مراجعة كتاب: مجموعة من الباحثين، تحرير: عمرو الشوبكي، إسلاميون وديمقراطيون: إشكاليات بناء تيار إسلامي ديمقراطي

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 905 مرة
الكاتب  مجموعة من الباحثين

في عام 1995 – وفي بواكير الاهتمام بظاهرة الحركات الإسلامية- كان من حظي أن أقع علي دراسة بالغة الأهمية في التقرير الاستراتيجي العربي. كانت الدراسة أول ما قرأته في دراسة الحركة الإسلامية بعيدا عن رؤيتين سكونيتين في دراستها تراها في إطار سكوني بعيدا عن أي مدخل اجتماعي سياسي باعتبارها ظاهرة استثنائية في التاريخ الإنساني؛ الأولي علمانية والثانية إسلامية!
كانت الدراسة بعنوان " الحركة الإسلامية بين صعوب الدمج واستحالة الاستئصال " وكان صاحبها الباحث الجاد الذي صار صديقا عزيزا عمرو الشوبكي.

وقبل عام ونصف كنت من ضمن المدعوين لحضور ورشة عمل عن إشكاليات بناء تيار ديمقراطي إسلامي شارك فيها عدد من الباحثين، وهي الورشة التي خرجت بمجموعة دراسات صدرت والعام الماضي يلفظ أنفاسه في كتاب " إسلاميون ديمقراطيون: إشكاليات بناء تيار إسلامي ديمقراطي" .

ربما كانت أهمية كتاب " إسلاميون وديمقراطيون " ، إنه قدم إلي الساحة الفكرية والأكاديمية كتاب حاول الإجابة عن تساؤلات كبري مرتبطة بالواقع السياسي والثقافي المعاش ، ومرتبطة بالجدل الدائر حول مستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية وعلاقة حركات الإسلام السياسي بهذا الجدل .

والحقيقة نحن أمام محاولة تتميز بالأصالة الفكرية والسياسية، وجاءت استكمالا لهم فكري بدأه معظم الباحثين المشاركين في هذا العمل منذ بداية العقد الماضي وقبل أن تصبح دراسة علاقة الحركة الإسلامية بالديمقراطية "موضة فكرية " ارتبطت في بعض الأحيان بالأجندة السياسية الأمريكية .

وقد تضمن هذا الكتاب ثلاث أقسام احتوت على ستة فصول ، وجاء القسم الأول تحت عنوان التحديات الفكرية والسياسية ، وتضمن دراستين أحدهما حول " نظرات في الخيال السياسي للإسلاميين إشكاليات منهجية وسياسية" للدكتورة هبة رءوف عزت مدرس العلوم السياسية بجامعة القاهرة ، والثانية حول " الإسلاميون وتحديات بناء مشروع ديمقراطي " للأستاذ هشام جعفر رئيس تحرير موقع إسلام أون لاين ، أما القسم الثاني : الحركة الإسلامية وتحولات الواقع خبرات وتجارب فتضمن ثلاث دراسات الأولي دراسة مقارنة وحملت عنوان " تجربتا الإخوان المسلمين في مصر وحزب العدالة والتنمية في تركيا : اختلاف في الخطاب أم في السياق السياسي " ، للدكتور عمرو الشوبكي ، والثانية حول " الإسلام السياسي ومابعد الإسلام السياسي للدكتور جان ماركو الخبير الفرنسي في الشؤون التركية ، والثالثة عن " تطورات الخطاب الديني الإيراني من الخميني إلي خاتمي " للباحث المصري الدكتور مصطفي اللباد ، وأخيرا جاء القسم الثالث تحت عنوان مستقبل الحركات الإسلامية في ظل العولمة وتضمن دراسة للأستاذ نبيل عبد الفتاح الخبير ورئيس وحدة البحوث الاجتماعية بمركز الدراسات بالأهرام .

وقد حرر الكتاب الدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الدراسات السياسية بالأهرام وأحد أبرز الباحثين في دراسة علاقة الحركة الإسلامية بعملية التطور الديمقراطي ، والذي كان له السبق في رصد علاقة الحركات الإسلامية بعملية التطور الديمقراطي.

والحقيقة أن أهمية الكتاب تأتي من عدة زوايا الأولي تكمن في إنه قدم أفكارا نظرية عميقة حول التحديات المركبة التي تواجه عملية دمج الحركة الإسلامية في عملية التطور الديمقراطي ، معتبرا " أن ظاهرة الإسلام السياسي تمثل مدخلا خصبا لاستخدام العديد من المداخل المنهجية والمعرفية في محاولة " لفك طلاسمها " ، فقد نظر إليها أما باعتبارها عالم ثقافي خاص ومغلق ، أو باعتبارها خطر ظلامي هائل يستلزم المواجهة والاستئصال ، وأخيرا أو نادرا من أجل فهمهما كظاهرة سياسية ـ اجتماعية يمكن استيعابها ودمجها في قلب الحياة السياسية وفي داخل عملية التطور الديمقراطي التي تشهدها كثير من المجتمعات العربية والإسلامية ".

وقد أشار الكتاب إلي تنوع المداخل التي قرأت الظاهرة الإسلامية وحددها في ثلاث أنواع :

الأولي جاءت من خلفيات فكرية علمانية سواء أخذت طابع يساري أو ليبرالي ، والثانية هي كتابات إسلامية صبغت على الظاهرة صفات التفرد والاستثنائية والسكون ، واختلفت عن القراءات العلمانية في المضمون وليس المنهجية، فالأولي أي العلمانية نظرت في كثير من الأحيان للظاهرة الإسلامية بصورة سلبية واعتبرتها حالة شيطانية تستوجب الاستئصال ، والثانية اعتبرتها ظاهرة ملائكية تجسد كل القيم والمفاهيم الإيجابية في العالم العربي ، أما الثالثة فنظرت إلي الظاهرة الإسلامية باعتبارها بالأساس ظاهرة اجتماعية، وتحاول أن تدمج بين الدلالات الثقافية التي تقف وراء وجود الظاهرة الإسلامية، وبين الدوافع والأسباب الاجتماعية والسياسية التي تقف وراء انتشارها ـ أو تراجعها ـ ، وتعمل على استخدام مداخل ثقافية اجتماعية تساعد على دمج الحركة الإسلامية في العملية السياسية والديمقراطية.

والحقيقة أن الكتاب حاول أن يدحض وجه النظر العلمانية التقليدية أو ما سماها " بالعلمانية الأصولية " التي تنظر إلي الحركة الإسلامية باعتبارها خارج تأثير الزمن والسياق الاجتماعي والسياسي ، وعلى أنها حركه معاديه بحكم الطبيعة والتكوين الداخلي للقيم الديمقراطية وغير قابله للتطور والتفاعل الإيجابي مع العملية الديمقراطية .

وقد ركز الكتاب وخاصة المقدمة التي كتبها الشوبكي على نقد الكتابات التي تعتبر أن هناك أسباب بنائية al تقف حائلا في أي مكان وزمان أمام تطور التيار الإسلامي وانفتاحه ديمقراطيا، على اعتبار إنها حركة لا تاريخية، تقرأ من خلال نصها المقدس والثابت أو من خلال خطابها الأيديولوجي ، باعتباره قدرا تاريخيا خالدا لا يتأثر بالزمن ولا بالبيئة الاجتماعية المحيطة.

وجاء في مقدمة الكتاب أيضا أن هناك بعد ثقافي يفسر وجود الظاهرة الإسلامية، وبعد اجتماعي ـ سياسي يفسر انتشارها ، ويفسر أيضا تبني بعضها لخيار العنف وتبني أغلبها للخيار السلمي، وتبني بعضها الكامل للديمقراطية كمفهوم وكممارسة وتردد البعض الآخر على القيام بذلك.

وتصبح الأسباب الرئيسية التي تقف حائلا أمام دمج الإسلاميين في عملية التطور الديمقراطي تتمثل أساسا في الظروف الاجتماعية المحيطة ودرجة ديمقراطية النظام القائم وقدرته على بناء مؤسسات ديمقراطية وقواعد قانونية تنظم العملية السياسية.

وقد جاء القسم الأول من الكتاب ليناقش بصورة رصينة التحديات الفكرية التي تقف أمام بناء تيار إسلامي ديمقراطي حيث أشارت د. هبة رءوف إلي مجموعة من التحديات أبرزها على سبيل المثال ما أسمته بأسطورة مركزية الدولة الإسلامية في مواجهة الدولة العلمانية ، وبصورة تقوض مفهوم الجماعة والأمة وتحجم من خيال الإسلاميين .

كما أشار هشام جعفر في دراسته الهامة عن " الإسلاميون وتحديات بناء مشروع ديمقراطي " إلي أطروحات خمس إلي العمل الإسلامي وعلاقاتها بقضايا الديمقراطية، أما في القسم الثاني من دراسته فأشار إلي علاقة الإسلاميون ببناء المجتمع الأهلي ، ثم اختتم دراسته بالحديث عن كيفية مساهمة الإسلاميين في عملية التطور الديمقراطي .

أما القسم الثاني من الكتاب فقد تضمن قراءه في خبرات وتجارب ثلاث بلاد كبري في العالم الإسلامي وهي تركيا ومصر وإيران ، وجاءت دراسة الدكتور عمرو الشوبكي لتقارن بين خبرة الإخوان المسلمين في مصر وحزب العدالة والتنمية في تركيا لتبرز الفارق بين التجربتين نتيجة أسباب يرجع بعضها إلي فكر كل تيار ، والبعض الآخر يرجع إلي الظرف السياسي المختلف الذي عاشته الخبرتين .

وأرجع الباحث ثلاث أسباب أدت إلي اكتمال بناء تيار إسلامي ديمقراطي في تركيا وبقاء مصر في منتصف الطريق، أولها تفاوت الواقع السياسي بين مصر وتركيا واختلاف درجة التطور الديمقراطي ، والثاني استمرار التعايش الجيلي داخل جماعة الإخوان المسلمين نتيجة غياب أي أفق يسمح بظهور حزب سياسي إسلامي ، على عكس تركيا الذي سمح نظامها العلماني المتشدد بقيام حزب سياسي ذو مرجعية إسلامية ، بدء بحزب الرفاه ومر بحزب الفضيلة ، ثم انتهي بحزبي العدالة والتنمية وحزب السعادة . أما الثالث فيرجع نتيجة اختلاف طريقة تعامل كل خبرة مع الغرب ، فقد اعتبر الباحث أن الإخوان المسلمين لديهم حيرة في تعاملهم مع الغرب بين أسلمه خطاب التحرر الوطني


والتأكيد على قيم وثقافة المقاومة الجهادية ضد الغرب ، وبين التفاعل النقدي والسلمي معه كما فعل الأتراك منذ عقود ، وهذا على عكس الخبرة التركية التي حسم التيار ذو الأصول الإسلامية انتماءه لقيم الغرب في الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وبدء يحاول أن يكيف النظام التركي على مبادئ ومعايير الاتحاد الأوربي من أجل أن تصبح تركيا عضوا فيه ، دون أن يتنازل في نفس الوقت عن مفهوم " التفاعل النقدي " مع المنظومة الغربية العالمية .

وقد تعرض الكتاب في دراستين منفصلتين في هذا القسم إلي التجربة التركية والإيرانية بصورة مفصله لمعرفة طبيعة التجربتين والتحولات التي شهدتهما نحو بناء خطاب ديمقراطي " ما بعد إسلامي " في تركيا بتعبير جان ماركو ، وبين خطاب ديني إصلاحي ذو أبعاد ديمقراطية في إيران كما أشار مصطفي اللباد .

وجاءت دراسة نبيل عبد الفتاح لتحمل عنوان العولمة والديمقراطية والإسلام السياسي ، وتضمنت عدة نقاط أولها حول بيئة التغير العولمي السريع وأشار إلي طبيعة المظومة العالمية الجديدة وثورة الاتصالات وعولمة قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتأثير ذلك على ما أسماه ثانيا بعولمة الأديان والجماعات الإسلامية ، حيث تحدث عن عولمة الإسلام السلمي والدعوي وعولمة العنف الجهادي وأشار ثالثا إلي " الإسلام المصري بين الضغوط الخارجية وإشكالياته الداخلية" مقدما عرضا متناغما بين أوضاع الحركات الإسلامية في مصر وتأثير البيئة العالمية على هذه الحركات .

من المؤكد أن كتاب " إسلاميون وديمقراطيون " انحاز لفكرة دمج الحركات الإسلامية في عملية التطور الديمقراطي واعتبر أن هناك مسؤولية مشتركة لنجاح خيار " الدمج " ، تقع على الحكومات وعلى الحركات الإسلامية ، فالأولي عليها أن تبدأ بصورة جدية عملية التحول الديمقراطي دون أن تطلق بين الحين والآخر " فزاعة " الإسلاميين لتعطيل عملية التحول الديمقراطي ، وعليها أيضا أن تضع القواعد والقوانين الصارمة التي تضمن عدم المساس بمدنية السلطة وعدم التمييز بين المواطنين على أساس الدين ، وتجعل هناك استحالة لانقلاب أي تيار على الديمقراطية في حال وصوله بوسائل ديمقراطية إلي السلطة . كما أن هناك مسؤولية أخري ـ اعتبرها الكتاب أقل من مسؤولية الدولة لأن السياق الذي تضعه الأخيرة هو الذي يحدد شكل خطاب الفاعلين السياسيين في المجتمع ـ على الإسلاميين إنجازها تتمثل في ضرورة احترام نتائج الديمقراطية وقبول تداول السلطة مع القوي المخالفة لهم من علمانية ويسارية وليبرالية ، واعتبار ما يقدمونه من تصورات هو مجرد رؤية سياسية منزوع عنها أي صفة مقدسة وأن من يختلف معها يختلف مع برنامج سياسي قابل للنقد وليس مع نص ديني مقدس .

المصدر: islamismscope

موقغ الجماعة العربية للديمقراطية غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة