You are here:الرئيسية>دول عربية>دول>تونس>الجماعة العربية للديمقراطية - الجماعة العربية للديمقراطية

مراجعة كتاب: كرين برنتون، دراسات تحليلية للثورات

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 3217 مرة
الكاتب  كرين برنتون

 

كرين برنتون (1898 -1968 ) درس في جامعتي هارفارد وأكسفورد، وشغل وظيفة أستاذ التاريخ القديم والحديث بجامع هارفارد، ومن أشهر مؤلفاته كتاب : أفكار ورجال، الذي ترجم جزء منه تحت عنوان تشكيل العقل الحديث، وتم نشره في سلسلة عالم المعرفة الكويتية الشهيرة، كما أنه كان عضوًا في عدد من الهيئات والجمعيات العلمية الأمريكية.
نبذة عن الكتاب:

يتكون الكتاب من  تسعة فصول، وهي : تعريف الثورة، الأنظمة القديمة، المراحل الأولى للثورة، أنماط الثوريين، حكم المعتدلين، استيلاء المتطرفين على الحكم، عهود الإرهاب والفضيلة، ثيرميدور أو نهاية عهد الإرهاب، ملخص لأعمال الثورات, تدور حول معنى الثورة، ويأخذ أربعة أمثلة للثورة في أربع دول هي فرنسا وإنجلترا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، ويوضح فيه المؤلف العوامل الأولية لقيام الثورات في مختلف هذه الدول، ودور المثقفين قبل وأثناء الثورات، ودور القوة العسكرية أثناء الثورات، ومواطن الضعف في حكم المعتدلين بعد الثورة، ثم استيلاء المتطرفين على الحكم، وعهود الإرهاب والفضيلة.

عرض لأهم الأفكار الواردة فى الفصل التاسع” ملخص أعمال الثورات”


أولا التغيرات فى النظم والأفكار:

        يرى كرين أن الثورات تؤدى إلى ولادة عصر جديد أو انقطاع عن الماضى أو تقضى على مساوئ النظام القديم أو تحفز هوة عظيمة بين القديم والحديث, ومن ناحية أخرى فالثورات قد لا تغير شياء على أرض الواقع, فما يمكن أن تغيره قد لا يتعدى التغير فى بعض النظم وبعض القوانين بل وبعض العادات البشرية, ولكن من الخطأ الجسيم أن نقول أن الثورات لا تغير فى الواقع شيئا كثيرا.

        ومن الناحية السياسية تأتى الثورات لتقضى على أسوا مظاهر الاستغلال وعلى أسوأ مظاهر العجز فى النظام القديم, ففى فرنسا نجد أن التشريعات القديمة والارتباكات الموروثة عن الصراع الذى يرجع الف سنة بين قوى التاج وقوى النبلاء قد حل محلها جميعا عمل الثورة الفرنسية,ونجد أيضا أن انجلترا وامريكا , وروسيا أيضا خرجت من ثورتها بحكومات أكثر فاعلية وتركيزا, إلا أن هذا الأمر يبدو أقل وضوحا فى انجلترا, وذلك لأن الثورة قبل أن يتم نضوج القوى الاقتصادية والثقافية التى ساعدت على اظهار مثل ذلك الصور من الكفاية مثل النظام المترى أو مجموعة قوانين نابليون.

        ويرى الكاتب أن الثورات الأربعة حدثت جميعا باسم الحرية, فقد كانت موجهة ضد طغيان القلة ونحو حكم الأكثرية, وهذا الوجه من الثورات تتضمنه بشكل خاص عواطف معينة موجودة فى الطبيعة البشرية تجعل من العسير جدا تطبيق مناهج العلم على دراسة الأفراد فى المجتمع, وقد شهدت هذه الثورات انتقالا كبيرا فى الملكية عن طريق المصادرة أو البيع الجبرى, كما شهدت سقوط الطبقة الحاكمة ومجئ طبقة حاكمة أخرى منتخبة إلى حد ما, أو على الأقل, من الأفراد الذين كانوا قبل الثورة من خارج الطبقة الحاكمة, وكانت تصحبها مطالب تتمركز حول القضاء على الفقر, والمساواة فى اقتسام الثروة, وفقا للتفكير الماركسى فأن الثورات الاربعة تقسم حسب نتائجها النهائية إلى نوعين ثورات بورجوازية ” الفرنسية, الامريكية, الانجليزية” لأنها كانت انتصار لا مفر منه لرجال الأعمال والصناعة على أرستقراطية الأرض, النوع الثانى الثورات البورليتارية الحقيقة” روسيا”, ونجد أن هذه الثورات الأربعة على إطلاقها لم تستبدل تماما طبقة حاكمة بطبقة أخرى.

        وفى إطار تأثير الثورات على التنظيمات الإجتماعية فأن كرين برنتون, يجد أن التغيرات التى أحدثتها الثورات الاربعة تبدو أضال ما يكون فى هذا الصدد, ويرى أن المجتمع الغربى قد طرأ عليه فى القرون القليلة الأخيرة تغيرات مستمرة, لدرجة أننا أن أردنا تبنى فكرة التوازن الاجتماعى لوجب علينا أن نتوقع وجود قوى معينة تقوم بعملية الجذب فى الاتجاة المضاد, فى اتجاة الثبات والاستقرار, وهذه القوى ليست كقاعدة مرتبطة ببعضها البعض, ولا تهم رجال الفكر بدرجة تماثل درجة القوى التى تعمل على التغيير, وهذا يرجع إلى أن الأفراد فى المجتمعات الغربية قد اعتادوا على عواطف معينة وعلى أن يتكيفوا مع طرق معينة لإداء الأشياء حتى بعد أن يكونوا قد غيروا ما يقولونه عن هذه العواطف وهذه الأفعال.

        الأفكار التى ولدتها الثورة تلعب دورين متعارضين: الاول, تنتزع الثورة السم من الأفكار والشعارات المتطرفة فى أيامها الأولى, وحولت ما لديها من الفاظ إلى أدوات ووسائل لتحريك الناس إلى العمل الجماعى ضد النظام القائم,والدور الثانى وهو أكثر ايجابية, فأن هذه الافكار عندما تستعمل كطقوس دينية نجد أنها ليست سلبية محض, فنجد أن فكرة المجتمع اللاطبقى قد اثقلت كاهل الطبقة الجديدة الحاكمة فى روسيا.
ثانيا التشبيهات التجريبية:

        يحاول الكتاب أن يرصد أوجه التشابه بين أسباب قيام الثورة الانجليزية والثورة الأمريكية والثورة الفرنسية الكبرى والثورة الروسية، ويوضح لماذا تغضب الشعوب وتحاول تغيير السلطة الحاكمة.

        يشير برنتون إلى أنه ليس شرطًا أن يعاني الشعب من البؤس الاقتصادي لكي يثور، لأن الفقراء موجودون في كل مكان، لكن ليس لهم التأثير القوي في اندلاع الثورات، فالحرمان الاقتصادي ليس سببًا كافيًا للثورة، ولكن غياب العدالة بين أفراد المجتمع من قِبَل الحكومة السبب الأقوى لقيام الثورات، وذلك عندما تمارس إجراءات سياسية تحول دون حصول بعض الأفراد على الفرص المتاحة لآخرين، وكما يقول المؤلف: إن التعجيز عن القيام بوجوه النشاط الاقتصادي يجب أن يثير الاستياء بين الناس قبل قيامهم بالثورة.. ولن تستطيع الثورات أن تنشب دون كلمة العدالة وما تثيره من عواطف.

        ومن الملاحظ في البلدان التي قامت فيها الثورات أنها كانت تتميز بأنها مجتمعات ميسورة ماليًّا، لكن بعض القطاعات في المجتمع تشعر بأن السياسات الحكومية تسير ضد مصالحها الاقتصادية، كما أن بعض الحكومات تأخذ بالمحسوبية والفساد في معاملاتها.

        تشابهت الثورات الأربع التي يتناولها الكتاب في أنَّ فرض الضرائب الباهظة على المواطنين كان سببًا قويًا لقيامها، ففي هذه المجتمعات حاولت الحكومة القائمة أن تجمع أموالًا من الناس رغمًا عنهم، فرفضوا الدفع. وكل ثوراتنا الأربع بدأت تندلع بين أناس اعترضوا على دفع ضرائب معينة، ونظموا أنفسهم للاحتجاج عليها، ثم بلغوا أخيرًا نقطة الغليان لإزاحة الحكومة القائمة وإحلال حكومة أخرى محلها. وليس معنى ذلك بالضرورة أن أولئك الذين قاوَموا فرض الضرائب تنبئوا أو رغبوا في ثورة جذرية، إنما يعنى بالضرورة أن الانتقال من الحديث عن التغيرات الضرورية الكبرى إلى العمل الحقيقي الذي قد حدث نتيجة لفرض ضرائب غير مألوفة.

        ومن الملاحظ في الثورات مواجهتها بالقوة من قبل السلطة الحاكمة، سواء كانت قوة بوليسية أو حربية، لكن الرد بقوة السلطة يبوء بالفشل أمام قوة الإرادة الشعبية، فقد أثبت الحكام والمسئولون عن مثل هذا الرد في كل مجتمعاتنا أنهم عاجزون تمامًا عن استخدام القوة بطريقة سديدة، وبعد النضال يصل الشعب إلى تحقيق هدفه بإزاحة السلطة الحاكمة التي ظل الناس يطالبونها بالإصلاح وقتًا طويلًا، لكنها لم تكن تقابل المطالب بآذان مصغية، وكان الرد هو التجاهل، فكان الإصرار الشعبي على المضي في تحقيق الهدف، ونصل إلى النتيجة، وهي انتصار للشعب على قاهريه، لأنه أظهر أنه أقوى وأقدر من الحكومة القديمة في هذا الوقت من الأزمة. وأصبح حينئذ هو الحكومة، ويواجه عددًا جديدًا من المشاكل.

        وبعد وقوع الثورة يحدث تغيير في بعض النظم والقوانين والعادات البشرية، ومن التغييرات ما يحدث في الوقت العاجل، ومنها ما يأخذ وقتًا أطول فيتحقق آجلًا. وتحاول الثورة القضاء على مظاهر الاستغلال والعجز في النظام القديم، ويحدث صراع داخلي نتيجة السيادة الثنائية بين النظام القديم والنظام الجديد، ونجد أن الجهاز الحكومي يعمل بانتظام بعد الثورة أكثر مما يكون عليه الحال قبلها مباشرة.

        وأخطر ما في الثورات أعمال العنف والإرهاب التي تصاحبها، ذلك أن إزاحة طبقة أو مجموعة من الحكام لتحل محلها مجموعة أخرى ترتبط بعمليات عنف وإرهاب أو تصفيات وتطهير، وأبرز نموذج على ذلك الثورة الفرنسية، فقد عرفت ما يسمى بعهد الإرهاب وعمليات الإطاحة بالخصوم التي قام بها روبسبير وراح ضحيتها مئات القتلى، والأمر نفسه نجده بصورة أشد قسوة وحدَّة مع الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، حيث تمت الإطاحة بالأسرة القيصرية والعناصر المرتبطة بها، لكن العنف والإرهاب لا يأتيان دائمًا من جانب الثوار أو من قاموا بالثورة، ذلك أن النظم القديمة عادة ما تقابل المعارضين الثوار في البداية بعنف وقسوة، تصل إلى حد إطلاق الرصاص والإبادة الجماعية لهم.

ولكن العنف ليس ضروريًا ولا لازمًا للثورة.. هناك ثورات سلمية، كما حدث في بريطانيا عام 1945، حيث تسلم الحكم الاشتراكيون- حزب العمال، عبر صناديق الانتخابات، واعتبرها الأمريكيون ثورة، وأطلقوا عليها الثورة بالتراضي، لكنَّ الكثيرين حتى في بريطانيا نفسها لم يعتبروها ثورة، ويمكن القول كذلك: إن ما حدث في فرنسا مع ثورة الشباب عام 1968 كان ثورة أدت إلى قيام ما بات يعرف بالجمهورية الرابعة، ولم يصاحبها عنف ولا إرهاب، لكن كثيرًا من الدارسين والمتابعين في فرنسا يرون ما حدث ثورة بالمعنى الكامل.

ثالثا تناقض الثورة:

        يجد الكاتب أن الثورات الاربعة ليست إلا أربع ثورات لما يبدو أنه نوع واحد, ثورات فيما يبدو مخالفة للتراث الديمقراطى, فالثورة كلمة ثمينة جدا بالنسبة للكثيرين ممن أهتموا بهذا المجال, وبوجه خاص للماركسيين, لدرجة أنهم يرفضون بحق أن يطلقوها على حركات مثل استيلاء موسيلينى أو هتلر على الحكم بطريقة دموية نسبيا ولكنها بالتأكيد عنيفة وغير مشروعة.

وإذا نظرنا من ناحية التغير الاجتماعى يبدو من الحكمة اطلاق كلمة الثورة على اسقاط حكومة برلمانية مستقرة بواسطة الفاشيين, وإذا كان الأكر كذلك فأن الثورات الاربعة لن تصبح غير نوع واحد من الثورات.

 ويرى الكاتب أن هذه الثورات التى تناولها ما كانت لتحدث إلا لأنها جاءت فى مجتمعات متقدمه.

ويشير الكاتب إلى ثلاثة نتائج كبرى توصل إليها من خلال دراسته للثورات تتمثل فى:

1- أنه رغم اختلافاتها الظاهرة والمثيرة, كان بينها تشابه بسيط.

2- تؤكد على ضرورة دراسة أقوال الناس وأفعالها دون الحديث عن وجود علاقة دائمة وبسيطة ومنطقية بينهم.

3- تشير بوحه عام إلى أن كثيرا من الاشياء التى يؤديها الناس وكثيرا من العادات البشرية والعواطف, والاتجاهات لا يمكن تغييرها سريعا على الأطلاق.

رؤية نقدية:

        نجد أن الكاتب قد قدم مجموعة من الافكار المتميزة والتى جاءت فى ترتيب وتسلسل منطقى,وأن ما قدمه يعد من أهم ما كتب  في تشريح مفهوم الثورة، ويؤخذ عليه نظرته المتشائمة، ومنها عدم تعمقه في بحث القوى السياسية الفاعلة، حيث تأثر في منهجه التاريخي بعملية اختطاف الثورة التي حدثت في الثورة الفرنسية عندما سيطر المتطرفون، ثم عندما تحدث عما أسماه مرحلة الخلاص استشهد بحالة الثورة الأمريكية بعد نجاحها في تحرير البلاد من الاستعمار البريطاني، وسيطرة جورج واشنطن، أو بحالة ستالين في الثورة الشيوعية في روسيا. ولكننا نرى اختلافًا جوهريًّا بين الحالتين، إذ أن واشنطن أقامت نظامًا دستوريًّا أتيح له الاستقرار وتناوب السلطة، في حين أن الثورة الشيوعية كانت ضد المستبد الداخلي، وجاء ستالين للسلطة بعد وفاة لينين، وحوَّلها إلى ديكتاتورية قمعية سادها الإرهاب الداخلي بأسوأ ما كان في عهد القياصرة، وأصبحت أجهزة الأمن والاستخبارات هي القوة الحاكمة، وساد منهج لافرينتي بيريا (1899 – 1953) في القمع، ودخل حوليات التاريخ السوفياتي، بل ربما التاريخ العالمي.

        ونجد أن أفكاره أكثر واقعية إذ نجد أن كثيرا من أسباب الثورات الواردة في الكتاب مشابها للأسباب التي نتجت عنها ثورة مصر في 25 يناير2011 م.


المصدر: القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2010

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة