظ في وزن الحركة الإسلامية بتنويعاتها المختلفة وظهور محدود للتيار الليبرالي. وخلال الفترة الأخيرة من تسعينيات القرن الماضي ومع بداية الألفية ولدت حركة احتجاجية جديدة بالتوازي مع تحولات النظام الليبرالية الجديدة. تطورت هذه الحركة الجماهيرية لتشكل كتلة عمودية تخللت العديد من الطبقات. ضمت هذه الحركة في البداية قطاعًا واسعًا من الإنتليجنسيا التي هُمشت مع انكماش الكتلة الحاكمة على نفسها واستغنائها الكامل عن أية خدمات أيديولوجية قدمها يومًا مثقفون وطنيون على الطراز الليبرالي أو الناصري أو الإسلامي المعتدل، ثم امتدت لتشمل قسمًا كبيرًا من الشباب ذوى الميول التقدمية أو المنفتحة على العالم بتسامح وثقة في النفس داخل صفوف الشرائح المختلفة من الطبقة الوسطى المصرية، هذا بخلاف قطاع واسع من الطبقة العاملة الحضرية، خصوصًا في القطاع العام الصناعي أو مرافق الدولة الخدمية، التي تدهورت أوضاعها المعيشية بشكل متسارع مع انتهاج أجندة ليبرالية جديدة. ثم لحق بهذه الكتلة في مرحلة متأخرة العديد من رموز البرجوازية المصرية الكبيرة العاجزة عن التعايش مع واقع الفساد والنهب المنهجيين. كذلك تطورت هذه الكتلة بشكل عابر للتيارات السياسية من أقصى اليمين لأقصى اليسار، مرورًا بالإسلاميين، لتثير قدرًا لا يُستهان به من الاستقطاب داخل هذه التيارات دون أن تبلور خطابًا أيديولوجيًا متماسكًا.

كان العنوان العريض الجامع لفعاليات هذه الحركة الاحتجاجية الفضفاضة هو التخلص من سطوة الأوليجاركية المرتبطة بمبارك وحزبه والتي اتخذت من تفكيك هياكل الدولة واقتصادها منهجًا حصنته بالقمع المنظم والطبقية السافرة والتخريب المتعمد لأية روح مدنية، مما شكل تهديدًا حقيقيًا لمستقبل الشرائح والفئات المشكلة لهذه الكتلة المقاومة. من ناحية أخرى، لم تعبر هذه الحركة الاحتجاجية، برغم اتساعها الظاهر، عن المزاج العام السائد في صفوف هذه الشرائح والفئات أو التيارات السياسية التي تشكلت عبرها، على الأقل حتى كتابة هذه السطور. فهذه الشرائح نفسها تحتوى على ميول مناقضة لروح الانتفاضة. أي أننا بإزاء حركة اتسعت رأسيًا بوتيرة أسرع من توسعها أفقيًا. أما على صعيد المسار، فقد تطورت هذه الحركة الاحتجاجية بشكل متسارع ومباغت انتهى إلى الانتفاضة الجماهيرية التي انطلقت من المركز القاهري و بعض المراكز الحضرية الكبرى ولم تبدأ من الأطراف أو الهوامش المدينية. على عكس الخبرات التونسية والليبية والسورية حيث استطاعت الحركة الجماهيرية أن تقلم أظافر النظام الحاكم وتؤسس لسلطتها الجديدة قبل أن تزحف على العاصمة، تجاوزت الحركة الجماهيرية في مصر هياكل السلطة المحلية لتضرب رأسها في القاهرة تاركة إياها فاقدة التوازن وفى حالة شلل كامل دون أن تؤسس لمرتكزات محلية لسلطتها المستقبلية. على سبيل المثال، دمرت هذه الانتفاضة، فيما يشبه المعجزة، الذراع الأمني للنظام الحاكم في أربعة أيام وشلت تنظيمه السياسي بشكل كامل، لكنها تركت مسئولي الحكم المحلى وقيادات البيروقراطية الحكومية بل ومسئولي الحزب الحاكم أنفسهم في مواقعهم. بعبارة أخرى، برغم قدرة الحركة على الإطاحة الظافرة بمبارك، فإنها لازالت مكشوفة الظهر إن جاز التعبير: أي أن قدرتها على التعبئة في المركز لا توازيها قدرة مماثلة على التعبئة في الأطراف من تجمعات سكانية حضرية أو مواقع عمل. كما أن التطور السريع لهذه الحركة لم يسمح بالتجانس بين مكوناتها المختلفة، مما عجّل بظهور تمايزات واضحة في المواقف بمجرد رحيل مبارك.

في هذا السياق، لا تناضل الكتلة التاريخية الصاعدة التي قادت الانتفاضة للوصول إلى السلطة أو إلى تنظيف جيوب النظام القديم، بل تمر بالأحرى بالمنعطف الأكثر صعوبة في نضالها وهو تحدى التأسيس الإيديولوجي لسطوة الأوليجاركية الحاكمة ومحاولة إعادة اختراع الشعب المصري مرة أخرى كوحدة سياسية وثقافية متميزة ومتنوعة وفقًا لمنطق جديد يختلف كليةً عن المنطق الحاكم لنظام يوليو.

ثلاثة تناقضات:
هذه الخلفية ضرورية لإضاءة جنبات المشهد المعقد الذي يتجلى أمام ناظرينا. فقد أفضت هذه الحركة الاحتجاجية بتركيبها المتنافر ومسارها العاجز عن تصفية النظام بالأصالة عن نفسها إلى مشهد تهيمن عليه ثلاثة تناقضات رئيسية. التناقض الأول يقوم بين منطق الانقلاب ومنطق الثورة، أو التناقض بين السعي للحفاظ على الوضع القائم وإعادة إنتاج النظام بملامحه البنيوية المترسبة منذ يوليو 1952، من جهة، ومنطق التغيير الكلى للقواعد المؤسسة لعمل هذا النظام وليس فقط شخوصه أو توجهاته. فكما سبق الذكر، نجح التحالف الواسع من المنظمات السياسية والحركات الاجتماعية والشبابية في إحداث صدعًا خطيرًا في بنية النظام استدعى تدخل الجيش، وهو المؤسسة الأكثر تماسكًا بين مؤسسات الدولة والأمين على عقيدة النظام، بهدف إنقاذ هذا النظام نفسه. ولكن لم يكن لهذه العملية أن تتم دونما السعي لاحتواء المد الثوري، وهو ما انتهى إلى تبنى الجيش لشرعية الثورة مع السعي للحد من امتداد أصداءها إلى ما هو أبعد من تغيير رأس النظام. ومن ثم، فمابين تبنى شرعية الثورة بما تستدعيه من تصفية كاملة للمؤسسات والقواعد التي انتظمت حولها كافة البِنى الاجتماعية والثقافية في مصر خلال الستين عامًا الماضية وبين السعي للتحكم في إيقاع هذه العملية، ظهرت بوادر الشقاق الذي تحدثنا عنه في المقدمة ثم أخذت في الاتساع إلى حد اعتقال الفاعلين الأساسيين الذين أتوا بالجيش لمقاعد السلطة ابتداءً.

التناقض الثاني يقوم داخل معسكر الثورة نفسه بين ميل لحصر التغيير في حدود كفالة الحقوق المدنية والسياسية، أو قدر من الديمقراطية الليبرالية، وبين الميل لمد مفاعيل الثورة إلى مجالات أبعد من الإطار الدستوري والقانوني الحاكم لتشمل العلاقات الاجتماعية والبِنى الثقافية التي تشكلت حول مؤسسات النظام القائم. يظهر هذا التناقض بمجرد محاولة الإجابة على سؤال ماذا نعنى بتغيير النظام؟ على هذه الخلفية يمكن فهم اتساع موجة الإضرابات والاحتجاجات الاجتماعية مستفيدة من المد الثوري في محاولة لطرح مجمل التوجهات الاقتصادية والاجتماعية التي هيمنت على العقد الأخير من حكم مبارك على بساط البحث وإعادة التقييم. لا تطرح هذه التحركات بديل واضح بقدر ما تطرح تحديًا لكلٍ من منطق الانقلاب ومنطق الديمقراطية الليبرالية على قدم المساواة. وفى نفس السياق يمكن فهم الميل لتحدى طيف من القيم والمبادئ التي تشكلت عبر الميراث الطويل للدولة المصرية الحديثة وعلى رأسها مبدأ مدنية الدولة وحيادها وما يتعلق بهما من حقوق للأقليات الدينية وحريات التعبير والحريات الشخصية بالمجمل. يجرى هذا التحدي باسم الثورة وتوسلاً بشعاراتها ومطالباتها بالديمقراطية واحترام "الإرادة الشعبية" من قِبل بعض الوجوه التي كانت في القلب من فعاليات الثورة وقدمت التضحيات في ميادينها.

ينقلنا هذا للتناقض الثالث الذي يختمر منذ رحيل مبارك داخل المعسكر الساعي لتجذير الثورة وهو التناقض القائم حول مفهوم الديمقراطية نفسه ما بين فهم يمكن أن نطلق عليه هوياتي/شعبوي، عميق الشبه بالميل الهوياتي المؤسس للنظام والسابق شرحه، يختصر الديمقراطية في فكرة حكم الأغلبية بعد تعريف تلك الأخيرة بالإحالة لهوية ثابتة لا تاريخية، وبين منطق ديمقراطي جذري يعلى من شأن الطابع الصراعي للديمقراطية، وما يستتبعه من الإبقاء على الباب مفتوحًا لتحدى مختلف أشكال الإجماع أو الهويات المتشكلة داخل المجتمع من خلال ترتيبات دستورية وقانونية تحفظ حقوق الأقليات والجماعات المهمشة والأفراد المجردين في مواجهة "طغيان الأغلبية". يشكل الصراع حول المسألة الدستورية وبدرجة أقل حول كفالة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أحد أهم تجليات هذا التناقض.

نشدد هنا على أن هذه التناقضات الثلاثة تقوم بين اتجاهات، أو مناطق، ولا تقوم بين قوى سياسية وأيديولوجية محددة ومعروفة المواقع سلفًا. في الواقع، تتقاطع تلك الاتجاهات الثلاثة على بعضها وتخترق طيفًا واسعًا من القوى السياسية والاجتماعية. فالمعسكر الإسلامي مثلاً ينقسم ما بين قوى ساعية إلى نمط الديمقراطية المحافظة، أو حتى الليبرالي في بعض الأحيان، وبين قوى ساعية لتجاوز هذا الميل لصالح نموذج هوياتي/شعبوي غير محدد الملامح. وكذلك الحال مع البرجوازية المصرية. فبعضها مثلاً ينحاز بشكل سافر إلى منطق الانقلاب ويسعى لدفع المجلس العسكري باتجاه أكثر سلطوية بينما ينخرط العديد من وجوهها في محاولة تأسيس نموذج ديمقراطي ليبرالي أو ديمقراطي محافظ سواء عن طريق التمويل لصحف ووسائل إعلام قائمة أو حتى عن طريق المشاركة المباشرة في تأسيس أحزاب أو تجمعات سياسية جديدة. وهذه التمايزات داخل جسم البرجوازية تخترق شرائحها -الكبيرة والمتوسطة والصغيرة- وقطاعاتها -الصناعية والمالية والخدمية- على حدٍ سواء، فنجد الانحيازات موزعة عبر هذه المواقع جميعًا. في المقابل يجد منطق الانقلاب دعمًا من بعض القوى المحافظة أو الشعبوية أملاً في توظيفه لمصلحتها كما رأينا خلال الاستفتاء على التعديلات الدستورية، والعكس صحيح بالطبع. وكذلك يتداخل منطق الديمقراطية الجذرية في الكثير من الأحيان مع منطق الديمقراطية الليبرالية واستفتاء 19 مارس دليل هو الآخر على هذه الإمكانية حيث اشتملت جبهة المعارضين للتعديلات والمطالبين بدستور جديد على قوى تنتمي لكلا المعسكرين. كما قد يتداخل المنطق الديمقراطي الليبرالي مع المنطق الشعبوي كما هو الحال في جماعة الإخوان المسلمين والتي تصدر عنها مجموعة من الإشارات المتناقضة تؤشر في مختلف الاتجاهات تقريبًا.

تبدو هذه التناقضات الثلاثة أبعد ما تكون عن الحسم حتى هذه اللحظة بل إنها آخذة في التفاقم وبالتالي ستطبع مؤسسات النظام الجديد وخريطته السياسية والأيديولوجية بطابعها. وهذه التناقضات الثلاثة كذلك ينبغي أخذها في الحسبان عند المقارنة بين مصر وأي من التجارب الأخرى إذ عادةً ما تجرى الإحالة للعديد من خبرات التحول أملاً في محاكاتها دون الأخذ في الاعتبار خصوصيات الحالة المصرية والتي تتمثل في هذه التناقضات الثلاثة.

التناقضات الثلاثة وإجراءات المرحلة الانتقالية:
سنحاول في هذا الجزء عرض انعكاسات هذه التناقضات الثلاثة على إجراءات المرحلة الانتقالية والتي كان من المفترض أن تجسد شرعية 25 يناير في إطار دستوري وتشريعي جديد. سنركز على ست جوانب رئيسية ترسم بشكل أو بآخر كافة أبعاد المشهد وتناولتها أوراق ومداخلات المشاركين في المؤتمر.

المسألة الدستورية: وقعت المسألة الدستورية كما هو معلوم ضحية الاستقطابات الثلاث السابق ذكرها. فقد أدى ميل الجيش لتفادى أي تغيير جذري في الأوضاع التي ورثها عن نظام مبارك وتحاشى التورط في تمثيل شرعية الثورة بكل ما يجره ذلك من استحقاقات إلى تبنى تعديلات محدودة على دستور 71 وترحيل عملية كتابة الدستور إلى ما بعد الانتخابات. ووجد هذا الميل قبولاً من التيارات الإسلامية على أمل تجاوز الوضع الاستثنائي المتمثل في بقاء المجلس العسكري في السلطة وما قد يستتبعه من التفاف على ما تراه هذه القوى حقًا مكتسبًا يتمثل في لعبها دوراً مركزيًا في صياغة الدستور الجديد. ما كان لهذه المسألة أن تحوز على كل هذا الجدل دون الأخذ في الاعتبار التناقضات الثلاث السابق ذكرها. فالإنصاف يقتضى الإقرار بأن ما أتت به لجنة تعديل الدستور لم يخرج عن العرف السائد في مراحل الانتقال للديمقراطية. فبين إحدى عشر تجربة تحول ديمقراطي في أوروبا الشرقية بعد سقوط الأنظمة الموالية لموسكو في هذه الدول، جرت التعديلات الدستورية أو كتابة الدساتير الجديدة بعد الانتخابات البرلمانية وكانت البرلمانات المنتخبة هي من تقوم مقام الجمعيات التأسيسية. كذلك الحال في كافة تجارب التحول في أميركا اللاتينية وفى إندونيسيا، والتجربة الأخيرة تحمل بعض أوجه الشبه مع حالتنا المصرية.

ولكن في المقابل لم تشهد أي من هذه الحالات مثل هذا الحضور الطاغي للمؤسسة العسكرية بكل ما يثيره من قلق بخصوص انفرادها بإدارة المرحلة الانتقالية. فجيوش أوروبا الشرقية لم يكن لها مثل هذا الدور والمكانة المتميزة التي تجعلها طرفًا في أي تفاوضات بخصوص المرحلة الانتقالية إذا ما قورنت بدور الأحزاب الشيوعية الحاكمة، والأخيرة كانت هي من أدارت عملية التفاوض حول إجراءات نقل السلطة بشكل مباشر ودون توسط. أما في حالة أميركا اللاتينية، فالأمر كان في جوهره تفاوضًا مع العسكر حول شروط خروجهم من السلطة ومن ثم كان خيار الانتخابات المبكرة منطقيًا كذلك. ومن جهة أخرى، لم تعرف أي من تلك التجارب مثل هذا الاستقطاب الحاد في معسكر قوى التغيير. فمعارضة أوروبا الشرقية ولدت موحدة تقريبًا ولم تتمايز إلا بعد فترة معقولة من التحول في حين أن معارضة أميركا اللاتينية نجحت بذكاء في تأسيس جبهات وطنية ضمت قوى اليسار الراديكالي والديمقراطيين المسيحيين في معسكر واحد قادر على التفاوض مع المؤسسات العسكرية. وفى الحالتين لم يكن الخلاف حول بديهيات كمدنية الدولة ومبدأ المواطنة حاضرًا بهذه القوة. في هذا السياق، ينبغي التشديد على أن خيار انتخاب جمعية تأسيسية بشكل مباشر لصياغة الدستور والذي تبناه أنصار "الدستور أولاً" لم يكن ليشكل مخرجًا من المعضلة، إذ طالما استمر الاستقطاب قائمًا سيلقى بظلاله على أي عملية انتخابية سواء كانت للبرلمان أو للجمعية التأسيسية.

من هنا ظهر خيار التوافق على مجموعة محدودة من المبادئ العامة المحددة لمحتوى الدستور، لا تشتمل على قضايا خلافية كوضع المؤسسة العسكرية على سبيل المثال، ولآليات اختيار الجمعية التأسيسية لتلافى وضع يصبح فيه الدستور فريسة لتقلبات المجال السياسي. ولم يكن هذا الخيار يستهدف الانقلاب على الإرادة الشعبية كما تصر القوى الإسلامية. تبنى العديد من المشاركين في المؤتمر فكرة المبادئ العامة مثل الدكتور "محمد نور فرحات" والأستاذ "عبد الغفار شكر". ولكن واجه هذا الطرح رفضًا قاطعًا من الدكتور"أحمد أبو بركة" ممثل جماعة الإخوان المسلمين. وينبغي أن نشدد في هذا المقام أن رفض جماعة الإخوان المسلمين لهذا التوافق تخوفًا من هيمنة الجيش هو نفسه، ويا للمفارقة، ما يفتح الباب لتدخل الجيش في العملية السياسية إذ تولد التخوفات المشروعة لدى قطاعات واسعة من المجتمع ممن انفراد جماعة الإخوان بالسلطة طلبًا إضافيًا على الجيش كحامي لمدنية الدولة أو "للاستقرار" على أقل تقدير.

مستقبل العلاقات المدنية-العسكرية:
ولكن هل الجيش كمؤسسة قادر أو راغب في لعب هذا الدور الذي تؤشر باتجاهه هذه التضاغطات؟ لا يبدو أن الجيش- أخذًا في الاعتبار المحددات التي حكمت انقلابه الحالي- راغبًا في النص على وضع خاص في الدستور ينيطه بمهمة حماية مدنية الدولة أو ما شابه ذلك. فالميل العام هو العودة السريعة للعب نفس الوظائف السابق ذكرها -كمصدر لعقيدة الأمن القومي وقاعدة للتجنيد السياسي- وتحصين موقعه بعيدًا عن مركز الجدل السياسي بعدد من الضمانات والإجراءات تتعلق باستقلالية موازنته وعدم خضوعه للإشراف من قبل أي جهة مدنية وضمان عدم توريطه في خيارات عسكرية دونما إرادته. يدعم هذا الطرح تحليل نمط الإجراءات القمعية التي انتهجها المجلس العسكري سواء في حق مؤسسات إعلامية أو إعلاميين أفراد ونشطاء بخلاف الممارسات القمعية للشرطة العسكرية على الأرض. استهدفت هذه الإجراءات في مجملها منع رياح الثورة من الوصول إلى تخوم مناطق المؤسسة العسكرية. فجميع هذه الإجراءات جاءت على خلفية انتقاد لأداء الجيش أو أوضاعه الداخلية كمؤسسة أو حتى إهانته والتهكم على بعض رموزه. ولكن لا يمكن رصد إجراءات تؤشر باتجاه سعى الجيش للتضييق على القوى الإسلامية مثلاً أو السعي للهيمنة على مؤسسات بعينها أو التضييق على المجال السياسي بالمجمل. باختصار هي إجراءات استباقية تستهدف حجز موقعًا مميزًا في النظام القادم بعيدًا عن تقلبات المجال السياسي المتوقعة أكثر من كونها إجراءات تهدف للهيمنة على هذا النظام.

فإذا أخذنا في الاعتبار عاملين آخرين لتأكد هذا الانطباع. العامل الأول يتمثل في ما ذكرناه عن عمومية عقيدة الجيش وتركيزها على الاعتبارات الجيوبوليتيكية في المقام الأول. فالجيش لا يتمثل عقيدة محددة كالجيش التركي على سبيل المثال أللهم إلا سعيه لأهداف غامضة كالاستقرار مثلاً وتجنب حروب إقليمية في المستقبل، هذا بخلاف غياب التسييس عن قياداته كما هو واضح بما لا يشكل إلحاحًا على المؤسسة العسكرية أن تكون في مركز الاستقطاب وما قد يستتبعه من فتح باب التسييس بداخلها أو بتسليط الضوء على أوضاعها المؤسسية "المستقلة". العامل الثاني يتمثل في عنصر الارتياب الذي يسم رؤية كافة القوى المتصارعة للجيش أخذًا في الاعتبار تجربة ثورة يوليو وما جرته من سلطوية راسخة دفع ثمنها عدد من القوى السياسية الحاضرة اليوم كجماعة الإخوان المسلمين وحزب الوفد. بل إن بعض القيادات الحالية للجماعة كاد أن يقضى في السجون الحربية وبعضهم حوكم أمام محاكم عسكرية منذ بضع سنين لا أكثر. و الشيء بالشيء يذكر بالنسبة للقوى المسماة "بالمدنية"، وهى وإن كانت تخشى من استبداد الأغلبية البرلمانية، إلا أنها لا تجد ما يدفعها للثقة في نوايا الجيش، خصوصًا مع غياب أي تفضيل أيديولوجي، الأمر الذي يجعل تدخل الجيش مفتوحًا على كل الاحتمالات بما فيها أن يكون تدخلاً على الطراز الباكستاني وليس التركي - أي تدخل يدعم من نفوذ القوى الإسلامية في المجال السياسي والمجتمع ككل. باختصار، حضور الجيش في السياسة المصرية ليس بالأمر المستحدث والتجربة لا تشجع أحدًا على تكرارها. وبالتالي فالسعي للزج بالجيش للعب دور في السياسية المصرية على خلاف المسار التاريخي البادي هو بمثابة وضع الجيش في مواجهة واسعة مع القوى السياسية الرئيسية لن تعود بالنفع على أحد. طرحت التحفظات السابق ذكرها في مناقشة أطروحة للدكتور "جمال عبد الجواد" دعت إلى تأسيس مجلس للأمن القومي يكون بمثابة إطارًا آمنًا لمناقشة شواغل الجيش من موازنة وخلافه ويضمن في المقابل هذا المجلس حماية مدنية الدولة.

مستقبل التعددية الدينية ومدنية الدولة:
كيف يمكن إذن حماية مدنية الدولة وواقع التعددية الدينية الذي يتعرض للعديد من المخاطر؟ تبدو إجابة هذا السؤال مرهونة بإمكانية حدوث تحولات عميقة على المستوى الفكري والحركي لطيف واسع من التيارات السياسية المصرية، وفى القلب منه التيارات الإسلامية بالطبع. هذا التحول الفكري يرتكز على فض اشتباك ضروري بين الفكر الإصلاحي الإسلامي الذي يشكل رافدًا رئيسيًا من روافد الحداثة المصرية ويغذى عددًا من الجماعات والأحزاب على رأسها جماعة الإخوان المسلمين، وبين جهاز الدولة، والأخير تحول منذ النصف الثاني من السبعينيات إلى هاجس هذا التيار بوصفها أداته الرئيسية لإنجاز مشروعه الإصلاحي ذاك. يشترك التيار الإسلامي في هذا التعلق بجهاز الدولة مع غيره من التيارات السياسية والفكرية التي نشأت في خضم مرحلة التحرر الوطني والتي رأت في الدولة إمكانية هائلة لإعادة بناء الهوية المصرية بل ونمط الحياة المصري ككل يتساوى في ذلك التيارات الماركسية مع الإسلامية. وهنا يكمن الجذر التاريخي في تغوي سلطة الدولة وافتئاتها على الحياة الخاصة للمواطنين وما جره ذلك من نتائج عكسية تمثلت في اغتراب للمواطن عن مشروع المواطنة نفسه وسيادة هوى استبدادي لدى الجميع كان مسئولاً عن مناخ الاستقطاب الذي ورثناه كما حاولنا أن نوضح. لا يبدو أن التيار الإسلامي قادر أو راغب على فض هذا الاشتباك، بمعنى العمل داخل المجال العام والدعوة لمشروعه والتأثير في السياسات أو حتى إدارة جهاز الدولة مع الحفاظ على قدر من الحياد الضروري لهذا الجهاز لمنع الاستبداد والافتئات على حريات المواطنين. الدولة في عُرف التيار الإسلامي لازالت مجرد أداة تبدو طيعة ويجب تسخيرها لصالح مشروع هوياتي يتحصن في الدستور ويطبع مختلف جوانب عمل هذه الدولة بطابعه دون النظر لعواقب ذلك الخاصة بوحدة الجماعة الوطنية وحيويتها.

ناقشت ورقة الدكتور "حازم حسنى" الأفكار المؤسسة لخطاب الإخوان المسلمين المتمحور حول الهوية كما تتجلى في كتابات الأستاذ حسن البنا مؤسس الجماعة، وحاول أن يبرز عناصر الاستمرارية في هذا الخطاب والذي لا يزال مهيمنًا على الجماعة حتى الآن كما يرى. تحدث كذلك الأستاذ "جمال البنا" عن ضرورة تطوير فهم إبداعي للشريعة كمصدر للتشريع يستمد مشروعيته من كونه أحد مكونات الهوية المصرية وليس بوصفه قيدًا على القانون أو معيار فوق قانوني، فالشريعة في تصوره تتمحور حول مبدأ عام جوهره هو رد السلطة للشعب وحفظ السيادة لله وحده. وبهذا الفهم يصبح إدراج الشريعة في الدستور تأصيلاً لهذه الحرية وفتح لآفاق تفعيلها و ليس كبحًا لها باسم العقيدة. اشتبك الدكتور "منير مجاهد" كذلك مع أطروحة الأستاذ جمال البنا في محاولة لإبراز السياق السياسي الذي استحدث فكرة الشريعة كمصدر رئيسي للتشريع وكيف أن هذه المادة، والتي لم تقدم شيئًا مختلفًا عن الميراث الدستوري المصري الذي دائمًا ما أقر بأن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، جرى توظيفها دائمًا لخدمة الدولة السلطوية في المقام الأول ثم التيارات الإسلامية في مرحلة لاحقة عن طريق توظيفها بشكل انتقائي ضد حرية الإبداع أو حرية المعتقد.

في المقابل ركز الأستاذ "إبراهيم الهضيبي" في مداخلته على شروط هذا التحول المرتجى داخل التيارات الإسلامية ودعا لنبذ وجهة النظر التقليدية التي ترى جوهرًا ثابتًا لفكر الإخوان والتيارات الإسلامية يعاد إنتاجه دائمًا بغض النظر عن تحولات الظرف التاريخي. حاول الهضيبي لفت الانتباه لبوادر ظهور تيارات إسلامية غير تقليدية تسعى لإعادة بناء المشروع الإسلامي بالابتعاد عن مركزية فكرة الدولة راعية الهوية الموروثة من حقبة التحرر الوطني، وأن مهمة التيارات الأخرى هي مد جسور الصلة مع هذه الحساسيات البازغة والانفتاح عليها من أجل دمجها في المجال السياسي الجديد. هذا التواصل وإن كان من غير المتصور أن يثمر على المدى المنظور والمتوسط، إلا أنه لا غنى عنه في اللحظة الحالية خاصة مع ما يبدو أنه انسدادًا في سيناريو حماية الجيش لمدنية الدولة، كما أنه من الممكن أن يثير قدرًا من الاضطراب المحمود داخل الجسم العام للحركة الإسلامية بما يكبح من ميولها السلطوية.

تصفية هياكل ومؤسسات النظام القديم:
تصفية مراكز القوى المرتبطة بأي نظام في خضم تحولات ثورية عميقة كتلك التي تمر بها مصر يجرى بالاعتماد على آليتين رئيسيتين: العدالة الانتقالية وقوانين العزل السياسي. العدالة الانتقالية سواء أخذت شكل محاكمة رموز النظام السابق، كما يجرى في مصر وكما جرى في أغلب تجارب التحول، أو شكل "لجان الحقيقة والمصالحة" والتي تكتفي بالتحقيق في انتهاكات النظام القديم وكشف المتورطين فيها مع إصدار العفو العام عن هؤلاء المتورطين، وهو الحال في العديد من التجارب كجنوب إفريقيا وجميع تجارب أميركا اللاتينية باستثناء واحد وهو الأرجنتين. هدف هذه العملية لا يقتصر على تطهير البؤر المناوئة للنظام الجديد ورد اعتبار الضحايا وفقط، ولكنها تعد بمثابة التأسيس الرمزي للشرعية الجديدة عبر إدانة النظام القديم. بالتوازي مع ذلك، تستهدف إجراءات العزل السياسي إحلال نخبة الثورة محل النخبة القديمة كليةً أو بالتدريج. لا يبدو المشهد في الحالة المصرية باعثًا على التفاؤل. هنا أيضًا وقعت تجربة التحول المصرية ضحية خصوصيات التناقضات الثلاثة التي سبق الحديث عنها. فتداخُل منطق الانقلاب مع منطق الثورة أدى لحصر إجراءات العدالة الانتقالية في أضيق الحدود -محاكمة الرئيس وعائلته وبعض قيادات الشرطة المتورطة في قتل المتظاهرين- إذ من غير المتصور قيام سلطة انقلاب تدخلت للحفاظ على النظام توجيه ضربة لمؤسسات هذا النظام ذاته وعلى رأسها جهاز الشرطة بكل ما قد تجره هذه الضربة من انفراط عقد هذا الجهاز واحتمال مناوئته لسلطة الانقلاب نفسها. العكس تمامًا هو ما حدث، أي محاولة إعادة الشرطة لاحتلال نفس المكانة المتميزة التي احتلتها وسط مؤسسات النظام ووفقًا لنفس آليات عملها التقليدية. ولا يبدو أننا سنشهد مثل هذه الإجراءات قريبًا. وحدها السلطة المدنية المنتخبة الجديدة هي القادرة على إطلاق مثل هذه الإجراءات وذلك يتوقف بدوره على تركيبها وإلى أي مدى ستولد خالية من تأثيرات النخب القديمة وهو احتمال مستبعد بالطبع.

في هذا السياق، لا تشبه الحالة المصرية الكثير من الحالات التي عادة ما يحيل بعض وجوه الحركة الحقوقية إليها كما لو أن المسألة تتوقف على توافر الخبرة اللازمة. فحالة أميركا اللاتينية على سبيل المثال التي شهدت تجارب مبدعة في مجال العدالة الانتقالية لا يمكن الإحالة إليها إذ أن التحول بدأ فيها في مواجهة منطق الانقلابات العسكرية نفسه وعلى حساب الجيش بشكل لا يحتمل التأويل. قد تكون التجربة التي تستحق الإحالة إليها هي إندونيسيا والتي لم تشهد أي إجراءات للعدالة الانتقالية على وجه التقريب إذ حدث التحول تحت رقابة الجيش بشكل مكثف كما حدث في مصر. ففي هذه الحالة أيضًا فشلت كل جهود محاكمة سوهارتو ولم نشهد أي إجراءات للحقيقة والمصالحة في المقابل، إذ أن فتح أي من ملفات الماضي كان يعنى تورط الجنرالات وهو ما لم يكن من الممكن تصوره في ظل رعايتهم للتحول. على الجانب الآخر، كان عجز قوى الثورة عن تقديم نخبة مستعدة لأن تحل محل الأوليجاركية التي تشكلت من رحم النظام القديم وتخندقت عبر أجهزة الدولة المختلفة وهياكل الحكم المحلى عاملاً حاسمًا في غياب أي إجراءات للعزل السياسي. وهنا أيضًا تتجلى الخصوصية المصرية إذ أن هذه الأوليجاركية ليست مجرد طبقة سياسية تولت مهمة الحكم بالمعنى المباشر للكلمة عبر حزب أو أحزاب سياسية مختلفة ومن ثم يسهل لتخلص منهم بحكم مناصبهم -كما حدث مع الوفد وكبار ملاك الأراضي في 1952- ولكننا بصدد كتلة تاريخية يعتمد عليها النظام في إعادة إنتاج نفسه بوصفه نظامًا للنهب والقهر المعممين. هذه الأوليجاركية هي القاعدة الاجتماعية للنظام إن جاز التعبير، ومن ثم فتوجيه ضربة لها هو بمثابة هز لأركان النظام بالكامل على نحو يتجاوز في مداه إسقاط مبارك نفسه. وفى ذات السياق، وحيث أننا نتحدث عن تحالف طبقي، فالآثار الاقتصادية التي قد ترتبط بإجراءات العزل قد تكون على درجة من العمق تجعلها قريبة الشبه بإجراءات العزل السياسي التي صاحبت ثورة يوليو وكانت إجراءً حاسمًا، مع قوانين الإصلاح الزراعي، في العصف بسلطة طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية. الأهم من ذلك أن إجراءات العزل السياسي كانت دائمًا أصعب من إجراءات العدالة الانتقالية وعادة ما يمثل إقرارها علامة على رسوخ دعائم النظام الجديد وتآكل سطوة هذه النخب إلى الحد الذي يصبح معه محاكمتها أو عزلها ليس فقط أمرًا ممكنًا ولكنه بمثابة "إقرار بالأمر الواقع". ففي أوروبا الشرقية تم إقرار قوانين جدية للعزل السياسي بعد مرور ما يقارب الخمس سنوات ووصلت المدة لحوالي عقد من الزمان في حالة رومانيا. بل إن قيادات الأحزاب الشيوعية الحاكمة في هذه الدول لم يقتصر حضورها على الترشح والتمثيل في المجالس النيابية التي أعقبت الانتفاضات ولكن نجح بعضها في العودة للسلطة مرة أخرى كما هو الحال في بولندا مثلاً والتي كانت في مقدمة الدول التي شهدت نضالاً عميقًا باتجاه الديمقراطية. الأمر إذن يتوقف على حسم مسألة الشرعية التي لازالت معلقة حتى الآن نتيجة تداخل منطق الثورة ومنطق الانقلاب، ومن غير المتصور أن تحسم الانتخابات المقبلة بحد ذاتها مسألة الشرعية إذ أن الأمر يتوقف على ثبات أقدام السلطة الجديدة عمليًا.

إجراءات بناء النظام الجديد:
كما أثر غياب الحسم بالسلب على إجراءات تصفية النظام القديم، أثر هذا الموقف المعلق بالسلب كذلك على الإجراءات التي كان من المفترض أن تُرسى قواعد النظام الجديد. جوهر التحول إلى الديمقراطية في مصر يتمثل في الفصل ما بين مجال إعادة إنتاج المراكز الاقتصادية والاجتماعية -أي عملية الهيمنة بمعناها الثقافي والاجتماعي- وبين جهاز الدولة، وهو ما يسمح بنشأة مجال سياسي تتبلور عبره التحالفات الاجتماعية المهيمنة ويترسخ من خلاله واقع حكم القانون بعد أن سمح التداخل السابق الإشارة إليه بتحويل الفساد المعمم إلى قاعدة إعادة إنتاج هذه الهيمنة ذاتها. غياب الحسم وسيادة منطق الانقلاب والتفاف الأوليجاركية حول المجلس العسكري سمح بفرملة أي إجراء من شأنه أن يدفع باتجاه هذين الملمحين. فلم يتم اتخاذ أي إجراء قانوني مثلاً يسمح بإعادة هيكلة أجهزة الإعلام باتجاه فض هذه العلاقة العضوية مع الأجهزة الأمنية. في هذا السياق، طرح "حسين عبد الغنى" عددًا من الإجراءات تخص ملكية ونمط إدارة هذه المؤسسات بحيث تتحول إلى مؤسسات مملوكة للشعب فعلاً لا قولاً من حيث نمط إدارتها وتوجهها العام. كذلك لم يتم اتخاذ أي إجراء جدي على صعيد إصلاح وإعادة هيكلة جهاز الشرطة بما يحقق فصلاً مماثلاً لهذا المبتغى في المجال الإعلامي. طرح الدكتور "محمد محفوظ" أفكارًا مهمة في هذا المجال على صعيد إعادة هيكلة الشرطة وفرض نظام جديد للرقابة المجتمعية والتشريعية والذاتية على أداءها. ينطبق الاستنتاج السابق على القوانين المنظمة للحياة السياسية. على سبيل المثال، يلاحظ الدكتور "جابر نصار" أن قوانين الانتخابات جاءت لتعكس ميلاً للإبقاء على توازن القوى القائم كما هو دونما تغيير. يتمثل هذا السعي في الإصرار على الإبقاء على ثلث المقاعد للاقتراع الفردي والتقسيم المربك للدوائر الانتخابية الذي يحابى التركيبات التقليدية بشكل فج. كذلك الحال مع قانون الأحزاب السياسية والذي ظهر للنور مشبعًا بنفس منطق النظام القديم القائم على المنح والمنع عن طريق شروط مجحفة كشرط الخمسة آلاف توقيع ناهيك عن الشروط المادية والإبقاء على قائمة من المحظورات التي لا يجوز تأسيس الأحزاب على أساسها.

مستقبل التعددية السياسية والنقابية:
في هذا السياق تبدو المنظمات النقابية والسياسية التي نشأت للتعبير عن قوى الثورة على قدر كبير من الهشاشة كما تواجه عوائقًا راسخة تحول دون نموها. فالحركة النقابية المستقلة لازالت تتحسس طريقها في ظل فقر فادح في الموارد وفى مواجهة أوليجاركية ملتفة حول المجلس العسكري يدفع بعض قطاعاتها في اتجاه الخيار القمعي للتعامل مع الأنشطة الإضرابية والاحتجاجية المختلفة بينما يتخندق قطاع آخر منها في إتحاد العمال نفسه والموروث من النظام السابق. هذه المقاومة الشرسة بالإضافة للقصور التنظيمي للحركة العمالية الصاعدة ساهما في عرقلة تشريعات جديدة تقر مبدأ الحرية النقابية وتسمح بالتعددية وما يستتبعها من توفير للموارد. ولكن على الرغم من واقع الحال المرتبك، إلا أن المستقبل يبدو في صف هذه الحركة، كما طرح الدكتور "سامر سليمان" في ورقته عن التعددية النقابية، إذ لا يملك هذا الاتحاد الرسمي ما يقدمه لطبقة عاملة تظهر ميلاً متصاعدًا للتمرد على تركة النظام السابق القائمة على رشوة اجتماعية محدودة في مقابل مصادرة حق التنظيم. ما ينطبق على الحركة النقابية المستقلة ينطبق كذلك على عدد من الحركات الاحتجاجية التي لا يبدو أنها في وارد الانحسار سريعًا. السؤال الملح هنا يتعلق بشكل التسوية الجدية التي يمكن أن تفرضها هذه الحركات الاجتماعية ومنظماتها في ظل تآكل الموارد الريعية للدولة -والذي سمح باحتواء بعض المطالب طوال العقد الماضي- و صعوبة اللجوء لخيار القمع مرة أخرى، وهل يمكن أن تكون هذه الهياكل طرفًا في معادلة الحكم في المستقبل بالأصالة عن نفسها نتيجة صعوبة احتوائها كما سبق الذكر أم أن هذا الافتراض لا يتجاوز حيز الأمنيات الطيبة.

الأمر يبدو أقل تعقيدًا على صعيد التعددية الحزبية. فلا تواجه الأحزاب الصاعدة تحديات تتعلق بالتمويل أو بالمعارضة المجتمعية مثلاً، ولكنها كما أوضح الباحث "يسرى العزباوي" تواجه تحديات من نوع آخر تتعلق بنضج بناءها المؤسسي وانصهار مكوناتها ووضوح خطها الفكري وخطابها السياسي. غالبية هذه الأحزاب تبدو حتى الآن كمنابر فكرية أكثر منها أحزابًا ذات قواعد راسخة. فهي تعبر عن حساسيات بازغة في المجتمع بلا شك ولكن لا يعنى ذلك أن تترجم هذه الحساسيات نفسها في شكل تأييد تلقائي لهذه الأحزاب. قد يمر وقت طويل قبل أن تتطابق الخريطة الحزبية مع الخريطة السياسية والفكرية في المجتمع والتي تتشكل ملامحها الآن. تبدو الكتلة الأكثر تماسكًا حتى الآن هي الكتلة الإسلامية بالطبع، وفى مقابلها تتشكل حساسيات ليبرالية حول فكرة الدولة المدنية والحريات العامة والشخصية وحقوق الأقليات. قد تندمج هذه الحساسيات الليبرالية بدورها مع حساسيات يسارية تنمو بالتوازي مع نمو الحركة الاحتجاجية في المجتمع لتشكل قطبًا ديمقراطيًا اجتماعيًا وتحرريًا في مواجهة القطب الإسلامي المحافظ. ولا يبدو أن المجال مهيأ ليمين غير ديني أو يمين ليبرالي في ظل تفاقم الاستقطاب الاجتماعي الذي يفرض على أي تيار ليبرالي جاد إفراد مساحة معتبرة لفكرة العدالة الاجتماعية في برامجه.

عودة للمشهد العام واستراتيجيات القوى الديمقراطية:
سنحاول في هذا الجزء الختامي تلخيص المشهد المتمخض عن فعل هذه التناقضات الثلاثة على المستويات المختلفة التي تحدثنا عنها. يمكن القول أن حصيلة هذه التفاعلات هو توازن ضعف واضح: لا يتمكن أي طرف من الأطراف المتصارعة عن حسم أيٍ من هذه التناقضات الثلاثة ويعجز الجميع عن فرض أجندته كاملة. فمنطق الانقلاب يعجز عن إعادة تشغيل النظام القديم بملامحه المعروفة نتيجة فقدان ذراعه السياسي ممثلاً في الحزب الوطني، وجهاز مباحث أمن الدولة القيِّم عليه، الأمر الذي أنتج فراغًا سياسيًا حادًا يحول دون رغبة المجلس في إعادة تشغيل النظام. يسعى المجلس العسكري لملء هذا الفراغ من خلال مد جسور الصلة مع عدد من التيارات السياسية المحافظة، وفى القلب منها التيار الإسلامي بالطبع، وبناء توافق حول عدد من الإجراءات التي ينتهجها. ولكن المفارقة تتجلى في أن هذا السعي نفسه، بما يقتضيه من عمليتي مساومة وتفاوض معقدتين، يؤسس للتعددية ويحولها لأمر واقع حتى ولو لم تنضج هذه التعددية وتتطابق مع الخريطة الفعلية لحساسيات الرأي العام. وما المفاوضات المعقدة التي شهدناها خلال كتابة قانون الانتخابات أو حول وثيقة المبادئ الدستورية والتي اضطر المجلس العسكري فيها إلى الاعتراف بالأحزاب السياسية الجديدة كطرف يجرى التفاوض معه على قدم المساواة إلا دليلاً قويًا على هذا الميل. ومن ثم يبدو من المستحيل إعادة بناء الأجهزة الأمنية بنفس عقيدتها السابقة القائمة على التفريغ السياسي ومناصبة أي روح مدنية العداء والميل لتخريب العمل الجماعي بالمجمل.

في المقابل، لا يمكن حصر مفاعيل الثورة في مجال الحقوق المدنية و السياسية في ظل التصاعد الغير مسبوق للنضالات الاجتماعية والذي يهدد استمرار نمط العلاقة العضوية بين هذه الكتلة الحاكمة وأجهزة الدولة خصوصًا مع افتقاد النظام لذراعه السياسي، أو نادى مصالح هذه الأوليجاركية، كما سبق الذكر. ولكن في المقابل، بينما تهدد النضالات الاجتماعية المتصاعدة الأساس المادي لهيمنة الكتلة الحاكمة القائمة فهي لا تمتلك القدرة على التعبير السياسي المستقل والمتعين في شكل تنظيمات نقابية وسياسية. ومن ثم فالحركات الاجتماعية الصاعدة وإن لم تنجح حتى الآن في التعبير السياسي المستقل، فقد نجحت على الأقل في جر هذه الكتلة الحاكمة إلى معركة مفتوحة في ساحة مكشوفة بعيدة عن الغطاء الأمني - معركة قوامها المساومة والحلول الوسط وليس القمع والاحتواء بالمكاسب المحلية.

كذلك على الرغم من ميل ميزان القوى بين القوى الديمقراطية الليبرالية والديمقراطية الجذرية من جهة وبين القوى الإسلامية من جهة أخرى لصالح تلك الأخيرة، فليس من الوارد حسم هذه المعركة بشكل ناجز لصالح القوى الإسلامية على النحو الذي يسمح بانفرادها بصياغة الدستور أو قيادة البلاد منفردةً. فلا الوضع الجيوبوليتيكى المعقد لمصر يحتمل هذا السيناريو ولا حساسية الجيش المعلنة لأي إخلال بالاستقرار الهش الذي يسعى للحفاظ عليه تحبذه. ناهيك عن التعبئة الواسعة في صفوف القوى الليبرالية والديمقراطية الجذرية والتي لازالت قادرة على وضع العصي في دواليب هذا المسار بشكل ملفت.

تتعدد المآلات المحتملة لتوازن الضعف ذاك، ولكن الميل الغالب حتى الآن يؤشر باتجاه بناء ديمقراطية هشة ومحافظة بوصفها الخيار الأقل كلفة لهذه الأطراف المتصارعة والعاجزة عن حسم الصراع لمصلحتها نقطة في المسافة ما بين نظام يوليو وحلم الديمقراطية الكاملة. هي ديمقراطية هشة إذ ترتكز مؤسساتها الوليدة على توازنات بالغة الدقة بين هذه الأطراف المتصارعة (لنتخيل مثلاً وضع البرلمان الجديد المفتت بين طيف واسع من القوى). وهى ديمقراطية محافظة إذ تحد هذه التوازنات من المدى الذي يمكن أن تصل إليه مفاعيل التحول الديمقراطي (على سبيل المثال يمكن إقرار التعددية النقابية ولكن إلى أي مدى؟ وإلى أي مدى ستستفيد المرأة المصرية من هذا التحول في ظل مساومات معقدة محتملة بين القوى المحافظة وما عداها في البرلمان ستدفع الأطراف الأضعف ومن ضمنهم المرأة بالطبع ثمنه الباهظ؟).

يأتي هذا الخيار بوصفه السيناريو الأفضل بين احتمالين سلطويين. الاحتمال الأول هو إعادة إنتاج السلطوية عبر مسار "روسي" إن جاز التعبير، أي عودة الأجهزة الأمنية لإدارة الأمور بنفس عقيدتها القديمة إذا تطور الوضع لأزمة ممتدة تفقد القوى السياسة الكثير من شرعيتها التي بنتها خلال الفترة الماضية ومن ثم يتوافر ظرف تاريخي لاستئناف عملية التفريغ السياسي مرة أخرى والذي سيجرى في مواجهة "قوى غير مسئولة أو انتهازية". في هذا السياق، قد يكون من المفيد التشديد على أن صعود بوتين إلى سدة الحكم كان نتيجة لانحطاط الدولة المتسارع لعقد من الزمان بعد انهيار الإتحاد السوفيتي. وهو الانحطاط الذي زيّن عودة الاستبداد بوصفه خيارًا منطقيًا للحفاظ على جسد الدولة من التفكك. يبدو أننا بعيدون حتى الآن عن هذا السيناريو ويتوقف الأمر على أداء البرلمان والحكومة القادمين بالطبع وإلى أي مدى سيتمكنا من التعاطي الجاد من الأزمات البنيوية التي تسم أداء مؤسسات الدولة وعلاقتها بالمجتمع. الاحتمال الثاني يتمثل في إقرار وصاية الجيش على العملية السياسية استنادًا إلى تراضى جميع الفرقاء السياسيين وفى ظل هيمنة نسبية للتيار الإسلامي يراعيها الجيش كما يراعى هذا التيار مصالح ونفوذ المؤسسة العسكرية وما تختطه لنفسها من حدود لا يمكن تجاوزها. يشبه هذا النموذج الحالة التركية في أعقاب انقلاب كنعان إيفرين 1980 وهو الوضع الذي استمر حتى بداية عقد التسعينيات أو الحالة الباكستانية المعاصرة. وهذا المسار يعترضه صعوبة التوافق مع القوى الإسلامية كما أسلفنا كما لا يقوم دليل على رغبة الجيش في لعب هذا الدور الذي يضع تماسك المؤسسة العسكرية وشرعيتها على المحك.

بعيدًا عن الأمنيات الطيبة، يبدو سيناريو الديمقراطية الهشة والمحافظة، أي ذاك السيناريو الوسط بين الاحتمالين السلطويين سابقي الشرح هو الأفضل والأجدر بالدعم من القوى الديمقراطية المختلفة أخذًا في الاعتبار ما يسمح به من الإبقاء على مساحة الفعل السياسي مفتوحة باتجاه ديمقراطية كاملة. في هذا السياق، وأخذًا في الاعتبار السوابق التاريخية السابق ذكرها، يبدو جليًا أن ترجيح هذا النموذج مرهون باستراتيجيات الفرقاء المتصارعين حاليًا. فما يسمى بمعسكر القوى المدنية بدأ يدرك متأخرًا أن تقديم أي تنازلات للجيش بهدف حمايته لمدنية الدولة هي مسألة وخيمة العواقب نتيجة ضبابية عقيدة الجيش نفسها والتي لا تشكل أي مصدر طمأنة لهذه القوى، وكذلك نتيجة ما قد يفتحه هذا الوضع من إمكانيات تسييس في صفوف القوات المسلحة قد تشكل عاملاً إضافيًا لتهديد كل من الديمقراطية الوليدة وتماسك المؤسسة العسكرية معًا. أما العبء الأكبر لترجيح هذا السيناريو فيقع بالطبع على عاتق القوى الإسلامية بوصفها تيار الأغلبية في اللحظة الراهنة. هذا التيار يتحتم عليه مواجهة إغوائين. الإغواء الأول يتمثل في الاستقواء بالأغلبية والتعامل مع الدولة كأداة استبداد تتسلط على الناس وحرياتهم وتتحول لعامل تخريب لميراث العيش المشترك بدلاً من أن تكون حاضنة للتكامل الوطني. هذا الميل، والذي تؤشر إليه تصريحات وأفعال العديد من قيادات ووجوه هذا التيار، هو الباب الخلفي لعودة الاستبداد ممثلاً في العسكر أو الأجهزة الأمنية لمواجهة ما قد يخلفه أداء الحركة الإسلامية من توترات وانعدام للاستقرار. أما الإغواء الثاني فيتمثل في الميل للتوافق مع الجيش على حساب العملية الديمقراطية ككل أملاً في مكاسب وقتية وتجنبًا "لورطة" الحكم وما تجره من استحقاقات ومسئوليات. عدّدنا في الفقرات السابقة مخاطر هذا الميل ولا داعي لتكرارها. الأمل هو في قدرة هذا التيار على إعادة إحياء مشروعه الأصلي كتيار إصلاحي يتوجه للمجتمع في المقام الأول ساعيًا لتمثيله بدلاً من السعي لتربيته أو إعادة تأهيله وما يُحتّمه ذلك من ثقة في الجمهور وقدرته على ممارسة الحكم بنفسه عبر وكلاءه دونما وصاية من رجال دين أو مؤسسة عسكرية. بعبارة أخرى، آن الأوان ليستمع التيار الإسلامي للنصائح الداعية "لعدم فرض الوصاية على إرادة الشعب" بعد أن قضى الشهور الماضية يسديها للجميع.

ولأن خيارات القوى السياسية لا تحددها نوايا أو نصائح الباحثين، يبقى الأمل معقود على قدرة الحركة الاجتماعية الجديدة عن طريق فعلها وخطابها المستقل في تشكيل مركز قوة أو قطب جديد في السياسة المصرية يرسخ من توازن الضعف نفسه ويفرض هذا التوافق على القوى السياسية المتصارعة. بعبارة أخرى، حياة الديمقراطية في مصر مرهونة بجذريتها أي بالقدرة على دفع مفاعيلها خارج حدود الجدل حول تفصيلات الانتخابات وخريطة البرلمان وإشكاليات كتابة الدستور إلى المصنع والجامعة والديوان الحكومي بل ومحيط العلاقات الأسرية.

نأمل أن تجد القوى الفاعلة على الساحة اليوم من حركات سياسية وشبابية ونقابية متنوعة، أو حتى القارئ العام، في هذا العمل دليلاً نافعًا لفهم تعقيدات المرحلة الانتقالية وكيفية الخروج منها باتجاه ديمقراطية ناجزة. ونقر بأن هذا العمل على ما بذل فيه من مجهود من قبل المشاركين في المؤتمر وفريق العمل بمركز القاهرة هو إسهام غير كافٍ أو جامع. فلا تزال العديد من جوانب عملية الانتقال تحتاج للبحث المعمق كالاقتصاد السياسي للتحول أو خريطة القوى الاجتماعية المتصارعة واستراتيجياتها. ولكننا نعتقد بأن الاشتباك مع التحديات الفكرية التي تثيرها الثورة المصرية الملهمة هو مسئولية جماعية لا يمكن أن يتصدى لها عمل بحثي واحد. ورهاننا أن الفترة المقبلة وبمجرد هدوء حد الاستقطاب السياسي القائم ستشهد إسهامات متميزة لباقي المؤسسات البحثية والحقوقية بما يشكل عامل إثراء للجدل الفكري والسياسي القائم.

المصدر: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 20 ديسمبر 2011.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة