طباعة
02/12/2021

التغيير قادم إلى دول الخليج.. عاجلاً أم آجلاً

آخر تحديث: الإثنين، 30 تشرين2/نوفمبر -0001
عمر الشهابي
 
 

يظن الكثيرون أن أنظمة دول الخليج العربية في منأى عن التغييرات التي طالت ولا زالت تطال الدول العربية الأخرى. يرتكز هذا الظن في الأساس على العائدات النفطية الهائلة المتوفرة لديها، والدعم الأمني والسياسي الغربي لها، وتحكمها المطلق على كل الأجهزة العسكرية والأمنية المحلية. هذا بالإضافة إلى عدد مواطنيها القليل نسبيًا والركود النسبي في مستوى النشاط السياسي في بعض أقطاره (باستثناء البحرين والكويت وعمأن). وأن دلت الاحتجاجات التي وصلت إلى ضفاف دول الخليج على شيء، فهي تبين مقدرة الأنظمة على السيطرة على زمام الأمور والقدرة التكيفية الهائلة لديها عند مواجهة أي تحركات محلية مهما بلغ حجمها.

صحيح أن لدى دول الخليج خصوصيات قد تجعلها حالات فريدة على المستوى العالمي، لكن يخطئ من يظن أنها في معزل عن التغيير. بل هذه الخصوصيات أن لم يتم التطرق اليها جذريًا وسريعًا قد تجعل التغيير يأخذ منحنى حادًا ومتفجرًا من الصعب التنبؤ به أو مداه أو تبعاته، لكن التطورات على أرض الواقع تنذر بأن التغيير قادم لا محالة.

تم تناول خصوصيات حالة دول مجلس التعاون بإسهاب من قبل أطراف عدة مسبقا، وهي ليست بالطرح الجديد على الساحة. هذا رغم أن الدخل والبذخ الذي تراكم في الطفرة النفطية الأخيرة قد خلق عند البعض، وهما زائفا بأن هذه الخصوصيات قد تم تخطيها أو أنها لم تعد مهمة. لقد لخص د. على الكواري بشكل أنيق ومسهب هذه الخصوصيات عندما سماها ب «اوجه الخلل المزمنة الاربعة» التي تواجه دول المنطقة. أولها هو الخلل السياسي، والذي يكمن في الاستئثار شبه المطلق من قبل النخبة الحاكمة بالقرار السياسي والحكم. ثانيها هو الخلل الاقتصادي، حيت تتواصل الاعتمادية شبه المطلقة على العائدات من النفط كمرتكز اقتصاديات المنطقة. ثالث أوجه الخلل المزمنة هو الخلل السكاني، المتمثل في الاعتماد المكثف على الوافدين للإنتاج ولتحريك اقتصاد المنطقة، حتى وصل الحال بأن شكل الوافدين غالبية السكان في أربعة من دول المجلس الستة. أخيرًا هناك الخلل الأمني المستفحل، وهو «الاتكالية الحادة» على القوى الغربية لتزويد الحماية والدعم السياسي والأمني والعسكري لدول المنطقة.

تترابط اوجه الخلل المزمنة الأربعة وتغذي بعضها البعض في تفاعل وجدلية مستمرة، فالعوائد الهائلة من النفط هي السبب الرئيسي لاهتمام الغرب بالمنطقة. النفط أيضا هو المورد الرئيسي الذي منح متخذي القرار الاستقلالية المادية محليًا، والتي خلصتها من الاعتماد على شعوبها اقتصاديا، وسمحت بترسيخ دولة ريعية تتكون غالبية سوق العمل فيها من الوافدين. كل هذه العوامل مجتمعة أدت الى تكون ما سماه الباحث الإماراتي محمد عبيد غباش بـ«سلطة أكثر من مطلقة،مجتمع أقل من عاجز».

يشكل «كوكتيل» أوجه الخلل المزمنة هذه خلطة فريدة عالميا في حدتها وترابطها. هذه «الخصوصية» أدى بالكثيرين إلى تحليلها كنقاط قوة للأنظمة السياسية، ساعدت في ترسيخ دعائم حكمها واستمراريتها وقدرتها البقائية. فالاستئثار شبه المطلق بالسلطة والدعم الغربي والموارد المادية الجبارة وضعف المواطنين (والوافدين) من الناحية السياسية والاقتصادية والأمنية يجعل إمكانية التغيير شبه معدومة.

ما بودي طرحه في هذه السلسلة من المقالات هو التالي: ربما كانت أوجه الخلل المزمنة مصدر استقرار في دول وأنظمة الخليج على مدى العقود القليلة الماضية، إلا أنها ستكون مصدر اضطرابات وتغيرات حادة في المستقبل الليس ببعيد جدًا. فتسميتها بأوجه خلل مزمنة لا يأتي من فراغ، فهذه التسمية لا تعني فقط أن الشعوب هي من تحس بتبعات اوجه الخلل المزمنة، بينما الأنظمة محصنة منها. بل هي أوجه خلل مزمنة، تحديدا لأنها تجذرت في مجتمعات المنطقة، وأن استمرت في التراكم فهي تنذر بتغيرات جذرية وحادة ستشمل بتبعاتها كل مكونات المجتمع. وهدفنا في هذه السلسلة من المقالات هي تسليط الضوء على هذه العوامل الجذرية التي أنغرست في مجتمعات دول المجلس التعاون والتبعات المتوقعة منها.

ما بينته التطورات على مدى السنوات القليلة الماضية هو تقلص قدرة الأنظمة الحاكمة في التحكم والسيطرة على مجريات الأمور في نطاقها الأوسع، خاصة أن أعمدة أوجه الخلل المزمنة قد تم إرساؤها بشكل معمق، بحيث أصبح من الصعب جدا التطرق إليها دون مجهود جبار، وحيث باتت الحلول الترقيعية والتدريجية عقيمة. فالاعتمادية شبه المطلقة على العوائد المتدفقة من النفط ترسخت بشكل جذري في مجتمعات الخليج، وكذلك الاعتمادية على الوافدين لتحريك الاقتصاد، ونفس المنطق ينطبق على بقية أوجه الخلل المزمنة. هذه العوامل لا يمكن مواجهتها إلا ببرنامج إصلاح جذري لمجتمعات واقتصاديات الخليج، وحاليا لا توجد مؤشرات على حصول ذلك.

من الصعب جدا التنبؤ بكيف ومتى سيكون هذا التغيير وأي شكل سيأخذ ، فحدة أوجه الخلل المزمنة في دول المجلس تجعل «الكوكتيل» قويا ومركبا و من الصعب التكهن بطريقة تفاعله. لكن استمرار أوجه الخلل المزمنة على حالها بلا تغيير يبدو أمرا مستبعدا. فالتغيرات والتضادات على أرض الواقع نادرًا ما تسير في خطوط مستقيمة مرسومة، حيث تتفجر بطرق وأشكال مفاجئة غير معدة مسبقا.

احتمال كبير أن التغيير الجذري سيحل بالخليج عند انحسار أهمية النفط عالميا، وبناء على أن عمر النفط في دول الخليج لا يزال يمتد لنصف قرن على الأقل، «فالدرب لسه طويل». قد يكون الأمر كذلك، لكن التفاعلات المتراكمة على أرض الواقع تنذر بأن التغيير قد يأتي قبل ذلك بكثير، وغير معلوم أي منحنى سيأخذ لأن حتى الكلام في هذه الأمور يعتبر حاليا من الممنوعات والمحرمات السياسية. تبعات هذه الأمور مصيرية لكل أبناء المنطقة، ولا يمكن تركها على بركة تقدير متخذي القرار فقط. لذلك أصبح من الملح والواجب على أبناء المنطقة مناقشة الواقع والنظر إلى المستقبل بتحليل منهجي صريح دون أي مجاملات. وهذه السلسلة من المقالات هي محاولة لفتح النقاش في هذا الإطار.

المصدر: المصري اليوم، 8 أكتوبر 2012.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

هذا المحتوى مطبوع من موقع الجماعة العربية للديمقراطية

Copyright © 2021 Arabsfordemocracy. All rights reserved