من رؤى الشيخ راشد الغنوشي

الثلاثاء، 02 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 2435 مرة

تتضمن هذه الصفحة مداخلات مختارة للشيخ راشد الغنوشي رئيس حزب حركة النهضة التونسية، والتي قدمت خلال اللقاءات السنوية لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية. وتحتوي الصفحة تعقيبات ومداخلات قدمها مشاركون آخرون، وذات علاقة بمداخلات الشيخ الغنوشي. وسيتم تحديثها تدريجيا..

والشيخ راشد الغنوشي كان من أكثر المفكرين والناشطين حضورا لأعمال مشروع دراسات الديمقراطية بأكسفورد وخاصة في السنوات العشر الأخيرة.

ونظرا لملاحقة أعمال وكتابات الشيخ في تونس إبان العهد البائد، فقد اختار الدكتور علي خليفه الكواري اسمًا مستعارًا له هو "صادق الشيخ". وقد ظهرت عدة كتب وبها مداخلات الشيخ بهذا الإسم المستعار.

تعقيب الشيخ الغنوشي على ورقة التكتل على قاعدة الديمقراطية في الجمهورية اليمنية للدكتور عبدالله الفقيه (نشر ضمن كتاب نحو كتلة تاريخية ديمقراطية في البلدان العربية،2010):

أشكر د. علي والإخوان الذين قاموا بهذا المشروع وواصلوا فيه، لأن أعمالنا نحن العرب لا تتسم بالدأب علي التواصل، فاستمرار التواصل يعطينا أمل في الديمقراطية في العالم العربي، ولدي بعض الملاحظات القصيرة:

أولاً: أنا معجب بالتجربة اليمنية ليس فقط لأسباب دينية، فقد ورد في الأحاديث النبوية ثناءٌ عجيب علي أهل اليمن، ووصف أهل اليمن بالحكمة. حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال الحكمة يمنية. ما كنت أتصور أنه يمكن للحزب الإشتراكي (الشيوعي سابقًا) والإخوان المسلمين الذين تحاربوا ليس بالكلمات وإنما تحاربوا وسالت الدماء بين الفريقين، عندما انحاز الإخوان إلي الشمال في معركته ضد الإنفصاليين وكان الحزب الإشتراكي في الطرف الآخر. ولكن انتهي الأمر فعلاً إلي أن يلتقي الطرفان وأن يؤسسا هذا اللقاء المشترك ومعهم أيضًا الحزب الناصري، بل وهناك طرف شيعي في هذا اللقاء المشترك. هذا نموذج نادر في العالم العربي. ففي مصر مثلاً لم نستطع أن نري تكتل حقيقي يجمع الإخوان مع الأطراف الأخرى. وفي تونس، نحن نسير في هذا الطريق بصعوبة كبيرة. بينما في اليمن هذا الأمر أصبح ميسورًا، ولذلك فأنا عمومًا متفاءل بمستقبل اليمن، لأن هناك تجربة في إدارة للاختلاف تعتبر نموذجية بين أحزاب المعارضة. فمن العوائق الكبيرة أمام الديمقراطية في العالم العربي عائق معارضة المعارضة، فبدلاً من أن تتجه قوى المعارضة كلها لمعارضة المستبد الذي يسحق الجميع، فإن كثيرًا من السهام تتجه في الإتجاه الآخر. أهل اليمن استطاعوا توجيه سهامهم في الاتجاه الصحيح ضد المستبد، واستطاعوا انتزاع أقدار لا بأس بها من حريات الشعب اليمني قل أن يتمتع بها شعب عربي آخر.

ربما سبب ذلك يرتبط ب بالبني الاجتماعية لليمن وتكونها من قبائل، ففي كثير من الأحيان القبيلة وجدت من النخبة جلْدا متواصلاً، بينما في الحقيقة القبيلة هي مقوم أساسي من مقومات الحرية أو ما تتمتع به أحزاب المعارضة من حرية. أي ليس حاكم اليمن متسامحًا بالقياس إلي إخوانه الحكام العرب ولكن حاكم اليمن انتزعت منه القبيلة الحرية. وعندما زرت اليمن قلت لهم عندكم أمران حرمنا منهم هما: القبيلة التي لا يجب التفريط بها، وشعب مسلح. فالحرية عندهم محمية بالحراب وليس بالنوايا الطيبة. صحيح الدولة الحديثة بمفهومها المتعارف هي التي تحتكر السلاح، لكن في الأصل تحتكره لتدافع به عن الشعب، أما في الدول العربية فالاحتكار عامل سحق للشعوب وإذلالها. في اليمن هناك دولة مسلحة وهناك قبيلة مسلحة، ولذلك فهناك توازن قوي بين الدولة والقبيلة، وهذا التوازن هو الذي سمح للمجتمع المدني أن يتنفس وهذا مقوم موضوعي.

ما أريد أن أقوله هو أن هذا اللقاء المشترك هو ترجمة للبنية اليمنية من جهة، وترجمة لمستوي الوعي عند الفاعلين السياسيين الذين استطاعوا أن يوجهوا سهامهم نحو الاتجاه الصحيح من جهة أخرى. لكن السؤال: لا يبدو هناك أفق واضح للقاء المشترك، أي ماذا يريد؟ هل يملك مشروعًا للتغيير؟ حتى الآن ليس، فيما أعلم، هناك مطالب حقيقية. صحيح وقعت منافسة للرئيس وهذا نجاح مهم أن تتفق كل قوى المعارضة علي مرشح واحد. فنحن في تونس، رغم هزلية الانتخابات، إلا أن المعارضة لم تستطع الاتفاق علي تقديم مرشح واحد. لكن الحكمة اليمنية استطاعت تقديم مرشح واحد. ولكن تعود الناس علي أن هذه الانتخابات تزيف، فما الحل؟ هل هنالك اتجاه نحو استخدام الشارع لفرض التغيير؟ أم يظل الرهان علي آلية ديمقراطية تتحكم فيها السلطة؟ وهذا مشكل.


تعقيب الشيخ الغنوشي على ورقة الدكتور عبدالوهاب الأفندي بعنوان البحث عن ديموقراطيين بلا ديموقراطية (نشر ضمن كتاب نحو كتلة تاريخية ديمقراطية في البلدان العربية،2010):

بسم الله. أشكر صديقي الأفندي، وأود بداية الإشارة إلى أنه يحسب لهذا الرجل أنه كان من المبكرين في السودان الذين رأوا أن تجربة الإنقاذ متجهة بالبلاد إلي مخاطر. فبرغم أنه محسوب على السياق الإسلامي، إلا أنه رفع صوته منبهًا إلي الانحراف الحاصل.

لعل الفكرة الرئيسية التي تحدث عنها د.عبدالوهاب، في تعريفه للديمقراطية، هو تعريفها بالهدف، والذي هو تأسيس نظام سياسي يسع الجميع. وكلما وجدنا نظاما سياسيا يسع الجميع، فهذا هو الوضع السياسي المثالي أو النموذجي أو المطلوب، وكلما وجدنا - بالعكس - سجونا ممتلئة بالمخالفين وقمعا واختناقا اقتصاديا، فإننا نكون أمام نظام لا يمكن وصفه بالديمقراطية. وأقول أيضًا أنه لا يمكن أن ينسب إلي الإسلام. فأي نظام لا يسع كل أهله لا يمكن أن ينتسب لا إلي الديمقراطية ولا إلي الإسلام. فحتى النماذج التاريخية للإسلام علي امتداد التاريخ، علي استبدادها، تسع كل أهلها، كل الطوائف المختلفة والمسيحيين واليزيديين وكل الاتجاهات.

ولأن الاختلاف أمر طبيعي بين البشر، ولأن الإنسان كائن اجتماعي، فإن هؤلاء الناس يحتاجون إلي وفاقات، أي الجلوس معا والتحاور والوصول إلى نظام سياسي يسع الجميع. وهذا لا يتحقق بأن يفرض طرف ما إرادته علي الآخرين. وأنا أظن أن هناك فكرة سيئة سيطرت علي النخب العربية، وهي فكرة الوصاية باسم الحداثة. فإذا كان هناك من يمارس وصاية باسم الإسلام، فهناك من يمارس الوصاية علي الناس باسم الحداثة، وهؤلاء هم الذين ينظرون إلي المجتمع وكأن أفراده مرضي وهم الأطباء الذين يحق لهم فرض العلاج والعمليات الجراحية علي المريض.

في تقديري، الإسلاميون السودانيون هم جزء من مجتمع الحداثة، هم نخبة حداثية نظرت للسودان علي أنه مجتمع مريض بالقبيلة والطائفية والصوفية. وهؤلاء، مثلهم مثل الشيوعيين، ينظرون إلى المجتمع من علٍ، وبعد أن مارسوا الديمقراطية لمدة طويلة، أصابهم اليأس من هذا المجتمع، وخاصة بعد حصولهم على الترتيب الثالث في آخر انتخابات، وبالتالي قرروا أن يفرضوا عليه علاجات قدّروا بأنها من مصلحته. صحيح أن الجيش السوداني أعطي بعض الرسائل الوصائية الخاطئة التي اعتمد عليها الإسلاميون للقيام بانقلابهم لأنه تدخل في السياسة، ولكن عندما تدخل هؤلاء كانت العقلية الموجهة لهم هي عقلية وصاية علي مجتمع مريض. إذن فكرة الوصاية هي فكرة تتناقض مع الديمقراطية.

وفي النهاية الذي يفرض الوصاية علي الآخرين يفرض الوصاية علي أصحابه أيضًا، فالنخبة التي قامت بالانقلاب تمزقت من داخلها أيضًا، لأن بعض أفرادها أراد أن يفرض الوصاية علي البعض الأخر. الدرس الخطير هنا هو أن هؤلاء لم يقبلوا التفاوض إلا مع من حمل السلاح، وفي النهاية تقاسموا البلاد بين الشماليين والجنوبيين، وأعطوا رسالة واضحة قوامها أن من لا يحمل السلاح لن يتم التفاوض معه. وكانت مسألة دارفور هي نتاج لهذه العقلية، عقلية أنه لا يمكن أن تنزع حقك إلا بالسلاح. وهكذا كل الخطايا يتولد عنها خطأ آخر.

وأنا أظن أن التدخل الدولي في السودان أمر سيء، فالخارج يتدخل لا لمصلحة أحد وإنما لمصلحته. لكن التدخل الدولي في السودان أدى إلى بعض النتائج، فقد فرض على الحكومة أن تتنازل وأن تتفاوض وأن تؤدي بعض الحقوق للآخرين. فليس هناك شر مطلق في العالم، فالخير والشر مختلطان، وحتى بعض الشر قد يأتي منه بعض الخير. فاليوم نري في السودان عملية تجري تحت الحراب الدولية، وهناك نوع من قبول - ليس حبًا وإنما كراهةً - التفاوض مع المخالفين وبالتقاسم معهم. والسؤال هو: إلي أين سيصل هذا الأمر؟ هل سيصل إلي نظام ديمقراطي كثمرة تسوية عامة في المجتمع السوداني؟ هل المؤسسات الرئيسية كالمؤسسة الأمنية والمؤسسة العسكرية ستظل محايدة وتحمي الوطن؟ أم أنها ستقف مع فريق ضد آخر؟ وبشكل عام حتى الآن العملية الديمقراطية الموجودة في السودان بين قوسين لا توجد في الدول العربية الأخرى. صحيح التركيز اليوم علي السودان وكأن الشر المطلق هناك، لكن علي كل حال معظم الأطراف السياسية المهاجرة عادت إلى السودان، ولايوجد سودانيون لاجئون ومهاجرون، فأهل السودان موجودون علي أرضهم، منهم من في البرلمان، ومنهم من يحمل السلاح. والأمل هو أن يتوصل الجميع إلى تسوية تجعل السودان الكبير يسع سكانه القليلين في الحقيقة.


تعقيب الشيخ الغنوشي على ورقة في الحاجة إلى بناء الكتلة التاريخية: الحالة التونسية نموذجا للدكتور رفيق عبدالسلام (نشر ضمن كتاب نحو كتلة تاريخية ديمقراطية في البلدان العربية،2010):

أشكر د. رفيق على عرضه واستخلاصاته. وأريد أن أؤكد علي ما قاله الأخ جمعة القماطي من أهمية العامل الخارجي. لا ننسي أن الشمال الأفريقي هو الحوض الجنوبي للمتوسط، وهو مقابل تمامًا للحوض الشمالي الأوروبي (إيطاليا، اسبانيا، فرنسا)، والصراع التاريخي بين الضفتين لا ينقطع، حتى أن الصديق فرانسوا بورجاث قال ما معناه: تاريخيًا عندما نقوي نذهب إليكم وعندما أنتم تقوون تأتون إلينا. هاتان الضفتان ظلتا في صراع متواصل، واليوم هم الذين يأتون إلينا ولا يزالون عندنا، ويعتبرون الساحل الجنوبي جزءا من أمنهم القومي الاستراتيجي، ولذلك من أجل أمن أوروبا ينبغي ألا يقوم نظام في هذا الحوض الجنوبي معادٍ لأوروبا أو ليس تحت سلطانها.

لذلك خلال التسعينيات كان هذا الحوض مهددًا، فالجزائر كانت وكأنها سفينة في البحر لا يعرف أين تتجه، وليبيا كانت في الاتجاه المعادي. أما تونس فقد كانت النقطة الوحيدة المضمونة للغرب، ولذلك تم ضخ أموال طائلة لها، وأثناء عمليات القمع الذي مارسته السلطة في تونس في التسعينيات، صارت تونس أول دولة عربية في جنوب المتوسط تدخل ضمن الشراكة الأوروبية. ومن هنا هذه الشراكة هي أول تمويل استراتيجي أمني وليس مجرد تمويل اقتصادي، هي عملية إستراتيجية عسكرية لحفظ أمن أوروبا. بمعنى أن قمع التسعينيات في تونس كان ممولا من الغرب ضمن إستراتيجية حفظ الأمن الأوروبي.

النقطة الأخرى كما ذكرت د.نبيلة، الحركة الإسلامية في تونس عملت علي أن تتأقلم وتتكيف مع الواقع التونسي. صحيح أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ولكن الإسلام، حيثما حل، يُجري حوارًا مع محيطه لينتهي إلي معادلة لا يتخلي فيها عن شخصيته، وهناك دوما مناطق اجتهادية في الإسلام. لقد بدأت الحركة الإسلامية متتلمذة على الحركة المشرقية، لكنها انتهت بعد ذلك إلي اكتشاف المعادلة، واكتشاف المجتمع التونسي وخصوصيته وانتهت إلى نوع من الوفاق. فعندما أعلنت الحركة عن نفسها أول مرة سنة 1981 وفي ندوة صحفية أعلنت في بيان تبني المسألة الديمقراطية تبنيًا كاملاً، وأذكر أنني قلت وقتها أن الحركات الإسلامية في المناطق الأخرى تجرعوا الديمقراطية قطرة قطرة ونحن احتسينا الكأس مرة واحدة. وسأل أحد الصحفيين رئيس الحركة في ذلك الوقت: ما تقول وأنت تتحدث عن التعددية لو أن المجتمع التونسي اختار الحزب الشيوعي؟ ماذا ستفعلون؟، فأجاب رئيس الحركة: ليس أمامنا إلا أن نحترم اختيار الشعب التونسي. أقول مع الوصاية لا تقوم ديمقراطية.

والحركة الإسلامية في تونس متجذرة لأنها تبنت قضية الديمقراطية، والقضية الاجتماعية، وتغلغلت في النقابات، وتبنت موضوع المرأة، وهو موضوع أساسي في تونس، واعتبرت أنها ليست لديها مشكل مع مجلة الأحوال الشخصية، وليس من مهمتها إعادة النظر في هذه المجلة. وبالتالي تجذرت الحركة في المجتمع التونسي، غير أن النظام حاول جاهدًا عزلها مرات كثيرة منذ 1981، ولم تخل السجون من حركة النهضة، بل ووصل عدد المعتقلين عام 1991 إلي 30 ألف سجين. ومع ذلك لم يستطع النظام أن يربط الحركة بالإرهاب، ولم يستطع أن يربطها بالعداء للمرأة، ولا بالعداء للديمقراطية أو بالمسألة الاجتماعية، وانتهي الأمر إلي ما تحدث عنه د. رفيق، فبعد فترة من القطيعة مع الحركات السياسية الإسلامية، عاد الوفاق بين الإسلاميين وبقية الحركات في مبادرة 18 أكتوبر.

ملاحظة أخيرة: هناك فارق بين اليمن وتونس يجعل امكانات نجاح اللقاء المشترك في اليمن أكبر من فرص نجاح حركة 18 أكتوبر في تونس. والسبب هو أن المشترك الثقافي أكبر بين الفاعلين السياسيين بمختلف أطيافهم داخل اللقاء المشترك، فالدستور اليمني ينص علي الشريعة نصًا كاملاً، ولم يطلب أحد من أجل اللقاء مع الإخوان التراجع عن الشريعة، والمرأة اليمنية تشارك في الحياة السياسية مشاركة فعالة ليس بالحجاب ولكن بالنقاب، وما طلب أحد التخلص من النقاب ولا من الحجاب. بينما في تونس هناك قانون (بمعنى قانون تطبقه الإدارة) يمنع المرأة المسلمة من أن تغطي رأسها. إن تجربة التحديث في تونس كانت تجربة متطرفة بأثر الفكر الفرنسي، وهو فكر متطرف في علمانيته، وبورقيبة هو تلميذ في هذه المدرسة.

ولذلك النخبة التونسية تعاني من مشكل كيف يمكن أن تلتقي مع الميراث التاريخي ومع ميراث جامع الزيتونة، والحركة الإسلامية قامت بجهد كبير من أجل البحث عن الوفاق لأنه لا يمكن للحياة الديمقراطية أن تنشأ دون الوصول إلي وفاق مع مختلف الأطراف الفاعلة. ولذلك بقدر ما يكون المشترك الثقافي بين الفاعلين متوفرًا بقدر ما تتوفر بعض عناصر نجاح التحول الديمقراطي.

تعقيب الدكتور نبيلة حمزة على ورقة في الحاجة إلى بناء الكتلة التاريخية: الحالة التونسية نموذجا للدكتور رفيق عبدالسلام (نشر ضمن كتاب نحو كتلة تاريخية ديمقراطية في البلدان العربية،2010): 

الورقة جيدة، ونشكر د. رفيق عبدالسلام. قرأت الورقة باهتمام لأنها تعطي نظرة عامة علي تطور التحالفات في تونس لكن دون تفاصيل.

بدايةً، لدي ملاحظة عامة بالنسبة لموضوع هذا الملتقي، الذي ينكب – حسب فهمي - علي ضرورة التغيير عبر التحالفات بين الأحزاب السياسية القائمة، أي التقليدية. لكن إذا نظرنا حاليًا إلى الساحة العربية، وكثير من الدراسات تبين هذا، فنجد أن هناك إقرارا بتراجع الأحزاب السياسية التقليدية مثل حزب الوفد في مصر والأحزاب السياسية الإسلامية في المغرب وغيرها. وكبديل، ظهرت حركات اجتماعية جديدة عفوية (spontaneous)، يحاول البعض السيطرة عليها ولكنه لا يستطيع، مثل حركة كفاية في مصر.

الورقة تحدثت عن التحالفات السياسية في تونس لكنها لم تتحدث عن بعض الأشياء التي ميزَت الساحة السياسية التونسية كأحداث رديف وأحداث قفصة ونقابة الصحفيين التي أصدرت قرارات هامة. أنا شخصيًا وجدت اليوم نظرة أحادية للأشياء، وكأن التغيير سيأتي من جهة محددة. أنا لست مقتنعة بتاتًا بهذا وأطلب أن ننظر أيضًا إلى إمكانية التحالف مع قوى أخرى. الورقة مرت مرور الكرام علي بعض الحركات والأحزاب التي ميزت تونس، فحركة آفاق اليسارية كانت أول من عاني من القمع الحكومي، قبل الإسلاميين بكثير، ولا يزال اليسار يعاني، كما أن الحركة الديمقراطية النسائية تعاني أيضا.

النقطة الأخرى، كان من المهم، وكان بودي أيضًا، أن يتم ابراز الخصوصية التونسية، خاصة الخصوصية الإسلامية. فمن المهم إبراز التغيير الذي حدث داخل الحركة الإسلامية في تونس وتحديدًا داخل حركة النهضة. لقد حضرت النقاشات التي درات بمناسبة انتخابات عام 1989، حول موضوعات مهمة كالمرأة، والدين والدولة، ويبدو لي أن هناك تغييرًا جعل الحركة الإسلامية في تونس تختلف عن ما يسمي الحركة الإسلامية عمومًا في الأردن ومصر. فداخل الحركة الإسلامية التونسية هناك تلاويين كبيرة، ومن المهم أن نبرز أن نجيب الشابي يتكلم مع راشد الغنوشي، وفي اعتقادي ما كان يمكن لهذا التقارب أن يحدث دون حدوث مراجعات داخل الحركة الإسلامية.

وأخيرا قال د. رفيق "سآتي الآن علي السلبيات التي رافقت هذه المبادرة". أنا لا أعتقد أنها سلبيات، وأعود لما قلته في الصباح، أي مسألة أين تبدأ المبادئ وأين تقف؟ وأين تبدأ التكتيكات؟ أنت تقول أن من سلبيات الهيئة أن اهتمامها صار منكبًا على إقامة ورش عمل حول موضوعات الردة، والمرأة وغير ذلك. أنا أعتقد أن هذا أمر مهم جدًا، وليس سلبيًا، بل وأقول من هنا نبدأ. أي لابد أن نصل إلي اتفاق علي المبادئ الأساسية أولا، لأن البعض قد يلجأ إلى تكتيكات ثم يتراجع مائتين سنة للوراء بعد ذلك. وفي اعتقادي سنصل إلى اتفاق في اليوم الذي نستطيع أن نتكلم فيه مع الإسلاميين علي موضوعات الردة، اختيار الديانة، موضوع المرأة وموقعها، حقوق المرأة في الإرث، والعكس صحيح. وربما انهي بكلمة للدكتور د.محمد الشرفي، يقول فيها أنه يجب أن نفكر في أسلمة العولمة وعولمة الإسلام، أي في تحديث الإسلام وأسلمة الحداثة.

التعقيب الختامي للدكتور رفيق عبدالسلام (نشر ضمن كتاب نحو كتلة تاريخية ديمقراطية في البلدان العربية، 2010): 

هناك أسئلة كثيرة، وأبدأ بالنقطة الأولي التي أثارها د.أحمد والتي تتعلق بأهمية المجتمع الريفي، طبعًا أقول، باختصار شديد، أنه بالفعل توجد خصوصيات وسياقات سياسية واجتماعية وثقافية عربية ينبغي الانتباه إليها، لأن المشكلة في العالم العربي هي الاستسلام للنماذج الجاهزة. لا شك أن النموذج الديمقراطي له بعض الصلاحية الكونية ويحمل مكونات تتجاوز الخصوصية الثقافية المحلية، لكن لابد أيضًا من الانتباه إلي السياق الاجتماعي والثقافي الذي ستعمل فيه هذه الديمقراطية. إن مجتمعاتنا العربية لها خصوصية، والمجتمع الريفي مكوَن رئيسي في مجتمعاتنا، ولا يمكن قراءة المجتمع العربي من خلال زاوية التكتلات أو التمركزات الحضرية فقط دون التجمعات التقليدية. لابد من الانتباه إلى ما يسمي الانشطار العمودي والأفقي بين القطاعات التقليدية والقطاعات الحديثة، لأنه في كثير من الأحيان تتركز الدراسات الاجتماعية والسياسية وأنظار النخبة علي القطاعات الحديثة وعلي النخب مقابل تهميش قطاعات أخري قد تكون أكثر أهمية في الحركة الاجتماعية.

الأخ جمعة أثار نقطة هامة، ثم أكد عليها الشيخ راشد الغنوشي فيما بعد، وهي أهمية البعد الخارجي. فعلاً تونس بلد صغير بالمقاييس الجغرافية والسياسية، ولا يمكن للصيرورة الداخلية في تونس أن تكون محددة بمفردها لعملية التغيير السياسي، وخاصة في منطقة تعتبر منطقة احتكاك، فالجغرافيا لها تداعياتها وآثمانها. ومهما كانت علاقاتنا بأوروبا، كرهًا أو حبًا، ففي نهاية الأمر الخارج مؤثر رئيسي في الوضع المغاربي، حتى أن الحدود ربما بين ما يسمي المغرب العربي وأوروبا في كثير من الأحيان حدود متخيلة أصلاً لأن هذه الحدود متحركة، فحدود تونس وإيطاليا، مثلا، لم تكن بالحاسمة نهائيًا، وحدود المغرب العربي واسبانيا أو ما يسمي الأندلس كذلك. والجانب الأوروبي، بحكم الاختلال الهائل في موازيين القوي، جانب مؤثر جدًا في هذه المنطقة، وواحدة من المشكلات الرئيسية التي تعانيها دول المغرب العربي، بما فيها القوي السياسية بألوانها وأشكالها المختلفة، هي في بعض الأحيان الاستغراق في الشأن المحلي النظري.

وبهذا المعني ربما تراجعت الحركة السياسية الحالية عن ميراث الحركة الاستقلالية. فعندما تشكَل المكتب العربي في الأربعينيات كان بخلفية استقلال المغرب العربي، ولم تكن فكرة استقلال تونس أو الجزائر أو المغرب مطروحة بشكل منفصل. كان المطروح هو استقلال كيان مشترك اسمه كيان المغرب العربي، وللأسف هناك تراجع في هذه المنطقة من العالم ليس فقط علي مستوي الحكومات بل علي مستوي الحركات السياسية. وهناك اتجاه انعزالي، وهذا أمر مرتبط بالوضع العربي العام، فالسياسة الثقافية لدولة ما يسمي الاستقلال أو دولة التجزئة عمقت الثقافة الانقسامية حتى داخل الإطار الإقليمي الواحد الذي يحمل كل مقومات التداخل والتشابه والاشتراك مثل منطقة المغرب العربي.

الأخت نبيلة أثارت الكثير من القضايا الهامة وأبرزت النقاط التي لم أتعرض لها في الورقة لأن السياق لم يستدعي ذلك، ولم يسمح به، وأشاركها فيها الرأي. إن وجود حركات اجتماعية عفوية أو تلقائية تعد ظاهرة جديدة، فهذه الحركات تمثل تحديًا ليس للحكومات والأنظمة فقط بل وللأحزاب السياسية التقليدية بأشكالها المختلفة سواء كانت يسارية أو إسلامية أو قومية أو ليبرالية. وتنبعث هذه الحركات من أعماق المجتمع بتأثير ظاهرة العولمة، والفضائيات، وبتأثير الحركية التي تطبع قطاع الشباب، ولا شك أن هذه الحركات لابد أن تأخذ قدرًا كافيًا من الاهتمام باعتبارها من العناصر الرئيسية، إنْ لم تكن الرافد الرئيسي، في أية عملية تغيير مستقبلي.

هناك أيضًا أحداث في تونس كان يمكن التوقف عندها لكن سياق التحليل لم يسمح بذلك لأننا نتحدث عن الكتلة التاريخية، وهي أحداث يغلب عليها الطابع العفوي والاحتجاجي. ما وقع في منطقة الرديف أو في قفصة، أو ما حدث في نقابة الصحفيين من حراك أو صراع داخلي بعد أن دخلت السلطة علي الخط، ربما نتعرض إليه عند مراجعة الورقة. لم يتم الحديث عن حركة آفاق، لأنني تحدثت عن تجربة اليسار بالأساس، وكانت مرحلة السبعينيات هي مرحلة المعارضة اليسارية، وحركة آفاق كانت جزءا من الحركة اليسارية سواء داخل الجامعة أو الحركة النقابية، ويجب أن تعطي حقها ربما في مراجعة الورقة.

موضوع إبراز الخصوصية التونسية موضوع مهم ولاشك في ذلك، لكن عندي خشية من المبالغة في موضوع الخصوصية لأن كل بلد عربي فيه خصوصية، فلو تحدثنا عن الحالة العراقية، أو المصرية، أو الجزائرية، سنجد خصوصيات كثيرة. لكن يبدو لي أن هناك خصوصية إسلامية تونسية تأتي من تأثير وضغط البيئة، فأي حركة سياسية تشتغل ضمن سياق تاريخي اجتماعي ولا يمكن أن تنعزل عن بيئتها. وخصوصية الحركة الإسلامية التونسية مرتبطة أيضًا بخصوصية الحركة الإصلاحية التونسية وميراث عبد العزيز الثعالبي والحركة الزيتونية، وذلك برغم امتدادها مع المشرق أيضا، فلا يمكن أن نعزل الحركة الإسلامية التونسية عن امتداداتها المشرقية لأن الحالة العربية والإسلامية متداخلة، ومن الوهم أن نفصل تونس عن المغرب أو عن مصر أو حتى عن العراق.

ولكن أنا أقول أن هناك بعض المشتركات أو ما يمكن تسميته "السردية الديمقراطية"، إذا استخدمنا عبارة الرواية الديمقراطية (democratic narrative)، فهناك تقريبًا ثقافة عامة، وأغلب القوي السياسية تميل، بشكل أو بآخر إما لاعتبارات براجماتية أو مصلحية، إلى القبول بالخطوط العامة للديمقراطية علي الأقل. هناك سجال ونقاش يقع حول موضوع الشورى والديمقراطية وعلاقة الديمقراطية بالعلمانية، لكن الاتجاه الغالب هو القبول بالديمقراطية علي الأقل كآليات إجرائية لإدارة الشأن السياسي. ولذلك نري تطورا يحدث في الحالة الإسلامية بصفة عامة عندما أعلنت الحركة الإسلامية في تونس عام 1981 قبول الآليات الديمقراطية، بما في ذلك إذا صعد حزب شيوعي إلي سدة الحكم. هذه الأمور كانت من الأمور البعيدة جدا عن البديهيات المتداولة في الخطاب السياسي الإسلامي. لكن الآن بسبب ضغوط الواقع، وربما بسبب تأثير الحركة الليبرالية وتأثير المقولات الديمقراطية، أصبح الخيار الديمقراطي نسبيًا محل إجماع.

كما أن هناك تحول علي الجبهات الأخرى في القبول بثوابت وأسس الهوية العامة، أي الإسلام كثقافة عامة وكمرجعية عامة، واللغة العربية. ونري أن هذه التحولات قد تمثل المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها حالة سياسية متوازنة في العالم العربي: أي القبول بالإسلام كتوجه عام أو كثقافة عامة مع اختلاف تأويل هذه المرجعية، ثم الجانب الآخر العروبة، واللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية ولغة الثقافة، مع الاعتراف باللغات الأخرى. أما الجانب المشترك الآخر فهو الديمقراطية باعتبارها آلية لإدارة الشأن السياسي العام. وأعتقد أن هذه المرتكزات قد تكون مدخلاً لإجراء وفاقات أخري، لأن القضايا الفكرية والإيديولوجية مركبة ومعقدة، وليس من المنتظر حسمها كلها الآن، ولكن مداخل حسم هذه القضايا يمكن أن يكون من خلال الإجماع حول المرتكزات الأساسية.

لا توجد سلبيات في حركة 18 أكتوبر: ربما نختلف في هذا، هناك إيجابيات بلا شك، وربما إذا قسنا ميزان الإيجابيات مع السلبيات قد يكون ميزان الإيجابيات غالب، لكن التجربة لا تخلو من السلبيات ولابد من التوقف عندها.

الدكتور عبدالفتاح ماضي أثار موضوع موقف الهيئة من القضايا الخارجية. صحيح لا يوجد موقف مدون ومكتوب من القضايا الخارجية في مبادرة أكتوبر، لكن هذه المجموعة تمثل حصيلة وفاق عام حول الخطوط العامة للسياسة الداخلية والخارجية. وقد قام رموز من 18 أكتوبر بزيارة لعواصم أوروبية مختلفة واجتمعوا مع ممثلين للاتحاد الأوروبي وممثلين من وزارات خارجية لدول أوروبية. وهذا أمر طبيعي، فعندما تتحدث عن تغيير ديمقراطي لابد أن تأخذ العامل الخارجي بعين الاعتبار. ولكن لابد من أن نميز بين أن تأخذ العامل الخارجي بعين الاعتبار، وبين أن تكون في خدمة أجندة خارجية. هنا لابد من وضع الحد الفاصل بين أن الخارج له مصالح في بلداننا، وبين أن لدينا مصالح، والعلاقات يجب أن ترتكز على على نوع من توازن المصالح. هذا أمر مشروع لكن الاختلاف الرئيسي أن تتحول حركات سياسية في خدمة أجندة خارجية أو مصالح أجنبية. وأنا أقول أنه لا يمكن التغلب علي هذه الصعوبة إلا بنوع من التكامل العربي والإسلامي ليس فقط علي مستوي الحكومات، ولكن لابد من الحديث عن مجتمع مدني ومجتمع أهلي عربي متضامن بحيث تتضامن الحلقات العربية مع بعضها البعض بما يحدث نوع من التوازن، ولو النسبي، بين الداخل والخارج.

مداخلة الشيخ راشد الغنوشي في الجلسة الختامية: مناقشة عامة حول عقبات بناء كتلة تاريخية في دول عربية (نشرت ضمن كتاب نحو كتلة تاريخية ديمقراطية في البلدان العربية،2010):

لدي ملاحظة حول موضوع الكتلة التاريخية، هناك كلمة أخرى قريبة ولها جذور في تاريخنا وهي كلمة واحدة هي "الإجماع". فقدت أمتنا الإجماع بالمعني السياسي، ولا أقصد المعنى الديني، أمتنا تمزقت، ولم يبقي عندها هذا الإجماع، ولن يحدث الاجماع إلا بوجود رأي عام، ونخب تشترك في قواسم كبيرة ولها أهداف مشتركة.

النقطة الثانية حول موضوع الأنظمة الشمولية -الذي قاله د.عبدالفتاح ماضي- كيف نتعامل مع الأنظمة الشمولية؟ كل تعاملنا وحديثنا الآن عن الديمقراطية. ولكن موضوعنا كيف ُنوجد هذه الديمقراطية؟ ليس بالوسائل الديمقراطية لأن الوسائل الديمقراطية ليست موجودة. إذن هنا حديث أ. نبيلة عن موضوع الحركات الاحتجاجية حديث مهم، أي يجب دراسة الحركات الاحتجاجية والنقابية كمدخل أساسي من مداخل التغيير.

أيضًا موضوع فلسطين الذي ذكره الأخ التكريتي هو أهم عنصر ومحرك في العالم العربي حتى اليوم، وهو العنصر الذي حرك مظاهرات تخطت كل الحواجز، كما حدث مع قضية غزة. لذلك القضية الفلسطينية هي أهم رافع من روافع التغيير، وأهم تحد يواجه الأنظمة، وأهم أداة في يد شعوبنا لو مسكت بها لتمت الإطاحة بهذه الأنظمة المحكوم عليها من خلال علاقتها بالخارج أن تمضي في طريق التطبيع. والإخوان في مصر، مثلاً، لو أنهم اعترفوا بكامب ديفيد ربما كانوا أعطوهم الحكم، ولكن الإخوان يكونوا قد انتحروا لو فعلوا ذلك. فموضوع فلسطين منذ أن حل في منطقتنا هو الموضوع الرئيسي المحرك. فينبغي التمسك بهذه القضية كمدخل أساسي للإطاحة بهذه الأنظمة سبيلاً للتغيير لأنه لا ديمقراطية بوجود هذه الأنظمة.

2005

تعقيب صادق الشيخ (الشيخ راشد الغنوشي) على ورقة امحمد المالكي: حول الدستور الديمقراطي (نشر ضمن كتاب الديمقراطية والتحركات الراهنة في الشارع العربي، 2006):

 بسم الله الرحمن الرحيم: بحث الدكتور مالكي حول الدستور الديمقراطي والمقصود – حسب السياق –اللبرالي بحث مستوف لموضوعه في رسم صورة واضحة للمثال الديمقراطي كما رسمه الآباء المؤسسون أمثال لوك وروسو وتوكوفيل .. وهو من هذا الجانب يقدم للمشتغلين بالسياسة مادة تثقيفية جيدة حول نشأة فكرة الدستور في المغرب والثقافة الفلسفية المؤسسة له والآليات التي يقوم عليها بما يرسم خطوطاً فاصلة بين الأصل الغربي والصور العربية التي تزعم إليه إنتسابا, إلا أن هذا الهدف لا يتحقق بشكل مباشر وإنما بشكل عرضي ربما تعمد الباحث تركه لفطنة وجهد القارئ في المقارنة والإستنتاج، رغم أن القارئ يظل إلى نهاية البحث مشدوداً ينتظر حديثاً عن القسم الثاني من البحث " الدساتير العربية " كما أفصح عنه العنوان. وتلك ملاحظة شكلية. وهذه هي الملاحظة الاولى. 

الملاحظة الثانية : أن الباحث ربما تحت ضغط الوقت إيضاً أكتفى غالباً بالحديث عن الجوانب المضيئة من منجزات الحداثة السياسية والمتمثل – بحسبه – في " إكتمال بناء الدولة ونضج روحها العامة – بما رسم – خطوط العيش المشترك داخل الدولة وتحققت للأفراد إرادة الدفاع عنها دون أن يحرموا من ممارسات حقهم في الإختلاف وبذلك دشنت الدولة الحديثة التفكير في السياسة بما هي تدبير المصالح العامة .. وبترسيخ الثقافة الديمقراطية وإنغراسها في بنيان المجتمع ووجود تيارات فكرية داعمة وداعية لها, وهي ثقافة تدين حسب الباحث لتوفير شروط متعددة في صدارتها دور الفكر والمفكر, فقد شكلت النظرية العقدية قطيعة نوعية مع الفكر القوسطي حيث أخرجت السياسة وما يرتبط بها من دائرة الغيب والميتافيزيقا فالحاكم بشر يختاره الناس بإرادتهم الحرة.. منذ عهد ميكيافيلي لم تعد السياسة مرتبطة بالأخلاق والدين وما يندرج ضمنها .. تكمن قيمة الفتوحات الفكرية المؤسسة للثقافة الديمقراطية في إستعادة إمتلاك إرادته في تدبير شؤنه العامة بعدما غابت لقرون . فكما لم تعد الطبيعة لغز محير ومخيفاً بفضل الإكتشافات العلمية كذلك لم تعد الدولة قوة قهرية تمارس السلطة بغير حق وتتمادى في الشطط بدون مسائلة" ولربما تمثل هذه الفقرات أهم ما لفت نظري في البحث:

أ- رغم أن الباحث أشار إلى عوامل متعددة أنضجت الثقافة الديمقراطية إلآ أنه إكتفى بالتركيز على دور المفكرين وطبقات العلماء بما يُثير السؤال لو صح ذلك لماذا ظهروا في أزمنة وأماكن معينة ولم يظهر في أخرى؟ هل لذلك من علاقة بشروط إجتماعية معينة من مثل إحتدام الصراعات الدينية والحروب الطاحنة التي أكلت الأخضر واليابس في أوربا والتي فرضت نهاية, حصول تسويات وظهور الدولة القُطرية مع ترتيبات تضع حداً للتحارب داخلها وفيما بينها تيسيراً لإقتسام العالم الجديد والقديم مناطق نفوذ ونهب لكل منها.

ب- لو صدقنا على أن الديمقراطية ليست مجرد جملة من التسويات الحسنة تم التوصل سبيلا لفض المنازعات مثل الإعتراف بسلطة الشعب حكما بين الطامحين إلى السلطة والإعتراف بحقوق المواطنة للجميع على حد سواء بما في ذلك حرياتهم الشخصية وسائر حقوقهم بما في ذلك حق تداول السلطة عبر إنتخابات دورية نزيهة, والفصل بين السلطات.. إلى بقية الأركان, بما يحقق التداول السلمي.. ألخ، إنما هي قبل ذلك ثمرة لتوفير ثقافة إنسانية تحترم الإنسان وتقدس الحرية والقانون والإرادة العامة وتعلي من شأن السماحة والعدل, ويغيب فيها الإيمان بالغيب وتتحرر السياسة من الأخلاق... فكيف نفهم ظهور النازية والفاشية وسط قوم طالما فخروا بالإسهام المعتبر وربما الأكبر في التاسيس للفلسفة السياسية الديمقراطية؟ وهل حدّت هذه الثقافة الديمقراطية شيئاً من حملات الإبادة والنهب التي شنتها الأنظمة الديمقراطية على الشعوب والحضارات الأخرى؟ وهل صحيح على إفتراض التسليم بلزوم ثقافة من مثل التي ذكر الباحث (اللبرالية) تتحرر فيها السياسة من الغيب والأخلاق أساساً للديمقراطية، أوليست هذه الثقافة الديمقراطية ليست إلا نوعاً من العقلنة للنموزج الديني المسيحي، بما أحل الدولة بإعتبارها سلطة مطلقة ومترجمة عن الفكر المطلق والإرادة العامة محل الاله "لا يسُئل عما يفعل" الدولة هي صانعة قانونها وقيمها وموازينها للحق والباطل والخير والشر، فكل تصرفاتها عبر سلطة من سلطاتها هو الحق والخير ما دام التصرف إكتسب الشرعية القانونية. رمي قنبلة ذرية على مدينة وفرض نظم عالمية مجحفه بالضعفاء تودي بالملايين وحتي تدمير الطبيعة وتهديد الحياه أعمال مشروعة وخلقية مادامت قد حصلت على إجراءات الشرعية؟ وهل تحرر صناع السياسة في الغرب من الدين من عالم الغيب بيمنا الجميع يعلمون عن علاقة الديمقراطية الأمريكية التي تقود العالم بالدين حتي أمتزجت ثقافتهم السياسية الموجهة لأخطر سياساتهم بما في ذلك شن الحروب المدمرة بأساطير توراتية وتلموذية مثل أسطورة حروب نهاية العالم وبالخصوص منذ عهد ريغن. اليست جماعة دينية قد فرضة سيطرتها على أكبر ديمقراطية في العالم. ومركز بحوثها وقراراتها متخمة بأنصار تلك الأساطير؟ أولم تُحكم أكبر ديمقراطية في العالم. من حيث العدد الهند بحزب ديني فاشي؟ وهل يمكن من الجهة السلبية إنكار أثر السياسات الغربية تجاه العرب وبالمسلمين بالخلفيات الدينية؟

ج- يفهم من البحث التلازم بين الديمقراطية بإعتبارها إجراءات وبين الفلسفة العلمانية وإن لم يرد هذا المصطلح في بحثه نصا ولكنه مفهوم من خلال تأكيده على تحرير الثقافة الديمقراطية من الغيب والأخلاق "منذ عهد ميكيافلي لم تعد السياسة ملتبسة من الأخلاق والدين.. حيث أُخرجت من دائرة الغيب والميتافيزيقا" يفهم من ذلك تفسير ودعوة: تفسير لإستمرار غياب الديمقراطية في بلاد العرب والمسلمين بسبب تاثير الإسلام بإعتباره عقيدة تنهض على الإيمان بالغيب، ودعوة إلى دفع ثمن الدمقرطة: تحرير السياسة من الأخلاق والدين. وإذا صح الفهم فهو من قبيل لزوم ما لا يلزم. بورقيبة وشاه إيران وآتاتورك وأمثالهم فضلا عن هتلر وموسوليني واستالين غير مهتمين بالتدين بل بالديكتاتورية العلمانية.

د-يرجح هذا الإتجاه لدي الباحث أنه في بحثه عن تاريخ فكر الدستور بمعني فلسفة وقواعد تضبط علاقة الحاكم بالمحكوم ولم يجد للفكرة في الإسلام وتراثه من أثر مرجعي بل كان صريحا في إحالته إلى التاريخ الإوربي. 

هـ- رغم إعتبار الباحث أنه من قبيل الطوبي مثاليات النموذج الديمقراطي من مثل: أن يملك كل مواطن من السيادة قسطا يعادل قسط نظيره (ص8) وأن مقولة السيادة للشعب تعني أن يصبح أفراده مالكين للسلطة ومصدرها وأن الإرادة العامة تعني حسب روسو إندماج الأفراد في الجماعة ليكونو شخصاً واحدا (ص8) وإن السيادة ليست لملك أو أمير بعينه وأنما هي لشخص أعتباري معنوي وأن سيادة الشعب تعني في المحصلة حكم المجموع بإسم المجموع لمصلحة المجموع.. رغم إعتبار ذلك طوبي لم تتحقق الا أنه يؤكد أن مسيرة الديمقراطية الحديثة حبلى بالنماذج التي انتقل فيها الناس من الولاء لشخص إلى الولاء للأمة، فحققوا بذلك مواطنتهم، ونزعوا عنهم صفة الرعية (ص 11) ومن ذلك تأكيد أن العقل البشري يمكنه بإجتهاده في نظم سياسية كثيرة للجم أنانيات ألأفراد والجماعات (ص22) نحسب أن في كل ذلك قدرا غير قليل من المبالغة قد تلامس تخوم التجمد.

الملاحظة الثالثة : رغم أن البحث يحيل بإستمرار إلى مرجعية الحقل الغربي في موضوع تقييد سلطة الدولة بجملة من القواعد المكتوبة والعقود الوفاقية، وذلك دون أي إشارة إلى جهد ولو ضئيل أسهمت به التجربة والثقافة العربيتين والإسلاميتين، إلا أنهما لم تسلما من التعرض بهما من خلال وضع بعض مفاهيمهما مقابل المفاهيم الحديثة من مثل وضع مفهوم المواطنة في الفكر الحديث موضوع تمجيد مقابل إيراد مفهوم الرعية في الثقافة الإسلامية في مورد التحقير، وهي مقابلة ليست ضرورية ولكنها شاعت تعسفا، بينما رعاية الشئ لاتعني غير حسن القيام عليه. وهو مفهوم أصيل في الفكر السياسي الإسلامي تشهد عليه نصوص كثيرة تأكد مفهوم مسائلة الراعي على رعيته. ويؤكد ابن تيمية في كتاب السياسة الشرعية بين الراعي والرعية "أن هذه العلاقة علاقة تعاقد. ومن نفس القبيل المقابلة بين الإجماع وبين الوفاق. وقد لايكون ذلك مقصودا، والمقابلة على كل حال بينهما ليست ضرورية لأن الإجماع المطلق أي على الكليات والجزئيات غير ميسور ولذلك أنكر ابن حزم المفهوم جملة بينما هو معدود لدى جمهور الفقهاء أصلاً كبيراً من أصول الفقه، ويعنون به الإتفاق على كليات الدين مثل الإيمان بالعقائد والوحي وأركان الإسلام ومحرماته.. ويبقي بعد ذلك ضمن هذا الإطار الواسع مجال فسيح للإختلاف المعدود في الثقافة الإسلامية سنة كونية وأصلا دينيا وحقيقة إجتماعية بما يؤسس للتعدد والإختلاف في مجالات الدين والثقافة والسياسة ضمن كليات الإجماع شأن أي ديمقراطية في إطار منظور ثقافي آخر، كلها وإن اختلفة مرجعيتها الثقافية لا قيام لها دون حصول إجماع على أساس ثقافي وعلى ما سماه الباحث قواعد اللعبة.

ومن هذه المقابلات غير الضرورية المقابلة بين التربية والسياسة الواردة في آخر البحث إحالة إلى العروي من أنه ليست التربية هي صناعة الإنسان ومربيته وإنما هي الدولة منتجة الثقافة.. ومعني ذلك إذا كنت قد أصبت الفهم ولست متأكد, أن الدولة هي الأصل وهي المركز. وإذا كان الأمر على ما فهمت فإن المقابلة بين الدولة والتربية ورد أحدهما إلى الآخر ليس ضروريا بل قد يتبادلان التأثير، وإذا كان ولا بد من أولوية فهي للتربية الثقافية، وبتعبير حديث للمجتمع المدني, للإنسان، للأمة وقيمها وعقائدها ومؤسسات مجتمعها الطوعية.. ويقدم لنا العراق وقبله الجزائر منذ 1830 حتي 1962مثالا بالغ الدلالة على صمود المجتمع الأهلي يوم إنهارت الدولة تحت وطأة الغزو فنهض المجتمع بأكثر فاعلية. يذود عن الحمي بفاعلية أفتقدتها "دولة التحديث" بل نسطتيع التأكد اليوم أن نقطة الضعف في بنيان أمتنا المستبدة سرعان ما تنهار عند أول إحتكاك بالعدو بينما المجتمع ما يلبث أن ينهض لحفظ كيانه ومناوشة العدو حتي يضطره إلى الفرار. ليس صحيحا أن من يتكلم عن التربية يتكلم عن الدولة على إعتبار الدولة هي المربي, الحقيقة أنه وكما أن الدولة أفشل تاجر هي أفشل مرب. ولم يكن للدولة في تاريخ الإسلام دور يذكر في التربية فتلك مهمة المجتمع المدني مهمة العلماء والأوقاف، وهو شبيه بما هو جار في المجتمعات الغربية الحديثة حيث تنهض البلديات ومعها أحيانا النقابات والجمعيات بمهمة التربية وحتي بوضع البرامج . المثال الأسلامي يلتقي إلى حد كبير بالمثال الديمقراطي اللبرالي من جهة الحد من تضخم الدولة وتوسيع نفوذ المجتمع فلا تتدخل إلا عند عجزه.

هذه المقابلات العرضية بين مفاهيم تحيل إلى الثقافة الغربية تورد في مورد الإستحسان وأخرى تحيل ولو بالإحاء إلى الثقافة الإسلامية تورد الإستهجان الظاهر أو الملوٌّح به، تنصرف مع ذلك عن كل إحالة إيجابية لإسهام من التراث الإسلامي في المجال الدستوري من مثل الوثيقة الدستورية المكتوبة المعروفة بالصحيفة والتي حملت تعاقد أسس لدولة المدينة بين مختلف مكوناتها العرقية الاثنية والدينية لم ينقص أىُّ منها من إعتباره طرفا في ذلك التعاقد الذي أسس لمجتمع تعددي، ما ألقى بظلا سماحته واعترافه بالإختلاف على جملة تاريخ الإسلام الذي برُئ من حروب الإبادة الدينية والعرقية. ومفهوم البيعة ذاته رغم ما عراه من إنحراف وإفراغ من مضمون التعاقد مُثّل في تجربة الخلافة الراشدة أساس الحكم والشرعية، في زمن كانت فيه الفكرة غريبة، ولذلك سرعان ما أفرغت لصالح النماذج الأمبراطورية السائدة ولكن ظل شكلها يذكّر بأن التعاقد أساس الشرعية، إلى مفاهيم أخرى مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أبقي على مشروعية الثورة على الظالم وحال دونه وبين التدثير بجلالة الالوهية شأن نظيره في العالم يومئذ. ومن مثل مبدأ الإباحة الأصلية أي أن الحرية هي الأصل.. الخ

الملاحظة الرابعة: غياب البعد الإجتماعي الإقتصادي من النموذج الديمقراطي المقدّم بما يؤكد الخلفية اللبرالية الرأسمالية.

الملاحظة الخامسة: لم يرد في النموزج حديث عن إمكانية ومشروعية المعارضة من خارج المنتظم الديمقراطي الدستوري في صورة العبث في القواعد الدستورية وإفراغها من محتواها إما بإعتبارها في خدمة الشعب بدل تزيف إرادته.

الملاحظة السادسة: لم يتحدث عن علاقة إستقرار من النموذج وغطاءاته بالسيطرة العسكرية التي هيأت له تمويلا غير محدود.

الملاحظة السابعة: رجح الأستاذ معني التفويض عن الأمة وليس بمعني الوكالة الخاصة التي تجعل النائب تابعاً لمن فوّضه ومقدم له بإستمرار حساب. وليس فقط في موسم الانتخاب.

وبالخلاصة: فإننا إزاء بحث جاد تأتي أهميته من محصول التثقيف الدقيق بالصورة المثالية لنموزج الدولة الديمقراطية الحديثة كما روته النصوص الكلاسيكية المؤسسة لدولة ما قبل العولمة، لدولة الحداثة, وليس لما بعدها حيث كادة الأولي أن تقوض مبدأ السيادة لصالح تدخل الأقوياء بينما الثانية هزت بقوة الثقة في العقل ويقينياته ومنها اليقين الديمقراطي، ومع ذلك تظل ساحاتنا العربية التي تتلظي بالاستبداد المتدثر بالحداثة والمستخدم لما وفرته من قدرات قمعية دون منجزاتها الانسانية، في أمس الحاجة لإستنساخ النموذج الديمقراطي(هل مشكلنا ثقافي أم في سيطرة دولية) وياليت ذلك ممكنا ولكن للإفادة منه بحسب حاجاتنا ومعاييرنا. ولإن مس الباحث مسا خفيفا الواقع التطبيقي للنموزج الا أن إتجاهه العام تبشير بالنموزج وإنجازاته الشاهدة على قدرة العقل البشري المتحرر من المؤثرات الغيبية والخلقية على تنظيم الحياة والتوفيق بين الرغائب المتصادمة بما يضمن خير المجتمع ودرء آفة الإستبداد!!. وكما هو النموذج الإقتصادي اللبرالي يحمل بشرى تؤكد أنه إذا تركت مفاعلات السوق تعمل من تلقائها دون تدخل فإنها كفيلة بضمان التوازن وتحقيق خير الجميع!!. كذلك الامر في المجال السياسي إذا اتبعت آليات الديمقراطية وأشرب الناس قيمتها بمنآى عن تدخل الغيب فإنها قمينة بتحقيق الإنسجام بين مصلحة الكثير والقلة المحظوظة، بين مصلحة الحاكمين والمحكومين لأنهم جميعا حاكمون فعلا أو إفتراضا!!

ليس من شك رغم كل ما أخذ ويؤخذ على النموذج الديمقراطي يظل بالقياس إلى النماذج التي نافسته وأنهزمت في الحلبة يظل أفضل الممكنات أو أقلها سوء بإعتباره حسب دوفرجي أحد منظريه ليس هو في الحقيقة كما يزعم وعده: حكم الشعب بالشعب للشعب، بقدر ما هو حكم الشعب بمجموعات نخبوية ماسكة بمفاصل النفوذ : المال والإعلام، تتداول السلطة، ولكنها نخبة ذكية سماعة لجماهيرها: تستجيب لنداءاتها ولا تذهب غالبا بعيدا في تحديها, بما يجعلنا في الواقع إزاء نصف ديمقراطية في أفضل الاحوال. وفي أسوئها تضرب عرض الحائط بإحتجاجات الجماهير ولو كانت مليونية وتسن من اللوائح والقوانين بما لايكاد يبقي على بون شاسع بينها وبين الدكتاتوريات كما هو حاصل هذه الايام. ومع ذلك تظل أقل سوء من كل منافسيها، لا سيما وهي غير مكتملة بل هي مكتملة بل هي تتكامل وتتعلم من التجربة. ومن مصلحتنا الأخذ بها والإستثمار فيها وتوثيق عرى الموادة بينها وبين ثقافتنا الإسلامية فتسعد كل منها بأختها، بدل موقف الحيرة والتردد. ودعاوى التصادم التي لاتخدم غير إستمرار الإستبداد. وشكراً. 

تعقيب صادق الشيخ (الشيخ راشد الغنوشي) على ورقتي تحركات الشارع الراهنة في مصر والبحرين لكل من الدكتور محمد سيد سعيد والأستاذ عبدالنبي العكري (نشر ضمن كتاب الديمقراطية والتحركات الراهنة في الشارع العربي، 2006):

بسم الله والصلاة والسلام علي رسول الله.

يبدو الأستاذ خير الدين حسيب على خلاف العادة يبدو متشائمًا وأنا لست أشاطره في هذا. يعني ما فهمناه أنه لا للعنف وهذا جيد، لا للانقلابات وعهد الثورات الشعبيه انتهي.. ماذا يبقي بعد ذلك؟ يعني أغلقت الأبواب كلها يعني.. الثورات الشعبيه ليست عنيفة الثورة الإيرانية لم تكن ثورة عنيفة، حتي الثورة الشعبية بمعني حركة الشارع.. ولذلك نحن استبشرنا بما حصل في مصر لأنه لأول مره يتحرك الشارع، وليس ذلك فحسب وإنما الذين يتحركون، صحيح أنهم ليسوا كثرة ترهب النظام، ولكنهم يعودون وينامون في بيوتهم، هذا أمر غير معتاد يعني يشبه الخارقة لعادة النظام العربي.

نحن في تونس عندما كان يخرج شبابنا في عهد بورقيبه كانوا يودعون أهليهم وأحيانا يلبسون أكفانهم، الخارج في مظاهرة معناها خارج للموت.
لماذا أصبح الأمن المصري والنظام المصري كأنه عاقل؟ من عقله؟

هنا العامل الخارجي مهم في الحقيقه وأشار اليه الأستاذ محمد سعيد، إن النظام المصري وبعض الأنظمة العربية كأنها محطوطة الآن تحت المجهر الدولي وهذا علي كل حال فيه عامل إيجابي، فيه نوع من الضغط يمارس علي هذه الأنظمة والتخويف لها بلاهاي وبمحاكمات اذا هي اطلقت الرصاص بالمليان علي المتظاهرين.. أنا أعتبر صحيح أن الحركه الديمقراطيه هنالك تراجع كون أهل البحرين يطالبوا بالعوده لدستور 1973 وما يحصلوش عليه معني ذلك أنه نحن نتقدم الي الوراء ولا شك أن الحريات التي كانت في الاربعينيات أحسن من الآن ولذلك ما ينبغي أن نقيس هذه الأنظمه.. اذا نعتبر اننا نريد الديمقراطيه وليس عندنا بديل غير الديمقراطيه مهما كانت سلبياتها.. نريد أن نستثمر في هذا المشروع ونطوره ولكن نعمل من داخله.. اذاً أهم مايتبقى أن نركز عليه في هذا الوقت هو ما ذكره أيضا الأستاذ خيري من حيث العمل علي ايجاد إئتلافات.

عائق كبير من عوائق الديمقراطيه هو هذا الشرخ الواسع هو هذه الهوة الواسعة بين الإخوان وكفاية، أي بين مجموعات النخب الحديثة أو بين قوسين (ذات التوجه علي نحو ما علماني) وبين التيار الاسلامي، مالم نرتق هذا الفتق لا يمكن أن يحصل تغيير في المنطقة، الدور الذي كان يقوم به العلماء في تاريخنا باعتبارهم ناطقين باسم الشعب هذا الدور لم يعد يقوم به المثقف بسبب الظروف أو الملابسات التي تشكلت فيها النخبه الحديثه يعني لا بد أن نتغلب علي هذه الصعوبه ولذلك مالم نلتقي في أهم ساحة للتغيير التي هي مصر مالم يلتق الاخوان مع كفاية.. نحن لما نسأل الإخوان ليش ما تساهمون في مظاهرة كفايه؟ نعم نحن نري معظم رموز الاخوان حاضرين، يقولون بأن جماعة كفاية، لا أدري إن كان ذلك صح أم غير صحيح، يقولون لنا لا نريدكم فقط، يعني نريد نوع من التعبئة الشعبية.. نريدكم مع الناس.. ولكن لا نستشار في هذه المظاهرة ولا في أغراضها.. وإنما يراد فقط كاننا نوع من الحشد نوع من الكم.

أخلص في النهاية الى هذه الحقيقة: نحن في زمن.. أنا لست مع الرأي أن الثورات الشعبيه انتهت، بل نستطيع أن نقول أن هناك بداية لاستئنافها الآن.. هناك بداية لحركة الشارع.. والعالم كله من حولنا يتحرك يعني كم من نظام أسقطه الشارع.. لماذا الشارع العربي لا يتحرك.. هناك أسباب.. ولكن على كل حال الآن العامل الخارجي.. هذا الغطاء لأسباب كثيره منها المقاومة في العراق.. لأسباب كثيرة بدأ يرفع الغطاء الدولي.. وبالتالي فنحن علي أبواب مرحلة جديدة في الحقيقة.

تعقيب صادق الشيخ (الشيخ راشد الغنوشي) على ورقة الدكتور رضوان زيادة عن مستقبل الحراك الديمقراطي في الشارع السوري (نشر ضمن كتاب الديمقراطية والتحركات الراهنة في الشارع العربي، 2006): 

طالعت ورقه الدكتور رضوان والخلفيه التي خرجت بها، التشابه الكبير بين الوضع في سوريا والوضع في تونس، وانا لا أدري من منا ينتظر الآخر حتي يغير، يبدوا أنهما أكثر وضعين في العالم العربي.. الأكثر إنغلاقا، هو العربي كله بالحساب السلبي و ماهو الاكثر سلبيه ، الوضع الوضع السوري والوضع التونسي، الوضع السوري كما ذكر الاخوان يستند الي شرعية التحرير، تحرير فلسطين والشرعيه القوميه وهذه كما ذكر الدكتور حسيب الآن آخذه في التساقط، النظام التونسي شرعيته من الحداثه يعني دائما هو يزعم لنفسه تقدما عن العالم العربي في مجال الحداثة.

هذه الشرعيه أخذت في التساقط إلا انه يبدو أن الوضع السوري متقدم علي الوضع التونسي وهذا أمر يغبطون عليه من جهة مثل هذا الخطاب الذي ذكره الدكتور زيادة تجاه الاخوان المسلمين. نحن تعودنا أن الخطاب تجاه الاخوان المسلمين، الخطاب الحداثي عامة والملون بلون يساري غامق كثير أو قليل ملون بلون يساري، دائما هو خطاب اتهامي وضحل مثلما ذكر الدكتور سعيد هنا وذكرت له هذا أن الإخوان المسلمين لا يتبنون الدوله الدينيه وهذا يعني أن ما يرد حول سعيهم لإقامة دولة دينية ليس صحيحا، ما أحد من الاخوان المسلمين حسب ما طالعنا وثائقهم الان يطالب بحكم رجال الدين أو بحكم ثيوقراطي وإنما كل الذي يطالبون به هو حكم ديمقراطي بمرجعيه دينيه اسلاميه وهذا ينبغي أن يكون قدرا مشتركاً بين كل العرب والمسلمين فنقطه إضاءه في الوضع السوري هو هذه العلاقه بين الاخوان المسلمين والاخرين وهذه النظره لجماعة الحداثه النظره الايجابيه بينما نحن في تونس رغم اننا نعتبر ان حركتنا متقدمه ربما هذا يعني رؤيتنا لانفسنا مبالغ فيها ولكن نظن باننا متقدمين في هذا المجال, ومع ذلك زملاؤنا في حركات المعارضه يجدو حتي الان حرجاً في الجلوس الينا وفي العمل المشترك خلافا للاخوة في سوريا.

هذه نقطه متقدمه يعني لماذا حصل هذا التطور بسرعه مع الاخوان المسلمين في سوريا بعد ان قادوا عمل مسلح في سوريا وهو تطور كبير من الجهتين من جهة الاخوان وقوبل من الجهه الاخري بالترحيب على حين في بلاد اخري بما فيها مصر لاتقابل خطوات التطور لدي الاسلاميين بخطوات مماثله من جهة جماعات الحداثه , وهذه معضله كما ذكر الدكتور حسيب والاخوان. أظن السؤال هنا: الي اين تتجه الاوضاع في سوريا الآن؟

في موضوع لبنان علي الرغم من كل سلبيات لبنان ولكن يظل لبنان أقل سوء في العالم العربي أو الاحسن في العالم العربي كله من حيث عدم وجود اقصاء في لبنان كل الجماعات موجوده لبنان. لبنان يضم كل أهله ولا نجد تقريبا قطر يضم كل اهله انا اظن ان اهل البحرين يبالغون في نقد وضعهم وفيه سلبيات كثيره ولكن علي كل حال تطوراً الان حصل في البحرين ان البحرين يضم كل اهله. انا اعتبر ان هذا مقياس الحد الادني لنظام ان يتحمل كل مواطنيه الذين لا يحملون السلاح وانما سلاحهم هو رأي وفكر يقدمونه من خلال الرأي النقد الشديد مثل الذي سمعناه من الاخوة في البحرين لايتقدم بهذه التجربه وإنما يعني يضع عقبات في الطريق . في تقديري ان لبنان يظل اهم ساحه في العالم العربي الدكتور حسيب ذكر قضيه مهمه ان هنالك ازمة قيم في لبنان اظن في العالم العربي هنالك أزمة قيم، موضوع الفساد موضوع فساد النخب والرشاوي طغيان الحياة الماديه وإنهيار الاخلاق يعني هذا تيار عالمي يجتاحنا وما اظن ان هناك قيم سلم اخلاقي وحياة اخلاقيه يمكن ان تقام اصلا في أي مكان علي غير اساس ديني ولا سيما في الامة الاسلامية. الغرب هذا اذا تخل عن تدينه له تراث ديمقراطي يعود اليه لكن نحن العرب اذا تخلينا عن الاسلام وعن قيمه الي أين سنعود. 

تعقيب صادق الشيخ (الشيخ راشد الغنوشي) على الجلسة الختامية النقاشية بعنوان: مابعد تحركات الشارع العربي: نظرة إلى المستقبل (نشر ضمن كتاب الديمقراطية والتحركات الراهنة في الشارع العربي، 2006):

يسود هذه الجلسة نفس تشاؤومي وتبدو الوسائل كلها مفقودة.. أدواتنا أسلحتنا كلها انهارت مابقي لنا إلا حركة الشارع.. وحركة الشارع هي نفسها أمامها عقبات كبيرة ينبغي يا أخواتي وإخواني أن ننظر لقضايانا المحلية في إطارها الدولي وماينبغي أن كل واحد منا ينغرس في نقطة معينة ويري أن موازيين القوي ليست لصالحه.. ويعني في النهايه إما يتفاوض مع الحكومة تفاوض استسلامي.. يروح يسلم كل شي، أو يروح يغامر مغامرة مهلكة.. ينبغي أن نشوف المشهد العام الدولي.. هو مشهد يتطور لصالحنا.. المشهد العام يشير إلى أن الولايات المتحدة زعيمة العالم في مأزق.. وهذا مش أمر بسيط لما تكون زعيمة العالم في مأزق.. يعني أن السياسة الدولية كلها تجاه الأمه هي في مأزق يعني لو كان الخميني انتصر في حرب 1981 و1982 ماذا كان سيولي علي العراق.. ماراح يجعل العراق ولاية ايرانية يسلمها للذين يحكومون العراق الآن.. يعني راح يسلمها للحكيم والجعفري يعني هل هناك حماقه أكثر من هذه من القوي التي تقود العالم.. ما في حماقه أكثر من الوضع المتردي.. ومش عارفه كيف تخلص منه.. ولذلك لما تكون السياسية الدوليه في مأزق.. معني ذلك نحن عندنا نفس.

الأمه هذه يا إخوانا هي الأمة الوحيدة التي استطاعت تحقيق نوع من ميزان القوي مع هذه القوي المهيمنة في العالم.. يعني إنسحاب الجيش الاسرائيلي الذي قهر العرب من جنوب لبنان هذا مش بسيط.. انسحابه من غزة مش بسيط.. المأزق الذي يعيشونه في العراق مش بسيط وهم يبحثون عن مخرج.. ولذلك في صحيفة اسرائيلية تقول كلما تأزم المشروع الأمريكي في العراق كلما وجب علينا نحن الاسرائليين أن ندفع الثمن. انسحبوا من غزه ويعتبرونه ثمنا دفعته إسرائيل مقابل رضا الولايات المتحده..

هذه الأمة وحدها التي تقاوم وترفض الاستسلام.. وبالتالي ننتظر يوما بعد يوم أن نجني ثمارا.. نحن قوتنا في هذا الدين.. الاسلام اليوم يتحسن كما أنه أسرع الديانات انتشارا في العالم ويتحسن كيفا عند أهله.. فالآن الحديث عن الديمقراطية الاسلامية وعن المجتمع المدني وحرية المرأة.. هذا كله أدبيات جديده عند الحركة الاسلامية.. فهنالك كما ونوعا.. وهنالك تحسن أنا أقول نحن نحتاج عندما نقارن بين حركة الشارع في العالم العربي والشارع في جورجيا واوكرانيا.. الشارع هناك يأتي بأصدقاء الغرب والشارع عندنا يُخشي جانبه لأنه يأتي بخصوم الغرب الذين يطالبون بتحرير فلسطين وبالوحدة العربية.. وهذا كله خط أحمر..

لكن علي أية حال نحن نحتاج أن نعمق ثقافة الشارع في تقافتنا العامة.. نحن نقول أولاد الشارع هذا للتحقير.. الانسان العادي سيكون قوة التغيير..

والتغييرات التي حدثت في العالم ورائها جبهات ورائها معارضة موحدة.. ورائها برنامج وورائها زعيم.. بينما نحن حتي الآن هذا الشارع لايمكن أن يُقاد بدون قيادة موحدة.. فلابد - وهذا واجب الاسلاميين وواجب التيارات الحديثة - أن تبحث عن وفاق.. ودون هذا الشارع لن يستبدل النظام القائم مهما كان فاسدا.. لا أحد يرمي نفسه أمام المجهول وأمام فوضي.. لذا نحتاج لأن ننظم أنفسنا.. أيضا الشارع لا يتحرك مثل النخبة التي يمكن أن تغامر.. لكن الشارع ما يتحرك إلا لما يشوف موازين القوي.. النظام القائم بدأ يتخلخل.. بدأت الحماية الدولية لهذه الأنظمة بدأت تخف في بلاد مثل الجزائر.. لو ترك الانقلابيون سنة 1992 لأنفسهم ماكانوش يصمدوا شهرا واحدا أو شهرين لكن العالم كله تجند لنصرتهم. اليوم هذه القوي الدوليه بدأت تدرك أن هذه الأنظمة الدكتاتورية هي تمثل خطرا علي أمنها القومي ولذلك بدأت تفكر في الانسحاب وتركها لنفسها.. وهذه لحظة مهمة ينبغي أن نلتقطها.. هنالك فرص في السياسة الدولية يمكن اقتناصها من أجل رفع الحماية عن الدكتاتوريات القائمة باعتبارها اصبحت تمثل خطرا علي الأمن القومي الغربي في النهاية..
هناك سنة تحدث عنها القرآن إسمها سنة التدافع.. فلولا تدافع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض.. ضمن هذا التدافع بين الاتحاد السوفيتي والحلف الغربي تحرر العالم الاسلامي كله.. لم يتحرر بقوتنا فقط وانما بوجود التناقض الغربي الشرقي.. الآن هنالك تدافع دولي جديد يمكن أن نستفيد منه. وبالتالي أنا أشوف مثلا فى السودان الوضع أفضل من السابق.. التدخل الدولي في السودان وفي لبنان كان ايجابيا.. لأنه رفع عن اللبنانين سلطة القمع.. وفي السودان فرض علي الاسلاميين الذين كانوا مراهنين علي أن يحلوا الأحزاب وينفردوا بالبلد كله.. فرض عليهم التعددية والإعتراف بالآخر.. هذا ليس بفضل الأمريكان ولكن هذه سنة التدافع.. وهذه رحمه من الله بالمؤمنين، القوي تتدافع حتي تترك للمظلومين فرصا. 


تعقيب الشيخ راشد الغنوشي على مداخلة الدكتور سعد الفقيه: تحفظات السلفيين على الديمقراطية (نشر ضمن كتاب: التحفظات على الديمقراطية في البلاد العربية، 2004):

الإسلاميين والديمقراطية

إذا قصدنا بالديمقراطية نظام الحكم المستند للإرادة الشعبية المعبر عنها من خلال انتخابات حرة نزيهة يتساوى في حق المشاركة فيها كل المواطنين على قدم المساواة ناخبين ومنتخبين ضمن ترتيبات يتفقون عليها، حيث تتوفر للجميع على قدم المساواة الحريات والحقوق الأساسية في الاعتقاد والتعبير وتكوين الجمعيات والتأثير في الرأي العام, وحيث يكون القضاء نزيها مستقلا والتداول على مراكز السلطة الأساسية متاحا ضمن ترتيبات يتفق عليها بحرية.

وإذا كان المقصود بالإسلاميين الحاملين لرسالة الإسلام في إحياء عقائده وتحريرها مما علق بها من الضلالات وإعادة الارتباط بينها وبين حياة الناس ومسالكهم وأنظمتهم الفردية والجماعية في سائر المجالات بما يحرر دار الإسلام من كل محتل وظالم وينفذ إرادة الله جل جلاله في إقامة شريعته وتحقيق مقاصدها في توحيد صف الأمة وبسط العدل والشورى والحرية والمساواة والرحمة والسماحة واكتشاف ذخائر الكون وتسخيرها للناس بما يحفظ حياتهم ويطور ثقافتهم وحضارتهم وذلك عبر إطلاق وتحرير طاقات الأمة ممارسة لواجباتها الشورية وإمكاناتها الاجتهادية الفردية والجماعية مستفيدة في ذلك من كل إبداع بشري يتساوق مع مقاصد الشريعة أو لا يتصالب معها في الأقل ، بما يجعل السيادة للأمة على دولتها في إطار مرجعية الوحي العليا.

إذا كان هذا المقصود بالديمقراطية ما ذكرنا فما موقف الإسلاميين بالمعنى المتعارف من هذا النظام السائد اليوم في العالم نموذجا للحكم المعاصر والذي لا يٌرى بديلٌٌ عنه في عصرنا غير الحكم الفردي الدكتاتوري الذي لا تزال البشرية تكتوي بناره وتناضل بكل طاقاتها ضده حتى أن حركة الإصلاح الإسلامي منذ قرن ونصف على الأقل جعلت من الاستبداد عدوها الأول وحمّلته مسؤولية انحطاط الأمة بما جعل أهم علاج قدمته للاستشفاء من هذا الداء الوبيل داء الانحطاط هو مقاومة الاستبداد والتبشير بحكم الشورى عبر ما سماه مصلحو القرن التاسع عشر في الآستانة ومصر وتونس التنظيمات أي تقييد سلطة الحاكم بالقانون "اقتباسا" من النموذج الغربي. فما موقف الإسلاميين بعد أكثر من قرن ونصف من الإصلاح من هذا النموذج السائد؟

لا تزال تسبح في بحر ثقافة الإسلاميين عدد من المفاهيم غير المحددة تحديدا علميا وهو ما يجعلهم فريسة للأوهام ومصدرا لإشاعتها من دون تكليف أنفسهم عبء التحديد العلمي لها متأثرين بردود الفعل على ما يصدر من خصومهم وأعدائهم من مسالك وثقافة وأفكار واقترانات غير علمية . من ذلك مثلا أن مسائل الديمقراطية والسيادة الشعبية والمساواة وحقوق الإنسان وحقوق النساء والاقليات وحرية الإبداع الفني وكثير من مفاهيم الحرية المعاصرة. يكفي أن يكون هذا الجهاز المفاهيمي قد أتخذ صورته المعروفة في إطار الثقافة الغربية وباعتبار ما انتشر حول هذه الثقافة من كونها لم تتأسس على تقديس الديانات بل على العلمانيات واعتبار لما تشيعه ثقافتها وأجهزة إعلامها وفنونها والمنتسبون لها والمبشرون بها من تحلل وفساد وتمرد من ربقة الدين والأخلاق حتى تفشو في الوسط الإسلامي المقهور غربيا سوابق أحكام من دون تمحيص أن الديمقراطية مثلا وحقوق الإنسان وما إليها من هذه المفاهيم هي بالضرورة لا تنفك عما اقترنت به من فلسفات الإلحاد والعلمنة والتمرد على الله والنبوات ونشر التحلل والفساد وتدمير مفاهيم الشرف والعائلة .

ويزيد الطين بلة ما يجتهد فيه العلمانيون من بني قومنا وحتى من بعض الغربيين من تأكيد التلازم المطلق بين تلك المفاهيم وبين الفلسفات المادية والعلمانية، وأنه ليس أمام الإسلاميين إذا راموا الإفادة من مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان إلا أن يقبلوا الغرب صبرة واحدة ، تماما على غرار ما كان يردده أسلافهم من شبلي شميل وإضرابه من تأكيد أن الثمن الوحيد الذي على المسلمين أن يدفعوه إذا ابتغوا الإفادة من مكاسب الحداثة كالتقدم العلمي والتفني هو خلعهم لربقة الدين واعتناق دين العلمانية والكفر بالله. مع أن العلمانية لا تعني بالضرورة الإلحاد بقدر ما تعني رفض سلطة رجال الدين ونقل تلك السلطة للشعب وليس في ذلك ما ينافي الإسلام من هذا الوجه. فضلا عن أن العلمانية إذا قصد بها الفلسفة التي تعادي الديانات أو تهمشها فليس بينها وبين العلم أو الديمقراطية أي ارتباط فقد وجدت العلمانية في الاتحاد السوفيتي وفي تركيا الحالية وتونس وغيرها من دون ديمقراطية وقد توجد بالتالي الديمقراطية من دون علمانية كما هو الحال في إيران. وإذن فهذا الاقتران المضلل الذي روجه غلاة العلمانية في وسط قطاع من الإسلاميين مستغلين ضعف تكوينهم في الفكر السياسي والفلسفات المعاصرة بما جعلهم يرددون في شكل مؤس شعارات لا يكادون يفقهون لها معنى من مثل لوك المقابلة بين سلطة الشعب على أنها عنوان الديمقراطية وسلطة الله على أنها عنوان الحكم الإسلامي للاستنتاج الساذج على أن التناقض بينهما حتم لازم، وهو ما يعرض حكم الإسلام في صورة بشعة جدا ومضللة وكأن الإسلام لن يحكم إلا عبر قهر الشعوب. وحيث سيتم الاحتكام للشعب فالإسلام سيخرج لتوه من النافذة.

وهؤلاء الاخوة بحكم وضعهم النفسي المنفعل من مظالم الغرب في حق أمتنا وهي قائمة وبحكم الاقتران الفعلي في الغرب وحتى النظري بين الديمقراطية والعلمانية والتحلل والاستعمار وبحكم ضعف التكوين النظري الفلسفي والفكري السياسي في وسط كثير من الدعاة والكتاب الإسلاميين فقد انتشرت كالنار في الهشيم فكرة تكفير الديمقراطية أو في الأقل التحفظات عليها لا يختص بذلك تيار منهم دون الآخر كما يتبادر للذهن بل هو قد انتشر لمدى بعيد في معظم أوساطهم. يكفي أن نعلم أن أكبر مؤسس للحركة الإسلامية المعاصرة الشيخ حسن البنا قد اشتهرت عنه الدعوة لحل الأحزاب وتعويضها بجماعة واحدة تعبر عن إرادة الأمة. وجاءت الثورة التي دعمها الأخوان لتحقق هذا النموذج بأكثر مما أراد الأمام رحمة الله. وهذه السابقة وما تلاها من اضطهاد الإخوان على يد الدكتاتوريات التي حكمت المنطقة لا سيما وكثير منها رفع شعار الديمقراطية أقام بين الإخوان لفترة والديمقراطية وسلطة الشعب حواجز عالية لاسيما مع ما أصله سيد قطب رحمه الله بقلمه البديع ودمه الغزير من نفور بين الإسلامي المعاصر والديمقراطية.

ولم يختلف فكر المودودي كثيرا عن فكر الإخوان في التحفظ على الديمقراطية لدرجة اعتبر نظام الحكم الإسلامي هو أقرب إلى الثيوقراطية الإلهية. وهو ما يجعل مسألة التحفظ على الديمقراطية لدرجة الرفض والعداء لا تخص تيارا واحدا من تيارات الحركة الإسلامية لا سيما في الخمسينيات وما بعدها حتى الثمانينات والتسعينيات فالأخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية لم تقدم على تجاوز تراث البنا في التعددية السياسية وفي القبول بمشاركة المرأة ناخبة ومنتخبة إلا منذ بضعة سنوات ولا تزال بعض فروعهم مثلما هو عليه الأمر في الكويت يرفض في إصرار بعدا من أبعاد الديمقراطية مشاركة المرأة. بل إن الجماعات الأشد في رفض الديمقراطية من بعض الإخوان وبعض السلفيين هم حزب التحرير الذي يجاهد جهادا ناصبا من أجل تكفير الديمقراطية واعتبار إن لا حرية في الإسلام بل تقيد بالحكم الشرعي مقيما جدارا لا يعبر بين الاثنين. أما التيار السلفي فليس له موقف مميز من الديمقراطية ففي أوساطه من يمارس العملية الديمقراطية ممارسة كاملة كما هو الأمر في الكويت وفي السودان يشارك السلفيون اليوم في الحكم القائم وفي الجزائر كان أشد دعاة السلفية حرارة وتأثيرا الشيخ علي بالحاج فرج الله كربه قد شارك مشاركة فاعلة في تأسيس الجبهة الإسلامية ودعم بكل قوة مشروعها الانتخابي ومشاركتها ضمن حكم ديمقراطي كما دافع حتى وهو في السجن عن العقد الوطني وهو مشروع لحكم ديمقراطي للجزائر وفي مصر تقدم عدد من الجماعات الإسلامية المحسوبة على الفكر السلفي بطلب اعتماد جماعة الشريعة حزبا سياسيا ليعمل ضمن الديمقراطية. فأين هي الجماعات السلفية التي توفرت أمامها فرصة للعمل السياسي في إطار الديمقراطية ورفضتها ؟

أما الذين يتحدثون عن رفض الديمقراطية في بيئة سياسية تكاد تنعدم فيها السياسية فلا يلا عبرة برفضهم لأن رفض ما هو غير موجود نوع من فقه الرأتيين . والخلاصة من كل ذلك أن الفكر السياسي الإسلامي المعاصر لم يتفق على صورة إسلامية لحكم إسلامي معاصر سواء في مستوى الحكم أو المعارضة خارج النظام الديمقراطي. وإن ما حصل في الجمهورية الإسلامية من تطور من رفض الديمقراطية لدرجة تكفيرها من جماعة خط الأمام ، رغم أنهم منذ البداية لم يجدوا ما يتحدثون به عن الدولة إلا أن يتحدثوا عن الجمهورية وعن مجلس الشورى والانتخابات واستقلال السلطات وتطوروا مع ضغوط الزمن إلى أن صاروا يتحدثون بكل جلاء عن الديمقراطية الإسلامية بينما كانوا شبيهين بحزب التحرير أو ببعض الجماعات السلفية والاخوانية في رفض الديمقراطية أو التحفظ عليها بما يشبه الرفض.

ومما يمكن استنتاجه في علاقة الحركة الإسلامية بالديمقراطية ما يلي:

1-تشترك كل الحركات الإسلامية الرافض والقابل والمتحفظ في مسألة الديمقراطية في التأكيد على أن الحكم جزء من الإسلام ورفض العلمانية بما هي فصل للدين عن الدولة كالتأكيد على ضرورة التسليم بأن المرجعية العليا في الدولة تشريعا وتنفيذا وثقافة ينبغي أن تكون لنصوص الوحي كتابا وسنة المرجعية العليا لكل المؤسسات. الحقيقية أنه ما من ديمقراطية إلا وسلطة الشعب وإن تكن من الناحية النظرية مطلقة فإنها في الواقع لا يمكن أن تعمل وتتحرك إلا في إطار ثقافي معين تم التصريح به في توطئة الدستور أم كان متضمنا ، من مثل الجمهورية ومبادئ حقوق الإنسان ، فأن يكون الإسلام إطارا مرجعيا في ديمقراطية إسلامية فليس ذلك بدعا في الفكر السياسي الديمقراطي.

2- بينما بدأ موقف الحركة الإسلامية مائلا إلى القبول بالديمقراطية وحسن الإفادة مما كانت توفره الأنظمة في المرحلة ما قبل الثورية حيث كانت كثير من البلاد تحكم بأنظمة شبه لبرالية في سوريا والعراق ومصر وتونس والمغرب .... غير أنه مع انفضاض هذه المرحلة وقيام أنظمة ثورية معادية للديمقراطية تولت حل الأحزاب واضطهاد المعارضة ولا سيما الإسلامية، تولت هذه تطوير فكر ثوري رافض للديمقراطية داعيا مع سيد قطب لإنشاء قاعدة صلبة تتولى إعادة الأمة الضالة للإسلام وتقيم شرع الله. غير أنه مع هزيمة الأنظمة الثورية واضطرار الأنظمة للانفتاح لتنفيس الاحتقان رفعت القيود وفتحت أبواب السجون وانفسح المجال أمام قدر من العمل الديمقراطية فأخذ الإسلاميون يستفيدون من المساحة التي أتاحتها الديمقراطية فدخلوا البرلمانات وشاركوا في العمل النقابي جنبا إلى جنب مع خصومهم العلمانيين والشيوعيين ، كل ذلك من دون أن يتطور فكرهم المجافي للديمقراطية غير أنه بحكم طبيعة الإنسان التي لا ترتاح للتناقض بين الممارسة والنظر بين العقيدة والفعل فقد أخذ الإسلاميون يراجعون مواقفهم من الديمقراطية فأصدر الإخوان مثلا في وسط التسعينيات موقف إيجابيا من التعددية ومشاركة المرأة ولكنهم ظلوا شأن معظم الإسلاميين القالين للديمقراطية ناهيك بالرافضين متحفظين تجاه التنظير المسوغ لأحزاب علمانية مع أنهم يسألونها شرعية لوجودهم باعتبارها حاكمة ويداولون السلطة معها في مستوى النقابات ويتعاملون معها حتى بالتحالف في المستوى السياسي وهو ما أبقى على هوة بين الفكر والممارسة في قبولهم بالديمقراطية، مما يؤكد نقصا في تماسك فكرهم السياسي يصل إلى حد الازدواجية والنفعية والخلل الخلقي، وإلا فكيف يسوغ في خلق الإسلام طلب الشرعية من الأحزاب والأنظمة العلمانية الحاكمة على أساس مبدأ المساواة في المواطنة وهي قيمة ديمقراطية ثم لا يرى مكان في فكرنا لتلك الأحزاب العلمانية بل هي ستكون مهددة بإجراء حكم الردة عليها. وذلك ما يجعل فكر الجماعات الجهادية الرافضة للديمقراطية جملة والتعددية في إطارها الإسلامي رغم كارثيته الأكثر تماسكا نظريا وخلقيا من الجماعات المعتدلة التي على ما حصل في فكرها من تطور في اتجاه القبول بالديمقراطية أسلوبا للحكم والمعارضة فإن هذا التطور لم يصل غايته في القبول بتعددية كاملة يستمد فيها الحكم شرعيته الوحيدة من الشعب حيث يكون الحزب الإسلامي تسري عليه نفس القاعدة فله أن يعتقد أنه وحده على الحق ولكنه يقف مع غيره على نفس المستوى من جهة أن السبيل الوحيد ليحصل حقه على فرصة أن يتحول برنامجا للحكم يطبق على الناس أن يكون هؤلاء الناس قد ارتضته أغلبيتهم ويستمر في الحكم ما استمر برنامجه مقبولا من منهم ولم في كل حين أن يسحبوا منه تلك الفرصة لينتقل إلى صفوف المعارضة ليأخذ مكانه حزب آخر قد نجح في إقناع الناس ببرنامجه. معنى ذلك أن على الإسلامي أن يميز أن يقبل بالمواطنة أساسا للحكم أي أن يسلم بأن الوطن ملك لجميع أهله بالتساوي بقطع النظر عن معتقداتهم وآرائهم وأن فرصته في الحكم تستوي مع فرصة غيره وهي تنحصر في نجاحه في إقناع أغلب مواطنيه ببرنامجه بقطع النظر عن مصدر ذلك البرنامج سماويا كان أم أرضيا . أحسب أن هذا الطور هو الذي تستشرفه الحركة الإسلامية المعاصرة التي قبلت أغلبيتها أجزاء كثيرة من الديمقراطية ولكنها لم تقبل بعد مبدأ قيام الحكم على أساس المواطنة واعتبار أغلبية المواطنين مهما اختلفت مذاهبهم.

3-في حدود علمي رغم أن عددا من المفكرين الإسلاميين ومن حركات الإسلامية قد اقتربوا كثيرا من القبول الكامل بالديمقراطية نهجا في المعارضة والحكم سواء بسبب ما لاقوا من ويلات الدكتاتورية أو بسبب توفر أقدار من الانفتاح السياسي في بعض الأقطار إلا أن القبول الكامل بكل آليات الديمقراطية نظريا وعلميا ربما لم يصدر عن غير حركة النهضة التونسية منذ إعلانها عن نفسها حزبا سياسيا سنة1981.

4- لا تمثل الحركة الإسلامية بين التيارات السياسية الرئيسية العربية استثناء في تحفظاتها على الديمقراطية. وبصرف النظر عن التيار اللبرالي الذي بشر بالديمقراطية ومارس أقدارا منها في ظل النفوذ الغربي إلا أنه بسبب قبوله لذلك النفوذ قدم صورة منفرة من الديمقراطية وهو ما أتاح الفرصة لخصومها أن ينقضوا عليه وإقصائه وعزله أقلية محدودة حتى اليوم على خلاف تيارات اللبرالية والبرجوازية في الغرب التي قادت حركات الثورة والتغيير . بصرف النظر عن التيار اللبرالي فليس لدى التيارين الرئيسين الذين كانت حملتهما شديدة على التيارين اللبرالي والإسلامي ما يفخران به ويزايدان على الحركة الإسلامية في مسالة الديمقراطية. وبصرف النظر عن الدول القومية الحاكمة بقوانين الطوارئ وأجهزة الاستخبارات ونظام الحزب الواحد والزعيم القائد على النمط الستاليني فإن الأحزاب القومية كالماركسية كان قفزها سريعاً ولكن في غير رشاقة من الرفض العقائدي والعملي للديمقراطية لا لتبينها من خلال مراجعة للنفس وتقويم جاد للمسار ونقد للماضي وإعادة القراءة في النصوص الماركسية والقومية. بما يفسح مكانا للديمقراطية وللآخر وهو ما فعلته بعض الحركات الإسلامية أو بإعلان التخلي عن تلك النصوص، لم تفعل لا هذا ولا ذاك وإنما اندفعت بمجرد تساقط البنيان الماركسي وهزيمة النموذج القومي العلماني الذي نسج على منواله اندفعت في عناق عجيب للديمقراطية البرجوازية التي طالما أوسعتها لطما وشتما بل ذهبت إلى أكثر من ذلك إذ اتخذت بعض أجنحتها من الديمقراطية وحقوق الإنسان والحداثة والمجتمع المدني ترسانة مسلحة في حرب الإسلاميين وتكفيرهم ديمقراطيا لتسويغ افتراسهم على يد أجهزة البوليس بحجة الدفاع عن الديمقراطية كما حدث في تونس والجزائر مثلا.

الوضع العربي الذي اكتوت كل التيارات بنار دكتاتوريته بقطع النظر عن نوعية الشعارات المرفوعة لبرالية أم قومية أم اشتراكية أم إسلامية يفرض على كل قوى التغيير أن تراجع مساراتها بجد في اتجاه الحسم الكامل مع كل فكر يؤصل لإقصاء الآخر المخالف ويفرض وصايته على المشترك وطنا ودينا ومصلحة عامة من أجل استمداد شرعية لحكم الناس من طريق آخر غير إراداعهم الحرة المعبر عنها بأفضل طريقة متوفرة في عصرنا هو الديمقراطية مجردة من كل خلفيا أيدلوجية غير احترام الإنسان وتكريمه والمساواة بين الناس واعتبار الشعب مصدرة كل سلطة. وما تبقى فأدوات قابلة للتطور. والى أن نجد خيرا منها فليس أمامنا غير القبول بها وإسداء الشكر للذي طورها، وهو ما نقل شورانا من مستوى القيمة الخلقية إلى نظام سياسي أتاح أدوات عملية ليكون القرار الذي يهم الناس معبرا عن إرادتهم كما أتاح التوفيق بين قيمتي الحرية والى وتداول السلطة ونقل الصراع عليها من أدوات القوى كما كان حالنا منذ ما بعد الراشدين إلى المستوى الفكري السلمي. وهذا التطور العظيم هو ما ينقص أمتنا لتنطلق. وذلك ما يفرض علينا جميعا أن ندع المكابرة جانبا لننطلق جادين في مراجعة جادة للنفس بدل الانشغال بمماحكة الآخر وتتبع عوراته. ورحم الله من أهدى إلي عيوبي. وعاش من عرف قدره. وفي الحديث "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا". وفي الكتاب العزيز "قلتم أنّى هذا ؟ قل هو من عند أنفسكم" آل عمران.

تعقيب الدكتور سعد الفقيه على الشيخ راشد (نشر ضمن كتاب: التحفظات على الديمقراطية في البلاد العربية، 2004): 

الشيخ راشد الغنوشي -في نظري- لم يعلق على الورقة بل قدم بحثا مستقلا عن حكم الإسلام عموما في الديوقراطية من وجهة نظره هو. ولم يرد في تعليق الشيخ إشارة لقضية السلفية إلا في سياق جانبي جدا. لذلك أجد صعوبة في التعقيب على كلام الشيخ إلا بخرق نظام الجلسة والخروج عن مادة الورقة.

وإذا سمح لي بذلك أقول إن الشيخ راشد ينحى منحى فيه –في نظري- إشكالية منهجية من اتجاهين. الاتجاه الأول في القطع بتعريفات محددة أو على الأقل بوجود تعريف لقضايا لا خلاف على أن تعريفها وتأطيرها فضفاض مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان والسيادة الشعبية. وهذا القطع فيه توريط فكري وإلزام يجعل النقاش مغلقا، وأعتقد أنه يساهم في منع التواصل الفكري بين التيارات الإسلامية. الاتجاه الثاني هو الحديث بثقة باسم الإسلام وليس باسم مدرسة فكرية يمثلها الشيخ راشد الغنوشي. وهذه الثقة في صياغة تعليق الشيخ خاصة مع نشرها بلغة خطابية يشعر الآخر بأن القضية محسومة بالنسبة للشيخ الغنوشي ولا مجال فيها للمساومة، وهي إشكالة تؤكد إغلاق النقاش ومنع التواصل الفكري. أما محاولة الشيخ فك ارتباط المفاهيم الحالية للديموقراطية وحقوق الإنسان والسيادة الشعبية بالعلمانية أو بالفكر اللاديني فأظنها محاولة مرتبطة بتعريفاته الخاصة لهذه المعاني خلافا للتعريفات والمعاني والمفاهيم الدارجة لهذه المصطحات. وحين نلاحظ سعي الشيخ بقوة لإلزام الفكر الإسلامي بتبني هذه المفاهيم نستطيع أن نرى ما يمكن أن أعتبره نموذجا عمليا لترجمه إشكاليات الشيخ المنهجية التي أشرت إليها. ويجتهد الشيخ في ذلك لدرجة أنه يستغرق في وصف سذاجة الإسلاميين الذين يعجزون عن فهم فك الارتباط هذا وتخلفهم في التعامل مع التحديات السياسية.

وأما كون ما قاله الشيخ هو الحق أو الباطل فهذه قضية ينظر لها من بعدين، البعد الأول مطلق وهو مدى صحة نسبة هذا الموقف للإسلام، والثاني مدى مصداقية هذه المواقف في قواعد التيارات المسلمة. وأنا شخصيا لا أعتقد أن حسم المطلق أهم من البعد الثاني، لأن البعد الثاني هوالأمرالذي يعطي القضية ثقلا من الناحية السياسية والعملية. ولذلك مهما اجتهد الشيخ راشد أو غيره في محاولة تقريب وجهة النظر الإسلامية من الديموقراطية فإن الفيصل في القضية ليس اجتهاده ولا اجتهاد غيره بل الفيصل هو من الذي تخترق آراءه القواعد الشعبية؟ ويحق لي أن أزعم أن الطرح السلفي يسجل مزيدا من الاختراق والانتشار، ولذلك ربما يكون لانتشاره الشأن الأكبر في القضية.

النقطة الأخرى المهمة في هذا الجانب ولها علاقة بمداخلات أخرى هي أن ما يهمنا في هذه الدراسة هو مسألة الدقة في الوصف والتحليل والنقل عن السلفيين وليس الحكم عليهم وعلى مواقفهم. بمعنى أن أي مهتم بمسألة الديموقراطية خاصة في البلدان العربية ما دام يعمل في ميدان توجد به هذه التيارات، فمن المنطقي أن يتعرف على كيفية نظرتهم للديموقراطية بأمانة ودون محاولة تلطيف قبل أن يفكر بالحكم على هذا الموقف.

تعقيب الشيخ راشد على ورقة تحفظات النخب السياسية العربية على الديمقراطية للأستاذ محمد غانم الرميحي (نشر ضمن كتاب: التحفظات على الديمقراطية في البلاد العربية، 2004):

أنا لم اقرأ الورقة ولكني من خلال ما استحقت من عرض ونقد أرى أنها قد اندرجت كما يذكر الأستاذ جشي، ضمن التحفظات على الديمقراطية أو المحاذير التي ترد على الديمقراطية. إذا كانت محاذير الإسلاميين من الديمقراطية تقوم على الخوف من أنها يمكن أن تقود إلى الخروج عن الشريعة، فإنه يمكن تطمينهم أن أمتنا هذه أمة نشأت في إطار الإسلام ولن تخرج في النهاية - وما ينبغي أن تخرج - عن إطار الإسلام. لكن كيف نستطيع أن نطمئن نخبة الحداثة عندما ترى أو تريد أن تقنعنا أن مشكلة الديمقراطية في العالم العربي تكمن في أنها يمكن أن تأتينا بالرعاع ، ويمكن ان تأتينا بالفوضى، ويمكن ان تأتينا بالغوغاء. كيف يمكن أن نطمئن النخبة الحداثية، هل نطمئنها بإلغاء الشعب؟ فنحن في هذا الوضع أمام أمرين : إما أن نغير النخبة لتنسجم مع روحانية الشعب ووجدانه أو أن نغير الشعب ( كما قال الأستاذ الفضل الشلق). أرى بأن نخبة الحداثة بحكم التكوين - وأنا أخشى أن الإسلاميين أيضا يمكن أن يندرجوا ضمن نخبة الحداثة - تنتشر بينهم فكرة التعالي على الناس والذين هم في نظرهم غوغاء وجهلة وليسوا مثقفين وأن "العامة" وهذا مصطلح قديم في فقهنا وللأسف ورثته نخبة الحداثة، كأنها كيان غير عاقل يخشى منه إذا اندفع أنه سيخرب كل شي.

والحقيقة أن هذه التصورات لا صلة لها بالإسلام، لأن تصور الإسلام يقوم على اعتبار أن الأمة معصومة أصلاً. فارتفع بها، وأعطاها الثقة لدرجة أنها وباعتبارها معصومة فهي مصدر من مصادر التشريع. وما رآه الناس حسن فهو حسن وللجمهور مكانه. خشيتنا الحقيقية هو أن مفاهيم التخلف تلك التي ورثناها والتي يقوم جانب منها على تحقير الناس والعامة والغوغاء، أن ترثها نخبة الحداثة. الآن الحل في النهاية هو إعطاء نفس جديد عبر تأسيس لنموذج ديمقراطي.

الحقيقة إذا اعترض البعض على الديمقراطية بأن مستوانا الاقتصادي متخلف ، دول الخليج أظن مستوياتها الاقتصادية كان ينبغي بحسب ذلك ان تكون في أعلى مستويات من الديمقراطية وليس الأمر كذلك وحتى ذلك لا يصح لأن هناك دولاً ، في أفريقيا اليوم كالسنغال وزامبيا هما ضمن دول بالمقاييس الاقتصادية التنموية أدنى من العالم العربي كله فلماذا نحن متخلفون عنها؟ بماذا نفسر هذا؟ ، أيضا لو كان غياب الديمقراطية هو بسبب تخلفنا وهو بسبب الأمية، فإن النماذج التي حصلت في أمريكا اللاتينية وأيضا تلك التي حصلت في أفريقيا تلغي هذا الاحتراز.

مشكلتنا الحقيقية هي في الدولة المتسلطة علينا بدعم من الخارج، والتي تجد دعماً داخلياً وسنداً من نخبة الحداثة حتى وإن تكن هذه الحداثة إسلامية للأسف . كلها تنطلق من فكرة واحدة أننا ينبغي ان نتسلط على الناس من أجل تغييرهم حتى نأخذهم إلى جنة التقدم بالسلاسل .

مداخلة الشيخ راشد على المناقشة الختامية: التحفظات على الديمقراطية وكيف يمكن مقاربتها (نشرت ضمن كتاب: التحفظات على الديمقراطية في البلاد العربية، 2004): 

إننا إذا انطلقنا من كلمة الأستاذ شلق أظن علينا أن نفهم المجتمع، إذ أن فهم المجتمع هو الطريق إلى الحرية وإذا فشلنا في عملية التغيير الاجتماعي فهذا يعني أننا لم نفهم هذا المجتمع باعتبار أننا نخبه تكونت في ظروف تاريخية محددة تكونت فيها حواجز بينها وبين المجتمع. هناك هوة بينها وبين الناس قد تختلف مساحتها من مكان إلى آخر، ولكنها قائمة ولا يمكن تجاهلها. ومهمتنا في المرحلة الراهنة وعبر الندوات وغيرها هو أن نتواصل، أن نضع جسورا بيننا وبين الناس هذا هو شرط التغيير. فمهمة التغيير لا يمكن أن تنجز إلا بالتوافق بين النخب أولا على أساس انه لا يمكن للنخب ان تغير المجتمع إلا بالتوافق مع الناس. مشكلة الحداثة في العالم العربي أن النخبة أرادت ان تغير الناس , هؤلاء غوغاء وهمج وبقايا من التاريخ ينبغي علينا أن نغيرهم ، نحن الأطباء والناس مرضى , والطبيب ينبغي أن تعرض عليه حالة المريض حتى بدون اقتناع منه، ونحن حتى الآن شعوب لا تزال تخضع لسلسله من العمليات يفرضها علينا الغرب بواسطة نخب , هذه هي النقطة الأولى التي نحتاج من خلالها إلى التواصل بالحوار.

أظن أن هذه الندوة جلبت طائفة أخرى من الناس , ممن لم تكن تحضر في السابق. فهي تحضر الآن وتعبر عن رأيها، والديمقراطية ليست إلا أن يتعايش الناس وأن يقبل الناس بعضهم بعضا كعقيدة، وبقدر ما تنتشر هذه التربية وتكون لها أسس ثقافية بقدر ما تنجح هذه الديمقراطية. والمشكلة دائما هي عند النخب أكثر مما هي عند الناس . مهما امتد جوارنا ستظل هناك اختلافات كما قال الدكتور عبد الوهاب الأفندي فكيف نحسمها؟ مركز دراسات "المعاناة" العربية قام بدور مهم جدا في التأسيس الثقافي لهذا الحوار المطلوب، وهذه الندوة قامت بدور. والمطلوب أن تتعدد هذه الأدوار لكن مهما امتد الحوار ستظل هناك اختلافات .. كيف نقاربها؟

هنا تتدخل الديمقراطية لتنظيم قيمة إسلامية اسمها التشاور. بمعنى أن القرار الذي يخص الناس لا يرضون بأن يقوم بالتغيير فيه شخص أو مجموعة. بالتالي فالشورى أحسن ما أبدع الإنسان وحتى الآن هي ليست مقدسة أو نهائية أو مطلقه وإنما هذا ما توصل إليه الناس.

السؤال الذي سأله د. حسيب ، هل شعوبنا تضحي من أجل الديمقراطية. هل الديمقراطية هي التعبير عن إرادة الناس, فإرادة الناس لها جوانب سياسية وفيها جوانب اقتصادية وفيها جوانب ثقافية, على كل لا أحد يتهم شعوبنا بأنها لا تضحي والسجون مليئة في كل مكان وهي ليست ممتلئة بمواد خام وإنما بطاقات نضالية تضحي من أجل التغيير إلى الأحسن. ولا توجد أمّة مطموع فيها في العالم مثل أمتنا لأنها متمسكة بالحرية ولا يوجد أمة بذلت الدم حتى الآن ولا تزال، مثل هذه الأمة . ولذلك لا يمكن أن نتهم شعوبنا بأنها لم تناضل من أجل الديمقراطية ولو أفسح حكامنا الحرية أمام الناس لكان الأمر افضل؟ لأن هذه الشعوب واعية ولو ترك الأمر إليها لتغير الوضع كله. ولذلك نحن نعيش هذا الصراع الدموي المحتدم بيننا وبين هذه الدول التي لا تمثل إرادتنا وإنما مفروضة علينا ترحما من الخارج حتى لا أطيل، أظن بأن هذه النخب تحتاج المعاناة ان توحد جهودها لان ألوان القمع التي تمثل الإرادة الغربية لا يمكن ان تضطهدنا إلا بواسطة بعضنا بعضا . نحن في تونس مثلا اضطهدنا في بداية التسعينات اضطهادا لم يعرف له تاريخ البلد مثيلاً . وهناك قسم من النخب قدم الفتاوى أن هؤلاء خطر على الديمقراطية وخطر على حقوق الإنسان، وخطر على حقوق المرأة وعلى المجتمع المدني، ولذلك أيها الحكام اذبحوهم . ذبحونا بيد النخب، ولكن الحمد لله الآن هناك وعي وتقارب بين كل النخب ولذلك الحاكم اليوم أصبح يعيش في عزلة, إذا فمن المهم ان يكون بين هذه النخب ميثاق أن لا تناصر ظالما وأن تنتصر لكل مظلوم سواء كان هذا المظلوم هو مسلما أو مسيحيا، سلفيا أو خلفيا وربنا سبحانه وتعالى ينتصر للمظلوم وحرّم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرّما وليس بين المسلمين فقط.
أخيرا أقول لا يمكن ان يتحقق التداول إلا بأمرين:

أولا أن يخف علينا ضغط الهيمنة الغربية التي هي باستمرار تواجهنا، وعلينا ألاّ نجلد أنفسنا ونقتل أنفسنا ونعتبر أننا مسؤولون عن كل الكوارث . جانب كبير من الكوارث هو ميزان القوى الدولي الذي لا يزال مائلاً لصالح أعدائنا.. الجانب الثاني: أن التداول لا يحصل بين متناقضين، والتداول هو انتقال من الشبيه إلى الشبيه وليس من النقيض إلى النقيض ولذلك إلى أن توجد بين هذه النخب قاعدة قواسم مشتركة .هذا شرط للتداول. وهنا نقول لإخواننا العلمانيين لا ينبغي في يوم من الأيام أن يجدوا إسلاميا فاهما لإسلامه يتنازل عن نص ثابت من نصوص الدين كعقيدة . فالإسلامي لا يعتبر أن هذا ملك له هو يريد ان يتوافق مع الناس، ولكن لا يشعر بأن هذه النص الديني ملك له "للذكر مثل حظ الانثيين" مثلا لا يمكن لإسلامي ان يغير هذا لكن الإسلاميين من جهتهم يراغبون في التوافق في حدود عقيدتهم . فلا ينبغي للعلماني أن يطالب الإسلاميين بأن يتخلوا عن أصل دينهم . ولكن هذا الإسلامي أيضا من جهته لا ينبغي ان يعتبر نفسه وصيا على الدين وناطقا رسميا باسمه. كعقيدة ليس للإسلام كنيسة ولذلك نرى الدكتور سعد الفقيه أعطانا سبعة مذاهب للسلفيين هذا داخل فصيل واحد هناك سبعة مذاهب للسلفيين ولو امتد لوجد عشرات منها. هذه الاجتهادات المختلفة في النهاية كيف تحسم؟... تحسم عبر الديمقراطية بحيث أن المشروع الإسلامي لا طريق له للتحقق إلا عبر الإرادة الشعبية وبالتالي التداول دائما يجب أن يرى على أساس الديمقراطية وعلى أساس المواطنة .

تعقيب الشيخ راشد الغنوسي على ورقة الأستاذ جمال عبداللطيف الرفاعي: تقييم التجربة الديموقراطية الأردنية المعاصرة وآفاقها (نشرت ضمن كتاب مداخل الانتقال إلى الديمقراطية في البلاد العربية، 2003):

إذ نتحدث عن"الديمقراطية" في الاردن وأمثاله من الانظمة العربية التي توفر لشعوبها قدرا محسوبا بدقة من الحرية والمشاركة مقابل أنظمة عربية أخرى مغلقة بالكامل وتكاد شرعيتها لا تستند إلا للقوة السافرة، يبدو أننا لا نتكلم لغة واحدة ،ذلك أن الديمقراطية وإن اختلفت أشكالها وفلسفاتها فإنها تلتقي جميعا في قواعد أساسية تعطيها تميزها عن سائر الأنظمة وتغيب بغيابها من مثل علوية القانون على شخوص الحاكمين وتساوي الجميع أمامه وتعبيره عن إرادة الجماعة كلها أو أغلبها ووجود قضاء مستقل عن سلطة الحاكم ونظام للتداول عبر انتخابات دورية نزيهة، من حق الجميع المشاركة فيها على قاعدة المساواة في حقوق المواطنة:حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير والامتلاك والانتقال وضمان العيش الكريم والامن من الاضطهاد والمشاركة في إدارة الشأن العام عبر تشكيل الأحزاب والجمعيات والانتماء اليها،بما يتيح للأغلبية أن تحكم وللأقلية أن تعارضها بأمل أن تحل محلها في جولة قادمة. وتتأسس الفكرة الاساسية لهذا النظام على التسليم للشعب بأنه صاحب السلطة وأن الحكام أجراء عنده ينصبهم، يراقبهم، يحاسبهم، ينتقدهم،يصرفهم متى شاء، وفق ترتيبات وقوانين يسنها،على اعتبار أن للناس حقوقا ثابتة غير قابلة للتصرف فيها، وأن مهمة السلطة في الدولة إنما هي القيام على هذه الحقوق وخدمتها واقامة ضوابط لحمايتها واحترامها لا لمصادرتها والالتفاف حولها بشتى الذرائع.وواضح أن المعالم الاساسية لهذا النظام تتناقض مع ما هو سائد منذ زمان في أنظمة الحكم السائدة في بلاد العرب، حيث تعتبر الدولة ملكا خاصا للحاكم وأسرته يتصرف فيها حسب ما يقدره من مصلحة، وأن شخص الحاكم وتصرفه المقدس الأعظم في الدولة الذي يصان ويستعلي عن كل نقد أو شكل من أشكال المحاسبة، فليس "مسؤولا" أمام أي جهة ليقدم أمامها حسابا غير ضميره إن بقي له ضمير، يستوي في ذلك الملوك والرؤساء والسلاطين والأمراء. ومنتهى المطلوب منه الرفق والتسامح مع الرعية.وهو تصور لا يستبقي مكانا للحديث عن حقوق ثابتة للمواطن وأن الشعب هو صاحب السلطة، وما الحاكم سوى أجير. فلا مكان هنا لعلوية القانون على الجميع فضلا عن تداول السلطة أو للفصل بين السلطات أو للقضاء مستقل..الخ.هذا هو حال الأنظمة العربية عدا استثناء واحدا له ملابساته الخاصة هو لبنان حيث يمكن بنوع من التجوز الحديث عن شكل بسيط خاص من الديمقراطية.

وإذن فالحديث العلمي المناسب لتوصيف النظام العربي من جهة التمييز بين نظام وآخر هو الحديث عن أشكال من حكم الاطلاق أو الدكتاتورية بحسب نوع إدارة الحاكم لسلطانه المطلق.وبهذا الصدد يمكن تمييز نوعين من الدكتاتورية:

1- دكتاتورية "ذكية"تتوفر على قدر من "التسامح" وليس "الحقوق"، للسياسة فيها مكان محسوب،من تفاوض ومساومة وضغط وترغيب وتنازل بحثا عن الوفاقات والترضيات،تؤثر التعويل على السماحة واللين والدهاء والاغراء بالمال والمنصب والانعام بالمكرمات وكل فنون الترغيب والعفو عن"من زلت به القدم"من الرعية مهما بدر منه مادام تحت السيطرة ، فلا تلوّح بالعصا حتى تستنفد كل ذلك،وإذا استخدمتها فبالقدر الأدنى الضروري دون اسراف في البطش والتنكيل وإطلاق العنان لنزوعات الانتقام. نحن هنا إزاء دكتاتورية ذكية مطمئنة الى رسوخ شرعيتها،جاهدة في الحفاظ على سلامة ومتانة النسيج الاجتماعي والديني الذي أسست عليه حكمها حريصة على توريث البناء سليما الى الأبناء، إلا أنها تتوفر على استعدادات للبطش غير محدودة فيما لو تجاوزت المعارضة الحيز المرسوم لها وطالت المقدس في الدولة وما يعتبره الحاكم وأسرته أو عصابته مصالح عليا.ويمكن أن ندرج ضمن هذا الصنف الأنظمة العربية المحافظة التي تأسست على الارث التقليدي لشرعية الحكم من حيث صلته بالدين وبالقبيلة، مثل النظام الاردني والمغربي واليمني وأنظمة الخليج عامة،حيث قل أن عرفت الاضطهاد المفتوح والقتل والتنكيل من دون حد والسجون المشحونة بالآلف.اللاهم إلا عند تعرض سلطانها لخطر حقيقي ثم تعود سياسة "التسامح".

2- دكتاتوريات مفتولة العضلات،مكفهرة الوجه، حظ السياسة فيها من تفاوض ومساومة وبحث عن وفاقات وحلول وسطى وتبادل للضغوط محدود جدا، تعتمد أساليب التعبئة الشعبية على النمط الفاشي،عبر الاحتكار الكامل أو شبه الكامل للمجال العام السياسي والثقافي والديني، تختزل أو تكاد الدولة والوطن في شخص الحاكم وحزبه وكل متعلقاته، في احتقار كامل لذكاء الناس ولكرامتهم ولروح العصر في مسعى لتنميطهم في قوالب حددتها سلفا . من بدا منه عدم الانسجام أو المعارضة سارع اليه بطش وتدمير لوضعه وسمعته وكل ما له به اتصال غير محدود.الحاكم هنا شديد الحساسية من كل نقد أو معارضة" يحسبون كل صيحة عليهم"،هو غير مطمئن الى شرعيته،فلا ثقة له في غير ما تحت يده من أدوات البطش والمال وأجهزة التحكم،مراهن على الاخضاع لا على الاقناع وعلى تقويض البنيان التقليدي للمجتمع عبر أدوات الدولة،حانق على المؤسسات والقوى الممثلة لتلك البنية الدينية والقبلية،مصمم على استبدالها ببنية حديثة يستمد نموذجها من الأنظمة الفاشية والشيوعية التي مثلت أمام جيل ما بعد الحرب العالمية الأولى وحتى قريبا من سقوط الاتحاد السوفياتي نمط التحديث الذي استهوى الجيل الحداثوي الذي حكم العالم العربي ولا تزال بقاياه تصارع صراعا مريرا من أجل البقاء وتضطر الى أحجام من البطش متزايدة بقدر تصاعد شعورها بالخطر وتبدل اتجاه الرياح العالمية.

وإذن فالحديث عن الديمقراطية في الأردن أو في النظام العربي عامة هو حديث في غير مكانه ويوقع في الفوضى الفكرية ويمثل تشويشا خطيرا عن مشاريع التغيير الديمقراطي الجاد وتعويقا لها. إن وضوح الرؤيا وسلامة التشخيص للواقع شرط أولي من شروط تغييره. العالم العربي محكوم بدكتاتوريات يمكن تصنيفها الى سيئة وأسوأ. وما من شك في أن أسوأ الدكتاتوريات المتبقية في العالم هي التي تحكم بلاد العروبة. غير أنه داخلها يمكن الحديث عن أشكال من ادارة الدكتاتورية:دكتاتورية ذكية تتمتع بأقدار من الاطمئنان الى شرعيتها فتتصرف بقدر من السماحة والسياسة ولا تتردد في الانعام بالمكرمات على الرعية ولا تسرف في العنف إلا عند استشعار خطر جاد على وجودها، ودكتاتورية غبية مفتولة العضلات مكشرة الانياب سيئة الظن بالناس معولة على اخضاعهم قبل اقناعهم. وفي كلا الحالين الدولة ليست ملكا للشعب وإنما ملك خاص للحاكم وأسرته.

مداخلة الشيخ راشد الغنوشي في جلسة مستقبل الانتقال الى الديمقراطية في البلاد العربية: مناقشة عامة ختامية (نشرت ضمن كتاب مداخل الانتقال إلى الديمقراطية في البلاد العربية، 2003):

أنا أظن أننا في عملية التحول الديمقراطي لا بد أن نولي اهتماما كبيرا بالعامل الخارجي ، حتى الآن لا تبدو هناك مصلحه دولية في ان شعوبنا تقرر لنفسها وان يكون القرار معبر عن الناس عن أغلبية، لأنه ببساطة لو حصل ذلك لطالب الناس مباشرة بالوحدة، الناس سوف يطالبوا بتحرير فلسطين، الناس سوف يطالبوا باستعادة الأموال الهاربة. هذا كله من غير الممكن قبول الخارج به. ولذلك فأي دراسة بظني لواقعنا الراهن بدون إعطاء هذا العامل الخارجي أهمية كبيرة، في النهاية لن توصلنا إلى شئ . ربما نجد أنفسنا نجلد أنفسنا ونقول ثقافتنا ما تسمح للديمقراطية والى آخره. يعني روحوا انتحروا إلى أن يحصل قبول العامل الخارجي. هذا مزاد قوة لصالح الخارج. لكن ما فيش قوة تبقى إلى الأبد. ميزان القوة متحول والى أن تفعل عوامل كثيرة فعلها وتتغير موازن القوى. لنعمل على تقوية العوامل الداخلية وتغير الموازين. وهذا لا يعني أن نظل مكتوفين الأيدي، لكن علينا أن نعمل وان كان عملنا هو دون الطموح. لأننا سوف ننجز تحول ديمقراطي دون الطموح علينا أن نقبل بأشكال أخرى من الدولة افضل نسبيا من الدولة الراهنة، اقل عنف ولا تستعمل العصا الغليظ والحروب الأهلية. وهذا يقتضي أولا أرضية مشتركة بين النخب...لأن جانب كبير من مآسينا ليعود إلى صراعات النخب. وإذا كنا نستطيع أن نقول إن مسئولية التدهور تعود إلى العوامل الخارجية التي ليسنا لنا فيها خيار، ولكن ما نملكه هو ما نستطيع أن نغيره وأول ذلك أن نغير العلاقة بين النخب ، أنا من تونس وأدرك انه كانت هناك حركة شعبية قوية وكان هناك مجتمع مدني قوي في عهد أبو رقيبة .... كل هذا دمر بفعل من فاعل. اتحاد حصل بين نظام بوليسي مع قطاع من النخب على خلفية ماذا؟ خلفية التخويف من الخطر الإسلامي، ولذلك قيل تعالوا نتحالف لنتخلص من الخطر.

ولكن الذي حصل انه ضربت الحركة الإسلامية ثم ضرب المجتمع المدني ضربت النقابات وضرب اليسار ولم ينتصر إلا البوليس في النهاية. هذا النوع من الأخطاء أظن بأنه تكرر في اكثر من موقع حيث ضرب النخب بعضها ببعض لا أقول بان الإسلاميين من غير الممكن أن يوافقون على ضرب غيرهم، اللعبة هذه ينبغي أن نضع لها حد زي ما قال واحد من الاخوة أظنه علي عتيقه. قال نعم ما سمي في الجاهلية حلف الفضول قبل أن يأتي الإسلام، كان العرب تواطئوا على أن ينصروا كل مظلوم. ونحن مع الأسف لا بمستوى قيم الإسلام ولا قيم الديمقراطية ولا قيم الجاهلية، آن الأوان ان نتواطأ على موضوع حقوق الإنسان هذا موضوع مقدس وان نعمل على ان يكون الوطن ملك للجميع لا ملك للإسلاميين وحدهم ولا للقوميين وإنما الوطن ملك الجميع. أظن بان نخبنا مازالت محتاجة إلى تعميق هذه القناعة وان يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات. الجانب الآخر هو ان نثق في الناس نخبنا حتى الآن ثقتها بالناس كل الناس كل الشعب يعني محدود إلى حد فكرة الوصاية على الناس والتسلط على الناس وانه هذا الإسلامي عنده قيم ويريد ان يكون أعلى من الناس والعلماني عنده أفكار يريد ان يفرضها على الناس، وفي الغالب الدولة هي الأداة كل واحد يعمل على ان يصل إلى اجمل شيء في هذا المجتمع هذا هو الدولة من اجل ان يقهر بني وطنه وان يقهرهم بوسائل غير سياسية، يقهر النخب المنافسة له. أظن التجارب التي حصلت هي من المرارة بدرجه تجعلنا نضع هذا التحالف المقدس موضع التطبيق ان الوطن ملك للجميع وان ننصر كل مظلوم وان نثق في الناس، حتى ولو ان الناس الآن أعطوا ثقتهم في العلمانيين ليكن لو ان الحزب الشيوعي انتخب بشكل ديمقراطي ينبغي ان نحترم إرادة الناس وان نعتبر ان حكمه حكم شرعي حكم قانوني ثقتنا في الناس تجعلنا ان نقبل ولا نعتبره انتهاكا. الجبهة الإسلامية أخذت الحكم في الجزائر لنتركها تأخذه لبعض الحين، ومن قال أنها لو أخذت الحكم ستخرب البلد - البلد خرب الآن بشكل لا يتصور أحد ان أي حكم مدني يمكن ان يضر بمثل ما اضر به الانقلاب في الجزائر.

إذا الثقة في الناس تجعل هذا الخوف - الخوف من نخبه معينة إسلامية أو علمانية خوف لا يدل على حس ديمقراطي يدل على خلفية دكتاتورية أنا عندي وصاية على خلق الله ما أخذ أحد وصاية على خلق الله، ثق في الناس يا أخي قدم بضاعتك للناس وانتظر لحكم الناس وإذا حكم الناس ضدك ما تيئس أيضا فيهم فالدنيا وتلك الأيام نداولها بين الناس. يعني باختصار نتجنب موضوع العنف عند حسم الخلافات الحسم للخلاف بوسائل العنف اضر بعملية التحول الديمقراطي ومكن الدولة البوليسية في مصر وفي الجزائر وفي غيرها بحيث اكثر من انتفع بالعنف هو نظام الدولة ولذلك هذا طريق مسدود. علينا ان نتجنب الاندراج كما قال الاخوة للمخططات الأجنبية زي ما قالت الدكتورة خديجة في موضوع ان الديمقراطية ستصنع من خلال الدبابات الأجنبية هذا أمر ينبغي أيضا ان يكون من المحرمات الكبرى. لا يمكن للأجنبي ان يصنع الديمقراطية ولماذا أتصور ان الأجنبي سيصنع الديمقراطية، ولذلك إذا اعتقدنا بان الديمقراطية هي حكم الناس والناس يريدون تحرير فلسطين ويريدوا الوحدة ويريدوا الثروة فليست هناك مصلحة دولية في ذلك . وهذه الدولة القطرية هذا أيضا ينبغي ان ننزع كثير من القداسة التي أحيطت بها هذه الدولة القطرية لم نرى في عهدها إلا البلاء والمذلة والهون وهي ليست دولة قومية في الحقيقة عندما ننظر لا مثالها في الغرب فالفرنسيون قومية والإنجليز قومية لكن التوانسة ليسوا قومية والقطريين والكويتيين ليسو قومية هذا كله فرض علينا بالدبابات والحديد والنار وما هو اختيار ولا مصلحة لشعوبنا فيه، فينبغي ان نتعامل مع الدولة القطرية ولا نسقطها لان ذلك ليس متروك لنا هي محروسة بالقنابل الذرية . وعلينا ان لا نحاول ان نزيلها بالعنف، يعني هذه مغامرات أضرت بالأمة ولكن ينبغي ان ننزع منها فكرة القداسة والقدرية وان هي أمر واقع نسعى إلى تغييره سلمياً بالرغم أننا لا نرى فيها أي لون من ألوان العز.


تعقيب الشيخ راشد الغنوسي على ورقة الدكتور خالد الحروب: "مبدأ المواطنة في الفكر القومي العربي: من "الفرد القومي" إلى "الفرد المواطن" 2001 (نشر ضمن كتاب المواطنة والديمقراطية في البلادالعربية، 2001): 

بحث الأستاذ الحروب على قدر كبير من الإحاطة بموضوعه والموضوعية في طرحه وكنت أتمنى أن اشهد هذا المنتدى السنوي مبتدأ عمله. ومع ذلك لا أريد أن يفوتني إبداء بعض الملاحظات.

الأولى : أوصى البحث بالارتباط الضروري بين فكرة المواطنة وفكرة الدولة – الأمة. وإذا اعتبرنا اشتراك مجموعة في امتلاك وطن بالتساوي يترتب عليها التساوي في الحقوق والواجبات، إذا اعتبرنا ذلك مقوما أساسيا من مقومات مفهوم المواطنة ، فان ذلك يجعل الارتباط المذكور بين هذا المفهوم وبين الدولة - الأمة غير حتمي. فان تاريخ نشأة الدولة القومية في الغرب - مثلا - لا يشهد على تزامن هذه النشأة مع مسألة حقوق المواطن وحقوق الإنسان ، بل تشهد تلك النشأة على ارتكاب الدولة – الأمة لأحجام رهيبة من التعسف على مواطنيها ، أي الأغلبية فضلا عن الاقليات التي كثيرا ما طحنت طحنا بقصد الدمج القسري.

الثانية : تاريخنا الإسلامي السياسي ابتدأ بدولة المدينة - وهي دولة لكل مواطنيها على اختلاف أجناسهم ومللهم، ولقد تولى دستور المدينة المعروف بالصحيفة - وهو أول دستور في التاريخ مكتوب - تنظيم الحقوق والواجبات في ذلك المجتمع التعددي، من دون أي منزع لإقصاء أي مجموعة حاضرة في ذلك المجتمع من حقوق المواطنة. وبعد أن عددت الصحيفة تلك المجموعات بأسمائها نصت على حقوقهم وواجباتهم واعتبرتهم باللفظ "أمة واحدة من دون الناس" ولقد تميز ذلك المجتمع عن نموذج - الدولة - الأمة أنه مفتوح للدخول فيه من أي مجموعة اختارت الالتحاق به.

الثالثة: هذا يضعنا أمام ملاحظة على جملة معترضة وردت في متداخلة الأستاذ جورج قصيفي حول أهل الذمة. ورد في معرض الذم والتحقير، أستبعد أن يكون هو قصد ذلك ، ولكن كان الطرق على هذا المفهوم قد اثخنه جراحاً حتى أن الأستاذ ربط بين هذا المفهوم وبين وضع الإقصاء والظلم والتميز والتهميش الذي عليه المواطنون العرب في كل دولهم. الحقيقة أن الذمة تعني حق غير المسلم في الدولة الإسلامية في حمل جنسية الدولة الإسلامية.. ولقد مثل ذلك ثورة في الفكر السياسي السائد في العالم يؤمئذ حيث كان الاستبعاد يصاحب الدين والعرقي بأي ثمن، وذلك ما أسس للحروب الدينية لمئات السنين في الغرب الأوروبي بينما مفهوم أهل الذمة جعل من المجتمعات الإسلامية فضاءات مفتوحة لأهل كل ملة، وشارك أهل الملل والنحل والأعراق المختلفة في التعبير عن إبداعاتهم ومساهماتهم القيمة في بناء الحضارة الإسلامية على كل المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية، وذلك ما يجعل فكرة المواطنة الحديثة ليست سوى تطور موضوعي للفكرة الإسلامية ولكن بخلفية إنسانية لا بخلفية عرقية استبدادية كما هو حالها في الغرب، غير انه جدير بالملاحظة هنا أن مفهوم أهل الذمة هو مفهوم سياسي اجتهادي وليس مفهوما دينيا لا مناص للمسلمين من التمسك به - حتى وان مثل مفخرة للحضارة الإسلامية وذلك مادام بعض مواطنينا من إخواننا النصارى عبروا عن عدم ارتياحهم له، وأنه يمكن تجاوز هذا المصطلح التاريخي إلى بدائل له مقبولة من الجميع مثل مصطلح المواطنة. وذلك ما ذهب إليه علماء ومفكرون سياسيون إسلاميون مثل الشيخ القرضاوي و د. محمد سليم العواء وبعدما أكدته - أنا نفسي - منذ ثمانينات القرن العشرين، آما هل نحن في زمن انحطاطنا المعاصر وما ترزح تحته مجتمعاتنا من مظالم عاتية، في وضع أهل الذمة؟ نعم نحن أهل ذمة ولكن عند من لا ذمة له.


المواد المنشور لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة