You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>مراجعات كتب>مراجعة كتاب: توفيق المديني، القضية الفلسطينية أمام خطر التصفية: دراسة تاريخية سياسية

مراجعة كتاب: توفيق المديني، القضية الفلسطينية أمام خطر التصفية: دراسة تاريخية سياسية

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2281 مرة
الكاتب  توفيق المديني

صدر مؤخرًا عن دار الفكر في دمشق كتابٌ جديد للباحث التونسي توفيق المديني تحت عنوان القضية الفلسطينية أمام خطر التصفية دراسة تاريخية سياسية .


يعالج الكتاب عبر مقدمة وخاتمة وعشرة فصول- تشمل العناوين الرئيسة التالية:" أمريكا وإسرائيل : الإرهاب سلاح الأقوياء ". "إخفاق ولادة الشرق الأوسط الجديد من فوضى الحروب ". "انهيار عملية التسوية والانتفاضة الفلسطينية الثانية". "الفلسطينيون وتلاشي حلم الدولة ". "ما بعد عرفات". "الانسحاب من غزة ونهاية الامبراطورية الإسرائيلية"."حرب لبنان الثانية وتأثيراتها المدمرة على إسرائيل". "المأزق الاستراتيجي للمقاومة الفلسطينية"."أزمة السلطة الفلسطينية ومخاطر الحرب الأهلية"."قيام مؤتمر أنابوليس، هل كان لإقامة الدولة الفلسطينية، أَمْ لتصفية قضية فلسطين؟"- مسألة قيام الكيان الصهيوني عام 1948 على أرض فلسطين التاريخية, والتي جاءت ضمن مخطط استعماري استهدف المنطقة كلها بما فيها فلسطين, وكان الوجود الصهيوني في فلسطين جُزْءًا منه؛ إذ قام المخطط على تجزئة العالم العربي وضمان تَخَلُّفِهِ.‏


ويرى الكاتب أنّ هدف الوجود الصهيوني الحفاظُ على الواقع العربي المتخَلّف، وعلى الفسيفساء التي شكّلها الاستعمار كما هي, حيث ظل الكيان الإسرائيلي مرتبطًا بحركة الرأسمالية العالمية عندما كان مركزها في القارة الأوروبية، وأصبح فيما بعد جزءًا من المخطط الإمبريالي الأميركي, حين انتقل مركزها إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.‏


وفي ثنايا صفحاته يؤكد الكاتب إصراره على استمرار الخيار الاستراتيجي للمقاومة الفلسطينية، ولاسيما العربية، والإبقاء على الأمة حيةً تقاوم وتطالب بحقها الطبيعي والقانوني والتاريخي والديني في أرض فلسطين, فخيار المقاومة الباسلة هو الذي أَبْقَى القضية الفلسطينية حيةً، أَمَّا خيار التسوية بشروط إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية فهي الهزيمة بعينها؛ لأن إسرائيل لن تقبل بالسلام العادل والشامل؛ لأنه النقيض التاريخي لوجودها كبِنْيَةٍ مجتمعية أيديولوجية وسياسية وعسكرية, تقوم بدور وظيفي في منطقة الشرق الأوسط.‏


ويصل المديني في دراسته المطولة إلى نتيجةٍ مفادها: أن تحرير فلسطين ليس مشروعًا بونابرتيًّا لحاكم عربي، ولا هو مشروع لأي حزب، أو حركة أصولية، أو طبقة اجتماعية؛ لأنه في جوهره جزءٌ من المشروع القومي الديمقراطي النهضوي الذي يشمل تياراتِ الأمة كُلَّها, وهو جزءٌ من تقدم الأمة العربية ووحدتها، والنضال من أجل تحرير فلسطين هو الاندماج في هذا المشروع القومي الديمقراطي المعادي جديًّا وفعليًّا وراديكاليًّا للإمبريالية الأميركية وإسرائيل، والمستند إلى قوة الشعب العربي، وإلى إجماع الأمة بكاملها.‏


وخلال عرضه الْمُسْتَنِدِ إلى الشواهد التاريخية، وإلى كمٍّ وافرٍ من التحليلات والآراء المتباينة لمفكرين وباحثين واستراتيجيين عرب وصهاينة ومن أرجاء العالم، يُبَيِّن الكاتب بأن جذرَ الخطر على قضية فلسطين تَمَثَّل في تعميم نهج التسوية على الساحتَيْنِ الفلسطينية والعربية بتأثير هزيمة حزيران عام 1967، وذلك حين جَرَت المصالحة بين حركة التحرر العربية القائمة على أرضية المشروع القومي التحرري الذي قاده نظام عبد الناصر، وبين النُّظُم العربية التابعة، التي ربطتْ نفسها بالمشروع الاستعماري النقيض، والتي تجلت (هذه المصالحة) في مقررات قمة الخرطوم، التي قامت على أساس الفصل بين الكيان الصهيوني وبين القوى الاستعمارية الغربية راعية هذا الكيان، والتي أشرفت على إقامته في قلب الوطن العربي خِدْمَةً لأطماعها في المنطقة؛ حيث تولى السادات- استجابةً لتوجيهات كيسنجر- مهمةَ ترسيخ النهج المذكور، واضعًا أوراق المنطقة بيد الإمبريالية الأمريكية التي غدتْ منذ الحرب العالمية الثانية قائدةَ المراكز الاستعمارية.


وعلى هذا الصعيد يتابع الكاتب خطواتِ القيادة التي هيْمَنَتْ على منظمة التحرير الفلسطينية على طريق التلاؤم مع فكر التسوية، طارحةً في البداية حَلَّ الدولة الديمقراطية لقضية فلسطين، التي تُسَاوِي بين حقوق الفلسطينيين بعد تحويلهم إلى جماعات طائفية، وبين حقوق المستوطنين اليهود، ومنَتَقِّلَةً بعد ذلك إلى "حل الدولتين" تحت شعار المرحلية، بما رافق ذلك من تنظير يستجدي تعاطف ما يُسَمَّى بـ"المجتمع الدولي"، من خلال إظهار النوايا الحسنة تجاه المستوطنين اليهود، نازعًا عن مشروعهم الاستعماري الاستيطاني صِفَتَه الاغتصابية والعنصرية والعدوانية، الأمر الذي أفضى إلى اتفاق أوسلو الذي يقوم على أرضية المشروع الاستعماري، النقيض للمشروع القومي التحرري للأمة العربية، وفي قلبه المشروع الوطني التحرري للشعب الفلسطيني.
وما يكشف عنه الكاتب هو أن "صفقة أوسلو" التي جرى الترويج لها على أنها تجسيد للمرحلية، وأنها تشكل خطوة على طريق تحرير فلسطين، قد أفضت عبر الوقائع التي أفرزتها، إلى وَضْعِ قضية فلسطين على سكة التصفية، وإلى فتح الباب واسعًا أمام النظام الشرق أوسطي، الذي سارعتْ مجموعةُ الأنظمة العربية التابعةُ إلى الانخراط فيه عبر المؤتمرات الاقتصادية التي انعقدت في العواصم العربية، وعبر علاقات مع الكيان، وهي التي عملت على مدى عقود من الزمن، لإيصال منظمة التحرر الفلسطينية إلى موقع التسليم بالمشروع الاستعماري، انسجامًا مع الوقائع التي فرضها هذا المشروع.


ويتوقف الكاتب، عند مقاومة الشعب الفلسطيني لمسار التصفية، مُفَجِّرًا انتفاضته الكبرى الأولى عام 1987، ردًّا على مقررات قمة عمان في العام ذاته، ومُجَدِّدًا مقاومته المسلحة للمشروع الصهيوني الذي حَقَّقَ قفزة في ظل أوسلو، سواء على طريق تهويد الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما قاد إلى تبديد حلم الدولة المستقلة، أو على طريق التغلغل في المحيط العربي، وذلك حين أطلق هذا الشعب انتفاضَتَهُ الكبرى الثانية في أيلول عام 2000، والتي سجلَّتْ بروزَ دور الحركات الإسلامية في النضال التحرري الفلسطيني، مجددةً طاقات شعب فلسطين، بعد أنْ تَوَهَّم الأعداء بتلاشيها على وَقْعِ أوهام الحلول السلمية التصفوية.


ومع انتفاضة الأقصى، وتنامي حضور تيار المقاومة على الساحة الوطنية الفلسطينية، جاء الانقسام الذي ضرب الساحة ، وذلك في موازاة الانقسام الذي عم المنطقة وطال كل ساحة عربية، وهو انقسامٌ بين نهج الصمود والمقاومة من جهة، وبين نهج الخضوع للمشروع الاستعماري من جهةٍ ثانيةٍ، والذي دخلت على خطه الإمبريالية الأمريكية بكل ثِقَلِها، بعد أنْ غَدَتْ منذ نشر قواتها في المنطقة، وغزوها للعراق، لاعبًا أكثرَ فاعليةً فيما يتعَلَّقُ بمسار الأحداث في المنطقة، مُوَسِّعَةً اعتمادها على نظم وقوى سياسية وفئوية عربية عملتْ على بناء تحالفٍ بينها وبين القاعدة الصهيونية، التي بقيت ركيزةَ أمريكا الأساسية في سَعْيِهَا لفرض هيمنتها على دول وشعوب المنطقة.


ورغم تعقُّد الصراع في ظل ضراوة الهجمة الاستعمارية التي تقودها أمريكا على المنطقة العربية والإسلامية، فقد حققت قوى الصمود والمقاومة انتصاراتٍ مُؤَزَّرَة على الحلف الاستعماري وأعوانه؛ حيث تم إخراج قوات الاحتلال من قطاع غزة وتفكيك مستوطناته، وإلحاق هزيمةٍ مدويةٍ بآلة العدو الصهيوني العسكرية على يد المقاومة اللبنانية، وتَرَافَقَ ذلك مع الغرق الأمريكي في المستنقع العراقي بفضل مقاومة شعب العراق البطولية، ومع صمود سورية بوجه التهديدات ومخطط الحصار والعزل، وفشل الحلف الاستعماري في تطويع الموقف الإيراني المناهض لمؤامرة إعادة رسم خريطة المنطقة.


وما يبينه الكتاب من خلال عرضه لتداعيات الأحداث في المنطقة وعلى الساحة الفلسطينية، هو أنّ الخطر ما زال قائمًا على قضية فلسطين، وأنّ مخطط التصفية لم يُهْزَم، ذلك أنّ القوى الاستعمارية ما زالت متمسكة بمشروعها، وما زالت قادرة على الدَّفْع بهذا المشروع بأساليب جديدة تعمل على ابتكارها، معتمدةً على ما تملكه من مصادر القوَّة، وعلى من أمكنها تجنيدهم على أرضية هذا المشروع من قوى إقليمية ودولية لا يستهان بإمكاناتها.


وعلى هذا الأساس يختتم الكاتب رحلته الشاقة، خائضًا عُبَاب أكداسٍ من الأحداث والتطورات، ومن المراجع والوثائق والتحليلات، ووجهات النظر المتباينة والمتعارضة.


ويُصِرُّ الكاتب على استمرار الخيار الاستراتيجي للمقاومة الفلسطينية والعربية، والإبقاء على الأمةِ حَيَّةً تقاوم، وتطالب بحقها الطبيعي والقانوني والتاريخي والديني في أرض فلسطين. فخِيَارُ المقاومة هو الذي أبقى القضية الفلسطينية حيَّةً، أمّا خيار التسوية بشروط (إسرائيل) والولايات المتحدة الأميركية، فهي الهزيمة بعينها للأمة. فـ (إسرائيل) لن تقبل السلام؛ لأن السلام هو النقيض التاريخي لوجودها كبِنْيَةٍ مجتمعية أيديولوجية وسياسية وعسكرية، تقوم بدور وظيفي في منطقة الشرق الأوسط.

المصدر: دمشق: دار الفكر، 2008

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة