You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>نصوص كتب>نص كتاب: الديمقراطية أبدا

مراجعة كتاب: أليكس ثورستون، الإسلاميون في موريتانيا

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 928 مرة
الكاتب  أليكس ثورستون

موريتانيا أو "مملكة المرابطين" كما عرفت قديماً تعتبر نقطة خلاف بين صنّاع القرار في الغرب، فالبلد الذي اتّسم بعدم الاستقرار والانقلابات السياسية أثار اهتمام الحكومات الأمريكية والأوروبية المتعاقبة. نقطة الخلاف بين صنّاع القرار في الدول الغربية هي حول جدوى إدخال موريتانيا في المنظومة الدولية المجابهة للقاعدة، فهناك من يعتقد أن هذه الخطوة قد تساعد فعلاً في دعم الجهد الدولي لمحاربة المنظمات الإرهابية وخصوصاً القاعدة في بلاد المغرب العربي، لكن قسماً آخر من صنّاع القرار يعتقدون أن مثل هذه السياسية في بلد غير مستقر قد تحوّل البلاد إلى أرض خصبة للتيارات الإسلامية المتطرفة.

بهذا الجدل بدأ أليكس ثورستون دراسته بعنوان: "الإسلاميون في موريتانيا"، والتي صدرت عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في مارس 2012. ثورستون انطلق من هذا الجدل لدراسة وضع الإسلاميين في موريتانيا في صيغة يبدو فيها الحرص على تصويب الموقف الغربي من طريقة التعامل مع موريتانيا عموماً والإسلاميين فيها على وجه الخصوص. وكباحث متخصص في التيارات الدينية والحركات الإسلامية يقدم ثورستون نقاشاً جادّا ومغايراً لنظرائه حول أثر الضغط الغربي على موريتانيا في ما يتعلق بالحركات الإسلامية.

الإسلاميّون كداعم للديمقراطية
يشير ثورستون في دراسته إلى أن التنامي المتسارع للإسلام السياسي في موريتانيا قد أثار مخاوف الغرب بشكل كبير، فالأحزاب الإسلامية حققت تقدّماً واضحاً في الانتخابات مما يجعلها منافسا حقيقيا للتيارات السياسية الأخرى وشريكة في صنع القرار. لكن ثورستون يبدو أكثر توازناً من "صنّاع القرار" الذين تحدّث عنهم، فهو يفصل بين الإسلاميين الذين حققوا جماهيرية عالية وتقدّموا في الانتخابات وبين تلك التيارات المتطرفة التي تتبنى العنف. بل إن ثورستون يذهب أبعد من ذلك ليؤكد أن الحركات الإسلامية المعتدلة التي شاركت في الانتخابات لا تهددّ الولايات المتحدة في شيء، وإنها تقوم بتعزيز الديمقراطية من خلال توجيه غضب الشارع إلى المشاركة الانتخابية.

الإسلاميون في موريتانيا يُدينون بشكل صريح وعلني تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، كما أنّهم ساهموا بشكل واضح في تقليص قدرة التنظيم على تجنيد مزيد من الأعضاء، حيث شاركوا في الجهود الحكومية الهادفة إلى إصلاح المتشدّدين. بالرغم من هذا الدور إلّا أنهم رفضوا المساعدة الغربية المقدمة لموريتانيا في مجال محاربة الإرهاب كما أنهم رفضوا اعتراف موريتانيا بإسرائيل، لكن قيام الولايات المتحدة بالضغط على موريتانيا من أجل هذه القضايا قد يؤدي حسب اعتقاد ثورستون إلى تأجيج المشاعر المعادية للغرب في أوساط الإسلاميين، وخصوصاً أن قوة الإسلاميين في موريتانيا ستزداد بعد الثورات العربية التي ستتيح لهم تواصلاً فعّالاً مع الإخوان المسلمين في مصر وليبيا وتونس.

أسلمة المجتمع
يقول ثورستون: إن للإسلاميين في موريتانيا هدفاً أساسيّاً يتمثل في أسلمة المجتمع، فرغم كون المسلمين هم أغلبية السكان في موريتانيا إلا أن هذا لا يعتبر كافياً من وجهة نظر الإسلاميين، فهم يريدون مجتمعاً أكثر تديّناً كما أنهم يسعون لإدراج القيم الإسلامية في صنع السياسات وخصوصاً في مجالات التعليم والقانون والسياسة الخارجية. وحدة الهدف – أسلمة المجتمع – لم تنعكس على المنهج كما يقول ثورستون، فالحركات والتيارات الإسلامية في موريتانيا، تفسّر المبادئ الإسلامية بطرق مختلفة وهو ما قادها إلى مناهج متباينة في طريقة الأسلمة، فمنهم من رأى الانتخابات طريقته ومنهم من رأى إنشاء مجتمع المدينة، ومنهم من رأى إعلان الجهاد.

وفي معرض نقاشه لكيفية التعامل مع الإسلاميين في موريتانيا، يشير ثورستون إلى أن تعامل الحكومات الموريتانية مع الحركات الإسلامية الساعية لأسلمة المجتمع اتّسم بمفارقة جديرة بالاهتمام، ففي الوقت الذي تعرضت فيه هذه الحركات إلى القمع زادت شعبيتها وقوتها، لكن حين تم استقطاب هذه الحركات وتهدئتها سياسياً ضعف موقفها، وكمثال على ذلك يقول ثورستون: لقد ساعد انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وموريتانيا في تهدئة المواقف السياسية للإسلاميين، وهو ما جعلهم بحاجة إلى ما يميّزهم عن منافسيهم السياسيين.

تغير المجتمع والضغوط الجيوسياسية
الإسلام السياسي في موريتانيا آخذٌ في التطور والتنامي، وخصوصاً الإسلام السياسي المعتدل، وهذا التطور والتعزيز لدور الإسلاميين يرتبط بثلاثة عوامل رئيسية كما يؤكد ثورستون، وهي:
أولاً: لقد ساهمت الهجرات الموريتانية الواسعة من الأرياف إلى المدن في سبعينيات القرن الماضي في زيادة فرصة الإسلاميين في التواصل مع هذه الشريحة من السكان، ففي الوقت الذي هاجر فيه الريفيون هرباً من الجفاف كانت المدن تشهد ظهوراً لمنظمات مدنية بما فيها منظّمات وجمعيات إسلامية مثل "الجماعة الإسلامية" التي كانت تتعاطف مع الاخوان المسلمين.
ثانياً: لقد ساهم تدفق الأموال الخليجية في تعزيز القيم الإسلامية في المجتمع الموريتاني، فقد تم إنشاء العديد من المدارس الإسلامية والجمعيات بالإضافة إلى انتشار المساجد بشكل ملحوظ.
ثالثا: الضغوط الجيوسياسية التي تعرضّت لها موريتانيا ساهمت في تعزيز الإسلام السياسي، فقد تعرضت موريتانيا لعزلة دولية بسبب دعمها لصدام حسين في حرب الخليج، وحين خرج صدام مهزوماً من الحرب، حاولت موريتانيا فك هذه العزلة وإرجاع المساعدات الدولية من خلال عدة سياسات أدّت عن غير قصد إلى تمكين الحركات الإسلامية، ومن أهم هذه السياسات:

أطلق الرئيس ولد الطايع نظام التعددية الحزبية عام 1991 وهو ما أتاح للإسلاميين المشاركة في الانتخابات.

اعتراف موريتانيا بإسرائيل نتيجة الضغط الأمريكي عام 1999 أدى إلى نفور الموريتانيين من الحزب الحاكم، وهو ما صبّ في مصلحة المنافسين الإسلاميين، فثورستون يقول: إن الموريتانيين زاد ارتباطهم بالعمق العربي من خلال قناة "الجزيرة" وشبكة الانترنت، وهو ما يبقيهم متعاطفين مع القضية الفلسطينية ورافضين للاعتراف بإسرائيل.

قبول موريتانيا بالمساعدة الغربية من أجل مكافحة الإرهاب وقيام قوات أجنبية بأنشطة في منطقة المغرب الإسلامي شهد انتقاداً شعبياً وخصوصاً من الحركات الإسلامية، ورغم اتفاق الأخيرة مع الحكومة على ضرورة مكافحة الإرهاب إلا أنها تعتبر التدخل الأجنبي شكلا من أشكال الإستعمار.

كل هذه السياسات وخصوصاً سياسة القمع التي أجبرت الإسلاميين على العمل السرّي مكّنت القادة الإسلاميين من امتلاك مهارات العمل السياسي. وفي هذه الجزئية يقول ثورستون: لقد ظهرت العديد من الأحزاب السياسية في هذه الظروف لكن الحزب الأهم هو حزب "تواصل" الذي يعتبر تابعاً لفرع الإخوان المسلمين في موريتانيا، فالقمع الذي تعرضت له قيادة الحزب قد زادت من أهميته وهو ما مكّنه من تحقيق نجاحات مهمّة وإن كانت متواضعة في انتخابات 2007. كما أن حزب "تواصل" يتمتع بتماسك تنظيمي ناتج عن التزام أعضائه تفوق كل نظرائه، وهذا ما ساعد في نجاحه بالإضافة إلى نشاطه الإعلامي من خلال موقعه الإلكتروني بالفرنسية والعربية، وحساباتهم على فيسبوك وتويتر ويوتيوب، وظهور قيادته على فضائيات مهمة مثل "الجزيرة".

ويستدرك ثورستون قائلاً: إن حزب "تواصل" لم يحقق مكانة عالية بين الأحزاب، لكن بالنظر إلى ظروفه ومقارنة بوضع الإسلاميين في التسعينات فإن ذلك يعتبر نجاحاً وتقدّماً، لكن استمرارية النجاح مرتبطة بمدى قدرة الحزب على أقلمة خطابه مع المشهد السياسي الأوسع، كما يرتبط أيضاً بقدرته على الوصول إلى أنصار جُدد وخصوصاً من غير البيض.

العلاقة مع الإسلاميين العرب
يمتلك حزب "تواصل" شبكة علاقات جيدة مع الإسلاميين في الوطن العربي وخصوصاً في منطقة الخليج العربي والجزائر، وهو ما يضمن له دعماً مالياً ضرورياً، وتواجداً إعلامياً مهمّاً. كما أن قيادة حزب "تواصل" قد وسعت من دورها لتتجاوز الحدود الموريتانية وقد ساهمت في الوساطة بين جهات إقليمية وموريتانية. وجعلت الثورات العربية وما حصل في ليبيا من هذا الحزب الإسلامي الجهة الأهم التي عبّر من خلالها الموريتانيّون عن مناهضتهم للقذافي، وقد وصل الأمر إلى أن تم تمزيق الكتاب الأخضر في البرلمان الموريتاني على أيدي أعضاء كتلة "تواصل".

ويقول الباحث في السياق ذاته إن الثورات العربية التي ساهمت في تغيّير بعض الأنظمة في شمال إفريقيا ستزيد من حظوظ "تواصل" في إقامة علاقات أمتن مع هذه الدول، كما أن كونه جزءا من حركة الإخوان سيجعله قادر على إقامة علاقات متشعبة مع العديد من الحركات الإسلامية في الدول العربية. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن الخليج العربي سيبقى النقطة الأهم في علاقات الحزب خاصة أن آلاف الموريتانيين يعملون هناك، بالإضافة إلى أن جزءا من قيادات الحزب عملت وأقامت في دول الخليج مثل الشيخ محمد الحسن ولد الددو ومحمد جميل ولد منصور.

إلى جانب التقدم الإخواني في موريتانيا ممثلاً بتقدم حزب "تواصل"، يقول ثورستون: إن هناك تهميشاً للتيّارات الجهادية المتشدّدة، بل هناك مواجهة مفتوحة بين الحكومة وهذه الجماعة. القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي هي تنظيم جزائري في الأساس، وقد شنّت هجمات عنيفة عام 2005 دفعت الحكومة إلى التعامل بشكل حاسم معهم، لكن مواجهة هذه الجماعة واجهت مشكلة تعاطف بعض الشباب مع هذا الفكر المتشدد الذي يروّج له من خلال المواقع الالكترونية.

لقد انتقد حزب "تواصل" بشكل حاد هذه الهجمات العنيفة، وأوضح في أكثر من مناسبة أنّه لا يتبنى العنف وسيلة لتحقيق أهدافه. لذلك حصل نوع من التعاون بين الحكومة والإسلاميين للحدّ من قدرة المتشدّدين على تجنيد الشباب، فقد تشاركوا في برنامج إصلاحي قد يكون الأول من نوعه والأكثر إيجابية في كيفية التعاطي مع الفكر المتشدد، وربما تكون موريتانيا هي الجهة الوحيدة التي أدركت أن العنف ما هو إلا أحد أعراض الفكر المتشدد وأن مجابهة العنف بالعنف فقط لن تحل المشكلة من الجذور كما هو الحال مع مجابهة الفكر المتشدّد بالفكر المعتدل.

المصدر: مركز الدين والسياسة للدراسات

موقغ الجماعة العربية للديمقراطية غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة