الجمعة 19 ديسمبر 2014
الرئيسية | من نحن | خريطة الموقع | روابط | اتصل بنا |
كلمة المرور:
وليد نويهض - الإسلاميون والدولة والمسألة الديمقراطية

وليد نويهض - الإسلاميون والدولة والمسألة الديمقراطية

فهـــرس

1 - مقدمة
2 - الإسلاميون والدولة والصراع على المسألة الديمقراطية
2-1 إعادة إنتاج الديمقراطية
2-2 الإسلاميون والمسألة الديمقراطية
2-3 الفكرة وتاريخها
2-4 المصطلح والمفهوم
3 - مسلمون وإسلاميون
3-1 الاختلاف على الديمقراطية
3-2 الأخوان والدولة والشورى
4 - صدمة السودان 1989
5 - صدمة الجزائر 1991
5-1 الجماعات المسلحة
5-2 الدولة والعنف
6 - تونس الضحية
7 - صدمة أوسلو 1993
8 - صدمة اربكان 1996
9 - الدولة والمجتمع والديمقراطية وشروط التسوية التاريخية
10- خلاصات عامة
11- مراجع البحث ومصادره

مقدمـــــة

من الصعب حصر مواقف الحركات الإسلامية العربية من مسألة الديمقراطية فهناك عقبات تمنع تحقيق الهدف المذكور منها:

أولاً: تنوع التنظيمات الإسلامية واختلاف ظروفها المكانية ونشأتها الزمانية.

ثانياً: تاريخ كل تنظيم وتطور أفكاره وتعارض توجهه السياسي بين فترة وأخرى.

ثالثاً: اتساع المساحة الجغرافية لعمل المنظمات الإسلامية واختلاف استراتيجياتها بين دولة عربية وأخرى.

رابعاً: انقسام التنظيم الواحد وتعدد مصادر كل طرف الفكرية والثقافية والاجتماعية.

خامساً: صعوبة الحصول على وثائق مختلف المنظمات نظراً لتنوعها من جهة، ولجوء بعضها آلي العمل السري من جهة أخرى.

حتى يتم حصر البحث كان لابد من توزيع عمل الجبهات الإسلامية آلي فريقين كبيرين: الأول يشارك بنسب متفاوتة في برلمانات بعض الدول العربية وحكوماتها. والثاني يناهض الأنظمة العربية ويحاربها سياسياً في بعض المناطق، وعسكرياً في مناطق أخرى.

بعد تقسيم الجبهات آلي فريقين تم إهمال الأول لسبب بسيط وهو عدم وجود مشكلة لديه مع الدول العربية التي يتحرك في داخلها، الأمر الذي يسقط مبرر البحث وهو المسألة الديمقراطية. وتم التركيز على الفريق الثاني بسبب وجود تلك المشكلة وهي سلبية التنظيم من الديمقراطية أو سلبية الدولة وحساسيتها من التنظيم.

بعد أن تم تحديد الفريق الإسلامي المطالب بتوضيح وجهة نظره من الديمقراطية كان لابد من مراجعة المسألة في ضوء نقاط ثلاث:

الأولى: تطور الفكرة واختلافها داخل التنظيم نفسه بالتركيز على أدبياته الصادرة حديثاً في الثمانينات ومطلع التسعينات.

الثانية: التنازع بين المنظمات الإسلامية واختلاف تفسيراتها للمسألة الديمقراطية.

الثالثة: علاقة تلك التنظيمات بالسياسة وعلاقة السياسة بها.

وبسبب صلة الفكر بالسياسة كان لابد من قراءة أدبيات المنظمات الإسلامية من منظور سياسي لأنها في النهاية هيئات تنشط في المجتمع، الأمر الذي يغلب على عملها الجانب السياسي على الديني.

ونتيجة غلبة السياسي على الديني في أنشطة المنظمات الإسلامية كان من الصعب فصلها ذعن البيئات التي تتحرك فيها وتحديداً نمط علاقتها بالدولة الوطنية (المعاصرة والحديثة) وموقف الدولة نفسها من مسألتي الديمقراطية والإسلام. فالبحث في أفكار الهيئات الإسلامية يبقى قاصراً إذا لم يتم تناول المحيط السياسي الذي تنشط فيه، كذلك ستكون الأفكار مجرد أراء عامة معزولة عن حركة الواقع ومناخاته الاجتماعية والثقافية. ففضاء الحركات الإسلامية في النهاية فضاء سياسي ولابد من قراءة صلتها بالواقع لفهم اضطراب علاقتها بالدول العربية.

وبسبب تلك الصلة كان لابد من الإطلاع السريع على مواقف الدول العربية المعنية نفسها بسياسة المجتمع ومسألة الديمقراطية. فالمشكلة ليست من جهة واحدة بل من جهتين، وحتى تكتمل القراءة كان لابد من فهم تعقيدات العلاقة بين الطرفين التي تشهد أحياناً فترات هدوء واستقرار ثم تشهد أحياناً أخرى فترات اضطراب وتشنج.

وخوفاً من اتساع الملف تم القفز عن الكثير من القضايا المتعلقة بأسباب فشل أسلوب التحديث والتنمية وعجز الدول المعنية عن تطوير الإنتاج وزيادته ليتناسب مع ازدياد السكان، كذلك تم القفز عن إهمال الدول لقضية تطوير المجتمع السياسي وأهمية إطلاق الحريات لدفع الوعي السياسي آلي مرتبة أعلى تتناسب مع نمو وعي الناس لهوياتهم ومشاكلهم ومطالبهم. وبما أن الحرية لا تنمو في دولة استبدادية كذلك لا يمكن تطور فكرة الديمقراطية في دولة لا تعرف بها ولا بشروطها السياسية والإنسانية.

نحن إذن لسنا أمام فريق يرفض الديمقراطية وآخر يقبل بها، بل أننا أمام وضع لا سياسي وممنوعة فيه كل أشكال التعبير، الأمر الذي يجعل البحث في مسألة الديمقراطية مجرد ترف فكري لا علاقة له بمجرى حركة الواقع، وصلة الأخير بصراع الأفكار، وربما تكون النقطة الأخيرة أهم ما حاول البحث إبرازها من خلال صدمات عربية عنيفة شهدتها المنطقة في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات.

2 - الإسلاميون والدولة والصراع على المسألة الديمقراطية

تطغي على مفهوم الديمقراطية والخلاف المطروح في ساحة التداول الأيديولوجي نظرة إرادية تقوم على منهج تركيبي يغلب معطى النص على تعقيدات الواقع، فهناك أسئلة مثل كيف نعرف الديمقراطية، وكيف نطبقها ؟ وهل نريدها ومن أين نأتي بها، وهل هي مصطلح مفهومي أم معرفة، وهل للمعرفة - المصطلح علاقة بالتاريخ والثقافة أم هي نظرة مجردة يتم إنتاجها في المعاهد العلمية ويعاد تسويقها وتصديرها كفكرة هلامية تصلح لكل زمان ومكان ؟.

هل الديمقراطية نظرياً هي مجرد هيكل تنظيمي تقوم على فكرة أن الشعب مصدر السيادة وتشكل العلمانية أحد مكوناتها الأساسية (المواطن والصوت الواحد) وهل الديمقراطية عملياً هي مجرد تطبيقات سلوكية وإجرائية تتطلب وجود حكومة تمثيلية ودستورية وسلطة قضائية مستقلة، وهل هي أخيراً مجرد فكرة عامة ومبسطة تقول بالتعددية وتداول السلطة سلمياً الأمر الذي يفترض وجود أحزاب وتنظيمات وهيئات مستقلة ومتنوعة تعترف ببعضها وتتنافس على كسب الصوت الانتخابي.(مجلة شؤون الشرق الأوسط، العدد الثالث - ربيع - صيف 1993، 73-75).

إذا كان الأمر كذلك يمكن إذن تدريس الديمقراطيات في المعاهد والجامعات كمعلبات فكرية جاهزة يعاد صوغها في برامج أو نصوص قانونية وما على الشعب سوى تعلمها وحفظها وأخيراً ممارستها، فتنتهي المشكلة بعد جيل أو جيلين ويقضي الشعب أي شعب، حاجة تاريخية كان لابد منها لصنع تطوره.

لابد أن تكون المسألة أعقد من ذلك، لأن مثل ذاك التبسيط يسقط التاريخ من عملية التطور الديمقراطي وغير الديمقراطي بالقفز عن شروط المكان والزمان والقواعد التي يتأسس عليها الفكر. فالتبسيط الأيديولوجي لفكرة الديمقراطية لا يقل خطورة عن أفكار تلك التيارات التي ترفض الديمقراطية لأنها ترفض استخدام المفرد أو المصطلح أو لأنها تجد فيها فكرة مستوردة لا تناسب هذا التاريخ أو ذاك.

لابد من قراءة الديمقراطية قراءة واعية ومركبة تضع فكرتها في سياق تطورها التاريخي، فالديمقراطية لم تولد جاهزة ولا بقرار ولم تتسلل آلي التاريخ من المعاهد والجامعات، فهي أساساً خلاصة أنماط من التنظيمات الإدارية أدخلت عليها التعديلات والتطويرات آلي أن انتهت آلي ما انتهت إليه بصيغتها الحالية. والصيغة الحالية ليست نهائية كذلك بل هي قابلة للتطور التاريخي والإضافات والتعديلات لتتناسب مع المراحل المقبلة المتغيرة زمانياً ومكانياً.

تطرح علينا الإشكالية السؤال الآتي: هل التطور الاجتماعي-السياسي في أوربا مثلاً جاء نتاج الديمقراطية أو أن الديمقراطية كأسلوب حكم جاءت نتاج التطور الاجتماعي-السياسي؟.

إذا كانت الديمقراطية هي سبب التطور يكفي تطبيقها في أي بلد متخلف إقتصادياً واجتماعياً في العالم الثالث وما علينا إلا الانتظار لنرى النتائج، وبالتالي على "النخبة" أن تلخص برامجها بفكرة واحدة، وتصبح الديمقراطية هي المفتاح السحري لكل المشاكل حتى تلك الناجمة أصلاً عن تسلط الدول الديمقراطية الكبرى واستبدادها واحتكارها لمصادر الثروة والقوة.

أما إذا كانت الديمقراطية هي نتاج التطور إذن لابد من قراءة مختلفة لأزمات الدول المتخلفة اقتصادياً واجتماعياً في العالم الثالث وتصبح الديمقراطية فكرة يمكن إدراجها في بناء الوعي المركب الذي يربط التطور بتصور برنامجي يحدد أولويات مشروع النهوض والتقدم لهذه الأمة أو تلك.

كان لابد من وضع إطار عام لحدود الإشكالية المعرفية المتعلقة بفكرة الديمقراطية حتى نستطيع الدخول آلي الموضوع من سياق مختلف عن القراءات المتداولة. فهناك فارق كبير بين أن تكون الديمقراطية فكرة أيديولوجية جاهزة ومعطى نهائي يقدم كنموذج سحري للشعوب والأمم وبين أن تكون صيغة تاريخية قابلة للتعديل والإضافة والتطور. فالمدخل الأول سالب في علاقته مع الآخر المختلف يحاول أن يأتي التطور من نهايته التاريخية الراهنة. بينما المدخل الثاني إيجابي ومتفاعل مع الآخر المختلف، إذا يحاول أن يرافق التطور بالتكيف مع الموروث التاريخي ويتصالح معه في سياق حركته المكانية والزمانية.

وإذا كانت الديمقراطية صيغة قابلة للتطور أذن يمكن تطويرها لتتناسب مع درجات التطور الاجتماعي-السياسي واختلاف نسب التقدم بين الأمم. أما إذا كانت معطي نهائياً وجاهزة للتصدير كسلعة أنتجها الغرب فما علينا سوى تعلمها في جامعات أكسفورد وكمبريدج والسوربون ونقلها كنموذج بضاعي ولا حاجة بنا آلي العقل والتاريخ لصوغها من جديد وفق معطيات مختلفة في مكانها وزمانها.

بين النقل والعقل يفضل العقل، وبين السلعة البضاعية والصيغة التاريخية يفضل التاريخ كمصنع بشري للتطور الإنساني الذي لا يقف عند حد نهائي وأخير.

طرح العديد من علماء الاجتماع أسئلة حول هوية الديمقراطية ومصدرها الأساسي هل هي يونانية-أوربية الأصل (مركزية المنشأ) أخذت تنتشر كونياً مع انتشار المركزية الأوربية أم هي عالمية الأصل قامت بأشكال مختلفة وابتكرت آليات خاصة تنسجم مع اختلاف ثقافات الشعوب وأخذت تتطور ذاتياً بتطور العلاقات الاجتماعية -الاقتصادية ؟ وهل هي فكرة (منهاج وممارسة) يتم استيرادها أم انها كنواة موجودة في كل المجتمعات والمطلوب تجديدها لتأخذ موقعها الخاص في العملية السياسية ؟

للإجابة عن تلك الأسئلة حاول بعض علماء الاجتماع التمييز بين الحياة السياسية في مجتمع مندمج وموحد دينياً وعرقياً ومذهبياً وبين مجتمع مفكك وغير موحد في تركيبه الديني والعرقي والمذهبي واللوني. فالديمقراطية في المجتمع المتجانس اجتماعياً والموحد قومياً تختلف عن الديمقراطية في مجتمع غير متجانس وتنقصه كثير من العناصر المشتركة لتعزيز وحدته القومية. في المجتمع الأول تنهض الديمقراطية كإطار سياسي يعزز الوحدة ويطورها سلمياً بينما في المجتمع الثاني لابد من ديمقراطية توافقية تحترم حقوق الأقليات المختلفة عن الأكثرية القومية أو الدينية أو المذهبية حتى تضمن مصالحها الخاصة في سياق مظلة كبرى تضم كل الأعداد الطائفية والأنواع القبلية، وحتى لا يقع علماء الاجتماع في تعميمات قانونية ودستورية وضعوا قواعد يقوم عليها الاختلاف بين ديمقراطية تأسست على تماسك الجماعة الواحدة وتجانس الدولة القومية وبين ديمقراطية تحاول تأسيس نفسها على جماعة غير موحدة ودولة غير متجانسة قومياً ودينياً.

ولعل الاختلاف المذكور بين المستويين يفسر نجاح الديمقراطية في البلدان المتجانسة قومياً ودينياً ومذهبياً إذ تعتمد قانون أحوال مدني (شخصي) موحداً، وفشل الديمقراطية في البلدان المتنوعة والمتعددة قومياً ودينياً وقبلياً لكنها تعتمد قوانين مختلفة للأحوال المدنية (الشخصية) المتعلقة بالزواج والطلاق والميراث وغيرها لاستيعاب التنوع والتعدد ضمن التجانس السياسي.

حتى الدول المتجانسة قومياً والمتماسكة اجتماعياً ونجحت في السيطرة على مصادر العنف الداخلي فشلت في السيطرة على مصادر العنف الخارجي فهي من جهة ديمقراطية داخلياً وغير ديمقراطية خارجياً. وهناك بعض الدول الديمقراطية يحارب الديمقراطية في دول أخرى إذا شكلت خطراً على مصالحه الاقتصادية وأمنه القومي، وهناك بعض الدول يمارس الديمقراطية بين مواطنيه ويتبع أساليب غير ديمقراطية ضد غيرهم أو ضد المختلف من مواطنيه تصل آلي حد العنصرية كما كان الأمر في جنوب أفريقيا وكما هو الأمر في فلسطين المحتلة.

الديمقراطية إذن ليست جواباً سحرياً عن كل الأسئلة، إذ يجب أن يسبقها تأسيس الدولة، وتأسيس الجماعة، وتأسيس التقاليد، وربما تكون الدولة هي اللاعب الأول في تأسيس السياسة من حيث كونها تملك قوة القانون الذي يعيد ترتيب العلاقات السياسية بين المجموعات الأهلية.

لاشك في أن الديمقراطية هي من الوسائل المرنة التي تلطف اصطدام المصالح وتحد من عنفه لكنها في النهاية ليست قادرة على إلغاء الاصطدام وعدم حصوله، فالمصالح شيء والديمقراطية كآلة تنظم تضارب المصالح شيء آخر، فالديمقراطية في النهاية مجرد آلة لا واعية لتنظيم خلافات الناس سلمياً وترتيب اختلاف وجهات نظرهم ومصالحهم في سياق لا عنفي. فهي ليست دولة ولا نظام حكم ولا تشريع ولا تمت بصلة للعلمانية والليبرالية.

وهنا نصل آلي سؤال غريب هل تستطيع الديمقراطية أن تلغي نفسها إذا قررت الغالبية السكانية أن المصلحة العامة تقضي بذلك ؟ إذا كان الجواب لا. من هي الجهة التي تمنع قرار إلغاء الديمقراطية ؟ وهل من شروط الديمقراطية أن تكون ديمقراطية أم أن صلاحياتها مطلقة تصل آلي حد إلغاء نفسها ؟ هل الديمقراطية هي حكم الشعب أم حكم الغالبية ؟.

إذا كانت حكم الشعب فهل معنى ذلك أنها حكم الوحدة الذي لا يقبل الانقسام وإذا كانت حكم الغالبية فهل تعني أنها حكم الانقسام الذي يؤكد الوحدة ويحترم تمثيل الآخر المختلف ؟ لنفترض مثلاً أن 51 في المائة من الشعب قرر قتل 49 في المائة بذريعة أن الآخر يخفف من التزايد السكاني ويدفع عجلة الاقتصاد آلي التقدم والنمو. هل ينفذ الأمر، لأن الغالبية قررت ذلك ولأن مصلحة من تبقى من الناس تقضي بذلك ؟.

لنفترض أيضاً أن 51 في المائة من الإسرائيليين قرروا طرد الشعب الفلسطيني من أراضي 1948 المحتلة والضفة الغربية وقطاع غزة، هل تنفذ حكومة بنيامين نتانياهو رغبة الشعب؟.

لنفرض ايضاً وايضاً أن 51 في المائة من الإسرائيليين صوتوا لصالح احتلال دمشق أو بيروت أو عمان أو المدن الثلاث هل يبادر الجيش الإسرائيلي آلي تنفيذ رغبة الغالبية الإسرائيلية ؟.

وأخيراً لنفترض أن الغالبية قررت هدم الكنائس والمساجد وتحريم الحلال وتحليل الحرام بداعي أنها مؤسسات واجتهادات "ظلامية" تعطل "التقدم" والتنوير" هل تنفذ الدول رغبة الغالبية؟ وإذا كانت الديمقراطية مشروطة من يحدد تلك الشروط وكيف ؟.

أسئلة " ثقيلة الدم " لكنها في النهاية أسئلة تضع من جهة علامات استفهام حول معنى الديمقراطية كذلك تلقي من جهة أخرى الضوء على عدة التباسات ومخاوف يمكن أن تنشأ عند جهات سياسية وأقليات من " مخاطر " الديمقراطية الفالتة من الضوابط الدستورية والثوابت الإنسانية. لنتذكر هنا أن أدولف هتلر لم يأت السلطة من طريق الانقلاب العسكري بل بواسطة التصويت والاقتراع وصناديق الانتخاب.

تطرح الالتباسات سلسلة مخاوف الأمر الذي يفرض إعادة تعريف للديمقراطية.

هناك الكثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع رفضوا فكرة الديمقراطية لأنها تعني في النهاية سلطة الغوغاء الهائجة التي لا تعرف ماذا تريد، وحكم الجماهير المزاجية التي تتقلب في خياراتها وتتأثر بالإعلام والمال وأجهزة الدعاية، واشترطوا عليها الكثير من الضوابط حتى يمكن السيطرة عليها وإدارتها في قنوات لا يجوز كسرها وإلا تحولت الغالبية المنتخبة إلى عدوان على الاقليات السياسية غير المنتخبة.

إذن لابد من احترام الأكثرية الأقلية كذلك على الأقلية أن تحترم الأكثرية، لكن مسألة الاحترام المتبادل تطرح إشكالية دستورية. من هي الجهة التي تشرف على ضبط التوازن السياسي بين الأكثرية والأقلية، وما هي صلاحيتها، ومن يعينها، وهل تنتخب، وما مدى صلاحياتها، وكيف تنفذ قراراتها، وهل هي سلطة أعلى من البرلمان أم أنها من البرلمان أم تنتخب من خارجه ؟.

تطرح هذه اللوحة من الاعتراضات جملة أسئلة لتحديد معاصر وأدق لمسألة الديمقراطية وفي الآن تكشف عن الخلل المنهجي في التعاطي مع الفكرة على المستويين: الدولة وأجهزتها، والمجتمع وهيئاته.

كان لابد من هذا المدخل لنفهم التحديدات الموضوعية للعملية الديمقراطية وتطورها الزمني كذلك لندرك أكثر المعنى الضمني لمخاوف الحكومات من الانتخابات ونتائجها وتردد الكثير من المنظمات السياسية في تبني الديمقراطية كإطار وحيد وجامع لتنظيم العلاقة بين قوى المجتمع ومراكز الدولة.

حاول على خليفة الكواري مثلاً إعادة تعريف خصائص الديمقراطية المعاصرة في مقال له نشر في مجلة "المستقبل العربي" استناداً إلى نقطتين: انها "منهج وليست عقيدة" وهـــي "ممارسة دستورية" هي منهج "لاتخاذ القرارات العامة من قبل الملزمين بها" ومقيدة "بدستور يراعي الشروط التي تتراضي عليها القوى الفاعلة في المجتمع وتؤسس عليها الجماعة السياسية اجماعاً كافياً" وهى "تأخذ عقائد وقيم المجتمعات في الاعتبار" لذلك وهنا النقطة الثانية هي "مقيدة وليست مطلقة" إذ لابد من دستور "تتراضي القوى الفاعلة على أحكامه، وتقبل الاحتكام إلى شرعيته". (العدد 168 شباط/فبراير 1993).

حتى يتجنب الكواري تلك الأسئلة التي طرحناها أعلاه أكد على نسبية الديمقراطية وعلى أنها عملية تاريخية متدرجة، وغاية لا نصل إليها، وهي في النهاية مؤشر على توازن القوى، ونجاح المجتمع بالسيطرة على مصادر العنف وإدارة الاختلاف سلمياً، وإخضاع السلطة لمزيد من الضوابط من خلال قيود دستورية أو تكييفها مع شرائع المجتمع وقيمة. ويستعرض بعدها محاولات واجتهادات رواد ما يسمى بالنهضة العربية في مقاربة الديمقراطية ومقارنتها بالشورى وتوافقها معها. ثم يشير إلى نواقص الديمقراطيات المعاصرة في الممارسة والمشاركة وتوزيع الثروة والعلاقات الدولية. وعلى رغم تلك الثغرات تبقي الديمقراطية هي أفضل وسيلة للاستجابة إلى مقتضيات التغيير من دون أن تصل إلى الكمال، إذ تلعب الممارسة دورها في تطويرها وتعديلها. وشرط نضوج الديمقراطية وتقدمها هو توفر "المساواة السياسية بين المواطنين" والتوافق أو التراضي بين فعاليات المجتمع على "صيغة دستور ديمقراطي" ويتجه الكواري نحو تبني تعريف روبرت دال للديمقراطية بأنها "نظام حكم الكثرة".

ويستدرك الكواري في نهاية مقاله مخاطر فكرة "حكم الكثرة" في مجتمعات غير موحدة دينياً وسلبيات "الديمقراطيات العددية" في بلدان متنوعة عرقياً فيشير من دون أن يحلل إلى "إشكالية استبداد الأغلبية في منطقة تتنوع فيها الديانات والمذاهب والسلالات والتركيبات الاجتماعية التقليدية" (المستقبل العربي 1993).

لعل الفكرة الأخيرة في مقال الكواري هي الأهم لأنها الوحيدة التي تخرج الديمقراطية من عالم الأفكار إلى عالم الواقع وتؤسسها على الاجتماع والتاريخ لا على النظريات المجردة، فالفكرة الأخيرة تفتح النقاش على حقائق تاريخية ووقائع زمنية تسقط الكثير من الأوهام.

2 -1 إعادة إنتاج الديمقراطية:

يؤكد الاختلاف على تعريف الديمقراطية على أن المسألة تتجاوز التعريف وتفرض ضرورة العمل على إعادة إنتاج الفكرة على مستويين: الأول - المعرفة. والثاني - التاريخ. فإعادة إنتاج الديمقراطية في ضوء المعرفة يساهم في تطور منظومة الأفكار التي تتغير بالتجربة وبتطور حالات الزمان واختلاف المكان، الأمر الذي يساعد على ربطها بتاريخ البشر ودرجة التطور وبنية الجماعة السياسية.

لاحظ الأمر المذكور الكثير من المفكرين العلمانيين والقوميين والمسلمين من عرب وغير عرب، وحاول بعضهم تقديم اقتراحات وأحياناً إجابات لتوضيح الالتباسات وتحديد الجوانب الاجتماعية إلى جانب الإطارات القانونية والتنظيمية والدستورية والفقهية.
وساهمت تلك المحاولات في وضع المضامين الاجتماعية إلى جانب المفاهيم المعرفية لإعادة بلورة صيغة خاصة لتلك الآلية غير الواعية التي تلعب الدور الأساسي في إنتاج السياسة المعاصرة وتقرير مصير الدولة والمجتمع.

يشير جورج طرابيشي في مقالة عن "الديمقراطية والقومية والأقليات" إلى محاولات الدول الأوربية توسيع مفهوم الديمقراطية، ويرى أنه "حتى منتصف القرن العشرين كانت الديمقراطية تعني حصراً، وطبقاً للتقاليد البرلمانية للثورة الإنكليزية والتقاليد الجمهورية للثورة الفرنسية، احترام التعددية الحزبية والسياسية ضمن نطاق الدولة القومية الواحدة، لكن هذه التعددية لم تعد في العقود الأخيرة محصورة بالنطاق السياسي، بل باتت شاملة للثقافة كما في الولايات المتحدة الأمريكية، أو للغة كما في أسبانيا ما بعد الفرانكوية، أو للإثنية كما في فرنسا التي صار مباحاً فيها الكلام على الشعب الكورسيكي أو البلد الباسكي" (أبواب، العدد 9 صفحة 150).

ويحاول ايليا حريق في مقاله "الثورة الاثنية والاندماج السياسي في الشرق الأوسط" التمييز بين الاثنية والعرق والطائفة، فالطائفة الاثنية تشترك في خصائص متماثلة "مثل لغة متميزة أو دين أو ثقافة أو تجربة تاريخية قائمة بذاتها" وهي في الآن تعي "اختلافها عن الطوائف الأخرى بفضل هذه الخاصيات نفسها". فالباحث ايليا حريق يربط بين خصائص الجماعة (أقلية أو أكثرية) وبين وعي الجماعة لاختلاف خصائصها. ويقول حريق إن الأمر المذكور لم يكن موجوداً "عند منقلب القرن التاسع عشر" لأن الإسلام عمل على "مر السنين على تلطيف الاختلافات الأثنية بين شعوب الشرق الأوسط" وعندما صعد تيار القومية العلمانية إلى جانب الأصولية الدينية أخذت الصورة تتغير وبدأت "السمة الادماجية للدين الإسلامي والثقافة الإسلامية " بالتغير والاهتزاز.(أبواب، العدد 9 صفحة 165).

وبسبب حداثة المشكلة لم يلحظ فكر تيار القومية (العربية، التركية، الفارسية) المسألة وتأخر في اكتشاف "أن الديمقراطية إطار تنظيمي ضروري ليس فقط للتعددية في أحزاب الأمة وتياراتها السياسية، بل كذلك للتعددية في اثنياتها ولغاتها (...) فضلاً عن التعددية في شخصياتها القطرية... " (طرابيشي، أبواب، أبواب، العدد نفسه، صفحة 151).

وعلى رغم وجاهة ملاحظة طرابيشي، إلا أنه لا يعير اهتماماً لاختلاف النمو التاريخي بين تطور الدولة في الجمعيات الأوربية التي قادت التحولات الاجتماعية في القرون الخمسة الأخيرة ونجحت في تأسيس المجتمع السياسي القادر على حسم خلافاته، إلى حد كبير، سليماً من دون اللجوء إلى العنف، وبين مجتمعات ما تزال في طور التشكل السياسي وتلعب الدولة (النخبة) فيها دور المعرقل للتحولات الاجتماعية وتقمع السياسية والتعدد.

تساعد ملاحظة الاختلاف بين درجات التطور ودور الدولة في قيادة الاندماج التاريخي على فهم اختلاف النظرة إلى الآخر. فالدول القومية الأوربية أنجزت تاريخياً مهمة توحيد الجماعة السياسية وفرضت حالات من التجانس الاجتماعي في تركيب المجتمع باستثناءات قليلة ما تزال موجودة في أسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وبلجيكا وغيرها من دول غرب القارة الأوروبية وهي استثناءات على رغم قلتها وضعفها تشكل في أحيان كثيرة عقبات تثير المشاكل السياسية.

إذ كان هذا هو حال معظم دول أوربا الغربية فكيف هو حال أوربا الشرقية (وتحديداً البلقان) وكيف هو أمر الدول العربية التي ما تزال تعاني من مشاكل الهوية والتنمية وتحديد شخصية المواطن.

يفتح المأزق المذكور باب الحوار على معنى الديمقراطية ومساحتها السياسية وعمقها التاريخي - الاجتماعي.

حاول محمد فريد حجاب في "أزمة الديمقراطية الغربية وتحدياتها في العالم الثالث" أن يميز بين الديمقراطية المثالية التي تقوم على المساواة بين "المواطنين ومشاركتهم الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة" وبين الفكرة الواقعية التي تقوم على التمييز "بين أولئك الذين يمثلون جمهرة لا حكم لها ولا تقدير (... ) والذين يساهمون حقاً، وهم قلة، برأي ذاتي موجه يتجاوبون مع المثل الأعلى للديمقراطية". (المستقبل العربي، العدد 164، 1992، صفحة 69 - 70).

يفسر راشد الغنوشي في حوار أجرى معه مسألة الاختلاف تلك بالقول "الظواهر الاجتماعية، ظواهر معقدة، لذلك عندما نقول ديمقراطية نعطي انطباعاً وكأن هناك نظاماً محدداً لا اختلاف حوله، على حين أن هناك ديمقراطيات، ليست هناك ديمقراطية واحدة" ويميز الغنوشي بين ديمقراطية وأخرى ويربط الفكرة الديمقراطية بمسائل الهوية ويفصل بين الليبرالية كنظام اقتصادي والليبرالية كنظام سياسي، ويلاحظ أن الديمقراطية الأوربية لا تعترف باختلاف قوانين الأحوال الشخصية وحق الجماعات الدينية والأقليات بالتمثيل السياسي لأنها تقوم على التمثيل الأكثرى فقط، ويذهب إلى عقد مقارنة ملفتة للنظر "نحن في تاريخنا رغم أنه ليس كل تاريخنا يمثل الفكرة الإسلامية، عرفنا للأقليات حقوقاً لم تصل إليها حتى الديمقراطية المعاصرة، حتى الآن لم تعرف رغم وجود عشرة ملايين مسلم في أوربا. لم نسمع حتى الآن بنائب واحد مسلم في برلمان، لم نسمع بسفير مسلم أو بوزير مسلم، بل في هذه الديمقراطيات تثار ضجة من أجل قطعة قماش تحملها مسلمة على رأسها".(كتاب حوارات قصي صالح درويش مع راشد الغنوشي، صفحة 65 و 68).

انطلاقاً من الهوة المذكورة يحاول محمد فريد حجاب قراءة اختلاف الديمقراطية ومعضلاتها في العالم الثالث استناداً على تفاوت التطور السياسي وعدم انسجامه الاجتماعي-الديني فيتحدث عن تخلف التصنيع وضعف التنظيم المهني والحزبي وانتشار الأمية والانقسامات الإقليمية والطائفية والعشائرية وعدم مشاركة المرأة في الحياة السياسية والعمل إلى نهوض المؤسسات القانونية في دول العالم الثالث من أعلى والتأثيرات السلبية للتجربة الاستعمارية. ويرى، وهذا هو الأهم، أن "تكوين الأمة في الغرب سبق بوجه عام تكوين الدولة، والأمر على خلاف ذلك في العالم الثالث حيث ظهرت الدولة قبل تشكيل الأمة" (المستقبل العربي، العدد 164، صفحة 80).

ويريد حجاب فشل الديمقراطية في العالم الثالث إلى التكوين غير الكامل للأمة لأن مسألة الديمقراطية تفترض مفهوم "تأميم السلطة" وأن يقبل الحكام ذاك المفهوم، و "يقروا برقابة الشعب على سلطتهم". ويشير إلى التخلف وتزايد الهوة بين العالم الثالث والعالم الأوربي -الأمريكي وخطورتهما على الديمقراطية. فالعالم الثالث "مملوء بالتناقضات ويختلف تماماً عن البلدان الديمقراطية في العالم الغربي" لذلك لابد من تقديم المساعدات له وبذل الجهود للخروج من التخلف بعدها تظهر الديمقراطية "تلقائياً إذا ما اكتملت مقوماتها الأولية (... ) لأن الديمقراطية لا تفرض بقرار من السلطة، أو بمطالبة شعبية فورية " (العدد نفسه،صفحة 84).

يطرح الغنوشي فكرة مهمة في سياق مشروعة لحل المأزق وردم التفاوت بين الواقع الاجتماعي المتخلف والوعي السياسي لمشكلة السلطة وعلاقتها بهوية المجتمع وثقافته، فيذكر في حوار أجرى معه في آب (أغسطس) 1989 "أن التنظيم الاجتماعي للحرية في شكل دولة يفترض وجود أرضية معينة يتحرك عليها العمل السياسي وتكون هي الإطار الجامع للجماعات السياسية طالما أن الجماعات السياسية ليست مجرد تراكم أفراد، وإنما هي جماعة سياسية، تشترك في هوية شخصية جامعة، وبالتالي الحرية السياسية تفترض، أو الديمقراطية تفترض مضموناً ثقافياً، فلا يمكن الحديث عن الديمقراطية في أي بلد إلا بالحديث عن هوية، عن المضمون الثقافي الذي يتحرك في إطار الجهاز الديمقراطي" (حوارات، صفحة 33). وبرأيه أن الإكراه غير ممكن وبالتالي "فإن حرية المعتقد هي حكم وجودي (...) وخصم الإسلام الألد هو الاستبداد ومصادرة حرية التفكير وحرية التعبير" (حوارات صفحة 32). لذلك يربط الغنوشي الديمقراطية بالثقافة والهوية ويجد أن الديمقراطية ليست نوعاً واحداً، بل سلسلة أنواع تقوم على تعدد الثقافات والحضارات والقوميات والديانات، وعندما نتحدث عن الحرية بالمعنى السياسي، تنظيم المجتمع، فإن تنظيم المجتمع يقتضي أرضية ثقافية، وفي المجتمعات الإسلامية تكون هذه الأرضية الثقافية هي الإسلام " (حوارات صفحة 33). ويدفع المفكر المصري فهمي هويدي مسألة الديمقراطية إلى نهايتها عندما يؤكد أن الديمقراطية هي تطوير أوربي لنظام النحل والملل الإسلامي، ويشير إلى تلك المفارقة في كتابه "الإسلام والديمقراطية" إذ يرى "أن فكرة التعددية لم تعرفها أوربا إلا من خلال احتكاكها بالدولة العثمانية، التي طبقت نظام الملل منطلقة من سعة الإسلام، فأفسحت لكل آخر مكاناً ومكانه، حتى أمنت وحتمت كافة التمايزات الدينية التي حفلت بها البلدان الداخلة في نطاق الإمبراطورية. قبل النموذج العثماني لم تكن فكرة شرعية الآخر واردة في التجربة الأوربية، لكن الاحتكاك العثماني-الأوربي كان كفيلاً بانتقالها ضمن ما جرى تبادله من خبرات وأفكار بين الجانبين خلال القرون الخمسة التي هي عمر الإمبراطورية العثمانية" (ص71-72).

2-2 الإسلاميون والمسألة الديمقراطية

يعتقد البعض أن الديمقراطية كمنهج كفيلة بتذليل كل العقبات والمشاكل التي تعترض التقدم والنمو والتنمية وتزيل كل الغام الحروب الأهلية والصراعات الدموية والتوتر الاجتماعي والعوامل الدافعة للعنف. هذا نصف الحقيقة بينما النصف الآخر يجد تفسيره في عوامل أخرى ربما تزيد أهمية أو تنقص عن أهمية الديمقراطية كآلة تنظيم سليمة لتعارض مصالح البشر.

كيف قرأ الإسلاميون هذه المسألة ولماذا انقسموا عليها بين رافض للفكرة إذا كانت تعني محاربة العقيدة وقابل لها إذا كانت توافقها ؟.

قبل أن نقرأ الخلاف على الديمقراطية في الحركات الإسلامية المعاصرة لابد من التأكد على أنها تلعب سلسلة أدوار متفاوتة بين بلد عربي وآخر، فهناك تنظيمات مشاركة في البرلمان وموجودة بنسبة عالية في أربعة برلمانات عربية (الأردن، الكويت، اليمن، ولبنان). وهناك تنظيمات حاكمة أو مشاركة في الحكم بنسب متفاوتة (السودان واليمن).ومجرد القبول باللعبة الديمقراطية وممارستها سياسياً والدخول كطرف مشارك في الحكم أو الحكومة يعني نظرياً أن الإسلاميين يوافقون عموماً على اللعبة وشروطها ويحتكمون للاختيار والانتخاب وصندوق الاقتراع وفكرة التداول السلمي للسلطة.

لعل التجارب المذكورة، على قلتها، توفر علينا الكثير من الجهد النظري في نقاش فكرة قبول الديمقراطية أو رفضها. فالمشاركة تذلل الكثير من العوائق الأيديولوجية وتطرح السؤال على الأنظمة التي ترفض الديمقراطية وتقمع المجتمع السياسي وتلاحق المعارضة على اختلافها كما حصل ويحصل في الجزائر (حين حرم الإسلاميون من حق اكتسبوه عن طريق الاقتراع الشعبي) وكما حصل ويحصل في تونس (حين منع الإسلاميون من حق تشكيل حزب سياسي والمشاركة في الانتخابات) وكما حصل ويحصل في مصر (حين اعتقل الإسلاميون الذين تقدموا بطلب ترخيص لإنشاء حزب الوسط بمشاركة الأقباط وغيرهم من قوى سياسية غير إسلامية).

إذن السؤال يجب أن يوجه للأنظمة في وقت نحاول أن نقرأ الفكرة الديمقراطية (نظرياً وسياسياً) في أيديولوجية الحركات الإسلامية، فمن يُحرم من حقوقه السياسية ويطارد ويلاحق ويمنع من تشكيل حزب سياسي يرفض العنف ويدينه ويهاجم تصرفات حركات التطرف ويقبل بأسلوب الاقتراع والانتخاب وتداول السلطة سلمياً لا يُطالب بشيء محروم منه بل المطالب بالرد على السؤال هو الأنظمة التي تخاف الحرية خوفاً على نفسها.

مع ذلك يمكن قبول المعادلة ولو كانت معكوسة حتى يمكن التوصل إلى صيغة مركبة تحاول قدر الإمكان تسوية المأزق سلمياً، فما هو مفهوم الديمقراطية في صيغه المتداولة في عقل التنظيمات الإسلامية (تحديداً المفكرين والقادة من بينهم) وكيف تصنف تلك المنظمات السياسية فكرة الديمقراطية وكيف تقرأ آلياتها ؟.

2-3 الفكرة وتاريخها

يستعرض زكي احمد تاريخ فكرة "الديمقراطية في الخطاب الإسلامي الحديث والمعاصر" فيذكر أنها كانت حاضرة في أعمال الإسلاميين الفكرية "منذ حركة الإصلاح الإسلامي. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي إلى هذا الوقت (...) إلا انه حضور محدود وعرضي ومتأثر بظروف الزمان والمكان" (المستقبل العربي،العدد 164، صفحة113). ويصنف زكي احمد تلك الأعمال الفكرية في حقل الديمقراطية إلى مدارس أربع: الأولى: حاولت أن تبرز ديمقراطية الإسلام مقابل ديمقراطية الغرب، وتأتي محاولة الأديب المصري عباس محمود العقاد (توفي 1964) في الطليعة حين اصدر كتابه "الديمقراطية في الإسلام" الذي أثر في جيل الباحثين فصدرت بعده دراسات منها:"نشأة الفكر السياسي وتطوره في الإسلام" لمحمد جلال شرف، "والفكر السياسي في الإسلام - شخصيات ومذاهب" لعلي عبد المعطي محمد ومحمد جلال شرف، و "الحرية السياسية في الإسلام" لأحمد شوقي الفنجري وبعد العقاد صدر كتاب المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي (توفى 1973) تحت عنوان "حول الديمقراطية في الإسلام" أكد فيه على الشورى ودلالاتها السياسية.

الثانية: حاولت أن تبرز نظرية الشورى في الإسلام مقابل الديمقراطية في الغرب، وأبرزها محاولة الدكتور حسن الترابي في كتابه "نظرات في الفقه السياسي" وكتاب عبد الحميد الأنصاري "الشورى وأثرها في الديمقراطية".

الثالثة: حاولت التشكيك بالهجوم على ديمقراطية الغرب، وأبرزها محاولة خالد محمد خالد في كتابه "الديمقراطية... أبداً "، وكتاب محمد قطب "مذاهب فكرية معاصرة".

الرابعة: رفضت الديمقراطية واعتبرتها فكرة لا تمت للإسلام بصلة، أبرزها كتاب كاظم الحائري "أساس الحكومة الإسلامية" وكتابات "حزب التحرير الإسلامي " ومؤسسة الشيخ تقي الدين النبهاني (المستقبل العربي، العدد 164 صفحات 113، 114، 115).

من جهة تقدم فكرة التعددية وتراجعها يربط فهمي هويدي الأسباب بالواقع الإسلامي وعصور "التراجع والاستبداد السياسي". ويلاحظ أن جماعة الأخوان المسلمين وضعت تحفظاتها على فكرة الحزبية في وقت مبكر، كذلك كان الموقف التقليدي للجماعة الإسلامية في الهند وباكستان، ويشير إلى محاضرة مؤسس الجماعة الشيخ أبو الأعلى المودودي التي ألقاها سنة 1939 وأكد فيها أن "الإسلام يأبى أن يتحزب أهل المشورة" وجاء الدستور الإسلامي الذي أقره علماء شبه القارة الهندية (31 فقيهاً) في العام 1951 وشمل 22 نقطة ليتجاهل مسألة الديمقراطية، لكنه أشار إلى "حرية إبداء الرأي وحرية التنقل وحرية الاجتماع". (راجع الإسلام والديمقراطية، صفحة 72-73).

ويرى هويدي أن موقف الجماعتين الإسلاميتين في الهند وباكستان اختلف في السبعينات والثمانينات حين قبلتا بفكرة التعددية. كذلك حصل التطور نفسه في فكر جماعة الأخوان في مصر، كذلك نص دستور حزب التحرير الإسلامي على قبول فكرة التعددية الحزبية في مشروعة الذي صدر في مطلع الستينات، ويربط هويدي التطور المذكور بتطور الفكرة نفسها واختلاف ظروفها المكانية والسياسية، ويشير إلى جهود العديد من الفقهاء مثل "محمد عبده ورشيد رضا إلى الشيخ محمود شلتوت، في موضوع نظام الحكم أو رؤية الإسلام السياسية (...) وما قاله الشيخان عبده ورضا عن الشورى في تفسير المنار، وما ذكره الشيخ شلتوت بصدد المبادئ الأساسية في الحكم، يزيل كل التباس في الموضوع". ويعتبر هويدي أن تطور الفكرة جاء في سياق التصالح معها. فبعد أن زالت تأثيرات الاشتباك مع الغرب الاستعماري تصرف العقل الإسلامي "بوعي كاف حين ميز بين ما هو حضاري في الغرب وبين ما هو سياسي" (الإسلام والديمقراطية، صفحة 123-124).

ويناقش هويدي أفكار الجماعة الإسلامية المحظورة في مصر التي تعتبر أن "الديمقراطية على النقيض من الإسلام" ويرى في كلامها "شذوذاً على الخطاب الإسلامي العام" (ص132-133).

ويثبت فتوى "الفقيه الأصولي المعروف" الشيخ يوسف القرضاوي التي صدرت في نهاية الثمانينات ونشرها في كتابة (فتاوي معاصرة، صفحة 636) لتأكيد أن التيار العام والأساسي هو مؤيد للديمقراطية والتعددية.

تمتد فتوى القرضاوي على 14 صفحة وفيها يؤكد على جوهر الديمقراطية التي تشمل الانتخاب، الاستفتاء العام، ترجيح حكم الأكثرية، تعدد الأحزاب السياسية، حق الأقلية في المعارضة، حرية الصحافة، واستقلال القضاء، وغيرها من الشؤون والمسائل. ويرى أن الإسلام قرر "الشورى قاعدة من قواعد الحياة الإسلامية، وأوجب على الحاكم أن يستشير، وأوجب على الأمة أن تنصح، حتى جعل النصيحة هي الدين كله (...) كما جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة لازمة (...) وان الحاكم في نظر الإسلام وكيل عن الأمة أو أجير عندها" وينتهي في فتواه بالتأكيد على أن الشورى الإسلامية تقترب من روح الديمقراطية أو جوهر الديمقراطية يقترب من روح الشورى الإسلامية. (راجع الإسلام والديمقراطية، هويدي، 135-149).

جاءت فتوى الشيخ القرضاوي لتحسم الخلاف وترجح وجهة نظر على أخرى لكنها حتى الآن لم تقطع دابر النقاش لأن الآراء السياسية والفقهية متنوعة وتختلف باختلاف الظروف والبيئات، وتتركز معظم السجلات على المصطلح وشرعية استخدامه، المفهوم ومضمونه العقائدي.

2-4 المصلح والمفهوم

تلعب أحياناً مسألة المفاهيم دورها في تقرير الكثير من المواقف الفكرية، وربما تؤدي إلى سجالات أيديولوجية لا تنتهي في وقت تكون الآراء متقاربة.

يمكن أن نلحظ ذاك الاختلاط على أكثر من مستوى، واحياناً يلعب المفرد أو المصطلح (الكلمة) دوره في أحداث التشويش بسبب عدم انسجام بنية اللغة مع بنية العقل، ويكفي تدوير المصطلح أو مقارنته بما يقابله من مفرد في اللغة حتى يزول اللبس.

أكثر ما نجد الاختلاط المذكور في فكرة الديمقراطية (كأسلوب عمل ومنهج علاقات) حين يتم تناولها كمفهوم تتداخل فيه مسائل الفقه والحكم والتشريع والليبرالية والعلمانية والتغريب والغرب. فالبعض يتناول فكرة الديمقراطية ويخلطها من دون وعي منه بقضايا أخرى لا علاقة بها مثل الليبرالية والدولة والعلمانية أو الفقه.

وهناك من يرى الديمقراطية وسيلة من أدوات السيطرة الأجنبية وهي "جهاز واع" لمصالحه غير منفصلة عن سلسلة لقات من المفاهيم المترابطة تبدأ بالاختيار الحر وتنتهي بتدخل الدولة في شؤون المجتمع وحرية الفرد ومعتقداته فتقوم عن طريق الإكراه "الديمقراطي" بفرض قناعات يرى أنها غير شرعية ومشروعة ولا تنسجم مع دينه إلى الخلط الفكري بين الديمقراطية كآلية تنظم الخلافات وبين المفاهيم الأيديولوجية المتعلقة بالعلمانية والليبرالية نلاحظ ايضاً الالتباس نفسه بين فكرة الديمقراطية ونظام الحكم وتشريعاته. لكن يمكن ملاحظة مسألة ذات شأن وهي أن النقد العنيف الذي نجده عند مختلف التنظيمات الإسلامية في مقارعة التغريب والعلمانية والإلحاد وغيرها لا نجده بالحدة نفسها عن مناقشتها فكرة الديمقراطية وكأن هناك ما يشبه الاتفاق على قبولها كمضمون لا كمفرد أو مصطلح وشرط أن لا تتعرض لمعتقدات الفرد الإيمانية. فالفكرة مقبولة بشروط وضوابط مثلها مثل الاشتراكية فهي مرفوضة كمفرد ومصطلح ومقبولة إذا كانت تعني العدل والعدالة والمساواة بين البشر. بينما نجد غيرها من المفردات مرفوضة شكلاً ومضموناً (مفرداً ومحتوى) كالعلمانية والتغريب مثلاً. كذلك نجد الخلط نفسه بين التحديث كضرورة تاريخية وحاجة بشرية والحداثة كمنظور قيمي للأفراد وكنظرة للحياة والفن، مع ذلك يمكن تلمس ما يشبه التمييز بين التحديث بمعنى الإصلاح والتجديد وبين الحداثة كقطع مع القديم والماضي , فالأول مقبول والثاني مرفوض.

وعلى هذا الأساس يمكن قراءة الكثير من المتشابهات والمتقابلات بين التراث والحداثة في سياق متناقض بين خطين الأول يقبل بها لأنها أساساً موجودة في التراث وهناك ما يقابلها من تجارب الماضي، والثاني يرفضها لأنها غير موجودة وما هو موجود لا ينسجم مع المعروض.

ولاشك في أن الخلاف النظري القائم بين الاتجاهين ليس جديداً بل هو يستمد نفسه من الماضي والتراث ايضاً إذا نجد العديد من الحالات المشابهة في السجال بين أهل الحديث واهل التحديث وبين من يريد التوفيق بينهما. ونجد أيضاً السجال نفسه في عصرنا بين أهل الإصلاح وأهل السلف وبين من يريد التوفيق بينهما بذريعة أن الشرع لا يعترض على التجديد والإصلاح لا يتناقض مع السلف إذا أخذنا شروط اختلاف المكان والزمان في الاعتبار وهو ما يسميه الشيخ راشد الغنوشي اختلاف البيئات.

يبقى الخلط عند بعض الإسلاميين بين الديمقراطية كآلة تنظيم العلاقات والخلافات سلمياً وبين مفاهيم الليبرالية والعلمانية وغيرها آهين بكثير من اخطر خلط قد يحصل في التفكير الإسلامي وهو ذاك القائم بين الحكم الإلهي والحكم بما أنزله الله على البشر، فهناك من لا يقدر المسافة بين المسألتين ويعتبرهما مسألة واحدة، ولا يلحظ انهما تختلفان في درجات.

أحياناً لا نجد هذا التمييز بين الحكم لله وبين الحكم بما أنزله الله، فهناك بعض الاجتهادات التنظيمية لا يقيم مسافة بين الحكم والحكام ويعتبر أن الحكم بما أنزله الله هو نفسه حكم الله متجاهلاً تلك القناة الفاصلة بين الله عز وجل وبين أدوات التنفيذ وهم البشر، وتجاهل الفارق عند بعض الفصائل الإسلامية بين المستويين يثير التباسات عدة ويدفع به إلى رفض كل أشكال الحوار مع المختلف والآخر حتى لو كان من المسلمين المؤمنين المتعبدين.

هناك من الإسلاميين من يقيم مسافة بين أيمانه ومستوى تعبده وبين غيره من الناس (مسلمون وغير مسلمين) الذين يتدرجون في تقواهم ويتفاوتون في مستويات التزامهم بالمنهج الإسلامي في حياتهم اليومية. وهناك من الإسلاميين من يلغي المسافة بينه وبين غيره ويفترض نظرياً أن التقوى والالتزام والتعبد هم على درجة واحدة ويجب أن يتساوى الناس في مدى تلبيتهم لشروط الشرع في حياتهم اليومية.

يعكس الاختلاف المذكور بين الإسلاميين في فهم الشريعة ومناهج تطبيقها، نفسه على مستوى السياسة فيقبل الفريق الأول الحوار مع الآخر المختلف، بينما يرفض الفريق الثاني الحوار ويكفر الآخر ويدعو إلى هجرته حاكماً أو محكوماً بذريعة انه ينتمي إلى الجاهلية ويشرك ما أنزله الله بما صنعه البشر، ويمكن ملاحظة هذه المسألة أكثر ما يكون في حوارات الإسلاميين ضد بعضهم خصوصاً عند تناولهم مواضيع التعددية والحزبية والبرلمانية والائتلاف مع الأحزاب والمنظمات المختلفة ايديولوجياً وفكرياً.

في مقال تحت عنوان "دروس من تجربة الحركة الإسلامية" نشرته مجلة "الإنسان" الصادرة في فرنسا (العدد التاسع، كانون الأول (ديسمبر) 1992) ويأتي الشيخ راشد الغنوشي على تناقض الإسلاميين فيذكر "أن الإسلامي بصفة عامة واقع في مفارقة عجيبة، فهو من ناحية ضحية القمع والإقصاء العلماني ولذلك فهو يطالب بالحرية وقد يعتمد حتى على مبادئ حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية في الضغط على الحكام المستبدين ولكن كأني به هو الآخر يحمل عقلية اقصائية لخصومة أو هو يخشى تلك الحرية التي يطالب بها ولذلك بمجرد أن يظفر بها حتى يخنقها ويضيق نطاقها" ويتابع رئيس حركة "النهضة الإسلامية" التونسية "حتى لترى كثيراً من الإسلاميين كأنهم لا يشعرون بالتناقض بين مطالبتهم الأنظمة العلمانية أن تعرف لهم بحق العمل الحزبي وحريات التعبير والتنافس على السلطة بينما هم لا تقر كتبهم بتلك الحقوق لمواطنيهم العلمانيين" (صفحة9). ويرى الشيخ الغنوشي أن ذاك الموقف "لا أخلاقي، كيف أطالب العلمانيين بحق احرمهم منه لحظة التمكن ؟" (صفحة 10).

وعلى الأساس المذكور يطالب باستحداث "ثقافة إسلامية جديدة تستوعب ثقافة العصر" لأن الدعوة حتى تنجح في بيئة جديدة "لامناص من تفاعلها مع ظروف تلك البيئة" ويحدد شروط نجاح الثقافة الجديدة بنقاط عدة أبرزها "أولوية الحرية على الإكراه" و"لمنهج السلمي الديمقراطي" لأن التقدم البطيئ "الذي تحققه أساليب العمل السلمي كثيراً مافاقت جدواها المغامرات". ويرفض الاستراتيجيات المتناقضة داخل التنظيم الواحد والدمج بين "استراتيجية التغيير السلمي والتغيير العنيف" ويؤكد أخيراً على الحوار في مختلف أشكاله والتداول السلمي على السلطة وتنظيم الأمة في مؤسسات شعبية قوية تدار بالشورى.(ص11 و12).

يمكن أن نقلب كلام الشيخ الغنوشي الصارم في نقده لعقلية الحركات الإسلامية ونسأل أليس من العيوب أن ترفض الأحزاب التي تسمى نفسها "ديمقراطية" و "علمانية" و "ليبرالية" وغيرها أن يرخص للأحزاب المختلفة معها ايديولوجياً.

يفتح نقد الشيخ الغنوشي الذاتي والقاسمي النقاش حول موضوع الديمقراطية على مستوى مختلف.

لذلك حتى تكون قراءتنا موضوعية ومتوازنة لكيفية تداول الحركات الإسلامية فكرة الديمقراطية واختلاف مواقفها منها لابد من وضع التصورات المتعاكسة في سياق زمني لا أيديولوجي وإلا ضعنا في متاهات نصوصية لا تفيدنا ولا نستطيع أن نصل معها إلى نتيجة منطقية، فالنصوص المنقولة تحاول ترجمة المعطي النهائي وتحويله إلى نموذج خالص يمكن تركيبه نظرياً على الأوراق وطباعته في الكتب لكن من الصعب تطبيقه على الواقع المغاير. وإسقاط العملية التاريخية وطرد النزعة التجريبية من فكرة الديمقراطية وتطورها الزمني وتقدمها من محطة إلى أخرى يعطل علينا فهم الحركات الإسلامية ومواقفها من الكثير من المسائل خصوصاً المسألة الديمقراطية. فالحركات الإسلامية ليست متفقة على الفكرة على رغم اتفاقها على موضوعة الحرية واحترام الآخر، بسبب إشكالية المفرد أو المصطلح. والحركات الإسلامية ليست معادية للفكرة على رغم أن بعضها يتجنب الإشارة إلى الموضوع الديمقراطي لا بسبب رفض الفكرة بل بسبب اقتناعه بوجود ما يقابلها في موروثنا التاريخي (النصوص والتجارب والشواهد). كذلك لا تجتمع الحركات الإسلامية على برنامج أولويات موحد بل هي مختلفة ومتعددة في برامجها وأساليب عملها. فهناك من يرفض اللجوء إلى التصويت ولا يقبل بالانتخاب كأسلوب سلمي للاختيار والمفاضلة، وهناك من يقر التصويت ويقبل بالانتخاب كأسلوب للتداول والاختيار والمفاضلة، وهناك من يعتمد العنف وهناك من يرفضه، وهناك من يرفض الدولة بداعي جاهليتها وهناك من يقبل بها، وهناك من يرفض المجتمع بذريعة جاهليته وهناك من يتعاطي معه ويؤكد على ضرورة استخدام أساليب التوعية والتربية الطويلة النفس.

يحاول الدكتور علي كريم سعيد في كتابه "أصول الضعف، دراسة في الميل العربي المشترك، دمشق، دار النشر وتاريخ الطباعة غير محددتين" أن يفسر المسألة بالقول "رغم أن المسلمين متفقون على مبدأ اختيار حكامهم بالبيعة، لكنهم لم يضعوا لها شكلاً محدداً، وقد تفنن المسيطرون عبر التاريخ في أساليب انتزاع البيعة وأخذها" (ص187)، ويرى أن رفض بعض الإسلاميين مصطلح الديمقراطية كشكل ومحتوى ومقابلتهم له بالشورى سياسياً "فيه دقة كبيرة ومنطق عملي" لأسباب ثلاثة عددها الباحث كالآتي: أولاً: أن الديمقراطية هي مصطلح (كلمة) يمكن أن يوضع لها تعريف أجرائي يحدد الشكل والمحتوى الذي نرغب به، أو يرغب به هذا الطرف أو ذاك، ثانياً: لم يدع فلاسفة الديمقراطية أو الليبرالية الغربية بأن مفهوم الديمقراطية الذي ينادون به، وتمارسه عملياً دولهم، بأنه يوفر نظاماً كاملاً ومتكاملاً، تام الفعالية في تحقيق الحرية الإنسانية والعدالة والمساواة، بل هم يقرون أن الممارسة والنظرية الديمقراطية في الغرب ناقصة وأدنى بكثير من ما يروم الإنسان تحقيقه لنفسه. ثالثاً: أن الشورى كمفهوم سياسي إسلامي أو لغوي، مازال وعاء شبه فارغ، أو لنقل غير ممتلئ (صفحات 182-184) ويقترح علي كريم سعيد أن "يجري تحقيق الديمقراطية عن طريق عدم إملائها بمحتوى وتعريف، وإنما بتقديمها كإطار فارغ من المحتوى، وعند ممارسة حق الانتخاب داخل الإطار -المناخ- سيمتلئ هذا الإطار ويتنوع بالآراء والمواقف المختلفة..." (ص154-155). ويصل في صفحة 180 إلى نتيجة وضعها في هامش الصفحة تقول: "في ظل غياب طريقة محددة للشورى فإن المسلمين يمكنهم تأسيس شكل سياسي يكون نابعاً من الشعب ويسود فيه البرنامج الذي تصوت عليه الأكثرية وذلك سيوفر الحافز -الميكانزم- التنافسي بين فئات الشعب المتنافسة لاختيار قائد ديني- ثم لاختيار مجلس شوري شعبي - يترك له حق انتخاب رئيس للدولة أو يتم انتخابه من الشعب مباشرة". فالمسألة إذن مسألة مصطلحات ومفردات وتنتهي الإشكالية إذا استبدلت الكلمة بكلمة وأعطيت مضامين مختلفة ومتكيفة مع واقع الناس ومناخهم.

وفي حوار طويل أجراه محمد عبد الجبار مع السيد محمد حسين فضل الله وصدر في كتاب بعنوان "المشروع الحضاري الإسلامي" أبدى العلامة فضل الله تحفظه على المفرد -المصطلح وذكر انه عندما يتحدث عن الديمقراطية يقصد "ضد الاستبداد" أي "أننا مع الديمقراطية بمعنى أننا ضد الاستبداد لكننا لا نستطيع أن نلتزم بكل نتائجها على مستوى القضايا الإسلامية" ويضيف في مكان آخر: "إننا كإسلاميين لا نعتبر أن الديمقراطية هي الخط الذي يعطي الشرعية للقضايا المطروحة في حياة الناس ولا سيما إذا كانت هذه القضايا تتصل بالتشريع لأننا نعتبر أن الناس لا دخل لهم في مسألة التشريع..." (ص125و126، مؤسسة العارف، بيروت، الطبعة الأولى 1991). نلاحظ أن السيد فضل الله لا يرفض الديمقراطية كمفهوم يعزز الحرية ضد الاستبداد لكنه يرفضها إذا تجاوزت حدها وأخذت تتدخل بمعتقدات الفرد وإيمانه وقضايا التشريع الديني. فالسيد فضل الله يريد أن يضبط فكرة الديمقراطية في إطار مفهومي ويقنن حدود تدخلها. فهو يقبلها كإطار لتنظيم الخلافات السياسية بين الناس ويرفضها إذا تحولت إلى أداة تدخل في شؤون الناس الاعتقادية.

3 - مسلمون وإسلاميون

تختلف كتابات المفكر الإسلامي عن التنظيمات الإسلامية، فالمفكر يمزج بين علومه وأهداف التنظيم ويقدم اطروحاته السياسية بشكل تحليلي ومنهجي، بينما أفكار التنظيمات تكون أكثر مباشرة ووضوحاً وهي أقرب إلى البرنامج العلمي المختصر في نقاط محددة، ولابد من ملاحظة هذا الفرز بين كتابات المفكر وأفكار التنظيم حتى تنجلي صور المواقف وألوانها.

كذلك تختلف آراء التنظيمات الإسلامية وتفترق على أكثر من محور، ولا تقتصر الاختلافات على تصور المسائل بل في تحليلها وتحديد معالجتها أيضاً، وتصل الخلافات احياناً إلى حد التناقض في منهج المعرفة ومداخل قراءة المشاكل وأساليب حلها وطرق تذليلها، ولا يقتصر الاختلاف على الأسلوب فقط بل يطال جوهر القضايا كالديمقراطية والحوار مع الآخر والاعتراف به والائتلاف الحزبي مع أحزاب ليست إسلامية ودور البرلمان والتشريعات الرسمية وغيرها من النقاط الحساسة التي تطال هموم المواطن ومتطلباته.

ويمكن التمييز بين خطين إسلاميين كبيرين يتنافسان على تأكيد شرعية التمثيل ومشروعية الفكر والمنهج وهما: تيارات الأخوان المسلمين التي تمثل التوجه العقلاني والمعتدل والواقعي، وتيارات الجماعات الإسلامية ومنظمات الجهاد وهي التي ترفض الأسلوب السلمي وترجح الجهاد وقتال السلطة وتخون "الأخوان" بسبب تساهلهم ومرونتهم وقبولهم بمبدأ التفاوض مع السلطة والتعاون معها.

وإذا قمنا بجرده سريعة لمنشورات تيارات الجماعات والجهاد نلاحظ أن معظم المقالات والبيانات والتصريحات المنشورة تركز على مهاجمة سلوك الخوان وفكرهم اكثر من تركيزها على نقد السلطات ومهاجمتها، بل نجد كثيراً من النقد الجارح الممزوج بالشماتة والسخرية من مواقف الأخوان ومراهناتهم على السلطات وتعاونهم معها ومجاراة الحكومات في نقدهم للعنف والتطرف والإرهاب، وكثيراً ما تستعين جماعات الجهاد بمواقف الحكومة المصرية (رفضها إعطاء تصريح لحزب إسلامي) وتجربة الجزائر (الانقلاب على الانتخاب) إلى مواقف السلطات وسلبيتها من الأخوان كذريعة تعمل لمصلحة استراتيجية الجهاد وفي الآن نفسه لحث الأخوان والضغط عليهم نفسيا للإقلاع عن الأسلوب السلمي الديمقراطي واللجوء إلى السلاح كلغة وحيدة في "السياسة الشرعية" الواجب إتباعها في مخاطبة الحكومات، وهكذا تصبح حركة الأخوان "رهينة المحبسين" فهي مطاردة من السلطات بذريعة كثرة بسلاميتها وملاحقة من تنظيمات الجهاد والجماعات بذريعة قلة اسلاميتها.

وأهم مفارقة يمكن ملاحظتها بين توجه الأخوان وتوجه حركات الجهاد والجماعات أن الأولى علنية تتبع أسلوب المكاشفة والمصارحة وتعتبر نفسها مسئولة عن أعمالها وسياساتها وهي تدين تصرفات غيرها لأنها لا تتفق معها. بينما الثانية سرية وغير علنية على رغم صراحة ووضوح أفكارها ومواقفها، إذ أن البيانات والتصريحات الصادرة عن الجماعات والجهاد سرية وأسماء قياداتهم مستعارة وعناوينهم مجهولة ومراكزهم غير معروفة.

ولعل اختلاف أسلوب عمل كل فريق يفسر اختلاف تفكير ومنهاج عمل كل طرف، فحركة الأخوان مسئولة عن كل كلمة لذلك تزنها قبل أن تقولها، بينما لجوء حركات الجهاد والجماعات الإسلامية إلى الاستعارة وسرية العناوين والأسماء يترك مساحة أوسع لقول كل الأشياء لأن المسئولية ستقع في النهاية على مجهول أو مجهولين، فمن يعيش في عالم من السرية المحكم إلى درجة الانغلاق تصبح الأفكار محكومة بذاك العالم الداخلي المغلق على نفسه وغيره، وتصبح لغة المخاطبة محصورة في "مجتمع مغلق" يخاطب نفسه ولا يكترث كثيراً لوقع الكلمة ومسئولياتها وتأثيرها على جيل أو أجيال، فأسلوب الأخوان سلمي وتربوي وطويل النفس بينما أساليب الجماعات وحركات الجهاد انقلابي وتعبوي ودعاوى يعتمد على تواصل التضحية وضمير الأمة من دون اكتراث للمكاسب الراهنة والمؤقتة.

لعل الاختلافات المذكورة توضح تلاوين الصورة السياسية للمفكرين وقيادات الإسلاميين خصوصاً من مسائل العنف والديمقراطية والتعاطي مع الآخر المختلف.

يرى رئيس "الجبهة الإسلامية القومية" الدكتور حسن الترابي في مقال له نشرته مجلة "الإنسان" أن التدين أصبح "نسبة إلى الإسلام لا ايماناً بالدين، أصبح الفقه محفوظات من الآثار ثم أصبحت الأمة تاريخياً" (ص13).

ويقترح الترابي حتى يعود الإسلام إلى لعب دوره التاريخي اعتماد الخطوات الآتية: أحياء التوحيد، تطوير الاقتصاد، بعث حياة اجتماعية لا تقوم على العصبية، خروج المرأة من عزلتها، تحديث العلم وتوحيده، تجديد الفقه، اعتماد الشورى والرأي، واختيار الحاكم الصحيح، وبناء علاقات دولية قانونية.

ويطلق الترابي على تصوره تسمية "النظام المركب" إذ لا بد "للحركات الإسلامية اليوم أن تبدل هذه الأصول وتعود مرة أخرى لقرار الشورى الذي يسمى الإجماع" ويطالب المسلمين أن "يتصلوا ببعضهم عبر العالم قاطبة" لأنهم "أخوان في الأمة" كذلك يطالب "الاتصال بالغرب عبر الحوار والدعوة قصد هدايتهم" ويقترح أيضاً تقديم نموذج للنظام "العالمي العادل" لأن نظام الأمم المتحدة "مؤسس على غير العدل ولا يراعيه، وهو مخالف حتى للنظم الديمقراطية الغربية" ويرى الترابي أن "البرلمان في أوربا أقوي من السلطة التنفيذية، لكن مجلس الأمن أقوى من البرلمان العالمي بما فيه الدول العظمى"
لا ينكر الترابي الشورى والرأي والاختيار فهي واردة لكنها تأتي بعد التوحيد والاقتصاد والتنظيم الاجتماعي وحقوق المرأة والعلوم والفقه، فبرنامج الأولويات تحدده في النهاية الحاجات وشروط المكان والزمان.

وفي كتاب "حقوق الإنسان في الإسلام" يشرح الدكتور إبراهيم مدكور والدكتور عدنان الخطيب وجهة نظرهما حول نظام الحكم في الإسلام فيذكر أن "لاشك فيه أن الإسلام لم يأت لنظام معين من أنظمة الحكم وإنما وضع مبادئ عامة تصلح لكل زمان ومكان، كالشورى، والعدالة، والحرية، والمساواة، وفي عمومها ما اكسبها مرونة تفسح المجال للتطور والتجديد" ويحدد الباحثان مصادر التشريع في الإسلام وهي كما هو معروف، القرآن "وهو المصدر التشريعي الأول في الإسلام، يخاطب العامة، ولا يدخل في التفاصيل والجزئيات" وتشريع السنة "وهو المصدر الثاني، ينصب على أحداث أخرى في ضوء ظروف جديدة" ويؤكدان أن الإسلام لم يعرف مبدأ فصل السلطات "وكثيراً ما اجتمعت هذه السلطات في يد واحدة، وعند تعددها قد لا تلتزم بما رأته سلطة أخرى". وبعد اتساع رقعة الإسلام "تكونت مدارس تشريعية متعددة، وحاول الفقهاء والمجتهدون أن يضطلعوا بالعبء وان يسدوا الفراغ" وهكذا "لم يقف التشريع الإسلامي عند النصوص وحدها، بل كان للرأي فيه مجال" وينتهي الباحثان إلى اقتراح شرعة لحقوق الإنسان انطلاقاً من فكرتهما التي تقول أن نظام الحكم في الإسلام "لم يرسم له نظام معين وأفسح نسبة المجال للاجتهاد واختيار الملائم، على شريطة أن يقوم الحكم أساساً على الشورى، والعدالة، والحرية، والمساواة" (صفحات 38-44، دارس طلاس، دمشق 1992، الطبعة الأولى).

وبعد أن يضعا مسودة دستور مقترح لحقوق الإنسان يؤكدان على "أن اشد النظم المعاصرة قرباً من المبادئ التي جاء بها الإسلام في الشورى والصالح العام هو نظام الحكم الديمقراطي". ويطلبان الأخذ بها خصوصاً تلك " التي تتفق والمبادئ المقررة في الإسلام مع اجتناب عيوبها التي تخالف المبادئ الإسلامية".

وإذا كان الغنوشي والترابي وفضل الله وغيرهم من المفكرين الإسلاميين يؤكدون على مسائل الشورى والرأي والاختيار مع وجود اختلاف بينهم على استخدام المفرد أو على تفسير المصطلح نرى هناك من يقول بالشورى لكنه يشك بالديمقراطية وصحة خيارها بسبب خللها التنظيمي والتمثيلي.

قرأ الأستاذ في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية الدكتور محمد طي صلاحيات الحاكم في العصر الحديث وقارنها بصلاحيات الحاكم في الإسلام ووجد أن "الأديان السماوية وفي مقدمها الدين الإسلامي قضت ومنذ البدء على الحاكم أن يحكم بما انزل الله" فالحاكم ليس مطلق الصلاحية وعليه التزامات تجاه الشريعة والناس "حتى يستطيع بالمقابل أن يطلب من الناس طاعتهم ومؤازرتهم في تحقيق خططه" (العرفان، تشرين الثاني، وكانون الأول 1994).

وانطلاقاً من المبدأ المذكور يأخذ الباحث بنقد ثغرات النظام البرلماني وعدم صلاحياته التمثيلية لأن البرلمان " ليس هو الواضع الحقيقي للتشريعات" لذلك يلجأ أحياناً إلى "منح الحكومة صلاحيـــــة اتخاذ المراسيم الاشتراعية" لأن البرلمان "يتلهى بالنقاشات والمزايدات لإرضاء ناخبيه، فيما الحكومة بحاجة إلى بت المسائل بسرعة نظراً لسرعة وتأثر التطور".

ويوافق الباحث الحقوقي على أن مسألة الانتخاب "إنجاز عظيم في القوانين الوضعية" غير أنها لا تكشف "عن ارداة الشعب بكامله ولا حتى بأكثريته" بسبب عدم مشاركة جميع المسجلين في الاقتراع ولأن البرلمان حين يصوت "لا يصوت بوعي وحرية كاملين" بسبب انتماء الأعضاء للأحزاب أو "أكثريته تمثل في الحكومة وتأتمر بأوامرها" ولأن التصويت واختيار المرشحين يتأثر بعاملين "الأيديولوجية والقيم من جهة وبقوى الضغط القائمة في المجتمع من جهة أخرى" ويبقى المحروم "قابعاً في محيطه الضيق مهما تكن كفاءاته وقدراته القيادية والتمثيلية". والنتيجة برأي الحقوقي اللبناني "أن الشعب لا يمكن أن يحكم أو يقرر على الأقل في كل بلدان العالم اليوم".

لذلك يقترح أن يثقف الشعب "بالثقافة الإسلامية" حتى تتفق خياراته "مع ما يقرره الشرع الحنيف". ويطالب بأن يختار المسلمون "لأنفسهم اماماً" على أن تختار الإمام "مجموعات العلماء والمكلفين بالإشراف على الترشيح وقبول ترشيحات من تتوفر فيهم الشروط التي حددها الإمام.

وهكذا بعد أن ميز الأستاذ في كلية الحقوق بين صلاحيات السلطة الاشتراعية (البرلمان) وصلاحيات السلطة التنفيذية(الحكومة) اختصر الاقتراع على اختيار هيئة من العلماء تقوم بانتخاب الإمام صاحب الصلاحيات الواسعة الملزمة بالشورى والشرع، لأن السلطة في الإسلام تعود برأيه إلى الله وهو الذي "يمنحها للحاكم مقيدة بالأحكام التي وضعها كأصول وأحياناً كتفاصيل" ولا يخشى من الشطط "مادام العلم والعدالة متوفرين لدى الحاكم وما دام القاضي محمياً مادياً ومعنوياً" (العرفان، صفحات 109-121).

لا يمكن أن نفهم تحليل أستاذ الحقوق في إطاره المجرد لأن الخلاف على مثل تلك المسألة لا يقوم على النص بل على أدوات التنفيذ. فهو يفترض من جهة نسبة عالية من الوعي والإدراك والنزاهة والتجرد ويقترح من جهة أخرى درجة تمثيلية شديدة الاختصاص تتوسط صيغة الحاكم المطلق والبرلمان المشرع على مختلف الضغوط والأهواء، فمثلاً يوافق على اختيار المسلمين إمامهم بواسطة مجموعة العلماء والمشرفين لكنه لم يحدد اختيار هؤلاء هل يتم ذلك عن طريق الاقتراع وصناديق التصويت أم تقوم "صفوة" مختارة من "نخبة" المجتمع باختيار الإمام بمعزل عن الناس ؟ فالصيغة الغامضة تدل على ذاك الالتباس الذي يخلط بين الحكم والحكام والحكومة، فالقوى التي تنفذ أحكام الدستور سواء في حكومة إسلامية وغير إسلامية هي عناصر بشرية لابد من وجود آلية أو هيئات تقوم باختيارها أو انتخابها، وهذا لا يتم برد الاختيار إلى صفوة بمعزل عن إرادة الناس وحقهم في الاختيار.

ومن هم الناس، وما هي أصافهم ؟ وكيف يراهم بعض المنظرين لفكر بعض حركات الجهاد والجماعات الإسلامية، وكيف يتم التميز بين المسلم والإسلامي ؟.

يقسم "أبو عبدالله" في مقال جاء تحت عنوان "في السياسة وفقه الواقع" الناس إلى "ثلاث مدارس رئيسية تفرع عنها من اخذ باثنين من هذه الأسباب ولم يكتمل الحال إلا لمن وفقه الله للأسباب الثلاثة". وحدد المدارس الثلاث كالآتي: "قوم جعلوا القوة مقصورة على تصحيح الاعتقاد بالسلوك (...) بلا جهد ولا نصب وطالبوا العقول أن تقبلها ونعتوا كل منكر لها بأوصاف الانحراف والضلال والقصور".

"آخرون جعلوا القوة هي فهم الواقع وإدراك اللعبة السياسية المحلية والدولية والتحرك في هامش المصالح بلا ضوابط من دين الله فنشأت مدارس للعمل الإسلامي أوصلت أصحابها للشرك والضلال أو كادت كل بحسب ممارسته".

"فريق ثالث ومعظمهم من الشباب المخلص ظنوا نتيجة عجز هؤلاء وأولئك أن القوة هي الرمي مع حظ ما من القوة الأولى وشبه جهل مطبق بالقوة الثانية فقدموا نماذج على الإخلاص وقوة الاستشهاد في إطار من الفشل المتكرر".

ويرى "أبو عبدالله" أن شباب الفريق الثالث "اكثر الفرقاء إخلاصاً وافهم قبولاً وقرباً من النجاة والنجاح" ويقترح "أبو عبدالله" على الشباب حتى يأخذوا حظهم بالنجاح أن يأخذوا من القوة الأولى "صحة المنهج والاعتقاد" ومن الثانية "فهم السياسة والواقع ليكتمل لهم المسار".

ويبدأ "أبو عبدالله" بشرح فكرته التي تجمع بين مناهج الفرقاء الثلاثة: صحة العقيدة والالتزام بالسلوك، فهم الواقع وإدراك اللعبة السياسية المحلية والدولية، والإخلاص والعمل والجهاد وقوة الاستشهاد (الفجر، العدد15، السنة الثانية 1996، تصدر عن مركز الإعلام الإسلامي، الدنمارك).

نلاحظ من التقسيم المذكور أن فرز الناس يتم على أساس السياسة ومنهج الاعتقاد ولا يقيم أي أهمية للمصالح والعلاقات، وعلى أساس الفرز العقائدي يظهر أن مجال الاختيار محصور في دائرة ضيقة يخرج منها كل من لا تنطبق عليه الشروط الثلاثة التي حددها "أبو عبدالله" فالديمقراطية غير واردة لأنها أصلاً لا تدخل في سياق التقسيم أو الاختيار بين الناس وفئاتهما.

هذا الغموض لا نجده في مقال "مصطلح الثابت والمتغير في ميزان الأصول والواقع" كتبه الشيخ "أبو قتادة" رد فيه على كتاب الدكتور صلاح الصاوي "الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر" الذي حاول أن يفسر الاختلافات وخلافات الحركات الإسلامية في العمل الإسلامي مستخدماً المنهج القرآني والسنة النبوية ومدارس الفقه.

اتهم الشيخ "أبو قتادة" الدكتور الصاوي بأنه " تجاوز في كل كتابه البحث عن التوصيف الشرعي لواقع الحكومات والدول التي تعيشها الحركات الإسلامية، وهو توصيف يجب الاتفاق عليه ويجب أن يكون من الثوابت لأن هذا التوصيف متعلق بالثوابت والمحكمات في قضية الإيمان...".

ويرد الشيخ "أبو قتادة" على جعل الدكتور الصاوي "مسألة الدخول في البرلمان والاشتراك في العملية الديمقراطية من باب المتغيرات ومن مجاري الاجتهاد التي يتفاوت الناس في تقديرها". ويؤكد على أن هذه النقطة "من المسائل المختلف عليها بين الإسلاميين(...) وهو خلاف يدور بين موجب ومجوز ومانع، والمانع بين حاظر مؤثم ومفكر مضلل...".

ويشير الشيخ إلى شروط الدكتور لدخول المجالس النيابية منها "الاجتناب والبراءة حتى يعلم قيامها على الإسلام والتزامها حالاً ومقالاً بسيادة الشريعة الإسلامية(...). والدعوة إلى هذا الأصل الجامع ونصرة الدين الحق وإقامة الحجة على المرتابين".

ويسخر الشيخ"ابو قتادة" من شروط الدكتور إذ "كيف يمكن للنائب في البرلمان أن يدخل هذا البرلمان بهذا الشرط ؟ " ويعلق "فهلا قلت لنا لا يجوز وكفى" لأن مثل هذا البرلمان غير موجود، ويرى الشيخ "أن ما تقوم به على ارض الواقع جماعات العمل السياسي (...) هو استجابة واقعية (بغض النظر عن النية والقصد) لمطالب الجاهلية". (الفجر، العدد نفسه).

يلاحظ من قراءة الشيخ"ابو قتادة" انه لا يرفض فكرة البرلمان بالمطلق لكنه يرفض البرلمانات القائمة حالياً ويهاجم القوة الإسلامية التي وافقت على الدخول بلعبتها على رغم علمها بجاهليتها، لكن الشيخ لا يحدد شروطه أو يرسم مواصفات البرلمان المقترح وهيئاته وأساليب انتخابه، ويرجح انه يرفض فكرة الانتخاب ويفضل مسألة الحشد.

ويوزع الكاتب " عمر عبد الحكيم" في مقال تحت عنوان "الحركات الجهادية... وعملية الحشد والتجنيد" المدارس الإسلامية السياسية على ست:

الأولى: لحركة التي يجب أصحابها أن يسموها الأم" ويسخر من حركة الإخوان التي تخلت عن شعاراتها السابقة وباتت تطرح الآن "الديمقراطية دستورنا، والبرلمان سبيلنا، والحصول على مقعد في وزارة طاغوت اسمى أمانينا".

الثانية: "التجمعات والمدارس التي رفعت شعار (أهل السنة والجماعة) وتبنت (منهج السلف) وانتمت حتى اسمياً لهذا المسمى الشريف (السلفية)"، ويتهم قادة هذا التيار بأنهم تخلوا عن منهجهم وأصبحوا "عباد الشيوخ والأمراء (...) بعد أن سوغ كبيرهم كل الموبقات وأبشع المؤامرات...".

الثالثة: "طرحت نظرية تحتوي على كثير من جوانب الخير منهجاً وتربية، منطلقين من تصحيح (الولاء والبراءة) والتركيز عل توحيد الحاكمية لبناء (قاعدة صلبة) مؤهلة..." ويتهم قادة هذه المدرسة بأنها تعيش "على جدالات (بيزنطية) ما تفتأ تدور وتعيد في حلقات البحث المجرد ".

الرابعة: "ترخصت وتوسعت في طرح نظريتها على حساب أساسيات معتقدات هذا الدين الحنيف لتواكب مستوى الفهم والممارسات السياسية بزعمها وتعتمد التثقيف والتربية السياسية والواقعية أساساً لتعبئة قواعدها"، ويرد عليها بأنها خرجت عن "القرار الصائب والممارسة المجدية".

الخامسة: "وهم الذين اهتدوا "إلى أن الطريق هو (التبليغ والدعوة)". ويرى "إذا ضربنا صفحاً عن القصور والعوج في منهجهم من الناحية الشرعية والواقعية وجئنا لنقارن في زاوية الخير التي لديهم والنتيجة التي حصلوها (...) ونظرنا إلى عملية التبليغ والدعوة (...) لوجدنا أن الله هدى ببركات الجهاد (...) عشرات أضعاف ما حصلوا بجهودهم المشكورة".

السادسة: وهم أولئك الذين "نسبوا أنفسهم إلى (السلوك والتربية) بزعم التصوف وتزكية النفس" ويرى أن هذه الفئة انحرفت وضلت وخرجت على شعاراتها.

ويخلص الكاتب "عمر عبد الحكيم" أن المدارس الست انتهى دورها "على اختلاف بعدها وقربها" ويرى أن حركات الجهاد المسلح "قد ورثت واقعاً ومنهجاً جوانب الخير وجوهر الشعارات الخيرة المرفوعة في كافة مناحي ما سمى بالعمل الإسلامي أو الدعوة الإسلامية أو الصحوة، وتجاوزت ما وقعت به من قصور وعوج" وينتهي اخيراً إلى وضع برنامج من تسع نقاط للحركات الجهادية لترث "الحشد البشري لسلسلة الجهود الخيرة لمشروع الصحوة عبر القرن الأخير" لأن "التجمعات الجهادية" يجب أن "تنتبه إلى عظم المسئولية وتشعبها ومن ذلك ومن أهمه وضع نظرية مستقيمة مدروسة لعملية (الحشد والتعبئة) قبل أن يفاجئها نصر بفعلها أو بفعل الظرف فتجد نفسها عاجزة بحكم واقعها عن قيادة أمة´

يلاحظ من نصوص الإسلاميين أن لكل حال مقال وان شروط المقام (المكان والزمان) تحدد إلى حد كبير وجهة التفكير. فالحقوقي اللبناني يعدد أخطاء البرلمان القانونية ويقرأ ثغراته التمثيلية ليركز السلطة في هيئة واعية تقع عليها مسئولية اختيار الحاكم، وهذا ما يخالف رأي رئيس البرلمان السوداني حسن الترابي الذي يرى أن سلطة البرلمان وصلاحياته القانونية أقوى بكثير من سلطات الحكومات التنفيذية وصلاحياتها، والشيخ المطارد والملاحق راشد الغنوشي يشدد على الديمقراطية ويطالب بالحريات واحترام الرأي وحق الاختلاف ووجوب تداول السلطة سلمياً، ويلتقي الدكتور الترابي مع القوى الجهادية في رفضها للنظام العالمي واستبداده الدولي لأنه يطوق السودان ويحاصره ويضيق عليه حريته وحقه في اختيار نظامه وسياساته ويختلف معها في الأسلوب واستراتيجية المواجهة، بينما تتجه الحركات الجهادية (الجماعة والجهاد) إلى رفض فكرة البرلمان لسببين: الأولى لأنها جاهلية والثانية أنها لا تسمح للإسلاميين بدخوله، لذلك تدعو إلى عدم إضاعة الوقت ورفض المساومة أو الصلح أو التسوية والاستمرار في الكفاح ضد الأنظمة، فالتعبئة والحشد والمواجهة المباشرة هي البدائل، عند الحركات الجهادية، عن خوض الانتخابات غير مجدية يتم تداولها باسم الديمقراطية.

لم تنشأ الخلافات بين القوى الإسلامية فجأة ودفعة واحدة بل تدرجت تاريخياً وعبرت مراحل ومحطات إلى أن انفجرت ووصلت إلى حد الصدامات في نهاية الثمانينات.

3 -1 الاختلاف على الديمقراطية:

أهم تطور حصل في التيارات الإسلامية هو انتقال الخلاف من الخصومات العقائدية في نهاية السبعينات إلى المواجهات السياسية والاشتباكات بين الطرفين، خصوصاً بين الجماعة الإسلامية وحركة الأخوان.

ازدادت الصدامات عندما بدأت الحكومة المصرية تفرج عن قيادات الجماعة الإسلامية في العام 1984 وأخذت الأخيرة تنشط وتعيد تنظيم نفسها فاندلعت المواجهات وانتقل الخلاف إلى الجامعات والمؤسسات والمحافظات ووصل أحياناً إلى الاشتباك واستخدام السكاكين والخناجر والخنازير وأسياخ الحديد كما حصل في أسيوط في عام 1987 و 1988، وانتهت المواجهات إلى إصدار كل طرف بيانات يتهم فيها الطرف الآخر بالاعتداء، وتطورت حرب المناشير إلى صدور بيانات توثق الخلافات وتقوم على تأصيله عقائدياً وسياسياً.

وبصدور البيانات العقائدية تأسست خطوط أيديولوجية متناقضة تختلف على معظم المسائل والمحاور، وبقراءة تلك المنشورات يتبين أن الصراع ليس بسيطاً، بل يتركب من عناصر متعددة تبدأ بالموقف من الدولة (الحكومة والبرلمان) وتنتهي إلى أبسط المسائل المتعلقة بالناس والتعامل مع المجتمع، وأبرز وثيقة أصدرتها الجماعة الإسلامية كانت تلك التي تحمل عنوان "نحن والأخوان" ضرحت فيها بالتفصيل خلافاتها مع الأخوان ورفضها لمواقفها السياسية وخلطها المفاهيم الإسلامية بالشوائب العلمانية وتساهلها مع النظام المصري ومشاركة الأخوان في البرلمان (هشام مبارك، الإرهابيون قادمون ص 222).

شكل الهجوم الذي شنته الجماعة الإسلامية على الأخوان بداية قطع ليس مع قيادة الإخوان آنذاك بل مع تاريخ الحركة، وتحديداً مؤسسها حسن ألبنا، ففكرة دخول البرلمان والمشاركة في الحياة النيابية ليست جديدة وليست بدعة اخترعها قادة الإخوان في دورة 1984 (التحالف مع حزب الوفد) ولا في دورة 1987 (التحالف مع حزبي العمل والأحرار) حتى يستنكرها قادة الجماعة.

فكرة المشاركة في الدورات الانتخابية قديمة ويعتبر حسن ألبنا أول من أسسها ودعا إليها، بل قرر ترشيح نفسه في انتخابات عام 1942 في ظل حكومة كان يرأسها آنذاك حزب الوفد، وبلغ وقتها "عدد مرشحي جماعة الإخوان سبعة عشر مرشحاً وعلى رأسهم المرشد العام حسن ألبنا نفسه في دائرة الإسماعيلية، وركز دعايته على تطبيق الشريعة الإسلامية، وفي تلك الآونة وقع صدام بين الوفد والإخوان عندما رفض النحاس باشا زعيم الوفد ترشيح حسن ألبنا في الانتخابات على أساس أن الأخوان جماعة دينية ولا تعمل بالسياسة (...) وفي محاولة أخرى وبعد إقالة وزارة النحاس باشا في تشرين الأول (أكتوبر) 1944 وحل مجلس النواب الوفدي، رشح حسن ألبنا نفسه مرة أخرى في انتخابات كانون الثاني(يناير) 1945، وفي دائرة الإسماعيلية أيضاً، ووقتها أفتى الأخوان بأن الدين يبيح دخول الانتخابات ما دام ذلك يؤدي إلى نشر الإسلام" (الإخوان في البرلمان، محمد الطويل صفحة 45-46).

تؤكد الخلافات بين حركة الإخوان وحركات الجهاد والجماعات الإسلامية على أن وجهات النظر لم تتناقض بسبب آراء قادة الحركة وقبولهم بالمساومة والتسوية، بل بسبب حصول تطور في التناقض انتهى إلى القطع مع ماضي الحركة ومؤسسها، الأمر الذي يشير إلى وجود تيارين ينقسمان أيديولوجياً ويختلفان في الرأي والاجتهاد والممارسة، وتحتل مسائل الموقف من العنف والأسلوب السلمي نقاط تماس تعيد إنتاج التوتر بين الطرفين في كل فترة زمنية.

يمر حل الباحث مبارك تطور الفكرة الديمقراطية عند جماعة الأخوان ويرى أنها كانت قبل العام 1952، تدعو إلى حل الأحزاب جميعها بدعوى "أنها تؤدي إلى تمزيق وتشتيت وحدة الأمة" (ص339)، إلا أن حركة الإخوان أعادت النظر بموقفها السابق بعد تعرضها إلى الحل والملاحقة والاضطهاد في فترة الحكم الناصري الذي امتد إلى العام 1970.

بعد المصالحة المشروطة مع النظام بدأت الحركة بإصدار مجلة "الدعوة" وأخذت منذ العام 1971 تتحدث عن الديمقراطية ورفض الفتنة واحترام الدستور.

وعلى رغم الاتفاق على مضمون الفكرة، استمر النقاش على الأساليب وأشكال تحقيق الأهداف سلمياً، ويستعرض مبارك أراء قيادات الحركة بالفكرة الديمقراطية ويسجل تصريحات عبد القادر عودة الذي يرى أن الإسلام سبق التشريعات المدنية في مسألة الديمقراطية حين "أسس نظرية الشورى لتكتمل الشريعة ورفع الجماعة ودفع أفرادها على التفكير في المسائل العامة والاهتمام بها والاشتراك في الحكم بطريق غير مباشر والسيطرة على الحكام ومراقبتهم" ويرى أن نظام الحكم في الإسلام ليس دينياً ولا ديمقراطياً لأنه "يقيد الحاكمين والمحكومين بما أنزل الله" (ص340-341). ويخالف مأمون الهضيبي رأي زميله ويرى أن حركة الأخوان اختارات الديمقراطية "باقتناع وإيمان" ويؤكد على أنها الأساس الأول "للبناء الاقتصادي والاجتماعي وهي أرض الأقوياء الذين يلتزمون بالدستور ويقيمون التوازن بين الحقوق والواجبات ويسعون بين الرأي والرأي الآخر لتحقيق مصالح المجتمع" (ص341)، ويتجه عصام العريان وسيف الإسلام حسن ألبنا الاتجاه نفسه ويطالبان بالمزيد من الديمقراطية وبإلغاء "جميع القوانين المقيدة للحرية" خصوصاً تكوين الأحزاب والجمعيات والاتحادات والنقابات والهيئات والأندية.

ويعلق مبارك على أنه لم تظهر حتى الآن عند جماعة الإخوان أي مواقف متعارضة مع الديمقراطية، لكنه يلاحظ أنه "يمكننا أن نرصد تشوشاً وخلطاً بين الديمقراطية والشورى" (ص341)، ويستنتج أنه مع تغير الظروف السياسية والاجتماعية في مصر "أصبح للإخوان المسلمين رؤية تكاد تكون متناقضة تماماً مع ما كان يدعو إليه حسن ألبنا من قبل" (ص342)، ويفسر مصطفى مشهور (مرشد الأخوان في مصر) الخلاف بين التصورين لأنه "نحن في الأصل جماعة ولسنا حزباً وقد ظهرت فكرة مطالبتنا بحزب لكي نستطيع ممارسة نشاطنا بشكل شرعي" (ص342).

ويخلص مبارك إلى "أن قادة الأخوان يرون إمكانية للتوفيق بين الديمقراطية والشورى ويتقبلون التعددية الحزبية بشرط عدم تعارضها مع المبادئ الدينية" بينما، والرأي له، لا "تكتفي حركة الجهاد الإسلامي برفض الديمقراطية ولكنها توجه انتقادات حادة للإخوان المسلمين لتبنيهم لها".

تهاجم وثيقة "معالم العمل الثوري" قبول حركة الأخوان فكرة الديمقراطية وتدعو بدلاً عنها إلى وحدة فصائل الحركة الإسلامية وحشدها "لمواجهة الجاهلية". وترفض مجلة "الفتح" الناطق باسم حركة الجهاد الديمقراطية لأنها "فكرة غربية تمخضت من الخبرة التاريخية للمجتمعات الأوربية". وتؤكد على أنها لا تلتزم " إلا بالشرع الإلهي، والتشريع مصادره معروفة وهي الكتاب والسُنة والإجماع والقياس" لأن الناس في الإسلام "ليس لهم أي حق تشريعي حتى لو وافق كل الشعب على قضية ما". وتطالب بعدم إهدار "الطاقات المؤمنة في هذا الطريق المسدود". وتميز حركة الجهاد بين الشورى والديمقراطية وتراهما مختلفتين ثم تميز بين المعارضة في النظام الديمقراطي والأخذ بالرأي الآخر في النظام الإسلامي وتجد أن الأولى تعني تعدد الأحزاب، وتعني الثانية تعدد الآراء. وتنتهي الجهاد إلى رفض النظام الحزبي وترى أن الشورى واجبة لكنها غير ملزمة. فالحرية برأيها ليست سائبة بل مضبوطة.

وتتجه الجماعة الإسلامية إلى تبني المنهج نفسه الذي تعتمده حركة الجهاد من مسائل الديمقراطية والتعددية والأكثرية والانتخابات والائتلاف والتفاوض مع السلطة، وترى أن "الديمقراطية تخالف الإسلام" وترفض التعددية لأن "تعدد الأحزاب لا ينشأ إلا عن تعدد الأيديولوجيات". وهذا برأي الجماعة الإسلامية ممنوع من الدولة المسلمة، وترى الجماعة أن الديمقراطية" هي الابن المدلل للعلمانية"، وتساوي بين الكفر والإيمان و "تقر حكم الأغلبية"، بينما "ليست الأغلبية على الحق بالضرورة"، وترفض الجماعة محاولات الإخوان ربط الديمقراطية بالشورى وتنتقد موقف "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في الجزائر لموقفها من الديمقراطية وقبولها خوض المعركة البرلمانية وموافقتها على الشروط الدستورية لمشروع الانتخابات (ص344-384).

وتكرر "الجماعة الإسلامية" وحركات الجهاد الموقف نفسه من الانتخابات والمشاركة في البرلمان وتعيب على المشاركين في اللعبة من حركات الإخوان والتنظيمات الإسلامية الأخرى لأنها تقع "في المحاذير الشرعية أثناء الدعاية الانتخابية من الوعود الكاذبة والتدليس مما يكون له أثره السيئ على الدعوة والدعاة" (ص356).

يلاحظ من البيانات والوثائق والتصريحات الصادرة أو المنسوبة لقادة الجماعات والجهاد طغيان المواقف والأفكار الطهرانية (التطهرية) في محاولتهم الابتعاد عن التلوث السياسي الذي قد يصيبهم في حال إتباعهم الأسلوب المرن والبراغماتي الذي تنتهجه حركة الإخوان في مصر أو الذي انتهجته "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في الجزائر. ومن الواضح أن قادة الجماعات وحركات الجهاد يرفضون التكيف مع أي حال من الحالات، فالنصوص عندهم مطلقة ولا يجوز تفسيرها أو إعادة تفسيرها حسب الأصول ووفق قواعد القياس والسُنة والشروط التي وضعها أو اتبعها سابقاً، وفي حالات أخرى أو متشابهة، عشرات الأئمة ومئات الفقهاء، فهم يعتبرون أن الحكم الإسلامي حكم الهي وليس بشرياً ولا يميزون بين الحكم والحكام الذين هم في النهاية من البشر ويجب اختيارهم لا فرضهم بالقوة على الناس، ويسبب عدم تمييزهم بين حكم الشرع وحكم البشر فإنهم يخلطون بين أحكام الله والحكم الذي يمارسه وينفذه البشر وليس الله. ويفسر عدم وضوح ذاك التعارض المذكور بين المسألتين إقدامهم على احتقار الناس واستنكار فكرة الغالبية والأكثرية، في وقت تدعو منشوراتهم هؤلاء الناس إلى الحشد والالتحاق بهم للإطاحة بالحكومات الجاهلية وغير الشرعية. ويمكن القول إن مثل هذه الأفكار متأثرة بالفكر الأوربي الذي ساد القارة في القرون الوسطى (وقبل عصر التنوير) أكثر بكثير من الفكر الإسلامي وتجارب الدولة الإسلامية وتراثها السياسي الغني بالعبر والدروس، وهو تراث لا يشير إلى الحكم الإلهي بل إلى الحكم الشرعي والعادل.

ربما يوضح الفارق المذكور بين المفهومين أن مصادر تفكير الجماعات الإسلامية وحركات الجهاد أقرب بكثير إلى التجارب الأوربية ومناهجها من التجارب الإسلامية ومناهجها، كما يدل الفارق على مسألة مهمة وهي أن معظم قادة التيارات الإسلامية المعاصرة درس الإسلام في المعاهد والجامعات الحديثة أو السجون وربما تعلمه بجهده الخاص ولم يتعلمه كقواعد وأصول كما تذهب مناهج الأزهر وتطبيقاته التدريبية والتعليمية.

الإخوان والدولة والشورى

لعب اختلاف الجذور الاجتماعية والأيديولوجية ومنابت التربة السياسية دوره في تحديد انتماءات العناصر الحزبية وافتراق توجهها في قراءة التحولات الدولية والتعاطي مع الأزمات الإقليمية والمحلية، إلى ذلك يضاف موضوع الخبرة التي تعمق التجربة وتزيدها نضجاً وهي مسائل مشتركة لا تتوافر عند الجماعات الإسلامية الحديثة العهد في حين أنها موجودة في تكوين حركة الإخوان وان تفاوتت بين فرع وآخر.

يكفي التفسير المذكور لفهم الخلاف بين الإخوان والجماعات لكنه يساعد على وعي الاختلاف بين الطرفين وعلاقته بالجذور الاجتماعية والأيديولوجية والتربوية لكل فريق.

وبسبب ذاك الاختلاف اختار كل طرف طريقة الخاص والمستقبل، فاتجهت الجماعات نحو العنف والمواجهة المسلحة انطلاقاً من تحليلها الذي لا يسمح بالمساومة مع حكومات جاهلية لا تأتمر بالشرع بينما اتجهت حركة الإخوان نحو الحلول السلمية ورفض العنف والتأكيد على الطابع القانوني لعلمها السياسي والنقابي انطلاقاً من تحليلها الذي لا يتعارض مع المساومة والتسوية لأنها أصلاً لا تعتبر الحكومات جاهلية وترى أن مهمتها تقتصر على النصيحة والدعوة ولا علاقة لها بإصدار الأحكام المطلقة ضد الناس من دول وشعوب وطوائف ومذاهب.

ونتجت عن اختلاف التحليل في إدراك الواقع المعقد وفهم المشاكل المعاصرة سلسلة سياسات متناقضة، فالذي يرفض التعاطي مع الحكومات العربية بذريعة أنها جاهلية يقاتل الأقباط مثلاً بحجة انهم كفرة، والذي يفسر الأزمة الاجتماعية لأسباب تتعلق بالمسلك الفردي للمسئولين يلجأ إلى الأسلوب الإرادي للاقتصاص المباشر من عناصر الحكومة والشرطة والسياح، بينما الذي يطالب الحكومة بالحوار وتعزيز الديمقراطية وفتح الباب للنقاش تظهر عنده بوادر التعايش مع مختلف الجماعات الدينية التي يتكون منها المجتمع كذلك يلجأ إلى تحليل الأزمة المعيشية بطريقة موضوعية لا تقتصر مسئوليتها على الأفراد وعناصر الحكومة والشرطة والسياح، لذلك تميز فكر الإخوان وخصوصاً منذ مطلع التسعينات بالحكمة والموعظة ورفض العنف في مختلف أشكاله، ففي مقابلة نشرتها "الحياة" مع المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في مصر المرحوم محمد حامد أبو النصر (4 أيلول - سبتمبر1995) يربط العنف بقلة الحرية وبالعوامل الاجتماعية ويشير إلى حل شامل "لأسباب العنف" وبرأيه أن معالجة الأسباب تبدأ بإطلاق "الحريات واحترام حقوق الإنسان وكرامته، وإجراء إصلاحات اجتماعية واقتصادية ومحاربة الفساد المادي والمعنوي" ويعرب عن اسفه لإصرار "السلطة على الاكتفاء بالمواجهة الأمنية حتى تمادت وقابلت العنف بالعنف وتكرر القتل الرسمي بمجرد الاشتباه" فتعقدت المشكلة وزادت خطورتها"، وعلى مدى السنوات السبعين الماضية، منذ نشأة الجماعة، لم يقع أي حادث يعكر صفوها، وكان للإمام حسن ألبنا مستشارون من الأقباط، وكان عدد من الأقباط يحرص على حضور محافل الجماعة، وحين ابعد الإمام ألبنا إلى قنا كتب القساوسة هناك مذكرات إلى الحكومة تنصفه".

لاشك في أن سنوات التسعينات (العقد العاشر من القرن العشرين) كانت حاسمة في كسر إمكانات اللقاء بين حركة الإخوان وتنظيمات الجماعة، ففي حين اتجهت الأخيرة نحو تصعيد العنف والمواجهة المسلحة مع السلطات المصرية اتجه الإخوان نحو تنضيج فكرهم السياسي وتطوير خطابهم الأيديولوجي وتحديثه ليتناسب مع ظروف مرحلة الانتقال التي تمر بها المجتمعات العربية والإسلامية، فأصدروا ثلاث وثائق تعتبر الأهم والأخطر في تاريخهم السياسي منذ عودتهم للنشاط الإعلامي في منتصف السبعينات.

يمكن اعتبار الوثائق الثلاث "التأسيس الثاني" لحركة الإخوان لأنها حسمت بشكل واضح وقاطع الإجابة عن ثلاثة أسئلة. الأول: مفهوم المواطن والمساواة بين المجموعات الدينية والمذهبية. والثاني: مفهوم المرأة ومساواتها بالرجل وحقها في الممارسة السياسية وتولي المسئوليات العامة والرسمية. الثالث: وهو الأهم، حدد أن الأمة هي مصدر السلطات وقطع الطريق على المفهوم المضاد الذي يتمسك بالشرع والشريعة فقط كمصدر للسلطات.

ونظراً لأهمية الوثائق الثلاث التي تم جمعها في كتب صدر بتاريخ تشرين الأول (أكتوبر) 1995 لابد من قراءة نصوصها التي تحسم توجه الأخوان القديم وتعيد بلورته وإنضاجه في ضوء أسئلة المرحلة المعاصرة.

تتناول وثيقة "بيان الناس" صدرت في القاهرة في 30 نيسان (إبريل) 1995 الموقف العام من المسلمين وغير المسلمين وعلاقة الدين بالسياسة والعمل السلمي ورفض العنف واستنكار الإرهاب والتأكيد على حقوق الإنسان فتذكر عن المسيحيين "لهم ما لنا وعليهم ما علينا وهم شركاء في الوطن، وأخوة في الكفاح الوطني الطويل، لهم كل حقوق المواطن، المادي منها والمعنوي، المدني منها والسياسي، والبر بهم والتعاون معهم على الخير فرائض إسلامية لا يملك مسلم أن يستخف بها أو يتهاون في أخذ نفسه بأحكامها، ومن قال غير ذلك أو فعل غير ذلك فنحن براء منه وما يقول ويفعل". وتؤكد أن "التعددية في منطق الإسلام تقتضي الاعتراف بالآخر، كما تقتضي الاستعداد النفسي والعقلي للأخذ عن هذا الآخر فيما يجري على يديه من حق وخير ومصلحة" (ص6). وتميز الوثيقة بين الشريعة والحاكم في مجال علاقة الدين بالسياسة. فإقامة شرائع الإسلام فريضة من فرائضه "لكن الحكام -في نظر الإسلام- بشر من البشر، ليست لهم على الناس سلطة دينية بمقتضى حق الهي... وانما ترجع شرعية الحكم في مجتمع المسلمين إلى قيامه على رضا الناس واختيارهم" (ص7). وترفض الوثيقة العنف وكل أساليب القسر وجميع "صور العمل الانقلابي الذي يمزق وحدة الأمة، والذي قد يتيح لأصحابه فرصة القفز على الحقائق السياسية والمجتمعية، ولكنه لا يتيح لهم أبداً فرصة التوافق مع الإرادة الحرة لجماهير الأمة". وتعلن الوثيقة البراءة من شتى أشكال العنف ومصادره وتستنكر شتى أشكال ومصادر الإرهاب لأن "الذين يسفكون الدم الحرام أو يعينون على سفكه شركاء في الإثم واقعون في المعصية" (ص8).

وأخيراً تؤكد على احترامها والتزامها حقوق الإنسان وتطالب بممارسة الحرية "في إطار النظم الأخلاقية والقانونية ايماناً بأن حرية الإنسان هي سبيله إلى كل خير، والى كل نهضة وكل إبداع" (ص10).

وتذهب وثيقة "المرأة المسلمة في المجتمع المسلم" التي صدرت في القاهرة بتاريخ آذار (مارس) 1994 في الاتجاه نفسه إذ تؤكد على حقها في العمل عموماً ومشاركتها في الانتخابات وترشيحها واختيارها في المجالس المنتخبة وتولي الوظائف العامة والحكومية.
وتأتي وثيقة "الشورى في الإسلام وتعدد الأحزاب" لتحسم أي لبس في موضوع خيار حركة الإخوان السلمي وقبولها بالتسوية السياسية والمساومة مع المختلف معها أيديولوجياً.

واستندت الوثيقة الثالثة على الأولى في توضيح موقفها، إذ كان "بيان للناس" قد أوضح أن "للشورى معناها الخاص في نظر الإسلام، فإنها تلتقي في الجوهر مع النظام الديمقراطي الذي يضع زمام الأمور في يد أغلبية الناسي دون أن يحيف بحق الاقليات على اختلافها في أن يكون لها رأي وموقف آخران، وأن يكون لها حق مشروع في الدفاع عن هذا الرأي والدعوة إلى ذلك الموقف" (ص7). وتعتبر المسألة المذكورة أهم إنجاز سياسي حققته حركة الإخوان في تطوير فكرة الديمقراطية إذ أنها لا تعتبر الديمقراطية هي حكم الأكثرية (الغالبية السكانية أو الانتخابية) بل أيضاً حكم الأقلية ومشاركتها في القرار أو الاعتراض عليه. ثم تعيد التذكير بأن الأخوان شاركوا في بعض المجالس النيابية والانتخابية التشريعية و "استبعدوا خلال بعضها الآخر عن تلك المشاركة، ولكنهم ظلوا على الدوام ملتزمين بأحكام الدستور والقانون حريصين على أن تظل الكلمة الحرة الصادقة سلاحهم الذي لا سلاح غيره..." (ص8 و9).

انطلاقاً من تلك القناعات صاغ الإخوان فكرتهم الجديدة التي تعتبر خطوة حاسمة في تحديد مفهوم للشورى ومصدر السلطات وهي الفكرة التي تم إيضاحها في الوثيقة الثالثة.

يؤكد بيان "الشورى في الإسلام وتعدد الأحزاب" على "أن الأمة هي مصدر السلطات، فهي التي تولي من تثق في دينه وأمانته وخبرته وعلمه ومواهبه وكفاءته ما تحدده له من أمورها ليقوم عليها بالعدل والإحسان والإنصاف" (ص24). وتوجز تاريخ الشورى في الإسلام وتوضح فكرة تعدد الأحزاب في المجتمع المسلم وتؤكد على أن الخليفتين أبو بكر وعمر (رضي الله عنهما) لم تدع أي منهما "عصمة أو ارتفاعاً عن احتمال الخطأ، بل قال كل منهما على الملأ أنه بشر كسائر البشر، يصيب ويخطئ وان من حق أفراد الأمة أن يصوبوه إذا أخطأ" (ص25).

تنطلق الوثيقة من فكرة فقهيه وهي "الدين هو الأساس، والسلطان حارس" لذلك فإن "الأمة هي مصدر السلطان (...) وان الشعب هو الذي له الحق أن يولي باختياره الصحيح من يرتضي دينه وأمانته وعلمه وكفاءته، ليقوم على ما يحدده له من أمور الدولة" وتطالب الوثيقة بتوازن مؤسسات الدولة وجعل الحكم "شورى استمداداً من سلطة الأمة ويحدد مسئولية الحكام أمام الشعب، وكيفية محاسبتهم وتصويبهم". وحتى تكتمل الصورة تؤكد على "وجود مجلس نيابي له سلطات تشريعية ورقابية ذات فعالية تتمثل فيه الإرادة الشعبية الحقيقية نتيجة انتخابات حرة ونزيهة وتكون قراراته ملزمة" (ص26).

بعدها تنتقل الوثيقة إلى نقطة لا تقل خطورة وهي صلاحيات السلطات التنفيذية والرئاسية فتذكر أن رئيس الدولة "ما هو إلا وكيل عن الشعب" وتطالب "أن تكون رئاسة الدولة لمدة محدودة، ولا يجوز تجديدها إلا لأمد محدود، وذلك ضماناً لعدم الطغيان" (ص27) وتنتهي إلى إعادة التأكيد على حق الاختلاف وتنظيم المباح وتعدد الآراء والتسامح وسعة الأفق والبعد عن التعصب وضيق النظرة، وتختم حركة الإخوان وثيقتها بقبول فكرة تعدد الأحزاب و "قبول تداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية وذلك عن طريق انتخابات دورية" (ص27).

السؤال كيف تعاطت السلطة في مصر مع هذا التطور الحاسم في فكر الإخوان ؟
شنت السلطة حملة اعتقالات واسعة وأعلنت عن إحالة 45 من قيادات الإخوان إلى القضاء العسكري كانت اعتقلتهم في 22 كانون الثاني (يناير) 1995 (مجموعة أمين مساعد نقابة الأطباء الدكتور عصام العريان) ومجموعة رئيس نادي أعضاء هيئة التدريس في جامعة أسيوط الدكتور محمد السيد حبيب (اعتقلت في 18 تموز - يوليو1995) وتم حبسهم جميعاً على ذمة القضية رقم 136 لسنة 1995، ثم طورت هجومها علىالاخوان فأقدمت على إقفال مكتبهم الإعلامي في القاهرة بذريعة أن الحركة محظورة بموجب قرار صدر في العام 1954م وتعزز هجوم السلطة بشن حملات ضد معسكرات الشباب الكشفي (المرخص من قبل وزارة الداخلية) في منطقة العامرية في الإسكندرية واعتقلت 200 شاب، كذلك أخذت بمحاربة الأخوان ومنعهم من المشاركة أو تحمل مسئوليات نقابية ومهنية بتعطيل المؤسسات المدنية ومنع كل أنشطة الهيئات الأهلية وخصوصاً في الأحياء الشعبية وأدى موقف السلطة إلى استنكار واسع من القوى السياسية والنقابية التي طالبت بإلغاء قرار تحويل الأخوان إلى محاكم عسكرية. كذلك استنكرت صحيفة حزب التجمع المنافس لحركة الإخوان واعتبرت الخطوة "ظاهرة خطيرة، تدعو إلى القلق الشديد، ومؤشر غير مريح على نوع الأساليب التي تنوي الحكومة استخدامها ضد المعارضين في الانتخابات التشريعية القادمة" (الأهالي، أمينة القناش).

من الواضح أن تعاطي السلطة الأمنية في مصر بهذا الأسلوب الانتقالي ضد مبادرات الإخوان يعزز خط التطرف الذي تقوده تنظيمات الجماعات الإسلامية ويؤكد في الآن نفسه على أن مسألة الديمقراطية لا يكفي أن تحسم جهات المعارضة موقفها منها بل على الدولة نفسها أن تحسم خيارها أيضاً من المسألة. فالانغلاق على المعرضة والانقلاب على المجتمع ومحاولة السيطرة عليه وسد كل المنافذ أمام الناس للتعبير عن مواقفهم وطموحاتهم يغلق باب التطور نحو تأسيس مجتمع سياسي ويكرس استبداد النخبة وتحكمها في الحياة العامة المدنية والأهلية التي هي من أبسط حقوق المواطن، وتتحول الدولة من قوة دافعة تقود التحولات إلى قوة معرقلة تعطل إمكانات التوصل إلى صيغة تسوية تاريخية تنقذ المجتمع من التفكك والانهيار الشامل، ولا شك في أن تيار الاستئصال العلماني في السلطة المصرية يلعب دوره الخلفي لتوريط الدولة في مشاكل أمنية داخلية لا نهاية لها في وقت هي بأمس الحاجة إلى توسيع قاعدتها الاجتماعية -السياسية لمواجهة المخاطر المتأنية من تصلب المشروع الصهيوني وتهديداته المستمرة للمنطقة عموماً وموقع مصر ودورها القيادي خصوصاً. فتيار الاستئصال يهدف من وراء تحريضه الدائم إلى منع تطور المجتمع المدني - الأهلي وملاقاة الدولة على منتصف الطريق حتى يبرهن بالملموس فكرة أن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة بعد أن حلت نكبات الحروب الأهلية في لبنان وحصل ما حصل في السودان والجزائر وتونس وغيرها من البلدان.

4 - صدمة السودان 1989:

أدى الانسداد السياسي في المنطقة العربية إلى ردود فعل متباينة في أوساط المعارضة، وترافق الاحتقان مع سلسلة أزمات وانهيارات اقتصادية واجتماعية وفشل متتابع على المستويين الوطني والتنموي الأم الذي عكس نفسه أكثر ما يكون على التنظيمات والهيئات الإسلامية بصفتها أكثر دوائر المعارضة التصاقاً بالأحاسيس الشعبية وقرباً لها.
مع تراكم الأزمات كان لابد لها من الانفجار في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات سالكة قنوات أيديولوجية وسياسية متباينة تلونت بالمناخات الإقليمية وظروف كل دولة عربية، وفي النهاية شكلت تلك الانفجارات صدمات عميقة أحدثت موجات زادت من تباعدها.

لم تتفق القوى الإسلامية على موقف موحد وكان لابد لخلافاتها الفكرية والتنظيمية السابقة أن تتصاعد وتأخذ سلسلة أشكال أيديولوجية تفترق على أكثر من فكرة وسياسة.
لعبت ثورة الإنقاذ العسكرية في السودان دوراً خاصاً في إعادة إنتاج الخلافات السابقة ووضعت الإسلاميين للمرة الأولى في تاريخهم أمام خيار صعب: إما تأييد الانقلاب العسكري وهو أمر يتنافى مع تربيتهم العقائدية التي ترفض الأسلوب المذكور لأنه في النهاية يولد كتلة عسكرية - أيديولوجية حاكمة من طريق القوة والاستيلاء، وأما معارضة الانقلاب وبالتالي محاولة تفسير جديد لعلاقات القوى وموازينها ومسألة السلطة ودور الدولة والأسلوب السلمي في كسب الغالبية العددية.

حتى الآن تنفي "الجبهة الإسلامية القومية" مسئولياتها عن التخطيط للانقلاب وتصر على أن الجيش هو الذي نفذه بسبب الفوضى السياسية التي دبت بين أجنحة الحكم الديمقراطي ونتيجة عجز حكومة الصادق المهدي في الدفاع عن السودان وحدوده، الأمر الذي جعل حركة التمرد في الجنوب تسيطر على خمس مساحة البلاد وأخذت بالتخطيط لدخول العاصمة والاستيلاء على السلطة وفرض حكم الأقلية على الغالبية المسلمة. وترى الجبهة الإسلامية أنها كانت مضطرة لتأييد الانقلاب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ضعف عام وفوضى سياسية أنهكت الدولة وجعلت أبوابها مشرعة لكل الطامعين من الخارج والطامعين من الداخل.

وبعيداً عن تقنية الجهة التي خططت، وصحة تحليل الجبهة الإسلامية لظروف الانقلاب وعوامله ودوافعه، يمكن القول انها الجهة المنظمة الكبيرة والوحيدة التي وافقت على شروط ضباط ثورة الإنقاذ للتعاون مع الدولة وهي: حل تنظيمات الحزب والاندماج بمؤسسات الحكومة وإداراتها كأفراد وليس كمجموعات ومنظمات.

أدى موقف الجبهة الإسلامية إلى إثارة زوبعة من الخلافات الحزبية في داخل السودان وخارجه ووضع الإسلاميين عموماً في موقف حرج لا يتناسب مع تقاليدهم السياسية، الإسلاميون عموماً وحسب الأعراف المتبعة هم دائماً يمثلون خط الناس الناس والأكثرية الساحقة من الشارع الأمر الذي جلبهم المصاعب والمصائب والويلات من النخب العسكرية العلمانية الانقلابية الحاكمة في معظم الدول العربية. وجاء انقلاب السودان ليقلب المعادل، فهذه هي المرة الأولى التي يتحول فيها الإسلاميون، بعد تأييدهم ثورة الإنقاذ، إلى نخبة حاكمة أو مشاركة في الحكم وهو أمر جلب لهم الكثير من المتاعب من حيث تحميلهم مسئوليات أخطاء السلطة.

مرت سبع سنوات على الحركة الانقلابية السودانية وما تزال الجبهة الإسلامية مؤيدة لها بل انها تحولت إلى شريك رئيسي في صنع القرار بعد أن حلت تنظيماتها واندمجت بالدولة على مختلف المستويات، وعلى رغم مرور هذه الفترة الطويلة نسبياً في عمر الحكم ما تزال الخلافات قائمة بين التنظيمات السودانية والحكم واستتباعاً الجبهة الإسلامية التي تحملها قوى المعارضة المسئولية الكاملة عن كل ما حصل.

لم تقتصر الأضرار، وربما الوائد على السودان بل امتدت إلى خارجه لتزيد الخلافات وترفع من نسبة التباين بين الجهة الإسلامية المنحلة والقوى الإسلامية العربية التي انقسمت بدورها إلى تيارين: فريق أيد بتحفظ وضم في مجمله القوى الخارجة على حركة الإخوان المسلمين، وفريق عارض بتحفظ وضم في مجمله حركة الإخوان في معظم تفرعاتها وتنظيماتها.

ويذكر أن أصل الخلاف بين الجبهة الإسلامية وحركة الإخوان يعود إلى عهد سابق بكثير لفترة حركة الانقلاب في السودان، وجاءت الحركة لتعززه وتزيده تعقيداً، فالخلاف يعود إلى منتصف السبعينات وانتهي بالانقسام في 1978 وتجدد بعد حصول الانقلاب.

أدرك حسن الترابي باكراً، وهو دكتور دولة في القانون الدستوري وشارك في وضع دستور الإمارات العربية وباكستان، ان معركته الأساسية في السودان ليست ضد العلمانيين فقط بل ضد الإسلاميين التقليدين ايضاً، وبحكم معرفته بواقع السودان وتركيبه الاجتماعي المتفرع على مناطق متنوعة سكانياً وموزعة على مساحات جغرافية واسعة أدرك ايضاً أهمية الدولة ودورها المميز في لعب دور التوحيد السياسي في بلد شاسع وقليل السكان.

شكلت النقطتان المذكورتان خط تماس متوتر بين فكر الترابي الحديث والتقاليد الاخوانية المتوارثة فحاول قدر الإمكان دفع فرع الإخوان في السودان إلى تطوير لغته السياسية وتطويعها حتى تستوعب المشاكل المعقدة والتركيب الخاص لبلد استقل حديثاً عن بريطانيا (سنة1956) وضخم الحجم إذ تزيد مساحته ضعف مساحة ألمانيا الاتحادية وفرنسا وبريطانيا مجتمعة وقليل السكان (حوالي 35 مليون نسمة) ومتعدد الأعراق والجهات (عشر مناطق قبلية كبرى إلى عشرات المجموعات العرقية القبلية الصغيرة ) إلى تنوع في مصادر ثروته ودخله واختلاف في بيئاته الجغرافية والمناخية وتحيط به ثماني دول عربية وأفريقية.

بدأ التوتر حين تزعم الترابي حزب التجمع الإسلامي على أساس دستور "جبهة الميثاق الإسلامي" الذي مثل وجهات نظر مختلف القوى والتيارات الإسلامية الحديثة بين 1964،1969، وشكلت تلك الفترة أول خطوة لتأسيس الافتراق بين الترابي وفرع الإخوان في السودان وبدأ الخلاف ينصب على مسألتين الأولى فقهية عندما دعا الترابي إلى أحداث ثورة اجتهادية تقوم على تجديد الأصول فصاغ منهجه الفقهي الذي يجمع بين أهل الرأي وأهل الحديث وبين التفسير الظاهري والتفسير الباطني وأشار إلى ضرورة الدمج بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية وبين منهج الاستباط ومنهج الاستنتاج في محاولة منه للتوفيق ما بين الشرع والعلوم الاجتماعية والطبيعية المعاصرة لدراسة خصائص المجتمع السوداني، والثانية سياسية تقوم على معادلة كسب القوى الحديثة المتضررة من هيمنة القوى التقليدية وتأسيس تيار معاصر يشق طريقه المختلف بين القوتين الإسلاميتين المركزيتين طائفة الأنصار المهدية (حزب الأمة) والطائفة الختمية-المرغنية (الاتحاد الديمقراطي).

اعتبر الترابي في محاضرة ألقاها في السبعينات تحت عنوان "تجديد أصول الفقه" ان من حسن حظ السودان انه "بلد ضعيف التاريخ والثقافة الإسلامية الموروثة" (ص223)، فالضعف التاريخي يعني بالنسبة له أن المجتمع غير موحد والدولة ضعيف، وشعف الثقافة الإسلامية الموروثة يعني أن التيارات التقليدية تقوم على العصبية والمذهبية وليست إسلامية وفق المنهج العقائدي المعاصر.

واعتبر الترابي أن ضعف تكوين السودان التاريخي والثقافي فرصة لتجديد الفقه وأحداث ثورة في الاجتهاد كذلك فرصة سياسية لاعادة تشكيله وفق صيغة دستورية معاصرة تجمع ما بين المطلق المنزل والواقع النسبي المتغير لذلك دعا في المحاضرة نفسها إلى "بسط الشورى والالتزام بها بدقة وانضباط، فالجماعة المسلمة تبقى منظمة جداً حيث تكون الشورى فيها سارية سائدة" (ص224)، وأكد على ن الدين هو محاولة دائمة للتوحيد بين الاستنتاج _من أدلة الشرع وأحكامه وهو الأصل) والاستباط (من بيئة الواقع وهو الأصل الأدنى) (ص238).

لا يستخدم الترابي كثيراً كثيراً كلمة الديمقراطية وربما لا يستخدمها اطلاقاً إلا في مجال الإشارة إلى حسناتها أو سيئاتها، لكنه يكثر من استخدام تعبئة الرأي العام "بالتناصح والشورى" ويؤكد على ضرورة ربطها بمنهج أصولي فقهي جديد يحقق الثورة الاجتهادية(ص242)، ويرى أن النظام الأمثل اليوم هو أن "نرد إلى المصطلحات الإسلامية -العلم الفقه الاجتهاد الشورى والإجماع- شعبيتها وان نعترف بالتعاون والتناصح والتذاكر مع اعترافنا بضرورة الاتحاد بين المسلمين في صياغة الأحكام التي يقتضيها الشرع في واقعهم" (ص251)، ويشدد في محاضرة أخرى ألقاها في الخرطوم بتاريخ 20 كانون الثاني(يناير)1987 بعنوان "منهجية التشريع الإسلامي" على مسائل القصور الفقهي واختلاف ظروف البيئات الإسلامية واختلاف التطور بين الزمن الماضي والزمن المعاصر ويرى أن أصول الفقه والتشريع خلافية أصلاً وليست قطعية لذلك يطالب بتأسيس منهجية جديدة تقوم على التوحيد والعدل والاستقامة والقصد والتوازن، ويفسر كل نقطة بأفكار تحليلية وتاريخية ليؤكد على تأخر الفقه التقليدي لأنه انقطع عن العالم الموصول وتقابل أنماطه الاجتماعية ويبدأ بشرح منهجه الفكري الذي يطلق عليه بعض أنصاره (فقه الترابي).

ينطلق فكر الترابي عن مسألة مركزية وهي أن التدين هو محاولة دائمة للتوحيد بين المثال المطلق (الشرع) والواقع النسبي (حركة المجتمع وتعاقبه الزمني). ثم ينتقل إلى فكرة ربط العلم الشرعي بالواقع المعاصر والعلوم الحديثة ويتساءل لماذا استخدم علماء الأصول في القدم المنطق الصوري (الارسطي) لتفسير بعض الأحكام ولا يحق لعملاء الأصول في عصرنا استخدام مناهج أكثر حداثة لتفسير الأحكام القرآنية من جديد. ويبدأ الترابي بعرض عناصر منهجه الذي يوحد بين الظاهر والباطن وبين الإجمال والتفصيل (العام والخاص) والتوازن بين الأحكام والقطع وتوازن النظام والحرية والعقل والنقل والاتباع والإبداع والتقليد والاجتهاد لينتهي أخيراً إلى تأكيد فكرة أن الاجتهاد لا تنقطع دواعيه فهو من الثوابت الفقهية، وأخيراً يركز على مسألة جديدة وخطيرة في تاريخ الفقه الإسلامي وهى أن مرحلة الاجتهاد الفردي قد تراجعت بسبب تطور الحياة المعاصرة وتعقد متطلباتها وهو ما يفيض عن قدرة فرد واحد الإجابة عن خصائصها وأسئلتها لذلك يطالب بإعادة النظر بالمنهج الأصولي للفقه (يقصد الأخوان ) وتجاوز العصبية الطائفية (يقصد المهدية والختمية) لينتهي إلى المطالبة بالتأسيس على نصوص الشريعة والاستئناس بالعلوم المنهجية.(من محاضرة منهجية التشريع الإسلامي، صفحات 227-274).

لم تغب فكرة الشورى والمسئولية الجماعية عن منهجية الترابي بل كان يركز دائماً عليها ويؤكد أهميتها، فأفكار الترابي التجديدية لم تبدأ في الثمانينات بل تأسست في الستينات وتبلورت في السبعينات. ففي محاضرة له ألقاها في جامعة الخرطوم في كانون الثاني (يناير) 1977 أكد على مقولة "تجديد الفكر الإسلامي" وشدد على ضرورة الشورى وتطور أنماطها منذ عهد الصحابة، وأكد فيها على أن الشعب المسلم "أو الجماعة المسلمة لها حق إلزام الفرد المسلم لسلطان الشورى والإجماع "ويسبب اتساع رقعة المسلمين وانتشارهم الجغرافي تعطل الإجماع وتأثر بالظروف التي طرأت على المسلمين لذلك حتى يأخذ أهل الحل والعقد دورهم لابد من "شورى نيابية تمثيلية" (ص10-11) ولأن الحياة تشعيب ولا يمكن لمجتهد واحد أن يحيط بكل الشهاب لا بد من دولة إسلامية حديثة تعتمد عن طريق الشورى والأمر التنفيذي بآراء الفقهاء المتوفرة والمتكاثرة على أن يدون القانون الإسلامي وتشريعاته المعتمدة "من قبل هيئات شورية تهتدي بالطبع بكل الاجتهاد الفقهي وتستند بالطبع إلى الدعم الاجتماعي".

منذ العام 1977 بدأت فكرة الدولة ودورها في صوغ شخصية الجماعة وأهمية القانون في تكوين المجتمع المعاصر المتصالح من شريعته وبيئته تتكون في استراتيجية الترابي السياسية.

وعندما أعلن الرئيس السوداني السابق جعفر النميري في عام 1983 عن نيته تحويل الدولة إلى دولة إسلامية أيده الترابي وساهم بصفته من رجال القانون وشارك بصفته صاحب وجهة نظر في عضوية لجنة مراجعة القوانين لتتماشي مع الشريعة الإسلامية، وأخذ من موقعة ذاك في لعب دور مميز إذ توافرت للمرة الأولى فرصة تحويل قناعاته الفكرية إلى مواد دستورية تعتمدها الدولة، ففي محاضرة ألقاها في الفترة المذكورة شدد لترابي على فكرة الربط بين وجدان المسلم وفطرته الدينية والسلطان ودور الدولة فأشار بوضوح إلى ضرورة "أن تقوم في مجتمع المسلمين دولة" (ص5) لكنه أكد على قصور القانون لأنه "لا يحيط إلا بعمومات" وضعف الدولة لأنها لا تستطيع "أن تفرض على المجتمع قانوناً مفصلاً كاملاً ينظم حياتهم بكل حذافيرها" (ص7)، ويرد الترابي الأمر إلى مسألة أن "قانون الأرض" محدود في أثره واحاطته وبرقابته بينما "قانون الإسلام يستند على سلطان الدولة ثم هو موصول بالوجدان المسلم وبحياة المجتمع" (ص10) لأن من وظائف القانون "أن يعبر عن قيم المجتمع والتعبير على القيم نوع من التذكير".

ويضع الترابي في المحاضرة نفسها (المسلم بين الوجدان والسلطان) ملاحظاته على الديمقراطية فيرى أنها "قاصرة على العلاقات السياسية" ولا تجدي شيئاً في علاقات الناس من جيرة وتكافل وتضامن، ويرى أن الانتخابات "قليلاً ما تمثل الناس تمثيلاً صادقاً" ويشير إلى قلة مشاركة الناس في الاقتراع ودور المال في تزييف اراداتهم (ص16-17)، وهو يؤدي إلى تعارض أهداف الديمقراطية مع وسائلها السياسية الأمر الذي يقضي بضرورة وجود نظام النصح والشورى لتستقيم الأهداف وتتساوى مع الوسائل (ص18-19).

عندما شارك الترابي في اللجنة الدستورية واشترك في صوغ قوانينها كان الخلاف قد وقع بينه وبين الأخوان المسلمين وأنهى ما عرف باسم "حزب التجمع الإسلامي" و "جبهة الميثاق الإسلامي" وبدأ منذ منتصف السبعينات بتأسيس تنظيمه المستقل ونجح في كسب معظم قواعد الإخوان وعزلهم إلى فرع صغير وضعيف لا تأثير عقائدياً له في الحياة السياسية السودانية.

استفاد الترابي من تجربته الاخوانية مضيفاً إليها خبرته كعميد لكلية القانون ثم عضو مراجعة القوانين في نهاية عهد النميري ليؤسس فكرته من جديد على قواعد تنظيمية ودستورية ويحدد مشروعه وأهدافه ووسائل تحقيق الغايات، فأقدم على تأسيس "الجبهة الإسلامية القومية" وعقد مؤتمرها التأسيسي في الخرطوم في 1985 بعد اندلاع ثورة "15 رجب" وسقوط نظام النميري.

توضح وثائق المؤتمر التأسيسي (خطاب الأمين العام، دستور الجبهة، والبيان الختامي" كل ما هو غامض في استراتيجية الجبهة الإسلامية وفكر الترابي ومنهجه السياسي وتبلور موضوعة الدولة وأهمية القانون في مجتمع واسع الارجاء وضعيف في تكامل بنيتيه التاريخية والثقافية.

كان الترابي قبل سقوط النميري قد تحول إلى لاعب كبير في تقرير الصياغة القانونية للدولة وبدأ رئيس النظام يتخوف منه، لذلك قرر اعتقاله لتأمين جانبه قبل أن يقوم النميري بزيارته الأخيرة إلى واشنطن بذريعة العلاج وإجراء الاتصالات مع المسئولين، وخلال وجوده في العاصمة الأمريكية اندلعت الثورة الشعبية وقام الجيش بإشراف المشير عبد الرحمن سوار الذهب بانقلاب لضبط الوضع الأمني ومنع الانهيار، وهكذا بقي النميري في المنفى وخرج الترابي من السجن بطلاً.

بين ثورة 1985 وانتخابات 1986 وضع الترابي استراتيجية الوصول إلى السلطة وبرزت الحساسيات بينه وبين القوى الإسلامية التقليدية (المهدية والختمية) والقوى الإسلامية السياسية الأخرى (فرع الإخوان والتيار السلفي والحلقات الصوفية) وأخذ النزاع يتبلور على بند "قوانين سبتمبر" إذ كانت الأحزاب الإسلامية التقليدية تطالب بإلغائها بينما تمسك الترابي بها محاولاً الفصل بينها وبين الحاكم.

أدى نمو الخلاف إلى اجتماع كل القوى السياسية من إسلامية وعلمانية والحادية إلى الاتفاق على ترشيح خصم واحد مشترك للترابي ودعمه بغية إسقاطه في المعركة الانتخابية، وسقط الترابي بفارق بسيط لكنه نجح في تسجيل أكبر مفاجأة في تاريخ السودان الحديث عندما اكتسح معظم المقاعد المخصصة للقوى الحديثة من اتحادات نقابية ومهنية وطلابية ومراكز المدن الرئيسية والعاصمة المركزية (الخرطوم) والعواصم الإقليمية، واحتلت الجبهة الإسلامية المركز الثالث في البرلمان المنتخب وجاءت بعد حزب الأمة (أكبر كمية من المقاعد) وحزب الاتحاد الديمقراطي (ثاني أكبر كتلة برلمانية) وثم حزب الترابي، وباتت القوة الثالثة هي التي تقرر ميزان التحالف في ظل الخصومات التقليدية (المذهبية والطائفية) بين الأنصار والختمية، وتحول البرلمان السوداني في عام 1986 إلى ما يشبه توازن البرلمان التركي في عام 1966 مع فارق يتكثف في نقطتين:
الأولى: إن حزب الرفاه الإسلامي التركي هو الكتلة البرلمانية الكبرى لكنه بحاجة إلى تحالف لتشكيل الغالبية. والثانية: ان خصوم الرفاه من العلمانيين ورجال الدولة والانتهازيين والوصوليين بينما خصوم الجبهة الإسلامية في السودان هم من الإسلاميين التقليديين ورجال المناطق والقبائل وبعض أصحاب الطرق الصوفية ومراكز القوى النافذة في المجتمع.

وضمن التوازن القلق عاش السودان أسوأ تجربة ديمقراطية عرفت الكثير من التقلبات والكثير من التحالفات اللزجة وغير الثابتة، مرت يتحالف الصادق المهدي مع الميرغني ويشكل حكومة ثنائية يعارضها الترابي في الشارع وحزبه في البرلمان، ومرة يتحالف المهدي مع الترابي وحزبه ويخرج حزب الاتحاد الديمقراطي فيقوم الأخير بتوقيع اتفاق مع جون قرنق لتوسيع رقعة التمرد في الجنوب ونقله إلى الشمال للضغط على الحكومة، ومرة يتحالف المهدي مع الطرفين الجبهة الإسلامية وحزب الاتحاد الديمقراطي وتبدأ المواجهة في الجنوب لعزل تمرد قرنق واستعادة الأراضي الجديدة التي سيطر عليها في مرحلة الخلاف السابق، وأخيراً اضطر المهدي إلى تشكيل حكومة ثنائية مع المرغني مستعيناً ببعض الوجوه العلمانية في البرلمان لكسر احتكار الترابي للقوى الحديثة في الشارع وهو أمر أدى إلى خلخلة المعادلة الداخلية وتفكك الوضع السياسي وأخيراً تقديم كل الذرائع والمبررات للجيش السوداني بالتدخل والانقلاب على التجربة الديمقراطية وحل البرلمان والأحزاب.

تعتبر فترة 1985-1989 مرحلة ذهبية في حياة الترابي السياسية إذ نجح خلالها في كسر الثنائية التقليدية السودانية (الأنصار والختمية) وانتاج فريق سياسي ثالث أطلق عليه (الترابيون) وبات النظام لا يستقر إلا بتوازن تقوم قواعده على ثلاث قوى.

غير أن قوة الترابي كانت في الآن نفسه نقطة ضعف، فالتيار الإسلامي الحديث الذي قام بتأسيسه خلال العقدين الأخيرين اقتصر نفوذه على المنظمات الطلابية والاتحادات المهنية والنقابات والعاصمة المركزية والعواصم الإقليمية بينما السودان كدولة جديدة لم تكتمل شخصيتها التاريخية يقوم توازنها السياسي على توازن القوى التقليدية في الأرياف والمناطق والولايات المترامية الأطراف، ولأن بنية السودان لنية قديمة فإن العلاقات التقليدية هي السائدة فيه وهي في النهاية تلعب الدور الأساسي في إنتاج السلطة وسياستها. إلى ذلك يتألف السودان من عشر مجموعات عرقية وقبلية كبيرة تنتشر بين جنوبه وشماله وشرقه وغربه وتتركز الأكثرية الساحقة في وسطه وهي أكثرية ريفية غير مدينية في غالبيتها وهو أمر يساعد كثيراً على محاصرة أي تحول سياسي حديث سواء جاء بواسطة الانتخابات الديمقراطية أو عن طريق الانقلاب العسكري.

لا شك في أن الترابي يعلم ذلك ويدركه لكنه تصرف على عكس علومه ومعارفه لظروف وأسباب لعبت فيها الصراعات السياسية الحزبية الدور الأساسي في وقوفه مع الانقلاب العسكري (ثورة الإنقاذ) ودعوته إلى حل تنظيم "الجبهة الإسلامية القومية" وتشجيع عناصرها في الاندماج بالدولة والالتحاق بالجيش الشعبي كرديف عسكري للجيش السوداني، وأدى موقف الترابي المذكور إلى ردود فعل متباينة بين أنصاره إذ انقسمت الجبهة إلى تيار يوافق على الاندماج والالتحاق وتيار يرفض الأمر ويطالب بالتمايز عن الدولة والاحتفاظ بشبكة التنظيم الشعبي بداعي التحوط من المستقبل (كتاب عبد الوهاب الأفندي، الثورة والإصلاح السياسي في السودان).

لماذا إذن فعل الترابي ما فعله على رغم علمه بخصوصيات السودان وتركيبته القبلية والطائفية والريفية والمناطقية وأخيراً تحكم العلاقات التقليدية بالسياسة العامة للدولة وقيادتها للقوى الحديثة والمعاصرة ؟.

إذا قرأنا وثائق المؤتمر التأسيسي للجبهة الإسلامية في 1985 يزول العجب لأننا سنجد فيها ما يكفي لفهم النظرية السياسية في فكر الترابي وتركز انتباهه على موضوعة الدولة وقيادتها للتحولات في السودان وموقع الجيش المميز والخاص كقوة وطنية حديثة تمثل مختلف المناطق والطوائف والقبائل وهو كما يبدو قوة مشتركة لا خلاف سياسياً عليه بين السودان، فحجم السودان الجغرافي وقلة سكانه جعلا من الدولة قوة التوحيد السياسية الأولى وفي الآن فرض عليها علاقات فيديرالية لا مركزية (نظام الولايات) لضبط التنوع السكاني والسيطرة عليه مركزياً.

ماذا تقول وثائق الجبهة وخطابات أمينها العام ؟.

يحدد الترابي في كلمة الافتتاح أسباب قيام "الجبهة الإسلامية القومية" فيعلن انه جاء "ليوافي تهيؤ البلاد، لتحول جديد في حياتها العامة، وقد نشأت دواعي ذلك التغيير، عن تطورات في الوعي الديني والسياسي، أوهت أصول العصبيات التاريخية القديمة، وحلت عرى الولاءات التقليدية المطلقة، وغادرت الشعب نهباً لشتات مبعثر من النعرات المحلية، والصراعات الذاتية والفئوية، وعرضة لفتنة ركام مربك، من الدعوات الزائفة، والشعارات الدخيلة..." (خطاب الأمين العام، صفحة 3)، ويشرح في الخطاب الظروف السياسية والأحوال الاقتصادية الانتقالية ويتعرض للوحدة الوطنية وقضية الجنوب والسياسة الخارجية وقضية الشريعة الإسلامية، ويعطي أهمية خاصة للعاصمة القومية (الخرطوم) التي تنشأ فيها المبادرات في "النهضة الحضرية، من العلم والرأي، أو الصناعة والعمران، أو سائر أنماط الحياة" (ص14). وأخيراً وهذا هو الأهم يشدد على الأسلوب السلمي ويدعو إلى أن "تتوافق كل الأحزاب على مبادئ ديننا، تضبط العلاقات، وتبسط الخلاف، وذلك بالتزام الديمقراطية والشورى والعلن في البناء والأداء الحزبي والسياسي وفي التنظيم الدستوري والحكومي" (ص4).

من الواضح أن الترابي كان يراهن على الانتخابات الديمقراطية التي تم الاتفاق على عقد دورتها بعد سنة كذلك يلاحظ أن الأسلوب الانقلابي ليس وارداً إلا أن جذوره الأيديولوجية قد أخذت بالظهور في تحليل بنية المجتمع السياسية حين كرر كلامه عن تفكك المدينة ودور العاصمة كقوة تغيير جديدة، ولاشك تطغي على الكلام المذكور قراءة أيديولوجية إرادية وغير واقعية لأن السودان كان وما يزال يعيش مرحلة تاريخية تنتمي إلى ما قبل اكتمال شروط قيام الدولة الحديثة بل أن العلاقات التقليدية على أنواعها تشكل قوة فعل في الحياة العامة كموروث اجتماعي متداخل مع حالات التدين المختلفة السائدة في البلاد، وربما تكون نزعة التحليل الإرادية الأيديولوجية هي التي قادت لاحقاً إلى تغيير استراتيجية التغيير السلمي التدرجي واستبدالها بسياسة دعم الانقلاب والاضمحلال في الدولة بصفتها الطرف الوحيد القادر على صوغ الشخصية التاريخية والسياسية للسودان الحديث.

يمكن قراءة الرهان على الدولة وتأسيس أيديولوجيتها الدينية المعاصرة من خلال نصوص الدستور المقترح التي اعتمدها المؤتمر التأسيسي للجبهة وإصدارها في النهاية كبرنامج عمل في سياسته المقبلة، وهو دستور يشير إلى عقلية نخبوية وبداية نشوء بذور منهج انقلابي في تفكيره.

يركز دستور الجبهة في المادة الثالثة على سعيها لاقامة "الحكم الإسلامي الهادف لرعاية مقاصد الدين وكفاية مصالح الناس والمؤسس على الشورى والمساواة وحق الجمهور في تقرير الشؤون العامة وفي اختيار ممثليهم من أهل الحل والعقد والقيادة والتنفيذ..." وتؤكد المادة الرابعة على أنه "لا إكراه في الدين، وأن تضمن طلاقة التعبير عن الرأي، وحرية الحركة والاجتماع وحصانة الدم والمال والعرض، وحرمه المنزل والحياة الخاصة"، وتطالب في المادة التاسعة بترسيخ "النظام اللامركزي في حكم البلاد حتى تدار أطرافها المترامية بفاعلية وحرية وشورى مبسوطة". وتعد المادة العاشرة بصيانة "حقوق الكيانات الدينية غير المسلمة بمـــا لها البر والقسط والسماحة في المعاملات الخاصة، والمساواة في الحقوق السياسية والمدنية، وحرية الاعتقاد والعبادة، واستقلال نظم الأحوال الشخصية والتعليم الديني".

وبعد أن يحدد الدستور في بابه الأول الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ينتقل في الباب الثاني إلى تحديد وسائط تحقيق الأهداف فتنص المادة 32 على الاشتراك في مؤسسات الحكم التشريعية والتنفيذية ترشيحاً وانتخاباً لتوجيه المجتمع وتنظيم حياته، بعدها ينتقل إلى الباب الثالث فيتحدث عن التنظيم في الماد 37 ويشير إلى أربع هيئات المؤتمر العام، وهيئة الشورى العامة، والقيادة التنفيذية، واخيراً الأمين العام، وتفصل المواد الباقية من 39 إلى 56 أسلوب تنفيذ إدارة التنظيم وكلها تركز على التمثيل النسبي والانتخاب والشورى والأساليب الدستورية الأمر الذي ينفي عن الجبهة تهمة التخطيط المسبق للإنقضاض على الدولة، ويبدو أن الفكرة الأخيرة تبلورت بعد الانتخابات وفشل التجربة الديمقراطية وسياسة التنسيق والتحالفات.

حتى البيان الختامي لمؤتمر الجبهة التأسيسي كرر مواد الدستور وحذر أولئك الذين "لا يؤمنون بقيم الحرية ولا يراعون مبادئ الديمقراطية ويعوزهم السند الشعبي" وطلب منهم أخذ العبرة من مصائر "تجربتي الديمقراطية منذ الاستقلال، حتى لا تتبدد طاقات الشعب الواحد في شعاب الحزبية الضيقة" (ص25). وشدد على أن وسائط الجبهة هي "طريق الانتخابات وتحقيق علاقات الموالاة السياسية" و "قاعدة الشورى الواسعة" (ص27).

يبدو من كلام الترابي انه كان على قناعة بأن الجبهة الإسلامية ستفوز بغالبية المقاعد البرلمانية انطلاقاً من تحليله الذي يقول بتفكك الولاءات التقليدية والعصبيات الطائفية والمذهبية ولجوء الناس إلى الإسلام المعاصر المنفتح على العالم وترك إسلامهم التقليدي الموروث والمندمج ببيئات محلية ضيقة وهامشية، وبسبب هذه العقلية الاستبدالية تشكلت ضده مواجهات شخصية قبل الانتخابات أدت كما ذكرنا، إلى إسقاطه بتحالف كل القوى التقليدية والعلمانية في دائرته كذلك اقتصر فوز حزبه على القطاعات الحديثة والفعاليات الاقتصادية المدينية بينما عجز عن اختراق معاقل الأنصار والختمية التي حافظت على ولاءاتهاالتقليدية القديمة واقترعت لحزب الأمة (الصادق المهدي) والاتحاد الديمقراطي (الميرغني)، ونجحت المناطق والأرياف في تأمين غالبية برلمانية للقوى التقليدية واستقرت مواقع الجبهة على تشكيل قوة ثالثة من رجال القانون والطب والدكاترة والمهندسين ورجال الأعمال وأصحاب المهن الحديثة.

لم تنجح فرضية الترابي انتخابياً على رغم انه افترض صحتها على أرض الواقع وربما يكون السبب المذكور هو الدافع الحقيقي لتأييد الانقلاب العسكري بعد أن شعر أن القوى التقليدية اتجهت برلمانياً واقليمياً إلى التحالف لعزل حزبه وابعاده عن صنع القرار السياسي، فتبدل المقال بعد أن تبدلت الأحوال.

لسنا هنا في صدد تقييم تجربة "ثورة الإنقاذ" إلا أنه يجب ملاحظة الاصطفاف ضدها من الأحزاب التقليدية والقوى العلمانية إلى الحلقات الصوفية والحركة السلفية مضافاً إليها فرع الإخوان المسلمين في السودان كذلك الفرع الاخواني في مصر الذي بادر إلى توجيه انتقادات ووضع ملاحظات على التجربة.

قد نستطيع تفسير تلك المواقف بالحساسيات والمنافسات الحزبية والطموحات السياسية (خصوصاً حركة الإخوان في مصر والسودان) إلا أن الأساسي فيها يعود إلى اختلاف منهج الترابي نفسه وتأكيده الدائم على تجديد الأصول الفقهية بتوسيع القياس لأحداث ثورة اجتهادية دائمة، وهذا لا يتوافق مع كثير من الاتجاهات الإسلامية التقليدية والمعاصرة وهو أمر يفسر لماذا كانت معركة الترابي مع الإسلاميين لا تقل أهمية عن معاركه مع العلمانيين، فالسودان مجتمع إسلامي وتدينه الشعبي فطري ومتوارث تقليدياً ولم تنهض فيه دولة استبدادية علمانية على غرار دولة أتاتورك في تركيا لذلك كانت مشكلة الترابي مع هذا النوع من الإسلام فطرح أفكار التجديد والتنوير ليتمايز عن القوى السياسية الإسلامية الأخرى. بينما نرى في تركيا ان معركة اربكان الأساسية هي مع العلمانيين واستبداد الدولة الأتاتوركية، وربما تشبه معركة الجزائر تلك المعارك التي حصلت في تركيا منذ اكثر من 70 سنة، فالتجربة الجزائر الدموية هي اقرب إلى النموذج التركي منها إلى النموذج السوداني السلمي المسالم، فالدولة في الجزائر قوية ومسيطرة على المجتمع وتهيمن على البلد وثرواته، وتعتبر ثاني أكبر مساحة في أفريقيا بعد السودان.

5 - صدمة الجزائر 1991

استقر الخلاف بين جماعات حركة الأخوان ومختلف التنظيمات الجهادية على الانقسام النظري حول معظم الآراء المتعلقة بالحكم والحكومة والحكام وكان لابد من هزة سياسية تحدث صدمة كبرى لتعيد من جديد خلط الأوراق وفرزها وإعادة تقييم المواقف استناداً على تفاعلات تجربة ملموسة وعينية.

ومثل أي هزة أحدثت صدمة الجزائر ردود فعل متباينة انقسمت بدورها على محاور ثلاثة: الأول: قرأ التجربة وحاول استخلاص دروسها باتجاه ما يمكن تسميته بتطوير "الوعي الديمقراطي" وإنضاج أفكاره وقواعده وأصوله الشرعية. الثاني: استنفذه انقلاب السلطة على نتائج الانتخابات فتراجع عن مواقفه الإيجابية من الديمقراطية ودورها كوعاء سياسي أو كآلية تنظيم الخلافات وتعكس سلماً موازين القوى في المجتمع. الثالث: تمسك بموقفه الرافض أصلاً لفكرة الديمقراطية واللعبة البرلمانية واتخذ من الانقلاب الجزائري ضد الإسلاميين ذريعة إضافية ليؤكد وجهة نظره السابقة ودمج موقفه السلبي من الديمقراطية بمزيد من السخرية والشماتة من حركة الإخوان و "جبهة الإنقاذ" ومراهناتها الفاشلة على كذبة "الحرية" و "التعددية" و "الائتلاف" ثم كرر مواقفه الثابتة من موضوعه أن الشرعية تؤخذ بالسيف لا بالأكثرية العددية.

لا شك في أن الخلافات التي استجدت وتطايرت شظاياها في ضوء الصدمة الجزائرية ليست منعزلة عن الاختلافات السابقة بل هي أصلاً على صلة مباشرة بها وتعتبر مجرد امتداد لحالات مشابهة جرت سابقاً في مصر والسودان وغيرهما من الدول العربية والإسلامية، وجاءت الصدمة الجزائرية لتصب المزيد من زيت الخلافات على نار الموجهات الأيديولوجية المشحونة بالغضب المتبادل، وكأن مختلف التنظيمات كانت تنتظر مثل الحدث المذكور لتوضح مواقفها الثابتة وتعيد تأصيلها عقائدياً وسياسياً.

اختلفت القوى الإسلامية في الجزائر على فكرة الانتخابات قبل انقلاب الدولة على نتائجها وتوزعت إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية: الأول: الجماعات المسلحة التي رفضت إضاعة الوقت مع نظام لا يقيم أي اعتبار للإنسان ودعت إلى إطاحته بالقوة. الثاني: الجماعات المعتدلة وتمثلت في حزب "النهضة" الإسلامي الجزائري وحركة "حماس" الجزائرية وكانت تطالب بالحد الأدنى من الديمقراطية حتى لا تقلق السلطة وتخاف من حرية الناس لأن المطلوب إعادة تنظيم التعددية بالتوافق مع الدولة وليس الإطاحة بها. الثالث: تيار "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" وهو الغالب والأكثري وضم مختلف القوى المتضررة من نظام حكم الحزب الواحد وتسلط الأقلية السياسية وطفيليات الدولة وجنرالاتها على الناس.

شكل تيار "الجبهة الإسلامية" قوة إنقاذ للشعب الجزائري ونجح في كسب مختلف قطاعات الناس وتمكن من عزل الدولة ومختلف القوى الإسلامية سواء تلك التي تدفع نحو الجهاد أو تلك المعتدلة التي تغلب أسلوب التفاوض وتتفهم مخاوف النخبة الحاكمة.

راهنت "الجبهة الإسلامية" على الديمقراطية والطريق البرلماني للوصول إلى السلطة، وربما مصادرتها، معتمدة على جماهيريتها وأكثريتها وثقة الناس بها ونقمة المتضررين من حكم الحزب الواحد، وطفيليات الدولة، ووصل رهان جبهة الإنقاذ إلى حد التهور فلم تلحظ دور القوى المستفيدة من النظام وسيطرتها على أجهزة الدولة وأدوات قمعها ولم تنتبه إلى انعكاسات التجربة في محيطها الإقليمي (تونس، المغرب، ليبيا) ولا إطارها المتوسطي ومخاوف دول جنوب القارة الأوربية من جارها الجزائري.

وبسبب مبالغة جبهة الإنقاذ في رهانها على الديمقراطية المجردة من كل مراكز القوى التي شكلها حكم الحزب الواحد ونشوء "نخبة" عسكرية مستفيدة من ثروات الجزائر وطاقاتها تشكلت تيارات تتجاذبها المواقف النظرية بين متخوف من نجاح الجبهة في الانتخابات والنتائج الدولية والإقليمية والمحلية المحتملة وبين دافع لمواصلة التجربة بغض النظر عن تفاعلاتها وبين متردد الشيخ المخضرم والمجرب عباسي مدني الذي راهن على اللعبة الديمقراطية وثقة الشعب به وبين تردد القوى الحذرة في قبول المبدأ نفسه وتخوفها من انقلاب السلطة على النتائج إذا جاءت لمصلحة جبهة الإنقاذ.

لم يبدأ الانقسام في تقييم تجربة "الديمقراطية" الجزائرية بعد فشلها وقيام نخبة الدولة بالانقلاب على خيار المجتمع بل شق طريقه بين صفوف القوى الإسلامية قبل خوض التجربة وحصول الدمة.

كان للصدمة دويها الكبير ليس على القوى الإسلامية في العالم العربي بل على مختلف القوى السياسية العربية التي انقسمت بدورها بين مؤيد لحق الإسلاميين في استلام السلطة شرط القبول بتداولها السلمي وبين رافض لذاك الحق وداع لاعتماد أسلوب الاستئصال ولو كلف الأمر سقوط مئات آلاف القتلى والجرحى وتدمير اقتصاد البلد ومصادر ثرواته وهو الأمر الذي حصل.

يصف رئيس حركة "النهضة" الجزائرية عبد الله جاب الله الوضع الذي آلت إليه الصدمة الديمقراطية في محاضرة ألقاها في لندن بتاريخ الأول من نيسان (إبريل) ‏1:16 م1996 إذ يقول "بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات 26 ديسمبر (كانون الأول) 1991 بدأ التآمر على الحقوق والحريات العامة الفردية والجماعية وأخذ صوراً شتى بهدف تفريغ وسائل ضمان الممارسة الديمقراطية من محتواها الحقيقي، والطعن في قداستها، وتوفير الشروط التي تسمح بإقامة ديمقراطية نخبوية محصورة في فئة من الناس، وفي نوع واحد من المثقفين، فتم إلغاء المسار الانتخابي، والتجميد العملي للدستور منذ انقلاب 11/1/1992 وصدر المرسوم التشريعي رقم (92-03) في 30 سبتمبر (أيلول) 1992 والمتعلق بمكافحة الإرهاب، ووقع الدوس على مبدأ سيادة القانون واستقلالية القضاء، وحرية النشر والصحافة، وحرية تنظيم التجمعات والمسيرات، وشهد الوطن عمليات تدمير للبنية التحتية للاقتصاد الوطني، وعرف الشعب عمليات قتل واسعة، حتى أصبح الحجز والاعتقال والاختطاف والاغتيال والتعذيب والتمثيل والأعمال الانتقامية والتشويه والقمع هو النصيب اليومي للجزائريين والجزائريات، وأصبح التعتيم الإعلامي والتضييق السياسي هو حليف الأحزاب التمثيلية الداعية للحوار من أجل المصالحة الوطنية (...) ونجم عن ذلك تقهقر فظيع في الواقع السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي حيث قارب عدد القتلى الستين ألف قتيل، وارتفعت البطالة من مليون و 850 ألفاً سنة 1995 أي بنسبة 27 في المائة من عدد العمال، وانخفض متوسط دخل الفرد السنوي من 3000 دولار سنة 1985 إلى 1000 دولار سنة 1995، وارتفع عدد المحتاجين للمساعدة - حسب مقاييسي صندوق النقد الدولي - من 14 مليوناً سنة 1992 إلى 20 مليوناً سنة 1995، وانخفضت العملة الوطنية بنسبة 66% في المائة في سنتي 94/95 وانخفضت القدرة الشرائية خلال السنتين بنسبة 45 % في المائة، وارتفعت المديونية من 25.724 مليار (بليون) دولار سنة 1993 إلى 32 مليار دولار سنة 1995". ويعلق جاب الله مستغرباً "والغريب انهم يعملون كل هذا باسم الحداثة والمعاصرة واقامة دولة حديثة وقوية".

لم ينشأ الوضع المأسوي الذي وصفه بمرارة رئيس "النهضة" الجزائرية بسبب الديمقراطية كما يحاول البعض أن يفسر بل بسبب استبداد نخبة الدولة وانقلابها على المجتمع وخياراته.

والسؤال كيف انعكس الانقلاب على نتائج الانتخابات على القوى الإسلامية المحلية وفي جوارها (تونس) وغيرها من الحركات والمنظمات ؟.

احثت الصدمة الجزائرية ردود فعل متباينة وصلت إلى حد التناقض بين معلن أكد تجديد تمسكه بالديمقراطية وبين رافض جدد شكوكه السابقة وبين متردد ومحتار وشامت.

منذ اليوم الأول للانقلاب واعتقال معظم الفائزين في الانتخابات واسرهم في معسكرات معزولة في الصحراء الحارقة شكلت القوة المسلحة التي ترفض مقولة الديمقراطية رأس الحربة لمواجهة انقلاب الموقف وانفلاته من كل الضوابط الدستورية والإنسانية بينما انفكأت القوى المسالمة التي تلتزم الديمقراطية وتؤيد شروطها ونتائجها والتزمت الصمت بعد أن أصابها الذهول من ردة فعل نخبة الدولة وشراستها في الدفاع عن امتيازاتها التي اكتسبتها من خلال الحكم من طريق الاستيلاء والغلبة.

بعد الصدمة أخذت التحليلات والمراجعات بالظهور وانقسمت كالسابق على خطين كبيرين الأول يجدد الدعوة للجهاد بصفته الوسيلة الشرعية الوحيدة للتغيير وإقامة حكم الله،. والثاني أكد ضرورة التمسك بالخيار الديمقراطي كوسيلة سلمية تخفف ضغوط الويلات والمصائب عن الشعب، ويشكل موقف علي بلحاح المضطرب منطقة تجاذب وسطى تتأرجح فيها مختلف التصورات التي تجمع بين قلق الشباب وتخوف الشيخ.

وبما أن موقف بلحاج يمثل نقطة التقاطع بين التيارين القابل والرافض نبدأ بقراءة تصوراته التي تعكس موقعه المزدوج (الشاب والشيخ) وقلقه العقائدي وتردده في الميل بين تيار الشيخ عباسي مدني (المتهور في رهانه على الديمقراطية) وتيار الجماعات المسلحة (المتهور في رفضه للديمقراطية).

تأرجحت مواقف بلحاج المتردد في قبول الديمقراطية نظرياً وشاهده على الأمر هو القرآن الكريم الذي يشكك بالأكثرية ولا يرى أن الكثرة هي التي تقرر الحق والحقيقة لأنها قد تتغير وتتقلب من جهة إلى أخرى وبين قبوله خوض التجربة الديمقراطية عملياً على أساس أن الممارسة المذكورة قد تنتج الخير وتعطي دفعة إلى الأمام للإسلام والمسلمين، وبين الموقفين النظري والعملي صاغ الشيخ الشاب نظرية مركبة تعكس ذاك الإضراب والتردد في حسم الخيار النهائي، فهو يؤكد أن الحكم يجب أن يكون على أساس الشريعة ويميز بين الشورى والديمقراطية لأن الأخيرة تقوم على الغالبية... والأكثرية ليست دائماً على حق، لكنه وافق على حق المعارضة بالتشكيل والتظاهر والإضراب، وأكد على ضرورة استماع الحاكم لرأي المعارضة واستمزاج موقفها إلى جانب وجود ولاة الأمر الذين ينصحون الحاكم.

وضع بلحاج العديد من الشروط التعجيزية لقبوله الديمقراطية لكنه في النهاية وافق عليها رغم قناعته بعدم جدواها في اعتبار أن القرآن الكريم يتضمن (37 آية) تنص على عدم جواز الأخذ بالأكثرية أو تحذر من الكثرة، حتى يكون منسجماً مع تأرجحه أيد ترشيح مئات الأعضاء من "جبهة الإنقاذ" لخوض الانتخابات ورفض ترشيح نفسه عن أي دائرة على رغم أن فوزه كان شـــــبه مضمون. ( راجع فصل الشورى في دراسة كميل الطويل عن فكر بلحاج ص 24-27):
The Tension Between The Traditional and the Midern in Ali Hajj`s Thiughts ,

تعكس حيرة الشاب الشيخ ذاك القلق الداخلي الذي يؤرق تفكير المثقف المتدين وضياعه بين مبدأ الحق المنزل وحق الناس في الاختيار الحر، وواقع تأرجح على بلحاج خصومه في حيرة مضادة إذ صنفه فريق من جماعات الجهاد وصنفه آخرون مع الخيار الديمقراطي.

أما الشيخ عباسي مدني الذي جرف حماسه للديمقراطية صناديق الاقتراع أقدمت دبابات النخبة المستبدة على جرفه واقتلاعه مع برلمانه المنتخب واعتقالهما في صحراء الجزائر.

وسط ضجيج الديمقراطية الذي عم الجزائر لفترة قصيرة تميزت مواقف الشيخ محفوظ نحناح بالهدوء والروية والتوازن، فالشيخ العتيق والمحنك هو الوحيد على صلة بالإخوان المسلمين وأفكار الحركة وتجاربها المرة وهو أمر أتاح له فرصة التعلم من منحها وويلات ظلم الأنظمة واستبدادها، وبسبب معرفته تلك وصلته بأفكار المؤسس حسن ألبنا نجح في تنظيم أفكاره وتركيب موقف متوازن بين تهور أعداء الديمقراطية وتهور أنصارها، وأدرك رئيس حركة "حماس" الجزائرية منذ اللحظات الأولى أن من يمارس الاستبداد طوال ثلاثة عقود من الزمن لا يمكن أن يتحول إلى ديمقراطي يوافق على خيارات الناس في أقل من ثلاثة شهور. وربما على القياس المذكور صاغ الشيخ نحناح مواقفه التي تحذر من القفز فوق المراحل وحرقها والدعوة إلى المساومة ومشاركة نخبة الدولة في السلطة وعدم تخويفها بالغالبية الساحقة ربما كان يراهن على عدم صدقية السلطة وربما كان يتوقع منها أن تبادر إلى اقتلاع البرلمان إذا وجدت نفسها أقلية سياسية في وسط بحر من الجماهير الساخطة على سياستها الاستبدادية.

لذلك تعرضت مواقف الشيخ نحناح إلى الانتقادات الجارحة من قبل الجماعات المسلحة التي تقول بالجهاد ومن جهة القوى الإسلامية التي تقول بالديمقراطية واتهم مراراً بالانتهازية والتعامل مع السلطة وأحياناً التعاون مع أجهزة الدولة ضد الإسلاميين.

لم يتراجع الشيخ نحناح عن مواقفه بل أبدى مراراً خوفه على الجزائر من المتطرفين وكرر مقولاته الداعية إلى المصالحة والتقاسم أو المشاركة بالحد الأدنى من التمثيل البرلماني حتى لا يطاح بالتجربة الديمقراطية الفتية، ركز الشيخ نحناح على النفس الطويل والاستفادة من الثغرات وتطوير العملية الديمقراطية بروية وهدوء ومن دون انفعال حتى لا يتم تخويف القوى المستفيدة من النظام والقوى المتضررة من الديمقراطية فتقوم بالانقلاب على الناس وتلغي نتائج الاقتراع وتعود من جديد إلى التفرد بالحكم من طريق القوة والاستيلاء.

للأسف كانت توقعات الشيخ نحناح صحيحة إذ لم تغره مظاهر الديمقراطية ولم ينخدع بمرونة نخبة السلطة واستمر يشكك بصدقية تغير توجهها المباغت من الاستبداد إلى الحرية.

ربما تكون حكمة الشيخ نحناح جاءت من حكمة الإخوان، فهو الوحيد على صلة بها وينتمي إليها وهو مطلع على تجاربها وما حل بها من نكبات وكوارث بينما معظم عناصر جماعات الجهاد وتنظيمات الجماعة والجبهة الإسلامية للإنقاذ جاء من خارج الإخوان وترعرع في مناخات جدران حزب الاستبداد وتسلط النخبة.

يقول نحناح في تقييمه للتجربة "بقدر ما كانت انتخابات 1991 تعبر عن تمسك الشعب الجزائري بإسلامه، فقد كانت نعبر أيضاً عن إصرار الأجيال الجديدة على الانتقام من السلطة التي حكمته وخيبت آماله، إذن فالمعالجة الحقيقية اللازمة يجب أن تستهدف بشكل أساسي تصحيح الخلل في فهم الإسلام والدولة وإعادة التوازن والاستقرار إلى النظام السياسي والاقتصادي والإدارة والمنظومة الثقافية والمجتمعية... " (البرنامج البديل ص31-32). ويركز نحناح على عامل الدولة ودورها في ضبط التوازن وبرأيه "لا يمكن أن يتحول الإسلام الذي جمع شعبنا ووحدّه وصاغ شخصيته وهويته إلى عامل تفريق أو تجزئة إلا إذا تخلت الدولة عن مسئولياتها تجاهه" (ص47)، ويدعو نحناح في برنامجه الذي خاض على أساسه الانتخابات الرئاسية التي جرت في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1995 وقاطعتها مختلف القوى السياسية والإسلامية، إلى نظام سياسي جديد يعتمد التعددية الديمقراطية والمبادئ الجمهورية وينظم المنافسة السياسية في إطار المؤسسات التمثيلية"، ويشرح نحناح وجهة نظره من الديمقراطية في حوارات جمعها إبراهيم بن عمر في كتاب بعنوان "رجل الحوار" إذ يقول: "أن موضوع الديمقراطية نظرياً وعلمياً تعارضت فيه الأدلة (... ) ومن هذه المعاني وغيرها نجد الحركة الإسلامية تجعل الديمقراطية أداة من الأدوات السياسية التي تتعامل بها مع غيرها".

5-1 الجماعات المسلحة

انطلقت الجماعات للجهاد ضد انقلاب دولة النخبة على نتائج الانتخابات في وقت كانت ترفضها وترفض الاحتكام وتسخر من مقولات الخيار الديمقراطي، واتجهت الجماعات إلى الرد على عنف السلطة بعنف مضاد واستدرجت بعض اتجاهات جبهة الإنقاذ إلى مواقعها وصفوفها، بينما صمد الشيخ نحناح والأستاذ جاب الله على موقفهما.

كيف تطورت مواقف جماعات الجهاد المسلح وتناقضت اخيراً مع أقرب الإسلاميين إليهم وصولاً إلى حد المواجهة الدموية وقتل العشرات منهم لمجرد حصول انتخابات في وجهات النظر أو اعتراضات من قبل الإسلاميين على أساليب مكروهة وغير مستحبة دينياً في معاملة الخصوم، وبسبب مراوحة مواقف الجماعات الجزائرية المسلحة بين رفض الانتخابات كخيار سياسي للسلطة وبين رفض الانقلاب على نتائج الاقتراع تأرجحت سياستها بين عزلتين: عزلة الناس وعزلة العنف.

أدى إقدام بعض تلك الجماعات المسلحة إلى ممارسة العنف المقلوع من سياقه التاريخي إلى تطوير ممارسته ضد أقرب أنصاره من الاتجاهات الإسلامية، وأدى خلط بعض تلك الجماعات بين حقه في الدفاع عن نتائج الانتخابات وغير شرعية بعض الممارسات العنيفة إلى تخبط تياراته السياسية فضاعت بوصلة الضوابط التي ينص عليها الشرع من نواحي معاملة الأسرى والمدنيين فاستفادت النخبة المستبدة من تلك الثغرات لتبرير منهجها القمعي والانقلابي وتغطية جرائمها ضد الناس والأبرياء، وكما ذكرنا يولد "العالم المغلق" الذي تعيشه بعض الجماعات المسلحة ويعبر عن نفسه بالأسماء المستعارة والعناوين المجهولة مع الوقت آليات داخلية لا ترى حولها ولا تنظر إلى محيطها وهو أمر يدفع تلك الآليات إلى إنتاج سياسات معزولة وغير واعية تعكس في النهاية خصائص ذاك العالم المنطوي على نفسه.

تؤكد افتتاحية "الفجر" في العدد 16 الصادر في صفر 1417(1996) على منهج الجهاد بصفته الوسيلة الوحيدة للتغيير وهو "المظلة العامة التي تنضوي تحتها فصائل العمل الجهادي"، وتحذر من أي انحراف "ولو قيد أنمله عن هذا المنهج" لأنه "صار مثل اليوم الأمل الوحيد في العودة بالمسلمين إلى عز القرون الماضية"، وتشرح النشرة في مقال غير موقع تحت عنوان "التوقف من اجل التصحيح... خطوة راشدة"، أسباب سحب "تأييدها لقيادة الجماعة الإسلامية المسلحة بالجزائر نتيجة لتجاوزات شرعية ومنهجية تراكمت واحدة تلو الأخرى حتى أصبحت تشكل بمجملها منعطفاً خطيراً في طريق الجهاد بديار الجزائر ضد النظام المرتد هناك". واعتبرت "الفجر" ان قيام "التيار الجهادي التغييري بخطوة تصحيحية في داخله" هو عمل فريد من نوعه و "يدل دلالة واضحة على نضج هذا التيار وقدرته على عملية التصحيح من الداخل ومواجهة الانحرافات الداخلية بكل شجاعة".

نشرت "الفجر" بيانات الجماعة الإسلامية المقاتلة (ليبيا)، وجماعة الجهاد (مصر) وأبو قتادة الفلسطيني، وعمر عبد الحكيم، وعمر عبد الحكيم (أبو مصعب السوري) التي صدرت دفعة واحدة يوم الخميس 20 محرم 1417 هجرية الموافق 6/6/1996 وتدين تجاوزات الجماعة المسلحة في الجزائر "بعد تولي أبى عبد الرحمن أمين لامارة الجماعة" إذ سفكت دماء لم يبين الوجه الشرعي المقنع في استباحتها" وهذا ما "حصل في قضية الشيخ محمد السعيد وعبد الرازق رجام وغيرهما وقتل اناس تقر الجماعة المسلحة بصدق توبتهم كالأخ عبد الوهاب لعمارة - رحم الله الجميع - واباحث الجماعة لنفسها قتل كل من خرج عن الجماعة ولو لم يعمل على شق الصف". وكرر "أبو قتادة" الملاحظات نفسها في بيانه وذكر بأن الجماعة المسلحة في الجزائر أباحت سفك "الدم الحرام بلا تأويل صحيح ودون مراعاة لضوابط الشرع" ويتهم بيان عمر عبد الحكيم (أبو مصعب السوري) أمير الجماعة المسلحة في الجزائر أبى عبد الرحمن أمين بأنه استباح "الدماء المحرمة وإشاعة الأفكار الغالية في هذا الشعب المسلم الطيب حيث أخذت تتجمع مؤشرات مريبة عن المنهج الذي عرفناه وآمنا به ودعونا إليه جهاداً في سبيل الله".

توفر بيانات قادة الجهاد والجماعات الإسلامية الكثير من الجهد لتوضيح صورة الموقف الذي آلت إليه الجماعة المسلحة في الجزائر وهي في النهاية صورة مفزعة ومخيفة ليس للناس البسطاء فقط بل انها اخافت جماعات الجهاد ايضاً وأرعبتهم خصوصاً عندما طالت السكاكين أبرز قادة قادة العمل الجهادي وأئمة الجماعات الإسلامية في الجزائر.

5 -2 الدولة والعنف

لم يقتصر العنف في الجزائر على بعض الجماعات الإسلامية المسلحة، فانفجار العنف تتحمل مسئوليته اصلاً الدولة (النخبة) التي صادرت المجتمع قرابة ثلاثة عقود ثم انقلبت على خياره السياسي عندما جاءت نتائج الانتخابات التعددية في حزيران (يونيو) 1990 وكانون الأول (ديسمبر)1991 غير متوافقة مع استبداد السلطة، فالانقلاب بدأ في الدولة وانتقل ضد المجتمع وتحولت النخبة الحاكمة إلى قوة قهر طالت مختلف الأقاليم والجهات والجماعات، وعندما شعرت الدولة ان انقلابها على الناس تكلل بالنجاح اتجهت نحو المزيد من التطرف وانتقلت من محاضرة عنف الجماعات المسلحة إلى محاصرة المجتمع واعادته مرة أخرى إلى "سجن السلطة" انطلاقاً من فكرة مراجعة دستور 23شباط (فبراير1989) وهو الدستور الذي صدر أساساً استجابة لانتفاضة تشرين الأول (اكتوبر) 1988 الجزائرية.

لا تتردد المراجعة في الإكثار من استخدام مفردات متناقضة فهي من جهة تؤكد على الديمقراطية والتعددية والحريات العامة وتواصل من جهة أخرى التأكيد على ضرورة الإجماع السياسي وتوحيد الطبقة السياسية وتقارب وجهات النظر في إطار منسجم، ولم تنتبه الجهة التي أشرفت على صوغ المراجعة التي اشتملت على 97 مادة قانونية، ان التعددية والديمقراطية تعنيان اصلاً الاختلاف السياسي وتنوع وجهات النظر وعدم انسجام الطبقة السياسية في توجهها العام والخاص، وبالتالي فكل ما يخالف تلك الأصول الديمقراطية لا يمت بصلة للتعددية والحريات العامة.

وإذا راجعنا مواد المذكرة التي نشرتها صحيفة (السلام) في عددها الصادر في 13 أيار (مايو) 1996 نكتشف أن المنحى العام للدولة الجزائرية هو الاتجاه نحو تعزيز صلاحيات السلطات الرئاسية والتنفيذية وتقليص صلاحيات السلطة التشريعية والقضائية بوضع هيئات أعلى أو مجاورة تنافس أو تقتنص من مسئوليات البرلمان والقضاء، فالمادة 25 تنص على "إمكانية قيام رئيس الجمهورية المنتخب بالتشريع عن طريق الأوامر في بعض الأوضاع الخاصة التي ينبغي توضيحها بدقة ".

وتنص المادة 26 على اعتماد "مبدأ ضرورة مواصلة تسيير الحكومة الشؤون العادية في حالة حل الهيئة التشريعية" ولا يمكن أن تقال الحكومة إلا بعد إجراء انتخابات جديدة تنتقل خلالها صلاحيات المجلس الدستوري إلى رئيس الحكومة.

وتنص المادة 27 على احداث "غرفة ثانية إلى جانب المجلس الشعبي الوطني، يمكن ان تدعى مجلس الأمة (...) وتكون الغرفتان بذلك البرلمان ".

وتنص المادة 30 على "احداث جهاز جديد على رأس هرم القضاء الإداري ويدعى هذا الجهاز، عند الاقتضاء، مجلس الدولة". وتدعو المادة 36 إلى "ضبط الإطار العام والمعالم التي تحكم نشاط الأحزاب السياسية". وتمنع المادة 37 "أي استغلال حزبي لمجالات في غاية الأهمية، كقانون الإعلام، وقانون المالية، وقانون الانتخابات، وقانون الأمن الوطني ". وتستثنى المادة 43 "عناصر التراث المشترك بين جميع الجزائريين والمتمثلة في الإسلام والعروبة والامازيغية التي تشكل المكونات الأساسية الثلاثة للهوية الوطنية" من المنافسات السياسية والصراعات الحزبية.

وحتى تكتمل حركة المراجعة وتخنق الدولة حريات الناس المدنية والأهلية نصت المواد المتعلقة في مجال إنشاء الحزب السياسي على شروط غير "ظريفة" من نوع تحديد مواصفات رئيس الحزب "من أجل تحقيق الانسجام في العمل السياسي " واشتملت على شروط ومقاييس مطلوب توافرها "في الأعضاء المؤسسين للأحزاب السياسية"، بعدها تنتقل المادة 47 إلى وضع مسارات تدريجية لتأسيس الحزب "يتضمن مرحلة تجريبية في حدود سنة واحدة على الأكثر" يتم خلالها حصر حركة المؤسسين بالأنشطة التنظيمية المتصلة بتحضير "عقد المؤتمر التأسيسي " للحزب. واشترطت المادة 48 على "تمثيل الغالبية المطلقة لعدد ولايات الوطن " وان لا "يقل عددهم عن 800 عضو في كل ولاية". وبعد أن وضعت المذكرة التي سميت بالمراجعة تلك الشروط التعجيزية تنبهت إلى احتمال نجاح أحد الأطراف بتلبيتها فقامت بإضافة احتياطية (المادة 49) تنص على عدم شرعية الحزب "إلا بعد إيداع قانونه الأساسي، الذي يصادق عليه قانوناً، المؤتمر التأسيسي، لدى وزارة الداخلية"، وزيادة في الاحتياط دعت المادة 51 إلى "التفكير في أحكام تمنع العلاقات التي يمكن أن تكون للأحزاب السياسية مع منظمات نقابية أو جمعيات أو أطراف أجنبية".

وبعد أن تدعي المذكرة (المراجعة) أن مشروعها هو قمة الديمقراطية والتعددية تعلن عن جدول زمني يكفل تطبيق إنجازها الدستوري فتحدد في المادة 87 عقد ندوة وطنية مع بداية صيف 1996، ثم تعين المادة 88 قبل نهاية سنة 1996 موعداً لتنظيم استفتاء لمراجعة الدستور (التصويت على مذكرة الرئيس)، وما أن تتم الموافقة حتى تبدأ أجراء انتخابات تشريعية في غضون "السداسي الأول من سنة 1997" (المادة 89)، أي قبل أن تكون الأحزاب قد أكملت تأسيس نفسها، لأن المذكرة تشترط مدة سنة كفترة زمنية لنيل الحزب الصفة القانونية من وزارة الداخلية بينما هي تحدد موعد الانتخابات التشريعية بعد ستة اشهر من استفتاء الموافقة على المذكرة، وهكذا تكون الدولة بسلطتها الرئاسية والتنفيذية قد أمنت شرعية دستورية لانقلابها على المجتمع واحكمت قبضتها الحديد على حرية الشعب ومنافذه النقابية والسياسية، واستقرت بالأجهزة والمؤسسات وقطعت الطريق على المعارضة، حتى تلك القريبة من السلطة وسياساتها، وحجرت عليها إمكان التحرك أو التنافس حتى في إطار مشروع الدولة نفسه.

تشبه دستورية مذكرة الرئيس الجزائري التصور الدستوري الذي سبق ووضعه رئيس الجبهة الإسلامية قبل تأييده انقلاب "ثورة الإنقاذ" في السودان، ومصدر التشابه هو أن الدولة هي التي تصنع المجتمع وتعيد صوغ الشـــخصية التاريخية للناس على مختلف فئاتهم وانتماءاتهم، فالدولة برأي النخبة هي قالب الحديد الذي يحدد شكل الجماعات وهوياتها بينما المجتمع لا دور له في المشاركة في عملية التحول وقيادته، ويلعب التصور المذكور دوره في تأسيس استبداد النخبة وتسلطها ويدفع الجماعات إلى المزيد من الانكفاء إلى هوياتها الصغيرة والضيقة الأمر الذي يهدد لاحقاً وحدة الدولة وتماسكها المدني والأهلي، وهو أمر حصل في أكثر من مكان عربي وانتهي إلى كوارث سياسية ووطنية واجتماعية.

6 - تونس الضحيـــة

ادى انقلاب الدولة في الجزائر على نتائج الانتخابات التعددية الديمقراطية الى انفجار العنف في بلد المليون شهيد وتداعي المشروع برمته في بلدان المغرب العربي، وكانت تونس هي الضحية الولى لتلك الانتكاسة الكبرى اذ اعطت الذريعة للدولة في استكمال مشروعها الانقلابي على المجتمع التونسي والانقضاض على مؤسسات البلد المدنية والأهلية بذريعة ان التساهل الديمقراطي يعني الفوضى واضعاف قبضة السلطة.

سجل الشيخ راشد الغنوشي انطباعاته تلك في كتاب "حوارات" التي عقدها معه قصي صالح الدرويش على سلسلة حلقات بدأت في آب (أغسطس) 1989وانتهت في نيسلن (ابريل) 1992 الأمر الذي يعطي فكرة شاملة عن تطور التجربة الزمني وانعكاساتها المتفاوتة بين نجاحها الأول وسقوطها الثاني، من البدء يسجل الغنوشي مخاوفة من فشل التجربة على رغم سعادته من حصولها وتقدمها في المرحلة الاولى لانها ستحاصر تيارات التطرف والعنف وتزيد من فرص التعايش السلمي والاعتراف المتبادل بين الدولة والمجتمع ويثمن شجاعة الرئيس السابق الشاذلي بن جديد ويرى في خطوته نقطة ايجابية لخير الجزائر بكل شرائحا ويبدى تخوفه من اقدام النخبة الحاكمة في تونس على الانغلاق رداً على نجاح التجربة (ص29-30).

ويكرر اعجابة مرة ثانية في حوار حول ايجابيات التجربة الديمقراطية في الجزائر ويرى انها ستكون "محط آمال المسلمين في كل مكان" (ص85). ولا يبدي انزعاجة من تعدد التيارات الإسلامية في الجزائر بل يري فيها "تياراً اسلامياً فيه الوان من الشدة والوسطية والاعتدال" (ص87). ويرى ان الأحزاب التونسية معجبة بما تحقق وهذا "الاعجاب ليس عند الاسلاميين فقط، بل حتى عند الاحزاب الأخرى"، ويلاحظ ان حزب الدولة التونسية الحاكم يخشى نجاح التجربة الجزائرية فيظطر اما الى تقليدها او الى اغلاق ابوابه امام الديمقراطية لان ما حصل في الجزائر "اكثر من كونه نجاح حزب، هو نجاح امه، ونجاح شعب" (ص93-94).

ويؤكد ان موقف النظام التونسي من تجربة الجزائر الديمقراطية موقف موتور اذ اصاب الحاكم "رعب شديد وتشنج" (ص99). لذلك ابدى تخوفه من ان يجعل نظام تونس من الحدث الجزائري "مناسبة لتقويض الاستقرار النسبي القائم، والدخول في مغامرة والتصادم الواسع بين الدولة والمجتمع" ويعلن حربه ضد حركة النهضة الديمقراطية والهوية العربية الإسلامية (ص100-101)، وعندما انقلبت الدولة على نتائج الانتخابات في الجزائر وجد الغنوشي ان "التاريخ لا يعود الى الوراء، والذي بلغ مرحلة الشيخوخة لا يعود شابا" (ص158).

الا ان فشل التجربة في الجزائر ادى الى كارثة حقيقية في المنطقة على مستويات مختلفة فهي احدثت حالات تشنج في بعض الحركات الإسلامية وتركت آثارها السلبية على تونس فدفعت الدولة الى خنق الحريات وتشديد قبضتها على الحياة المدنية والاهلية للمجتمع.

كانت حركة النهضة التونسية (الاتجاه الإسلامي سابقاً) الةلى ضحايا الانقلاب على الديمقراطية في الجزائر على رغم ان الغنوشي اكد منذ تأسيسها في العام 1981 "ان لا وصي على الشعب، وان الحسم في الخلاف السياسي ينبغي ان يكون للرأي العام وليس للعنف" " (ص67) الأمر الذي جعله في زاوية مختلفة عن توجهات بعض حركات العنف والجهاد التي انتقدها وقال انها لا تملك فهماً دقيقاً "لا للديمقراطية ولا للاسلام، أو لأحدهما فقط، هم يختزلون ويبسطون القضايا المعقدة، وعلوم الانسان، ومنها العلوم السياسية" (ص70). وهو يرى ان التطرف موجود في التيار الإسلامي وموجود خارجه" ولا يمكن منعه "الا بمحاربة اسبابه" الاجتماعية والسياسية ومن طريق الاعتراف "السلطة بالمجتمع، وان يعترف المجتمع بالسلطة، الاعتراف المتبادل يجعلنا على الأقل من الناحية القانونية ومن الناحية الواقعية على ارضية واحدة" (ص40-41).

أهم نقاط تفكير الغنوشي، يعتبر الغنوشي، الذي يعتبر شيح فكرة الديمقراطية في الحركات الإسلامية العربية المعاصرة، هي رفضه لمصادرة رأي الاخر بل انه يعتبر "الإسلامية" صفة وليست احتكاراً وهي من دلالات التوجه العام وليست مجرد قانون وكتب (ص22و48) ويعترف بتنوع اشكال الحكم في الإسلام وتنوع الحركات الإسلامية ويربط ذلك "بتنوع احوال الناس ومستوى تطورهم".

أخطر محاور تفكير الغنوشي هو اسهامه الكبير في اعادة انتاج الديمقراطية معرفة وتاريخاً ومحاولة تفسيرها اسلامياً وربطها بتراث الإسلام، فهو لا يرى ديمقراطية في المنطقة من دون إسلام ولا إسلام من دون ديمقراطية، المسألأتان متلازمتان في منهج تفكيره، لذلك تركز جهده في اعطاء مضامين مختلفة للديمقراطية تربط الياتها التنظيمية في انتاج الساسة المعاصرة بأفكار التنمية والتوافق والتراضي والهوية الثقافية، اذ أن "عدم التمييز بين الديمقراطية كجهاز وبين المضمون الليبرالي الذي تلبس بها منذ قرنين تقريباً اوقع كثيراً من دعاة الاسلام وبعضهم القليل من العلماء في هذا الخلط العجيب" (72). ويؤكد على ان "ليس للديمقراطية بعد سياسي فقط هو احترام رأي الاغلبية، الديمقراطية لها بعد ثقافي، احترام ثقافة الأغلبية وعقائدها، ولها بعد اجتماعي" (ص34) وعلى من يحكم عليه "ان يحترم هذه الشخصية الثقافية، والعملية والديمقراطية عندئذ تجري على هذه الأرضية مع احترام الناس الذين لم يشتركوا في هذه الهوية" (ص35)، ويستنتج ان الديمقراطية "هي بضاعتنا التي ردت الينا، هي الشورى، باعتبار ان الشورى في الإسلام ظلت عهوده، قيمة اخلاقية تصلح للوعظ والارشاد في ايام الجمعة ولم تتحول الى نظام سياسي، على حين ان الغرب قد طور الشورى وحولها الى نظام سياسي" (ص63).

ويعتبر ان ضمانة الديمقراطية "هو وجود رأي عام، الرأي العام الواعي، المعبأ بمفاهيم الديمقراطية، هو الضامن لعمل التداول، لمقاومة الاستبداد، حيث ضعف الرأي العام، وضعفت اهميته، فانتظر الاستبداد" (ص67). ويربط الديمقراطية بالتنمية لأنه "لا مجال لتنمية حقيقية وديمقراطية صادقة من دون احتواء لكل التيارات الثقافية والسياسية في البلاد، لا مجال للتنمية، ولا مجال للديمقراطية مع استمرار الاقصاء والنفي" (ص79).
شكلت آراء الغنوشي وعدم تحفظه على استخدام الديمقراطية كمفرد ومصطلح الى مواقفه المبكرة من مسألة الديمقراطية وتداول السلطة صدامات ايديولوجية في حياة الحركات الاسلامية العقائدية فهو أعلن منذ العام 1981 انه لو اختارت الجماهير "الحزب الشيوعي فسنعتبر ان حكم الحزب الشيوعي قانوني" (حوارات صفحة 67).

من هذه النقاط المفارقة شق الغنوشي طريقه الخاص منذ مطلع الثمانينات واشتغل كثيراً على تطوير افكاره حول "حقوق المواطنة - حقوق غير المسلم في المجتمع الإسلامي" (اصدار المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1989-1993)، و "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" (اصدار مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1993)، وصولاً الى اخطر وثيقة صدرت عن حركة إسلامية عربية معاصرة تقيم فيها تجربتها الخاصة وتنتقد نفسها مكرسة بذلك مدرسة جديدة في النقد الذاتي وهي ممارسة غير مسبوقة في الأحزاب الإسلامية.

لا تقل الوثيقة التي صدرت في الذكرى الخامسة عشر لتأسيس حركة النهضة وحملت عنوان "دروس الماضي واشكالات الحاضر وتطلعات المستقبل" اهمية عن الوثائق الثلاث التي صدرت عن حركة الاخوان في مصر بل انها تضاهيها من ناحية الجرأة في النقد الذاتي والمكاشفة امام الآخر من سلطة أو خصوم سياسيين، وحسب الغنوشي "أن السياسة هي عالم المعقول، وليست عالم الغيبيات، وهي عالم المعقولات، هي العالم الموضوعي" (حوارات، صفحة 90).

انطلاقاً من الفهم المذكور لعالم السياسة اقدمت حركة النهضة في مؤتمرها الاخير على اصدار تلك الوثيقة "الانقلابية" ووزعتها في كتيب صدر في حزيران (يونيو) 1996 تحدثت فيه عن مببرات وجودها وتجربتها المرة وسياساتها الصحيحة والخاطئة وأهدافها المستقبلية.

تشمل الوثيقة على تقديم صغير و 76 فقرة و8 أهداف متواضعة، واحتوى الفصل الأول منها استخلاصات تقويمية ضمت 26 فقرة، وضم الفصل الثاني 34 فقرة تناولت الخلاصات التحليلية، وضم الفصل الثالث 16 فقرة وتحدث عن استشراف المستقبل، واخيراً جاءت الأهداف وهي ورقة واحدة من الوثيقة نصت على حقوق الانسان وضمان حرياته الأساسية وترسيخ هوية البلاد (تونس) العربية والاسلامية وسن عفو تشريعي عام واخلاء السجون من المعارضين السياسيين وتعاضد قوى المعارضة من أجل تحقيق انفراج في البلاد ويرفع المظالم ويرد الحقوق والحريات واحترام حرية الصحافة والتعبير والاجتماع ومراجعة القوانين الجائرة وضمان حق التدين والغاء المناشير التي تمنع ارتداء الحجاب واقامة الصلاة في المؤسسات والتدريس في المساجد ورفع وصاية الأجهزة الأمنية على الحياة السياسية ودعم المسار التصالحي بدل التناحر والنابز والقطيعة.

أهم ما تحتويه الوثيقة تلك الفقرات التي جاءت في الفصل الأول وفيها اعادة قراءة التجربة واستخلاص الدروس ونقد الأخطاء وبعض السياسات، ويرد في الفصل محاولة تحليل اسباب تأسيس حركة الاتجاه الاسلامي (حزب النهضة لاحقاً) وتربط الأمر بالتحديث المتوحش وتغول الدولة ومصادرتها للمجتمع وسيطرتها الشمولية والكلية على مؤسسات الحياة المدنية والاهلية وترى المسألة رد فعل على استبداد الدولة وهيمنتها المطلقة. "تأسست حركتنا بعد خمس عشرة سنة من استقلال البلاد، بعدما تمكنت النخبة التغريبية الحاكمة من تحطيم معظم البنى التحتية للمجتمع والدولة، مثل: الغاء الأوقاف والمحاكم الشرعية والتعليم الزيتوني وتفكيك العلاقات الاسرية والعشائرية، وتبلور معالم دولة سلطوية تلغي دور المجتمع وثقافته الأصلية ومؤسساته المدنية مما أحدث بالتدرج اختلاف توازن بين الدولة /الحزب/ الفرد من جهة والمجتمع من جهة أخرى". ولا ترى الوثيقة ان تأسيس الحركة هي انقلاب على جهود الآخرين من ابناء البلد بل هي امتداد "لجهود الاصلاح والتجديد الفكري على صعيد البلاد والعالم الاسلامي ولنضال الحركة الوطنية والنقابية من أجل التحرر السياسي والثقافي والاقتصادي" (فقرة 7 صفحة 12)، وأكدت الوثيقة ان أهداف الحركة كانت وما تزال تركز على "أولوية المهمة الفكرية والتربوية والثقافية" واذا اهتمت بالسياسة فإن الأمر مرده الى "هيمنة الدولة على كل الفضاءات" (فقرة 8 ص13)، واعادت الوثيقة تأكيد منهج الحركة التغييري السلمي ونبذ العنف، وانتقدت تصرفاتها الخاطئة في مواجهتي 1987و 1991 واعتبرتهما عملية استدراج لها مخالفة فيهما استراتيجيتها السابقة والتقليدية. ورأت ان استخدامها، لمواجهة "مشروع الاستئصال" العمل السري بهدف "استجماع شروط الاستعصاء" وتوفير المناعة الداخلية والتحصن لمواجهة ضربة خارجية، من الأخطاء التي ارتكبتها حتى لو كانت مضطره لها، واشارت الى سلبيات علاقتها بالمعارضة الأخرى اذ انها "لم توفق في بناء قاعدة ائتلافية متينة مع النخبة وبقية اطراف المعارضة الوطنية" (فقرة 20 صفحة 18). وانتقدت الحركة مراهنتها على نجاح التجربة الديمقراطية في الجزائر التي انطلقت في العام 1988 من "دون تقدير لاحتمالات الانتكاسة" (فقرة 21 صفحة 19).

وخلصت الوثيقة الى اخطر موقف عندما حملت السلطة ثم نفسها ثم المعارضة مسئولية "التجربة المريرة التي لا تزال تعاني منها البلاد منذ عام 1990" ودعت الى وقف "التشابك وهدر الطاقات" واقرت فكرة "التنازل المتبادل وحتى من طرف واحد" وغلبت الوفاق كمصلحة وطنية عليا وانتهت الى قرار مبدأ التدرج الديمقراطي وحددت شروط التدرج بانفتاح النخبة التونسية على بعضها ودفع السلطة الى الانفتاح " من أجل الوصول الى المصالحة الوطنية الشاملة" (فقرات 22 و 24 و 25 صفحة 19-20).

تدين الوثيقة حركات العنف التي أساءت للإسلام وترفض ممارسات حركات التطرف والعنف العشوائي في الجزائر وتنتقد النظام التونسي الحالي اذ انه "بوليسي فردي مركزي يتركز حول شخص رئيس الدولة" (فقرة 18 صفحة 28)، وتنتهي الى اثبات أفكارها الاجتماعية والثقافية وهي:

أولاً: احترام حق الأغلبية في الحكم والاقلية في المعارضة عبر مؤسسات منتخبة تنبثق عنها الشرعية والتداول على السلطة.

ثانياً: اولوية الثقافي والاجتماعي على السياسي، وتعني بالسياسي هو ان "يأخذ محمولات ومضامين فكرية جديدة بحيث يكون خادماً للمهمة التربوية والثقافية بدرجة اولى".

ثالثاً: تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة داخلياً وعلى الصعيدين العربي ةالإسلامي و "على قاعدة المشاركة والتعايش بديلا عن الاقصاء والتنافي او حتى هيمنة الأغلبية" والدعوة الى "التراضي العام والوفاق واعتبار دور كل قوة ليس بحسب عددها فقط وانما بحسب قوة تأثيرها ونفوذها في الواقع وحاجة التوازن لها اساساً" انطلاقا من فكرة التنازل الطوعي لتمثيل الاقلية السياسية.

رابعاً: دعم سلطة المجتمع واستقلالية هياكله وقوامته على الدولة ومواجهة نزوعات التفتت الطائفي أو المذهبي أو العرقي (صفحات 38 و39 و40).

تمثل أفكار الشيخ الغنوشي ومواقف حزب النهضة التونسي خطوة مهمة في سياق ادراك الفترة الانتقالية التي تمر بها المنطقة العربية - الاسلامية، فالحديث عن مجتمع التراضي والديمقراطية التوافقية يشكل بداية طيبة للتسوية التاريخية التي يجب أن تقوم لتنظيم حياة سياسية سلمية تقلل من مخاوف النخبة العسكرية المستبدة وحريات المؤسسات المدنية وحقوق الهيئات الاهلية، فالتحديث القسري الذي بدأ في العهدين الفرنسي والبورقيبي انتج شكلين اجتماعيين لابد من تعايشهما لصوغ تصور تاريخي مركب يمزج بين وعيين متناقضين لابد من تفاههما لأنه لا سبيل لاحد منهما فياستئصال الآخر.

لكن نداءات الشيخ ذهبت حتى الآن ادراج الرياح فهو كمن يطرق على باب حديد ولا يوجد الآخر المستعد لفتح باب الحوار، فالدولة (النخبة) في بلاده اوغلت في سياستها القمعية واخذت تطال اقرب المقربين منها وصولاً الى الجهات التي ساهمت في صنعها زتبرير نهجها الاستئصالي بينما ردت جماعات الجهاد والتنظيمات الاسلامية على الغنوشي بالرفض واتهمته بالعلمانية والليبرالية. ففي مقال كتبه (ابو انصاف) عرض فيه اوضاع تونس تناول افكار الغنوشي وسياسة النهضة وذكر انها حركة ديمقراطية وليست اسلامية اذ انها "سافرت بعيداً وأبعدت النجمة واوغلت في الخطاب السياسي والعلماني والمنهزم في آن واحد".(نشر الفجر، السنة الثانية، العدد 16، 1996).

7 - صدمة اوسلو 1993

يربط خالد الحروب في كتاب له تحت الطبع سيصدر عن مؤسسة الدراســــات الفلسطينية، بيروت، بعنوان "الفكر والممارسة السياسية عند حركة حماس" اندلاع الانتفاضة واغتناء الساحة السياسية الفلسطينية بتيارات الاسلام السياسي بظروف الوضع الفلسطيني وغياب اية سلطة مركزية (دولة او غيرها)، وبسبب وجود معارضة يسارية لخط منظمة التحرير فرض على حماس والقوى الاسلامية الأخرى "الاعتراف بواقع التعددية السياسية واقراره واعتماده" ويرى الكاتب أنه بغض النظر عن دوافع حماس لمثل هذا الاعتراف حمل خطابها السياسي "تأكيدات متواصلة على تبني التعددية السياسية والاعتراف بالآخر السياسي". (فصل حماس والتعددية السياسية)، ويشير الكاتب الى ميثاق الحركة الذي اعترف بالحركات الإسلامية الاخرى في فلسطين والحركات الوطنية على الساحة السياسية الى اعترافه بمنظمة التحرير الفلسطينية، وطورت حماس موقفها في وثيقة عرفت بـ "المذكرة التعريفية" التي أكدت فيها على احترام مبدأ التعددية ووجود وجهات نظر واجتهادات في ساحة العمل الوطني واقرت ضرورة العمل المشترك على رغم تباين الطرح السياسي.

ولم يقتصر موقف حماس على اقرار مبدأ التعددية والاعتراف بالآخر بل صرح مؤسسها الشيخ احمد ياسين (المعتقل في السجون الاسرائلية) لجريدة "النهار" المقدسية بتاريخ 30/4/1989 قبوله بدولة ديمقراطية متعددة الأحزاب تحترم رغبة الشعب وحقه في اختيار سلطته بواسطة الانتخابات الديمقراطية. وعندما سألت الصحيفة الشيخ السجين عن موقفه اذا فاز الحزب الشيوعي بالانتخابات أجاب "حتى لو فاز الحزب الشيوعي فسأحترم رغبة الشعب الفلسطيني".

ويذكر الحروب في كتابه تلك المبادرة التي طرحتها حماس في نيسان (ابريل) 1994 واشارت فيها الى "اجراء انتخابات تشريعية حرة وعامة للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج لاختيار قيادته وممثليه الحقيقيين" وكرر الأمر نفسه احد قادة حماس محمود الزهار في مقابلة اجرتها معه صحيفة "الوطن" الغزية في 19/1/1995 حين ذكر "ان حماس تحترم رأي الشارع الفلسطيني ولو كان عكس رغبتها".

وانسجم موقف الزهار مع اعلان حماس، انها على رغم رفضها لتوقيع اتفاق اوسلو في ايلول (سبتمبر) 193 ومعارضتها الحكم "لن تستخدم العنف" وذكرت القوى الأخرى ببيانها الذي اصدرته بتاريخ 9/8/1992 وأشارت فيه الى "تبني الحوار الوطني كأسلوب ديمقراطي حضاري للتعامل بين أبناء الشعب" وكرر الأمر نفسه احد قادة حماس عبد العزيز الرنتيسي في مقابلة اجرتها معه صحيفة "الفجر" المقدسية في 3/8/1992 حين أكد معارضة الحركة الحكم الذاتي لكنها "لن تستخدم العنف ضد أي طرف يسير في طريق الحكم الذاتي" وطلب من الآخرين احترام "أي طرف في ان يقول رأيه بطريقة ديمقراطية من دون اللجوء الى العنف".

لم تكن تلك المواقف جديدة بل هي تبلورت عند كل منعطف كانت تمر به القضية الفلسطينية، ويشير الحروب في السياق المذكورالى بيان حماس الذي صدر بتاريخ 16/11/1991 بعد انعقاد مؤتمر مدريد اعترف بوجود اختلافات في الرأي، وأكد حق كل طرف التعبير عن موقفه ورفض أساليب الاغتيال وكم الأفواه وشجب أي محاولة من جهة لألغاء الأخرى، وأخيراً طالب بإجراء انتخابات حرة نزيهة ومحايدة لمعرفة الجهة التي تمثل الغالبية.

اضطربت مواقف حماس بعد قيام السلطة الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي بسبب الاعتقالات التي قامت بها "في فترات متعددة عقب عمليات حماس العسكرية" الأمر الذي جعل الحركة تصدر بيانات متتالية في 16 و 18 و 20 كانون الثاني (يناير) 1996 وصف فيها ديمقراطية الحكم ا لذاتي بالديمقراطية المزيفة وأحياناً شعارات الحرية الكاذبة، وأكدت ان مقاطعتها للانتخابات "لا يعني بتاتاً رفض التعاطي مع الديمقراطية".

ويفرد الحروب فصلاً عن مشاركة حماس في الانتخابات منذ أن بدأت نشاطها في نهاية 1987 على المستويات النقابية والطالبية والمهنية والبلدية، ويشير الى تحليل محمود الزهار الذي تناول نتائج انتخابات 23 مؤسسة في الضفة الغربية وقطاع غزة اجريت في العام 1991 - 1992 ويستنتج منها ان الكتلة الوطنية المؤيدة لمنظمة التحرير نالت ما نسبته 50.88 في المائة من الصوات ونالت الكتلة الإسلامية المؤيدة لحماس 45.81 في المائة وتوزعت 3.12 في المائة من الأصوات على المستقلين.

يذكر الحروب هذه الوقائع ليفسر أسباب مقاطعة حماس والقوى الفلسطينية الأخرى المعارضة لاتفاقات اوسلو وطابا والقاهرة وانتخابات الحكم الذاتي التي جرت في كانون الثاني 1996، ويشير الى وجود وجهات نظر في حماس بين مؤيد للترشيح (عماد الفالوجي، اسماعيل هنية، خالد الهندي، وسعيد النمروطي) اضافة الى الناطق الرسمي باسم الحركة محمود الزهار بينما مال موقف حماس الرسمي الى عدم المشاركة، وبرزت موقفها بخمسة أسباب منها أن المجلس المنتخب سيكون محكوماً بسقف اتفاقات اوسلو وأن اسرائيل تملك حق نقض قراراته، وان الانتخابات ألغت حق 4 ملايين فلسطيني في الشتات بممارسة دورهم، وانها تكرس تبعية الفلسطسنيين في القدس للجنسية الاسرائيلية، لذلك وجدت حماس ان المطلوب من المجلس المنتخب اضفاء الشرعية على اتفاقات اوسلو وتكريس الاحتلال الاسرائيلي واهمال قضية الشتات وحق العودة والقدس.

يلاحظ من المسار الديمقراطي لحركة حماس ان صدمة أوسلو احدثت في برنامج الحركة وتركيبتها ردود فعل متباينة بين تيار التقط المفارقات السياسية الجديدة ويحاول التعاطي معها بواقعية من دون الاعتراف بنتائجها المبدئية على مصير القضية الفلسطينية وتيار لم يلحظ تلك المستجدات واستمر يتعاطي مع المسائل السابقة بعقلية الانتفاضة التي توقفت بعد المصافحة التي تمت بين ياسر عرفات واسحق رابين في حديقة البيت الأبيض.

ويلاحظ، وهذا هو الأهم، ان التيارين السياسيين في حماس، الى التيارات الاسلامية الفلسطينية الأخرى، لم يتراجعا عن فكرة الديمقراطية والاعتراف بالتعددية وحق الشعب في اختيار سلطته في انتخابات حرة ونزيهة، فالخلاف لم يحصل على قبول الديمقراطية ورفضها وانما على وظيفة الانتخابات والاستحقاقات السياسية المطلوبة من المجلس المنتخب مثل الغاء الميثاق الفلسطيني والتزام اتفاقات أوسلو وتوابعها وشطب الحقوق الفلسطينية الثابتة والمؤيدة دوليا من برنامج النضال المقبل. فالخلاف بين سلطة الحكم الذاتي والمعارضة الفلسطينية (الاسلامية والوطنية واليسارية) تركز على السياسة وحق المعارض في مواصلة قتاله ضد المحتل ولم يشمل فكرة الديمقراطية والانتخابات.

امام هذا الحال كيف تعاطت سلطة الحكم الذاتي مع المعارضة الفلسطينية في وقت اطلقت حكومة رابين - بيريز السابقة حق المعارضة الاسرائيلية في خوض معركتها ضد اتفاقات اوسلو وطابا والقاهرة حتى الانقلاب عليها ؟.

تصف هيلينا كوبان شعورها في مقال نشرته في صحيفة "الحياة" تعليقاً على تقرير منظمة مراقبة حقوق الانسان الأمريكية (هيومان رايتس ووتش) "كان شعوري عند قراءة التقرير الطويل (50 صفحة) المدعوم بالوثائق، الحزن العميق" إذ "بدا ان كل الكفاح الذي خاضه الشعب الفلسطيني، داخل وطنه التاريخي وخارجه، من أجل تقرير مصيره على أرضه، لم يأت له سوى... بماذا ؟ ادارة محلية مضطربة وتعسفية بشكل يثير القلق، لا تزال تستمد سلطتها المحدودة، كما يذكرنا التقرير، من سلطات الاحتلال الإسرائيلي".

واتهم تقرير أعده مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الانسان في الأراضي المحتلة (بتسليم) رجال الأمن الفلسطيني بانتهاك حقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية، ووصف التقرير وضع حقوق الانسان في الضفة الغربية بالقلق، وذكر محامون فلسطينيون يهتمون بحقوق الانسان "ان مئات اعتقلوا بلا محاكمة وتعرضوا للتعذيب أو الضرب". واعترض المحامون على "عدم وجود هيكل قانوني متكامل" وذكروا ان السلطة تستمد قوتها من "غابة قوانين خلفها العثمانيون والبريطانيون والاسرائيليون". وقال المحامي راجي الصوراني "لدينا 18 ألفاً من رجال الأمن وهذا نسبياً أكثر بكثير مما يجب، فهو يعني أن هناك رجل أمن لكل مئتي مواطن"،( "الحياة" 1/7/1995). وذكر الصوراني ان هناك تناقضاً بين القرار "الصادر عن الرئيس الفلسطيني بتاريخ 30 ايلول (سبتمبر) 1993في تونس والقاضي باحترام كل المواثيق والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الانسان، والقرار رقم 1 لسنة 1994 القاضي باستمرار سريان القوانين والأنظمة التي كانت سارية المفعول قبل 5/6/1967 " ( "الحياة" 16/2/1995).

بدورها نددت منظمة "الحق" الفلسطينية التي تعني بالدفاع عن حقوق الانسان بقرار رئيس السلطة بانشاء "محكمة أمن دولة" في غذة واعتبرتها تذكر "بالمحاكم العسكرية الاسرائيلية التي قوضت في شكل شبه شامل استقلال القضاء خلال سنوات الاحتلال". ("الحياة" 13/2/1995)، ونددت "منظمة العفو الدولية" بانتهاكات السلطات الإسرائلية والفلسطينية لحقوق الانسان بعد العام الأول لتوقيع اتفاق السلام بين الطرفين وذكرت ان السلطات الاسرائيلية قبضت على 7 آلاف فلسطيني منذ حفل التوقيع، واحتجزت السلطات الفلسطينية المئات من دون تهم أو محاكمة أو فرصة الاتصال رسمياً بمحاميهم أو افراد عائلاتهم ومن دون أي مراجعة قضائية.("الحياة" 12/5/19959 ).

وازدادت حملات الاعتقال والتعزيب في أعقاب موجة من التفجيرات التي نفذها اسلاميون في اسرائيل، ووصفت منظمة "ووتش" لحقوق الانسان الاعتقالات بالتعسفية واتهمت اسرائيل وياسر عرفات باستخدام القوة العشوائية وحضتهما على ضرورة التمسك بالمعايير الدولية في مساعيهما لحماية اتفاقية السلام.("الحياة" 5/4/1996).

وعندما كشف مدير الجمعية الفلسطينية لحقوق الانسان اياد السراج تجاوزات السلطة وانتهاكها لحقوق المواطنين اقدمت الشرطة الفلسطينية على احتجازه واستجوابه بسبب تقديمه شكاوي في شأن وفاة العديد من السجناء في المعتقلات الفلسطينية ولجوء الشرطة الى أعمال تعذيب تؤدي أحياناً الى الموت.("الحياة" 9/12/1995).

خيبت السلطة الفلسطينية الآمال ولم تؤد اتفاقيات السلام الى تحسين شروط حياة المواطن الفلسطيني وتطوير مجتمعه السياسي بل كادت أن تؤدي الى حرب أهلية بعد أن اضطربت حريات المواطن أثر تولي السلطة مهمتها في غزة وجزء من الضفة المحتلة في ايار (مايو) 1994 بسبب اعتماد الأجهزة الأمنية على لوائح "منظمة التحرير لعام 1979 في القضايا العسكرية والامنية" واستناداً الى القانون الأردني المطبق حتى عام 1967 في القضايا المدنية.("الحياة" 25/8/1995).

لا شك تتحمل سلطات الاحتلال الاسرائيلي المسؤولية الأولى في دفع سلطة الحكم الذاتي الى ممارسة أقسى حالات العنف ضد المعارضة الفلسطينية بذريعة انها تشكل تهديداً لاتفاقيات السلام، ومارست حكومة رابين - بيريز، قبل فوز نتانياهو بالانتخابات الاسرائيلية الأخيرة، سلسلة ضغوط وضعت الحكم الذاتي الفلسطيني أمام اختيارات صعبة وصلت الى حد التهديد بإعادة احتلال أجزاء غزة والضفة أو فرض حصار على المناطق الفلسطينية التي تعاني أصلاً من مشاكل اقتصادية وبطالة مزمنة أو ملاحقة المطلوبين وتسليمهم للمحاكم الاسرائيلية. وقصد تل ابيب من تلك السياسات كان يؤشر على احتمالات مختلفة منها دفع الوضع الفلسطيني الهش سياسياً الى مزيد من الأنقسام وصولاً الى الحرب الأهلية، وهو أمر اذا حصل تكون اسرائيل قد بررت أمام الرأي العام العالمي احتلالها المدمر، وأكدت أنه ر ديمقراطية في المنطقة سوى "ديمقراطيتها"... والدليل ان الشعب الفلسطيني ما يزال يعاني في ظل سلطته كما سبق وعاني من احتلالها.

8 - صدمة أربكان 1996

تشبه الى حد ما، المصافحة بين الاسلامي نجم الدين اربكان والعلمانية تانسو تشيلر، تلك المصافحة بين الفلسطيني ياسر عرفات والاسرائيلي اسحق رابين في حديقة البيت الأبيض، فالأولى إشاررة الى بداية اتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية تجمع بين النقيضين، والثانية بداية مؤشر على مرحلة جديدة في ما يسمى بالصراع العربي - الاسرائيلي. وبغض النظر عن قوة التحالف الائتلافي واستمراره في تركيا، أحدثت مصافحة أربكان - تشيلر هزة في الوعي الجمعي في الطرفين الاسلامي والعلماني وهي تشبه تلك الهزة الوجدانية التي احدثتها مصافحة عرفات - رابين، فالمصافحتان حصلتا حتى لو تعرضتا لاحقاً للسقوط.

كانت القضية الفلسطينية، وما تزال، في وعي الإسلاميين قضية مقدسة ترتفع في جوهرها التاريخي والانساني الى حد الحق المطلق الذي لا يقبل القياس أو التكيف أو الخضوع للمساومة أو التفريط. كذلك تعتبر مسائل "التغريب" و "العلمانية" و "الفساد" في معايير الحكم الإسلامي. فتشيلر متغرفة وعلمانية ومتهمة بالفساد واختلاس الأموال العامة وبالتالي فهي بالنسبة لمقاييس الإسلاميين أحد رموز الاتاتوركية التي جلبت الويلات على تركيا وأطاحت بمكانتها الاستراتيجية الاقليمية والدولية ودفعت بها من قوة كبرى في مطلع القرن الجاري الى قوة اقليمية محدودة التأثير في نهاية القرن.

ربما يعتبر بعض المحللين ان تركيا دولة اسلامية غير عربية وانه لا شأن لها ولا تأثير لحوادثها على الحياة السياسية العربية من ناحية تشكيل الوعي أو على الأقل المساهمة في انتاجية وتحديد أولوياته.

يجانب الرأي المذكور حقيقة الأمر، فتركيا مثلها مثل القوى الإقليمية الكبرى، العربية وغير العربية، كمصر وايران، تلعب حوادثها سلسلة أدوار في انتاج الوعي السياسي في المنطقة العربية، وتعتبر القوى المذكورة بمثابة النموذج - القدوة لقوى العالم العربي - الإسلامي.

وليس جديداً القول ان الانقلابات العسكرية التي هبت على المنطقة العربية منذ عشرينات القرن الجاري استمدت نموذجها من عناصر التجربة الاتاتوركية التي اعتمدت الأسلوب القهري في احداث التحول القسري الفوقي في عاصمة السلطنة العثمانية، فالأسلوب الانقلابي، الى المنهج العلماني الاستبدادي الذي اعتمده اتاتورك، شكلا قدوة سيئة للنخب العسكرية والعلمانية في المنطقة العربية التي حاولت تقليد التجربة التركية في التعاطي مع المجتمع وبالتالي عزله عن السياسة واستبعاده من حركة الدولة وقراراتها وتصوراتها.

وما حصل في تركيا بعد أكثر من 70 سنة يشبه لى حد كبير ما حصل ويحصل في المنطقة العربية بعد أكثر من 70 سنة على انسلاخ المقاطعات العربية على عن السلطة، فالتجربة التركية أدت الى نمو الدولة وتطورها باستقلال نسبي عن المجتمع وضد حركته السياسية وتحولاته الداخلية، كذلك أخذت التجارب العربية المقلدة للمنهج الاتاتوركي الانقلابي تتجه نحو عزلة شبه مطلقة للدولة الحديثة والمعاصرة عن حركة تحولات المجتمع وتطوره شبه الذاتي وأحياناً واحياناً المستقبل عن تطور الدولة. وما نلحظه من حوادث عنف وصدامات في أكثر من بلد عربي ليس بعيداً في مناخاته السياسية عن ذاك الذي يحصل في تركيا أو ذاك الذي سبق وحدث في ايران في العام 1979.

منذ الستينات تشهد تركيا خضات داخلية تعبر عن احتجاج المجتمع ضد سيطرة الدولة واشرافها الكلي على حركة الناس وحقوقهم الفردية ومطالبهم الاعتقادية. واذ نجح الجيش في قيادة انقلاب آخر في الثمانينات لتطويق تفاعلات الحدث الايراني والسيطرة على العنف الجارف في الشارع فإنه في النهاية اضطر للتنازل عن السلطة وإعادة الحياة المدنية والسماح للأحزاب السياسية بممارسة دورها مع احتفاظه بحقه في التدخل اذا طمحت قوىالمجتمع السياسي الى تعديل صلاحيات الجولة المطلقة وهويتها الاتاتوركية العلمانية.

لا شك أن اربكان اكتشف هذه المفارقة بين اعادة الحياة المدنية وفي الآن ضبطها تحت سقف سيف الاتاتوركية. وهو أمر ساهم في بلورة وعي مركب ظهر مرات جلية في فترة حكم الرئيس التركي السابق توغورت اوزال الذي حاول موازنة الدستور الاتاتوركي الرسمي ودستور المجتمع الموروث تقليدياً باتجاه إعادة تشكيل وظائفه ليتناسب مع حاجات الناس.

يشبه القلق الذي كان يعيشه أوزال في السلطة ذاك القلق الذي بدأ يعيشه أربكان بعد فوزه كأكبر قوة سياسية نالت أكبر نسبة من المقاعد من دون أن ينال الأكثرية التي تسمح له بتشكيل حكومة تقتصر على عناصر حزبه.

شكل التوازن المذكور مفارقة كبرى في وعي أركبان، فهو إما ان يرفض المصافحة ويحافظ على طهرية المقدسات ويرفض تلوثها بالسياسات الاتاتوركية وإما أن يقبل بفكرة التعايش والاعتراف بالآخر انطلاقاً من مبدأ التعددية وحق المختلف في التمثيل النيابي والحكومي.

اختار أربكان التحالف المصلحي الذي يقبل بالتكيف مع الآخر شرط أن يقبل المختلف معه حقه أيضاً في تشكيل حكومة برئاسته تأخذ توازن المصالح في الاعتبار.

واختيار أربكان التحالف مع المختلف على خيار القطع معه يشير الى تطور مهم في الوعي المفارق يشبه ذاك الذي حصل على الجبهة الفلسطينية، فأربكان حدد أولوياته بين العزلة السياسية والانكفاء مرة أخرى الى دائرة المجتمع المغلق وعالمه الخاص المستقل عن المحيط وتأثيراته وبين كسر الحاجز النفسي على المستويين: الدولة وحامي شرعيتها الانقلابية (الجيش) والمجتمع وحامي شرعيته التاريخية (الاسلام). فاختيار منهج الوسط الذي يجمع بين خطين ويعيد تركيب المتناقضات في سياسة شديدة التعقيد والتعرج وتمزج بين الموقف المبدئي والممارسة المصلحية.

واجهت خطوة أربكان اعتراضات كثيرة خصوصاً من جماعات الجهاد وتنظيمات الجماعة التي هي أصلاً لم تعترف بسياسته التسووية قبل أن ينجح في تشكيل حكومته، ففي نشرة "الفجر" (العدد 13) أوردت أخبار أربكان وتهكمت على أسلوبه ومراهناته، فذكرت تحت عنوان "تركيا: أربكان... أحلام طوباوية" لتفسير سبب فشله الأول حين كلف بتشكيل الحكومة "سقطت التجربة الديمقراطية الجاهلية في تركيا من جديد حيث أبعد حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان (... ) عن السلطة بالرغم من فوزه في ما يسمى بالانتخابات في ديسمبر الماضي"، واضافت "لأن الديمقراطية كما يسمونها لعبة، وهي لعبة غير إسلامية أصلاً، ولذلك يفشل الإسلاميون في كل مرة لأنهم يلعبون على أرضية لا يحسنون التعامل معها وكذلك لأنهم يلعبون وفق شروط وقواعد ونظم وضعها الخصم". وتهاجم نشرة "الفجر" الجيش لأنه سبق لهذا الجيش "أن مارس هوايته المفضلة في الحفاظ على شكل اللعبة ثلاث مرات عن طريق الانقلابات العسكرية وذلك سنة 1960، 1971، 1980 ". وتنصح النشرة أربكان "أن يستوعب القضايا السابقة ثم يرجع الى الكتاب والسنة حتى يجد الطريقة المثلى والشرعية التي يمكن من خلالها أن يقيم حكماً إسلامياً حقيقياً ولا مزيفاً. ولو فعل أربكان ذلك لما أصابه الاضطراب والتناقض...".

على رغم سخرية النشرة من فشل أربكان الأول في تشكيل حكومته لا توضح ما هي الأساليب التي ينبغي أن يلجأ اليها غير اللعبة الديمقراطية، فالمسألة بقيت ضمن الاعتراض والسلبية ولم تتطور الى اقتراح عملي أو ميداني غير العودة الى الكتاب والسُنة، فهي لم ترشده الى ممارسة العنف والقوة مثلاً ولم تطالبه بالاعتماد على "أقلية" سياسية للإنقلاب على الدولة وجيشها، وهذا يشير الى انسداد آفاق البدائل وعدم توافرها حتى عند الجماعات التي تمارس العنف وترفض اللعبة الجاهلية.

وفور حصول المصافحة بادرت الجماعات الإسلامية وتنظيمات الجهاد الى شن حملة ضد أربكان واتهمته بالتراجع عن برنامجه الانتخابي وبتعهده احترام أفكار مؤسس الجمهورية التركية (كمال اتاتورك) والحفاظ على اندماج تركيا بالمجموعة الأوربية ومحاربة القوى الانفصالية الى زيارته قبر اتاتورك وسكوته على الاتفاق العسكري مع اسرائيل وغيرها من النقاط التي اثارتها ايضاً القوى العلمانية المتطرفة. فالموقف الوسطي اثار حفيظة الجهتين المتطرفة والاستئصالية، الإسلاميون استنكروا تراجعه لأنه خيب آمال المسلمين وتفكيرهم باحتمال عودة تركيا "الى ماضي مجد الخلافة الإسلامية" (نشرة الفجر، العدد 17، 1996). واستهجن العلمانيون براغماتيه أربكان لأنه خيب آمالهم أيضاً واحبط خطة تحريضهم الجيش على الانقلاب وانقاذ جمهورية اتاتورك من دهاء اربكان.

اذن لم تقتصر صدمة أربكان على جهة الإسلاميين بل أحدثت دوياً في جهة العلمانيين أيضاً لأن الفريق الأخير كان يراهن على الجيش لاعادة ضبط المجتمع ووضعه من جديد تحت رقابة الدولة وملاحقاتها الايديولوجية والدستورية لعناصره الاجتماعية والتقليدية.

بدورها لم تلحظ جبهة العلمانيين عملية التحول وبلوغ الاتاتوركية مرحلة الشيخوخة في وقت مازال المجتمع يجدد شبابه، كذلك لم تستوعب حاجة الاتاتوركية للإسلاميين لحماية الدولة من التفكك الاجتماعي والانهيار التاريخي، انها سخرية القدر وفي الآن حاجة تاريخية.

لا شك في أن اربكان التقط تلك المفارقة واكتشف ان الفترة هي مرحلة تسوية لابد منها لانقاذ تركيا من الانقسام والتقسيم. فتركيا الآن تمر في مرحلة انتقال تتحرك فيها مختلف القوى من مدنية حديثة وأهلية تقليدية في وقت واحد، ولابد من المصالحة بينهما لاعادة تركيب الدولة وتوحيدها في سياق يندمج فيه الجديد مع القديم في شكل ثنائي. ودائماً يتضمن نموذج مرحلة الانتقال ذاك الشكل الاجتماعي الثانئي الذي يربط خصائص الهيئات الاهلية بالمؤسسات المدنية ويعيد توظيفها لتخدم مهمات محددة تلبي حاجات فترة تاريخية شديدة التعقيد، في وقت بلغت الاتاتوركية سن ايأس ولم تعد تملك الوسائل والحيل التي استخدمتها سابقاً لتأجيل عملية التحول التاريخية، فالجيش الذي سبق وتدخل ثلاث مرات لانقاذ الأتاتوركية في سنوات 1961، 1971، 1980 بات الآن في حال لا يحسد عليها، فإذا تدخل وقام بإنقلابه الرابع ستكون الدولة نفسها مهددة بالانهيار الشامل والتفكك الوطني والاجتماعي، وإذا ترك السياسة للقوى العلمانية فإنها ستقود البلاد مجدداً الى مأذق يعطي دفعة شعبية للتيار الإسلامي يجعله سيد الموقف في الانتخابات المقبلة.

بين الخيارين انحاز الجيش الى خيار ثالث وهو حماية الدولة بالقوى الشعبية الإسلامية والضغط على العلمانيين للقبول بهذا الموقف التصالحي الذي يضمن توازن المصالح ويعيد تركيب الهيكل الاقتصادي والتنظيم الاجتماعي ومعادلة السلطة بشكل ثنائي تتعايش في نموذجه مختلف القوى الحديثة والقديمة والمدنية والاهلية والعلمانية والإسلامية، فالنموذج الانتقالي هو شكل مركب لمرحلة تاريخية تتداخل فيها القوى التقليدية والانماط الحديثة، وهو بدوره يحتاج الى وعي مركب يجمع تلك الثنائيات في فترة تشهد البلاد تغييرات تلعب فيها الأنماط التقليدية دور الدافع للتحول الســــياسي، فالتحديث انتج نقيضه (الاسلام) وبات بحاجة اليه ليستكمل التحول.

تمثل تركيا ذاك النموذج المتناقض الذي تتعايش في داخله تناقضات اخرى تجمع بين الموروث والجديد والتقليدي والحديث والمؤسسات المدنية والهيئات الاهلية، وكان على الدولة أن تختار بين الحل الانقاذي وتفتح الباب للقوى الإسلامية لتلعب دورها التاريخي وبين الحل الجزائري فتنقلب على المجتمع وتعرقل تطوره وتؤخر الاستحقاق التاريخي فترة زمنية ستكون محدودة على أي حال. فالتعارض الموجود حالياً في الجزائر (وتركيا) ليس خاصاً بل هو نموذج عام ومنتشر في معظم دول العالم الثالث وهو أكثر بروزاً في دول العالم العربي - الاسلامي، اذ هناك ما يشبه التعايش الثنائي بين المدينة والريف، والمناطق الصناعية والمناطق الزراعية، وبين أهل الساحل (البحر والنهر) وأهل الجبال، وبين الأكثرية الكبرى والاقليات الصغرى، وبين القوى الحديثة الحضرية والقوى التقليدية القبلية والجهوية، وبين الموروث المؤسس على الاجتماع الطبيعي وبين الجديد المؤسس على الهيئات الاجتماعية.

اختارت تركيا نموذج اعادة تشكيل الشخصية التاريخية للمجتمع بإشراف الدولة الاتاتوركية ورقابة جيشها وبمساعدة قوى تقليدية معادية للنموذج العلماني. ورفضت الخيار العسكري الجزائري الانقلابي، الضيق الأفق، الذي لو اتبعته لكانت كلفته الإنسانية والعمرانية والاقتصادية اضعافاً مضاعفة لتكلفة التسوية التاريخية التي تم تأخيرها ثلاث مرات وبات من الصعب تأخيرها مرة رابعة، فالدولة اكتشفت عجزها وبات عليها التكيف مع البيئة السياسية -الثقافية المتوارثة لتعيد التوازن المفقود للمجتمع وتعقد المصالحة التاريخية التي أكدها، كما رأينا، حزب النهضة التونسي في برنامج مؤتمره الأخير، وهو برنامج يعكس رغبة في تكييف حاجات المجتمع مع متطلبات مرحلة انتقالية تتعايش فيها ثنائيات القديم والجديد، والتقليدي والحديث.

ربما تنجح تجربة أربكان وربما تفشل وتنهار بعد شهور أو أسابيع لكنها في النهاية تمثل خطوة بالغة الأهمية في إحداث صدمة سياسية ستكون لا شك ردود فعلها متباينة في مستوى اكتشاف قوانين الوعي المركب من متناقضات يمكن جمعها في حالات معينة، وهذا يمكن توقعه مهما كانت نتائج التجربة وخلاصتها، فصدمة أربكان صدمة مذدوجة طالت المعسكرين وربما يمكن اعتبارها بداية تأسيس للمجتمع السياسي الذي يركب وعيه التاريخي من عناصر مفككة لم تجتمع سابقاً ويمكن اجتماعها مصلحياً في لحظة حصول توازن في المعادلة البرلمانية، فالتقاط اللحظة الزمنية يشكل نقطة تجاذب في الوعي، وأربكان يحاول ان يركب عناصر متنافرة لانقاذ الدولة من حال الانهيار وفي الآن لاستعادة المجتمع دوره السياسي بعد فشل محاولات تغييب هويته الحضارية ويمكن إدراج محاولة أربكان، حتى لو فشلت، في سياق الوعي التاريخي الذي يزاوج بين المتناقضات ويوفق بينها من دون أن تشكل انتكاسة كبرى لتجربته الطويلة.

بقي أن نسأل ما هي عبر النموذج التركي وكيف يمكن فهم تلك المسيرة الطويلة ؟ تمثل التجربة الاتاتوركية النموذج التاريخي لمسار المنطقة في القرن الجاري، وإذا كانت هناكةفائدة من التجربة فإنها على الأقل تدلنا على كسب الوقت واختصار الوسائل حتى لا يضيع الزمن في لحظة يشهد العالم تحولات كبرى، فقراءة دروس نهايات التجربة الاتاتوركية يعود بنا الى بداياتها عندما انقلبت الدولة (النخبة) على المجتمع وأخذت تفصله حسب مزاج الحاكم وتصوراته الفردية.

استخدمت الاتاتوركية كل الأدوات لفصل المجتمع عن هويته الدينية - الحضارية وابتكرت كل الطرق لمنع الناس من الكتابة بأبجديتهم وفرضت عليهم أبجدية لاتينية، واختارت لهم أرقى الدساتير الأوربية وترجمتها الى التركية واعتمدتها كقوانين علمانية للدولة، ومنعت الأذان بالعربية، وحرمت المرأة من حرية ارتداء الحجاب وضغطت على الرجل لخلع العمامة والطربوش، واستباحت الاقليات غير المسلمة لتحقيق التجانس في قاعدة الدولة الاجتماعية، ولاحقت الأقليات المسلمة ومنعتها من استخدام لغاتها القومية وارتداء ملابسها الوطنية... وتم كل ذلك وغير ذلك باسم التقدم والحداثة والتحديث.

بدأت المسألة بتفكك السلطنة، ثم أخذت عناصر التفكيك تهدد تماسك الدولة القومية من جديد فانتهى أمر الأتاتوركية بعد أكثر من 70 سنة من التقلبات والانقلابات الى الرضوخ للأمر التاريخي واضطرت الى اللجوء الى التسوية مع الواقع، وقبول المؤسسة العسكرية بأربكان كرئيس للحكومة بداية تحول جذري في تفكير الدولة يعود بها من جديد الى تلك الفترة الانتقالية التي تفصل اصلاحات السلطان عبد الحميد الثاني في 1870 والانقلاب عليه في 1908 قبل الانقلاب على السلطنة في الحرب العالمية الأولى. وأربكان الاسلامي يمثل عودة الى تلك الحلقة الوسيطة بين الفترة السلطانية والفترة الاتاتوركية، وهو يمثل النموذج البديل الذي يجمع الضدين في مرحلة تحتاج تركيا الى محاولة لتحقيق المصالحة المفقودة مع المجتمع واكتشاف قوانين التوافق والتراضي بين الدولة وهوية الجماعات التي تعيش في الوطن.

بات على تركيا اليوم أن تعود، بعد أن خسرت الوقت الثمين، الى نقطة البداية لتباشر من جديد رحلة التوافق بين الدولة والمجتمع بعد أن فشلت التجربة في كسر الشخصية التاريخية لتركيا. فهل تستفيد الدول العربية (النخب الحاكمة) من سلبيات التجربة الاتاتوركية وتكسب الوقت بتأسيس المصالحة السياسية بين الدولة والجماعات الأهلية أم انها ستكرر تلك التجربة لتعود بعد حين الى اعتماد خيارات الناس وما يتوافق مع شخصيتهم التاريخية ؟ هذا هو السؤال.

9 - الدولة والمجتمع والديمقراطية وشروط التسوية التاريخية:

لا شك في ان الحوادث الصعبة التي نمر بها تساعدنا على التقاط مفارقات نستطيع من خلالها ان نضبط المشترك السياسي بين الدولة والمجتمع كذلك المشترك التاريخي بين جماعات الدولة نفسها، فقراءة فكرة الديمقراطية في العالم العربي وتطور منظوماتها الايديولوجية ليست قراءة نظرية تقوم على ترجمة النصوص وتركيب فقرات دستورية بل هي أساساً قراءة تاريخية ترتبط بتطور فكر الجماعات السياسية ودور الدولة في قيادة التحول الاجتماعي والاقتصادي والدستوري للبلاد.

يحيلنا الأمر المذكور الى إعادة قراءة المشكلة انطلاقاً من محاولة الإجابة عن سؤولين: تحليل طبيعة الدولة (الدول العربية) ودورها في تلبية حاجات المجتمع ومدى استعدادها للقيام بوظائفها الاجتماعية والدستورية، والثاني تحليل طبيعة المجتمع وصولاً الى تفكيك ايديولوجية الجماعات السياسية وموقفها من الدولة الوطنية.

يلاحظ من قراءة حوادث الثمانينات ومطلع التسعينات التي أحدثت صدمات سياسية في مصر والسودان والجزائر وتونس والسلطة الفلسطينية ان الدولة اخذت تفقد وظيفتها التوحيدية وبدأت تنزلق الى طرف سياسي في مواجهة مكشوفة مع المجتمع أو على الأقل من أكثرية من جماعاته. الانزلاق المذكور نحو المواجهة ليس جديداً بل نجد تفسيره في نشأة الدولة الوطنية (المعاصرة والحديثة) وتكوينها الاجتماعي التي قامت اساساً على فكرة الانقلاب النخبوي (الحزبي، الايديولوجي، العسكري) على الجماعات والاندفاع نحو تأسيس نزعة سلطوية لا تحترم كثيراً التكوين التاريخي للمجتمع خصوصاً تلك الموروثات التقليدية والهيئات الأهلية التي تشكلت في فترات زمنية متباعدة وتقوم بوظائف حياتية مستفيدة من شبكة العلاقات الاجتماعية ومنظوماتها المتوارثة.

تصورى النخبة (الدولة المعاصرة) أنها تستطيع بايم التقدم والحداثة أن تحقق قفزات إجتماعية بمعزل عن الجماعات السياسية وهيئاتها الأهلية ومنظوماتها المتوارثة تقليدياً. وبسبب ذاك لجأت الى ابتكار، وأحياناً ابتداع اساليب قسرية في صناعة التحول، ولم تدرك أن التغيير بحاجة الى قوة بشرية تملك الامكانات ومقتنعة بأن التقدم حاجو يخدم مصالحها ولا يصب في اطار تعزيز سلطة النخبة وسيطرتها الكلية على حركة المجتمع وتوازنه الطبيعي.

ساهم ضعف الوعي التاريخي عند النخبة الانقلابية في تكوين تصورات، هي أقرب الى الأوهام، لصوغ العلاقات مع الناس واعادة انتاج التقدم في سياقه الزمني، فالنخبة اعتقدت ان التقدم الأوربي حصل في لحظة زمنية قصيرة وانه يمكن اذ ترجمنا دساتيره ومنظوماته المعرفية وقمنا بتطبيقها كأمر واقع، لم تنته النخبة الى مسألة التاريخ والطبيعة الثقافية للجماعات الانسانية، فالدستور لا يستورد بل هو أصلاً نتاج التطور الداخلي للشعب ويعبر عن روحيته التاريخية ونظرته الى الحياة والكون، كذلك الديمقراطية لا تترجم نصوصها وهي مثلها مثل قوانين الاحوال الشخصية وغيرها من مسائل تتعلق بالتربية والمعيشة واسلوب الحياة والتنظيم المتوارث وخطأ اتاتروك الأساسي انه تصور ان مشكلة تركيا بعد حصول الانقلاب على السلطان هو من السلطنة والشريعة الاسلامية والابجدية العربية والآذان والحجاب والصيام وغيرها من انظمة الملل والنحل التي كانت تعتمدها اسطنبول في تنظيم جماعاتها القومية والدينية والمذهبية، فأقدم على الغاء السلطنة وشطب الشريعة وبدل الأبجدية ومنع الأذان بالعربية وحارب الدين والتدين واعتمد على ترجمات مختلفة للدساتير الأوربية ظناً منه ان تلك الخطوات ستدفع بتركيا الى مصاف الدول المتقدمة وتصبح خلال سنوات قليلة على مرتبة واحدة مع المانيا وفرنسا وبريطانيا، كانت النتيجة عكس ما تصور، اذا تراجعت مكانة تركيا وتدهورت سياسياً واجتماعياً، وأدى اسلوبه الانقلابي الى احداث فجوة زمنية قطعت تاريخ البلاد الى نصفين وسلخت الجماعات عن هويتها الثقافية وحولت الناس في أقل من يوم الى أميين بسبب تغيير اللغة الى الحرف اللاتيني، واضطر اتاتورك الى محاربة الجميع بقصد توسيع القاعدة الاجتماعية للدولة وتوحيد مختلف الجماعات في تصور واحد وساهم الامر في دفع الدولة العلمانية الى ارتكاب مجازر ضد الأرمن والمسيحيين والعرب وطرد الالاف منهم بذريعة عدم انسجامهم مع الدولة القومية التركية. وبدلاً من تحقيق التقدم المنشود لعب الزمن دوره المعاكس اذ انتهت الدولة الى عزله سياسية بعد أن توسعت دائرة صداماتها مع الأقليات الاقوامية والمذهبية التي يتكون منها المجتمع الأمر الذي ترك تأثيره على النمو الاجتماعي والتطور الاقتصادي.

ليس صحيحاً قول برنارد لويس أن تركيا هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط الى جانب اسرائيل، فتركيا دولة اتاتوركية وخياراتها السياسية ليست ديمقراطية بدليل ان أي قوة تفوز بالانتخابات عليها ان تستجيب لشروط حارس الدولة (الجيش) والخضوع للدستور الذي لم تتم كتابته بالاتفاق ومن خلال الارادة الحرة للناس، ولولا حكمة أربكان وحاجة النخبة الحاكمة لحارس مساعد لكان حصل في تركيا ما يشبه الكارثة التي وقعت في الجزائر. كذلك اسرائيل لا يمكن ان نضعها في خانة الدول الديمقراطية لأنها أصلاً تقوم على احتلال أراضي الغير وممارسة التمييز الديني وأحياناً القومي ضد أصحاب البلاد الأصليين، ليس القصد هنا الحديث عن اسباب فشل الاتاتوركية وطبيعة اسرائيل وتكوينها ودورها في المنطقة بل محاولة الاستفادة من ذاك الفشل الذي تكرر للأسف في العالم العربي بعد أن أخذت النخب العربية تقلد النهج الاتاتوركي في تركيب الدولة واستيراد المنظومات المعرفية والدستورية متجاوزة بذلك الناس والتاريخ.

هناك الكثير من التشابه بين الأتاتوركية والنخب العربية الحاكمة مع اختلاف أساسي واحد وهو أن تركيا استخدمت وسائل السلطة لتحقيق مشروع انقلابي يلغي الأسس التاريخية للدولة السلطانية بينما النخب العربية حاولت تأسيس سلطة جديدة بدأت أحياناً من الصفر لتقوم بمهمة الدولة على الطريقة الأتاتوركية.

وكانت النتيجة أن الأتاتوركية نجحت في تأسيس الدولة الحديثة لكنها فشلت في توحيد المجتمع فأخذ يتفكك وتتدهور علاقاته ومنظوماته بينما انتهت الدولة الحديثة عندنا الى فشل في تحقيق الوحدة القومية (الدولة القومية) فانعزلت في داخل كياناتها السياسية محاولة اعادة صوغ المجتمع وفق تصورات فوقية انقلابية مستخدمة القوة لتنظيم الجماعات في قوالب دستورية تخدم النخبة لا المجتمع، وانتهى الأمر بعد 70 سنة من التجارب الايديولوجية (في تركيا والعالم العربي) الى تحول الدولة الى قوة معرقلة لتقدم المجتمع في وقت تعتقد النخبة ان سلوكها السياسي سيدفع الناس الى الحداثة والتطور. ويمكن هنا قراءة التشابه بين الفشلين الاتاتوركي في تركيا والنخب الحاكمة العربية في الأساليب والنتائج. فالاتاتوركية لم تفصل الدين عن الدولة بل حاولت السيطرة عليه من خلال القاء القبض على المجتمع وفرض التجانس القسري على الجماعات المتفاوتة، كذلك نخبنا الحاكمة لم تفصل الدولة عن الدين بل حاولت توسيع وظائف الدولة لتهيمن على الدين من خلال الهيمنة على المجتمع ومصادرة حركته الداخلية وضرب مؤسساته التقليدية الموروثة وتفكيك هيئاته الأهلية وتغيير طبيعته الاجتماعية وتزييف هويته الثقافية من طريق القهر والتسلط. فالدولة الحديثة (الدول العربية) المعاصرة تحولت الى دول تسلطية تعرقل التطور من خلال تعطيلها لأدوات المجتمع ومؤسساته الأهلية المر الذي زاد ويزيد من عزلتها وربما يؤدي الأمر الى تفككها كما كاد أن يحصل في الدولة الاتاتوركية واضطرت اخيراً الى التراجع لافساح المجال لتمثيل خيارات الناس في السلطة والحكومة مع الاحتفاظ بحق الاشراف العام على الدولة والتدخل اذا اقتضت الظروف.

تنقلنا أزمة الدولة العربية الحديثة وعلاقتها السلبية مع المعارضة الى السؤال عن طبيعة التكوين التاريخي - الثقافي للمجتمع ودور الاخير في صوغ مستقبله.

أدى ضعف القاعدة الاجتماعية للدول العربية الحديثة الى لجوء الدولة الى الاستبداد السياسي لتعويض النقص في الشرعية الدستورية والتاريخية، فأقدمت على تشكيل قوة سياسية متراصة ايديولوجياً تعتمد المركزية الشديدة في تنظيم المجتمع وترتيب وظائفه واخضاعها لرقابة السلطة واشرافها الدائم. فضعف بنية الدولة كان الدافع الأساسي نحو تعويض الضعف بالاستبدد السياسي وتعزيز السلطة المركزية ومنح حرية الجماعات بقصد توحيدها لتوسيع قاعدة الدولة الاجتماعية فانتهى الأمر الى الغاء حق المعارضة في التحرك المستقل ضمن سياق المشترك بين الناس والدولة، فباتت الدولة اشبه بالقوة الغربية التي تمارس سياساتها بمعزل عن حركة المجتمع وتحولاته الداخلية. وبدلاً من أن توحد الدولة الناس وتوسع قاعدتها الاجتماعية من خلال تأسيس وظائف جديدة اقدمت من دون وعي منها أو ادراك لحاجات الناس الى اضعاف البنية الاجتماعية التقليدية وعزل وظائفها ودفع الناس نحو المزيد من التفكك وتعطيل الاندماج والتوازن الطبيعي المتوارث واخيراً انكفاء الجماعات الى هوياتها الثقافية في أضيق حلقاتها الأمر الذي يفسر اتساع دائرة اضطراب العلاقات بين السلطة والعديد من الجماعات السياسية.

ليس دقيقاً القول أن بنية المجتمع الضعيفة أدت الى نشوء دويلات مركزية تعوض ضعف المجتمع بقوة الدولة، أحياناً ساهمت الدولة المركزية في اضعاف المجتمع من خلال تدمير نسيجه المتوارث وهيئاته الأهلية وشبكة الوظائف التقليدية ولم تنجح محاولات الاستبداد السياسي والمركزية التنظيمية في تعويض ضعف بنية الدولة بل ساهمت في دفع الجماعات نحو العزلة والانكفاء الى آلياتها الخاصة التي عملت على إعادة تنظيم نفسها في سياقات مستقلة عن الدولة المعاصرة (الحديثة). فالدولة اعلربية الغت القديم ولم تؤسس الجديد فأدى الأمر الى نشوء شكلين اجتماعيين يتنافسان على الشرعيتين التاريخية (الهوية والثقافة) والسياسية (التمثيل النيابي والنقابي والمهني) في مرحلة انتقالية شديدة التداخل وكثيرة التوتر.

بدأت الزمة المزظدوجة ورافقتنا طوال القرن العشرين وربما تظل معنا ونطل منها الى القرن الواحد والعشرين وتبقى الأجوبة مطروحة على سؤال ماذا يعني التقدم وكيف يحصل ؟.

قرأنا الكثير من الكلام عن الدستور والديمقراطية والهوية والثقافة والتنمية والحرية ودور الدولة وحكم الاكثرية وتنظيم الخلافات وابتكار الآليات المعاصرة لانتاج السياسة. وقرأنا القليل من الكلام عن من يصنع الدستور ومن أين تأتي الديمقراطية وما هي الهوية وكيف تتكون الثقافة وكيف تحصل التنمية وما هية الحرية وطبيعة الدولة ودورها في قيادة التحول وتنظيم خطط التقدم وكيف تصاغ علاقات الحكم بين الأكثرية والاقلية ولماذا يجب ان تصاغ أدوات انتاج السياسة جنباً الى جنب مع تطور أدوات الانتاج الاقتصادي وأخيراً كيف تستخدم الهوية في صناعة الحاضر والمستقبل وكيف يستفاد من الموروث الثقافي والمنظومات المعرفية والاجتماعية لتحقيق الحياة العصرية والحديثة.

كثرة الكلام عن الجانب الأول وقلته في الجانب الثاني يفسر أصول الخلل في فكرنا العربي المعاصر الذي اعتمد على الترجمة والاقتباس والنقل والتوفيق بين المتناقضات وتأخر في اكتشاف منظومته المعرفية واعادة انتاجها تاريخياً في سياق التقاط لحظات التقدم ومعرفة اسبابها وعواملها.

لنتصور ماذا يحصل في بلجيكا مثلاً اذا قررت الحكومة في اسبوع واحد تعليق الدستور واعتماد الشريعة الاسلامية كقانون وحيد للمجتمع. لنتصور مثلاً ماذا يحصل لبريطانيا اذا قررت الحكومة فجأة الغاء الحروف اللاتينية واعتماد الأبجدية العربية كأساس لكتابة اللغة الانكليزية. لنتصور مثلاً ماذا يحصل للولايات المتحدة اذا قررت ادارة واشنطن الغاء الأنظمة الليبرالية ومصادرة الدولة للتجارة الداخلية والخارجية واشرافها العام على القطاعات الاقتصادية والمالية واعادة توزيع الثروة وفق المنظومات الاشتراكية.

لسنا بحاجة إلى القول أن هناك كوارث اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية وإنسانية ستحصل وربما تؤدي إلى ثورات وانتفاضات ستلعب دورها في إضعاف المجتمعات وتفككها وتمزقها وستنعزل الدولة في أضيق حلقاتها وستضطر إلى تعويض ضعفها باستخدام الإرهاب والاستبداد لإعادة توحيد الجماعات وضبطها وهو أمر سيدفع نحو المزيد من المار الداخلي والحروب الأهلية الدائمة واخيراً انهيار التجربة وسقوط دولة النخبة المستبدة وتراجع الدولة وعودتها نحو المساومة ومصالحة الواقع وإعادة تأسيس العلاقات مع المجتمع كثقافة وهوية ودين واجتماع وتاريخ. فالدولة إذن لا بد أن تكون نتاج الجماعة، والمجتمع هو الذي يحدد هيكل الدولة وهويتها الثقافية والحضارية، واحياناً تلعب العلاقات التقليدية دور القيادة في تحقيق التقدم والتحول.

يمكن القول أن الأمثلة المذكورة لن تحصل وهي أشبه بفرضيات خرافية لكن يمكن الاستفادة منها لفهم ماذا حصل في منطقتنا العربية - الإسلامية عندما أقدمت النخبة على الانقلاب على الدولة (السلطان والسلطنه) تمهيداً للانقلاب على المجتمع ومحاولة تكوين شخصية تاريخية تنسجم مع تصورات النخبة ومتصادمة مع ثقافات الناس وهوياتهم. فالخرافي في أوربا هو واقعي في منطقتنا وما لا يمكن تصور حصوله في بلاد الغرب حصل في بلاد الشرق وانتهينا إلى ما انتهينا أليه.

لسنا هنا في صدد مراجعة التاريخ وإعادة قراءة حوادثه لكن الخلاصة تؤكد أن النتائج الكارثية هي نتاج الانقلابات الفوقية على المجتمع ومصادرة حركة آلياته المتوارثة والتقليدية. قيل الكثير عن أن الديمقراطية أوربية المنشأ ومركزية النشوء وقيل ايضاً انها عالية المنشأ وتعددية النشوء. وبغض النظر عن صحة الكلام عن أوربية الديمقراطية أو إسلامية الديمقراطية أو كونفوشيتها أو بوذيتها فإن الأساس هو تاريخيتها الزمانية والمكانية ودور الجماعات المعنية بآلياتها في ربط حركتها العمياء بارداة المجتمع وتكوينه الثقافي وهويته والعناصر التي يرتكب منها. فما يصح في بلجيكا أو سويسرا أو النمسا ليس بالضرورة يصح لنا والعكس صحيح. وما هو صالح عندنا ليس بالضرورة صالح لفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، فالدستور والديمقراطية والبرلمانية هي أدوات مرنة وغير محددة في أطر قانونية ثابتة يمكن سحبها في تركيبها الكلي على مختلف الشعوب والحضارات والثقافات وذلك لسببن: الأول: أن كل دستور يمثل في النهاية الحد المشترك لتطور جماعة من الجماعات وبالتالي لا يمكن استيراده وتصديره فهو ليس سلعة بضاعية كالسيارة أو جهاز الهاتف. الثاني: أن كل دستور قابل للتعديل بما ينسجم مع خصوصية الجماعات وأسلوب حياتها وطريقة تكبيرها ومنظومة علاقاتها وأدواتها التقليدية المتوارثة.
نصل هنا إلى منطق التسوية أو التصالح الذي اعتمده اربكان في تركيا واقترح راشد الغنوشي اعتماده في تونس. والدافع على نشوء المنطق المذكور هو أساساً دافع تاريخي أساسه الحرص على عدم دفع المجتمع والدولة نحو المزيد من التفكك والانهيار وأيضا محاولة الاستفادة من أخطاء التجارب والكوارث، فالحرية تتطلب المناخ السياسي المعتدل الذي يساعد على اكتشاف قوانين المصالحة من خلال التقاط خصوصية المرحلة الانتقالية التي نمر بها وهي فترة تجمع ما بين الجديد والقديم والحديث والتقليدي والمعاصر والموروث.

وبعد مرور اكثر من 70 سنة على الانقلاب الاتاتوركي لا يمكن الرد على ذاك الانقضاض الوحشي على هوية الجماعات وثقافتها بانقلاب نخبوي مضاد كما يحاول حسن الترابي في السودان من خلال وضعه لتصورات دستورية معاصرة يعتقد إنها ستساهم في صنع شخصية تاريخية حديثة للمجتمع الإسلامي. فالدستور يصاغ ولا يترجم كذلك هو نتاج اتفاق توافقي ولا يفرض بالقوة من طريق الاستيلاء على السلطة.

وبما أن الانقلاب على الانقلاب لن يؤدي إلى تعديل التاريخ ولا تعديل التعديل بل سيؤدي إلى كسر الجماعات ارادياً ومحاولة دمجها بالقوة في سياق زمني مضاد للفترة السابقة التي امتدت على عقود القرن العشرين وبالتالي سنعود من جديد إلى حرب عصابات سياسية بين الدولة وبعض اتجاهات المجتمع. فالحل الواقعي هو تحقيق تسوية بين المؤسسات المدنية والهيئات الأهلية لإعادة تركيب هيكلية تنظيمية تنسق المصالح وتقيم توازنها في إطار سلمي. وإذا نجحنا في الأمر يصبح الخلاف على تسمية ذاك الإطار من الأمور الثانوية.فالاتفاق على الاسم (ديمقراطي، شوري، برلماني، دستوري ) ليس الجوهر بل هو الشكل الذي يتم من خلاله حل أزمة التمثيل السياسي ومعالجة مسألة السلطة وأسلوب الحكم.

أوصل الاستبداد الدولة العربية المعاصرة (الدول العربية) التي لعب دور المعرقل للتحولات بعد أن افترضت أنها تقود التقدم، ووصلت ألان إلى نهاياتها التاريخية وفقدت وظائفها واحياناً مبرر وجودها ولم يعد أمامها من حل سوى التسوية والتوصل إلى صيغة توافقية وتصالحية مع الجماعات السياسية. وبدلا من أن تستوعب الدول العربية دروس الماضي اخذ بعضها يمعن في الكارثة ويدفع التناقضات إلى نهايات مأسوية كالانقلاب على الانتخابات في الجزائر واحتكار السلطة في تونس واللجوء إلى قوانين التفافية في مصر لتعطيل المؤسسات المدنية والمنظمات الأهلية وتشديد قبضة الدولة على حركة المجتمع. أي أن بعض الدول تتجه نحو المزيد من النهج الانقلابي ليس على المجتمع فقط بل على الدولة ايضاً. وهذا قد يؤدي إلى تكوين مجتمع مغلق يحيط به سور الاستبداد وستكون نتائجه كارثة على الجماعات الأهلية إذ يرجح أنها ستندفع نحو المزيد من التمسك بحلقاتها الضيقة التي ستساهم في زرع بذور التفرقة في هيكلية الدولة وهيئاتها نفسها الأمر الذي سيسرع في تفككها بما يتوافق مع تفكك المجتمع الأهلي وتتوزع على هوياته وثقافاته المتنوعة. فالدولة (النخبة) في بعض البلدان العربية لم تعد تلعب دور القيادة للتطور السياسي بل أخذت تنقلب على فرضية تأسيسها الأول لتلعب دور المعرقل واحياناً المعطل للحياة السياسية ونهوض دول بديلة عنها قد تكون بأحجام صغيرة أو كبيرة.

تتطلب المرحلة الانتقالية مشاريع انقاذية تتجاوز مفهوم الاصطلاحات ولا يكفي هنا إلقاء المسئولية على مؤتمرات خارجية وتبرير سياستنا باتهام غيرنا بارتكاب الأخطاء. فالمسألة تتطلب المزيد من الوعي التاريخي الذي يعيد تركيب السياسة بما يتناسب مع مستوى تطور المجتمع وحاجاته وبما يتجانس مع ثقافاته وهويته الحضارية. والمسئولية هنا مشتركة بين الدولة والجماعات السياسية التي يفترض أنها تملك الوعي الذي يتجاوز الحدود المذهبية والطائفية الضيقة وتقرأ لتحولات بمنظار تاريخي واستراتيجي.

حتى نصل إلى ذاك المستوى الواعي للأزمة في وقت نمر في مرحلة انتقالية شديدة التعقيد والتركيب لابد من إعادة التصحيح بتصحيح الفهم لتلك العلاقة بين الدولة والناس وفهم السلطة لطبيعة دورها ووظائفها الاجتماعية والسياسية فيمكن تصحيحها من خلال تشجيع إعادة حركة بناء المنظومات التقليدية والمراكز الثقافية وتعزيز المؤسسات الأهلية وتطوير منظمات "المجتمع المدني" كما يقال في الأيديولوجيات المعاصرة. فدعم الهيئات الخيرية ودور الحضانة والتعليم والتربية والنقابات والجمعيات والأندية والاتحادات ورعاية منظمات الإغاثة والطبابة ومساعدة الأسر المحتاجة وتقديم المعونات الإنسانية وإنشاء المشاريع الخيرية وغيرها من المسائل الضرورية كلها عوامل تخفف الضغط وتنمي المشاعر المشتركة في سياق أهلي - مدني متوازن مع التنمية العامة التي تقوم بها الدولة على مستوى المجتمع كله. فالأعمال الصغيرة إذا تراكمت تؤدي إلى نوع من الوعي المتقدم للعلاقات وتعطي بعض المعنى لدور الفرد في البناء، وتسقط بالتالي تلك التصورات الخاطئة التي تنشأ عن تصرفات سلوكية ناجمة أصلاً عن تبطل المجتمع وعدم إشراكه أو مشاركته في لعب دور أعلى - مدني ولو صغير في عمليات التنمية الكبيرة.

وتتطلب سياسة إعادة الحياة للمجتمع وتأسيس أدوات تعيد له الحيوية ليقوم بالتحرك بالاتجاه الصحيح وهذا لا يتم إلا باتخاذ القوى السياسية خطوات جذرية نحو التصالح بالاتجاه مع الدولة ومستجدات الواقع.

لاحظنا أن حركة الإخوان المسلمين مرت قبل أن تبلور مفهومها للديمقراطية في محطات زمنية لعبت دورها في انضاج الفكرة واخراجها بصيغة نهائية في منتصف التسعينات سابقاً لم تكن "النظرية" واضحة واذا وجدت كانت تشكل هماً ثانوياً مثلها مثل الحركات السياسية العربية المعاصرة (العلمانية والقومية واليسارية) التي تأسست في مطلع القرن الجاري.

ركزت الحركة في بداياتها التأسيسية على مفاهيم الأمة والجماعة والدولة وشكل النظام والعلاقات العربية والاسلامية والنظرة الى القضايا الدولية وغيرها من المسائل المتعلقة بفلسطين والهوية والتاريخ والثقافة والايديولوجيات الأوربية. وتركيز الاهتمام على المسائل الكبرى لم يمنع حركة الاخوان من التفكير بالمسائل الدستورية والتشريعية والقضائية والتربوية ودور الدولة في المجتمع ووظيفة الشرع كاطار ينظم علاقات البشر ويقنن الأنظمة التي يتم التعامل بها على مستوى الاقتصاد والتجارة والمال.

لا شك في ان عدم وضوح هوية الاخوان في بداية التأسيس لعب دوره في تأخير حسم الكثير من المسائل المتعلقة بمهمات الحركة واولويات برنامجها وهو أمر واضح في رد مؤسســـــها الامام حسن البنا على أسئلة تتعلق بهيئة الاخوتن التنظيمية فأجاب بأن الاخوان "دعوة، وحمعية خيرية، ومؤسسة اجتماعية، وحزب سياسي" وادى عدم وضوح هوية الحركة السياسية الى تعطيل الكثير من انشطتها التي تراوحت بين العمل الاجتماعي والدعوة الى الدين والقيم بمهمات خيرية والتصرف كحزب سياسي كمنظم واحياناً كهيئة تحاول الوصول الى بعض مقاعد البرلمان لايصال صوت دعوتها ولم تطمح الوصول الى السلطة، لذلك حسمت الحركة موقفها باكراً من مسألة خوض الانتخابات وترشيح الاعضاء للبرلمان والاحتكام الى صندوق الاقتراع لاختيار العناصر الصالحة التي يجد فيهم الشارع الفئة الجيدة القادرة على خدمة الأمة. لكنها تأخرت في حسم موقفها منالديمقراطية، فالبرلمانية وسيلة منوسائل التمثيل الشعبي القائم على الاختيار الحر لاعضاء المجلس النيابي بينما تعتمد الديمقراطية على منهج عمل وممارسة تراهن على آلية غير واعية لاعادة تشكيل المجتمع وتحديد الموقف من الآخر المختلف، وتفترض القبول باللعبة السلمية لتداول السلطة وحق الاقلية في التعبير عن نفسها سياسياً.

وعلى رغم الفارق بين المسألتين شكلت خطوة القبول بالبرلمانية بداية سياسية ادت لاحقا الى قبول الحركة بالديمقراطية وشروطها التنظيمية التي تتتطلب الحد الادنى من البرنامج التسووي وعقلية المساومة وما تقتضيه من تحالفات مع الخصوم السياسيين أو الائتلاف مع قوى لا تتفق ايديولوجياً مع خط حركة الاخوان وطموحاتها.

وساهمت الملاحقات والاعتقادات والضربات العنيفة التي تلقتها الحركة منذ تأسيسها في تأخير الكثير من المسائل اذا كانت القيادات تنصرف الى حماية نفسها بدلاً من انضاج افكارها المتعلقة بقضايا المواطن وحقوقه السياسية وخصوصاً مسألة التعددية.

الى ذاك ساهمت الظروف الدولية والاقليمة وانماط الانظمة العربية التي تقبل بالمعارضة في تعطيل فرص نمو الفكرة، فانعدام وجود المجتمع السياسي عطل الى حد كبير نضوج فكر سياسي يتطور سلمياً وبهدوء كما يحصل في المجتمعات الاوربية فالديمقراطية لا تنمو في مجتمعات غير سياسية ترفض الانظمة فيها حرية الحركة للخصم وحقه في التفكير ولا تكترث بالرأي العام ودوره في صوغ القرارات الرسمية.

على الدولة الحديثة (النخب الحاكمة في الدول العربية) استيعاب الازمة المركبة وفهم اهمية دور المعارضة السياسية في المشاركة بحلها كما حصل في تركيا. فالمعارضة في النهاية ليست عدوة للدولة بل هي شريك في الحياة العامة ومصير المجتمع، وما يصيب المجموع يصيبها وهذا ما حاول حزب النهضة التونسي توضيحه من خلال تطوير مفهومه لفكرة الديمقراطية وربطها بالهوية الثقافية والتنمية الاجتماعية وكذلك تطوير فهمه لموضوع حكم الاكثرية، فالقول ان الديمقراطية ليست حكم الاكثرية أو الغالبية السياسية فقط بل هي حق الاقلية السياسية أو الدينية في المشاركة في صنع القرار السياسي ايضاً هو خطوة صحيحة في الاتجاه التصالحي لتطمين الدولة والقوى المعارضة الاخرى وعدم تخويفها بالاكثرية السياسية والغالبية العددية.

وربما فكرة الديمقراطية التوافقية التي تقوم على مبدأ التراضي السياسي في سياق تأسيس وصيغة برلمانية - دستورية تضمن لكل الفعاليات والجماعات حقها في التمثيل عن طريق تعديل خصائص الاقتراع وتطوير اشكاله لاستيعاب الخلافات واحتواء الاختلافات الدينية والمذهبية والاقوامية والجهودية حتى القبائلية، تشكل خطوة مرنة ومتقدمة تلبي طموحات الغالبية من دون ان تغبن حقوق الاقليات السياسية والعقائدية وتخيفهم، ولا بد من اعطاء الضمانات ودفع العلاقات نحو التطمين المتبادل إلا أن التسوية والمصالحة بحاجة الى فريقين لا فريق واحد، والتراضي هو توفيق بين سياستين، وهذه مشكلة الدولة وليست مشكلة المجتمع.

10 - خلاصات عامة

فرض البحث موقف الاسلاميين من مسألة الديمقراطية التوقف أمام موقف الدول العربية من المسألة ذاتها واسلوب ادارة الحكومات للصراع السياسي، لذلك كان لا بد من قراءة مفهوم الديمقراطية على المستويين الدولة والمجتمع، وفي اطارين نظري وواقعي، وتحديد الفترة الزمنية اللازمة (الثمانينات والتسعينات) حتى لا يخرج الموضوع عن ســــياقه العام.

مع ذلك لا بد من الاعتذار عن نقطتين: الأولى: التطويل وهو شر لا بد منه لقراءة المشكلة من جوانبها المختلفة. والثانية: التقصير اذا اقتضى الأمر اهمال العديد من القضايا واختصار الكثير من التنظيمات والدول العربية ليتم التركيز على نقاط التماس الساخنة.

حاول تعريف مفهوم الديمقراطية تبين أن هناك سلسلة وجهات نظر، وهو أمر أوقع الاسلاميين في تعريفات مختلفة للمفهوم. فهناك من يأخذ به ويرفض استخدام المصطلح، وهناك من يأخذ بالمصطلح والمفعاً، وهناك من يرفض المفهوم والمصطلح معاً. فالبلبلة في وسط الاسلاميين نتجت أصلاً عن البلبلة في المفهوم نفسه اذ تختلف المدارس الغربية (الأوربية) بدورها على تقييم مشترك للمسألة الديمقراطية فهناك من يعزلها عن التاريخ والجغرافيا والثقافة والاجتماع وهناك من يربطها بكل تلك القضايا، وهناك من يعتبرها أوربية الأصل ومن الصعب تعميمها على مجتمعات غير اوربية، وهناك من يعتبرها عالمية المنشا وان اختلفت درجات نموها وتطورها بين منطقة واخرى، وبالتالييمكن تميمها اذا جرى تطويعها أو تأصيلها مع ظروف المجتمعات ومستوى تطورها الاقتصادي والسياسي.

الى جانب الاختلاف على مضمون التعريف وتاريخيته هناك خلافات على تحديد شكل الديمقراطية، فهناك من يرى انها مجرد آليات لا واعية يمكن سحب نظامها العام على مختلف خصائص المجتمعات، وهناك من يرى ان آلياتها واعية ولا يمكن سحبها إلا بتوفير الوعي والارادة المشتركة الحرة للجماعات السياسية.

الى الاختلاف على المضمون والشكل هناك خلافات على تقييم الديمقراطية كتجربة تاريخية، فهناك مناطق نجح النموذج فيها وهناك مناطق فشل فيها النموذج بسبب اختلاف بنية الجماعات السياسية. ويلاحظ ان المجتمعات المتجانسة اسهل عليها تطبيق الديمقراطية العددية (حكم الكثرة) بينما تواجه صعوبات الديمقراطية العددية (الأكثرية والأقلية) في المجتمعات المتعددة قومياً ودينياً ومذهبياً وطائفياً الأمر الذي يفرض إعادة قراءة المسألة في تجارب المجتمعات غير المتجانسة.

بالنسبة لاعادة تعريف الديمقراطية، انحاز البحث الى ثلاث نقاط: انها تتمتع بآليات غير واعية، وانها ليست أوربية المنشأ، انها تختلف بين مجتمع وآخر في تجربة التطبيق، وكان لابد من تثمين دور التيار الداعي الى اعادة التعريف، مع التأكيد على ضرورة تجاوز حدود التعريف الى اعادة انتاج فكرة الديمقراطية على مستويين: المعرفة (تأصيل المفهوم) والتاريخ (ربط الفكرة بالتطور الاجتماعي وتراث المنطقة).

بعد قراءة مواقف الاسلاميين تم التمييز بين طروحات المفكر الاسلامي والتنظيم الاسلامي، كذلك تم تمييز طروحات الاسلاميين وفرزها الى ثلاث مدارس الأولى ترفضها شكلاً ومضموناً، والثانية تقبلها شكلاً ومضموناً، والثالثة تقبلها شكلاً وترفضها مضموناً.

الى ذلك بالامكان ملاحظة ما يشبه الاجماع بين الاسلاميين على قبول أفكار التسامح والتعدد والاختلاف شرط ان لا تتجاوز المسائل حدودها وتهتدي على حرية المعتقد الشخصي للمسلم وحقه في ممارسة شعائره الدينية.

ان اساس الخلط القائم عند الاسلاميين الذين يرفضون الديمقراطية كمفهوم والية يعود الى عاملين: الأول: الخلط بين بين الحكم للخ وبين الحكم بما انزله الله، وهو أمر يؤدي الى التباس بين الأحكام العامة وبين الهيئة (البشر) التي تريد تنفيذ الحكم. الثاني: الأصول الاجتماعية والثقافية والتربوية لجيل الاسلاميين الجديد. وهو جيل في معظمة من نتاج التحديث، وأصوله حديثة، واسلوب حياته وعيشه وحديثه، واخيراً ردة فعله على الحداثة حديثه، وهو يختلف من ناحية تكوينه الايديولوجي والزمني عن الرعيل الأول، والثاني: من الاسلاميين العرب.

وبسبب الخلط النظري والاصول الاجتماعية والتكوين الأيديولوجي كان لابد من الاختلاف مع الرعيل الأول والثاني من الاسلاميين اذ تباينت وجهات النظر وتعددت وتفرغت وتنوعت بحسب اختلاف البيئات المكانية والزمانية وظروف كل دولة عربية، الأمر الذي يزيد من صعوبة ملاحقة أفكار التشتت النظري بين العديد من التنظيمات الإسلامية واعادة حصرها في دائرة واحدة.

يؤكد الاختلاف المذكور على مسألتين: الأولى: ان ا لمنظمات الاسلامية منظمات سياسية قبل أن تكون دينية. الثانية: ان مشاكلها الخاصة يمكن بلورتها وتنضيجها لو توافرت الظروف السياسية والمناخات الديمقراطية.

لاشك في ان الدول العربية (النخب الحاكمة) تتحمل مسؤولية اقفال ابواب التطور السياسي في المنطقة العربية، فالنخبة (الدولة) تحولت من طرف يقود التحولات الاجتماعية والاقتصادية الى هيئة مستبدة تعرقل التطور الاجتماعي وتحد من نمو المجتمع السياسي الأمر الذي سيعرض المجتمعات العربية لاحقاً الى مزيد من الانكفاء الى الحلقات الصغرى من الهوايات الثقافية الضيقة كذلك سيعرض الدولة نفسها الى الحصار والتفكك السياسي.

ويمكن لاثبات وجهة النظر المذكورة تقديم نماذج سياسية عربية متفجرة بدأت منذ عقد من الزمن (النصف الثاني من الثمانينات والنصف الأول من التسعينات) وهي مصر ن السودان، الجزائر، تونس (الحكم الذاتي) في بعض فلسطين.

فمن خلال قراءة النماذج المذكورة هناك ما يشبه التجانس بين الدول العربية حتى لو اختلف خطابها الايديولوجي والسياسي أو تباينت في مستوى تطورها وتجربتها الزمنية ومستوى العلاقات بين الدولة والمجتمع.

ان انزلاق النخب الحاكمة من ادارة الدولة الى المواجهة المباشرة مع بعض الأطراف الاسلامية أدى الى اضعاف دورها القيادي ودفعها الى قوة معرقلة للتقدم الاجتماعي والتوحيد السياسي.

ات تعدد وجهات نظر المنظمات والهيئات الاسلامية واختلاف مواقفها من مسألأة الديمقراطية ودور الدولة (النخبة) في تعطيل المجتمع السياسي ومنع تبلور الاجتهادات في مناخات سلمية اهتز أخيراً بعد مصافحة العلمانيين والاسلاميين في تركيا، فالنموذج الأتاتوركي كان سابقاً قدوة للنخب العربية العسكرية والحزبية الانقلابية وانتهى أخيراً الى الانصياع للأمر التاريخي والقبول بصيغة ائتلافية تنتج ما يشبه التوافق والتراضي بين عناصر المجتمع وتكويناته.

وانطلاقاً من التجربة التي آلت اليها تركيا لابد من الاستفادة والدعوة الى ما يشبه التسوية التاريخية لانقاذ ما يمكن انقاذه حتى لا تندفع الدول العربية في مغامراتها العسكرية الى حدودها القصوى وينعزل المجتمع ثقافياً الى حلقاته الضيقة الأمر الذي سيزيد من شدة الانغلاق والممانعة.

تستند الدعوة لعقد التسوية التاريخية الى مسألتين: الأولى ان التحديث القسري الفوقي أدى الى انتاج شكلين اجتماعيين الول حديث وتغريبي والثاني قديم وتقليدي.

والثانية ان الانقلاب (التقليدي) على الانقلاب السابق (التحديثي) غير مجد وسيؤدي الى زعزعة المجتمعات وربما السقوط مجدداً في الحرول الأهلية والتفكك الشامل.
فالمطالبة بانتاج صيغة توافقية لابد ان تقوم على التراضي بين الفريقين شرط ان توفر الدولة المناخ السياسي الحر وحرية الأفكار والمعتقدات لانضاج فكرة التسوية مقابل ان تقبل القوى الاسلامية بحرية المختلف وعدم تخويف الأقليات السياسية والايديولوجية بالأكثرية العددية. وحتى ينهض ما يشبه الوعي التاريخي المركب لابد ان تفسح الدولة للناس دور المشاركة في التنمية والبناء واطلاق الحياة السياسية ليلعب المجتمع دوره في بناء الدولة التي ما تزال غريبة عنه، فالدولة تستطيع ان تلعب دور التوحيد السياسي اذا شاركت المجتمع وأدخلته في عمليات التنمية والتحديث.

ان الديمقراطية في النهاية لا تتطور في دولة ديكتاتورية مستبدة لذلك لا بد من ديمقراطية توافقية في العالم العربي (لا عددية أو حكم الكثره فقط) تقوم على التراضي وتحترم الأكثرية الأقلية السياسية وغير السياسية وتشاركها في أخذ القرار المشترك حتى لو كانت الأخيرة في المعارضة. وهذا لا شك يتطلب المزيد من الوعي المركب وهو مطلب مثالي لكنه في النهاية فيه جوانب واقعية يمكن انتزاعها من الجهتين الدولة والمجتمع. وأساس واقعية الطرح هي حاجة النخبة للمجتمع لحماية مواقعها ودورها وحاجة المجتمع للدولة لتوفير الحريات التي تطلق العقل من الأسر وتدفعه الى المزيد من التفكير والاجتهاد.

مراجع البحث وهوامشة:

1 - مجلة شؤون الشرق الأوسط، العدد الثالث، ربيع - صيف 1993، صفحة 73-75.
2 - يسخر المستشرق البريطاني - الامريكي برنارد لويس في مقاله "قراءة جديدة للشرق الأوسط" من التيار العربي الذي يرى أن "السبب الجذري لجميع الشرور والاخفاقات في العالم العربي هو فقدان الحرية، وان في الديمقراطية وحدها حلولاً لمشاكلهم". راجع مجلة قراءات سياسية نقلاً عن مجلة "فورن افريز" السنة الثالثة، العدد الثاني، ربيع1993.
3 - يربط برنارد لويس بين الديمقراطية وشعوب اوربا فهي مسألة صعبة "بل لعلها الأصعب في ادارتها والمحافظة عليها بين جميع انواع الأنظمة المعروفة. وقد نشأت في منطقة محدودة بين شعوب اوربا الغربية والشمالية الغربية. ثم نقلها هؤلاء معهم الى مستعمرات وراء البحار". المصدر نفسه.
4 - يضع لويس في مقاله حول الشرق الأوسط شرطاً اساسياً لنجاح أي نوع من المؤسسات الحرة هو "مستوى التطور الاجتماعي والاقتصادي المطلوب لدعم هذه المؤسسات" فالعقبة الكبرى برأيه هي في "المشاكل الاقتصادية الكبرى في المنطقة، كالفقر والتخلف الاجتماعي والتكنولوجي، ومن دون حل هذه المشاكل، يرجع أن يبقى سراباً كل احتمال لقيام ديمقراطية سياسية حقيقية " المصدر نفسه.
5 - يذهب زعيم حزب الأمة السوداني الصادق في اتجاه برنارد لويس في قراءة التكوين التاريخي لفكرة الديمقراطية والمتطلبات الاجتماعية لاعادة تأسيسها اذ يقول "ينبغي الاعتراف بأن المؤسسات السياسية الديمقراطية نشأت في الشمال (يقصد أوربا) بعد مرحلة معينة من التقدم الاقتصادي الاجتماعي. لذلك فإن بلاد الجنوب (يقصد العالم الثالث) المتطلعة للديمقراطية قد تجد نفسها مضطره لوسائل مرحلية تفوق بين الديمقراطية التعددية وحركة البناء الاجتماعي " تحديات التسعينات، شركة النيل للصحافة والنشر، القاهرة 1990، صفحة 135.
6 - يلاحظ الصادق المهدي في كتابه "تحديات التسعينات" ان النظم الديمقراطية الحديثة اضافت جانباً هاماً هو انها وضعت للمبادئ السياسية ضوابط مؤسسة لممارستها بدقة والحيلولة دون الانحراف الذي ينحدر اليه الطبع البشري". ويرى ان التعاليم الإسلامية السياسية خلت من تلك الضوابط صفحة 197.
7 - مجلة المستقبل العربي، العدد 168، شباط (فبراير) 1993.
8 - مجلة أبواب، العدد 9، 1996.
9 - المستقبل العربي، العدد 164، 1992.
10- حوارات مع راشد الغنوشي، قصي صالح الدرويش، طباعة خليل ميديا سرفس، لندن 1992.
11- فهمي هويدي، الاسلام والديمقراطية، مركز الاهرام للترجمة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى 1993.
12- يحاول الباحث الأ{دني هاني حوارني شرح خلفيات وظروف ونتائج انتخابات 1993الأردنية فيذكر ان لدوحة حاولت "لجم الحركة الإسلامية والقوى السياسية الأخرى المعارضة للمفاوضات السلمية مع اسرائيل" بينما حاولت الحركة الإسلامية "تكريس شرعيتها وتجنب المواجهة مع الحكم(... ) والعمل تحت ظلال الشرعية والعلنية". (قراءات سياسية، السنة الرابعة، العدد الثاني، ربيع 1994).
13- ينعي الكاتب فهمي هويدي التجربة الديمقراطية في مصر في مقاله "اجهاض الحلم الديمقراطي" تعليقاً على القانون الجديد للنقابات المهنية في مصر الذي أصدره مجلس الشعب. ويذكر ان المجلس تشكل بنسبة 10 في المئة من اصوات الناخبين وقاطع أو لم يصوت 90 في المئة، كذلك تراوحت نسبة المشاركة في انتخابات المحليات بين 5 و 6 في المئة. ويرى هويدي ان الديمقراطية في مصر "تعاني من أزمة عميقة، اطلق عليها البعض وصف الجفاف السياسي. معناه ايضاً اننا نتعامل مع الديمقراطية كمستهلكين لا كمشاركين".(قراءات سياسية، السنة الثالثة، العدد الثاني، ربيع 1993).
14- يذكر الصادق المهدي في كتابه (تحديات التسعينات) انه "ليس في الاسلام نظام حكم معين. والنظمالتي اقامها المسلمون في تاريخهم نظم بشرية اختاروها حسب ظروف زمانهم ولا يوجد ما يلزم بها الآخرين". لكنه يعود فيؤكد على ان الاسلام جاء بمبادئ سياسية مثل الحرية والعدالة والمساواة وضرورة الحكم للجماعة، الا يعاقب احد إلا بقانون، ألا يعاقب أحد بجريمة غيره، أن يكون الأمر شورى (مشاركة) وينتهي الى القول "هذه المبادئ التي أتي بها الاسلام منذ خمسة عشر قرناً تطورت حتى ماثلتها النظم الديمقراطية الحديثة" (ص197).
15- مجلة الانسان، العدد التاسع، السنة الثانية، كانون الأول (ديسمبر)1992.
16- علي سعيد كريم، اصول الضغط - دراسة في الميل العربي المشترك، دمشق، دار النشر وتاريخ الطباعة غير محددين.
17- محمد عبد الجبار، المشروع الحضاري الإسلامي - حوار مع السيد محمد حسين فضل الله، مؤسسة العارف، بيروت، الطبعة الأولى 1991.
18- مجلة الانسان، العدد التاسع، السنة الثانية، كانون الأول (ديسمبر) 1992. مقال "العمل الإسلامي المعاصر: نظرات وعبر ".
19- ابراهيم مدكور وعدنان الخطيب، حقوق الانسان في الاسلام، دار طلاس، دمشق، الطبعة الأولى 1992 صفحة 84.
20- مجلة العرفان، تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) 1994.
21- نشرة الفجر، العدد 15، السنة الثانية 1996، تصدر عن مركز الاعلام الاسلامي، الدنمارك.
22- تتشابه الحركات الإسلامية (الشيعية) مع الحركات الإسلامية (السنية) في الكثير من الجوانب السياسية وتنقسم بدورها على جبهات لا تتفق على الوسائل والاهداف. ففي منشور أصدرته "الكتلة الإسلامية في العراق" في تموز (يوليو) 1991 بعنوان " في العمل الاسلامي المعاصر -رؤية نقدية" نجد محاولات لتحديد برنامج عمل يختلف الى حد كبير عن المنظمات الإسلامية العراقية السابقة، اذ تعتبر الكتلة الإسلامية ان الأمة اخترقتها الجاهلية وان أوضاع المسلمين مفروضة عليهم وغير اسلامية وتعتبر ان "الحلقة المفقودة في حياتهم هي الدولة الإسلامية " لذلك فإن قضيتهم الأولى هي قضية سياسية تتطلب عملاً حركياً "لاقامة دولتهم الشرعية بديلاً عن الكيانات الجاهلية المقامة في بلدانهم" (ص15-16). وتؤكد الكتلة الاسلامية في منشورها ان المشكلة الأساسية ليست في المستعمر بل في خلل العمل الاسلامي. وبعد ان تصنف العمل الاسلامي المعاصر الى منهجهين الأول اصلاحي والثاني تغييري ثوري تعلن انحيازها للخط الثاني لأنه هو "الاسلام الحق والدين القيم والنهج الصحيح" (ص24).
23- يشير الصادق المهدي الى تعارضات الق الاسلامية واستخدامها الدين حسب الظروف والأهواء اذ يقول "للأسف درجت بعض هذه التيارات التقليدية الاسلامية للمناورة وبصورة لا تليق بنهج اسلامي، ففي ظروف ينطلقون من موقفهم التقليدي ويقولون ان نظام الحكم الاسلامي يؤيد نظام الاتجاة الواحد ويمنع وجود الأحزاب لأنها تفرق الكلمة، وفي ظروف اخرى يقولون العكس وان النظام الديمقراطي الحديث هو تطبيق لنظام الشورى الإسلامي. وهكذا مناورات وتناقضات حول قضايا الاقتصاد والسياسة الخارجية". (تحديات التسعينات، صفحة 130).
24- يقدم كاتب محمد الطويل (الاخوان في البرلمان) فكرة عامة عن دور القوى الاسلامية في مجلس الشعب المصري ومشاريعهم واقتراحاتهم ومناقشاتهم، الناشر المكتب المصري الحديث، الطبعة الأولى، القاهرة 1992 (360صفحة).
25- هشام مبارك، الارهابيون قادمون - دراسة مقارنة بين موقف الأخوان المسلمين وجماعات الجهاد من قضية العنف (1938-1994)، مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحافية، الطبعة الأولى.
26- يتهم الصادق المهدي في كتابه "تحديات التسعينات" الجبهة الاسلامية بأنها استمدت "كل فكرها الديني من حركة الاخوان المسلمين في مصر، واستمدت كل فكرها السياسي السوداني من حزب الأمة، وكل أساليبها التنظيمية من الحزب الشيوعي السوداني" (ص205). اصدار شركة النيل للصحافة والطباعة والنشر، القاهرة 1990 ويتهم حزب الامة في كتاب "الديمقراطية في السودان" الجبهة الاسلامية باستخدام الأساليب الشيوعية الانقلابية ويسمي " السيد أحمد سليمان الذي كان شيوعيا بارزاً في الجبهة الاسلامية عام 1989 " بتوريط الجبهة في الانقلاب كما سبق له وورط الحزب الشيوعي في انقلاب أيار (مايو) 1969 (ص15). مركز أبحاث ودراسات الأمة، تشرين الأول (اكتوبر) 1990.
27- محمد حامد أبو النصر "الحياة" 4 أيلول (سبتمبر) 1995.
28- هذه دعوتنا -بيان للناس، رسالة المرأة، رسالة الشورى، لندن، تشرين الأول (اكتوبر)1995.
29- أمينة النقاش "الأهالي" 20 أيلول 1995. أصدرت المحكمة العسكرية العليا في القاهرة أحكامها في القضية التي اتهم فيها 13 من قادة الأخوان، وكانت القضية احيلت على المحكمة العسكرية بقرار من رئيس الدولة في ايار (مايو) 1996 بتهمة "تعطيل أحكام الدستور والقوانين" و "السعي الى اثارة الجماهير ضد نظام الحكم القائم في البلاد". وذكرت "الحياة" في عددها الصادر بتاريخ الجمعة 16 آب (اغسطس) 1996 ان رئيس المحكمة دخل القاع وقرأ الأحكام سريعاً ثم أعلن نهاية الجلسة في أقل من خمس دقائق، وقضت بسجن ثلاثة أعضاء سابقين في البرلمان (مجلس الشعب) واستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة القاهرة، واستاذ في كلية الزراعة في جامعة الأزهر، وطبيب. وكانت ثلاث دوائر عسكرية أصدرت في العام 1995 أحكاماً بالسجن ضد 54 من قادة الاخوان.
وفي اليوم التالي لصدور القرارات ذكر المرشد العام لحركة الاخوان مصطفى مشهور ان الاخوان "لن يغيروا أسلوبهم نتيجة للأحكام العسكرية". وذكر ان "الاحكام لم تراع الظروف الصحية والسنية للمتهمين، ومن بين المحكوم عليهم نحو خمسة أشخاص تخطوا سن السبعين". ("الحياة" السبت 17 آب 1996).
30- يبذل برنارد لويس جهده لتأكيد فكرة ان اسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط -الى جانب تركيا- ليشير الى ضرورة استمرار التحالف الاستراتيجي بينها وبين الولايات المتحدة لمواجهة الحركات الاسلامية الأصولية في الشرق الأوسط الجديد الذي اتسعت مساحته الجغرافية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ويؤكد مراراً عل أ، الديمقراطية الاسرائيلية أسستها غالبية "أوربية من السكان في أعقاب الادارة الاستعمارية البريطانية، وهي استمرت بشكل ملحوظ رغم التغييرات الديمقراطية والسياسية، ولم تسقط رغم ضغط عقود من حالة الطوارئ العسكرية". فالمستشرق لويس يلمح الى أن اسرائيل ديمقراطية لأنها اوربية في تكوينها السكاني بينما الدول العربية ليست كذلك لأنه ينقصها المجتمع المدني الحقيقي الذي يحافظ على تماسك الدولة وتفتقر الى "حسن حقيقي بهوية وطنية مشتركة أو ولاء مطلق للدولة-الأمة". (قراءات سياسية، قراءة جديدة للشرق الأوسط، ربيع 1993).
31- حسن الترابي، قضايا التجديد - نحو منهج اصولي، معهد البحوث والدراسات الاجتماعية، الطبعة الأولى، الخرطوم 1990.
32- الترابي، تجديد الفكر الاسلامي، شركة مطبعة ايمان، الخرطوم 1980 صفحة22-23.
33- الترابي، المسلم بين الوجدان والسلطان، دار الصحوة للنشر، لندن، من دون تاريخ. صفحة 13.
34- فازت "الجبهة الاسلامية" بمعظم المقاعد المخصصة للخريجين في انتخابات نيسان (ابريل) 1986 وتوزعت مقاعد البرلمان كالآتي:فاز حزب الأمة بـ 105 مقاعد، وحزب الاتحادي الديمقراطي بـ 63 مقعداً، والجبهة الاسلامية بـ 51 مقعداً، والاحزاب الجنوبية بـ 26 مقعداً.
35- يصف الاستاذ في معهد الدراسات الاسلامية في جامعة الخرطوم الدكتور التيجاني عبد القادر حامد في مقال "السودان وتجربة الانتقال للحكم الاسلاميط ازمة الطليعة المسلمة الحديثة في السودان بأن أساسها يعود الى "انها تنتمي بحكم وضعها الاجتماعي وتكوينها الثقافي الى ذات النخبة الفوقية العلمانية المتحكمة التي أفرزتها المؤسسة الاستعمارية والمؤسسات الحديثة التابعة لها، ولكنها تختلف عنها بالتزامها بالمشروع الاسلامي" (مجلة قراءات سياسية، السنة الثانية، العدد الثالث، صيف 1992).
36- ينتقد الأفندي الحركة الاسلامية المعاصرة ويعتبرها مثلها مثل "الاحزاب والمنظمات التي نشأت في القطاع الحديث، مصابة بمرض التعالي الثقافي على المجتمع السوداني الذي ظلت تحتقر أفراده لأن غالبيتهم من الأميين لا يفهمون في الحداثة وأمورها". ويطالب الأفندي بإعادة تأسيس "حركة اسلامية جديدة، تبنى على انجازات ما سبقها، وتجمع الصف الاسلامي السوداني، وتتحرك في إطار يتيح أيضاً الحرية للآخرين للعمل" صفحة 234، الثورة والاصلاح السياسي في السودان، إصدار منتدى ابن رشد، لندن 1995.
37- دستور الجبهة الاسلامية القومية وبيان مؤتمرها الختامي (19-21 شعبان 1405 هجرية)، الدار وتاريخ النشر غير محددين.
38- يشرح الأفندي في كتابه أسباب وعوامل كراهية الترابي من قبل اليساريين والاسلاميين (التقليديين والاصلاحيين) في كتابه (الثورة والاصلاح) ويشير الى محاولة مجموعة ضمت معظم العناصر القيادية في التنظيم (الاخوان) ازاحته من القيادة في مؤتمر عقد في نيسان (ابريل) 1969 و"لكنهم لم ينجحوا في ازاحته، وكان محور الاتهامات التي وجهها منتقدو الترابي له انه التفت الى السياسة وركز عليها على حساب التربية والانتقائية في العضوية(...) وحين تصاعد الجدل حول هذه الناحية، قدم الترابي تنازلاً لمنتقديه بأن تخلى عن زعامة تنظيم الاخوان المسلمين لواحد من هؤلاء المنتقدين (...) بينما تفرغ الترابي للعمل السياسي وادارته عبر التنظيم الموسع (جبهة الميثاق الاسلامي) التي كانت تضم مدارس متعددة ويجمعها اتاق على حد أدنى من الموجهات (...) في منتصف السبعينات تجدد الصراع مرة أخرى حول توجهات التنظيم..." (صفحات 226 و 227 و 228).
39- عبد الله جاب الله، الجزائر والخيار الديمقراطي، محاضرة القيت في لندن بتاريخ الأول من نيسان (ابريل) 1996.
40- كميل الطويل، دراسة جامعية عن التقاليد والحداثة على فكر علي بلحاح،ص 24-27.
41- محفوظ نحناح، البرنامج البديل، المؤسسة الجزائرية للطباعة،1995، صفحة 39.
42- ابراهيم بن عمر، رجل الحوار محفوظ نحناح، الجزائر1995 صفحة 105.
43- نشرة الفجر، العدد 16، 1996.
44- تفاقم النزاع الدموي بين المجموعات الجزائرية المسلحة اثر انقسامها على فرق صغيرة متناحرة. ونشرت "الحياة" في عددها الصادر بتاريخ الاحد 28 تموز (يوليو) 1996 بيان "الجماعة الاسلامية المسلحة" وذكر أن اميرها جمال زيتوني (أبو عبد الرحمن امين) قتل جنوب غرب العاصمة وعينت عنتر الزوابري (أبو طلحة) أميراً جديداً لها. واتم البيان جماعة "الجزأرة" بنصب كمين أدى الى مقتل ثلاثة أعضاء من الجماعة، وأطلق البيان على الجهة المنافسة صفحات "المبتدعة" و "المارقون" وغيرها من التسميات.
45- صحيفة "السلام" الجزائرية، 13 أيار (مايو) 1996، مذكرة الرئيس الجزائري.
46- حوارات، ص 71، يرى الغنوشي في حوار سابق أجرته معه مجلة "قراءات سياسية" ان الحركة الاسلامية في تونس "هي ملتقى لتيار واسع من الألوان الفكرية والمنازع السياسية والأمزجة المتعددة ضمن منظور أصولي اسلامي مما تعارف عليه المسلمون في عصورهم المتلاحقة، انه الحد الأدنى من الاسلام". ويمر حل الغنوشي في حواره محطات أجيال الحركة السياسية المعاصرة ويرى انها تطورت على اربع فترات: جيل التوفيق، جيل الاقتباس، جيل التقليد، جيلالتغريب. ويفضصل أخيراً بين التغريب والديمقراطية لأن "التغريب هو بذاته عملية عنيفة تتمثل في التسلط على ارادة شعب وسلخه عن هويته وسياقه الحضاري والتاريخي". (السنة الاولى، العدد الرابع، خريف1991).
47- حزب النهضة التونسي، دروس الماضي واشكالات الحاضر وتطلعات المستقبل، حزيران (يونيو) 1996.
48- خالد الحروب، الفكر والممارسة السياسية عند حركة حماس، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، تحت الطبع.
49- هيلينا كوبان، "الحياة" 8/3/1995.
50- يعتبر لويس في مقاله (قراءة جديدة للشرق الأوسط) ان تركيا هي الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي "استمرت فيها الديمقراطية تعمل وتنمو على رغم الصعوبات والعقبات. ففي تركيا لم تأت الديمقراطية موروثة من حكام امبرياليين، ولا مفروضة من اعداء منتصرين. كانت اختياراً حراً من الأتراك أنفسهم". (قراءات سياسية) مصدر سابق.
51- الفجر، السنة الثانية، العدد 13، 1996.
52- الفجر، السنة الثانية، العدد 17، 1996.
53- كتب طلال عتريسي في افتتاحية "شؤون الأوسط" الشهرية حول الحدث معلقاً "شكل الائتلاف الاســـلامي - العلماني (...) حدثاً بارزاً ليس في بلاد "الأصولية الكمالية" فحسب، بل أيضاً في المحيط العربي والاسلامي الذي يعيش منذ أكثر من عقدين من الزمن قلق "الظاهرة الاسلامية" وتوسع انتشارها، ومخاوف وصولها الى السلطة أو الاستيلاء عليها.
وعلق ميشيل نوفل في العدد نفسه قائلاً "لا تعني "دعوة الدين" في تركيا الثمانينات فشل مشروع التحديث، كما لا تعني انتشار حالات التحول الى الاسلام الاصولي أو الراديكالي، والدلالة الحقيقية لهذه الظاهرة العامة في مجتمعات الشرق الأوسط، ان الدين بات ضرورياً للمجتمع ويساعد في علاج مشكلة الهوية والأمن الكياني للأفراد، وأن الفكر الاسلامي يكتسب شرعية قانونية واجتماعية " (شؤون الأوسط، العدد 53 تموز/يوليو1996).
54- في مناسبة الانتخابات النيابية في لبنان أصدر، مثلاً حزب التحرير (الاسلامي) فرع لبنان بتاريخ 6/8/1996 وجهة نظره في المسألة وتطرق الى الموضوع من جوانب مختلفة. وعلى رغم صغر حجم البيان الذي تألف من صفحتين يمكن استخلاص الكثير من النقاط تلقي الضوء على أسلوب تفكير هذا القطاع من المسلمين الحركيين.
يؤكد البيان الذي حمل عنوان "حكم الاسلام في الانتخابات" على أن الانتخابات اسلوب من الأساليب التي اباحها الشرع الاسلامي لاختيار الوكلاء (النواب أو الممثلين) لكن الأنظمة القائمة حالياً في العالم الاسلامي ليست اسلامية وبالتالي على المسلم "أن يعمل بأقصى طاقة وأقصى سرعة على هدمها واقامة النظام الاسلامي مكانها". ويفهم من التعليق ان الترشيح يجوز في ظل الحكم الاسلامي فقط. لكن البيان يعود فيؤكد ان من حق المسلم الترشيح "شرط ان يعلن على الملأ مع اعلان ترشيحه أنه لا يؤمن بهذا النظام " وانه "لا يقصد أكثر من تسخير منبر البرلمان لقول كلمة الحق وحث المسلمين على اقتلاع الطاغوت من جذوره". ولا يكفي ان يضمر المرشح هذه الشروط في نفسه "بل يتحتم عليه شرعاً ان يعلنها على الملأ ".
ويحدد البيان مهمات النائب المسلم، وفي حال ترشيح بالشروط المذكورة ونجح على أساسها بمحاسبة النظام ومؤسساته فقط ويمنع عليه "التشريع" أو "منح الثقة للحكومة" أو "المصادقة على الاتفاقيات" أو "انتخاب رئيس الجمهورية". وكل نائب يمنح "الثقة للحكومة تحكم بالكفر أو يصادق على اتفاقيات قائمة على قوانين كفر أو ينتخب رئيساً يحكم بالكفر يكون شريكاً لهم في جرمهم".
تقتصر مهمة النائب المسلم على محاسبة الحكومة ومؤسساتها لأن قضيته هي " انقاذ الأمة من براثن وثنية الغرب" والعمل على "اعادة الخلافة الراشدة". وكل نائب يشعر أن مهمته الشرعية ممنوعة عليه بالاستقالة حتى لا يتهم الاسلام بالمسؤولية والتقصير.
ويرفض البيان قاعدة "اهون التشرين" ويعتبر التبريرات المقدمة ليست فقهاً ولا اجتهاداً لأنه على المرشح ان يلتزم بالشرع "من حيث الترشيح الى النهاية". واذا تعذر على المسلم العمل ضمن تلك الشروط والمواصفات في البرلمان فهناك وسائل اخرى أكثر فاعلية حتة لا يكون دخوله البرلمان "شهادة زور".
ويصل البيان في النهاية الى افصاح وجهة نظره عن كل مكا يقال عن اللعبة الديمقراطية. فإذا تعذر العمل بالشروط المذكورة من داخل البرلمانات على المسلم ان يعمل على انتزاع السلطة "عن طريق طلب النصرة من أهل القوة". ولم يحدد البيان من هم "أهل القوة" هل هم الجيش أم رجال الأعمال والمال أم أدوات سياسية وهيئات ومنظمات شعبية؟ ولم يحدد البيان أدوات التنفيذ. هل يتم الأمر بالسلاح أم بالاضراب أم بالعمليات المسلحة السرية أم باحتلال ادارات الدولة ومؤسساتها ؟.
على رغم وضوح البيان في فقراته النقدية التي هي أصلاً موجهة ضد الاتجاهات الاسلامية التي تخوض الانتخابات وترشح الى البرلمان وتناقش في مختلف الشؤون التشريعية والادارية والقضائية ولا تكتفي بمحاسبة الحكومة بل تساهم في التصويت واعطاء الثقة أو حجبها، الا ان البدائل العمليةعنده غير واضحة ومبهمة. فالبيان يقطع النقاش في النقاط التي كان يجب ان يفصل فيها ويزيدها وضوحاً وتوضيحاً. لكن قراءة البيان تكشف ان الهدف من اصداره نقد الاتجاهات الاسلامية الموافقة على اللعبة الديمقراطية (حزب الله، الجماعة الاسلامية، جمعية المشاريع الاسلامية، وغيرهم من تجمعات اسلامية) أكثر من نقد الديمقراطية أو الدولة المعنية بالموضوع سواء في لبنان أو الأردن.

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها.

التقييم الحالي
بناء على 1 آراء
أضف إلى
أضف تعليق

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها. يرجى قراءة ضوابط التعليقات المنشورة
الاسم
عنوان التعليق
التعليق

Warning: array_search() expects parameter 2 to be array, null given in /home/arab4d/application/democracy/controllers/PagesController.php on line 47