You are here:الرئيسية>دول عربية>دول>مصر>دساتير وقوانين - مصر

مراجعة كتاب: سويم العزي، الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعية العربية والحراك السياسى العربى

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 1094 مرة
الكاتب  سويم العزي

كثر الكلام فى العالم العربى بخصوص دور شبكات التواصل الاجتماعية العربية كأداة ساهمت فى التغيرات التى أُطلق عليها بالربيع العربى، كلاما يفهم منه بأن التغيرات النوعية التى تمت يعود الفضل فى إنجازها إلى المساهمات الفعالة لهذه الشبكات فى تحريك المواطنين على الأخذ بالمبادرة فى تغير الأوضاع السياسية، بدلا من الحركات والأحزاب السياسية التى فشلت فى كل نشاطاتها على تحسين الأمور أو فى تغيرها بسبب: إما لتبعية هذه المؤسسات ماديا للسلطة، أو فكريا لتقاسمها أو مشاركتها من قريب أو بعيد لقيم ومعطيات أيديولوجيات السلطة. بعبارة أخرى، إن بفضل تمتع الشبكات العربية باستقلاليتها الذاتية على تأثير السلطة، سمح لها هذا التمتع فى الأخذ بزمام المبادرة فى المطالبة بتغيير الأمور السياسية داخل المجتمع العربى.

وتعتبر الفضائيات الإعلامية جزء من أجهزة الاتصالات الجماهيرية التقليدية والتى تشمل الصحف والمجلات والراديو والسينما والتليفزيونات المحلية، وظيفتها الأساسية تتركز على جمع المعلومات وإتاحتها للمواطنين والمستهلكين للاستفادة منها، أى بإعلام المواطن بما تقوم به السلطات السياسية من أعمال. إن دور الفضائيات الإعلامية يتحدد بوظيفتين من بين ثلاث تلك التى تهدف لتحقيقها المؤسسات المالكة لهذه الأجهزة وهى: (تحقيق النفع العام من خلال برامج ذات أهداف اجتماعية وسياسية، وإعلام وأخبار وتعليم وتعميم المواضيع العلمية، وبرامج إقناعية تابعة لمؤسسات حكومية أو خاصة تهدف بصراحة التأثير على الأفراد). أما الوظيفة الثالثة فهى تتحدد بتقديم البرامج الترفيهية التى تهدف إلى تحقيق العوائد المالية لهذه المؤسسات على حساب كل ما هو إعلام سياسى وثقافى. وإن التركيز على وظيفتى تحقيق النفع العام ومحاولة إقناع الأفراد يعنى بأن هذه الوظائف تتضمن برامج تحمل رسائل ذات مدلولية معينة تتنوع مع تنوع حاجيات ومصالح الأفراد، وهذه الأخيرة تتنوع هى الأخرى تبعا لتغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى ظروف الزمان، لذلك فإن عمل المؤسسات الإعلامية والمقصود بها الفضائيات الإعلامية يتجلى فى بحثها المستمر على طريقة تضمن لها استمرار تأثيراتها على الأفراد.

إن نجاح الفضائيات فى تفتيت الذاكرة العربية يتجسد عبر ثقافة الصراع، كما يتم عرضها فى برامجها المباشرة والساخنة، كثقافة للتعامل محل ثقافة الحوار، فتغير بذلك من مفهوم التواصل السياسى الذى يعنى عرض وتفسير الرسائل والمعلومات أو الإشارات لأغراض التقاسم معها، أى تقاسم المستمعين والمشاهدين لها والدفع بالفرد للتفاعل مع محتواها بغرض تقاسم السلطة. وكما هى الحال مع الفضائيات العالمية، حيث يهدف التقاسم إلى إيجاد أحسن الطرق لتثبيت إدارة حاكمية المجتمع السياسية، بحث الفرد على لعب دوره فى تثبيت تقاسم السلطة ما بين هو أفقى وعامودى، أى تقاسم السلطة بين الحكام والمحكومين، حيث تتقاطع فيما بينهم المعطيات التى تهم المجتمع السياسى، أى الخروج من حالة استقطاب السلطة بيد القمة السياسية داخل المجتمع أو بيد القوى المالكة للرأسمال.

ولا يخفى على أحد أن من أهم نتائج التطور والتقدم العالمى، تحول العالم إلى قرية كونية تتداخل فيه العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية إلى درجة أن سمة التبعية المتبادلة للسيادة أصبحت أصبحت إحدى معالمه. ومن بين عوامل شد أواصر مكونات هذه القرية هى الشبكة العنكبوتية المعروفة باسم "الانترنت" بأدواتها المتنوعة والتى تتطور أشكالها يوما بعد يوم ومساهمتها فى جعل العالم مسطح على حد تعبير "توماس فريدمان"، تطور نظر إليه البعض بأن له انعكاسات مهمة لكونه بدأ يتدخل فى الشئون السياسية كسلطة خامسة تتنافس مع القنوات الإعلامية والسلطات السياسية فى عملية توجيه الرأى العام حسب منطقها. توجيه يذهب فى بعض الأحيان عكس ما ترغب إليه السلطات السياسية أو ما تطرحه القنوات الإعلامية، لأنه يهرب من كل مراقبة سياسية بسبب جذور تكوينه الفكرى والثقافى الذى يتميز بكونه لا يعكس ثقافة السلطة ولا معطيات القنوات الإعلامية، وإنما هو حاصل تحصيل الحوار القاعدى لأهل هذه القرية الذى يفسر ويبرر ويخلق وينفذ ما يلتزمون به، ليس لأنه تجسيد للثقافة التى نشأوا عليها، بل لكونه يعكس ما يشعرون فيه آنيا.

إن تطور الاتجاهات السياسية المعارضة للسلطة ولنخبها المتعاونة معها أو المشتركة معها فى عملية إدارة النظام السياسى، جسدت وجودها عبر ما يُطلق عليه الآن بالحركات الاجتماعية الجديدة، والتى تكمن وراء ظهورها، عدم تمكن السلطة من إشباع مصالح مواطنيها أو فى تجاوز السلطة لقواعد اللعبة السياسية التى نظم المجتمع السياسى على ضوءها. ففشل هذه الحركات الاجتماعية فى إسماع صوتها عن طريق تلك المؤسسات التنظيمية التى وضعها النظام السياسى لهذا الغرض، دفع بها إلى احتلال المجالات التى سنحت لها التكنولوجيا استغلالها، فى إثبات وجودها، وذلك عبر توصيل صوتها، ليس فقط على المستوى الداخلى، وإنما حتى على المستوى الخارجى، إذا ما توافقت شروط وظروف تحركهم مع الخارج، وذلك عبر استخدامات الانترنت وشبكاته التى خلقتها طليعة هذه الاتجاهات لغرض التعبير عن نفسها كصوت يمثل أهل هذه القرية الكونية، وكآلية فى فرض دورها بالضغط على القوى السياسية الفاعلة داخل النظام السياسى، عمل يعكس وبشكل واسع النطاق وعلى مستوى كل الدول، معاناة الحكومات والبرلمانات والأحزاب السياسية والسياسيين من ضعف الشرعية، وتقلص الروابط التى تربطها مع قواعدها.

ولا تختلف شبكات التواصل العربية عن شبكات التواصل الغربية، لا من الزاوية السوسيولوجية ولا من الزاوية السيكولوجية فى كون أن غالبية المتواصلين هم من الشباب، ولكون أن شبكات التواصل الغربية هى فى أساس تواجد شبكات التواصل العربية، لأن هذه الأخيرة تتقاسم مواقع أو تستخدم مواقع التواصل الغربية من فيسبوك وتويتر وماى سباى ويوتيوب، مع إضافة مواقع بعض المدونين العرب. إن نشاطات المتواصلين العرب هى نفس نشاطات الشباب الغربى، وكذلك الشباب فى العالم العربى على النت وهى: البحث، البريد الالكترونى، والدردشة، والترفيه، والمناقشات عبر الانترنت. وبالتالى، فإذا لم يكن هناك اختلافات كثيرة مع أنشطة شبكات التواصل الغربية من زاوية طريقة التواصل وأسبابه، غير أن المواضيع المطروحة تختلف من زاوية نوعيتها واهتماماتها، ولهذا فإن انغماسها فى القضايا السياسية أو الاجتماعية يتوافق والأوضاع السياسية والاجتماعية التى تتحكم فى المجتمع العربى.

إن المكانة الكبيرة التى أخذتها شبكات التواصل العربية فى نظر البعض أثناء التغيرات السياسية فى المجتمع العربى يدفع بالمرء إلى البحث عن حقيقة دورها السياسى بشكل موضوعى، لأن هناك دلائل تشير إلى أن ثقل دور الواقع الاجتماعى مازال له من الأهمية الكبيرة فى تحريك المشاعر السياسية من الدور الافتراضى لشبكات التواصل العربية، وبالتالى فإن هناك نوع من المبالغة فى إضفاء دورا رئيسيا على شبكات التواصل العربية فى تحريك الأمور السياسية يتجاوز واقع حالها الفعلى. وهذا التشكك بفاعلية شبكات التواصل العربية بكل أصنافها يعود أسبابه فى الحقيقة إلى:

أولا: ضعف انتشار استخدامات الانترنت فى العالم العربى والذى لم يصل إلى المستوى الذى يمكن له أن يلعب دورا مهما فى الحياة السياسية على غرار ما يمكن رصده فى العالم. فبسبب قلة المشاركة، وتبعا لطبيعة الانفتاح السياسى لكل جزء من أجزاء المجتمع العربى على نفسه وعلى الخارج، فإن دور فاعلية هذه الشبكات تبقى نسبية. فحسب الإحصائيات التى يقدمها تقرير حالة الانترنت العالمية Internet World Statsلعام 2011، فإن نسبة انتشار الانترنت فى العالم العربى ونسبة مستخدمى شبكات التواصل مثل الفيسبوك تبقى ضعيفة مقارنة مع بقية دول العالم. فنسبة مستخدمى الانترنت فى العالم العربى لعام 2011 هى 3.3% مقارنة بـ 96.7% فى بقية العالم. وأن عدد المشتركين فى الفيسبوك حتى 31 مارس 2012 هو 20.247.900، فى حين أن عدد المشتركين فى العالم فى هذا الموقع هو 815.277.380. ولم تحصل أى دولة عربية على موقع فى قائمة قمة العشرين دولة الأكثر استخداما للانترنت فى العالم. فكيف يمكن لهذا العدد الضعيف من لعب دورا فى التحرك السياسى، وعلى المستوى هناك نسبة 8.6% من المسجلين فى الفيسبوك هى أسماء وهمية، وذلك حسب ما ذكرته صحيفة لوموند الفرنسية، ولا يستبعد أن يكون هناك قسما من هذه النسبة موجودة فى العالم العربى نظرا لحالة حب التظاهر فى مجتمع حدود التواصل الفعلى الاجتماعى بين المواطنين محددة، يضاف إلى ذلك الرغبة فى إثبات الذات من خلال خلق الإثارة عبر محتويات الرسائل ومضامينها.

ثانيا: إن ضعف فاعلية شبكات التواصل الاجتماعية العربية فى الحراك السياسى لا يفسر فقط من زاوية انفتاح السلطات السياسية أو إنغلاقها على التطور التكنولوجى، ولا يكمن هذا الضعف فى وضعية الأمية فى العالم العربى فقط والتى لم تتغير نسبتها بسرعة رغم كل الجهود المبذولة من قبل السلطات السياسية، وإنما يعود الضعف إلى ترابط وضعية الأمية والوضعية الاقتصادية معا، عاملين يشكلان حجر عثرة فى طريق المشاركة السياسية، بمعنى أن نسبة العاطلين عن العمل والأعداد الكبيرة من الأميين تساهمان فى إضعاف تكوين الرأسمال الاجتماعى الضرورى لخلق المشاركة فى القضايا الوطنية.

وتشير التقديرات الإحصائية لتعداد السكان فى العالم العربى عام 2011 أنه قد بلغ 367.4 مليون نسمة، وأن نسبة الأمية فيه تصل إلى 7.6%، وأن نسبة البطالة بين الشباب حسب التقديرات الإحصائية لمنظمة العمل الدولية لعام 2010 بلغت 23%. وتم حصر تلك الأنظمة التى حدث فيها التغيير السياسى (حالة مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا)، إضافة إلى تلك الأنظمة التى عاشت اضطرابات عنيفة مثل (الأردن والمغرب والبحرين وسلطنة عمان)، وتم أخذ النسب المئوية وأعداد مستخدمى الانترنت كمؤشر على فاعلية شبكات التواصل العربية، فأعداد مستخدمى الانترنت عام 2011 والمسجلين فى الفيسبوك فى هذه الدول عام 2012 تتباين مع أعداد سكان كل بلد ونسبة البطالة فيه. ففى الدول التى تصل فيها النسبة المئوية للأمية إلى 50% مثل اليمن، ونسبة البطالة تصل إلى 14%، وهناك أقل من نصف مليون مسجل على موقع الفيسبوك، وأقل من 1% يستخدم التويتر، وإذا ما قورن وضعه مع وضعية المغرب الذى تصل فيه نسبة الأمية إلى 49%، ونسبة البطالة 9%، وعدد المسجلين على الفيسبوك يتجاوز الأربعة ملايين، ومستخدمى التويتر هو الآخر أقل من 1%، فحسب هذه الأرقام كان يفترض أن التغيير يتم فى المغرب وليس فى اليمن، وذلك بسبب الوقع العددى لمستخدمى شبكات التواصل، تلك التى وُصفت بأنها الممثلة للشريحة العليا للطبقة الوسطى. ولهذا السبب يمكن الجزم بأن الثورة لا تُصنع عن طريق الفيسبوك والتويتر، بل يجب بحث اندلاعها فى الظروف والأسس الموضوعية للمجتمع.

يصف أغلب الناس الأحداث التى عاشها المجتمع العربى بكونها ثورة، وصف يجرى تعميمه دون الأخذ فى الاعتبار اختلاف الأوضاع السياسية لكل قطر من الأقطار العربية. وإن تناسى اختلاف الأوضاع السياسية فى العالم العربى أو عدم الأخذ بها كمعيار للتعرف، يجب على المرء تفهم طبيعة ما جرى والتى تتضح نتائجها على المسرح السياسى اليوم. فبين تخبط وغموض فى المواقف التى تسيطر على المسرح السياسى العربى خلال هذه الفترة، رافق هذه الوضعية غياب فكرى واضح المعالم. ولا يمكن رد هذا الغياب إلى غياب المجموعة المثقفة داخل كل بلد، فهذه المجموعات لا تزال تلعب دورا داخل المجتمع العربى، غير أن غموض مواقفها السياسية وغياب عطائها الفكرى أو قلته، يمكن رده إلى طبيعة الأحداث السياسية التى عاشها هذا المجتمع.

وفى الحقيقة إذا كان تجاوز الفرد لحواجز الخوف من السلطة والقيود التي فرضت عليه من قبلها فى كل من الانتفاضة السياسية والتمرد والعصيان والثورة، تعنى حدوث تغير نوعى فى الحالة النفسية للفرد، نقلته من حالة اليأس من وضعيته إلى حالة الأمل فى تحسين هذه الوضعية، يشير هذا التغير أيضا إلى أهمية الدور الذى يلعبه الشعور بالغضب، كطاقة كامنة وفى لحظة زمنية محددة، فى منح الفرد الشجاعة الكافية لتجاوز قيود الخوف من السلطة عندما يربط إمكانية شعوره بالتقدير الذاتى، بشعوره بالاعتزاز والافتخار بعمله فى تخطى كل الصعاب. أى أن تفكيره سيبدأ بالتغير عندما يشعر بأن تحسين وضعه لا يتم إلا عبر تخطى مشاعر الخوف من السلطة.

المصدر: مكتبة الديمقراطية

موقغ الجماعة العربية للديمقراطية غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة