مراجعة كتاب: حيدر إبراهيم علي، مراجعات الإسلاميين السودانيين... كسب الدنيا وخسارة الدين

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 880 مرة
الكاتب  حيدر إبراهيم علي

"هم أقرب إلى نهايات أبطال روايات شكسبير التراجيدية، منهم إلى أن يكونوا أُناسًا عاديين، فقد خسروا أنفسهم ولم يكسبوا الدُّنْيا". هكذا يصف الدكتور حيدر إبراهيم علي الإسلامويين في السُّودان ومراجعاتهم الناحبة الباكية، هذا في كتابه الصادر عن دار الحضارة في القاهرة، مراجعات الإسلاميين السُّودانيين. كسب الدُّنْيا وخسارة الدِّين، يصف الدكتور هذه المراجعات بأنها أشبه ما تكون بالنحيب، لحركة تمتعت بعقيدة الاستعلاء، حتى عميت عن النقد الذاتي، ودخلها التعالي وعدم الاحترام للآخرين المختلفين عنهم فكريًا، حتى وقعت في حبائل التجربة، فعرفت أنها تَغْرِفُ مما يغرف منه الناس، وليس لمائها طهارة غير طهر الناس، ليس لها قداسة كما تخال، وليس لرجالها براءة في الزُبر!

في الفصل الأول تناول الكتاب دوافع واتجاهات النقد والمراجعة في الحركات الإسلامية، فعلى الرغم من حديث الحركة الإسلامية عن مرجعية متعالية مسنودة إلى “المُقدس”، إلا أنّ الواقع أثّر في نشأتها، ولكنها لم تواجه مشكلات حقيقية تستدعي النقد والمراجعة إلا بعد التطبيق، وكان هذا أول الدوافع للنقد والمراجعة “دافع نقد الممارسة”، أما الدافع الثاني فقد كان الموقف من التكفير والعنف، وهو دافع قديم منذ عهد حسن البنا بعد انتشار الاغتيالات، وحاليًا في العصر الحديث بعد تطور الفكر الجهادي، أرّخ الكتاب لبداية المراجعات في التيارات الإسلامية عامة، وتناول النموذج الإخواني المصري، وأشار للمراجعات التونسية ومراجعات الجماعة الإسلامية، كان كل ذلك مقدمة سريعة للمراجعات السُّودانية.

المراجعات السُّودانية:
اتسم كسب الحركة الإسلامية السُّودانية الفكري بالضعف، إذا ما قُورِن بكسبها السّياسي، فكان يأتي الفعل أولا ثم محاولات التبرير له، حتى المفاصلة الشهيرة بين جناح الدكتور الترابي المؤتمر الشعبي وجناح الجنرال عمر البشير المؤتمر الوطني، يرى الدكتور حيدر أنها لم تحدث بسبب خلاف فكري حقيقي بل كان منشأها خلاف تنظيمي. فسّر الكاتب عدم وجود مراجعات إسلامية جماعية في السُّودان بأن الحركة الإسلامية حلت نفسها بعد استلامها للسلطة مباشرة، لذلك جاءت المراجعات فردية ولم يقم بها التنظيم.

مراجعات الإسلاميين السُّودانيين.. كسب الدُّنْيا وخسارة الدِّين
مرّ الكتاب على مراجعات أهم الشخصيات الفكرية الإسلامية السُّودانية، بدايةً من الدكتور عبدالوهاب الأفندي، صاحب كتاب الثورة والإصلاح السياسي. نقل الكتاب أن الأفندي ملأ مراجعاته بالتبريرات، فبرر الإنقلاب العسكري الذي قامت به الجبهة الإسلامية للاستيلاء على نظام الحكم في 30 يونيو (حزيران) 1989، وأطلق عليه ثورة، ونظّر له على هذا الأساس. وّثق الكاتب نقد الأفندي للفقر الفكري الإسلاموي السُّوداني، مُمَثلاً له بطروحات حل مشكلة الديمقراطية والتمثيل الشعبي، والتعاطي معها بعد استلام السُّلطة، مشيرًا إلى أنّ ما انتهى إليه اجتهادهم باختيار كيان حزبي فضفاض، مِثل حزب المؤتمر الوطني، كان خيارًا يشوبه الكثير من العوار، كما انتَقَد الأفندي السَّطْوة القوية لأجهزة الأمن على الدولة وتحول الدولة إلى دولة أمنية، إلّا أنّ الدكتور حيدر اعتبر هذا النقد متأخرًا جدًا، خاصة أنه جاء بعد سنين طوال.

في مراجعاته أقرّ الأفندي بأن نمو الحركة الإسلامية الكبير الذي أتى عقب مصالحتها لنظام جعفر نميري في 1977 جاء على حساب المبادئ، قيّم الكتاب مراجعة الأفندي بأنها وقعت في فخ الإيديولوجيا، وأصحاب الإيدولوجيا يخرجون من التنظيم ليضفوا على رؤاهم شيئا من الحياد، ولكنهم لا يخرجون منه حقًا، فتبدو كثير من رؤاهم مليئة بالثغرات، و تظهر مراجعاتهم مرتبكة.

مرّ الكتاب أيضًا على مراجعة الدكتور التيجاني عبدالقادر، الأكاديمي الإسلامي المعروف، الذي كتب مراجعته تحت شعار “إن لم يكن لتصويب الأخطاء فليكن لمنع تكرارها”.
يُلقي التيجاني باللوم على ما يسميه “الفتنة” التي بدأت منذ أن تعارضت رؤية “د.الترابي” ورؤية البشير، يُفسر الدكتور حيدر اختيار التيجاني للفتنة شماعةً، لأنها تحمل بُعدًا خارجيًا لا يضع اللوم على عاتق اللاعبين السياسين.

وثّق التيجاني لانقلاب العسكر على د.الترابي، ورأى أنه ظُلِم مرتين، مرة من الخارج الذي لم يتفهم أطروحاته المعتدلة، ومرة أخرى من قبل تلاميذه الذين باعوه. من أهم ملاحظات التيجاني إقراره بأن القبيلة سطت على التنظيم، وهي ملاحظة شدد عليها مؤلف الكتاب.

خيبة وألم
المراجعة الرئيسة الثالثة، كانت عنوانًا للخيبة والشكية والألم، كتبها الأستاذ المحبوب عبدالسلام، الإسلامي القيادي الشاب. بتدفق عاطفي واضح، عبّر عن عدم رضاه على التجربة الإسلامية في السودان، فسجّل ملاحظاته عن تأخر العطاء الفكري في الحركة، مما جعل الحركة رهينة للسجالات السياسية، ومنعها من تفصيل منهجها، وبرنامجها الفكري.

أشار المحبوب في مراجعته إلى فساد تجربة الحكم، كما شنّع التجاوزات الأخلاقية التي قامت بها الحركة في الحكم، كما انتقد الأجهزة الأمنية وطغيانها على سلطة الدولة.
مرّ الكتاب أيضًا على مراجعات د.غازي صلاح الدِّين العتباني، المستشار الرئاسي، والقيادي الإسلامي البارز، عدّه من المنشغلين بجانب تبريري، حشد فيه نصوص الفقه التي تسند موقفه الإسلاموي، وقد وفّر غازي في مراجعاته النَقد الحقيقي، مما حدا بالكاتب أن يصف مراجعات العتباني بالخجولة.

وتناول الكاتب مراجعات د.الطيب زين العابدين، وهو قِيَادي منشق عن الحركة الإسلامية السُّودانية، هُمِّش ولم يحظ بدور قيادي حقيقي فيما بعد، تميزت مراجعاته بقدر كبير من النقد، بخاصة بعد أن فَكّ ارتباطه تمامًا بالحركة الإسلامية.
يُقِر زين العابدين بأنّ الحركات الإسلامية في السُّودان وأفغانستان أصابت الناس بخيبات أمل كبيرة جرّاء تطبيقها المشوّه للإسلام، واستغلالها له، ولكنه يُصِر على أن فشل التجربة الأولى لا يعني نهاية المطاف.

تناول الكتاب أيضًا مراجعات الدكتور حسن مكي، الأكاديمي الإسلامي السوداني حيث أشار الكتاب إلى غرائبية منهجه. تنقل بين المراجعات التي لم تكن لها خلفية توثيقية حقيقية، وأهم النصوص التي نقلها وعبر عن المراجعات الكبيرة ومرارة فشل التجربة، كانت للقيادي البارز، ياسين عمر الإمام، الذي نقل عنه قوله “أخجل أن أحدِّث الناس عن الإسلام في المسجد الذي يجاورني، بسبب الظلم والفساد الذي أراه… لا أستطيع أن أقول لأحفادي انضموا للإخوان المسلمين، لأنهم يرون الظلم الواقع على أهلهم، فلذلك الواحد (المرء) بيخجل يدعو زول (شخص) للإسلام في السُّودان أنا غايتو بخجل!”.

في البدايات: الهوية والتحديات
يعتبر الدكتور حيدر أن وجود الحركة الإسلامية السُّودانية لم يكن ضرورة، ولم ينتجه تطور طبيعي في التكوين السُّوداني، بل كان ولادة قيصرية، فالتدين الصوفي الذي يعود إليه شباب اليوم، كان ولا زال الملاذ الذي يؤمِّن الحاجة الروحية للناس، ولم تنشأ الحركة الإسلامية السُّودانية إلا كرد فعلٍ للفكر الشيوعي والفكر القومي، في أوساط النخب الطلابية، بعيدًا عن المجتمع.

زرعت الحركة وهمًا صدقته مفاده أن الإسلام في السُّودان في خطر، واستوردت الأفكار هربًا من هذا الخطر، فكانت الحركة عالة في الفكر على المفكرين المصريين مثل (هيكل، البنا، قطب، الغزالي، القرضاوي) وغيرهم مثل (الندوي، والمودودي)، فلم تكن للحركة جذور محلية، فغالب الفكر السُّوداني صوفي، أو منكف على علم شرعي لا يخوض غمار السياسة، ورعًا وزهدًا، فلم يكن ليخدم التجربة الوليدة، لذلك لم تجد الحركة الإسلامية السُّودانية أول عهدها، ما تَسُدُّ به حاجتها الفكرية من المنتوج السُّوداني، فاستعانت بغيره، وتأخر نتاجها لعقدين وأكثر، فأول انتاج للحركة الإسلامية السُّودانية كان كراسة كتبها د.حسن الترابي في 1967، عن حل الحزب الشيوعي السُّوداني، وهو سن متأخر جدًا، فيما يقدره الكاتب.

في النهايات : رمزية النموذج..فساد التطبيق
الفصل الثالث من الكتاب كان عن أولويات الحركة، وكان في رأسها تأسيس كيان، وتحديد هويته السياسية الدِّينيّة، وبعدها تغذّى التيار الإسلاموي بصناعة عدو تمثل في الشيوعية، و تطرّق الكتاب للحديث عن التجديد الدِّيني، و تناول العلاقة بين التجديد والعلمنة، ومرّ على المشروع الإسلامي السُّوداني أُسسه ومراميه وعقباته التي واجهها ويواجهها وسيواجهها، كما تناول موقف المشروع الإسلاموي السُّوداني من الدولة المدنية، وهو يرى أن المشروع السُّوداني يرى الدِّيمقراطية مدخلاً للفتنة وللفرقة والشتات، ولازال موقفه من التعددية مرتبكاً، وإيمانه بالمواطنة براغماتي، وأبدى الكاتب شكوكه في صدقية احترام المشروع لحقوق الإنسان.

وفي الخاتمة وصل الكتاب إلى أن الإسلام السِّياسِي يملك البنية الرمزية البديلة فقط ولكنه عاجز عن أن يملأ المشروع الواقعي بهذه الرمزية، وبالرغم من كل هذه الخيبات والثمار المرة فلا زال الأمل في أن يقدم الإسلاميون نقدًا للفكرة لا الأشخاص.

في انتظار المراجعات
بالرغم من وجهة نظر الكاتب الواضحة والمبدئية من التجربة الإسلامية، إلا أنّ ذلك لم يُثقل على النقاط الجوهرية للكتاب، فقد سجّل المثالب الكبيرة، وأهدى العيوب الواضحة، وبيّن النقاط الرئيسة التي يحتاجها الباحث لينقب في المراجعات الإسلامية السُّودانية، ولم تخل كلماته من أسى يطغى على السُّوداني الذي شهد انشطار السُّودان وضياعه، بعد مشروع إسلاموي سوداني، يرى د. حيدر أنه لم يكسب الدُّنْيا وخسر الدِّين!
المصدر: مجلة "المجلة" اللندنية

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة