طباعة
18/04/2021

مراجعة كتاب: منير شفيق، في نظريات التغيير

آخر تحديث: الإثنين، 30 تشرين2/نوفمبر -0001
الكاتب: 

على الرغم من أهمية موضوع التغيير أو الإصلاح اليوم في العالم العربي فإن الكتب التي تناولت النظريات المرتبطة به عربياً قليلة جداً، ولا تكاد تذكر مع الكتب الغربية -وبالتحديد الأميركية- التي بدأت منذ منتصف القرن الماضي من خلال موضوع التنمية السياسية في العالم الثالث، ولكن يُؤخذ على الكتب الغربية الكثير من الملاحظات أبرزها اعتمادها النموذج السياسي الغربي كنموذج مثالي وهدف يجب الوصول إليه دون تمييز فارق الثقافة والحضارة مع كثير من دول العالم الأخرى. لكن ضعف الكتابة العربية في موضوع نظريات الإصلاح والتغيير لا يعكس –البتة- تعدّد وتنّوع محاولات الإصلاح والتغيير التي شهدها العالم العربي في القرون الأخيرة.


من المحاولات القليلة التي تعرّضت لموضوع التغيير ونظرياته في العالم العربي كتاب الأستاذ منير شفيق (المفكر العربي البارز)، بعنوان "في نظريات التغيير" وكتاب شفيق طُبع للمرة الأولى عام 1994، وقد نفدت تلك النسخة من السوق تقريباً، وأعاد طباعته لاحقاً هذا العام مع بعض الإضافات المحدودة، وللأستاذ شفيق العديد من الكتب والدراسات أبرزها: الإسلام في معترك الحضارة، رد على ماركس وإنجلز، النظام العالمي الجديد وخيار المواجهة، ردود إسلامية على أطروحات علمانية، الدولة القطرية..الخ.


يناقش كتاب "في نظريات التغيير" مسألة التغيير في العالم العربي انطلاقاً من المرجعية الإسلامية، فهو موجه في تقديري بالأساس للحركات والجهود الإصلاحية الإسلامية في محاولة لبناء إطار فكري نظري لمحاولات الإصلاح والتجديد الإسلامية من خلال منهجية رئيسة تقوم على استخلاص الأسس الفكرية للتغيير من خلال مصادر التنظير الإسلامي (القرآن والسيرة النبوية) ومن خلال قراءة معالم التجارب الإسلامية والعالمية في التغيير وصولاً إلى تمييز الثوابت عن المتغيرات، وفك الاشتباك بين المدارس والرؤى الإسلامية المتعددة في تعريف التغيير وتحديد مساراته المطلوبة، وصولاً إلى بناء قواعد ورؤية إرشادية للحركات والقوى الإسلامية بدرجة أولى، والوطنية والقومية بدرجة ثانية لبناء الإطار الفكري والنظري الموجّه لعملية التغيير أو الإصلاح المنشود.


من الصعوبة بمكان استيعاب الموضوعات والأفكار المتعددة والمتنوعة التي يتعرض لها "شفيق" في هذا الكتاب، ولكن سأقدم هنا أبرز الأفكار التي خلصت لها، وقد يكون للقارئ و-بالتأكيد- للمؤلف نفسه رؤية مختلفة..


1- للتغيير الإسلامي ثوابت تحكمه؛ إذ يستند على الإيمان بالله وبالرسالات السماوية، ويريد الوصول إلى هدف واضح بعيد المدى، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا، لكن وضوح وثبات المقومات والأهداف لا يعني ثبات أساليب وأدوات التغيير؛ فهناك سعة كبيرة في هذا المجال، وإمكانية كبيرة لتعدد مناهج التغيير وأدواته، وهذا لا ينفك عن شروط المكان والزمان وطبيعة القوى المعارضة للإصلاح والتغيير وأدواتها في مواجهة دعاة التغيير؛ لأن هذه القوى تفرض في كثير من الأحيان على دعاة التغيير استخدام أساليبَ وطرقٍ تتناسب مع طبيعة العدو الذي يواجهونه؛ فطريق التغيير داخل النظم الديموقراطية التعدديّة لا يشابه طريق التغيير داخل النظم المغلقة الديكتاتورية القمعية.


2- أن تكون كلمة الله هي العليا هدف سامٍ للتغيير الإسلامي، لكنْ هناك أهداف وسيطة لا بد من تحقيقها للوصول إلى هذا الهدف، والأهداف الوسيطة تختلف من مجتمع لآخر ومن حركة لأخرى، وترتبط كذلك بشروط المكان والزمان، فبعض القوى تتخذ من إصلاح الفرد هدفاً وسيطاً، وبعضها يتخذ من مقاومة الاحتلال هدفاً، وبعضها الآخر يتخذ من إصلاح السلطة السياسية هدفاً له، لكن من المهم بمكان حسن اختيار الهدف الوسيط والعمل على تحقيقه بالأدوات والمناهج المناسبة، والتعاضد بين الطرق والمناهج الإسلامية، وعدم تضاربها على قاعدة "الأبواب المتفرقة" وصولاً إلى هدف واحد.


3- يركز "شفيق" في كتابه على قضية مهمة وهي أهمية إدراك شروط الواقع الذي تتحرك فيه حركات التغيير، وهذه عملية معقدة ومتشعبة تتطلب وعياً دقيقاً وعميقاً من قبل هذه الحركات، فقد يكون دور العامل الخارجي في بعض الأحيان قوياً ومؤثراً، وقد يكون ضعيفاً جداً، وهناك سقوف لعملية التغيير في بعض المجتمعات لا تتجاوزها، ولا يجوز المطالبة بأكثر منها، كما أن هناك ميزان قوى لا بد من التعامل معه. في هذا السياق تظهر القراءة الخاطئة لبعض المحللين لدور العوامل الغيبية في عملية التغيير وتغليبها على العوامل الموضوعية والذاتية؛ فالإسلام يقيم توازناً كبيراً بين العوامل الموضوعية والمادية وبين العوامل الروحية والمرتبطة بالغيب.


4- هناك العديد من التجارب التاريخية العملية في التغيير الإسلامي، فهناك مدرسة الصدام المسلح مع الاحتلال والاستعمار والانتقال إلى الأرياف لمواجهة القوة العسكرية المحتلة كتجربة عبد القادر الجزائري، وعمر المختار وعبد الكريم الخطابي، وهناك تجربة محاولة بناء الوعي الإسلامي السياسي في ضرورة الوحدة والنهوض الذاتي كتجربة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وهناك حركة الأخوان المسلمين والتي قامت بعد زوال الخلافة ودخول الاستعمار، واعتمدت النظرية التربوية وصولاً إلى بناء القوة التي تتيح مواجهة الاحتلال داخلياً وخارجياً كما حصل في المشاركة في حرب عام 48 في فلسطين، وهناك تجربة التحريض اليومي والدعوة إلى إسقاط النظام من خلال استغلال أخطائه وظلمه وتجربة الخميني والثورة الإيرانية تقع في هذا السياق، وهناك تجربة الثورات الشعبية المسلحة كثورة عز الدين القسام في فلسطين، وتجربة بعض الجماعات التي اختارت طريق الدعوة الفردية السلمية إلى الإسلام فرداً فرداً بعيداً عن السياسة ومواجهة النظام، لكن هذه الجماعات لا تحمل تصوراً واضحاً عن مشروع التغيير في إطاره الكلي.


5- يقرر "شفيق" بأنه في ظل النظم الديموقراطية التي تسمح بالتعددية والمعارضة، وتحتكم إلى صناديق الاقتراع فإن الخيار الأفضل للحركات الإسلامية اعتماد منطق العمل السياسي والمدني السلمي، والقبول بتداول السلطة، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، والانفتاح على القوى السياسية المختلفة، والتحالف مع القوى الوطنية والقومية الأخرى، والالتزام بالمسار السلمي، وهذا يتوافق مع مقاصد الإسلام وغاياته وأهدافه، ويخدم دوماً مشروع التغيير.


6- لا يعني وجود النظام الدكتاتوري القمعي أن التغيير لا بد أن يتم بالعنف والقوة، فحالات استخدام العنف كانت غالباً تأتي بنتائج سلبية على حركات الإصلاح إذا لم تستكمل شروطها، ويضع "شفيق" في هذا السياق عدة شروط رئيسة أهمها حالة النظام والجيش ومدى تماسكه وقوته، وحالة المجتمع والناس ومدى صبرهم على الطغيان والظلم وقدرتهم على التحمل أو استعدادهم للثورة، وأخيراً حالة النظام الإقليمي والدولي ومدى قدرة الثورة على النجاح في هذه البيئة، وقبل ذلك أهمية وجود شرعية لاستخدام العنف أو السلاح في التغيير بمعنى الاستناد على حجج مقنعة وقبول اجتماعي بضرورة وأهمية التغيير.


7- في إطار مناقشته للعنف واستخدام السلاح يرى "شفيق" أنّ مقاومة المحتل بالسلاح تكاد تكون موضع إجماع فكري وسياسي وقانوني على مستوى العالم، لكن المحاولات الفردية للتغيير من خلال السلاح أو منهج القاعدة متمثلاً بجماعة أبو مصعب الزرقاوي في العراق التي اعتمدت منهج التفجيرات التي تطال المدنيين في مواجهة الاحتلال، وعملية الاغتيال لمتطوعي الجيش والشرطة العراقية، ومحاولة القيام بتفجير هنا أو هناك في دول العالم، فهذه العمليات ضررها أكثر من نفعها، ولن تؤدي إلى أهداف سياسية مفيدة بل تزيد الأمور سوءاً.

ملاحظات منهجيّة وفكريّة

يمكن القول إن كتاب "شفيق" يمثل إضافة حقيقية للمكتبة العربية من خلال عملية رصد وتحليل للعديد من التجارب الإسلامية المعاصرة في التغيير، وأيضاً محاولة استنتاج واستخلاص بعض القواعد الإسلامية والنظرية التي يمكن الاستفادة منها من قبل هذه الحركات، لكن أبرز ما يُؤخذ على الكتاب هو عملية الخلط العام بين تجارب التغيير وجماعاتها دون وضعها في مجموعات تمكننا بشكل أفضل من هضم هذه التجارب وتمييز أبعادها الفكرية والحركية، وكان الأفضل مناقشة التجارب العسكرية (ما هو ضد الاحتلال وضد الحكم الداخلي) بشكل مستقل، ومناقشة التجارب السياسية المدنية والتجارب التربوية، كل في سياق مختلف لتوضيح الفروق بين هذه التجارب والقواسم المشتركة.


فلم يتضح من خلال الكتاب طبيعة الفرق بين تجربة الإمام حسن البنا وتجربة محمد عبده؛ فكلا التجربتين تقومان على التربية وبناء القوة الذاتية، لكن من المعروف للباحثين أن هناك فرقاً كبيراً بين التجربتين: فالإمام محمد عبده ينطلق من مفهوم التجديد والإصلاح الديني والفقهي بينما تجربة البنا تنطلق من الإصلاح الاجتماعي العام.


ولم يتعرض شفيق إلى مدرسة مالك بن نبي وهي مدرسة قائمة بذاتها عنوانها "شروط النهضة: وتناول بطريقة غير منهجية مدرسة جودت سعيد وخالص جلبي وعنوانها "اللاعنف" (أو مذهب ابن آدم الأول)، ولم يتطرق بشكل واضح إلى التجارب الثورية المسلحة الإسلامية ضد السلطة كما حدث في مصر مع جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية.


أخيراً أختلفُ مع الأستاذ شفيق في تحديد أولويات التغيير والأهداف الوسيطة؛ فالعامل الخارجي والسياسي الذي يعطيه الأستاذ شفيق الأولوية والأهمية بالنسبة لي ولمدرسة عريضة من الفكر الإسلامي هو عامل ثانوي وقبله عامل أهم، وهو العامل الثقافي الداخلي الذي يقوم على أهمية التنمية والنهضة المحلية الداخلية، ولعل هذا اختلاف بين مدرستين كبيرتين في التغيير الإسلامي ضاعت الفروق بينهما في ثنايا كتاب الأستاذ شفيق، وهما مدرسة المراجعة الحضاريّة ومدرسة التبعيّة، ولعل هذا موضوع آخر للحوار مع الصديق والمفكر الكبير..

المصدر: بيروت: المركز الثقافي العربي، 2005

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الجماعة العربية للديمقراطية

Copyright © 2021 Arabsfordemocracy. All rights reserved