You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>مراجعات كتب>التسونامي العربي

مراجعة كتاب: محمد محفوظ، تحرير الديني: الدولة المدنية طريقاَ

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 874 مرة
الكاتب  محمد محفوظ

يعالج كتاب محمد محفوظ "تحرير الديني: الدولة المدنية طريقا" موضوعًا بالغ الأهمية في المجال العربي الإسلامي، من خلال تعرضه لأزمة الاجتماع السياسي، وذلك من خلال فصلين أساسين:

تناول في الفصل الأول سؤال علاقة الدين والدولة، طارحًا أفق هذه العلاقة وأبعادها المركبة.

أما الفصل الثاني فقد تطرق فيه للمجتمع المدني وسياقات التأسيس والبناء والتحول في المجال التداولي العربي الإسلامي.

ويعد هذا العمل جهدًا فكريًّا في استعادة النقاش حول الدولة الإسلامية من منظور مغاير يحاول قلب وهم الإشكاليات السائدة في الفكر العربي، محددًا المشكلة الحقيقية التي ابتُلي بها المجال الإسلامي في سيطرة السياسي على الديني، وتوظيف الرموز الدينية لأغراض ومصالح سياسية.

وقد أَلْقت هذه المشكلة بتداعياتها المختلفة وبظلها الثقيل والأسود على مجمل الحياة العامة للعرب والمسلمين، واعتبر الكاتب محفوظ أنه من الخطأ تصور المشكلة وكأنها سيطرة الديني على السياسي؛ لأن هذه المشكلة في أغلب عناصرها وأبعادها مصطنعة، ولا تعكس حقيقة الإشكال الذي تعانيه الأمة، قائلا: "المشكلة الحقيقية والشاخصة التي يعانيها المجال الإسلامي في هذا السياق هي إخضاع الديني بكل رموزه ومؤسساته وإلحاقه بالسياسي ومصالحه". كما يستمر الكتاب في تأكيد أن الحاجة اليوم تتجسد في ضرورة العمل على تحرير "الديني" من "السياسي"، وإعادة صوغ العلاقة بعيدًا عن سياسات الإلحاق والتبعية والتوظيف السيئ.

ومن خلال طرحه لسؤال: كيف نحرر الديني من تغول السياسي عبر مؤسسته الكبرى (الدولة) في التجربة العربية الإسلامي؟ يدقق البحث ابتداءً في إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي في التجربة التاريخية الغربية، مبرزًا أن المشكلة الغربية كانت في جوهرها تغول المؤسسة الدينية الكهنوتية على كل شيء، بحيث لا توجد مساحة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو اقتصادية إلا وهي تحت سيطرة "الكهنوت"؛ لذلك توجهت الإرادات الثقافية والسياسية والاجتماعية الغربية لصوغ معالجة تحد من سيطرة "الكهنوت" وتعيد الاعتبار إلى المجتمع بكل حيويته وإبداعاته، فكان العلاج في العلمانية.

ثم ينتقل للإشكال في المجال الإسلامي، مؤكدًا أن المؤسسة الدينية لم تتغول في حياتنا المعاصرة، وإنما الذي تغول هو السياسي بمؤسسته الكبرى (الدولة)، بحيث التهمت كل شيء في حياة العرب والمسلمين؛ فالمجال الإسلامي بكل عناوينه يعاني الأمرَّين من دولة تسلطية قمعية، لا هم لها إلا استمرارها حتى لو كان هذا الاستمرار على حساب التاريخ والعصر والوطن، مما أنتج فجوة عميقة بين الدولة والمجتمع.

وبعد أن عرج الفصل الأول على دولة الرسول في المدينة المنورة، وقيم الإسلام في السلطة، وقضايا التقدم الإنساني، ومجتمعية السلطة، وتخصيصه لمحاور فرعية لمعالجة قضية الحرية في نظام السلطة، وعلاقة ذلك بمدنية الحقل السياسي؛ توقف عند موضوع الدولة المدنية، مشيرًا إلى أن وظائف الدولة (أية دولة) بعيدًا عن مضمونها الأيديولوجي ورسالتها العقدية هي:

1- حفظ الثغور والحدود، ومنع أية محاولة للتعدي والعدوان.

2- حفظ المصالح العامة.

3- تحقيق العدالة.

وعلى ضوء ذلك تكون وظيفة الدولة الأساسية وظيفة مدنية، تستهدف المساهمة في تأمين حاجات المجتمع الضرورية، والعمل على خلق فرص التقدم وأسباب التطور في المجتمع؛ فالدولة في مفهومها ووظائفها ومهامها وهياكلها الإدارية والعملية، هي دولة مدنية، لكن هذا لا ينفي أن هناك قيمًا كبرى ومبادئ عليا في الدين الإسلامي، والدولة كجهازٍ معنية بهذه القيم، غير أن الكيفية التي تحقق بها الدولة هذه القيم، هي كيفية إنسانية مدنية.

ومن جهة أخرى، فلا لبس في أن الدولة المدنية التي يرسي دعائمها ومكوناتها الإسلام، ليس ادعاءً وإنما لها مكونات أساسية؛ هي التي تحدد صدق مقولة الدولة المدنية من عدمها. وقد رصد الكتاب هذه المكونات في كل من الأبعاد الآتية:

1- التعاقدية.

2- المشاركة.

3- المراقبة والمحاسبة.

4- التداول السلمي على السلطة.

ومن ثَم يرى المؤلف أن الدين الإسلامي -بكل قيمه وتشريعاته- لم يحدد شكلاً محددًا للدولة والسلطة، وإنما حدد مجموعة من القيم والمبادئ السياسية التي ينبغي أن تسود وتتحكم في مؤسسة الدولة، بصرف النظر عن شكلها ومسمياتها؛ فالمطلوب دينيًّا أن تلتزم مؤسسة الدولة بقيم ومبادئ ووظائف، أما شكل الدولة ومسمياتها المتعددة، فهي خاضعة لظروف الزمان والمكان وتحولات المرحلة، وما هو الإطار الأنسب للوفاء بتلك القيم والمبادئ الأساسية.

وفي رصده لعلاقة الحضارة بالدولة المدنية، يؤكد على أن التقدم نحو الحضارة والتطور الاقتصادي والاجتماعي هو في حقيقته تقدم باتجاه إقامة دولة مدنية، تكون رافعة حقيقية باتجاه قيم وحقائق الحضارة؛ فلا يمكن بناء حضارة في ظل دولة مستبدة، متوحشة، معادية لحقوق الإنسان، ولا تلتزم بمقتضيات العدالة العامة. ومن ثَم فالعلاقة بين الحضارة والدولة المدنية هي علاقة متداخلة ومتشابكة؛ فلا تبنى الدولة المدنية إلا بقيم حضارية، كما أن الدولة المدنية -من خلال مفاعيلها وحقائقها المجتمعية- تُعمِّق وتُجذِّر قيم الحضارة في الفضاء الاجتماعي والسياسي.

وتَخلُص الدراسة إلى أن الإسلام -في نصوصه التأسيسية وتوجيهاته العامة- لا يعارض ولا يناقض حقائق ومكونات الدولة المدنية، ولا يعني غياب النموذج التاريخي -بأي شكل من الأشكال- معارضة النصوص والتوجيهات الإسلامية للالتزام بكل متطلبات بناء دولة مدنية في الاجتماع الإسلامي المعاصر.

وإذا كانت الدولة -في المجالين العربي والإسلامي- تعاني أزمة شرعيتها وبنيتها ودورها ووظيفتها الحضارية، كما أن المجتمع أيضًا يعاني أزمة تتجسد في تفتته وتشرذمه واستحكام نمط التبعية والاستهلاك الترفي في مساره السياسي والاقتصادي الحضاري؛ فإن عملية الخروج من هذا المأزق التاريخي ليست من خلال إصلاح جهاز الدولة فقط، وإنما هي بحاجة إلى عملية استنهاض شاملة، تستوعب جميع مناحي الحياة. كما دعا المؤلف إلى ضرورة بلورة صيغة حضارية، تضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تكون علاقة تفاعل وتكامل لا قطيعة وصدام، ومنهج التفاعل والتكامل يقوم على سيادة مفهوم الديمقراطية والقانون والمواطنة والعدالة، مؤكدًا ذلك بقوله: "آن الأوان لنا في المجالين العربي والإسلامي للخروج من دولة المشروع التي حملت الشعارات واليافطات الكبيرة، ومحاربتها أشد المحاربة -على مستوى الفعل والواقع- والعمل مع كل القوى والطاقات لبلورة دولة الإنسان والقانون"، كما أن دولة الإنسان هي تلك التي تصون حقوقه وتحفظ نواميسه وكرامته.

وقد استمر الكتاب في الفصل الثاني متعاطيًا مع قضايا الدولة من مدخل علاقتها بالمجتمع، متطرقًا لموضوعات المفاهيم والسياقات والمضامين الجوهرية والقيم الأساسية للمجتمع المدني الأهلي، مشيرًا في معرض تحليلاته إلى ضرورة تقوية المجتمع المدني الأهلي، ومحاصرة الدولة وسلطتها المطلقة، وهو إحياء للمبادرات القاعدية وبث للروح في المؤسسات والمنظمات والتضامنات الشعبية المختلفة.

المؤلف محمد محفوظ منحاز لأولوية تعظيم دور الأمة والمجتمع، ومنع تغول الدولة وتحولها إلى كيان شمولي، والعمل على تحريك كل فئات المجتمع وشرائحه في عملية البناء والنهضة، وبالتالي؛ تكون الأولوية لتأسيس مجتمع عربي إسلامي فاعل يمارس دوره، ويتحمل مسئوليته التاريخية، ويقوم بحمل مشعل التقدم والنهضة، ويشارك بفعالية في تذليل كل العقبات التي تحول دون التقدم الشامل.

كما يؤكد الكاتب على أن الإسلام يبقى ضروريًّا لتأسيس المجتمع المدني الأهلي، وتطوير آليات عمله في المجالين العربي والإسلامي، وذلك لأن الإسلام يعظم دور الأمة والمجتمع في العمران الحضاري، ويجعل الدولة مؤسسة من مؤسسات الأمة وليس العكس. ولا ريب أن المدخل الفعال لدراسة المجتمع المدني الأهلي وموقف الإسلام ودوره في هذا الإطار هو أن المجتمع المدني الأهلي جزء من الأمة التي يوليها الإسلام العناية الكاملة، ويجعلها قطب الرحى في عمليات البناء والتنمية.

لقد كانت مؤسسات الأمة -في التجربة التاريخية الإسلامية- تمارس دورًا أساسيًّا في تنظيم حياة الناس السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ويتكاثف دورها ويتعاظم في زمن انحطاط الدولة أو غيابها أو هروبها من مسئولياتها تجاه الأمة، ففعالية الأمة السياسية والثقافية والحضارية من الأمور الهامة على مستوى الغايات التي تتوخاها المنطقة العربية والإسلامية، وعلى مستوى العمران الحضاري؛ إذ إن الأهداف الكبرى التي تحتضنها الأمة وتتطلع إلى إنجازها وتنفيذها لا تتحقق على مستوى الواقع إلا بفعالية الأمة وحركتها التاريخية وتجسيدها لقيم الشهادة.

ومن ناحية أخرى، يعتبر الكتاب أن جزءًا من الأزمة مرتبط بتصور جميع الأطراف للعلاقة بين الدولة والأمة، وهو تصور قائم على أن متطلبات الدولة متناقضة مع طموحات الأمة، وأن تطلعاتها لا تنسجم وضرورات الدولة.

ويقترح المؤلف حل هذه الأزمة من خلال إعادة تنظيم العلاقة بين فضاء كل من: الأمة والدولة، بحيث تتسق وتتناغم الإرادة الجمعية تجاه البناء والتنمية ومتطلباتهما السياسية والثقافية والاقتصادية والحضارية، وهو جهد متواصل ينبغي أن يتجه أيضًا لاستيعاب المتغيرات وإدراك المتطلبات الجديدة، فهذا الاستيعاب هو نتيجة استحقاق وسعي متواصل، وهو ثمرة تحرر وفعل نوعي في مختلف مجالات الحياة؛ فالاستيعاب العميق لمتطلبات اللحظة التاريخية، وهو الخطوة الأولى في المشروع، وَفق الانحدار وصناعة المنجز الحضاري. ويستخلص في الأخير أن السياسة ليست نضالاً ضد الأخلاق والقيم الإنسانية الكبرى، وإنما هي في جوهرها نضال من أجل الحرية والعدالة، لذلك ينبغي أن تكون الممارسات السياسية منسجمة مع هذه القيم.

المصدر: مركز نماء

موقغ الجماعة العربية للديمقراطية غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة