علي الكواري - الحاجة للإصلاح في قطر

الأربعاء، 03 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 3552 مرة
علي خليفة الكواري
 
 

الحاجة للإصلاح في قطر ملحة وعاجلة وبدون القيام بالإصلاح يصعب الحديث عن التنمية. والإصلاح يتطلب بالضرورة تحديد أوجه الخلل المزمنة، والاعتراف بمظاهرها في الثقافة والمجتمع والتعليم والمالية العامة والتشريع والقضاء والإعلام والبنية التحتية والإدارة، وغيرها من القطاعات.

فوق ذلك وقبله، يحتاج الإصلاح إلى إرادة متخذ القرار، كما يحتاج إلى طلب ملح من الشعب بضرورة الإصلاح العاجل.

و أوجه الخلل الرئيسية المزمنة في قطر وفي بقية الدول الأعضاء في مجلس التعاون أربعة:

أولها: الخلل السياسي في العلاقة بين السلطة والمجتمع وغياب الديمقراطية.

ثانيها: الخلل الإنتاجي–الاقتصادي واستمرار الاعتماد على صادرات النفط.

ثالثها: الخلل الأمني واستمرار دول المنطقة مجزئة ضعيفة.

رابعتها: الخلل السكاني المتفاقم.

من هنا ينتظر من قطر، حكومة وشعبا، أن تعالج أوجه الخلل المزمنة هذه وتجعل من إصلاح مظاهرها أولوية، حتى يتم وضع التنمية على المسار السليم.

و فيما يلي نتناول أوجه الخلل المُزمنة هذه لنرى مدى الاستجابة الرسمية لها من خلال رؤية قطر الوطنية 2030 (الرؤية) وإستراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر 2011-2016 (الإستراتيجية).

الخلل السياسي:

يتمثل الخلل السياسي في غياب الديمقراطية وعدم مراعاة مبدأ المواطنة وانعدام المُشاركة السياسية الشعبية الفعالة في تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة. هذا بالرغم من نص النظام الأساس المؤقت منذ عام 1970، على أن نظام الحكم في قطر ديمقراطي. وكذلك ما نص عليه الدستور الدائم لعام 2004، مِن أن الشعب مصدر السُلطات وما أكده من فصل بين السلطات، ومساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات العامة.

ولكن واقع الحال يؤكد استمرار الحُكم المُطلق، قبل صدور الدستور الدائم وبعده ، كما بينته قراءه حديثة لي حول "حالة الديمقراطية في قطر"(1)، حيث وجدنا أن نظام الحُكم في قطر لم ينتقل بعد إلى الديمقراطية وليس من الممكن أن ينتقل إليها وفقا لدستور قطر الدائم لعام 2004, طالما استمرت بقية مواد الدستور تعطل ما ورد فيه، من كون نظام الحكم في قطر ديمقراطي وأن الشعب مصدر السُلطات. هذا إلى جانب المادة 150 التي عطلت " السلطة التشريعية " إلى حين إجراء انتخابات مجلس الشورى الموعود, الذي مَر على موعد انتخاباته أكثر من سبع سنوات حتى الآن.

في ضوء غياب الديمقراطية وانعدام المُشاركة السياسية الفعَالة، كان ينتظر من رؤية قطر وإستراتيجيتها أن تضع التنمية السياسية وضرورة الإنتقال إلى نظام حُكم ديمقراطي موعود، من بين أولوياتها وأن تُقدم تصوراً وخطة إصلاح سياسي طال انتظاره.

لكن عند قراءتنا لرؤية قطر الوطنية 2030، نجدها تُهمل الإصلاح السياسي وتسكت عن التنمية السياسية عند حديثها عن ركائز الرؤية، حيث تُعدد أوجه التنمية المطلوبة وتحصرها في "التنمية البشرية " و"التنمية الاجتماعية " و"التنمية الإقتصادية " و"التنمية البيئية " دون ذكر التنمية السياسية، بإعتبارها ركيزة رئيسية من ركائز الرؤية (2).

بالرغم من أن الرؤية تؤكد في مطلعها على أن "دولة قطر تقف على مُفترق طرق" وتُشير إلى إختيار "قطر الطريق الأمثل الذي يتماشىَ مع رغبات قيادتها وتطلعات شعبها"(3), إلا أنها لا تعتبر التنمية السياسية من ضرورات الطريق الأمثل.

وعند قراءتنا "لإستراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر 2011 – 2016"، نجدها أيضا – بطبيعة الحال – تحصُر ركائز التنمية في أربع ركائز سبق ذكرها في الرؤية، ولا تتوقف عند التنمية السياسية.

بل نجد الإستراتيجية عند حديثها عن "حفظ التُراث والثقافة القطرية وتعزيزهُما" تتوقف بشكل خاص عند هدف من أهداف الإستراتيجية لافت للنظر.

تقول الإستراتيجية "على الرغم من التغير الإجتماعي والإقتصادي الذي شهدته قطر خلال فترة قصيرة نسبياً فقد حافظ المجتمع القطري على جوهر ثقافته واستمراريته مع الماضي، التي تشمل التقيُد بالمبادئ الأساسية للإسلام، وبقَاء الوضع الاجتماعي الموروث والمحافظة على المكانة الاجتماعية للأُسر العريقة، والمحافظة على وحدة الأُسرة باعتبارها نواة المُجتمع، وإن ثمة تحدياً سياسياً ومُستمراً يتمثل في المحافظة على التوازن المُناسب بين الحياة الحديثة وقيم البلاد الثقافية والتقليدية"(4).

وإذا كان هدف التقيُد بالمبادئ الأساسية للإسلام هدف مُتفق عليه ويحظىَ بأهمية لدى المُجتمع القطري ، فإن بقاء الوضع الإجتماعي الموروث والمحافظة على المكانة الاجتماعية للأسر العريقة هدف يكتنفه الغموض, ورُبما يتعارض مع مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية التي يرتكز عليها نظام الحُكم الديمقراطي. فنظام الحُكم الديمقراطي من منطلق مبدءا المواطنة الكاملة المتساوية, لا يمُيز رسميا وماليا بين المواطنين على أساس أُسر عريقة وأُسر غير عريقة.

إذا أخذنا المادة (34) في دستور قطر لعام 2004 "المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة" مأخذ الجَد، فإن الإستراتيجية الوطنية كان عليها إصلاح العلاقة بين أهل السُلطة والنفوذ الموروث والمُجتمع على قاعدة الديمقراطية، ليُصبح جميع المواطنين من الناحية الرسمية مُتساويين وفرصهم مُتكافئة حيث تقف الدولة، باعتبارها مؤسسة على مسافة واحدة من كل مواطنيها، تاركة مسألة المكانة الاجتماعية للمُجتمع، يسبِقُها على من يقدمون له خدمات جليلة، على أن تكون المكانة الاجتماعية للأفراد فقط وإن تكون مسألة معنوية يسبغها الشعب وليست مادية أو رسمية تُكتسب بالوراثة وتميز بعض المواطنين على معظمهم.

الخلل الإنتاجي-الاقتصادي:

الخلل الإنتاجي–الاقتصادي في قطر وبقية دول مجلس التعاون، يمُثل خللاً رئيسياً مُزمناً. ويتجلىَ هذا الخلل المُزمن في المظاهر الرئيسية التالية:

أولا: الخلل الإنتاجي:ويتمثل في الاعتماد المُطلق والمُتزايد على ريع صادرات ثروة طبيعية ناضبة هي النفط الخام (الزيت والغاز الطبيعي المسال LNG ) . فمصدر كافة أوجه الدخل الرئيسية هو الريع الاقتصادي الناتج من ارتفاع سعر النفط, عشرات المرات بالنسبة لتكاليف إنتاجه. وهو خلل يتجلى في الناتج المحلي ألإجمالي وسائر الحسابات القومية الأخرى, لآن مصدر دخلها هو ريع ثروة طبيعية ناضبة وليس إنتاجية ألإفراد والمؤسسات كما هو الحال في ألاقتصاديات الإنتاجية.

نتيجة لعدم رغبة وربما عدم قُدرة كل من دول المنطقة مُنفردة على تبني سياسة نفطية وطنية تخضع بموجبها صادرات النفط لاعتبارات التنمية، فقد تم تلبيتها للطلب العالمي على النفط بشكل أعمى دون أدنى اعتبار للقدرة الاستيعابية أو الطبيعة الناضبة للثروة النفطية.

وبذلك تزايد الاعتماد على ريع النفط منذ عقود. وأصبح ريع النفط هو مصدر إيرادات الميزانية العامة والاستثمارات العامة(ألاحتياطي العام) وسائر الحسابات القومية.

ومن هنا اكتسبت قطر وبقية دول المنطقة بامتياز صفة الدولة الريعية، وأصبحت تُعاني من خلل إنتاجي مُزمن لا يصلح أمره إلا بإخضاع صادرات النفط الخام ( الزيت والغاز الطبيعي المسال) لاعتبارات التنمية الحميدة, وربط تصديرهما بنمو القدرة الاستيعابية المُنتجة لاقتصاد البلد المُصدر من أجل بناء قاعدة اقتصادية تكون بديلة للاعتماد على صادرات النفط الخام تدريجياً.

وهذا الخلل الإنتاجي وبقية أوجه الخلل المزمنة هو ما جعلنا مُنذ عقدين نصف نمط التنمية النفطية بـ" تنمية الضياع "(5). وذلك نتيجة لاستنزافها الموارد النفطية الناضبة وكافة الموارد الطبيعية دون بناء قاعدة اقتصادية بديلة, ونتيجة لاقتلاعها جذور المُجتمع الوطني وطمسٌ هويته مع الأسف بسبب استمرار الخلل السكاني وتفاقم أبعاده الخطرة. وهذا النمط من " تنمية الضياع " تكٌرس –مع ألأسف- في المنطقة بدل أن يتم الإلتفات إلى خطورته والعمل على تغيير المسار.

ثانيا: الاختلالات الاقتصادية المُصاحبة للاعتماد على ريع النفط وبقاء النُظم السياسية دون مراقبة ومحاسبة شعبية:  وأهم هذه الاختلالات وأخطرها:

الخلط بين المال العام والمال الخاص، وغياب الشفافية تجاهه لدرجة اعتبار الميزانية العامة والاحتياطي العام سرا على المواطنين. الأمر الذي أدى إلى الكثير من التسرب و الهدر وسوء تخصيص عائدات النفط، كما أدى إلى تخلُف سياسات إعادة تدويرها داخلياً وخارجياً. فباستثناء الكويت مُنذ صدور دستور 1962، لا تنشُر قطر ولا بقية دول المنطقة حسابات ختامية للميزانية العامة ولا حسابات مُدققة للاحتياطي العام ولا تنشُر تقارير ديوان المحاسبة إن وجدت.

وفي دراسة حديثة لي, لاحظت من بيانات معهد المالية الدولية IIF التابع لصندوق النقد الدولي أن نسب التسرُب من عائدات النفط – المبالغ التي لم تدخل الميزانيات العامة- بلغت 50% من إجمالي عائدات النفط في قطر، وناهزت الربع في بقية دول مجلس التعاون باستثناء الكويت(6). وإلى جانب هذا التسرُب نجد نسبة قد تصل إلى 50% من الميزانيات العامة التقديرية في دول المنطقة باستثناء الكويت، قد تم إنفاقها على مخصصات وعطايا وهبات دون وجود جدوى عامة تبرر تخصيصها لأوجه الصرف هذه.

وإذا أمعنا النظر في حوالي الربع الباقي من عائدات النفط الذي يُمكن أن يُطلق عليه نفقات عامة نجد أن مُعظمها ذهب إلى دعم الإستهلاك وإخفاء فشل نمط التنمية, ولم يُستفاد من معظمه في تكوين نشاطات إنتاجية وإطلاق طاقات المواطنين من أجل بدء عملية تنمية مستدامة.

ثالثا: الخلل في قوة العمل: والذي سبق الحديث عنه، حيث تدنت بسبب التوجهات الاستهلاكية نسبة مُساهمة المواطنين في إجمالي قوة العمل في قطر إلى 6% فقط ، قسم كبير منها يتصف توظيفه بالبطالة المُقنعة، لتغطية فشل الدولة في إيجاد وظائف مُنتجة وإعداد المواطنين لشغلها.

إن الحديث عن التنمية دون إصلاح إنتاجي-اقتصادي يسبقها, هو إقرار لنمط " تنمية الضياع " وتكريسٌ له حتى يبلُغ نتائجه المُدمرة عندما يستنضب النفط دون بناء قاعدة اقتصادية بديلة، وعندما تتحول الثروة النفطية العامة إلى ثروات خاصة, يرثها ألأبناء عن ألإباء, ويتحقق - والعياذُ بالله – اقتلاع جذور المجتمع القطري نتيجة للاعتماد على الوافدين بشكل إستراتيجي يؤدي إلى إلغاء فرصة عودة المُجتمع القطري لمُمارسة دورهِ باعتباره التيار الرئيسي في الدولة.

فهل اعترفت رؤية قطر وإستراتيجيتها بالخلل الإنتاجي–الاقتصادي؟. وهل قدمت الحلول لمُعالجة مظاهره عبر عملية إصلاح جذري يمُهد لبدء عملية تنمية حميدة بدلاً من نمط " تنمية الضياع" الراهَن ؟.

تذكُر رؤية قطر تحديات مستقبلية تتمثل في الموازنة بين الخيارات المُتاحة. وتذكُر منها في المجال الاقتصادي ما يلي:(7)

احتياجات الجيل الحالي واحتياجات الأجيال القادمة.
النمو المُستهدف والتوسع غير المُنضبط.
مسار التنمية وحجم ونوعية العمالة الوافدة المُستهدفة.
التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحماية البيئة وتنميتها.

ولكن الرؤية لا تحدد هذه الخيارات، حيث لا تتوقف رؤية قطر عند الخلل الإنتاجي–الاقتصادي ولا تعترف بمظاهرهُ السابق ذِكرها، وإنما تبدأ الحديث عن التنمية الاقتصادية بشكل يوحي ضمنياً بمواصلة نمط "التنمية الراهن" دون التوقف عند ضرورة إصلاح أوجه الخل الإنتاجي-الاقتصادي.

وتخلُص الرؤية إلى أن الغايات المُستهدفة " للتنمية الاقتصادية " هي:(8)

الإدارة الاقتصادية السليمة: الاستغلال المسئول للنفط والغاز: التنويع الاقتصادي المُناسب.

وهذه غايات عامة لا تفيد بإصلاح الخلل الإنتاجي-ألاقتصادي, وربما تكرس نمط التنمية الراهن بدل إصلاحه.

كما تبدأ إستراتيجية التنمية الوطنية 2011 – 2016(9)، التأكيد بأن قطر أقامت "أساساً متيناً يُمكنها من تنفيذ إستراتيجية التنمية الوطنية". وهذه مسألة تحتاج إلى مناقشة.

و لكن الإستراتيجية تقر باستمرار أثر تغيرات أسعار النفط على المشهد الاستشرافي. وتقول " إن التنبؤ بالمستقبل عملية تكتنفُها الخطورة دائماً "(10). وبذلك تُفصح الإستراتيجية أن مُهمتها ليست إعادة صياغة المُستقبل وإنما التنبؤ به!.

وتُضيف الإستراتيجية أنه "بالإضافة إلى التعامل مع حالة عدم اليقين، سوف تواجه دولة قطر قيوداً شديدة على الموارد البشرية والمؤسسية، والتي يمكن أن تؤثر على إمكانية تنفيذ إستراتيجية التنمية الوطنية "(11).

وتُلخص الإستراتيجية مقترحاتها لتعزيز الازدهار المُستدام كما يلي ص24 :

و يلاحظ على ألإستراتيجية مواصلة الغموض الرسمي حول المال العام وعدد المواطنين خاصة. و من قراءة إحصاءات أوردتها الإستراتيجية, نجد فقط رسما بيانيا لإجمالي إيرادات الحكومة والنفقات الحكومية في الشكل 2- 4. ولكننا لا نجد إحصاءات لإجمالي عائدات النفط والغاز حتى نتأكد من توريد كافة عائدات النفط للميزانية العامة.

ما إننا لا نجد تفصيلاً قطاعياً للإيرادات والنفقات الحكومية العامة كي نعرف حجم المخصصات والعطايا والهبات وأمثالها من نفقات الميزانية العامة, ولا نجد إحصاءات حول إجمالي الاحتياطي العام ولا لأوجه إستثماره ولا أرباحه السنوية، وكذلك لا نجد ذكراً لعدد المواطنين ونسبتهم في عدد السكان. فهذه مجالات مسكوت عنها وتُعتبر سراً من أسرار الدولة, لا يحق للمواطنين معرفته.

الخلل الأمنــي:

يتمثل الخلل الأمني في عدم قدرة الدول على الدفاع عن نفسها و أنما تبعيتها لقوى أجنبية وارتباطها بمُعاهدات تُجيز إقامة قواعد عسكرية ووجود قوات أجنبية لدول عظمى على أراضيها.
وقد كان هذا هو الحال في أغلب الدول الأعضاء في مجلس التعاون أيام الحماية البريطانية وبعد الاستقلال, عدا قطر. وقد تكرس ذلك بعد حرب الخليج الثانية عام1991 وأصبح عاماً وشاملاً مُنذ غزو العراق في عام 2003، حيث شاركت تلك القواعد والقوات العسكرية ألأجنبية في الحرب على العراق واحتلاله دون قُدرة دول المنطقة - حتى وإن رغبت - الوقوف على الحياد وعدم المُشاركة في المجهود الحربي, لاعتبارات الجوار وروابط الأخوة والمصالح بعيدة المدى لشعوبها.

وهذا الخلل الأمني بسبب صغر وضعف دول المنطقة ألزمها بمُعاداة الدول التي يعاديها من يمُلك القواعد على أرضيها, وتحمُل وزر الصراعات العسكرية ومخاطر المخزون من أسلحة الدمار الشامل و الحروب الشرسة التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل, وتعريض شعوبها واقتصادها وعلاقات حُسن الجوار للخطر, لمصلحة دول أجنبية لا تستطيع دول المنطقة ألتأثير على قراراتها ألإستراتيجية.

وإذا كان من الصعوبة بمكان أن توفر كل من دول المنطقة مُتطلبات الأمن الوطني مُنفردة ، فإن الحل الوحيد يتمثل في تجسيد كيان إتحادي بين منظومة دول مجلس التعاون يتوفر له الحد الأدنى من القدرة على بناء منظومة دفاعية، كما تتوفر له شروط التنمية الحميدة المُستدامة.

فهل تعرضت رؤية قطر وإستراتيجيتها إلى هذا الخلل الأمني وإلى أي حد بدت التطلعُات لمُعالجة هذا الخلل المُزمن من خلال إندماج أقطار مجلس التعاون في كيان موحد يوفر مُتطلبات الأمن وشروط بدء عملية التنمية المُستدامة.

تسكُت رؤية قطر عن الخلل الأمني ولا تتوقف عند إشكالية وجود قواعد عسكرية وقوات أجنبية على أرض قطر. فلا نجد الخلل الأمني بين التحديات ولا نجد إشارة لأهمية توفير مُتطلبات الأمن الإقليمي الذاتي في إطار الأمن القومي العربي.

ولذلك نجد إستراتيجية التنمية الوطنية 2011-2016 تسكُت أيضا و بشكل مُطبق عن هذا التحدي ولا تتناول أي جانب من جوانب الدفاع وألأمن ألإقليمي, ولا ضرورات العمل المشترك والوصول بالتعاون بين أقطار مجلس التعاون إلى وحدة دولها كما تنص المادة الرابعة من النظام ألأساسي للمجلس، وذلك باعتبار اندماج دول مجلس التعاون في كيان سياسي موحد مثل إتحاد ماليزيا على سبيل المثال, هو المدخل الإستراتيجي لتوفير مُتطلبات الأمن الإقليمي والتنمية الحميدة المُستدامة.


الخلل السكاني:

الخلل السكاني المُزمن والمتفاقم في قطر والذي أدى إلى تدني نسبة المواطنين في أجمالي السكان من 40% عام 1970 إلى 12% فقط عام 2010، هو أخطر أوجه الخلل المُزمنة وأكبرها تحدياً وأكثرها إلحاحاً وأحقها بالأولية في الإصلاح الجذري.

إن استمرار هذا الخلل السكاني يُهدد اليوم باقتلاع المجتمع القطري وطمس هويته وثقافته وإخراج لغته العربية من التداول, وتقويض دور المواطنين باعتبار دور المواطنين في أي بلد مُعافى يجب أن يكون هو الدور الرئيسي في الدولة, والمواطنون هم قيادات وكوادر الإدارة بشكل عام والإدارة العامة على وجه الخصوص.

و جدير بالذكر أن الخلل السكاني في قطر, على المستوى الأهلي والرسمي, كان قضية مُعترف بها منذ فترة طويلة, وإصلاحه كان شعاراً مطروحاً عبر نصف قرن من الزمن ، حتى نبهتنا أخيرا إستراتيجية التنمية في قطر على تغير جوهري في النظرة الرسمية تجاه قضية الخلل السكاني.

حيث أصبح الخلل السكاني في الرؤية والإستراتيجية أمراً مسكوتا عنه, إذا لم نقل مرغوباً فيه، والحديث أصبح يتركز على سكان قطر على الإطلاق دون ذكر حتى لعدد المواطنين ولا نسبتهم في إجمالي السكان.  وكأني بهذا التوجه يدفع بأهل قطر أن يتحولوا من مواطنين لهم حقوق المواطنة إلى مُجرد فئة ضئيلة من السكان، يجب عليهم أن يتنافسوا مع الوافدين على فرص العمل والتعليم والرعاية الإجتماعية، وأن يكون ذلك بلغة غير لغتهم العربية.

لعل قانون الجنسية الجديد لعام 2005 يمُهد لتحويل أغلب المواطنين إلى سكان لا يتمتعون بحقوق المواطنة. كما عطلت المادة 150 من الدستور الحقوق السياسة ألموعودة لبقية المواطنين, على قلتها.

وحين نصف الوضع السكاني في قطر بالوضع المُختل وندعو إلى ضرورة إصلاحه بشكل عاجل، فإننا نتحدث عن وضع أصبح فيه عدد المواطنين يُقدر بحوالي 230 ألف نسمة من عدد السكان البالغ 1.64 مليون نسمة عام 2010(12), ونسبتهم في إجمالي السكان 12% فقط مقارنة بحوالي 30% عام 2004.

كما أن إجمالي قوة العمل ألتي تصاعدت من 323 ألف عام 2001 إلى 1.265 مليون عام 2009، تدنت نسبة مُساهمة المواطنون فيها من 14% عام 2001 إلى 6% فقط عام 2009(13). والسبب الرئيسي لذلك يعود إلى السياسة الرسمية منذ 2004 المُتمثلة في التوسع العقاري وما نتج عنه من مشروعات عقارية ضخمة وما تطلبه من بنية أساسي, بهدف بيع مساكن استثمارية مقابل منح المُشترين أقامات دائمة بصرف النظر عن حاجة العمل إليهم.

بذلك أصبحت مصادر استمرار الخلل السكاني المستقبلية, ليست الحاجة التقليدية للعمالة الوافدة فقط وإنما الخيار الرسمي غير المبرر, الذي تجلى في سياسة التوسع العقاري وبناء المدن والأحياء الجديدة لغير حاجة المواطنين والوافدين للعمل، وإنما لاستقدام سكاناً آخرين جُدد (مستوطنين) يُشجعون على شراء المساكن الاستثمارية مقابل منحهم أقامات دائمة هم وأسرُهم بصرف النظر عن حصولهم على تأشيرة زيارة عمل مثل بقية الوافدين للعمل.

وجدير بالتأكيد إن الوضع السكاني المُختل لا يجوز له أن يستمر من منظور وطني، وليس له شبيهاً اليوم في أي دولة كبيرة أو صغيرة عدى شقيقتنا دولة الإمارات العربية المُتحدة .
فليس هناك شعب أو مجتمع يمكنه أن يستوعب عدد من الوافدين يفوق عدد المواطنين، فما بالك بثمانية أضعاف المواطنين، وفي نفس الوقت يشجع نشاطات عبثية تؤدي إلى مزيداً من تدفق الوافدين حتى يتم تقوض دور المواطنين وطمُس هويتهم وتغيِيب لغتهم. ولعل قرأتنا التالية لمنطوق الإستراتيجية ودلالته، توضح لنا توجهاتها بصدد الخلل السكاني.

صف الإستراتيجية زيادة السكان المحتملة من 1.64 مليون نسمة مع نهاية 2010 إلى 1.9 مليون نسمة عام 2016, والبالغة (260 ألف نسمة ) -زيادة يفوق عددها عدد المواطنين-، بالزيادة المتواضعة في عدد السكان(14).

ويبدو أن الإستراتيجية تنظر للعمالة الوافدة التي تبلغ 94% من إجمالي قوة العمل في قطر في الوقت الحاضر, بأنها ليست ضرورة مؤقتة يتم تدريجياً إحلال قوة العمل المواطنة محل قسم منها حيث أمكن ، ولذلك تؤكد على أهمية الاحتفاظ بها في أكثر من موضع.

وبدل أن نجد الإستراتيجية –كما يجب- معنية بتجميد عدد الوافدين ومن ثم تخفيضه تدريجيا. وذلك لزيادة نسبة المواطنين في السكان وفي قوة العمل بواحد في المائة سنوياً مثلاً, حتى تصل نسبة المواطنين في نهاية فترة الرؤية عام 2030 إلى حوالي 50% من السكان ، نجد الإستراتيجية تُبشرنا بزيادات كبيرة في العمالة الوافدة, إذا أستمر تدني الأجور في القطاع الخاص.

وتقول الإستراتيجية -نتيجة انعدام التخطيط لبلوغ أهداف مُحددة- " ولكن إذا أستمر تدني الأجور في القطاع الخاص، فمن شأن ذلك أن يُرسخ الانحياز إلى تقانات كثيفة العمالة ، وأن يدفع نحو اتجاه يفضي في المستقبل إلى عدد سكان أكبر لكن أقل مهارة "(15).

وفي كل الأحوال فإن عدم يقين الإستراتيجية يتعدى أسلوب الإنتاج إلى القرارات السياسية المُفاجئة وتقول " وإن توقيت وحجم الأنشطة المُرتبطة بالتحضيرات لكأس العالم 2022 سيضيف عنصراً أخر من عدم اليقين حول تنبؤات عدد السكان في المستقبل "(15).

ومما يستحق الوقوف عنده والنظر فيه هو عدم وجود عدد مُحدد لسكان قطر عند نهاية فترة رؤية قطر الوطنية 2030، فعدد السكان مفتوح للزيادة دون سقف وتركيبهم متروك من حيث الجنسية واللغة والثقافة, ومفتوح لكل المؤثرات والتوجهات العشوائية. وهذه حالة شاذة بين دول العالم, فأول المعطيات ألتي تؤسس خطط التنمية عليها -في العادة- في آي دولة هي عدد السكان المستهدف وتركيبهم, بما يحقق مصالح المواطنين ويصون أمن المجتمع.

ولذلك نجد تقديرات سكان قطر في المستقبل, تتغير من جهة حكومية إلى أخرى حيث يحكم كل تقدير منها توجهات القائمين على تلك الجهة الحكومية. فعلى سبيل المثال عند حديث الإستراتيجية عن " مترو الدوحة "، نجدها غير مُتفقة مع تقديرات شبكة مترو الدوحة. ولذلك تقول "بيد أن حجم المشروع ومداه يعتمدان على إسقاطات غير واقعية لعدد السكان ولزيادة حركة المُسافرين"(33).

هذا يؤكد عدم وجود حجم سكاني مُحدد في رؤية قطر وإستراتيجيتها, ولذلك نجد أن هناك إسقاطات وسيناريوهات لحجم السكان لدى جهات حكومية هامة ومؤثرة مثل شركة الديار, تختلف كثيراً عن تقديرات وإسقاطات الهيئة العامة للتخطيط التنموي, المسئولة عن الإستراتيجية السكانية والتي وضعت إستراتيجية التنمية الوطنية.

وجديرً بالذكر أن حكومة قطر في منتصف عام 2011 وبالرغم من تحذيرات الإستراتيجية, أنشأت شركة الريل ( القطار والمترو ) لتنفيذ الخطة التي اعترضت على تقديراتها وإسقاطات السكان فيها الهيئة العامة للتخطيط التنموي.

خاتمة

وكلمة الختام توجب علينا النظر إلى ألمستقبل بالرغم من مرارة الحاضر. والنظر للمستقبل يوجب علينا القول أن وجود دستور وروية وإستراتجية في قطر هو بداية طيبة في جهود بناء الدول. وعلينا أن نتفاعل مع ذلك بالرأي والحجة من منطلق المصلحة العامة.

وجود هذه الوثائق الهامة فتح للقطرين المجال لمناقشة الحكومة ولفت نظرها إلى المسكوت عنه. كما أتاح الفرصة لدعوة الحكومة لإجراء حوار وطني من أجل إستكمال هذه الوثائق وتنقيحها بما يحقق انتقال قطر إلى نظام حكم ديمقراطي و مشاركة سياسية فعالة. ومن خلال الممارسة الديمقراطية سوف يشارك شعب قطر بفاعلية مع القيادة في إعادة صياغة رؤية قطر الوطنية 2030 و يتحمل عبئ وضع وتنفيذ إستراتيجية دولة قطر للتنمية الوطنية من خلال كوادر قطرية, مبتدءا بتحديد أوجه الخلل المزمنة وتقديم البرامج لإصلاحها من أجل بدء عملية تنمية حميدة مستدامة.

ويبقى لي في الختام أن أكد أن النظر للمستقبل يتطلب بالضرورة استجابة من الحكومة وسماع الرأي ألأخر و تكريس حرية التعبير والقبول بحوار وطني جاد حول دستور قطر ورؤيتها وإستراتيجيتها. كما يتطلب صدقا وجدية من الشعب ومسئولية وطنية ممن يدركون المخاطر وقادرين على قول كلمة الصدق. فمصير قطر وأهلها في الميزان والزمن ليس في صالحهم. فليس من الممكن بقاء الحال على ما هو عليه.

الملاحظات والمراجع:

1- علي خليفه الكواري، حالة الديمقراطية في قطر في: علي خليفه الكواري، العين بصيرة... منتدى المعرفة، بيروت 2011 ص 139-171
2- الرؤية، ص8
3- الرؤية ص (1)
4- الإستراتيجية ص (29)
5- علي خليفه الكواري، تنمية للضياع أم ضياع لفرص التنمية؟، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1996.
6- علي خليفه الكواري، الطفرة النفطية الثالثة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2009. ص(84)
7- الرؤية ص (3)
8- الرؤية ص (22)
9- الإستراتيجية ص2
10- الإستراتيجية ص (5)
11- الإستراتيجية ص (6)
12- الإستراتيجية ص (5)
13- الإستراتيجية ص (143)
14- الإستراتيجية ص (5)
15- الإستراتيجية ص (50-51)

 

*ورقة أعدت للقاء الاثنين (7) بدار الدكتور علي خليفه الكواري، وقدمت بتاريخ 19-9-2011. وهذه الورقة جزء من بحث يعنون "رؤى واستراتيجيات دول مجلس التعاون من منظور الإصلاح: حالة قطر"

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة