You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>الأرشيف>الحوار الوطني وإشكالية التصويت

الثورة العربية عشرة دروس حول الهبّة الديمقراطية

الإثنين، 08 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 948 مرة
الكاتب  حسن ولد المختار

الكتاب: الثورة العربية، عشرة دروس حول الهبّة الديمقراطية

المؤلف: جان بيير فيليو

مقدم العرض: حسن ولد المختار

الناشر: فايار

تاريخ النشر:2011

يحتفل الأكاديمي والدبلوماسي الفرنسي السابق "جان- بيير فيليو" دون أي تحفظ في كتابه الجديد "الثورة العربية، عشرة دروس حول الهبّة الديمقراطية"، الصادر مؤخراً، بموجة التحولات الراهنة في بعض الدول العربية ضمن ما بات يسمى في التداول الإعلامي -وربما السياسي أيضاً- بموجة "الربيع العربي". ولعل مما يميز كتاب "فيليو"، الذي نقترح هنا، قراءة خاطفة في بعض محتوياته، أنه ينظر إلى التحولات العربية الراهنة نظرة شمولية غير تجزيئية ترى الحال العربي باعتباره في النهاية سياقاً واحداً، إن لم يكن سياسيّاً فعلى الأقل تاريخيّاً وثقافيّاً، ولذلك حرص في عنوان كتابه على استخدام عبارة بصيغة المفرد "الثورة" بدل صيغة الجمع "الثورات" التي عنون بها كثير من الكتب الفرنسية الصادرة مؤخراً حول ظاهرة الربيع العربي. وأكثر من هذا يزيد من قيمة الكتاب أيضاً كون مؤلفه مستعرباً متمرساً، وأستاذاً محاضراً يدرِّس باللغات الفرنسية والعربية والإنجليزية في مقعد الدراسات الشرق أوسطية والمتوسطية، في العديد من الجامعات الفرنسية والأميركية المرموقة، مثل جامعتي كولومبيا وجورج تاون وغيرهما. كما سبق له تأليف كتب ذائعة الصيت حول موضوعات مثل تنظيم "القاعدة"، وإشكاليات الإسلام المعاصر في العالم العربي، وقد ترجم بعضها إلى عشرات اللغات عبر العالم.

وبعد الكتب "المسلوقة" التي صدرت في سباق مع عقارب الساعة لحظات سقوط نظم بن علي ومبارك والقذافي، يدشن هذا الكتاب مرحلة الكتب الرصينة التحليلية التي تغوص عميقاً في الأسباب وتفكك التشابكات وتحفر في البنية التكوينية المؤسِّسة لظاهرة الربيع العربي، في عمومها وإجمالها. وهنا لا يكاد القارئ يخطئ استقبال الدعوة الضمنية الموجهة في منطوق بعض عناوين فصول الكتاب للاستعداد لقراءة مقاربة تحليلية مختلفة تتسامى نظريّاً على تقاليد الاستعجال الوصفي والارتجال الإعلامي. ومن عناوين هذه الفصول: "العرب لم يعودوا استثناء"، و"المسلمون ليسوا في النهاية سوى مسلمين"، و"نستطيع الانتصار دون قيادة"، وغيرها، مما يؤشر إلى أن الكاتب والكتاب يتعاملان مع الثورات -أو بتعبيره هو الثورة- العربية من منظور تحليل سياسي ومنهجي غير خطابي لظاهرة الاستعصاء الديمقراطي العربي وإشكالية الإسلام والحداثة، وحدود الزعامة الكاريزمية في العالم العربي، وسوى ذلك من كليشيهات وصور نمطية كثيرة كانت سارية في العقل والمخيال الغربيين تجاه المنطقة. كما لا يغفل الكاتب أيضاً تخصيص فصل مهم للشباب ودورهم المحوري في إنجاح الربيع العربي، وهي فئة ينبِّه إلى أنها ظلت طويلاً ترزح في إسار مفارقة صارخة: فهم الشريحة الأعرض عدديّاً من سكان الدول العربية المعنية، وفي الوقت نفسه هم الأقل حضوراً وحظاً في أجهزة الحكم وسوق العمل. وهنا ربما يستحق الإشارة أن الكاتب يركز على حال الشباب ودوره في كل من الحالتين التونسية والمصرية خاصة، متعاملاً مع حالة كل بلد ضمن خصوصياتها الوطنية وسياقها القُطري الخاص، دون الخروج من ذلك بتعميمات على حال الشباب العربي بصفة عامة.

ولكن، كما سبقت الإشارة، يقوم العمود الفقري لفرضيات العمل التي يستند اليها الكاتب عموماً على النظر إلى الواقع العربي باعتباره سياقاً واحداً. وروح الوحدة الثقافية والوجدانية العربية هذه هي ما دفعه لتملس مظاهر وحدة أخرى قائمة من خلال النظر سويّاً إلى سقف أهداف وتطلعات واحد. وهنا ينخرط "فيليو" في رصد مظاهر هذه الوحدة الثقافية والوجدانية العربية واصفاً قوة حضور أغاني أم كلثوم وشاشات بعض الفضائيات ومبنى الجامعة العربية بالقاهرة، في صدارة مشاهد الربيع العربي، في مختلف الدول. وفي هذا السياق يقدم فرضية جامعة ترى أن ما يجري الآن في دول الربيع العربي ما هو سوى بداية حالة أشمل من الحراك التاريخي العميق للمجتمعات العربية، شبيهة بتلك التي عرفتها هذه المجتمعات مع بداية القرن الماضي، وسميت بمشروع النهضة العربية. ولعل من المفارقات حقاً أن عهد اليقظة أو النهضة العربية الأولى ذلك شهد أيضاً تجربة صعود مشابهة للتطلعات الليبرالية، وهذه واقعة تاريخية نادراً ما يتم تذكرها الآن.
ويستبطن الكاتب عموماً بين دفتي كتابه (264 ص) روحاً من التفاؤل بمآل مختلف للربيع العربي الراهن، مقارنة بما آل إليه عصر النهضة العربية القرن الماضي من انكسار، وما عرفته تجاربه الليبرالية من انتكاس سريع على أيدي القوى الاستعمارية وصولاً إلى عهد الانقلابات والنظم العسكرية التي نرى الآن أوراقها الصفراء وهي تتساقط تباعاً على وقع عاصفة الربيع العربي.

أخيراً، في الختام، ينفي الكاتب أن تكون للثقافة العربية أو للإسلام أية صلة بإخفاقات الواقع العربي واحتقاناته التي أدت إلى نشوب احتجاجات الربيع العربي، مبرزاً في هذا المقام أن قابلية الدول العربية للتأثر بتلك الاحتجاجات تدور مع مستويات نجاحها الاقتصادي وانسجامها الاجتماعي حيث تدور. وهنا ينفي "فيليو" أية مصداقية أو علمية عن نظرية مفعول "الدومينو"، التي ترددت كثيراً ضمن خطابة التوقعات بأن تتأثر دول عربية أخرى بما يجري الآن. بل إن لكل دولة عربية ظروفها الوطنية، وخصوصياتها التي تفترض روح التحليل الموضوعي، وضعها في الاعتبار، كما أن قابلية الإصلاح الذاتي وإرادته، تختلف من دولة عربية إلى أخرى أيضاً. وبكلمة واحدة، يرى الكاتب أننا نشهد الآن اليقظة العربية الثانية، ومحاولة أخرى للاستجابة لذات التحديات والأسئلة التي طرحتها النهضة العربية الأولى، وأشاع حلمها عصر الاستنارة العربي المغدور... فهل تكون الاستجابة في حجم التحديات؟ هذا هو السؤال.
---------
المصدر: جريدة اﻻتحاد اﻹمارتية - 7 أكتوبر/ تشرين اﻷول 2011

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة