مراجعة كتاب: محمد عبد الشفيع عيسى، بدايات ونهايات ثورة يناير: رؤية فكرية

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 826 مرة
الكاتب  محمد عبد الشفيع عيسى

صدر حديثًا عن "الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة" ضمن سلسلة "كتابات الثورة" كتاب تحت عنوان: "بدايات ونهايات ثورة يناير" للدكتور "محمد عبدالشفيع عيسى". وفيه يقدم رؤية فكرية لما جرى في مصر عبر أربعة أصوات، كل منها يخص فترة بعينها من مراحل مرت بها مصر؛ فالصوت الأول يمثل صوت الحلم الثوري الدافئ العربي العظيم، وصور جمال عبد الناصر ترفرف في سماء ميدان التحرير في القاهرة.
الشعب يريد تغيير النظام

كان حلم التغيير الجذري الشامل، مصريًّا وعربيًّا وعالميًّا، وإذ نراه الآن -كما يقول الدكتور عبدالشفيع- بأثر استرجاعي حلمًا رومانسيًّا، فإنه كان إذ ذاك عالَمًا كاملاً يملأ الصدور والعقول والقلوب، وفي فترة الحلم الثوري هذه ارتفعت صرخات الشباب من الحناجر بالهتاف: (حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية)، وارتفع في جنبات الميدان هتاف: (الشعب يريد تغيير النظام). في هذه الفترة كما يصفها عبدالشفيع كانت مقدمات الثورة، تلتها الفترة الثانية، عقب إعلان نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 30 مارس2011م، بعد انقسام مرير بين فريق داعٍ إلى الانتخابات قبل الدستور وفريق آخر داع إلى الدستور قبل الانتخابات، وبعد إجراء الاستفتاء اتخذ الانقسام شكل اصطفاف مزدوج للفريقين، تمسك الفريق الأول بالمسار الانتخابي، وجمع التيارات الإسلامية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، بينما دعا الفريق الآخر إلى استمرار الثورة، وأخذ يرفع شعار: (يسقط حكم العسكر)، ورفع بعض قليل منه في شارع محمد محمود هتاف: (الشعب يريد إعدام المشير). كان هذا الفريق يريد استبعاد المجلس العسكري من المشهد السياسي، باعتباره العدو الرئيس للثورة واستمراريتها، سعيًا إلى إقامة حكم مدني، من بين الشخصيات الفاعلة سابقًا في ميدان التحرير، أو النشطة في ما بعد في ساحة الثورة.

يقول الدكتور عبدالشفيع عيسى الأستاذ في معهد التخطيط القومي: كان انحيازي في تلك الفترة إلى شباب الثورة الداعي إلى استمرار ثورة 25 يناير، حتى تُحقق كامل أهدافها، برغم إدراكي أن الأفق الفكري للكثرة الكاثرة من هؤلاء الشباب لا يصل إلى الحدود الواجبة، وكنت أشاطرهم الاعتقاد بأن المجلس العسكري أساء إدارة المرحلة الانتقالية من كل الجوانب، ولكن لم أكن أتفق مع شطط البعض في اعتبار كل عسكري بالضرورة معاديًا للثورة، والعودة بذلك، وبأثر رجعي إلى كامل تاريخنا المعاصر منذ ثورة 23 يوليو 1952م بالذات.

انعكست هموم تلك الفترة على كتابات مؤلف: "بدايات ونهايات ثورة يناير"، ويتمثل أبرزها في موضوعين: "ثورة 25 يناير بين المأزق والمخرج"، و"هؤلاء اللاعبون وأدوارهم الماضية في ثورة يناير". فبعد أن كان عنوان الفترة الأولى "الحلم الثوري الرومانسي" أصبح "التوجس ومواجهة الحقيقة"، ولما تعمق الانقسام بين دعاة المسار الانتخابي وهم الإسلاميون والعسكريون، وبين دعاة الثورة من الشباب وأنصارهم، أخذت تتسلل حقبة صغيرة عنوانها: "الخوف الحقيقي والحقيقة الصادمة".

وكما يشير المؤلف، فإن "الخوف الحقيقي والحقيقة الصادمة" امتدا من مشهد مصر الصابرة إلى ما حولها من بعض أرجاء الوطن العربي الكبير التي شهدت تقلصات وانتفاضات متعددة الألوان -كان بعضها في نظرنا- ذا ملمح سلبي عميق، خاصة في ليبيا وسوريا.

وهنا يوضح المؤلف أنه بالتمايز بين أنماط التغييرات العربية الأخيرة يتأكد أنه: من طرف أول، تغيير إيجابي على العموم تمت من خلاله المحافظة على كيان المجتمع، وانفتح الباب الذي طال إغلاقه نحو مستقبل جديد، وهذه حالة مصر وتونس، ومن طرف آخر، برزت أشباح التفكك المجتمعي، وظهر الاحتمال المرعب لسقوط الدولة في فلك الأعداء التاريخيين للأمة العربية، وهذه حالة سوريا وليبيا، وبين الطرفين برزت حالة الثورة اليمنية متأرجحة بشكل مباشر على الحافة، حافة جُبّ عميق مفتوح على المجهول، كما يرى المؤلف.

ويواصل المؤلف موضحًا أنه مع مطلع العام 2012م تعمق الخوف وتزايدت الصدمة، لتحدث الإفاقة من الحلم، أو ربما الطلاق مع الحلم الرومانسي. وبالتحديد يقول الكاتب: لقد أخذت أشعر آنئذٍ بأن شباب الثورة المصرية ليسوا بالبراءة الثورية التي تصورناها، وأنهم كمعبِّر عن التيار الليبرالي لم تتوافر لديهم قدرات توجيه دفة الثورة باتجاه البعد الوطني القومي التقدمي الحقيقي.
مخاطر الاستعانة بالقوى الدولية

كما يرى المؤلف أنه من واقع التغيرات العربية الأخيرة -بما فيها ثورة 25 يناير في مصر، بالإضافة إلى التأمل في أحداث التاريخ العربي المعاصر- يمكن أن نستخلص قاعدة افتراضية لتفسير بعض جوانب تلك التغيرات، من خلال العبارة الآتية: في حالة العمل على إسقاط نظام الحكم القائم بواسطة القوة المجسدة، المسلحة أو غير المسلحة، بدون توفر المقومات المناسبة، فكريًّا وتنظيميًّا وقياديًّا، وفي سياق مواجهة ممتدة زمنيًّا وموضوعيًّا بين القوى الاجتماعية والسياسية المتعارضة؛ فإن هناك احتمالاً كبيرًا لاهتزاز بناء الدولة والمجتمع، بدرجات متفاوتة، حسب مدى قوة النظام السابق اجتماعيًّا ومؤسسيًّا، وحسب موقف القوى والمؤسسات الفعالة في المجتمع من تطور الأحداث، وخاصة المؤسسة العسكرية.

ويقول المؤلف: ومن عجب أن الخبرات العربية الراهنة غنية بالتجارب المرة الدالة على مخاطر الاستعانة بالقوى الدولية المهيمنة من أجل إسقاط نظام الحكم التسلطي، وتلك التجارب ماثلة للعيان في كل مكان، عربيًّا وإسلاميًّا: من أفغانستان والصومال، إلى العراق، ثم ليبيا مؤخرًا، وغيرها.

لكنه يرى من المهم أن نشير هنا إلى أنه ليس فقط درس التاريخ الماضي الطويل، ولا عبرة التجارب المرة الأخيرة من جراء التدخل الأجنبي؛ ما يؤكد أهمية الانتباه إلى مخاطر تفكك الدولة و المجتمع، ولكنْ هناك عاملان إضافيان يؤكدان نفس الحقيقة، من واقع طبيعة الأنظمة التسلطية العربية المعاصرة:

العامل الأول: هو قيام تلك الأنظمة التسلطية ببناء خيوط تسلطها المزمن على نحو يجعل أية محاولة لإسقاطها أو تغييرها محفوفة بالمخاطر، من خلال الحيلولة دون بناء بدائل تستطيع الحلول محلها بسلاسة، ضمن ما تسميه الكتابات السياسية بالتداول السلمي للسلطة. فالأنظمة التسلطية المذكورة حالت دائمًا دون تكوين سلاسل قيادات سياسية متمرسة، من خلال العمل السياسي والتنظيمي، من داخل المنظومة الحاكمة ذاتها، وبالأحرى من خارجها أو بالتعارض معها، فلم تسمح تلك الأنظمة مثلاً ببروز قادة منافسين، بل ولم تسمح ببروز أو حتى بمجرد وجود خلفاء محتملين لرءوس الأنظمة، ومن ثَم فإنها لم تسمح ببناء نظام للخلافة السياسية داخل النظام السياسي القائم نفسه، وسدَّت الطرق دون التجديد في صفوف النخبة السياسية، بما في ذلك التجديد الجيلي المرتبط بصعود قيادات شابة تمثل الجيل الصاعد ضمن الهيكل الديموجرافي القائم.

أما العامل الثاني: فهو عدم قيام الأنظمة التسلطية المذكورة بجهد حقيقي لبناء مؤسسات فاعلة داخل النظام السياسي القائم نفسه، ومن باب أولى: داخل منظومة الحياة السياسية في المجتمع ككل، بل وتعمدت بعض هذه الأنظمة العمل بطريقة غير مؤسسية، باعتماد آلية قرارية مرتبطة بالقائد الفرد وزمرته القريبة بحكم الولاء العائلي أو المصلحي والعقائدي.

ولذلك كله، يخلِّف إسقاط النظام الحاكم فراغًا مؤسسيًّا هائلاً لا يمكن ملؤه بسهولة نسبية في الأجل القصير والمتوسط، مما قد ينتج تشرذمًا في بنية المجتمع، و يمكن أن يؤدي إلى نوع من تفتت قواه الضامَّة تاريخيًّا، وتغلُّب عوامل الانقسام على عوامل الوحدة في مجال الانتماءات الفرعية؛ عرْقية كانت أو مذهبية، ودينية ولغوية وقبلية، أو عشائرية ...إلخ. ويتمظهر هذا الواقع من خلال انفلات أمنى واسع النطاق، وتدهور في مستوى الأداء الاقتصادي في معظم القطاعات الفاعلة؛ فهل تعي قوى التغيير والمعارضة في بلداننا العربية درس التاريخ الماضي والحاضر حقًّا، داخليًّا وخارجيًّا؟
ما بعد الحلم

في هذه الفترة الرابعة يكتب الدكتور عبدالشفيع عيسى تحت عنوان: "ما بعد الحلم" وتندرج تحته العناوين الآتية: "هل هو الربيع العربي بالمعنى الغربي حقًّا؟"، "ثورات الإنترنت ومآلاتها البائسة"، و"شباب الثورة في مفترق الطريق"، "دستور لمصر.. أي دستور؟". وقد شهدت هذه الفترة طوال النصف الأول من 2012م أحداثًا جسامًا، أبرزها تكوين مجلسي الشعب والشورى ذوي الأغلبية الإسلامية من الإخوان المسلمين والتيار السلفي، ثم الاستعداد للانتخابات الرئاسية في غمار اصطفاف سياسي حاد بين "القطب الإسلامي" المزدوج، والقطب المسمى "تيار الدولة المدنية"، وبينهما "تيار وسطي" توفيقي يحاول أن يجمع أمر الدولة والدين من طرفيه.

جاهد المجلس العسكري ليجري الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وكما يقول الكاتب فإنه: "حينئذ بدا لنا أن المجلس العسكري ليس أداؤه بالسوء الذي تصورناه فيما سبق، بل وبدا لنا أيضًا أن إصدار الإعلان الدستوري المكمل قبيل تولي الرئيس المصري الجديد محمد مرسي كان إجراءً موفَّقًا، ولا بديل عنه، لملء الفراغ الدستوري المتوقع في غياب مجلس الشعب، وهكذا منذ أول يوليو/تموز 2012م دخلت الثورة المصرية في فترة معقَّدة عنوانها "تعاظم قوة التيار الإسلامي، وتشتت ما يسمى تيار الدولة المدنية، والأفول التدريجي المتسارع لنفوذ المجلس العسكري".

هذه الفترة يصفها الدكتور عبدالشفيع عيسى قائلاً: إنها فترة عنوانها نهاية الثورة؛ إذ يكتمل حلول شرعية دستورية منقوصة الأركان، ومعيبة ومثقوبة من نواحٍ متعددة، محل شرعية ثورية تم إجهاضها وإنهاء دورها المفترض قبل الأوان.

المصدر: القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2013

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة