You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>الأرشيف>الحوار الوطني وإشكالية التصويت

مراجعة كتاب: طارق البشري، نحو تيار أساسي للأمة

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 925 مرة
الكاتب  طارق البشري

صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 2008 عن مركز الجزيرة للدراسات.  ثم صدرت هذه الطبعة-وهي الأولى- عن دار الشروق –في 75 صفحة من القطع المتوسط- لتناسبها والأحداث التي تمر بها مصر في أعقاب ثورة 25 يناير 2011.

المستشار طارق البشري وهو أحد أعمدة القضاء المصري، عرف أيضا بكونه مؤرخا وفيلسوفا وصاحب فكر متميز.  كما أن لديه ذخيرة من الفتاوى والآراء الاستشارية العميقة.  ورأس مؤخرا لجنة التعديلات الدستورية معينا من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

يدور موضوع الكتاب عن فكرة التيار الأساسي في الأمة، وكيفية تحقيقه، وخصائصه، وأهميته، ومكوناته، وأزمته، ومعوقات تكونه.
وُضع الكتاب في أربعة فصول:

الفصل الأول: مكونات التيار الأساسي.   تناول فيه المعوقات التي تحول دون تبلور تيار أساسي، وأزمته، وكيف كانت الصورة في عالم الحروب والنزاعات، وتناقضات الحياة الفكرية والثقافية، وتناقض الأمة والدولة.

الفصل الثاني: الأوضاع الثقافية للحوار، وناقش فيه المقصود بالمشروع الوطني والجماعة الوطنية.

الفصل الثالث: دور المؤسسات.  تحدث فيه عن الجماعات السياسية في مصر.

الفصل الرابع: الخاتمة التي احتوت على خلاصة الكتاب.

يقوم الكتاب على تناول النظرية والواقع ثم كيفية تطبيق الأولى على الثاني.  وفكرة التيار الأساسي من الأفكار المتميزة في جوهرها.وتعد من أهم وأغرب خصائصها أنها على انتشارها الواسع للغاية تجدها غير محددة الاسم أو المعالم! فهي تظهر للناس على صورة مطلب جماعي تروم إليه نسبة ضخمة من المجتمع على اختلاف طوائفه، لكن دون أن يطلق أحد على هذه النسبة من المجتمع مصطلح “التيار الأساسي”.  نضرب بذلك مثالا في المطلب الجماعي للشعب المصري برحيل رئيسه السابق محمد حسني مبارك-في العصر الحالي- ومطلب التخلص من الاستعمار في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى.

تناول الكاتب الموضوع بحيادية القاضي وبفكر السياسي فكان كمن رسم لنا لوحة تفصيلية بألوان واضحة دون أن يميل بنا إلى لون معين أو جانب بذاته من اللوحة.  ويتميز أسلوب المستشار البشري بالرقي في اللغة، وهي بطبيعة الحال السمة المعتادة من رجال القانون الفطاحل، إلى جانب عمق تراكيبه اللغوية.  ومع الجمع بين المصطلحات السياسية وصياغتها بأسلوب قانوني يجد المرء نفسه بحاجة إلى تركيز شديد أثناء القراءة، لأن كلمة واحدة أفلتت منك تعني إعادة قراءة الجملة أو الفقرة مرة أخرى. من ناحية لكي تستمتع ببراعة تراكيبه، ومن ناحية أخرى لتفهم الجملة كما يجب.  وهي لغة قد تبدو لكثير من المصريين-من حديثي العهد بالسياسة- في الوقت الحالي غريبة بعض الشيء، ولكنك لا تلبث أن تعتادها وتندمج معها.
التيار الأساسي كفكرة

يرى البشري أن التيار الأساسي هو فكرة يستعصى تحقيقها من خلال المبادرات الفردية، لكونها تولد من رحم التفاعلات السياسية والفكرية.  فلابد من وجود تعددية تتحاور وتتجادل ثم تتوج جدلها بمطلب يكون هو التيار الأساسي. مثال على ذلك التيار الأساسي الذي ظهر بعد ثورة 19 والذي نتج عن التدافع والتلاقي بين المصريين على اختلاف مشاربهم ممكن كانوا ينادون بالتحرر وأولئك المنادون بالإصلاح.

والتيار الأساسي ينتج بالأساس عن الحوار الدائم، وليس مجرد عقد مؤتمرات أو ندوات في الصحافة والكتب، بل هو حوار يشمل جميع أشكال التلاقي بين مختلف الحركات السياسية ونشاطها السياسي.

يبحث التيار الأساسي عما يجمع ويبتعد عن فكرة الطرح السلبي لأي فصيل في المجتمع، ويجعلنا أمام مسئولية إما أن نكون تقدميين نتحرك نحو ما يجمعنا ويحقق لنا غاياتنا المشتركة، أو أن نستسلم للمنطق السلبي الذي يقودنا إلى الاستسلام لواقع التخلف والتجزئة والغيبوبة الحضارية.
أزمة التيار الأساسي

يعاني التيار الأساسي من أزمة بعينها وهي نوعية القضايا المثارة على الساحة الجماهيرية، حيث كانت حتى عام 1984 من النوع الثقيل مثل اتفاقية كامب دافيد، ومشكلة بيع هضبة الهرم، ودفن النفايات النووية لصالح الدول الغربية.. الخ.  من بعد سنة 1982 وحتى 95 و96 وإلى يومنا هذا أثيرت العديد من القضايا التي شغلت الرأي العام دون النظر إلى وزنها النسبي في المجتمع.  فمثلا قضية الشقة من حق الزوجة وقضايا بعض النصوص الأدبية التي تعارضت وقداسة الدين كسلمان رشدي وأولاد حارتنا.  لم يوجد حينها للأسف من يبين الحجم الحقيقي لمثل تلك المشاكل من الناحية الاجتماعية.  فما هي نسبة قضية الزوجة الثانية والثالثة في المجتمع مثلا  كي نستطيع أن نقدر حجم النقاش الذي تستحقه؟!

ناهيك عن أزمة الإعلام الذي يعطي أولوية اهتمامه منذ سنة 1984 على قضايا حقوق الأفراد لا الجماعات، مثل حق الزوجة في مواجهة الزوج، والحريات الفردية في الفكر والتعبير، والإبداع الفردي للفنان أو الكاتب!  فيبدو الأمر كما لو انه يحاول إثارة أطراف على بعضها البعض ليظل محتكرا لاهتمام الناس، مما يستهلك جهود الجميع ويستنزف طاقاتهم محدثا ارتباكا فكريا كبيرا.
تناقضات تمزق حياتنا الفكرية والثقافية

1-   التناقض بين حركة الإصلاح الفكري وبين حركة الإصلاح المؤسسي.  وهو ليس بالأمر الجديد، إذ نجده واقعا في مجتمعنا منذ أيام محمد علي الذي ركز على الأخير.  ولم يحدث أن جمع بينهما أحد، مما أسقطنا في أزمة تحتاج إلى تفكير ملي.

2-   التناقض داخل الفكر الإسلامي من جراء الغزو الثقافي الغربي، فاتجهت حركة الفكر الإسلامي أكثر نحو المحافظين والمقاومين ومن ثم حدث صدام مع المجددين.

3-   التناقض بين الحركة الوطنية العلمانية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى وبين الحركة الوطنية الإسلامية، حيث اجتمع الاثنان في البداية على استقلال الوطن ثم حدثت بينهما هوة.
جماعات الضغط المجتمعية

انتقل المستشار البشري بعدها للدور الخطير الذي قامت به الدولة المصرية على مر سنوات في التجريف السياسي الذي تعانيه مصر اليوم، حيث عملت على إزهاق وحدات الانتماء الفرعية في مجتمعنا التي تقوم على أساس الإقليم أو النقابة أو الملة أو المذهب أو الحرفة مثل النقابات المهنية، ونقابات العمال، والمحليات، والحرف، وكل ما يتعلق بوحدة المذهب (الأوقاف والطرق والمذاهب والمدارس)، أو وحدة عقيدة (الملل والنحل والطوائف)، أو وحدة إقليم كالقرية أو المدينة أو الحي.  فكل ما سبق هي وحدات تمثل جماعات ضغط في المجتمع تسعى لتحقيق مصالح أفرادها والتأثير على القرار السياسي.  ولكن الأمر في بلادنا أن الدولة تحاول إزهاق هذه الجماعات لتحل محلها وتزداد المركزية فتكون النتيجة أن يزداد الناس سلبية وبعدا عن الدولة.  وللعجب أن عملية الإزهاق هذه تضرب بجذورها في دولتنا بعمق 150 سنة تقريبا منذ عهد الخديوي إسماعيل حين بدأت الدولة تحل محل الجماعات الأهلية في إدارة الشئون الذاتية للمجتمع.

ينتقل الكاتب في الفصل الثاني إلى تناول الأوضاع الثقافية للحوار باعتباره أساس لنشوء التيار الأساسي في الأمة.  وهنا طرح سؤالين: كيف نقيم التوازن في أمتنا؟ وكيف نصوغ التيار الأساسي السائد؟
التوازن

يقصد بالتوازن هو السعي المستمر نحو ما تتراضى عليه الجماعة من أهداف، وشبه هذا التوازن بالسابح في الماء الذي يتحرك دائما ليلائم أوضاع جسمه مع حركة الأمواج متغيرة القوى والاتجاهات فلا يهدر طاقاته ويستثمرها في الوصول لهدفه.

وهذا عكس التوازن الصفري الذي تحدث فيه موازنة بين أمرين لتكون نتيجتهما دائما هي اللاشيء.  وهي القاعدة التي تسري في السياسة، حيث يجتهد كل طرف في أن يضع خصومه في حالة توازن صفري ليأمن على نفسه.
صياغة التيار الأساسي

تـأتي صياغة التيار الأساسي بالجمع بين القوى المجتمعية المختلفة مهما كانت توجهاتها أو مصالحها ليعبر في النهاية عن المصالح العامة لهذه الجماعة. وهذا لا ينفي احتمالات الخلاف بين مكونات التيار، وهذا هو ما أطلق عليه مصطلح المشروع الوطني.
المشروع الوطني

المشروع الوطني هو الخطوط العامة لما يتفق أهل جيل أو مرحلة تاريخية معينة على انجازه. ويبدو هذا المشروع غير متكامل العناصر للوهلة الأولى، بل قد يظهر بعض التعارض وهنا تظهر قيمة الحوار بين تلك العناصر.  وضرب مثلا للمشروع الوطني في مصر في مطلع القرن 20 بأنه كان الإصلاح الداخلي + جلاء المستعمر.

وذكر خصيصة شديدة الأهمية للتيار: أن سيبقى دائما محلا للنقد من كل المشاركين فيه، لأنه لا يحقق لأي من مكوناته وجودا كاملا وتاما.  بل انه ينتقص من كلٍ حسب حجم كل مكون ووزنه وذلك لحساب المكونات الأخرى، فلا يميل نحو مكون دون الآخرين.  وهذا ما يجعل الجماعات السياسية تسعى دوما نحو تعزيز وجودها وقوتها في المجتمع، حتى تزيد من تأثيرها في هذا التيار.

وهذا التيار الأساسي لا يكون وحده بل تظهر حوله قوى أخرى جانبية قد تكون أشد صفاء، وقد تكون تلك القوى الجانبية أكثر حركية ونشاط بما يتعارض مع بطء الانجاز العام ولكنه أمر طبيعي، كما أن هذه التيارات الجانبية مفيدة في أنها تغذي التيار السائد بما تكتشفه من أوضاع جديدة طارئة وتضبط حركته حتى لا يركن إلى الجمود.

يأتي الفصل الثالث ليتحدث عن دور المؤسسات، حيث أن أي فكرة لابد لها من مؤسسات بها جماعة بشرية بينها شيء مشترك، فيستطيعون من خلال هذه المؤسسة تحقيق أهداف الجماعة وتفضيلها على أهداف الأفراد.  ومن دون هذه المؤسسات تكون الفكرة يتيمة ومتناثرة الأشلاء.

يختم الكاتب كتابه بالفصل الرابع “الخاتمة”، ويتحدث فيه بداية عن أن مستقبل الديمقراطية في بلادنا مشروط بما يلي:

1-   الوعي العميق بأهمية الأهداف الوطنية للبلاد وهي: الاستقلال (لتحقيق الحرية السياسية) والنهوض.

2-   أهمية المواطنة كمكون أساسي من مكونات الديمقراطية.  ويبن أن الديمقراطية تتشكل من خلال التوازن بين القوى السياسية المتعددة، وهذا التوازن يتحقق من خلال:

    مشاركة تلك القوى كلٌ بنسبة حجمه ودوره
    تداول السلطة بينها لفترات زمنية محددة
    الضغوط السياسية والاجتماعية من كل من تلك القوى

   ثم يسير بنا موضحا مبادئ البناء الديمقراطي:

    مبدأ التمثيل الانتخابي: بحيث تكون أجهزة التقرير ورسم السياسات والرقابة على التنفيذ مشكلة بالانتخاب، فلا يستطيع فرد أو جماعة فرض قرارا له على الآخرين.
    مبدأ الجماعية في اتخاذ القرار، ومن ثم يكتسب ذلك القرار صفته العامة، فلا ينحصر في فرد، إلى جانب أن الجماعية تؤدي إلى إثراء وتعدد وجهات النظر
    مبدأ التعددية الذي به يقوم التوازن.  ومن هنا فلابد للدولة بصفتها الحارسة لمصالح الجماعة السياسية أن تقوم على مؤسسات متعددة تقيد بعضها بعضا وتحد بعضها من أخلاق البعض وهو ما عرف في الفكر السياسي والدستوري بالسلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية.

3-   أهمية الفصل بين شخص القائم على العمل العام والعمل الذي يقوم به، ولتحقيق ذلك لابد من تأقيت شغل الوظائف العامة ومن ثم يحدث تداول للسلطة.

4-   ضرورة وجود تكوينات اجتماعية شعبية مثل النقابات العمالية واتحادات الفلاحين والحرفيين وغرف التجار والصناع وكذلك القبائل والعشائر.  وهنا يخلص إلى عبارة مهمة: إن الشعب الذي تتناثر إرادته أفرادا هو أصلح البيئات لتوليد الحكومات المستبدة المستندة إلى الارادة المطلقة للحاكم الفرد.

5-   لا مخالفة بين الديمقراطية والشورى.  فالأولى هي نماذج تمثل خلاصة تجارب الشعوب كنظم الانتخاب والأحزاب، الخ.  أما الشورى فمبدأ عام يظهر عند دراسة الأمور والبحث فيها ثم إصدار القرارات بعدها.

هي رحلة قصيرة نسبيا سبح فيها بنا المستشار طارق البشري في التيار الأساسي للأمة، ولكنها رحلة عميقة في المعنى والمغزى. تستحق من كل منا أن يجربها ولو مرة واحدة حتى يكون أكثر اطلاعا على هذه الفكرة ويقيمها ويكون له الحكم في نهاية الأمر.

المصدر: مراجعات كتب

موقغ الجماعة العربية للديمقراطية غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة