You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>مدير الموقع - الجماعة العربية للديمقراطية

عبدالله الفقيه: ورقة التحركات الشعبية من أجل الديمقراطية في اليمن

الخميس، 26 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 1473 مرة
الكاتب  عبدالله الفقيه

موقع الجماعة العربية للديمقراطية، 8 أغسطس 2013

عنوان الورقة: التحركات الشعبية من أجل الديمقراطية في اليمن: الدواعي والمقدمات، المسارات والمحصلات، والفرص والتحديات.

الدكتور/ عبدالله الفقيه - أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء.

اللقاء السنوي الحادي والعشرون: محصلة التحركات من أجل الديمقراطية في الدول العربية

عقد يوم السبت 31 أغسطس 2013 في


Bernard Sunley Room, St. Cathrine’s College, University of Oxford, Manor Road, Oxford, UK.




مقدمة

تشكل ثقافة الاحتجاج والاعتصام والثورة ومقاومة الظلم والاستبداد والنزعة الى الحداثة والتجديد واحيانا التغيير لمجرد التغيير طبيعة أولى وثانية وثالثة لليمنيين. فقد شهد شمال اليمن مثلا خلال القرن العشرين العديد من الانتفاضات ومحاولات الإطاحة بالنظام الإمامي المستبد وهو ما تحقق بعد طول عناء في 26 سبتمبر عام 1962. وشهد جنوب اليمن بدوره ثورة تحرر وطني ضد الاستعمار الإنجليزي أدت في النهاية الى خروج المستعمر ونيل الاستقلال في عام 1967.

ولعل الجديد الذي جاءت به تحركات الـ11 من فبراير 2011 في الجمهورية اليمنية قد تمثل بشكل اساسي في: طابعها السلمي رغم محاولات جرها الى العنف؛ حجم المشاركة ونطاقها الجغرافي وامتدادها الزمني؛ ومطالب التغيير الجذري التي طرحتها.

وفي حين ما تزال محصلات هذه التحركات غير المسبوقة في تاريخ اليمن غير واضحة المعالم حتى تاريخ كتابة هذه الورقة قياسا بتطلعات اليمنيين فإن هذه الدراسة تركز، في القسم اولا، على اسباب التحركات، وفي ثانيا، وثالثا، ورابعا، على المقدمات، نقطة الانطلاق، المسارات والمحصلات، على التوالي. وتناقش الدراسة في القسم خامسا فرص وتحديات بناء الديمقراطية على ضوء المعطيات القائمة.

أولا- أسباب التحركات

تنقسم الأسباب التي أدت الى ظهور التحركات من أجل الديمقراطية في اليمن الى اسباب سياسية، اسباب اقتصادية واجتماعية، واسباب امنية وذلك على النحو التالي:
1. الأسباب السياسية
تأسست الجمهورية اليمنية في الـ22 من مايو 1990 نتيجة وحدة سلمية طوعية بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن) والجمهورية العربية اليمنية (شمال اليمن). وشهدت الدولة الجديدة، التي تزامن قيامها مع انهيار الأنظمة الشمولية بالجملة في أكثر من بقعة، خلال السنوات الأربع الأولى من عمرها، انفتاحا كبيرا على مفاهيم المواطنة والديمقراطية والانتخابات الحرة والنزيهة والقائمة على قاعدة التعدد الحزبي.
لكن الصراع على السلطة والثروة بين النخب الشمالية المحافظة بقيادة علي عبد الله صالح الذي كان يومها رئيس مجلس الرئاسة، والنخب الجنوبية اليسارية بقيادة علي سالم البيض نائب رئيس مجلس الرئاسة، تطور في صيف عام 1994 ، في ظل الإبقاء على الجيش منقسما، الى حرب شاملة بين الطرفين استمرت لحوالي 70 يوما وخلفت الكثير من القتلى والجرحى والمخفيين قسرا.[1]

وانتهت الحرب بانتصار التحالف الذي قاده علي عبد الله صالح وكان حينها رئيس الدولة على شركائه في تحقيق الوحدة وحلفائه في الحكم من قادة الحزب الاشتراكي وذلك بفضل تحالفه مع كل من: حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي كان قد تأسس في 13 سبتمبر 1990 بقيادة شيخ قبائل حاشد عبد الله بن حسين الأحمر وضم بين مكوناته حركة الإخوان المسلمين في اليمن؛ وتيار "الزمرة" الذي كان قد نزح من جنوب اليمن الى شمالها عقب هزيمته في الحرب الطاحنة التي خاضها مع جناح آخر في الحزب الاشتراكي يعرف بـ"جناح الطغمة" في يناير 1986.[2]

وتعامل صالح مع الجنوب كمهزوم، رغم أن الحرب لم تكن بين الشمال والجنوب. وفي حين استقر المئات ان لم يكن الالاف من قادة الحزب الاشتراكي اليمني في المنافي، فقد تم تسريح الجيش الجنوبي واحالة قياداته وافراده الى التقاعد بمرتبات ضئيلة لا تفي بتكاليف الاحتياجات الأساسية.[3]
وعمل صالح على تغيير الدستور الذي قامت على أساسه الوحدة، وعلى تعديل القوانين التي كان قد تم سنها خلال السنوات الأربع الأولى من عمر الوحدة، وتم التراجع بشكل كبير عن الانفتاح السياسي. وبينما كانت الأحزاب السياسية، منظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام قد شهدت ازدهارا كبيرا خلال الفترة (1990-1994)، فإن تلك الأشكال الجنينية للمجتمع التعددي الديمقراطي سرعان ما تعرضت لكافة اشكال القمع والتنكيل.
وتعكس التقارير الدولية حول حقوق الإنسان في اليمن خلال السنوات (1995-2010)، مع وجود حالات من المد والجزر والصعود والهبوط، صورة قاتمة لوضع الحقوق والحريات في البلاد. فبينما كانت درجة اليمن على مقياس حرية الصحافة الدولي الذي تصدره منظمة بيت الحرية سنويا قد بلغت 55 في عام 1994 وهو ما يضع اليمن بين الدول المصنفة كـ"حرة جزئيا"، فإن تلك الدرجة انخفضت الى 76 في عام 2005 مما وضع اليمن بين الدول المصنفة "غير حرة."
وركز نظام الغلبة العصبوي[4] الذي افرزته الحرب السلطة والثروة بيد صالح، أفراد اسرته، قبيلته سنحان، وفي عصبيته القبلية الأوسع (قبائل حاشد)، وهو ما قاد بالتدريج الى ظهور وتطور صراع جديد على السلطة والثروة داخل عصبية الحكم بين جناحين رئيسيين:

الأول، ويقوده صالح واخوانه وابنائه وابناء اخوانه وانسابهم وسعى الى التخلص من المنافسين السياسيين واعادة بناء التحالفات الاجتماعية والسياسية بما يكفل نقل السلطة في مرحلة ما بعد صالح الى نجله أحمد؛ والجناح الثاني بقيادة الجنرال علي محسن الأحمر ومن خلفه مجموعة من كبار ضباط الجيش المنتمين مثله الى سنحان[5] والذين لعبوا دورا محوريا في ايصال صالح الى كرسي السلطة في شمال اليمن في عام 1978، وكبار المشايخ بما في ذلك مشايخ كونفدرالية قبائل حاشد ذاتها، والكثير من القيادات في المؤتمر الشعبي العام، وكبار المسئولين المدنيين المعارضين للتوريث وللسياسات التي يتبعها صالح، وتيار الزمرة الجنوبي .

ويعتبر دور الجناح الثاني اهم العوامل المحركة للأحداث التي شهدها اليمن طوال عقد من الزمن، والتي قادت في النهاية الى سقوط نظام صالح. وقد بدأت تلك الأحداث قبل انتخابات ابريل 2003 النيابية، بظهور اللقاء المشترك مع نهاية عام 2002، كتحالف انتخابي ضم احزاب المعارضة الرئيسية الممثلة في مجلس النواب وهي حزب التجمع اليمني للإصلاح ذو التوجه الديني، الحزب الاشتراكي اليمني ذو التوجه اليساري، التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري ذو التوجه القومي، بالإضافة الى حزبين هاشميين صغيرين غير ممثلين في مجلس النواب أحدهما علماني هو اتحاد القوى الشعبية، والآخر ديني شيعي هو حزب الحق. وانضمت اليه لاحقا بعض التيارات البعثية.[6]

وتطور اللقاء المشترك الى كتلة تاريخية تسعى، كما يفهم من الأدبيات التي طرحتها والمواقف التي اتخذتها والسلوك السياسي لقادتها، الى التغيير السلمي على قاعدة الديمقراطية. وتمكنت أحزاب المشترك في انتخابات سبتمبر عام 2006 الرئاسية، رغم تشكيك صالح المستمر بإمكانيه خوضها للانتخابات، من انزال مرشح منافس لصالح باسمها هو السياسي المستقل المهندس فيصل بن شملان (1935-2010).

وفي حين اصرت احزاب المشترك، في السنوات التالية للانتخابات الرئاسية التنافسية، على اصلاح النظام الانتخابي واللجنة العليا للانتخابات قبل عقد الانتخابات النيابية في ابريل 2009، عمل صالح بدوره على التملص من تلك المطالب، وهو ما أدى في ظل تفاقم الأزمات والتهديدات الأمنية الى رفع أحزاب المشترك لسقف اشتراطاتها لتصل الى المطالبة بحوار وطني شامل لا يستثني احد، يعمل على حل المشكلات التي تواجه اليمن، وفي مقدمتها التمرد الحوثي في صعدة والحراك الانفصالي في الجنوب، ويعيد بناء الدولة وصياغة النظام السياسي على أسس ديمقراطية. وحاول صالح تنفيذ انتخابات نيابية من طرف واحد، لكنه اضطر في النهاية الى الدخول في اتفاق مع أحزاب المشترك، تم التوقيع عليه في 23 فبراير 2009، ويقضي بتأجيل الانتخابات لمدة عامين يتم خلالها الدخول في حوار وطني شامل واجراء الإصلاحات المطلوبة.

وبينما استمر صالح، بعد التوقيع على اتفاق 23 فبراير، في التهرب من الحوار الوطني، عملت احزاب المشترك على توسيع تحالفاتها الاجتماعية والسياسية عن طريق الدعوة الى لقاء تشاوري عقد في صنعاء يومي 21-22 مايو 2009 وضم بالإضافة الى احزاب المشترك، الشخصيات المستقلة والمشايخ والوجاهات الاجتماعية. وانبثق عن اللقاء ما سمي بـ"اللجنة التحضيرية للحوار الوطني" والتي أنيط بها الإعداد لحوار وطني شامل بمشاركة حزب صالح أو بدون مشاركته.

وقد ترأس اللجنة السياسي المستقل محمد سالم باسندوة بينما تولى أمانتها العامة الشيخ حميد الأحمر، وهو عضو في مجلس النواب عن حزب الإصلاح وابرز انجال شيخ قبائل حاشد الراحل عبد الله بن حسين الأحمر. وبدا واضحا ان احزاب اللقاء المشترك قد اتكأت في حركتها السياسية ، من خلال اسناد موقع الأمين العام للجنة التحضيرية الى الشيخ حميد الأحمر، من جهة، على الثقل القبلي والمالي والسياسي لمشايخ قبائل حاشد وهي ذات العصبية التي اعتمد عليها صالح في تثبيت نظامه عند صعوده الى السلطة في شمال اليمن؛ وكذلك على الثقل المالي والسياسي والعسكري للجنرال محسن ابرز شخصية في الجيش اليمني، من جهة ثانية.

وفي خطوة جريئة، طرحت اللجنة التحضيرية للحوار الوطني في 7 سبتمبر 2009، ، ما سمي بـ"مشروع رؤية للإنقاذ الوطني" والتي تكونت من 3 اقسام: تشخيص للأزمة القائمة في اليمن؛ الحلول والمعالجات؛ والأليات التي سيتم اتباعها في التنفيذ. وحدد مشروع رؤية الإنقاذ جذر الأزمة القائمة في "الحكم الفردي المشخصن" المستند الى "عصبوية سياسية" والذي "حول الدولة اليمنية من مشروع وطني الى مشروع عائلي ضيق." وفيما يخص الإصلاحات فقد اقترح مشروع الرؤية "تطوير شكل الدولة على قاعدة اللامركزية"، تبني نظام سياسي برلماني، والأخذ بنظام المجلسين في السلطة التشريعية، والانتقال الى نظام التمثيل النسبي (القائمة الحزبية) بدلا عن نظام الفائز الأول فيما يخص النظام الانتخابي. وحددت الرؤية في القسم المتصل بالأليات وسائل تحقيق الأهداف في "الحوار الوطني الشامل" و "آليات النضال السلمي الديمقراطي."[7]

وتمسك اللقاء المشترك، فيما يخص علاقته بالقوى الأخرى، خلال حروب صعدة الست (2004-2010) بين نظام صالح والمتمردين الحوثيين بموقف ثابت من الحرب، اختلف عن موقف الجنرال محسن ومشايخ بيت الأحمر، وقام على رفض اللجوء الى القوة لحل الصراعات السياسية سواء من جانب الدولة أو من جانب المتمردين الحوثيين. وايد المشترك المطالب الحقوقية والسياسية لقوى الحراك الجنوبي، وشاركت عناصره في ذلك الحراك، لكن ذلك التأييد تحول الى فتور في العلاقة بعد ان طرحت قوى الحراك مطلب الانفصال. وتطورت علاقة اللقاء المشترك بالقوى المنخرطة داخل النظام وخصوصا تلك التي تطالب بإصلاحات على قاعدة الديمقراطية.

وفي اطار التحضير للقاء التشاوري الذي عقد في مايو عام 2009 فتح اللقاء المشترك قنوات اتصال مع الحراك الجنوبي والتمرد الحوثي، وشارك فيما بعد ممثلون عن الحوثيين وعن الحراك الجنوبي في بعض أنشطة اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، وهو ما عزز من قوة الكتلة التاريخية للتغيير وان كان الحراك والحوثيون قد ظلوا يحافظون على سياسة قدم مع المشترك وأخرى بعيدا عنه.

2. الأسباب الاقتصادية والاجتماعية

لم يكن الأداء التنموي للنظام بأفضل حالا من الأداء السياسي. فقد أدت الصراعات الدائرة داخل النظام الى تعميق الفساد من جهة واجهاض كل محاولات الإصلاح والنهوض من جهة ثانية. وبينما ابتلع الفساد الجزء الأكبر من موارد البلاد، وخصوصا العائدات النفطية التي تضاعفت بشكل كبير بين عامي 2001-2007 نتيجة للارتفاعات الكبيرة لأسعار النفط في الأسواق العالمية، فإن الجزء المتبقي من الموارد لم يكن كافيا لإحداث أي تحول تنموي يمكن ان يلامس حياة عموم اليمنيين.

واذا كان معدل التحسن في التنمية الإنسانية قد بلغ 2.2% في الفترة (1990-1995)، فإن ذلك المعدل قد انخفض الى 1.6% خلال الفترة (1995-2000) ثم الى 1.3% في الفترة (2000-2005).[8]

ووفقا لمؤشرات التنمية التي نشرت قبل، خلال، أو بعد ظهور الحراك من اجل التغيير فإن قرابة ثلث اطفال اليمن ما زالوا خارج مدارس التعليم الأساسي، وقرابة النصف من السكان البالغين والثلثين من النساء البالغات يعيشون اميين.[9] وتملك البلاد واحدا من اعلى معدلات الخصوبة في العالم وهو 6.2 طفل لكل امرأة.[10]وبلغت نسبة المقيدين في مرحلة التعليم الثانوي 44% فقط من السكان في الفئة العمرية ذات العلاقة.

ووفقا لبيانات عام 2010 ، فقد بلغ متوسط دخل الفرد السنوي 1170 دولارا مما يجعل اليمن تأتي في ذيل قائمة الدول العربية بالنسبة لهذا المؤشر. [11] وبينما بلغت نسبة التوظف الى اجمالي السكان البالغين 15 سنة فأكثر 42%، فإنها لم تزد عن 27% بالنسبة للشباب الواقعين في الفئة العمرية (15-24). وقدرت البطالة الى قوة العمل للسنوات (2007-2010) رسميا بحوالي 15% (حوالي 12% للذكور، و41% للإناث) بينما بلغت نسبة النساء العاملات باجر خارج القطاع الزراعي 6% فقط من قوة العمل النسائية. [12] لكن نسبة البطالة تجاوزت وفقا لبعض التقديرات غير الرسمية حاجز الـ40% فيما تجاوزت في اوساط الشباب نسبة الـ50%.

وقدرت نسبة اليمنيين الذين يعيشون على أقل من دولارين في اليوم في عام 2010 بحوالي 42% من السكان. [13] واعتبرت اليمن، في الكثير من الأعوام، افقر دولة في الشرق الأوسط، وأفقر دولة في العالم خارج جنوب الصحراء الأفريقية.
وخلال الفترة 2005-2010 وصلت نسبة الأطفال تحت سن الخامسة الذين يعانون من فقر الدم، والنساء الحوامل، الى 68% و 58% على التوالي. وبلغت وفيات الأطفال تحت الخامسة 77 لكل الف ولادة، وهو الأعلى في العالم العربي. ولم تزد نسبة النساء الحوامل اللائي يحصلن على الرعاية الصحية اثناء الحمل عن 47%.[14] وسجلت اليمن واحدا من اعلى المعدلات في العالم في غياب المساواة بين الرجال والنساء وبين سكان الريف وسكان الحضر وبين الأغنياء والفقراء.

وأدت أوضاع اليمن السياسية والاقتصادية والإجتماعية والأمنية المتشابكة وعجز نظام صالح عن التعاطي معها برئيس الوزراء البريطاني السابق غوردون براون في الأول من يناير 2010 الى وصف اليمن بانه اصبح "محضنة وملاذا آمنا للإرهاب" والدعوة بالتالي الى عقد مؤتمر دولي بشأن اليمن في العاصمة البريطانية نهاية شهر يناير من ذات العام.[15] وأنشأ مؤتمر لندن، الذي عقد في 27 يناير ما يعرف بالية اصدقاء اليمن، ووضعت مقرراته، ضمنيا على الأقل، اليمن تحت الوصاية الدولية. وقد عقد "اصدقاء اليمن" العديد من المؤتمرات طوال عام 2010 بهدف تشجيع نظام صالح على تنفيذ اصلاحات سياسية وادارية ومالية جوهرية تكفل اقناع المجتمع الدولي بدعم اليمن ومنعه من التحول الى دولة فاشلة، الإ ان تلك الجهود لم تسفر عن تحقيق أي تقدم يذكر.

3. الأسباب الأمنية

أخفق نظام صالح منذ عام 1995 في مواجهة التهديدات الأمنية الداخلية والخارجية التي واجهت اليمن وبالتالي في حماية المصالح العليا للشعب اليمني والحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. وقد بدأ فشل نظام صالح مبكرا في عام 1996 عندما احتلت قوات ارتيرية، الدولة الصغيرة مساحة وسكانا والتي قامت لتوها، جزر يمنية في البحر الأحمر وطردت قوات يمنية منها مما اضطر نظام صالح الى اللجوء الى التحكيم. وتأكد ذلك الفشل في اذهان اليمنيين عندما وقع نظام صالح في عام 2000 على اتفاقية لترسيم الحدود مع السعودية رأى الكثير من اليمنيين انها لم تخلو من غبن لليمن.

وأدت احداث الـ11 من سبتمبر 2001 الى تضييق هامش المناورة الذي كان يتحرك في نطاقه صالح في تعاطيه مع خطر الإرهاب، فأضطر مكرها الى الالتحاق بالتحالف الدولي في الحرب على الإرهاب. وفي 3 نوفمبر 2002 نفذت طائرة أمريكية بدون طيار عملية في العمق اليمني تعتبر الأولى من نوعها قتلت خلالها عددا من المواطنين اليمنيين منهم ابو علي الحارثي، الذي اتهمته الولايات المتحدة بالتخطيط لتفجير المدمرة الأمريكية يو اس اس كول في خليج عدن في 12 اكتوبر 2010.

وحقق صالح خلال الفترة (2001-2005)، بالشراكة مع الأمريكيين، نجاحا ملحوظا في الحرب على جماعات القاعدة في اليمن، لكن تعاظم التهديدات لنظامه جعله يحرص خلال الفترة (2006-2011) على الإبقاء على التهديد الذي تمثله جماعات القاعدة قائما ربما خوفا من انصراف جيران واصدقاء اليمن عن دعم نظامه. وتحولت اليمن ، في النصف الثاني من العقد الماضي، بفعل السياسات التي اتبعها صالح في ادارة ملف القاعدة، الى مقر رئيسي لما بات يعرف بـ "جماعة القاعدة في الجزيرة العربية" والتي تضم الكثير من السعوديين واليمنيين وجنسيات أخرى. ويرجح أن يكون فشل نظام صالح في التعاطي مع التهديد الذي مثلته الجماعات المتشددة بما في ذلك القاعدة هو الأكثر تأثيرا في فقدان نظام صالح لشرعيته الإقليمية والدولية.

وغير بعيد عن الحدود اليمنية السعودية، واجه نظام صالح منذ عام 2004 تحديا أمنيا خطيرا شمال غرب البلاد، بعد ان خرجت جماعة هاشمية زيدية (والأخيرة احدى فرق الشيعة القريبة من السنة) على النظام متحولة من حركة مذهبية احيائية تعود جذورها التنظيمية الى السنوات الأولى من قيام الوحدة اليمنية الى جماعة مسلحة سميت بـ"الحوثيين" نسبة الى حسين بدر الدين الحوثي احد مؤسسي الحركة وقائدها في بداية التمرد.[16] وخاض نظام صالح 6 حروب مع المتمردين الحوثيين بين عامي 2004 و2010 دون ان يتمكن، سواء بالقوة او بالتفاوض، من اخضاع الحركة أو نزع سلاحها.

وبررت الحركة، التي يؤمن اتباعها بان الولاية لا تكون الا في البطنين—أي في احفاد الحسن والحسين ابناء الإمام علي ابن ابي طالب من زوجته فاطمة ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم،[17] تمردها بالحديث عن محاولة طمس المذهب الزيدي واضطهاد اتباعه. أما نظام صالح فاعتبر الحوثيين بمثابة الجناح العسكري لهاشمي اليمن الذين تقدر نسبتهم بحوالي 5 في المئة من السكان [18] واتهمهم في الخطاب الإعلامي المصاحب للحرب بالسعي لإعادة النظام الإمامي الذي يقوم على حصر الولاية في البطنين، والذي سيطر على شمال اليمن مع بعض التفاوت في نطاق السيطرة وبعض الانقطاع التاريخي لأكثر من الف سنة حتى تم اسقاطه في عام 1962.

ومن المرجح ان صالح في الحروب الأخيرة التي خاضها ضد الحوثيين لم يكن يرغب كثيرا في انهاء التمرد الحوثي بقدر ما كان يحاول جاهدا استغلال الصراع لتحقيق هدفين: الأول، القضاء على القوات التي كان يقودها حليفه اللدود الجنرال محسن قائد المنطقة الشمالية الغربية قائد الفرقة الأولى مدرع والذي يقع التمرد في نطاق الرقعة الجغرافية المسئول عن حمايتها؛ والثاني، ضمان استمرار الدعم العسكري والمالي المقدم من السعودية.

وفي اطار تحقيق الهدف الأول تحدثت الصحف ووسائل الإعلام المختلفة وبعض الضحايا عن هجمات من الخلف كانت تتعرض لها القوات الحكومية التي يقودها محسن، وقطعت الإمدادات عن بعض المعسكرات لأشهر وهو ما اضطر افرادها وضباطها الى تسليم اسلحتهم ومعداتهم للحوثيين والخروج الى منازلهم واعتبارهم بعد ذلك فارين من الخدمة. وبلغت المهزلة ذروتها عندما قام احد الأجهزة الأمنية خلال الحرب السادسة بإعطاء احداثيات موقع الجنرال محسن لطائرات سعودية لتضربه على أنه موقع تابع للحوثيين.[19] وظل الحرس الجمهوري وهو القوة الضاربة التي يقودها نجل صالح خارج المعركة في دليل آخر على ان صالح كان يريد تحويل محسن وقواته وقودا لتلك الحروب.

وحرص صالح، في اطار جهوده المبذولة للحصول على الدعم السعودي، على ربط المتمردين الحوثيين بإيران وليبيا دون ان يظهر ذات القدر من الحرص على كسب الحرب ضد المتمردين. ويبدو ان طريقة صالح في التعامل مع التمرد الحوثي وتوريطه للسعوديين في الدخول كطرف في الحرب السادسة، قد أوغر في النهاية صدور بعض السعوديين، أن لم يكن كلهم، ضده.[20]

وتمثل التحدي الأمني الثالث، وربما الأخطر، في الحراك الواسع الذي شهدته المحافظات الجنوبية والتي كانت تشكل قبل توحيد اليمنيين ما كان يعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وفي حين أن الحراك السلمي، الذي قادته في البداية جمعيات المتقاعدين العسكريين، قد طالب عند ظهوره في منتصف عام 2007 ، بحقوق الجنوبيين الذين تم اخراجهم من المؤسسات العسكرية والأمنية أو احيلوا الى التقاعد قسرا بعد حرب عام 1994 في العودة الى وظائفهم والحصول على تعويض عادل، فإنه سرعان ما تحول الى المطالبة بالعودة الى وضع الدولتين الذي كان سائدا حتى عام 1990.[21]

وأخفق صالح في التعاطي مع الحراك الجنوبي تماما مثلما اخفق في التعامل مع جماعات القاعدة ومع التمرد الحوثي. واذا كانت جماعات القاعدة قد افقدت نظام صالح شرعيته الدولية، وأفقده التمرد الحوثي شرعيته الإقليمية، فإن الحراك الإنفصالي الجنوبي بدوره قد لعب دورا جوهريا في افقاد صالح شرعيته الداخلية.

ثانيا- مقدمات التحرك الشعبي

بدأت الاحتجاجات في اليمن، على خلاف دول الربيع العربي الأخرى، كحركة سياسية تقودها احزاب اللقاء المشترك وتطالب بحوار وطني شامل لا يستثني أحد يحل مشاكل البلاد ويتبنى اصلاحات شاملة يتم تجسيدها في دستور جديد للبلاد.

ويمكن اعتبار الأشهر يوليو 2010 وحتى بداية الثلث الثاني من شهر فبراير 2011 بمثابة الفترة الزمنية التي شهدت أهم مقدمات الحراك الواسع على الساحة اليمنية. ويلاحظ أن صالح خلال الأشهر من يوليو 2010 وحتى منتصف يناير 2011 قد أمتلك زمام المبادرة الى حد كبير بينما كانت القوى المطالبة بالتغيير تقوم برد الفعل.

وتغير الأمر في يناير 2011 حيث أنتقل زمام المبادرة من صالح الى قوى التغيير وذلك بفعل عاملين: الأول الطريقة التي ادار بها صالح علاقته مع المعارضة خلال الأشهر يوليو 2010-يناير 2011؛ والثاني هو التطورات العاصفة في تونس ومصر. وانتقل صالح ابتداء من منتصف يناير 2011 من موقف المبادر الى موقف القائم برد الفعل، بينما اخذت قوى التغيير مكان النظام في امتلاك زمام المبادرة.

1. مرحلة امتلاك صالح لزمام المبادرة

وافق صالح، ربما نتيجة للضغوط الدولية، في يوليو 2010، اي قبل حوالي 9 اشهر على موعد الانتخابات النيابية المؤجلة التي كان يعد لها بشكل منفرد ، على الدخول في حوار مع المعارضة وعلى ان يتم الحوار بناء على اتفاق جديد مع المشترك. واصر صالح، وهو شخص عرف بالتكتيك واهمال الاستراتيجية مع استثناء سياسات البقاء التي اتبعها، على أن يتم التوقيع في 17 يوليو وهو اليوم الذي يحتفي فيه كل عام بذكرى توليه السلطة في شمال اليمن في عام 1978. ووافقت احزاب المعارضة على ذلك.

وشكل الطرفان بعد التوقيع على الإتفاق لجنة مشتركة من كل من المؤتمر الشعبي العام واللجنة التحضيرية للحوار الوطني (اللقاء المشترك وحلفائه) للقيام بأعمال التحضير للحوار بما في ذلك اقناع المتمردين الحوثيين والحراك الجنوبي بالمشاركة. وتكونت اللجنة في البداية من 200 شخص مناصفة بين الطرفين، ثم شكلت لجنة مصغرة بالمناصفة ايضا من 30 شخص، وبعدها تشكل ما عرف بلجنة الـ16، ثم وصل الأمر الى تشكيل ما سمي بلجنة الـ4 مناصفة بين الطرفين والتي أعدت مقترحا، ربما لم يعجب صالح.

وأعلن نظام صالح في 31 اكتوبر 2010 الانسحاب من أعمال التحضير للحوار، واتخذ في الأسابيع التالية سلسلة من التدابير والإجراءات بشكل احادي ومن ضمنها تعديل قانون الانتخابات (11 ديسمبر)، تعيين اللجنة العليا للانتخابات (15 ديسمبر)، مواصلة التحضير للانتخابات النيابية، وتبني البدء بإجراء تعديلات للدستور اليمني (1 يناير 2011) تشمل التخلص من المادة التي تجعل مدة خدمة الرئيس فترتين فقط، وبالتالي التحول من سياسة "تصفير العداد" الى سياسة "قلع العداد."

ورد المشترك على صالح بخطوتين: الأولى انسحاب الكتل البرلمانية لأحزابه بالإضافة الى كتل المستقلين من جلسة مجلس النواب التي عقدت في 11 ديسمبر وصوتت فيها كتلة المؤتمر الشعبي العام من طرف واحد على تعديل قانون الانتخابات، الى بوابة المجلس وبدء اعتصاما مفتوحا؛ والثانية توجيه دعوة في 13 ديسمبر الى "مناضلي المشترك وأنصاره وشركاءه وجميع افراد الشعب في مختلف محافظات الجمهورية" للقيام بـ"هبة غضب شعبية متواصلة شاملة لا تهدأ الا باستعادة" الخيارات الوطنية والديمقراطية للشعب اليمني "وحقه في التغيير وتحقيق الشراكة الوطنية في السلطة والثروة وفي العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية، وحقه في مشروعه الديمقراطي التعددي وفي حياة حرة وكريمة." وكانت تلك الاحتجاجات قد بدأت بالفعل وإن بشكل حذر من خلال تنظيم مهرجانات تم عقدها في البداية على مستوى المديريات وعواصم المحافظات.

2. مرحلة امتلاك قوى التغيير لزمام المبادرة

أدت الاحتجاجات التي ظهرت في تونس ثم في مصر وبالتدريج الى نقل زمام المبادرة من صالح الى معارضيه. ففي اليوم التالي لفرار الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011 ظهرت في العاصمة صنعاء حركة احتجاجية محدودة العدد ضمت طلاب في جامعة صنعاء، نشطاء في منظمات المجتمع المدني، وأعضاء غير ملتزمين في الأحزاب السياسية.

وفي 17 يناير اصدرت منظمة طلابية في جامعة صنعاء تابعة للحزب الاشتراكي اليمني بيانا دعت فيه الى التحرك لإسقاط النظام اليمني، واعيد توزيع ذات البيان في اليوم التالي ولكن باسم "الثورة الطلابية في جامعة صنعاء." وفي يوم 26 يناير وزعت "الثورة الطلابية" بيانا اتهم صالح "باغتصاب سلطة الشعب ومصادرة حقوقه ونهب ثرواته وارتكاب جرائم حرب بحق أبنائه والقضاء على مدنية الدولة اليمنية الحديثة وتحويل الوحدة اليمنية إلى فزاعة يتم باسمها ممارسة القتل والسلب والنهب" مضيفا أن طلاب وطالبات جامعة صنعاء قرروا " أن يشعلوا فتيل الثورة الشعبية التي رفعت شعار ’ارحلوا’ في وجه الحاكم وعلوج سلطته كمطلب رئيسي وحل وحيد" لما يعانيه الشعب اليمني "من فقر وبطالة وجهل ومرض واستبدادسلطوي يمارس بحقه"..

وبعد يومين على بدء التحركات في مصر، أي في 27 يناير 2011 ، نظمت احزاب اللقاء المشترك في العاصمة صنعاء ولأول مرة اربع مهرجانات كان احدها جوار منزل شيخ حاشد الراحل عبد الله بن حسين الأحمر في حي الحصبة. وردد المشاركون في تلك المهرجانات العديد من الشعارات ابرزها "لا للتمديد. لا للتأبيد. اليمن يشتي تجديد"، "جمهورية جمهورية.. لا ملكية ولا فردية"، "الشعب والجيش.. يجمعهم رغيف العيش"، و رفعوا لافتات كتب عليها "لا للانقلاب على الجمهورية والوحدة"، "لا للتمديد والتوريث"، "لا للفساد وسياسة الإفقار"، "لا لحكم الأسرة الواحدة"، و "لا للتعديلات الدستورية الانفرادية التي ترسخ حكم الفرد."[22] وشهدت تلك المهرجانات حضورا جماهيريا وصف بأنه، "الأول من نوعه للمعارضة."[23]


وبعد أسبوع، أي في 3 فبراير، نظمت اللجنة التحضيرية للحوار الوطني مهرجانات احتجاجية في عدد من المحافظات كان أكبرها امام جامعة صنعاء، بعد ان احتل انصار صالح في الليلة السابقة ميدان التحرير الذي كانت اللجنة قد حددته مكانا للاحتجاج. ولعلها لم تكن محض صدفة أن يقع المكان الجديد للاحتجاج على بعد امتار فقط من مقر الفرقة الأولى مدرع التي يقودها محسن. وهتف المحتجون أمام جامعة صنعاء ولأول مرة "مطلبنا واضح واضح..ارحل ارحل يا صالح"، "اعتصام ..اعتصام حتى يسقط النظام"، و "هبة هبة يا احرار ... ضد الفساد والأشرار."

وألقى محمد سالم باسندوة رئيس اللجنة التحضيرية للحوار الوطني كلمة في المشاركين دعا فيها الى حوار وطني شامل لا يستثني احد برعاية اقليمية ودولية وهو ما يعني ان القوى السياسية المعارضة للنظام، ورغم الشعارات التي تم ترديدها، لم تكن قد وصلت الى قناعة بان المظاهرات والاحتجاجات وليس الحوار هي الطريق الأمثل لإصلاح النظام.

بالنسبة لصالح، فقد اتبع في تعامله مع الحركة الاحتجاجية للقاء المشترك والتي تقاطعت مع ظهور وتطور الحركات الاحتجاجية في تونس ومصر ومع بدء حركة احتجاجية يمنية تطالب باسقاط النظام، حزمة من ردود الفعل ابرزها: القمع، الحديث عن خصوصية يمنية، تقديم الحوافز المادية للقطاعات المؤثرة، واظهار التأييد الشعبي عن طريق الاعتصامات والمسيرات المؤيدة، تقديم التنازلات السياسية التكتيكية، اثارة النعرات القبلية، و محاولة اسكات وسائل الإعلام الخارجي.

وفيما يتعلق بالقمع، فقد قامت قوات، اتضح فيما بعد بانها تابعة للأجهزة الأمنية، في الساعة الواحدة والنصف من صباح يوم 22 يناير باختطاف الناشطة توكل عبد السلام كرمان رئيسة منظمة صحافيات بلا قيود والتي كانت قد شاركت في قيادة مظاهرات "الثورة الشبابية" التي بدأت داخل جامعة صنعاء[24]ثم امتدت الى المناطق المجاورة واعتقل بعض المشاركين فيها، ورددت شعارات تطالب برحيل صالح وبعض افراد أسرته.[25] وبررت وزارة الداخلية اعتقال كرمان في اليوم التالي بانه بسبب قيامها بقيادة مظاهرات ومسيرات غير مرخصة وتحرض على الفوضى والعنف.

واذا كان قرار اعتقال كرمان قد مثل خطأ، فإن طريقة الاعتقال وتوقيته في مجتمع تقليدي مثل المجتمع اليمني قد اعتبرا خطيئة. وتجاوز رد الفعل الغاضب كل توقعات النظام حيث ادانته وبكل قوة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والتنظيمات الطلابية والشبابية وحتى القبائل. وخرجت في صنعاء في الساعات التالية لاعتقال كرمان مسيرات غاضبة اضطرت السلطات بعد حوالي 34 ساعة الى اطلاق كرمان وكافة الموقوفين بسبب الاحتجاج على قرار اعتقالها.[26]

وفي 23 يناير، أي بعد 8 ايام على سقوط نظام بن علي وبعد يوم واحد على اعتقال كرمان، أعلن صالح في خطاب القاه في المؤتمر السنوي لقادة القوات المسلحة مع ما تتضمنه المناسبة من تلويح بالقوة العسكرية، أن "اليمن ليست تونس." واضاف في ذات الخطاب:

"نحن مع التغيير وضد التوريث، وهذه اسطوانة وقحة بل قمة الوقاحة القول أنه عندنا توريث ونحننظام جمهوري ديمقراطي ضد التوريث لا في القرية ولا في القبيلةولا في المشيخة ولا في السلطة ولا في الوحدة ولا في الوزارة نحنضد التوريث."

كما أعلن صالح في ذات الخطاب عن زيادات في المرتبات والأجور وعن تخفيضات على ضرائب الدخل لموظفي الدولة المدنيين والعسكريين. ثم اُعلن في 31 يناير، بعد بدء التحركات في مصر، اعفاء طلاب التعليم الموازي في الجامعات الحكومية اليمنية من دفع الرسوم المتبقية عليهم عن العام الجامعي 2010-2011، إعادة النظر في رسوم هذا النوع من التعليم، وانشاء صندوق لدعم خريجي الجامعات، واستيعاب 25% من خريجي الجامعات العاطلين عن العمل خلال العام، واعتماد نصف مليون حالة جديدة في اطار الضمان الاجتماعي.
وبينما كان صالح قد أكد في خطابه يوم 23 يناير عزمه المضي في تنفيذ الانتخابات النيابية واجراء التعديلات الدستورية سواء بمشاركة احزاب اللقاء المشترك أو بدونها، فقد أدى اندلاع الاحتجاجات في مصر في يوم 25 يناير الى تغيير كبير في موقف صالح حيث اعلن في 2 فبراير في كلمة القاها في اجتماع مشترك لمجلسي النواب والشورى، قاطعه ممثلو احزاب اللقاء المشترك، تراجعه عن الخطوات التي كان قد اتخذها بشكل انفرادي ودعا الى العودة الى عملية التحضير للحوار الوطني التي كانت قد توقفت عند لجنة الأربعة. وقام مناصرون لصالح في ذات الليلة ببدء اعتصام بميدان التحرير في قلب العاصمة صنعاء، وذلك بهدف قطع الطريق على احزاب اللقاء المشترك التي كانت قد اعلنت عزمها تنظيم احتجاجات في الميدان في اليوم التالي.

وحاول صالح في 6 فبراير اثارة النعرات بين اكبر قبيلتين متنافستين في اليمن وهما حاشد وبكيل حيث قام مرافقون لنعمان دويد محافظ محافظة صنعاء وهو من انساب العميد احمد نجل صالح وينتمي الى قبيلة خولان احدى بطون قبيلة بكيل بالاعتداء على مرافقي الشيخ حميد الأحمر امين عام اللجنة التحضيرية للحوار الوطني مما ادى الى اندلاع اشتباك بين الطرفين قتل فيه احد المارة، واتهم النظام على اثرها حميد الأحمر بالهجوم على منزل دويد. وقد احتوى مجلس النواب القضية بعد ذلك وكلف وزارة الداخلية بالتحقيق، وخلص تقرير الوزارة حول الواقعة الى أن دويد هو المعتدي.

واتصل صالح، الذي كان يعطي أهمية كبيرة للإعلام ، في 27 يناير، بسمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر وطلب منه، كما اوردت وكالة الأنباء الرسمية ’سبأ’، "التدخل لدى القائمينعلى قناة الجزيرة (...) للتهدئة الإعلامية، والابتعاد فيممارستها للمهنة الإعلامية عن أساليب الإثارة والتأجيج والتحريض وتزييفالحقائق وتضخيم الأحداث..."

ثالثا- بدء التحركات لإسقاط النظام

بدأت التحركات الهادفة الى اسقاط نظام صالح بعد دقائق فقط من اعلان الجيش المصري عند الـ8 من مساء الـ11 من فبراير2011 تنحي الرئيس محمد حسني مبارك عن السلطة. ويرجع التأثير الكبير للحركة الاحتجاجية المصرية على اليمن الى أسباب لعل أهمها طبيعة العلاقات بين البلدين.

فقد اثرت مصر تاريخيا بقوة على الأوضاع في اليمن بشماله وجنوبه رغم الاختلاف الكبير في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين القطرين. والهمت ثورة 23 يوليو 1952 ثورة في شمال اليمن في عام 1962 ادت الى اسقاط النظام الإمامي، واخرى في جنوب اليمن بدأت في عام 1963 وانتهت باستقلال جنوب اليمن عن بريطانيا في عام 1967. وعندما واجهت الثورة في شمال اليمن خطر الإسقاط من قبل قوى الثورة المضادة ارسل جمال عبد الناصر عشرات الالاف من الجنود المصريين لدعمها.

وتعلم معظم افراد النخب السياسية اليمنية في الجامعات والمعاهد والأكاديميات المصرية. ومثلت الأحزاب اليمنية بما في ذلك حزب المؤتمر بشكل او بآخر امتدادات للأحزاب المصرية وان تميزت عنها بعض الشيء بحكم الظروف المحلية. ولم يكن نظام صالح ذاته سوى صورة باهتة عن نظام مبارك، وظل الأول يتعلم من الأخير حتى آخر لحظة قضاها الأول في السلطة. وكانت البلطجة هي اسوأ ما تعلمه صالح من نظام مبارك.[27]
أ. خروج الشباب

تعلم الشباب اليمني من تحركات التونسيين ان اسقاط الدكتاتورية ليس أمرا مستحيلا، وأكدت لهم تحركات المصريين ان اسقاط الدكتاتورية يمكن، بل يجب، أن يتم الان. ولذلك خرج الشباب اليمني غير المنظم، أو غير الملتزم حزبيا، بعد دقائق فقط على اعلان سقوط مبارك في مدن صنعاء وتعز ليهتفوا "ارحل. ارحل يا رئيس... اليمن اصبح تعيس."

وفي اليوم التالي، 12 فبراير، خرج المئات في صنعاء وتعز، ولاحقت قوات الأمن المحتجين في تعز طوال الليل. وفي 13 فبراير خرجت من امام جامعة صنعاء تظاهرة باسم "الثورة الطلابية الشبابية السلمية" تضم المئات من الشباب وطلاب الجامعة والنشطاء الحقوقيين، واتجهت نحو السبعين حيث مقر إقامة صالح وهي تردد شعارات من مثل "يا علي ما نشتيش دم ارحل خلي عندك دم" وقد جوبهت المسيرة، من قبل جنود الأمن المركزي وبلاطجة بعضهم ملثمون ويرتدون زيا مدنيا بكافة اشكال القمع، بما في ذلك استخدام هراوات الصعق الكهربائي المخصصة للحرب مع القاعدة.[28] وفي نفس اليوم نصبت في تعز خيام أول اعتصام مفتوح على مستوى البلاد في الساحة التي ستعرف فيما بعد بـ"ساحة الحرية" في حين قامت قوات الأمن عند منتصف الليل بإلقاء القبض على العشرات من المعتصمين.[29]

وفي يوم 14 فبراير خرج العشرات في مدينة عدن يهتفون "لا حوار لا كلام.. الشعب يريد اسقاط النظام." [30] وسقط في تعز 30 جريحا[31] اثر اعتداء بلاطجة على المعتصمين، ورد الشباب المعتصم على البلاطجة بهتافات منها: "يا يمن ثوري ثوري ضد الحكم الدكتاتوري"، "لا تسألني ليش ليش..شعبنا قرر يعيش"، و "لا حزبية ولا احزاب ثورتنا ثورة شباب." [32]

وفي 16 فبراير اعتصم في مدينة عدن المئات من الشباب مطالبين برحيل صالح. واستخدمت قوات الأمن الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع ضد المعتصمين وهو ما ادى الى سقوط 4 قتلى وعدد من الجرحى من المعتصمين والجنود.[33]وقام الجيش بنشر المدرعات في عدد من احياء عدن.[34] واستمرت المسيرات في صنعاء وكذلك الاعتداءات التي يقوم بها البلاطجة على المشاركين.

وفي 17 فبراير قتل شخص وجرح 18 آخرين في مواجهات بين قوات الأمن والمحتجين في عدن بينما اعتصم المئات من الشباب في مدينة الحديدة غرب اليمن مطالبين بإسقاط النظام ومرددين "يا علي ارحل ارحل.. الكرسي تحتك ذحل" و "اعتصام اعتصام .. حتى يسقط النظام" ثم اصدروا بيانا اعلنوا فيه التحاقهم بركب الثورة.
واجتمع في مدينة تعز يوم 18 فبراير، وهو ما سمي "جمعة البداية" أثر من ربع مليون محتج قدم الكثير منهم من الريف والقى بلاطجة بقنبلة على المعتصمين وهو ما أدى الى مقتل شخص وجرح 44 آخرين.[35] وقتل في عدن في ذات اليوم 3 أشخاص أثناء تفريق الأمن لمظاهرات ومسيرات احتجاجية تطالب بإسقاط النظام. وخرجت بعد صلاة الجمعة مظاهرات في كل من المكلا والشحر وغيل باوزير في محافظة حضرموت. وجرح في صنعاء 8 أشخاص اثر هجوم لبلاطجة ورجال امن بلباس مدني على متظاهرين. واستمر نزيف الدم في عدن حيث قتل شخص واصيب خمسة آخرين.

ب. رد فعل القوى الأخرى

بينما دشن الشباب اليمني تحركاتهم لإسقاط نظام صالح ليلة الـ11 من فبراير 2011، فقد اكتفت اللجنة التحضيرية للحوار الوطني في ذات الليلة بإصدار بيان تهنئة للشعب المصري بما حققه، ودعت الشعب اليمني في سياق البيان إلى "التعبير عن مشاعرهم الفياضة، مشاعر الفرحةوالبهجة، بكل وسائل التعبير ابتهاجا بهذا النصر العظيم لشعب مصر." كما دعت في بيانها "كافة حكامالأمة الذين أضاعوا الطريق وضللتهم أوهامهم الى احترام حق الشعب العربي في كل قطربالعيش بحرية وإلى أن يستلهموا العبر والمبادئ والقيم التي انتصر لها شعب مصر بالنضال السلمي، وان يبادروا إلى احترام الإرادات الشعبية التواقة للحرية والعزةوالاستقلال ".

وفي يوم 13 فبراير دعت اللجنة التحضيرية للحوار الوطني الرئيس صالح ، في بيان مطول ردت فيه على ما كان صالح قد اعلنه يوم 2 فبراير، الى اثبات الجدية وحسن النية عن طريق القيام بـ" تنحية كل الأبناء والإخوان وأبناء الإخوانوالأقارب حتى الدرجة الرابعة من مواقعهم القيادية سواء في القوات المسلحةوأجهزة الأمن أو في الحكومة والمجالس المحلية والخدمة المدنية، والقطاعينالعام والمختلط."

ومع تنامي القمع للتحركات الجماهيرية، دعت اللجنة التحضيرية للحوار الوطني ومعها اللقاء المشترك في 20 سبتمبر في بيان لهما "كافة المكونات الحزبية والمجتمعية المنخرطة في إطار اللجنة التحضيرية إلى الالتحام بالشباب المحتجين وجماهير الشعب في فعالياتهم الاحتجاجية الرافضة لاستمرار القمع والاستبداد والقهر والفساد." وكان المتمردون الحوثيون قد اعلنوا في اليوم السابق، على الأرجح بعد علمهم بقرار قوى المعارضة، الالتحاق بالاحتجاجات السلمية ضد نظام علي عبد الله صالح وان بلغة لا تقطع خطوط الرجعة.

وبإعلان القوى المنضوية في لجنة الحوار الوطني بما تمتلكه من قوة مادية وتنظيمية الالتحاق بالحركة الاحتجاجية بدأت عملية نصب واسع للخيام عند البوابة الشرقية لجامعة صنعاء وهي الساحة التي ستعرف فيما بعد بـ"ساحة التغيير."

وفي 21 فبراير اصدرت هيئة علماء اليمن المحسوبة على قوى التغيير بيانا أكدت فيه " أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالضوابط الشرعية واجب شرعي سواء مورس بطريقة فردية أو جماعية كالتجمعات والاعتصامات وسائر الفعاليات الجماعية والمظاهرات السلمية التي لا اعتداء فيها على مال أحد أو عرضه أو دمه أو أي ممتلكات عامة أو خاصة" وأنه يجب على الدولة "حماية هذا الحق وضمان ممارسته ، ولا يجوز لها أن تمنع أحداً ممن ممارسة هذا الحق فضلاً عن الاعتداء عليه أو اعتقاله ، وكل اعتداء بالضرب أو القتل أو غيره هو جريمة عمديه لا تسقط بالتقادم.."

بالنسبة للقوى داخل المؤتمر الشعبي العام فقد قدم عضو في مجلس النواب يوم 14 فبراير استقالته من حزب المؤتمر الشعبي العام بسبب نزول اعضاء في المؤتمر الى الشوارع والميادين بالسكاكين والهراوات والعصي لقمع المحتجين سلميا.[36] وفي 19 فبراير انسحب 10 من نواب المؤتمر الشعبي العام من جلسة مجلس النواب بعد رفض رئيس المجلس مناقشة ما يحدث من قمع للحركة الاحتجاجية السلمية في صنعاء وتعز وعدن. وفي 23 فبراير اعلن 7 من اعضاء مجلس النواب استقالتهم من المؤتمر احتجاجا على قمع المتظاهرين سلميا.

وفي 26 فبراير نضم حسين الأحمر عضو مجلس النواب عن المؤتمر الشعبي العام واحد مشايخ قبائل حاشد ، مهرجانا جماهيريا كبيرا لأبناء القبيلة في مدينة عمران شمال العاصمة أعلن خلاله تقديم استقالته من المؤتمر ووصفه بأنه حزب "الدساسة والدناءة" ، وبرر استقالته من الحزب بانها تأتي احتجاجا على أعمال القتل والبلطجة والاعتداءات بحق المتظاهرين سلمياً في مختلف محافظات الجمهورية. وقاد الأحمر المحتشدين وجعلهم يرددون هتافات من مثل "من حاشد ومن بكيل..على الرئيس الرحيل"، "يا علي يا خسيس ..دم اليمني مش رخيص"، و"يا حمادة قول لأبوك.. اليمنيين بيكرهوك"، و"من عمران لا عدن..يرحل علي في العلن." وفي 27 فبراير اعلن 13 نائبا من مختلف القوى يمثلون دوائر في المحافظات الجنوبية في بيان اصدروه تجميد عضويتهم في مجلس النواب احتجاجا على اعمال القتل والتنكيل والبلطجة.

والتحق آلالاف من افراد القوات المسلحة والأمن بالحراك من اجل التغيير وخصوصا أولئك الذين كان قد تم اخراجهم من الخدمة في الحروب الست التي خاضها نظام صالح مع المتمردين الحوثيين.

ومع أن المجتمع اليمني يعتبر من المجتمعات الأكثر تقليدية الا أن ذلك لم يمنع نساء اليمن من المشاركة بفعالية وقوة حيث خرجن الى الشوارع بملابسهن السوداء التي تغطي كل اجسامهن باستثناء فتحات صغيرة للعيون بعشرات الالاف للمطالبة بالتغيير.

وغيرت قوى الحراك السلمي من اجل التغيير الكثير من الصور النمطية التي رسمها نظام صالح لليمنيين في الداخل والخارج. فالتحق الكثير من ابناء القبائل بالساحات والميادين تاركين اسلحتهم في منازلهم. وتناسوا وهم صامدين في الميادين ثاراتهم التي عمل نظام صالح دائما على اذكائها. وشاركوا في المسيرات والمظاهرات عراة الصدور.

ج. رد فعل النظام

سقط مبارك في مصر عند حوالي الـ8 من مساء 11 فبراير، فدعا صالح في حينه وساعته الى اجتماع لمجلس الدفاع الوطني والقيادات السياسية العليا واللجنة الأمنية، واقر الاجتماع الليلي في خطوة اثارت الاستغراب بسبب توقيتها، اطلاق علاوات موظفي الدولة العسكريين والمدنيين. ويبدو أن تلك الخطوة كانت آخر ما في جيب صالح فيما يتعلق بمحاولة استمالة القطاعين المدني والعسكري عن طريق الحوافز المادية.

وفي حين تابع الشباب اليمني، في الأيام التالية لسقوط مبارك، احتجاجاتهم في مدن تعز وصنعاء ثم في عدن واب والحديدة وغيرها من المدن اليمنية، فقد ركز نظام صالح في استجابته لتلك الاحتجاجات المتصاعدة والتي انتشرت كانتشار النار في الهشيم على حزمة من الإجراءات أبرزها: القمع (الاعتداء بالضرب والعصي الكهربائية، القتل والجرح بالرصاص الحي، الاعتقال) اما على ايدي قوات الأمن أو على ايدي البلاطجة، قمع مراسلي وسائل الإعلام الخارجية، اثارة النعرات المناطقية، اخراج مسيرات مناصرة محدودة العدد والعمل على تضخميها اعلاميا، التصوير السلبي لما حدث في تونس ومصر، وصف ما يجري في المنطقة على انه مؤامرة امريكية اسرائيلية، واقالة المحافظين، وركوب موجة الثورة.

بالنسبة لما حدث في تونس ومصر، فقد لجأ نظام صالح الى تصويره على أنه أمر سيئ ويمثل تنفيذا لأجندة اسرائيلية. فقد قال صالح في خطاب في الأول من مارس 2011: "لا احد يكذب على احد. كل يوم ونحن نسمع اوباما ..يا مصر ما تعملوش كذا، يا تونس ما تعملوش هكذا ..شو دخل اوباما، شو دخلك بعمان، شو دخلك بمصر انت رئيس للولايات المتحدة." وقال في ذات الخطاب ايضا: " وجميعنا يعلم أين هي غرفة العمليات، فهي في تل أبيب، لزعزعة الوطن العربي، وهؤلاء ] يقصد الشباب المحتج[ ما هم إلا منفذين ومقلدين لما تتبناه غرفة العمليات في تل أبيب." وكان يحيى الراعيرئيس مجلس النواب والقيادي في حزب صالح قد قال اثناء اجتماع لمجلس النواب يوم 12 فبراير "إن ما حدث في مصر لا يشرف المصريين ولا مصر"، وأن على اليمنيين ألا يكرروا ما حدث في مصر، مؤكدا أن الدرس قد وصل.

وحاول النظام دون نجاح اثارة النعرات المناطقية حيث أرسل في 15 فبراير بلاطجة لاحقوا طلاب محتجين الى حرم جامعة صنعاء، ورددوا شعارات تستهدف ابناء المناطق الوسطى (تعز، اب، والحديدة). وقد قوبلت المناطقية التي وظفها النظام في مواجهة ابناء المناطق الأكثر سكانا، باستنكار شديد ورأى فيها الكثيرون تهديدا للسلم الاجتماعي والوحدة الوطنية.[37]

وفي مطلع مارس غير صالح عدد من المحافظين رغم انهم منتخبين وفقا لقانون السلطة المحلية في خطوة ذات علاقة بعدم قدرتهم على اخراج مظاهرات مؤيدة للنظام كما طلب منهم. [38]

بالنسبة للقمع سواء للمحتجين أو للصحفيين، فلم يتوقف حتى بعد انضمام الكثير من القوى السياسية والاجتماعية الى الحركة الاحتجاجية.[39]ففي الـ22 من فبراير نصب بلاطجة موالون لصالح خيامهم بالقرب من المعتصمين أمام جامعة صنعاء وعند منتصف الليل بدأوا بأطلاق الرصاص الحي على المطالبين برحيل صالح مما ادى الى سقوط ضحايا. وهتف المعتصمون بعد الحادثة "طفح الكيل طفح الكيل.. السفاح يقتل بالليل."

وبينما خرج مئات الآلاف من المحتجين إلى شوارع صنعاء وتعز وإب وعمران وصعدة وعدن والضالع والمكلا ولحج وشبوة وأبين وذمار ومأرب والجوف والحديدة في ما سمي بـ "جمعة الصمود" الذي وافق يوم 25 فبراير، فقد أدت اعمال القمع في مدينة عدن الى سقوط 7 قتلى و 20 جريحا.

وقتل في عدن يوم 27 فبراير 8 اشخاص فيما اصيب 36 شخصا بجروح. ووصل عدد القتلى في عدن منذ 2 فبراير، وفقاً للمرصد اليمني لحقوق الإنسان، إلى 26 شخصاً. وسقط في مدينة عمران شمال البلاد 3 جرحى اثر اعتداء بلاطجة بالذخيرة الحية على اعتصام في المدينة.

وذكر تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش نشر في 2 مارس أن قوات الأمن أو المسلحين المؤيدين لصالح قاموا بضرب ومضايقة ما لا يقل عن 31 من الصحفيين الأجانب واليمنيين في محاولة لمنعهم من تغطية الاحتجاجات. وذكر التقرير أن الضحايا يعملون لصالح قناتي العربية والجزيرة الفضائيتين؛ وجريدتي القدس العربي والغارديان؛ ووكالات أنباء متعددة بما فيها الـ بي بي سي والأسوشيتيد برس ورويترز ووكالة فرانس برس؛ ومواقع إخبارية منها موقع سويس إينفو ومقره بيرن، وموقعي المصدر أونلاين ومأرب برس اليمنيين.

ج. الموقفان الإقليمي والدولي

اتسم الموقفان الدولي والإقليمي خلال هذه المرحلة بالارتباك الشديد. فقد دعا جيرالد فيرستاين السفير الأمريكي بصنعاء في مؤتمر صحفي يوم 12 فبراير جميع الأطراف الى العودة للحوار باعتباره الطريقة المثالية لتحقيق تطلعات الشعب اليمني مؤكدا بان سياق الحوار هذه المرة مختلف عن الماضي وان المجتمع الدولي مشارك هذه المرة ومطلع على ما يجري.[40]

وفي 18 فبراير، يوم جمعة البداية، اصدرت السفارة الأمريكية بصنعاء بيانا اشار الى ان السفارة لاحظت تزايد الاعتداءات على المحتجين السلميين في ظل وجود مؤشرات على ان تلك الاعتداءات تتم بحضور مسئولين حكوميين. ودعت في هذا الصدد الحكومة اليمنية الى الالتزام بمسئوليتها في حماية حياة وممتلكات اليمنيين.

وفي 21 فبراير التقى لس كامبل المدير الإقليمي للشرق الأوسط في المعهد الديمقراطي الأمريكي، الذي كان قد وصل الى صنعاء في 19 فبراير، بقيادة اللجنة التحضيرية للحوار الوطني. وحاول كامبل، الذي ذكرت الصحف أنه كلف بالمهمة من قبل البيت الأبيض، اقناع قيادة اللجنة التحضيرية بالعودة الى الحوار مع صالح. وردت قيادة اللجنة بوضع الكثير من الشروط للعودة الى الحوار، وهو ما جعل كامبل، الذي احتفظ لسنوات عديدة بعلاقات طيبة مع صالح ومعارضيه، يطلب منها اعداد تصور لفترة انتقالية آمنة للسلطة[41] وهو ذات الطلب الذي كانت طرحته هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية على احزاب اللقاء المشترك خلال لقاء جمعها بهم داخل السفارة الأمريكية اثناء زيارتها لصنعاء في 11 يناير، أي قبل يومين من سقوط نظام بن علي، ولم تأخذ قيادات اللقاء المشترك حينها الطلب بجدية.

وفي شهادة لها امام لجنة التخصيصات المالية في مجلس الشيوخ الأمريكي يوم 2 مارس، قالت السيدة كلينتون، ربما على سبيل السخرية بصالح الذي كان يستخدم ايران كشماعة يعلق عليها كل مشاكل البلاد، "نعرف ان الإيرانيين يقفون خلف حركات المعارضة اليمنية." واعلن البيت الأبيض في ذات اليوم أن صالح، الذي كان قد اتهم الولايات المتحدة واسرائيل في خطاب القاه في 1 مارس، بزعزعة الأوضاع في العالم العربي ، تحدث تلفونيا مع جون برينان، مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي ومكافحة الإرهاب، وطلب منه "نقل أسفه بشأن سوء الفهم المتصل بتصريحاته العلنية، والتي قال فيها إن إسرائيل والولايات المتحدة لهما دور في أنشطة من شأنها زعزعة الاستقرار في الدول العربية" الى الرئيس الأمريكي باراك اوباما. وأكد صالح خلال الاتصال، وفقا لرواية البيت الأبيض، أنه "ملتزم تماماً بإجراء إصلاحات سياسية في اليمن، وأنه يعمل على التواصل مع قوى المعارضة ضمن جهود الإصلاح، من خلال القنوات الديمقراطية والسلمية."


رابعا- المسارات والمحصلات

تمادى صالح في سياسة القمع، وقرر كما يبدو، مع حلول منتصف مارس، اتباع مبدأ مكيافيللي في القيام بالشر دفعة واحدة بدلا من تقسيطه ربما بهدف اثارة اقصى درجة من الرعب بين المحتجين ودفعهم الى الفرار من الميادين والساحات. وفي اليوم الذي اسماه المعتصمون "جمعة الكرامة"، (وافق 18 مارس)، اعتلى قناصة بملابس مدنية بعد صلاة الجمعة اسطح بعض المنازل المجاورة لساحة التغيير بصنعاء، وبدأوا في اطلاق الرصاص الحي على رؤوس وصدور المعتصمين، وما هي الا دقائق حتى سقط 42 قتيلا والمئات من الجرحى. وكانت الواقعة بمثابة القشة التي قصمت ظهر نظام صالح.


1. انهيار نظام صالح

عمل صالح في خطابه الإعلامي اللاحق لمذبحة "جمعة الكرامة" على القاء التهمة على سكان المنازل المجاورة لساحة الاعتصام وتصوير ما حدث على انه مجرد معركة بين السكان والمعتصمين وهو ما قاد سكان تلك الأحياء الى اصدار بيان استنكروا فيه الحادثة، ووكلوا محامين عنهم لمقاضاة صالح شخصيا.

وأعلن صالح، كعادته في قتل القتيل والسير في جنازته، يوم السبت 19 مارس يوم حداد رسمي. وبدأت قنوات التلفزة التي شرعت من خلال دعاياتها ضد المحتجين سلميا لكافة انواع القتل، بقراءة القرآن. وفي يوم الحداد الرسمي، خرج مصدر مسئول بتصريح يشبه نداء استغاثة من صالح الى دول الخليج جاء فيه: " جدد مصدر مسؤول في رئاسة الجمهورية ترحيبه بوساطة الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بين الأطراف السياسية في اليمن."

وشهد نظام صالح في الأيام الثلاث التالية لجمعة الكرامة (19، 20، 21 مارس)، ، انهيارا سريعا في مكوناته الوزارية والبيروقراطية والنيابية والحزبية والدبلوماسية والعسكرية والأمنية احتجاجا على قتل المعتصمين سلميا. واضطر صالح يوم 20 مارس، في مواجهة استقالات الوزراء المتزايدة، والتي كانت قد بدأت قبل جمعة الكرامة الى اقالة الحكومة وتكليفها بتصريف الأعمال.

وفي 21 مارس أعلن الجنرال محسن من على قناة الجزيرة:

"نزولا عند رغبة زملائي من القادة والصف ضباط والجنود في القوات المسلحة والذي انا واحد منهم، اعلن نيابة عنهم دعمنا وتأييدنا السلمي لثورة الشباب السلمية ومطالبهم واننا سنؤدي واجباتنا الغير منقوصة في حفظ الأمن والاستقرار في العاصمة وحيث ما تكون وحداتنا العسكرية الى جانب اخواننا ابناء قوات الأمن البواسل."

وأحدث اعلان محسن دعمه للثورة ما يشبه الانفجار داخل نظام صالح. فقد استقال في نفس اليوم الالاف من كبار القيادات العسكرية والأمنية والحزبية والنيابية ومعظم سفراء اليمن في الخارج المحسوب بعضهم على الأقل على محسن.

ولم يتبق لصالح، بعد اعلان الجيش التقليدي تأييده وحمايته للحراك السلمي، سوى القوة العسكرية الغاشمة المتمثلة في قوات الحرس الجمهوري التي يقودها نجله العميد احمد والتي تم بنائها لتكون جيشا للأسرة الحاكمة في مواجهة الجيش التقليدي للبلاد الموالي للواء محسن أو اي قوة أخرى.

واستغل صالح انضمام محسن، الذي كان يوصف بالقبضة الحديدية للنظام وكان له الكثير من الأنصار والأعداء ايضا ، فبدأ يصور الحراك على انه مجرد انقلاب قامت به قوى من داخل النظام ، متشددة دينيا وعلى علاقة بالجماعات المتطرفة. [42]

2. رد فعل قوى الحراك

أدى انضمام محسن وانصاره بما في ذلك الجزء الأكبر من القبائل اليمنية المعروفة ببأسها القتالي الى الحراك الى افقاد نظام صالح لشرعيته من جهة والى موازنة قوات الحرس الجمهوري الموالية لصالح واسرته والتي استأثرت خلال عقد كامل بالتسليح والتدريب، من جهة أخرى.

وبدا واضحا بعد حالة الانهيار التي اصيب بها نظام صالح ان قوى الحراك وفي مقدمتها محسن وقادة الجيش الموالين له وشيوخ القبائل والعلماء لا يملكون رؤية حول الخطوة القادمة رغم انهم اطلقوا على يوم 25 مارس "جمعة الرحيل"، وبدلا من أن تلجأ قوى الثورة الى التصعيد عمدت الى التهدئة. وأثر التوازن العسكري الذي أفرزه انضمام محسن، بدوره، سلبا على قدرة الشباب المحتج سلميا على المضي قدما بحراكهم.

وأصيب الكثير من قوى الحراك، تماما مثلما اصيب صالح، بذهول بالغ وخصوصا وأن انضمام محسن قد أظهر مقدار القوة والنفوذ اللذين يتمتع بهما، وجعل بعض قوى الحراك تشعر أن اسقاط نظام صالح لن يعني سوى استبداله بنظام محسن وحزب الإصلاح.

وسرعان ما انقسمت قوى الحراك نتيجة لذلك الى تجمعين عريضين مع وجود تباينات في إطار كل تجمع: تحالف للقوى التقليدية ويضم محسن وأنصاره، حزب الإصلاح، العلماء المؤيدين للحراك، وشيوخ القبائل؛ والتحالف الآخر يضم ليس بالضرورة القوى الليبرالية وان كان قد حاول تصوير نفسه كذلك، ولكن بشكل اساسي القوى المعادية لمحسن والإصلاح وفي مقدمتها الحوثيين، الاشتراكيين، والناصريين.

بالنسبة للحوثيين الذين تعايشوا في ساحة الاعتصام خلال الأسابيع الأولى مع نقيضهم المذهبي الإصلاح، فقد رأوا في انضمام محسن الذي قاد حروب نظام صالح ضدهم تهديدا كبيرا لهم، وأظهر خطابهم السياسي انهم يحملون محسن كل أوزار عهد صالح. أما الاشتراكيين، فقد حملوا محسن ومعه الإصلاح مسئولية الصراع السياسي وما لحق بهم اثناء حرب عام 1994 وفي الفترة التالية لها. وكان للناصريين بدورهم ثأرا قديما مع محسن تمثل في افشاله لانقلاب قاموا به ضد صالح في عام 1979 وهو ما قاد الى قتل العديد من قادتهم.

ومع أن محسن بنى علاقات قوية مع البعض من قادة الحزب الاشتراكي، والتيارات الناصرية والبعثية، الإ أن الكثير من قواعد تلك الأحزاب بدت أقرب الى صالح منها الى قوى الحراك. أما الحوثيين الذين أتصفت علاقتهم بصالح بالغموض منذ البداية، فقد زال بانضمام محسن الكثير من الغموض عن تلك العلاقة ليبدأ تحالفا واضحا وان كان غير معلن بين الطرفين وجه بشكل اساسي ضد محسن، مشايخ حاشد، حزب الإصلاح، والسلفيين. وفي اطار هذا التحالف خاض الحوثيون ومازالوا يخوضون حتى اليوم مصادمات عسكرية متقطعة في عدد من المحافظات المجاورة لهم اما مع اعضاء حزب الإصلاح أو مع السلفيين أو مع بعض قبائل حاشد.

وفي حين أن اندلاع الحراك المطالب بالتغيير بالشامل على مستوى اليمن ككل طغى في زخمه وعنفوانه على الحراك الانفصالي في الجنوب، واعطى الفرصة لبروز الصوت الوحدوي، فقد أدى انضمام محسن واستمرار الحراك بلا نهاية وجهود صالح نفسه لتمزيق خصومه الى عودة تدريجية للصوت الانفصالي مقابل تراجع الصوت الوحدوي.



3. ظهور الوساطة الإقليمية والدولية
أدت أحداث جمعة الكرامة الدامية الى حدوث تحول في الموقفين الإقليمي والدولي. وتولدت قناعات بضرورة رحيل صالح لكنه كان من الواضح ايضا ومنذ البداية أن الجنرال محسن، الذي يحتفظ بعلاقات اقليمية ودولية وثيقة، وحزب الإصلاح التابع له، لم يكونا يحظيا بقدر كاف من الدعم الدولي كوريثين شرعيين لنظام صالح. وتظهر برقية ارسلها السفير الأمريكي الأسبق في صنعاء توماس كراجكسي الى وزارة الخارجية الأمريكية في عام 2005 جانبا من المخاوف الأمريكية بشأن محسن حيث جاء فيها:
"ان تعاملات علي محسن المشبوهة مع إرهابيين ومتطرفين تجعل وراثته الرئاسة غير مرغوب فيها من جانب الولايات المتحدة وآخرين في المجتمعالدولي. فهو معروف بميوله السلفية ودعمه أجندة سياسية إسلامية راديكالية أكثر من صالح وله مساندون وهابيون أقوياء في السعودية ويقال انه ساعد (السعوديين) على إقامة مؤسسات وهابية في شمالاليمن. كما يُعتقد بأنه كان وراء تشكيل جيش عدن ـابين، وتربطه علاقة وثيقة بتاجر السلاح فارسمناع".[43]
وحاول محسن، بعد اعلان تأييده للثورة الشبابية والتزامه بحمايتها، طمأنة قوى الداخل والخارج بشأن مشاريعه المستقبلية. ففي مقابلة مع وكالة رويترز نُشرت مقتطفات منها يوم 24 مارس قال محسن "أنا واحد من أبناء هذا الشعب خدمته لمدة 55 عاما ولم يعد لدي رغبة في اي سلطة أو منصب."وأضاف "أنا في السبعين من العمر ولم يبق لي من طموح سوى أن أقضي ما تبقى من عمري في سكينة واطمئنان وبعيدا عن مشاكل السياسة ومتطلبات الوظيفة." واكد محسن ان "سيناريوهات استلام الجيش للسلطة في الوطن العربي عفا عليها الزمن ولم يعد هناك امكانية لان تَسلب الجيوش ثورات الشعب" وأن "الشعوب اليوم هي التي تقرر من يحكمها في ظل دولة مدنية حديثة."وحدد محسن المهمة المستقبلية للجيش في "حماية الوطن من أي عدوان خارجي والتعاون مع المجتمع الدولي لصنع يمن جديد خال من الارهاب وتجار الارهاب ] يقصد صالح[."
وكان طبيعيا في ظل التوازن العسكري وافتقار أهم مكونات الحراك للدعم الدولي الكافي لاستلام السلطة ولو مؤقتا أن تبدأ الوساطة الخليجية والدولية في 23 مارس، أي بعد يومين فقط من اعلان محسن دعمه للحراك وبعد 4 ايام على مذبحة جمعة الكرامة، من خلال تصريح للدكتور عبد اللطيف الزياني أمين عام مجلس التعاون الخليجي "شدد على ضرورة المحافظة على المدنيين وعدم تعريضهملأية مخاطر تهدد أرواحهم ، و عدم إهدار المكتسبات الاقتصاديةوالحضارية."[44]
وفي الـ2 من ابريل اعلن اللقاء المشترك وحلفاؤه ولأول مرة رؤيتهم حول الكيفية التي ينبغي ان تنتقل من خلالها السلطة وهي الرؤية التي كان المجتمع الدولي قد طالبهم بها اكثر من مرة. وستشكل تلك الرؤية في الأيام والأشهر التالية اللبنة الأساسية للتسوية السياسية والانتقال الآمن للسلطة. وفي اليوم التالي، 3 ابريل، عبر البيان الصحفي الصادر عن الدورة الاستثنائية الحادية والثلاثين للمجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي والتي عقدت في الرياض ، "عن بالغ القلق لتدهور الحالة الأمنية وحالة الانقسام" ودعا "الأطراف المعنية" "إلى تغليب المصلحةالوطنية والمسارعة بالعودة إلى طاولة الحوار الوطني" وأكد أن دول المجلس اتفقت "على إجراء اتصالات مع الحكومةوالمعارضة اليمنية من خلال أفكار لتجاوز الوضع الراهن."[45]
وأكد الزياني في 5 ابريل حرص المجلس "على بذل أي جهود تساهمفي الحفاظ على أمن اليمن واستقراره وسلمه الأهلي ووحدتهالإقليمية" وأن وساطة المجلس " تتطلب قبول كافة الأطرافالمعنية دون استثناء" و ان المجلس لا يزال في انتظارموافقة بعض تلك الأطراف. وفي الـ10 من ابريل عقد المجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية دورتهالاستثنائية الثانية والثلاثين بمدينة الرياض وحدد في البيان الصحفي الصادر عن الاجتماع المبادئ الأساسية للتسوية السياسية في اليمن والتي تم استخلاصها من رؤية المشترك وحلفائه.[46]
وبدخول الوساطة الخليجية والدولية على الخط تراجع دور قوى الحراك في الميدان الى مجرد عامل ضغط أكثر منه عامل حسم بينما تصدر سياسيو الحراك المشهد، وتولى الوسطاء الإقليميون والدوليون مهمة ترويض صالح وحزبه الحاكم من جهة، ومحسن وقوى الحراك من جهة أخرى.
ولم تلن عزائم الشباب المشارك في الحراك تحت وطأة أمطار الربيع، أو حرارة الصيف، أو برودة الشتاء القارصة، وظلوا لشهور تسلمهم "جمعة البداية" إلى "جمعة التحدي" و"جمعة التلاحم" إلى "جمعة الصمود" و "جمعة الكرامة" الى "جمعة الرحيل".. وهكذا جمعة بعد جمعة وسبت بعد سبت وهم ينتظرون تحقيق هدفهم الأول وهو رحيل النظام الذي جثم على كاهل اليمن واليمنيين طويلا.
وتم الاتفاق بعد رحلات مكوكية لأمين عام مجلس التعاون لدول الخليج، وعدة اجتماعات لوزراء خارجية دول مجلس التعاون، وبعد مفاوضات شاقة مع صالح ، الذي كان يفاوض من جهة ويحارب من جهة ثانية، تولاها عدد من السفراء الخليجيين وسفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وافق صالح على توقيع على المبادرة الخليجية في 22 مايو 2011.
ومع منتصف اليوم المحدد للتوقيع، حاصر مسلحون، بثياب مدنية، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي وسفيري الولايات المتحدة وبريطانيا وعدد من السفراء الأوروبيين والخليجيين في مقر سفارة الإمارات العربية المتحدة بصنعاء لمنعهم من الوصول الى الرئاسة.
وفي حين تمكنت طائرة هيلوكوبتر من اجلاء المحاصرين في السفارة الإماراتية ونقلهم الى دار الرئاسة للحصول على توقيع صالح على المبادرة قال لهم صالح "لن اوقع على قطع راسي." وهكذا نكث صالح بوعده من جديد رغم ان كل الأطراف الأخرى بما في ذلك حزبه كانت قد وقعت على المبادرة. وسقط صالح، كما كتب الصحفي اليمني خالد عبد الهادي، " حتى في اختبار مروءته وشجاعته كرجل يحترم كلمته ويفي بوعده كي يتشبث بحكمعليل لم يعد يغري أي رجل شهم في التمسك به وإراقة ماء وجهه من أجله." [47]
وجاء رد الفعل الدولي غاضبا جدا. فقد وصفت وزارة الخارجية الفرنسية في بيان نقلت عنه رويترز تصرف صالح بأنه "غير مسؤول وغير مقبول." وندد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بتراجع صالح اكثر من مرة عن التوقيع على المبادرة الخليجية. وأكدت وزيرة الخارجية الأمريكية السيدة هيلاري كلينتون في بيان لها أن الولايات المتحدة "تشعر بخيبة أمل شديدة" واتهمت صالح بالتنصل من التزاماته وازدراء "التطلعات المشروعة للشعب اليمني." واضافت: "نحضه على تنفيذ التزاماته المتكررة فورا بنقل سلمي ومنظم للسلطة وضمان تلبية الرغبة المشروعة للشعب اليمني." اما عريب الرنتاوي، الكاتب في جريدة الدستور الأردنية، فقد وصف صالح في مقال نشره يوم 31 مايو بانه الرئيس الذي "يكذب كما يتنفس." والمصيبة هي أن صالح كان يعتبر ما يقوم به، كما كتب حسين الشبكشي في صحيفة الشرق الأوسط في 2 مايو " دهاء سياسي ومكروخبث ومهارة ميكافيللية."
وفي اليوم التالي لتراجعه عن التوقيع، 23 مايو، بدأ صالح الذي قال ضاحكا في مقابلة مع صحيفة عكاظ السعودية نشرت في 15 مايو "لا أستطيع أن أقدم أكثر من أن أترك السلطة"، حربه ضد مشايخ حاشد من بيت الأحمر، فيما عرف بـ"حرب الحصبة"، والحصبة حي شمال العاصمة صنعاء يقع فيه منازل بعض مشايخ حاشد. كان الكثيرون في صفوف الحراك وفي صفوف المؤتمر يخططون لمثل تلك المواجهة وينظرون اليها على انها "ناب كلب في رأس كلب."
واستمرت الحرب الطاحنة، التي لم تكن افضل من مذبحة جمعة الكرامة وما سبقها أو سيتبعها من مغامرات، لبضعة أيام مني خلالها صالح رغم ما يمتلكه من قوات واسلحة، بهزيمة نكراء ، وتمكنت مليشيات مشايخ حاشد من السيطرة على اكثر من 12 وزارة ومؤسسة حكومية خلال 48 ساعة فقط. وفي اليوم الخامس من الحرب قال شيخ قبائل حاشد صادق الأحمر لقناة العربية "صالح سيرحل حافي القدمين." وبدأت القبائل في بعض المناطق بمحاصرة معسكرات الحرس الجمهوري الواقعة على اراضيها، والتي يقودها نجل صالح.
وبعد أقل من اسبوع على بدء حرب الحصبة، سلم صالح، وقد بلغ به اليأس مبلغه، في 28 مايو، كما أتهمه الكثيرون، مدينة زنجبار في محافظة ابين لجماعات القاعدة. وفي 29 مايو، نقلت وكالة الأنباء الرسمية سبأ عن وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال بان معارك الحصبة تركت 137 شهيدا و1402 جريحا من المواطنين في حين استشهد من رجال الشرطة والأمن 118 فردا. وفي نفس اليوم اصدر الجيش المناصر للحراك من اجل التغيير، والذي يقوده محسن، ما اسماه بالبيان رقم (1) والذي اتهم فيه صالح بتسليم محافظة ابين للإرهابيين. واجتاحت قوات موالية لصالح من أجهزة يمنية مختلفة ومعسكرات للجيش ليلا ساحة الحرية بمدينة تعز واحرقت مئات الخيام وقتلت ما لا يقل عن 10 اشخاص وجرحت العشرات وقصفت العديد من المنازل والمنشآت.
وفي 3 يونيو، هز انفجار هائل وقت صلاة الجمعة جامع النهدين الواقع في قصر الرئاسة بصنعاء حيث يقيم صالح الذي لطالما ردد على مسامع الناس "جئت الى الحكم وانا احمل كفني"، وادى الانفجار الى قتل وجرح العشرات بينهم صالح نفسه الذي لحقت به اصابات خطيرة. و في الرابع من يونيو 2011 نقل صالح، الدكتاتور الذي "قضى زمنا طويلا في الخدمة" بحسب تعبير لورين جولدينغ،[48] الى السعودية على حمالة "حافيا" مع العشرات من أركان نظامه بمن فيهم رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب. وبينما كان صالح قد دأب على تحذير خصومه السياسيين خلال سنين عديدة من هدم المعبد على رؤوس الجميع فإن المثير للغرابة هو أن المعبد وقع في النهاية على رؤوس صالح ومعاونيه. وبقي صالح، الذي لم يتمكن خلال قرابة 34 عاما من بناء مستشفى يمكن ان يعالج الحروق والجروح بكفاءة، في السعودية حتى 23 سبتمبر.
4. صالح يوقع على المبادرة
كانت القوى المحسوبة على الحراك وتضم احزاب اللقاء المشترك، لجنة الحوار الوطني، الجيش المناصر للثورة، والجماعات التي انسلخت عن حزب صالح قد وقعت او ايدت توقيع المبادرة الخليجية بينما صالح هو الوحيد الذي لم يوقع. كما ان المجتمعين الإقليمي والدولي كان يريان ان المبادرة الخليجية هي الطريق الوحيد لانتقال السلطة سلميا.[49] وبينما استمرت حرب الاستنزاف المتبادلة بين الموالين للحراك وقوات الحرس الجمهوري الموالية لصالح واسرته سواء في الحصبة أو في الضواحي الشمالية لصنعاء، فقد انتظر الجميع بما في ذلك الحوثيين الذين عارضوا المبادرة الخليجية بشدة والشباب المعتصمين في الساحات، عودة صالح من السعودية، ثم انتظروا بعد عودته ان يقتنع بأن لا مناص أمامه سوى التوقيع على المبادرة. وفي 21 اكتوبر تبني مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2014 لسنة 2011 الذي دعا صالح الى"التوقيع على مبادرة مجلس التعاون الخليجي بشكل فوري"[50] وهو ما ضيق كثيرا من خيارات صالح.
وفي 23 نوفمبر 2011 وقع صالح وقوى الحراك في الرياض على المبادرة الخليجية واليتها التنفيذية المزمنة التي بدأ التفاوض حولها اثناء غياب صالح للعلاج ثم استمر بعد عودته. ومنح صالح مقابل الموافقة على الخروج سلميا من السلطة "الحصانة التامة من الملاحقة القانونية والقضائية."[51] كما منح المسئولين الذين عملوا مع صالح في المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية حصانة اضيق نطاقا من "الملاحقة الجنائية." [52]
ووفقا للألية التنفيذية المزمنة للمبادرة الخليجية ولقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2051[53] لسنة 2012 فإن المؤسسات الانتقالية وبالتعاون مع مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة تقوم خلال فترة عامين بتنفيذ العديد من الخطوات والإجراءات الخاصة بنقل السلطة بشكل سلس وآمن، أهمها: نقل اختصاصات صالح الى نائبه الجنوبي عبد ربه منصور هادي؛ عقد انتخابات رئاسية خلال 90 يوما يكون فيها هادي المرشح الوحيد؛ تشكيل حكومة وفاق وطني مناصفة بين المؤتمر الشعبي العام وحلفائه واللقاء المشترك وحلفائه على أن تسند رئاستها الى قوى الحراك.

وأعطت الآلية للرئيس هادي، يعاونه في ذلك لجنة عسكرية يتم التوافق عليها، مهمة "انهاء الانقسام في القوات المسلحة ومعالجة اسبابه"، "انهاء جميع النزاعات المسلحة" وغير ذلك من المهام وصولا الى تحقيق "تكامل القوات المسلحة تحت هيكل قيادة مهنية ووطنية موحدة." كما نصت الآلية على أن يدعو الرئيس وحكومة الوفاق الوطني الى مؤتمر حوار وطني شامل يتولى: حل القضية الجنوبية؛ معالجة أسباب التوتر في صعدة؛ كافة المهام المتصلة ببناء الدولة وبناء النظام السياسي بما في ذلك انشاء لجنة صياغة الدستور وتحديد عدد أعضائها؛ و"اتخاذ خطوات للمضي قدما نحو بناء نظام ديمقراطي كامل."[54]
وشكلت على صعيد التطبيق الفعلي للمبادرة الخليجية واليتها المزمنة، حكومة وفاق وطني برئاسة محمد سالم باسندوه، وزعت حقائبها مناصفة بين المؤتمر وقوى الحراك من اجل الديمقراطية. وتضم الحكومة اكثر من 10 أحزاب مما يجعلها أول حكومة ائتلافية من نوعها في تاريخ اليمن، وأول حكومة تضم 3 نساء.[55]

وفي 21 فبراير 2012 صوت اليمنيون لهادي، المرشح الوحيد، كرئيس انتقالي لليمن خلفا لصالح.

وتمكن هادي ومعه اعضاء اللجنة العسكرية وإن ببطء شديد من فض الاشتباك بين قوات محسن وقوات صالح، وألغي، في إطار هيكلة جديدة لقوى الجيش والأمن، ما كان يعرف بـ"الحرس الجمهوري"، "الفرقة الأولى مدرع"، و "الحرس الخاص."[56] واعيد تقسيم البلاد الى سبع مناطق عسكرية. وتمكن هادي حتى الان من ابعاد مراكز القوى العسكرية والأمنية المنتمية الى اسرة صالح أو قبيلته بما في ذلك الجنرال محسن نفسه الذي عين مستشارا للرئيس وان كان هناك ما يبعث على الاعتقاد أن المشير صالح والجنرال محسن مع دخول المشير هادي كشريك لهما قد تقاسموا المواقع القيادية داخل الجيش.

وفيما يتعلق بمؤتمر الحوار الوطني، فقد تم في البداية تكوين لجنة فنية للتحضير في 14 يوليو 2012[57] ثم شكل المؤتمر في 16 مارس 2013 من 565 عضوا [58] يمثلون حزب المؤتمر الشعبي العام وحلفائه، اللقاء المشترك وشركاؤه، المتمردون الحوثيون الذين غيروا اسمهم الى انصار الله، الشباب، النساء، المجتمع المدني، بعض تيارات الحراك الجنوبي، وبعض الأحزاب والقوى السياسية الأخرى[59] أعماله في 18 مارس 2013. وفي حين يصل تمثيل الجنوب في المؤتمر الى حوالي 50%[60] فقد رفضت بعض تيارات الحراك المشاركة وفي مقدمتها تيار جنوبي متشدد يقوده علي سالم البيض النائب السابق لرئيس الجمهورية اليمنية خلال السنوات الأربع الأولى من عمرها (1990-1994) والذي يدعو الى فك الارتباط، أي الانفصال.

وصاحب عمليات التحضير والتشكيل والتسيير لمؤتمر الحوار الوطني العديد من الأخطاء وجوانب القصور التي بدا بعضها وكأنه كان مقصودا وخصوصا ان المؤتمر شكل وادير من الأعلى الى الأسفل. فقد تأخر كثيرا قرار تشكيل اللجنة الفنية التي تولت التحضير للمؤتمر وتم التمديد لها المرة بعد الأخرى ناهيك عن ان اختيار اعضاء اللجنة قد افتقر الى المعايير الواضحة والى الشفافية، وصب في خدمة اتجاه معين ورؤية معينة. وتأخر تشكيل مؤتمر الحوار الوطني بشكل لم يكن مبررا وخصص له فترة 6 اشهر وهي فترة زمنية طويلة جدا بالنظر الى طبيعة الموضوعات والمشكلات. وفي حين كان يفترض أن يستغل طول الفترة بطريقة بناءة وبما يعزز بناء الثقة بين الأطراف المختلفة فإن الذي حدث هو العكس. وبدلا من أن يدخل المؤتمر في صلب القضايا في الوقت المناسب تم تبديد الوقت في قضايا هامشية وتأجيل القضايا الجوهرية الى اللحظة الأخيرة.

وتؤكد الكثير من المعطيات بما في مجريات الحوار ذاته أن الهدف منه ليس سوى اضفاء الشرعية على النتائج التي يتم التوصل اليها من قبل عدد محدود من الأشخاص يلتقون بعيدا عن الناس خلف الأبواب المغلقة. وقد أدى ذلك الى أن المؤتمر، الذي حدد له فترة ستة أشهر وكان يفترض ان ينجز المهام الموكلة اليه في 18 سبتمبر الماضي، لم يتمكن من انجاز اعماله في الفترة المحددة، وما زال مع نهاية شهر اكتوبر 2013 في حالة انعقاد، هذه المرة دون تحديد تاريخ للانتهاء. واذا كانت المرجعيات القانونية قد حددت عامين لتنفيذ خطوات واجراءات نقل السلطة وان يتم عقد انتخابات برلمانية ورئاسية (ان تم تبني النظام الرئاسي) في فبراير 2014، فإن الواضح أن الفترة الانتقالية قد تطول كثيرا.


خامسا- الفرص والتحديات

تتمثل فرص بناء الديمقراطية في اليمن في عدد من العوامل أهمها: طول فترة التعرض لبعض الممارسات الديمقراطية، الضعف المزمن للدولة المركزية، وجود نخب سياسية قادرة رغم تنوعها وخلافاتها العميقة على العمل معا في أسوأ الظروف، التنوع والتعدد السياسي والاجتماعي، والدور الخارجي.

فبالنسبة لطول فترة التعرض لبعض الممارسات الديمقراطية فيمكن الإشارة هنا الى ان اليمنيين سواء في جنوب اليمن الذي كان واقعا تحت الاحتلال البريطاني (1839-1967) أو في شمال اليمن عرفوا التيارات الحزبية كاتجاهات فكرية خلال ثلاثينيات واربعينيات القرن العشرين، ثم كتنظيمات سياسية خلال خمسينيات وستينيات ذات القرن. وصحيح ان سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين قد شهدت ما يشبه الانتكاسة للتعددية الحزبية نتيجة ظهور الحزب أو التنظيم السياسي الواحد في الجنوب وفي الشمال على السواء ، الا ان الجمهورية اليمنية قد شهدت خلال قرابة ربع قرن من عمرها التمسك النسبي بالتعددية الحزبية، الانتخابات شبه المنتظمة، والرفع المستمر لسقف الحريات الصحفية. ويمكن القول، زيادة على ذلك، ان الانفتاح السياسي الذي شهدته الجمهورية اليمنية منذ قيامها مع ملاحظة حالات الصعود والهبوط قد ساهم بدرجة كبيرةوخصوصا في العقد الثاني من عمرها في تمكين القوى السياسية المعارضة لصالح من الاصطفاف وبناء الكتلة التاريخية الحرجة لإسقاطه. وتشكل هذه التراكمات، وان كانت متواضعة، علامات على الطريق يمكن لليمنيين الاهتداء بها في سعيهم لبناء الديمقراطية.

وفيما يخص ضعف الدولة المركزية، وهذا الضعف يعتبر سيف ذو حدين، فانه من المهم الإشارة هنا الى ان مؤسستي الجيش والأمن، بما في ذلك جهازي الأمن القومي والسياسي، واللتان يزداد الإنفاق عليهما عاما بعد آخر وتبدوان أكثر قوة من اي مؤسسة رسمية أو مدنية أخرى ، ليستا مع ذلك من القوة بحيث يمكن أن تقفا عائقا أمام بناء الديمقراطية في اليمن كما حدث في مصر مثلا، ويعود ذلك الى حالة التفتت وتعدد الولاءات وضعف التدريب والتأهيل والمرتبات الضئيلة بالإضافة الى ما تتعرض له المؤسستين من استهداف مستمر من قبل الجماعات الإرهابية التي يقال انها على علاقة بتنظيم القاعدة.

وفي حين سيستمر تأثير المؤسستين العسكرية والأمنية في تشكيل مستقبل اليمن، فإنه يتوقع أن يُمارس ذلك التأثير بطريقتين لا يشكل أي منهما تهديدا كبيرا لأي نظام ديمقراطي يتم بنائه، الأولى من خلال دعمهما لشخصيات عسكرية وامنية حالية أو سابقة لتولي المواقع الهامة في الدولة سواء بالتعيين أو بالانتخاب؛ والثانية، اعمال الفوضى والعنف والتخريب ذات النطاق المحدود والتي قد تلجأ اليها بعض الجيوب التي ستتأثر مصالحها بعملية اعادة الهيكلة التي ما زالت حتى الان في بدايتها.

أما بالنسبة للنخب السياسية اليمنية، فرغم محدودية المعرفة العلمية المتصلة بديناميكية عملها وانماط التفاعلات والتحالفات والصراعات التي تفرزها الإ انه يمكن الإشارة بقدر من الثقة الى انها أظهرت في الكثير من المنعطفات في تاريخ اليمن قدرة كبيرة على الحفاظ على شعرة معاوية في العلاقة فيما بينها. واذا كانت النخب اليمنية لم تتمكن دائما من تجنيب البلاد الحروب الخاطفة سواء بين الشطرين كما في 1972 و1979 او داخل كل شطر كما حدث في الجنوب في عام 1986 أو في اطار دولة الوحدة كما في حرب عام 1994 والحروب الست بين نظام صالح والحوثيين، فإنها قد نجحت بشكل ملحوظ حتى الان في تجنيب اليمن الحرب الأهلية الشاملة والممتدة كتلك التي شهدها الصومال أو العراق أو التي تشهدها سوريا.

وبينما كشفت الفترة منذ قيام الحركة الاحتجاجية وحتى اليوم عن وجود فجوة كبيرة بين الطريقة التي تقدم بها النخب نفسها من خلال الخطاب السياسي والأدبيات ككتلة تاريخية من اجل الديمقراطية من جهة، وبين سلوكها السياسي داخل اطرها الحزبية وداخل الدولة وفي ادارتها لعلاقاتها البينية من جهة ثانية، الإ ان النخب اليمنية قد أظهرت على الأقل قدرة على الجمع بين نقيضي الشقاق والوفاق. ففي حين حافظت على العداء التاريخي فيما بينها وعلى الاختلافات الإيديولوجية التي تبدو احيانا عميقة، فإنها وفي ذات الوقت اظهرت قدرة كبيرة على العمل معا في احلك الظروف. وربما تساعد هذه القدرة العجيبة لدى النخب على الجمع بين النقائض في بناء الديمقراطية.

ويمثل التنوع والتعدد السياسي والاجتماعي بدوره سياقا يبعث على التفاؤل حيث يصعب، في ظل التعدد السائد، تخيل أي حل آخر لمشاكل اليمن السياسية القائمة وخصوصا التمرد الحوثي والقضية الجنوبية بعيدا عن الديمقراطية، والديمقراطية التوافقية على نحو خاص. وصحيح أن مشاريع مثل الفدرالية والمحاصصة والانفصال قد تمثل هروبا من الحل الديمقراطي ومحاولة من قبل بعض الأطراف لتعظيم مكاسبها على حساب الأطراف الأخرى ، الإ ان الصحيح ايضا ان ظروف اليمن تبدو غير مواتية لتلك المشاريع مثلما هي مواتية لبناء الديمقراطية.

ويمكن النظر الى دور "الوصاية" الذي تقوم به الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية ومن خلفها الأمانة العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، على أنه في مجمله يمكن أن يساعد على بناء الديمقراطية في اليمن من خلال الرقابة التي يمارسها على الأطراف المختلفة لضمان المضي قدما في عملية نقل السلطة، الضغوط التي يمارسها على القوى السياسية لدفعها الى اشراك النساء والشباب، تشجيع النخب السياسية ومساعدتها على بناء التوافق، تأكيده على قضايا حقوق الإنسان، والدعم الذي يقدمه سواء أكان فنيا أو ماديا لعملية الانتقال.

وبالرغم من الفرص المشار اليها بعاليه، فإنه ينبغي التحذير من أن الوضع في اليمن، وكما في العديد من دول العالم الثالث، يتسم بالتعقيد الشديد. فصحيح ان البلاد عرفت الأحزاب منذ عقود، الإ أن الصحيح أيضا أن الذي ينظم الحركة السياسية في البلاد ليس الأحزاب كهويات سياسية حديثة تقوم على الفرز الطبقي الاقتصادي، ولكن الهويات الاجتماعية القائمة على الروابط الأولية كالسلالية (الهاشميون)، والقبلية (حاشد وبكيل) والمناطقية (مراكز القوى في شمال الشمال والحراك الجنوبي مؤخرا).

وتشير التجربة التاريخية الى أن الصراع السياسي قد تركز وما زال يتركز حتى اليوم في السياق الشمالي بين ثلاث هويات اجتماعية هي الهاشميون؛ قبائل حاشد؛ وقبائل بكيل، بينما تركز الصراع في السياق الجنوبي، قبل الوحدة وبعدها، بين عدد من المناطق. وأتصف الصراع السائد في السياقين الشمالي والجنوبي بسعي كل هوية من الهويات الرئيسية الى السيطرة على الدولة للاستئثار بالسلطة والثروة على حساب الفئات الأخرى.

وبينما يمثل هادي، محسن، وصالح جزءا من النظام القديم، ان لم يكن النظام كله، فإن الصراع الثلاثي بينهم حول السلطة والذي يزاد احتداما بات يهدد اليمن ليس فقط بالعودة الى المربع الأول الذي كانت فيه قوات صالح تصوب بنادقها نحو قوات محسن والعكس، ولكن أيضا بما هو أسوأ. ويُعتقد أن الطريقة التي ستتطور بها الأمور داخل مؤتمر الحوار وفي البلاد ككل ستتوقف على الطريقة التي سيتطور بها هذا الصراع الثلاثي.

بالنسبة لصالح، فما زال يحتفظ برئاسة المؤتمر الشعبي العام، ويحظى ببعض الدعم الإقليمي والدولي المستتر، ويحتفظ ببعض النفوذ وان كان محدودا داخل اجهزة الدولة وخصوصا قوات الجيش والأمن. ويذهب خصوم صالح الى اتهامه واقاربه بنهب الكثير من الأسلحة الخاصة بالوحدات العسكرية والأمنية التي كانوا يقودونها وتخزينها في كهوف جبلية في منطقة سنحان التي ينتمون اليها وهي احد الضواحي الجنوبية للعاصمة صنعاء. وسواء اصحت تهمة نهب الأسلحة أم لم تصح فإن الشيء شبه المؤكد هو أن صالح واقاربه وانصاره يسيطرون على الكثير من الأسلحة والأموال والاستثمارات في الداخل والخارج. ويملك صالح واسرته امبراطورية اعلامية تتكون من عدد من الصحف اليومية والأسبوعية وعدد من القنوات التلفزيونية بالإضافة الى عشرات المواقع الإخبارية على الشبكة العالمية للمعلومات.

ويعتبر صالح، مع اقتراب نهاية المرحلة الانتقالية، الطرف الأضعف من الأطراف الثلاثة المتصارعة. فقد تم ابعاد جميع افراد اسرته واقاربه ومعظم المحسوبين عليه من مواقعهم العسكرية والمدنية. وفي حين يحتفظ المؤتمر بقرابـ50% من المقاعد في حكومة الوفاق التي شكلت بموجب المبادرة الخليجية، فإن معظم وزراء المؤتمر الـ18 موالون إما لمحسن أو لهادي بينما يحتفظ صالح بولاء عدد قليل منهم. وبينما يحرص صالح على عدم الحديث عن ولاء وزراء حزبه لخصومه خوفا من أن يفقد ما تبقى من المناصرين له من أعضاء الحزب، فأنه عمل ويعمل بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة دون نجاح حتى الان، على اسقاط الحكومة واظهار هادي والمؤسسات والقيادات الانتقالية بالفاشلة.

ويخوض صالح حربا ضروسا مع الرئيس هادي حول رئاسة حزب المؤتمر من جهة وحول التمديد للفترة الانتقالية من جهة ثانية. فبينما يسعى هادي، بصفته نائبا اول لرئيس الحزب وامينا عاما رغم انه لا يحضر أي اجتماع لهيئات الحزب ورئيسا للبلاد، الى اقصاء صالح من رئاسة المؤتمر، فإن الأخير يقاوم بكل استماتة رغم ان الأمور لا تسير في صالحه وخصوصا بعد ان احكم هادي قبضته على اصول وحسابات الحزب التي كان على علم بها بحكم كونه أمين عام الحزب.

ويعارض صالح، الذي يأمل العودة الى السلطة سواء بشخصه أو بأشخاص الموالين له من خلال انتخابات فبراير 2014، بكل شدة وحدة اي تمديد للفترة الانتقالية. وقد صلَّبت التطورات في مصر خلال الصيف الماضي موقف صالح حيث أظهر استعدادا كبيرا للتصعيد ضد هادي ومحسن ليس فقط اعلاميا ولكن ايضا من خلال توظيف الأدوات الأمنية كالاغتيالات والاختطافات.

وفيما يتعلق بالجنرال محسن، الذي عين وفقا للهيكلية الجديدة للجيش[61] مستشارا للرئيس لشئون الأمن والدفاع، فيبدو الأكثر نفوذا قياسا بصالح وبهادي. وصحيح أنه كان قد اعلن عند انضمامه للثورة في مارس 2011 عزمه اعتزال العمل السياسي حال نجاح "الثورة" كما اسماها—الإ أنه قال ايضا في حوار مع الشرق الأوسط اللندنية نشر في 3 مارس 2013 إن "الأوضاع المتقلبة وعدم استقرار الحالة اليمنية وبالذات من الناحية الأمنية" ووجود اطراف (يقصد الحوثيين) تجر اليمن "في مسار الكوارث" لا تشجعه على ترك موقعه. والمح في ذات المقابلة الى طموحه في تولي موقع رفيع في الدولة (لعله قصد موقع رئيس البلاد) والى انه كان هناك تنسيق تام بينه وبين الرئيس هادي، وكان الأخير حينها نائب الرئيس، لإنجاح الثورة.

وفي حين احتفظ محسن بعلاقة تحالف وتعاون مع هادي قبل وفي بداية الفترة الانتقالية، فان تلك العلاقة سرعان ما تحولت الى تعايش مليء بالتوتر والخلافات المكبوتة، ومع قرب نهاية الفترة الانتقالية يبدو وكأن محسن قد فقد الكثير من صبره. واذا كان صالح يوجه اسلحته نحو هادي ومحسن في ذات الوقت ويجد صعوبة في الانتظار، فإن محسن الذي تؤكد الشواهد أنه وبشكل متزايد يعارض سياسات هادي جملة وتفصيلا، يميل الى التأني.

وبينما استنفذ صالح كل حظوظه تقريبا، فإن حظوظ محسن لم تستنفذ بعد. وتتعدد نقاط قوة محسن داخليا ويمثل حزب الإصلاح الحاضن لحركة الإخوان المسلمين في اليمن احداها، في حين أن اهم نقاط ضعفه هي معارضة الحوثيين الشيعة، وبالتبعية الهاشميين عموما لبقائه. ويحدث العكس على الصعيد الإقليمي، فنقاط ضعفه داخليا تتحول الى نقاط قوة، ونقاط قوته داخليا تتحول الى نقاط ضعف. وقد اثبت محسن قدرة كبيرة على الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع الفرقاء الإقليميين وان كانت غير كافية حتى الان للدفع به الى موقع الرجل الأول، وهو وضع يمكن ان يتغير بسرعة في حال انزلاق البلاد الى العنف الشامل، أو خروج هادي من السلطة بطريقة أو بأخرى، أو تمكنه من استمالة الحوثيين.

ورغم ان الرئيس هادي مثل حين صعوده الى موقع الرئيس الحلقة الأضعف من حيث القوة المالية والعسكرية والنفوذ السياسي والاجتماعي مقارنة بمحسن وصالح، الا إنه سرعان ما ترك ذلك الموقع لصالح. وعمل هادي منذ صعوده الى السلطة وبحكم انتمائه الى الجنوب، على اتخاذ الحراك الجنوبي كورقة قوية يواجه بها محسن وصالح. ولا يمكن النظر الى بعض الأفكار المطروحة في مؤتمر الحوار الان مثل الفدرالية، انشاء مرحلة تأسيسية مدتها خمس سنوات بالتوافق، تحويل مؤتمر الحوار الى جمعية تأسيسية تحل مكان مجلسي النواب والشورى، بناء السلطة على اساس المناصفة بين الشمال والجنوب خلال المرحلة التأسيسية، وغيرها سوى على انها استراتيجية هادي لتعزيز موقعه واضعاف خصومه. لكن قدرة هادي على توجيه نتائج الحوار بما يخدم مشروعه السلطوي تبدو محل شك ان لم يكن على الصعيد النظري، فعلى صعيد التطبيق الفعلي. كما أنه لا يوجد ما يؤشر الى ان مشروع هادي السلطوي يحظى بالدعم الإقليمي أو الدولي القوي.

ويحاول الحوثيون الذين استغلوا فترة الثورة ليفرضوا سيطرتهم التامة على محافظة صعدة، وفي اطار زواج المتعة الذي يجمعهم بالرئيس السابق وشبكة التحالفات المعقدة التي يملكون، الاستفادة القصوى من الصراعات الدائرة، وقد أظهروا في سبيل تحقيق هدفهم قدرة كبيرة على تغيير المواقف بسرعة مستفيدين من المناخات القائمة. وبينما نشروا في 13 فبراير 2012 ما سمى بــ"الوثيقة الفكرية والثقافية للزيدية" والتي اعلنوا فيها صراحة تمسكهم بمبدأ السلطة في البطنين كحق الهي، فإنهم طالبوا في رؤيتهم التي تقدموا بها الى مؤتمر الحوار الوطني في مايو 2013 بتبني هوية علمانية للدولة.[62]

وفي حين عارض الحوثيون بشدة المبادرة الخليجية وقاطعوا ما سمي بـ"الانتخابات" الرئاسية في 21 فبراير 2012 حيث لم تبلغ نسبة التصويت في محافظة صعدة معقِل الحوثيين سوى 13 بالمئة، ورفضوا مرارا وتكرارا المشاركة في الحوار الوطني، فانهم سرعان ما غيروا مواقفهم بزاوية 180 درجة، واصبحوا ليس فقط من اكثر الجماعات استفادة من رئاسة هادي، بل انهم ايضا حصلوا على تمثيل في مؤتمر الحوار الوطني لم يحصل عليه أي تيار أو جماعة سياسية أخرى بفضل تعدد الواجهات التي يقدمون انفسهم من خلالها.

وهناك التيارات الجنوبية غير المشاركة في مؤتمر الحوار والتي تترقب بحذر ما سيتوصل اليه مؤتمر الحوار الوطني لتتخذ على ضوئه موقفها ليس فقط من نتائج الحوار ولكن أيضا من التيارات الجنوبية التي قبلت المشاركة في الحوار. وللتيارات الجنوبية، سواء تلك المشاركة في مؤتمر الحوار أو تلك المقاطعة له طموحاتها الكبيرة في السلطة وثاراتها الدموية مع بعضها البعض والتي لا تقل في حجمها وعمقها عن صراعات الجماعات والتيارات الشمالية.

ورغم أن الدور الخارجي في اليمن، منذ بدء تحركات الـ11 من فبراير 2011، كان في المحصلة النهائية ايجابيا الإ ان التغييرات والتطورات والأحداث التي شهدتها المنطقة والعالم لا تبعث على قدر معقول من التفاؤل بشأن مستقبل اليمن ليس فقط بالنسبة لبناء نظام ديمقراطي، ولكن ايضا بالنسبة للاستقرار السياسي والأمني.

وإجمالا، فقد تمكنت الحركة الاحتجاجية التي بدأت في اليمن في 11 فبراير 2011 من اسقاط نظام علي عبد الله صالح بما تميز به من خصائص التمديد والتأبيد والتوريث، لكنه لا يعرف حتى الان في ظل فشل مؤتمر الحوار في انجاز مهامه خلال الفترة المحددة له، الأفكار غير الديمقراطية التي يراد له الخروج بها، الخلافات الكبيرة حول الطريقة التي يجب ان تحسم بها المشاكل، والصراع الثلاثي بين هادي وصالح ومحسن، ان كان حراك اليمنيين من اجل الديمقراطية قد مثل بالفعل تحولا عن صراع الهويات الاجتماعية بأهدافه والياته المعروفة، أم انه مجرد يافطة حديثة لصراع قديم.

وصحيح أن القوى الاجتماعية والسياسية اليمنية تبدو متفقة على أن الديمقراطية يجب ان تكون بحسب تعبير المنظر الأمريكي من اصل بولندي آدم بروزسكي، اللعبة الوحيدة المسموح بها في البلدة، الإ ان فهم القوى اليمنية للديمقراطية، كما يستدل عليه من الممارسة في المرحلة اللاحقة لسقوط نظام صالح، يشوبه الكثير من الخلل. وبالنسبة للشباب الذين كانوا وقود التحركات اليمنية من أجل التغيير والنساء اللائي شاركن بقوة في التحركات فلا زال وضعهم، رغم اشراكهم في مؤتمر الحوار الوطني ورغم التحسن الطفيف الذي حدث منذ نشر المسودة الأولى من هذه الدراسة على موقع الجماعة العربية للديمقراطية،[63] هامشيا. وقد زاد من حدة هذا التهميش الشعور المتزايد بان مشاركة الفئتين في مؤتمر الحوار، وان كان كبيرا من حيث العدد، فإنه كان وما زال متواضعا من حيث الفعالية.

وفي ظل تعقيدات المشهد اليمني وحالة التشظي الذي تعيشه القوى السياسية والاجتماعية اليمنية، قد يقع البعض في وهم الاعتقاد بأن الاستبداد أكثر قدرة على لملمة هذا التشظي، بينما قد يقع آخرون في وهم الاعتقاد بأن بناء الانفصال اسهل بكثير من بناء الوحدة. لكن الواقع هو أن البديل الأقرب للوحدة وللديمقراطية ليس الانفصال والاستبداد، بل المزيد من الفوضى والتشظي وسيادة حالة من "حرب الكل ضد الكل" بحسب توصيف المفكر الإنجليزي ثوماس هوبز!

المناقشات
رئيس الجلسة الثالثة: يوسف الشويري

3-1 عبد العزيز حسين الصاوي:
في رأيي أن الظاهرة التي تستحق الدراسة في التجربة اليمنية هي الدور الذي يلعبه المجال الإقليمي والأمم المتحدة في عملية الإنتقال الديمقراطي، أعتقد أن هذه مسألة إيجابية ومهمة جدًا لأنها تلقي الضوء على تأثير العامل الخارجي والذي هو دائمًا معرض للشكوك والارتياب من جهتنا، وفي نفس الوقت تجعل العملية أكثر سلاسة. في الورقة أعتقد هناك تركيز على هذه الناحية. شكرًا.

3-2 ناصر قلاوون:
أحب أن أعطي بعض الواقعية، فقد حاولت من ثلاثة أعوام أن أفهم اليمن كما يراه اليمنيون والآخرون. وفي مؤتمر في تشاتام هاوس في نوفمبر 2010، كان المرحوم عبد العزيز عبد الغني موجودًا ضمن وفد يمني ومعه وزير المالية، وكان الحديث عن ما هي حاجات اليمن، وبالطبع وضعت حاجات كبيرة ضمن اللاعبين الخارجيين. الثغرة كانت موجودة في إدارة الدولة اليمنية، وحول كيفية صرف الأموال في حال وجودها، بمعنى أن البيروقراطية اليمنية لا تستطيع أن تصرف الأموال الموعودة لأسباب منها الهدر والفساد وفقدان شبكة الإدارة المحلية، وتاريخيًا كانت الأموال تأتي لرأس النظام وتذهب للمنتفعين، فلايوجد شبكة اقتصادية باليمن.
حدثت الثورة وفي مؤتمرات أخرى باتشاتام هاوس، جاءت الجمعية البريطانية اليمنية، وتناوب الأخوة من اليمن ومن اللاعبين من جميعة أصدقاء اليمن (عشر دولة تقريبًا)، وارتفع رقم الأموال إلى سبعة بليون، وتبين بشكل عام أن حالة اليمن ميئوس منها فيما يتصل بإدارة المساعادت الخارجية، وبالتالي إذا كان هذا الأمر صحيحا فهذا معناه أن الدولة اليمنية كلها في حالة فشل، وهذا مالم أراه في هذه الورقة التي تعطي أملا للدولة، وهذا جميل كإصلاح داخلي، لكن اللاعبين الخارجيين لا يعطون الثقة.
وسأعود مرة أخرى إلى قضية منظمات المجتمع المدني، فوزارة التعاون الدولي البريطانية تتعاون كثيرًا لأجل تدريب هذه المنظمات، ولكن هذا لا يعني أن مسألة كيفية صرف المساعدات جيدة، سأعطي مثالًا واحدًا، فمدينة تعز لديها مشاكل كثيرة في المياه، وحتى الحل الاقتصادي المالي ميئوس منه، بمعنى أن مشكلة اليمن ليست فقط سياسية، بل هي تنموية ومعيشية.
ييتحدث دكتور عبد الله الفقيه عن نجاح النخبة اليمنية بأن تحافظ، ولو بمساعدة خارجية، على بقاء النظام. بمعنى أن المساعدات الخارجية هي التي تمنع الإنهيار، أي تقديم جزرة المساعدات الخارجية لكل اللاعبين، سواء عبر الحكومة أو عبر المساعدات الإقليمية التي تذهب إلى الجنوب مثلًا أو إلى اللاعبين القبليين، ويمكنك أن تضيف المعارضة من خلال إيران أو السعودية أو غيرهما. إذن هل بقاء النظام اليمني مرتبط بالإستقرار الإقليمي؟ وإذا فرض الإستقرار الإقليمي الآن حول سوريا ماذا يبقى للإستقرار اليمني؟ وهذا مالم أراه في الورقة. إن نجاح النخبة اليمنية في الحفاظ على الكيان مشروط بطلبات معينة، منها محاربة الإرهاب، فهل تستطيع اليمن أن تبتلع هذه الشروط على المدى الطويل؟ أم يكون الإنفصال هو مصير اليمن؟ كما أنا أشعر، ربما خلال ثلاث سنوات. شكرًا.

3-3 رغيد الصلح:
فقط أريد أن أسأل عن موقع الحراك الجنوبي في مسيرة عملية الإنتقال إلى الديمقراطية، فالحراك الجنوبي الحافز الرئيسي له هو الحصول على الديمقراطية في الجنوب. فإذا كان هذا هو الهدف، فأنا أتصور أن رموز الحراك لم يكونوا رموزًا للديمقراطية في اليمن قبل الاتحاد، فإذا كانت الديمقراطية هي الهدف فهذا متوفر إذا كان الحراك الجنوبي جزء من حراك يمني عام من أجل الديمقراطية، خاصة أن الحزب الإشتراكي له تأييد واسع في الشمال أيضًا، ويمكن توظيفه في خدمة أي تحول ديمقراطي أو أي نضال من أجل الديمقراطية. شكرًا.

3-4 صباح المختار:
كنت أتمنى أن تتناول الورقة جانب أنا شخصيًا لدي جهلٌ به، وهو مايتعلق بالحوثيين وإيران ومدى التدخل الذي نستمع إليه في وسائل الإعلام. وأنا شخصيًا أكثر ما أعاني منه فيما يتعلق بالوضع العربي هو الكذب في الإعلام وإعطاء الصور بطريقة غير موزونة، لم أعد أعرف هل الحركة الحوثية والحركة الجنوبية حركات تهدف إلى الديمقراطية أم أنها تتحرك بأجندة أجنبية من أجل مصالح أجنبية؟

النقطة الثانية والتي أشير إليها أكثر من مرة اليوم، موضوع الشباب ودور الشباب أي الحديث عن الشباب، أنا مؤمن أن مستقبل الأمم بيد الشباب. ولكن عدا كون هذه العبارة العامة، ماهو الدور العملي الذي يمكن إعطائه للشباب في هذه الحركات عدا كونهم يخرجون في المظاهرات وهم الأقدر على استعمال وسائل التواصل الاجتماعي والانترنت ... إلخ؟ ماهو الدور الفعلي الذي يمكن إعطائه للشباب؟ يعني الآن الحكومة في مصر أو في تونس، إذا أرادت أن تعطي للشباب دورًا فما هي الآلية؟ وإذا كان الشباب ذوي خبرات قليلة، وبالتالي كيف يمكن الاستفادة منهم؟ أي ماهي الوسيلة التي من خلالها يمكن إشراكهم والاستفادة منهم؟ فالمسألة ليست فقط في أن يجلسوا أمام المجلس العسكري أو مع الحكومة وأن تكون الصور على الكاميرات جيدة. لكن لا تستطيع أن تأتي منهم بوزير مالية أو اقتصاد أو عسكر أو ...إلخ. فتساؤلي هو: كيف يمكن إعطاء الشباب الدور الذي ندعو إليه من الناحية العملية في هذه الثورات؟ شكرًا.

3-5 منذر الأعظمي:
في الحقيقة الشيء المهم في نظري هو ذكر الجانب الإيجابي في الثورة اليمنية أو الانتفاضة اليمنية كونها لازالت سلمية وبها إيجابيات أكثر من السلبيات، وهذا قضية جوهرية بالنسبة للعرب ككل. فاليمن تعتبر من قبل الدول العربية الأخرى، خصوصًا الشام ومصر وشمال أفريقيا، كدولة عربية متخلفة وقبائلية وما إلى ذلك، ولكن الشيء الذي رأينا أنه، بصرف النظر عن مدى القبائلية وغيرها، الثورة في اليمن إلى حد كبير كانت سلمية ولازالت وهناك مرحلة انتقالية لا بأس بها.

في نفس الوقت هناك كلام سلبي عن ديمقراطية الجماعة ولماذا ديمقراطية الأفراد، أعتقد أن هذه قضية جوهرية، فنحن إلى حد ما نتحدث بنوع من الاحتكار والتجني في رأيي عن البنى التقليدية وهي بالأساس البنى القبائلية والبنى المذهبية أو الدينية. يعني يمكن اعتبار هذه البنى في الحقيقة هي المجتمع الأهلي، أي المجتمع الذي لا يكون للفرد دخل في انتمائه إليه فهو تلقائيًا منتم إلى القبيلة أو إلى الطائفة أو المذهب أو المحل، وهذه كيانات تقليدية يستطيع العرب العيش بها بدون أي دولة، وفي الصومال هناك مطارات وتجارة وبنوك، ولايوجد دولة لكن هذا المجتمع موجود. وفي رأيي هذه القضية لم تعط أي أهمية وهي قضية التمييز بين المجتمع المدني الذي يتكون من أفراد مواطنين يعاملون كأفراد بمدى أموالهم وبمدى عملهم وبمدى مايقومون به حاليًا، وبين المجتمع الأهلي حيث الإنسان الفرد يعامل على أساس مَنْ ابن مَنْ، ومَنْ حفيد مَنْ، ومَنْ قريب مَنْ، والجيرة وغيرها. وهذه حقيقة نعيشها والإنسان جزء من المجتمعين في نفس الوقت، المجتمع المدني والمجتمع الأهلي. ولهذا أعتقد أن الاهتمام بالمجتمع الأهلي يمكن أن يساعدنا على وضع الحلول وبناء الديمقراطية في العالم العربي، ويجب احترام المجتمعات الأهلية والديمقراطيات الأهلية، ولا يجب أن نتجاوز القبلية إلى المجتمع المدني إلا إذا كان هناك شيء في المجتمع المدني أفضل. ولماذا تجاوز المذهب والدين، بينما الأديان تعايشت لآلاف السنين سويًا بدون أي مشكلة، فعمليًا الأديان أصبحت تتفاهم وتتعايش مع بعضها، والذي حدث أن المجتمع المدني جاء وخرّب الدين من خلال استخدام الدين في السياسة، لكن المذاهب ليس لديها مشكلة. وأنا أتصور أنه ربما مثال اليمن يمكن أن يعطينا المجال لفهم، واستخدام، والتعامل بشكل إيجابي، مع البنى التقليدية والمجتمع الأهلي في مقابل المجتمع المدني ومشكلاته.

3-6 حيدر إبراهيم:
قد تأتي مداخلتي معاكسة تمامًا لمداخلة الأخ منذر، لأنه دائمًا في التجربة اليمنية أنا دائمًا أتساءل لماذا تصر النخبة اليمنية أن تركز أكثر على الديمقراطية السياسية بالرغم من أن لديها مشكلات عميقة جدًا في الديمقراطية الإجتماعية والديمقراطية الإقتصادية مرتبطة بالمجتمع التقليدي؟ يعني عندما كنت أرى المظاهرات بها نساء منتقبات، فكنت على سبيل المزاح أقول للأخوة اليمنين ماذا تردن هؤلاء بالديمقراطية؟ فهن قد قَطَعن أنفسهن عن الحياة وأنشأن حاجزا، فماذا تريدن من الديمقراطية؟ وماذا تعني لهن الحرية؟ ولذلك التركيز في الديمقراطية على مسألة كيف يمكن للمرأة اليمنية أن تكون أصيلة وحديثة في نفس الوقت، فقد يكون هذا اللباس جزء من ثقافتها الأصيلة وفي نفس الوقت يمكنها أن تكون حديثة بمعنى أن تتعلم وأن تستفيد من هذه الديمقراطية. وينسحب هذا الحديث عن الديمقراطية الاجتماعية على القبائل والقبلية وعلى القات الذي يأتي على حساب زراعة البن، وعلى الملبس، والتسليح القبلي. لذلك أنا لا أعتقد أن الكيانات التقليدية يمكن أن تكون دافعة لشكل من الديمقراطية العربية، لأن الديمقراطية في الأصل هي الاختيار وفي القبيلة لا يوجد اختيار، فإذا قلنا ان الديمقراطية تقوم على أن لكل فرد صوت، فإنه في القبيلة تعد القبيلة كلها صوت واحد. فلذلك لا يمكن أن يوجد شكل من أشكال الديمقراطية السياسية باليمن دون التركيز من قبل النخبة اليمنية على مسألة الديمقراطية الاجتماعية والديمقراطية السياسية أي تقرأ عملية تحديث اليمن من قبل النخبة.

3-7 علي فخرو:
أعتقد أنه من الضروري الإجابة على التساؤل الآتي: ماهو السقف المسموح به من الحراك في اليمن؟ أعتقد أنه هناك مشكلة كبيرة في اليمن، أولًا: بسبب النفوذ المالي والقبلي الكبير جدا والموجود لدى السعودية، وأنا أعتقد أن هذا سيكون عامل مقرر لارتفاع أو هبوط السقف المسموح به في اليمن. وهذه نقطة من الضرورى إبرازها لأنه لدي شعور أنه إذا اقتضى الأمر فهناك قدرات خليجية، وأركز على السعودية، والتي يمكن أن تنزل بالسقف إلى أدنى مستوى من خلال العلاقات القبلية ومن خلال المال والرشوة. وبالتالي هذه قضية سيواجهها اليمن طوال الوقت، وهو يحاول أن يبني، وسيقال له أن هذا هو السقف ولا يمكنك الصعود.

النقطة الثانية: أعتقد أن أكبر دور للنساء في الثورات والحركات العربية كلها كان في اليمن، وهذا أظهر لنا كيف أن نساء محجبات لا يمكن أن ترى وجوههن، ومع ذلك فالدور الذي قمن به كان مبهرًا، ويستحق الدراسة في المستقبل، يعني كيف حدث ذلك، فكنا نعتقد أن المرأة اليمنية مقموعة فإذا بها من أكثر النساء ثورية وحراكًا.

3-8 خديجة صفوت:
أنا عملت باليمن، هو مجتمع غير سهل، فنحن لا نعرف عنه جيدا، إذ لا يوجد دولة بالأساس، هي دولة التوازنات القبلية، نحن نسمي الأشياء بغير أسمائها ثم نصدقها. هناك مفردات لابد من أن تُعرّف بما فيها الديمقراطية. أين هي الديمقراطية؟ هي معصوف بها، وهي واجهة لتهديدنا نحن وإرهابنا، ومن الأفضل أن نقبل هذا الواقع كي نبني عليه شيئًا واقعيًا وإلا سنقاتل طواحين الهواء.

في اليمن كما قال د. علي فخرو، المرأة فاجأتنا، كنت أقوم بالتدريس ولم أكن أعرفهن، فهن مغطيات تمامًا، لكن في اليمن يوجد احترام شديد للمرأة على عكس مجتمعات أخرى، ولذلك ظهرت المرأة في الثورة بشكل منظم تمامًا، فهن منظمات وبالذات الجنوبيات، فالجنوب سار خطوة ونصف بالنسبة للشمال في أشياء كثيرة بما فيها موضوع القات.

تعليقي على الورقة، وهو تعليق شبه عام، فأحيانًا أشعر أن هذا الكلام يمكن أن يقرأ في أي مكان ولم يكن من الضرورة أن يكتب بورقة إذا لم يكن به تحليل مهم جدًا ومُركّز على الحالة. بمعنى ليس بالضرورة أن تكون مصر وليبيا وتونس متشابهات ونجلس نتجادل فيما إذا كان الجيش التونسي أو الجيش المصري مع الثورة أم لا. المسألة أننا نريد أن نخرج بصياغة أو فرضية، نحن لا يوجد لدينا فرضية عربية واحدة تخصنا ننطلق بها لإثبات شيء آخر، لا يوجد لدينا قائمة مفردات تخصنا نحن، بما فيها الجيش أو القوات المسلحة، حتى الإسلام السياسي لم يعرفه لنا أحد. شكرًا.

مدير الجلسة: يوسف الشويري
د. عبد الفتاح ليس صاحب الورقة ولايمكنه الإجابة على كل الأسئلة:

3-9 عبد الفتاح ماضي: ملاحظات ختامية
فيما يتعلق بموضوع الأستاذ صباح المختار في مسألة الشباب والتساؤل حول ما هو الدور الذي يمكن إعطائه للشباب عدا خروجهم في المظاهرات، أعتقد أن ماحدث في مصر وتونس واليمن هو أن الشباب يعبر عن جيل مختلف ويفكر بطريقة مختلفة تمامًا عن الأجيال التي تسبقه، وهو يريد ممارسة السلطة بطرق وآليات جديدة ومختلفة عن الآليات القديمة. الآن حتى الديمقراطيات الغربية على المستوى المحلي هناك آليات للاستماع إلى الشعب وإلى إشراكه في صنع القرار على المستويات المحلية بطرق غير تقليدية. أما المشكلة عندنا في مصر، واليمن أيضًا، فهي أن الدساتير الجديدة توضع الآن بنفس العقليات القديمة وتحافظ على الآليات الديمقراطية التمثيلية القديمة وبدون أي تطوير يواكب ظروف المجتمع وأولياته من جهة وتطور مفهوم الديمقراطية وصور المشاركة السياسية من جهة أخرى. وهذا التطوير في مفهوم الديمقراطية الذي أشير إليه أمر مستمر في عالم السياسة الحديث، بمعنى البحث المستمر عن طرق إدماج الناس والاستماع إلى أصواتهم وخلق آليات جديدة ليس بالضرورة أن تكون أحزاب تقليدية، وإنما الاستماع إلى الناس عن طريق آليات مختلفة منها الآليات الإلكترونية الحديثة والتصويت الالكتروني على أشياء كثيرة، ومنها آليات الديمقراطية التشاركية والديمقراطية التداولية وغيرها. وأذكر أنه خلال وضع 2012 في مصر، قدمت، وقدم آخرون، أفكارا تدور حول أن الدستور لا يجب أن يوضع بعقلية الثمانينيات أو التسعينيات، وأنه لابد من ترجمة النشاط الشعبوي للشباب وفائض السياسة الموجود في الشارع، ونقله إلى عمل مؤسسي وإيجاد آليات حديثة ومؤسسات لممارسة السياسة عبر طرق غير تقليدية ولا سيما على المستويين المحلي. هذا لم بحدث في مصر، ولهذا ظلت مطالب الشباب بتغيير أنماط ممارسة السلطة السياسية قائمة، وظل فائض السياسية يمارس في الميادين بدلا من المؤسسات.

أما بشان ورقة اليمن، فهي تغطي، بشكل عام، أشياءً كثيرة جدًا، وهي تقدم صورة كلية لقصة التغيير في اليمن، لكن ربما بعض الموضوعات التي أشار لها الزملاء الأفاضل كانت تحتاج إلى بعض التفاصيل، وفي النهاية هي ورقة بحثية محدودة الحجم وبالتالي لا تستطيع تناول كل الموضوعات الشائكة في الحالة اليمينة. وأنا أتصور أن التيار السلفي اليمني أيضًا هو أحد التحديات، التي لم تذكر تفصيلا في الحالة اليمنية، كما لم تذكر في الحالتين المصرية والتونسية. فهناك سلفيون يمنيون، وبعضهم متشدد ولديه مشكلات كثيرة أيضًا. وأعتقد أن هناك بعض الموضوعات التي تحتاج إلى أوراق خاصة بها. وموضوعات العامل الخارج والسعودية ودور المال السعودي موضوعات تحتاج إلى بحوث أخرى. كما أن مسألة بقايا النظام القديم أشار إليها دكتور عبد الله لكن بدون تفاصيل كثيرة، فالرئيس القديم مازال يتمتع بكل قوته وهو يمارس السياسة عبر آليات أخرى ومن خلال الإعلام وغيره. كان من المفترض أن يعزل سياسيًا وألا يمارس السياسة، لا أن تكون له حصانة قضائية. بقايا النظام القديم والقوى الرافضة للتغيير والمقاومة له موجودة في اليمن وفي دول عربية أخرى، وقد تقوم، لا قدر الله، بإجهاض الثورات العربية، بشكل أو بآخر. شكرًا.


هوامش الورقة:

[1] حول حرب عام 1994، انظر: جمال سند السويدي وآخرون، حرب اليمن 1994: الأسباب والنتائج"، الإمارات: مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 1995.
[2] حول الصراع بين الجناحين، انظر: فيصل جلول، اليمن: الثورتان، الجمهوريتان، الوحدة (1962-1994)، بيروت: دار الجديد، 2000، 34-47
[3] "رؤية تنظيم العدالة والبناء حول محتوى القضية الجنوبية" مقدمة الى مؤتمر الحوار الوطني الشامل، www.ndc.ye، مايو 2013.
[4] حول هذه النقطة، انظر: اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، مشروع رؤية للإنقاذ الوطني، صنعاء، سبتمبر 2009.
[5] من اشهر الضباط السنحانين المنتمين الى اسرة الجنرال محسن في هذا التيار محمد اسماعيل وحامد فرج وقد قتلا في حادث طائرة هيلوكبتر غامض في عام 1999 . ومع أن صالح زوَّج كما يقول الكثيرون الكابتن طيار يحيى محمد اسماعيل احدى بناته وعينه كطيار خاص، الإ ان نجل اسماعيل سيلتحق في 28 مارس بالحراك الشبابي ضد صالح عند قيامه في مؤشر على انه يعتقد ان صالح يقف خلف مقتل ابيه.
[6] حول الأحزاب والتنظيمات السياسية في اليمن، انظر: احمد علي البشاري، الأحزاب والتنظيمات السياسية في الجمهورية اليمنية، سلسلة كتب مجلة الثوابت، صنعاء، 2003، 644-646
[7] اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، مشروع رؤية للإنقاذ الوطني، صنعاء، سبتمبر 2009.
[8]. World Bank، Sustainable Development Department، Middle East and North Africa Region ، Republic of Yemen; Country Social Analysis-Report No. 34008، 1
[9]. Ibid.
[10]. Ibid
[11]The World Bank،World Development Indicators، Washington D. C.، USA: 2012
[12]Ibid.
[13]Ibid.
[14]Ibid.
[15] "براون يستبق مؤتمر لندن بشأن اليمن بتعليق الرحلات المباشرة من اليمن"، موقع سي ان ان، 28 يناير 2010.
[16]حول التمرد الحوثي في شمال اليمن، انظر على سبيل المثال:
International Crisis Group،Yemen: Defusing the Saada Time Bomb، 27 May 2009.
انظر ايضا:
د. احمد محمد الدغشي، الظاهرة الحوثية: دراسة منهجية شاملة، صنعاء، مكتبة خالد ابن الوليد، 2009
[17]انظر: "الوثيقة الفكرية والثقافية للزيدية" ، اعلنت في 13 فبراير 2012.
[18]. World Bank، Republic of Yemen; Country Social Analysis، 12
[19] "ويكيليكس: السعودية كادت ان تقصف مقر علي محسن الأحمر بناء على احداثيات كيدية" موقع نشوان نيوز، 9 ديسمبر 2010.
[20] انظر حول هذه النقطة النص الكامل لبرقية أمريكية سربها موقع ويكيليكس في: "مقربون من الرئيس يسربون معلومات للسفارة الأمريكية حول اهدافه من دخول السعودية الحرب وتذمر مستشاريه منه"، المصدر، العدد (144) ، 14 ديسمبر 2010، 12
[21]حول الحراك الجنوبي، انظر:
International Crisis Group، Breaking Point? Yemen's Southern Question، 20 Oct 2011.

وانظر ايضا: عيدروس نصر ناصر، "الحراك السلمي في المحافظات الجنوبية: الخلفيات والتداعيات"، ورقة غير منشورة؛ "الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني: المعارضة تضع معالجات للقضايا الوطنية كونها البديل لسلطة أوصلت الوطن إلى الطريق المسدود"، الثوري (اليمنية)، العدد (2070)، 8 أكتوبر 2009، 4-5

[22] لمعلومات مفصلة حول تلك المهرجانات، انظر: العاصمة، العدد (417)، 29 يناير 2011، 4-10
[23] "المشترك يستعرض قوته بإخراج الالاف الى الشارع والمؤتمر يرد بمسيرات شكلية سار فيها المئات" الشارع، العدد (176)، 29 يناير 2011، 1، 14
[24] انظر تفاصيل اختطاف كرمان في: النداء، العدد (263)، 24 يناير 2011، 1، 2، 3، 10
[25] للمزيد من التفاصيل حول تلك الاحتجاجات، انظر: "رسائل من اتجاهات مختلفة"، المصدر، العدد (150)، 25 يناير 2011، 4
[26] محمد الشرعبي، "طلاب جامعة صنعاء...مشهد مختلف"، المصدر، العدد (150)، 25 يناير 2011، 5..بالنسبة لكرمان التي اسهمت بشكل كبير في قيام الحراك فسيتم اختيارها في 7 أكتوبر عام 2011 لنيل جائزة نوبل للسلام بالشراكة مع الليبريتين الين سيرليف وليمه جبوي.


[27] "السلطة والمعارضة.. اعتراف بخطورة الأوضاع وتبادل للاتهامات"، الغد، 21 فبراير 2011، 7
[28] "نقابة الصحافيين تستنكر الإعتداء على سامية الأغبري وتطالب بتحقيق علني" الثوري، العدد (2135)، 17 فبراير 2011، 2 ؛ انظر كذلك: النداء، العدد (265)، 14 فبراير 2011، 2، 3، 4
[29] محمود طاهر ابو خليفة، "يوميات ثورة الشباب في تعز"، الشموع، العدد (567)، 19 فبراير 2011، 6
[30] انظر: النداء، العدد (265)، 14 فبراير 2011، 2، 3، 4
[31] انظر: "الأمن والبلطجية يفشلان في محاصرة ثورة شبابية تتشكل"، المصدر، العدد (153)، 15 فبراير 2011، 2، 3
[32] محمود طاهر ابو خليفة، "يوميات ثورة الشباب في تعز"، الشموع، العدد (567)، 19 فبراير 2011، 6
[33] انظر: الثوري، العدد (2135) 17 فبراير 2011، 3
[34] "قوات الأمن تقتل 4 وتصيب 20 والجيش ينشر المدرعات في الشوارع"، الثوري، العدد (2135)، 17 فبراير 2011، 1، 12
[35] انظر اسماء الجرحى في: "اكثر من 300 الف يعتصمون في جمعة البداية بتعز ويطالبون برحيل النظام"، الأولى، العدد (42)، 19 فبراير 2011، 10
[36] "النائب عبد الكريم الأسلمي يستقيل من الحزب الحاكم"، المصدر، العدد (153)، 15 فبراير 2011، 3
[37] انظر: "منظمات تديرن تلاعب رئاسة الجمهورية بورقة المناطقية والجهوية لمواجهة الإحتجاجات"، الثوري، العدد (2135) 17 فبراير 2011، 5
[38] انظر حول هذه النقطة: عبد الرزاق الجمل، "قانون السلطة المحلية على المحك"، الناس، العدد (537)، 7 مارس 2011، 3
[39] مجموعة من الصحافيين، "اندلاع شرارة الثورة الشعبية في مختلف محافظات الجمهورية"، الناس، العدد (535)، 21 فبراير 2011، 7
[40] "سفير واشنطن بصنعاء: التحدي المباشر لليمن هو الاتفاق على الانتخابات والإصلاحات الدستورية" الناس، العدد (534)، 14 فبراير 2011.
[41] "الحوار يلفظ انفاسه امام ارتفاع سقف مطالب المشترك وكامبل يغادر دون نتائج"، الوسط، العدد (324)، 23 فبراير 2011، 1
[42] للمزيد حول علي محسن الأحمر وما اثاره انضمامه الى صفوف الثورة من جدل، انظر على سبيل المثال، مع ملاحظة انحياز الكتاب والصحف شبه الرسمية ضد محسن: احمد شوقي احمد، "في الثورة.. ثمة رجل غامض اسمه علي محسن" حديث المدينة، العدد (87)، 27 مارس 2011، 3؛ عارف العمري، "اهلا ايها الجنرال القادم"، حديث المدينة، العدد (87)، 27 مارس 2011، 14؛ مروان كامل، "الملاك القادم من الجحيم" ، حديث المدينة، العدد (87)، 27 مارس 2011، 14؛ "طلاسم علي محسن (ملف)"، الديار، العدد (181)، 27 مارس 2011، 7-10؛ "تصدع سنوات الود"، الشارع، العدد (184)، 26 مارس 2011، 8؛ "علاقة طويلة مع رجل قوي ظهرت في نبرة شكوى من الإقصاء والتهميش"، الشارع، العدد (184)، 26 مارس 2011، 9
[43] WikiLeaks، "Will Saleh's Successor Please Stand Up" Cable date 17 Sep 2005
[44] انظر: "الأمين العام لمجلس التعاون: نتابع باهتمام بالغ تطورات الأحداث الجارية حاليا على الساحة اليمنية"، موقع الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج، صادر في 23 مارس 2011.
[45] انظر: "البيان الصحفي للمجلس الوزاري للدورة الحادية والثلاثين الاستثنائية"، موقع الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج، صادر بمدينة الرياض في 3 ابريل 2011.
[46] انظر: "البيان الصحفي للمجلس الوزاري للدورة الثانية والثلاثين الاستثنائية"، موقع الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج، صادر بمدينة الرياض في 10 ابريل 2011.
[47] خالد عبد الهادي، "الوغد... وقواعد الاشتباك" موقع المصدر اون لاين، 25 مايو 2011.
[48] Lauren Goulding، "Pool Party at Saleh's" Foreign Policy، June 6، 2011.
[49] "قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2014 لسنة 2011 بشأن اليمن"، صادر في 21 اكتوبر 2011، موقع المركز الوطني للمعلومات، www.yemen-nic.info
[50] "قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2014 لسنة 2011 بشأن اليمن"، صادر في 21 اكتوبر 2011، موقع المركز الوطني للمعلومات.
[51] انظر المادة (1) من: "القانون رقم (1) لسنة 2012"، صادر في 21 يناير 2012، موقع المركز الوطني للمعلومات.
[52] انظر المادة (2) من: المرجع السابق.
[53] انظر: "قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2051 لسنة 2012" صادر في 12 يونيو 2012.
[54]انظر: "الألية التنفيذية المزمنة للمبادرة الخليجية" ، موقع المركز الوطني للمعلومات.
[55] انظر: "قرار جمهوري رقم (184) لسنة 2011 بتشكيل حكومة الوفاق الوطني"، صادر بتاريخ 7 ديسمبر 2011، موقع المركز الوطني للمعلومات.
[56] أنظر: "قرار رئيس الجمهورية رقم 104 لسنة 2012 بشأن المكونات الرئيسية للهيكل التنظيمي للقوات المسلحة" صادر بتاريخ 19 ديسمبر 2012، موقع المركز الوطني للمعلومات.
[57]انظر: "قرار رئيس الجمهورية رقم (30) لسنة 2012 بإنشاء اللجنة الفنية للإعداد والتحضير لمؤتمر الحوار الوطني الشامل"، صادر بتاريخ 14 يوليو 2012، موقع المركز الوطني للمعلومات.
[58]"قرار رئيس الجمهورية رقم (11) لسنة 2013 بتشكيل مؤتمر الحوار الوطني الشامل"، 16 مارس 2013، والمعدل بـ"قرار رئيس الجمهورية رقم (46) لسنة 2012 والصادر في 17 سبتمبر 2012، موقع المركز الوطني للمعلومات.
[59]أنظر: "قرار رئيس الجمهورية رقم (30) لسنة 2012 " ، مرجع سابق.
[60]انظر المادة (8) من: "قرار رئيس الجمهورية رقم (10) لسنة 2013 بشأن النظام الداخلي لمؤتمر الحوار الوطني الشامل-ضوابط الحوار"، صادر في 16 مارس 2013، موقع المركز الوطني للمعلومات.
[61] انظر: قرارات رئيس الجمهورية ارقام 104، 105، 106 الصادرة في 19 ديسمبر 2012، وكذلك قرار رئيس الجمهورية رقم (20) لسنة 2013 بتعيين الجنرال علي محسن مستشارا لرئيس الجمهورية لشئون الأمن والدفاع.
[62]"هوية الدولة؛ ورقة مقدمة الى فريق بناء الدولة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل من ’انصار الله’" موقع مؤتمر الحوار الوطني الشامل www.ndc.ye.
[63]على سبيل التمثيل، عين الرئيس هادي في 16 سبتمبر 2013 ثلاث نساء ضمن التشكيلة للجديدة للهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، واسند موقعي رئيس الهيئة ونائبه الى امرأتين ، وفي 8 أكتوبر 2013 عين الرئيس هادي امرأة على رأس صندوق "رعاية اسر شهداء وجرحى ثورة 11 فبراير 2011 الشبابية الشعبية السلمية والحراك السلمي في المحافظات الجنوبية."

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

تحميل المرفقات :
قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة