You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>نصوص كتب>نص كتاب: الديمقراطية أبدا

مراجعة كتاب: رشيد مقتدر، الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 1111 مرة
الكاتب  رشيد مقتدر

أصدر مركز الجزيرة للدراسات في سبتمبر 2010 ضمن سلسلة كتب الجزيرة كتابا بعنوان: الإدماج السياسي للإسلاميين في المغرب للباحث رشيد مقتدر.

وقد حاول مقتدر أن يثير أسئلة عديدة من أبرزها: ماذا حقق الإسلاميون برهانهم على العمل السياسي؟ وكيف استطاع النظام السياسي توظيف وسائله لتذويب الإسلاميين ضمن بنيته؟ وكيف نقيم مسار الإدماج السياسي للإسلاميين؟ وما أبرز العوائق والمشاكل التي اعترضته؟ وما استراتيجية الإسلاميين في التعامل مع النظام؟ وهل استطاعوا الاندماج داخل النظام السياسي؟

وقد اعتمد الباحث منهجا نظريا قوامه المنهج التاريخي، المنهج الوصفي، المنهج المقارن، المنهج الإحصائي. فضلا عن منهج ميداني يرتكز على تقنية المقابلة مع عدد من قيادات الحركة الإسلامية وبرلمانييها، بالإضافة إلى مزجها بتقنية الملاحظة بالمشاركة.

وبين الباحث أن تجربة الإسلاميين السياسية في المغرب اطلعت بالوظائف الآتية: شرعنة السلطة وتقويتها، والمساهمة في التنفيس عن الاحتقانات والتذمرات الاجتماعية، وإعطاء دينامية جديدة للعمل البرلماني. القيام بوظيفة الرقابة الأخلاقية داخل الحقل السياسي، ثم إبراز مدى قدرة النظام السياسي على الاحتواء والمحافظة على الاستقرار السياسي.

كما أفضت هذه التجربة في محك العمل السياسي إلى النتائج التالية:

إن واقع اندماج الإسلاميين داخل المجال العام أبرز مجموعة من التناقضات السياسية والإيديولوجية في علاقتهم أولا بالمؤسسة الملكية، وفي علاقتهم من جهة ثانية بالقوى السياسية المشكلة للأغلبية الحكومية خاصة اليسارية منها، وهو ما أفضى إلى تأزم العلاقة بين السلطة والإسلاميين التي تم احتوائها بتقديم الإسلاميين للعديد من التنازلات كثمن سياسي لعملية الإدماج.

سعيها لتطوير بعض المفاهيم الملتبسة وإنضاجها من قبيل الديمقراطية وعلاقتها بالشورى، المشاركة السياسية والمغزى من الرهان على العمل السياسي، التعددية السياسية والثقافية ودورها في الحد من الرؤية الإطلاقية التي ترى في مشروعها الكفيل بإخراج الأمة من مشاكلها ومعضلاتها، الحداثة وكيفية الاستفادة من إنجازاتها، التعايش مع الآخر المختلف مرجعيا وأيديولوجيا وسياسيا.

أنها شكلت محكا حقيقيا لمدى نجاعة المشاريع الفكرية والسياسية للإسلاميين، ومناسبة لإبراز صدقية طروحاتهم وقدرتهم على إنجاز ما لم يحققه غيرهم من القوى اليسارية واللبرالية، ومدى تمكنهم من التشبع بقيم الحوار وتطوير القيم والممارسات السياسية الحضارية، وجعلها أكثر نضجا وديمقراطية، في ظل ثقافة سياسية عربية إسلامية قيد التحول لتجاوز معضلة التسلط السياسي والاجتماعي.

الانتقال من النظرة التبسيطية للحكم وممارسة الشأن العام بفضل الممارسة السياسية، إلى تكوين رؤية أكثر واقعية بحكم نضج التجربة السياسية داخل المؤسسات السياسية للدولة، والاحتكاك مع مختلف القوى السياسية واحتراف العمل السياسي، عبر آليات اشتغال البرلمان وهيئاته، كاللجان البرلمانية والأسئلة الشفوية والكتابية، وتقديم ملتمس الرقابة وغيرها من الوسائل والطرق، الشيء الذي أدمج بعدا جديدا في تجربة هذا التيار وطور بعض طروحاته ومشاريعه بالاحتكاك بالواقع السياسي الفعلي.

وكان مركز الجزيرة للدراسات قد نشر سابقا تقديما لهذا العمل الذي قدمه صاحبه لنيل الدكتوراه في العلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء بالمغرب عام 2009

دكتوراه: الإسلاميون والسلطة ورهانات العمل السياسي
الإدماج السياسي للإسلاميين بالمغرب

شكلت مرحلة منتصف التسعينات الانطلاقة التأسيسية للتجربة السياسية لحركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية داخل نظام الحكم بالمغرب، فلجِؤوا في البداية إلى تأسيس حزب سياسي إسلامي رفض من طرف النظام السياسي، فانتهج الإسلاميون استراتيجية البحث على الاندماج في حزب سياسي قائم، فكانت البداية الرسمية لدخولهم ممارسة العمل السياسي داخل المجال العام.

وتتناول هذه الدراسة عملية الإدماج السياسي للإسلاميين داخل المجال العام، ورصد سياقها ومسارها وشروطها، واستجلاء تكلفتها السياسية بالنسبة للنظام السياسي والإسلاميين، وهو ما يطرح علاقة نظام الحكم بالإسلاميين وسماتها، وتتبع أبعادها وخلفياتها وصيرورتها وتطوراتها، وتوافقاتها وصراعاتها.

إن الإجابة عن هذه الإشكالات تستدعي طرح الأسئلة الآتية:
ماذا حقق الإسلاميون برهانهم على العمل السياسي؟
كيف استطاع النظام السياسي توظيف وسائله لتذويب الإسلاميين ضمن بنيته؟
كيف نقيم مسار الإدماج السياسي للإسلاميين؟
ما هي أبرز العوائق والمشاكل التي اعترضته؟
ما هي استراتيجية الإسلاميين في التعامل مع النظام؟
هل استطاعوا الاندماج داخل النظام السياسي؟
لقد تطلبت مقاربة الموضوع اختيار نوعين من المناهج:
منهج نظري يعتمد على المنهج التاريخي، المنهج الوصفي، المنهج المقارن، المنهج الإحصائي.
منهج ميداني يرتكز على تقنية المقابلة مع عدد من قيادات الحركة الإسلامية وبرلمانييها، بالإضافة إلى مزجها بتقنية الملاحظة بالمشاركة.
وبدأت الدراسة بفرضيات تؤكد أن منطق السياسة يجعل الفاعل السياسي غير متميز عن منافسيه وخصومه، نتيجة لإكراهات اللعبة السياسية والبراغماتية التي تتسم بها، وقد سعى الإسلاميون إلى التميز عن باقي الفاعلين بصياغة خطاب أخلاقي واستعمالهم المكثف لمفاهيم الأسلمة والتخليق والهوية، في محاولة للبروز كفاعل سياسي ذو هوية خاصة، وهو ما شكل منافسة للشرعية السياسية الدينية للمؤسسة الملكية وإحراجها سياسيا في بعض المراحل.

إلا أن ضغوطات النظام السياسي على الإسلاميين المشاركين، حدت بهم إلى التقليص من حدة هذه الخطابات، فأفضى ذلك إلى إضعاف الهوية الأيديولوجية للفاعل الإسلامي ليبدو كحزب عادي، بينما اضطلعت حركة التوحيد والإصلاح بتأسيس القاعدة النظرية التي يستند إليها الحزب لتجديد تصوراته ومشاريعه وترميم رؤاه، بالإضافة إلى قيامها بدور المنظف الأخلاقي والمطهر الدعوي والتربوي لما قد ينجم عن العمل السياسي من شوائب.

وبالمقابل فقد أسهم الإسلاميون في تجديد التوافق حول قواعد اللعبة السياسية وتقوية الإجماع حول المكانة السياسية والدينية للمؤسسة الملكية.

إن النظام السياسي لا زال قويا وله إمكانية احتواء باقي الفاعلين، وامتصاص الأزمات السياسية والاجتماعية، فإمكانية الإدماج السياسي ترتبط بالمؤسسة الملكية أكثر من باقي الفاعلين السياسيين، فلا يمكن للنظام أن يرفض إدماج الإسلاميين، لأنهم أصبحوا قوة سياسية لا يمكنه تجاهلها أمام فتور القوة الاجتماعية والسياسية للقوى اليسارية، التي بدأت تستنفد سياسيا بعد تحملها للمسؤولية الحكومية.

فالمشاركة السياسية لهذا التيار هو اندماج للقوى السياسية والاجتماعية المحافظة ذات المنزع الإسلامي، في سعيها للتعبير عن تطلعات النخب المنحدرة من الطبقة المتوسطة، التي تكون لديها الوعي بأهمية التمثيلية السياسية والاجتماعية داخل النظام السياسي، بغية الدفاع عن وجهات نظرها ومصالحها وتمكينها من توسيع نفوذها داخل المجتمع، وتبوءها لمواقع سياسية واجتماعية متقدمة لمنافسة محترفي العمل السياسي، وتقوية تأثيرها داخل المجال العام.

وقد أفضى دخول الإسلاميين مجال العمل السياسي إلى فقدانهم جزءا من جاذيتهم الخطابية، وحريتهم في نقد كل شيء دون الالتزام بأية مسؤولية، وبذلك فإن الالتزام السياسي والعمل من داخل النظام يجردهم العديد من مميزاتهم، فيغدوا تعاملهم مع السياسة محدودا، حيث تقتضي استحضار موازين القوى وطبيعة المراحل ونوعية التحالفات. ويبرز نسبية مشاريع الإسلاميين، ويؤدي مع مرور الوقت إلى تنمية الحس البراغماتي والنزعة الواقعية في العمل السياسي.

واستخدمت الدراسة عددا من التحديدات النظرية والمفاهيمية مثل الإسلام، المسلم، الإسلامي.

إن عقد أوجه التشابه والاختلاف بين الإسلامي والمسلم ضرورية لتوضيح معالم المصطلحين، فالإسلامي والمسلم تؤطرهما نفس العقيدة وهي الدين الإسلامي، ويمارسان نفس الشعائر الدينية كالصلاة والصوم والحج... إلا أن الاختلاف ينحصر في طريقة النظر للدين وكيفية تطبيقه داخل المجال الخاص والعام، فإذا كان المسلم هو من ولد من أب أو أبوين مسلمين أو اعتنق الإسلام، فعلاقته بالإسلام علاقة إيمان، إلا أنه لا يندرج ضمن اهتمامه نقل التدين من الحياة الفردية إلى المجال العمومي، وهذه الصفة من مميزات الإسلامي الذي يشترك مع جميع أفراد الوطن في التسليم بأهمية الدين مع التمايز عنه، في نقل تطبيق التعاليم والتوجيهات الدينية من الحياة الخاصة إلى العامة، ومن ثمة فالإسلامي يكون رؤية إيديولوجية تشكل فهمه للدين ويرى أولوية إرسائها داخل المجتمع والدولة.

بالإضافة إلى عامل الالتزام والمواظبة في ممارسة الشعائر التعبدية، والتفاني في إبراز مظاهر الالتزام على مستوى الأخلاق والسلوك في العلاقة مع الغير، إلا أن هذه المسألة تختلف من إسلامي لآخر، فهناك الملتزم والمواظب والمتهاون.

ويتبنى الإسلامي الدين كهوية إيديولوجية، ومرجعية حضارية يرجع إليها باستمرار، لمعرفة مدى مطابقة التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذه المرجعية، فالإسلامي يطمح إلى تحويل تدينه ومرجعيته الإسلامية وتطبيقه كمشروع سياسي واجتماعي ودعوي وتجسيده فعليا، بمعنى أن الإسلامي يسعى إلى تغيير السلطة السياسية والمجتمع وباقي النسق الرمزي، وفقا لمعتقداته وقناعاته التي يراها قادرة على التغيير والإصلاح.

مفهوم الإسلاميين الإصلاحيين

تستخدم الدراسة مصطلح التيار الإسلامي الإصلاحي، للتدليل على الإسلاميين المنضوين داخل حركة التوحيد والإصلاح، الذين تم إدماجهم داخل الحقل السياسي عبر وساطة الدكتور عبد الكريم الخطيب في إطار حزب العدالة والتنمية، والذين قبلوا الاندماج داخل الحقل السياسي المؤسساتي والعمل وفقا لقواعد اللعبة السياسية، وهم تيار ذو منحى إصلاحي راهن على الفعل السياسي السلمي المتدرج، وأن أنجع طريقة للتغيير السياسي يتمثل في إصلاحه من الداخل.

مفهوم الإدماج السياسي

وتقصد الدراسة بالإدماج السياسي تمكن الفاعل السياسي من الذوبان داخل حقل سياسي، والانسجام مع مكوناته ووظائفه كوحدة تم إدخالها تدريجيا، فيصبح الفاعل السياسي جزءا منسجما مع الكل السياسي الموجود، لا يؤثر على أدائه ويبرز بعض التناقضات المخلة بطريقة اشتغاله، ويقتضي الإدماج نوعا من التدرج والتأني في عملية الاندماج، حتى يحصل الانصهار والتماهي مع باقي مكونات النظام السياسي، عبر التشرب بثقافته واعتناق قيمه المتوافق حولها.

لقد تميزت عملية الإدماج السياسي للإسلاميين داخل المجال العام بوجود أهداف لكل من المؤسسة الملكية والإسلاميين، تحدد هدف نظام الحكم من إدماج التيار الإسلامي الإصلاحي داخل اللعبة السياسية، في تجديد التوافق حول قواعد المنافسة السياسية طبقا لشروط النظام السياسي، وتقوية الإجماع حول المكانة السياسية والدينية للمؤسسة الملكية، ودعم شرعيتها وتقوية استقرارها السياسي والاجتماعي، أمام مرحلة سوسيو- اقتصادية صعبة سمتها تناقص الموارد السياسية والاقتصادية للنظام.

كما أن إدماج جزء من التيار الإسلامي يندرج ضمن استراتيجية التجديد الجزئي في آليات إنتاج النخبة السياسية التقليدية، التي بدأت تعرف نوعا من الضعف والترهل، فكان من الضروري تطعيمها برافد جديد لخلق نوع من الدينامية السياسية تسرع من وثيرة التنافس والصراع السياسي والأيديولوجي.

وقد هدف الإسلاميون المشاركون إلى تلبية تطلعات نخبة سياسية إسلامية، تنهل من أيديولوجيا إصلاحية تطمح إلى تأطير العمل السياسي وتخليقه، حتى يحصل المزيد من التقارب بين المشروع الإسلامي ومرامي العمل السياسي.

وقد خلفت المشاركة المكثفة لحزب العدالة والتنمية والحركة بكافة أطرها ورموزها في الانتخابات، الكثير من الترقب والتخوف من إمكانية تحقيق نتائج غير متوقعة، قد تفضي إلى الاكتساح أو بلبلة الخريطة السياسية وخلط أوراقها، الشيء الذي يتعارض مع ثوابت اللعبة السياسية المغربية، التي ترتكز على منطق التوازنات السياسية.

وإذا كان القاسم المشترك بين أنظمة الحكم والقوى الإسلامية هو نهلهم من نفس المعين الديني، فإن ما يؤزم العلاقة بينهم هو تنازعهم حول من له الحق في الاستفراد بالشرعية السياسية الدينية، واحتكار تفسيرها وتأويلها، لأنها مصدر أساسي من مصادر السلطة والقوة، وكل من يتملكها يأخذ موقعا رمزيا يسموا على غيره من الفاعلين السياسيين.

فمن البديهي إذن أن لا يعترف الملك بقنوات سياسية دينية منافسة ترفع شعار الدفاع عن الدين، فمن شأن ذلك إضعاف مصادر شرعيته السياسية، وهو ما يستلزم العمل على احتكار هذه المصادر وتدعيمها بمصادر أخرى، كالاحتفال بطقوس البيعة التي تستمد دلالاتها من الاستعارة النبوية لبيعة الرضوان، إلى جانب الشرعية التقليدية التي تكثف من استخدام النسب الشريف والانتماء لآل البيت.

لقد اعتبر النظام أن الإسلاميين قد خرقوا قواعد اللعبة السياسية الضمنية، المرتبطة باحتكار الملك للشرعية السياسية الدينية، بقدر ما شكل ذلك انحرافا عن ما سلف رسمه من خطوط، واقتحاما لمجال سياسي ديني غير متفاوض بشأنه، ويمكن تفسير تركيز الإسلاميين على خطاب الأسلمة والهوية والتخليق برغبتهم في التميز والانفراد بخطاب سياسي جديد ينهل من المرجعية الإسلامية، بشكل يخلق دينامية جديدة تستميل الجماهير التي أضحى خطاب الأحزاب السياسية التقليدية يجد صعوبة كبيرة في تعبئتها وتحريكها.

إن التركيز على هذه النوعية من القضايا فهم منه ممارسة نوع من الوصاية الفوقية، لطريقة عمل الدولة والفاعلين السياسيين والعمل على توجيهها وفقا قناعات الإسلاميين، وإملائهم على الدولة والأحزاب ما يجب عليها فعله وما لا يجب أن تقوم به، وهو ما عكس تباينا مرجعيا حول الوظيفة الأخلاقية والسياسية التي تضطلع بها الدولة العصرية، التي يرى الإسلاميون أنها تخلت عن الوظائف الإسلامية التقليدية كمفهوم الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لقد نجم عن تداعيات تفجيرات16 ماي عام 2003 بالمغرب أول أزمة سياسية بين النظام السياسي والإسلاميين، حيث شكلت فترة سياسية حرجة اعتبرت عائقا اعترى مسار الإدماج السياسي لكن لفترة محدودة، إلا أن المكاسب التي ارتأت قيادة الحزب بحس براغماتي سياسي كسبها عبر مشاركة سياسية مقننة بدت أكثر واقعية من خيار المواجهة المفتوحة والاحتقان السياسي، الذي سيدخل مسار الإسلاميين في علاقتهم بالسلطة في المغرب إلى متاهات غير مضمونة العواقب.

أما عملية الإدماج فقد أدت إلى:

إضعاف الهوية الإيديولوجية للحزب الإسلامي، فإلى جانب منافسته للملكية في شرعيتها السياسية الدينية، فقد اتهم من بعض القوى السياسية اليسارية بتوظيف الديني في السياسي، فتوافقت استراتيجية السلطة مع مصالح بعض القوى اليسارية، وهو ما جسدته مرحلة تفجيرات16 ماي2003، التي اعتبرت من أبرز العوائق التي اعترت مسار إدماج الإسلاميين.

حيث مورست عليهم ضغوطات من النظام السياسي وباقي القوى السياسية لثنيهم على إعادة النظر في طروحاتهم، وتقديمهم للعديد من التنازلات كشرط للاستمرارية في مسلسل الإدماج، كالتحجيم الطوعي لحجم المشاركة الانتخابية، وتليين الخطاب السياسي وإضفاء الطابع الاعتدالي عليه، وتهميش العناصر التنظيمية المتصلبة إيديولوجيا وسياسيا، والقطع مع القوى الدينية والسياسية التي اعتبرت مصدرا للتشدد.
تخلى التيار الإسلامي الإصلاحي عن أطروحة إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة وإقامة الحدود، وبلورته بالمقابل لرؤية تعتبر الدولة الإسلامية قائمة في المغرب في ظل إمارة المؤمنين، والتركيز بدل ذلك على قضايا الأسلمة والتخليق والهوية وغيرها.
سعى الإسلاميون إلى التميز عن باقي الفاعلين بصياغة خطاب أخلاقي واستعمالهم المكثف لمفاهيم الأسلمة والتخليق والهوية، للبروز كفاعل سياسي ذو هوية خاصة، وهو ما شكل منافسة للشرعية السياسية الدينية للمؤسسة الملكية وإحراجها سياسيا في بعض المراحل، إلا أن ضغوطات النظام السياسي على الإسلاميين المشاركين، حدت بهم إلى التقليص من حدة هذه الخطابات، فأفضى ذلك إلى امتصاص الهوية الإيديولوجية للفاعل الإسلامي ليبدوا كحزب عادي وخاصة خلال الولاية التشريعية السابعة(2007- 2002) والحالية.

إن استجلاء تجربة الإدماج السياسي للإسلاميين داخل المجال العام وبرصد أدائهم السياسي تظهر تطورا كبيرا في عدد ما قدم من أسئلة شفوية وكتابية ومقترحات القوانين، والسعي لتفعيل لجان تقصي الحقائق واللجان الاستطلاعية وغيرها من الآليات الرقابية والتشريعية، التي بوأتهم المكانة الأولى، إلا أن الفعل السياسي للإسلاميين لم يفض إلى تغيير تركيبة النظام السياسي وطريقة اشتغاله، فقد تغير الفاعلون اليساريون والإسلاميون إلا أن النظام لم يتغير، كيف نفسر ذلك؟

لقد ترتب عن ذلك افتقاد العمل السياسي لرهانات سياسية حقيقية، أفضت إلى تشكيك البعض في الجدوى من المسلسلات الانتخابية، وما قد تحمله لصالح الفئات المستضعفة والمتوسطة أمام تراجع الشرعية النضالية لأحزاب الحركة الوطنية، مما فسر التصويت على الإسلاميين خلال ولايتهم التشريعية الأولى والثانية كبارقة أمل لمتمنيات المواطنين في الخروج من الأزمة والفقر والبطالة وتحقيق طموحاتهم وأحلامهم، وتجاوز رتابة العمل السياسي وإخفاقاته المتتالية.

فما هي أسباب الخلاف بين المؤسسة الملكية والإسلاميين المشاركين؟

يمكن أن نفسر أسباب الخلاف إلى العناصر الجوهرية الآتية:

أولا: الصراع حول الشرعية السياسية الدينية
إعتماد حزب العدالة والتنمية على المرجعية الإسلامية كقاعدة إيديولوجية وسياسية، مسألة لا تروق للمؤسسة الملكية، إذ تساهم في منافستها على السلطة السياسية- الدينية، لأن الملكية تعتبرها مجالا خاصا تحتكر تمثيليته، وتوظفه رمزيا ودينيا وسياسيا، حسب السياقات والظروف التي تساعد على التمييز بين الأدوار السياسية للملك والوظائف الدينية التي يضطلع بها، أو تحويل بعض القضايا الدينية إثر الخلاف حولها إلى سياسية، وهي نفس الورقة التي يستند إليها الحزب في بعض ممارساته السياسية والبرلمانية.

ثانيا:التداعيات السياسية لوظيفة الضبط الأخلاقي
وهي مسألة تتجاوز ما هو سياسي لتقتحم مجالا يتداخل فيه العقائدي بالديني والسياسي بالأخلاقي. لقد أثار اقتحام الإسلاميين لبعض الملفات والقضايا الحساسة التي لم تكن محل جدل أو نقاش من قبل، كالدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطرح مسألة الخمور وفتح الكازينوهات ومعارضة العمل بالفوائد البنكية، ورفض عرض ألعاب القمار في وسائل الإعلام العمومية ومعارضة تنظيم المهرجانات الثقافية والفنية، والدفاع عن ما يسمونه اللباس الإسلامي والفن الملتزم، والبرامج التلفزية التي يرى الإسلاميون في بعضها مرتعا لاستشراء "المنكرات وعرضا للشبهات الشرعية، قضايا وإشكالات يتداخل فيها السياسي بالديني والأخلاقي والاقتصادي، وينظر إليها الإسلاميون كمخالفات لمنطوق الشريعة وتحليل للمحرمات وإباحة للمحظورات.

بينما تعتبرها السلطة السياسية خاضعة للاجتهاد وتندرج ضمن مجال عمل الملك كأمير المؤمنين القيم على حفظ الدين وحرية ممارسته، وهو ما يعكس نوعا من التباين المرجعي حول الوظيفة الأخلاقية والسياسية التي تضطلع بها الدولة العصرية التي يرى الإسلاميون أنها تخلت عن وظائفها الشرعية.

ونجم عن هذه الإستراتيجية ملامسة قضايا مفرطة الحساسية وخلق بعض الإحراج السياسي في بلد يعتبر فيه الملك أميرا للمؤمنين، وبالتالي بدأ جزء من هذه القضايا المثيرة يمارس نوعا من الضغط على النظام ليخرج بموقف واضح منها حتى ينسجم مع صفته الدينية، إلا أن الجانب السياسي والإيديولوجي لهذه القضايا والإشكالات يبقى مطروحا باستمرار، وهو ما يطرح سؤالا حول طبيعة المشروع المجتمعي الذي يرومه المغاربة، وكيف يمكن الحسم في نوعية المرجعية الإيديولوجية والفكرية المعتمدة.

ثالثا: الحفاظ على التوازنات السياسية الكبرى
شكلت طريقة إدماج الإسلاميين وحجم مشاركتهم السياسية خلافا بين النظام، الذي كان يريدها مقننة بشكل لا يؤثر على طريقة اشتغاله، وبين الإسلاميين الذين طمحوا إلى توسيع مشاركتهم السياسية بكيفية تساعدهم على التجذر الاجتماعي والشعبي، وهي من أهم المشاكل التي اعترضت علاقة النظام السياسي بالإسلاميين.

أما عن أسباب الخلاف بين الإسلاميين والقوى اليسارية فتعزى أولا إلى عوامل إيديولوجية وفكرية، حيث يفسر التباين المرجعي بين الإسلاميين والقوى اليسارية والحداثية إلى الاختلاف الجذري على صعيد المرجعيات الإيديولوجية والمواقف السياسية.

أما العامل الثاني فينحصر في الصراع حول المصالح السياسية إثر اقتراب آجال الاستحقاقات المحلية والتنافس على المواقع السياسية والإدارية، وما تخوله من مزايا مادية ورمزية يسيل لها لعاب محترفي السياسة، فقد عرف انخراط الإسلاميين في العملية السياسية تحقيقهم لمزايا انتخابية جيدة، حيث ارتفع عدد ما حصلوا عليه من مقاعد من14 خلال الانتخابات النيابية عام 1997 إلى42 مقعدا في انتخابات شتنبر2002، مما خلف جوا من المنافسة الشرسة بين الإسلاميين كوافدين جدد، أصبحوا خلال فترة وجيزة من الأحزاب السياسية الكبرى، وبين القوى السياسية اليسارية التي أضحت ترى في الإسلاميين مهددا لمصالحها وتحديا لنفوذها السياسي.

مكامن ضعف عملية الإدماج السياسي بالنسبة للنظام السياسي:
أدى التدخل المستمر للسلطة في مراقبة الحقل السياسي وتوجيهه، والاستمرار في لعبة التوازنات السياسية المستندة إلى هيمنة السلطة، وعدم السماح ببروز قوى سياسية قوية، يخدم استرتيجياتها ويمكنها من التحكم في مجمل الحقل السياسي، إلا أن مساوئ هذا الاختيار تضر بشرعية الفاعلين السياسيين وتمس مصداقيتهم وممارساتهم، وتشجع وتيرة خلافاتهم وتناقضاتهم، للوصول إلى بلقنة المشهد السياسي وتمييعه.

ومن نتائج هذه الاستراتيجية إفراز اختلال بنيوي داخل الحقل السياسي، وإصابة التنظيمات الحزبية بالشلل والعجز عن القيام بوظيفة التأطير والتعبئة، وفسح المجال للقوى المتطرفة لملأ هذا الفراغ، وبالنسبة للسلطة بالتشكيك في نيتها ومشاريعها الداعية لتطبيق مزيد من الديمقرطية، وهو ما أنتج مجموعة من الأفعال الجماعية المؤطرة، من طرف فاعلين سياسيين واجتماعيين غير منتمين تنظيميا، أو بخضوعها لتأطير الحركات الاجتماعية الاحتجاجية، موسعة بذلك المسافة مع النخبة السياسية الرسمية، وهو ما فسح المجال لنمو التيارات الداعية للعنف.

ويتجلى مكمن الضعف الذي يعتري المشروع السياسي الإسلامي في النقاط الجوهرية التالية:
إن العمل التنظيري والتجديد الفكري لميدان السياسة الشرعية ظل أحد أكبر نقاط ضعف القوى الإسلامية، التي لم تتمكن من الإجابة عن سؤال لماذا لم تؤد الممارسة السياسية طوال التاريخ العربي الإسلامي، إلى تطوير النظرية السياسية للحكم في الإسلام وإنضاج الممارسة السياسية ودفعها إلى أشكال ومؤسسات أكثر فاعلية واستقرارا؟
إذا كان من معظم إنتاجات الفكر السياسي الإسلامي – باستثناء العلامة ابن خلدون- ذات طابع مثالي، فإن الفكر الحركي الإسلامي نحى نفس الوجهة الفكرية الأخلاقية، في بناء مشروعه السياسي على أساس افتراض الفضيلة ومكارم الأخلاق في الحاكم والنخبة السياسية، وترجيحهم اختيار المستبد المستنير المحاط بالبطانة الصالحة، لما لها من قدرة على التأثير في قرارات الحاكم، وهو توجه يبقى متأثرا بالمدرسة المثالية، ودور الوازع الديني والأخلاقي وقدرته على تغيير السلوكيات وإقرار الحكم العادل كما كانت عليه التجربة النبوية وتجربة الخلفاء الراشدين، بالرغم من الجهود المبذولة للتوفيق بين نظرية الشورى والديمقراطية، والسعي للاستفادة من ما حققته من نظريات وإنجازات.
ضعف التحليلات الاقتصادية التي اتسمت بالهشاشة في القوة الاقتراحية والتنظيرية، وفي الحلول العملية التي يمكن أن تخرج البلاد من المعضلات التنموية التي تقض مضجعها كالتخلف والبطالة والفقر والأمية، والمشاكل المزمنة التي تعتري جسدها السياسي والاجتماعي كالفساد والرشوة والانتهازية، وهو حكم ينطبق على باقي القوى السياسية بمختف توجهاتها.
لم يحكم رؤية الإسلاميين هاجس الإصلاح الدستوري والسياسي، بقدر ما حددته الرغبة في إعطاء الأولوية للتنصيص على الشريعة الإسلامية كمصدر أسمى للتشريع، وأولوية التأهيل السياسي والحزبي وضرورة الإصلاح السياسي بكيفية محتشمة، وقد عكست رؤية الحزب للإصلاح الدستوري والسياسي تطور تجربته السياسية، ومطالبته بإصلاحات سياسية دون المس بالتوازنات السياسية لنظام الحكم، بطريقة بدا معها منظور الحزب بصفة المعتدل، الذي يطالب بما تطالب به باقي القوى السياسية من إصلاحات، كتوسيع سلطات الوزير الأول والبرلمان.
إن استجلاء حصيلة الفعل البرلماني التشريعي والرقابي داخل الهيئة التشريعية، اصطدم بمحدودية الأدوار السياسية المنوطة بها داخل البرلمان، فالأداء البرلماني للإسلاميين الذين احتلوا فيه المرتبة الأولى بتحقيقهم لأرقام قياسية مقارنة مع الولايات التشريعية السابقة، عكس جدية وانضباطا في العمل البرلماني عند الإسلاميين، وقدرة على استمالة الجماهير وخدمتها على المستوى الاجتماعي، إلا أن أهم عائق يواجه الإسلاميين ينحصر في الصلاحية المخولة للهيئة التشريعية التي منحتها وظائف شكلية غير مؤثرة، وهو ما جعل البرلمان يفتقد لرهانات سياسية حقيقية داخل النظام السياسي المغربي.

واضطلع الإسلاميون في تجربتهم السياسية بالوظائف الآتية:
شرعنة السلطة وتقويتها، والمساهمة في التنفيس عن الاحتقانات والتذمرات الاجتماعية، وإعطاء دينامية جديدة للعمل البرلماني.
القيام بوظيفة الرقابة الأخلاقية داخل الحقل السياسي، ثم إبراز مدى قدرة النظام السياسي على الاحتواء والمحافظة على الاستقرار السياسي.
وقد أفضت تجربة الإسلاميين في محك العمل السياسي إلى النتائج التالية:

إن واقع اندماج الإسلاميين داخل المجال العام أبرز مجموعة من التناقضات السياسية والإيديولوجية في علاقتهم أولا بالمؤسسة الملكية، وفي علاقتهم من جهة ثانية بالقوى السياسية المشكلة للأغلبية الحكومية خاصة اليسارية منها، وهو ما أفضى إلى تأزم العلاقة بين السلطة والإسلاميين التي تم احتوائها بتقديم الإسلاميين للعديد من التنازلات كثمن سياسي لعملية الإدماج.
سعيها لتطوير بعض المفاهيم الملتبسة وإنضاجها من قبيل الديمقراطية وعلاقتها بالشورى، المشاركة السياسية والمغزى من الرهان على العمل السياسي، التعددية السياسية والثقافية ودورها في الحد من الرؤية الإطلاقية التي ترى في مشروعها الكفيل بإخراج الأمة من مشاكلها ومعضلاتها، الحداثة وكيفية الاستفادة من إنجازاتها، التعايش مع الآخر المختلف مرجعيا وأيديولوجيا وسياسيا.


أنها شكلت محكا حقيقيا لمدى نجاعة المشاريع الفكرية والسياسية للإسلاميين، ومناسبة لإبراز صدقية طروحاتهم وقدرتهم على إنجاز ما لم يحققه غيرهم من القوى اليسارية واللبرالية، ومدى تمكنهم من التشبع بقيم الحوار وتطوير القيم والممارسات السياسية الحضارية، وجعلها أكثر نضجا وديمقراطية، في ظل ثقافة سياسية عربية إسلامية قيد التحول لتجاوز معضلة التسلط السياسي والاجتماعي.


الانتقال من النظرة التبسيطية للحكم وممارسة الشأن العام بفضل الممارسة السياسية، إلى تكوين رؤية أكثر واقعية بحكم نضج التجربة السياسية داخل المؤسسات السياسية للدولة، والاحتكاك مع مختلف القوى السياسية واحتراف العمل السياسي، عبر آليات اشتغال البرلمان وهيئاته، كاللجان البرلمانية والأسئلة الشفوية والكتابية، وتقديم ملتمس الرقابة وغيرها من الوسائل والطرق، الشيء الذي أدمج بعدا جديدا في تجربة هذا التيار وطور بعض طروحاته ومشاريعه بالاحتكاك بالواقع السياسي الفعلي
المصدر: (قطر: مركز الجزيرة للدراسات، 2010)

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة