You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>مراجعات كتب>عرض كتاب : السلفية والليبرالية... اغتيال الإبداع في ثقافتنا العربية

مراجعة كتاب: محمد كامل الخطيب، مائة عام من العذاب: المأساة السورية

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2079 مرة
الكاتب  محمد كامل الخطيب

يتحدث كتاب "مائة عام من العذاب" لمؤلفه الدكتور محمد كامل الخطيب، عن تاريخ سوريا بشكل مقتضب، ويحكي عن تأثير الأفكار والنظريات المتبادلة مع الجوار، ولاسيما تركيا الأتاتوركية، دون الخوض بشكل مباشر في الأزمة السوريّة.. فهو كتاب يبحث في مضمون وواقع حقبة انتهاء دولة الخلافة العثمانية وسوء الفهم المتبادل بين العرب والأتراك، وما تبع العملية من محاولات لبناء الدولة الحديثة في كل من تركيا والبلدان العربية وسوريا تحديدًا، حيث نجحت تركيا، كما يقول الخطيب، وأخفقت البلدان العربية التي انفصلت عن الدولة العثمانية والتجربة التركية، في بناء دولتها المدنية الجديدة.

يقول الكاتب : هذه فصول المأساة السورية.. مائة عام من العذاب. كتبت تحت ضغط الأحداث المضطربة واللاهبة الراهنة في البلدان العربية وسورية خصوصًا عام 2011، على الرغم من أن التفكير فيها يجري بالنسبة لي منذ زمن بعيد. وربما لهذا كان بالإمكان أن أكتبها على شكل دراسة أكاديمية، مثل الفصل الأول والذي تحدث عن انتهاء دولة الخلافة العثمانية، وسوء الفهم المتبادل بين العرب والأتراك، وما تبعه من محاولات بناء الدولة الحديثة في كل من تركيا والبلدان العربية وسورية تحديدًا، حيث نجحت أتاتوركية تركيا، وأخفقت البلاد العربية التي انفصلت عن الدولة العثمانية والتجربة التركية في بناء دولتها المدنية الجديدة. لكنني آثرت طريقة قريبة المتناول في هذه الظروف؛ وهي طريقة المقال المبسط الموجه لعموم القراء، فقد بدا لي أن هذه هي الطريقة المناسبة للوصول إلى عموم الناس والمشاركة في هذه الأحداث السورية اللاهبة، بل وفي تحديد موقف من تاريخ المأساة السورية، كما أراها، عبر أو بعد عرض تاريخها.

سوء فهم متبادل بين العرب والأتراك

قسم الخطيب كتابه إلى عدد من الفصول، يبحث في مضمون وواقع حقبة انتهاء دولة الخلافة العثمانية وسوء الفهم المتبادل بين العرب والأتراك. ويبين الكاتب أن العرب رأوا أن تركيا عقب الحرب العالمية الثانية بدت هادئة ومستكينة تجاههم، لأنها كانت وما تزال ضعيفة، لكن نواياها مشكوك فيها إذا ما استقوت، مستشهدًا بكلام الكاتب السوري منير الشريف في كتابه "القضايا الاقتصادية الكبرى في سورية ولبنان"، الذي يقول : ومع ذلك فإن الحدود بين سورية وتركيا يجب أن تراقب دومًا، لأن تركيا الضعيفة اليوم لا تتظاهر بالقوة والشدة تجاه سورية، ولكن من يقول لنا أنها لا تضمِر الشر في مكامن نفسها ؟؟؟.

كما أن سير الأحداث من خلال حلف بغداد ومعاهدة الدفاع المشترك الغربية عن الشرق الأوسط خلال الخمسينيات من القرن العشرين، ومن ثم الحشود التركية على الحدود التركية - السورية لتهديد الاتجاه اليساري السوري آنذاك 1957 آتت مصدقةً لتخوفات مراقب عام 1947 السوري. أضف إلى ذلك انضمام تركيا إلى الحلف الأطلسي الناتو والمعسكر الغربي عمومًا، وهو حلف ناهض التطلعات القومية العربية مثلما ناهض السوفييت كما هو معروف.

ولعل أهم قائمة للمآخذ العربية على الأتراك وردت في كتاب بعنوان: تركيا والسياسية العربية.. من خلفاء آل عثمان إلى خلفاء أتاتورك، صدر في مصر يناير عام1954 وكتب مقدمة له الرئيس جمال عبد الناصر 1918 – 1970 عنوانها: تركيا الشقيقة، مما يعطي الكتاب طابعًا رسميًا. وفي هذا الكتاب يعدد المؤلفون- لم تذكر أسماؤهم في الكتاب – قائمة مفصلة تقريبًا بالاتهامات العربية التقليدية ضد السياسة التركية تجاه المنطقة العربية، بل وضد السياسيات القومية و العلمانية للجمهورية التركية ذاتها.

الثورة وحالة الحراك السياسي في سوريا
ولا يغفل الكاتب أن يدرج ويشرح موقفه بشكل واضح من الثورة وحالة الحراك السياسي في سوريا، إذ يقول: موقفي واضح: مع المواطنين السوريين ضد كل أشكال القهر والحرمان والاستبداد السياسي والاجتماعي والإنساني، ومهما كان اسمها ولونها، وصفتها: دينية أم قوميّة أم عسكرية أم سياسية، التي يعيشونها منذ خمسين عامًا، أو تلك التي يحوم شبحها في الأفق.

ويرى الخطيب أن النظام السوري منذ عام 1963 إنما هو في جوهره نظام أكرم الحوراني، أي النظام القائـم على التحالف بين الفلاحين الفقراء والجيش وفقراء الأحياء الشعبية، يدعمهم المثقفون اليساريون. وقد استمر هذا التحالف، حتى مطلع القرن الحادي والعشرين، إذ انهار موضوعيًا. وانفرط عقده نتيجة التحولات الاقتصادية الجديدة في سوريا،.وبروز ظاهرة المتمولين الجدد، وخراب الريف وتضخم المدن، وهذا ما عنى أن البعث وعسكره ونخبته السياسية والمالية الجديدة قد تخلوا عن تحالفاتهم وقاعدتهم الاجتماعية السابقة، وانحازوا إلى طبقة الرأسماليين المتكونة حديثًا في ظل النظام الجديد وبواسطة قبضته الأمنيّة وفساده الاقتصادي، فكان طبيعيًا أن تتخلى هذه القاعدة الشعبية عمن تخلى عنها، وربما كان ذلك أحد أهم أسباب التحركات الشعبية التي تشهدها سوريا اليوم.

ويطلب المؤلف ألا ننزعج من صراحة التاريخ وحقيقته، ويقول في هذا الصدد: كانت محافظات حماه وحوران وحمص واللاذقية (الساحل) ودير الزور، هي أماكن قوة حزب البعث، تنظيمًا وعسكرًا وفكرًا، خلال العقود السابقة (1948-2000). أما اليوم فإن حمص وحوران وحماه واللاذقية وديرالزور وإدلب وجوارها، مسارح رفض نظام البعث وأفكاره وديكتاتوريته وأتاتوركيته الأمنيّة المحضة.

ويتابع الخطيب: هذه ليست مفارقة، لكنه التاريخ الذي لا يجامل أحدًا. فلا تؤاخذوا التاريخ على صراحته وصرامته، ولا تتهموه بالتآمر!!!. ويعرج الخطيب في ختام كتابه على موقف لأحد نشاطات المعارضة، ولاسيما النشاط الذي انعقد في دمشق في فندق سميراميس، ليعلق على ذلك، واعتبره تمرينًا على الديمقراطية.

ويقول: ببساطة، لقد كان ما حدث في دمشق يوم 27 يونيو 2011، أيًا كانت التوصيات التي اتخذت، وأيًا كان الموقف منها، تمرينًا أوليًا طريفًا وناجحًا على الديمقراطيّة. وهو تمرين أو تدريب لا يسع المرء إلا أن يتمنى لسوريا، سوريا الأفكار الجديدة ـ تاريخيًا ـ في المنطقة العربيّة، أن يصبح فيها الحوار والديمقراطية، مع المران والتدريب والمواظبة عادة، وأسلوب حياة وسياسة وأسلوب عيش واجتماعًا مشتركًا.

وبحسب الخطيب، فإن ما جرى، كان شيئًا جديدًا، إذ يبدو أن الترتيب اليومي وكأنه خروج عن اليومي، لكنها كانت مأساة أن يبدو اليومي والعادي خلال عقود، حلمًا شبه مستحيل أو معذبًا، بل كان حلمًا قاتلًا أحيانًا.

يقول: بالنسبة لسورية ثمة جديد، ثمة تغيير هائل. رجل المعارضة استطاع أن يقول رأيه الذي يراه بجرأة وصراحة دون خوف الاعتقال أو دون اعتقال، معلنًا بذلك أن خمسة عقود من الكبت والاضطهاد لم تقتل بذرة الحياة في النفس السورية. ورجل الرأي الآخر قال رأيه كما يريد، وشرطي المرور قام بواجبه دون أن يرتشي من أحد، أما رجل الأمن فلم يستخدم قبضته أو قدمه، أو عصاه أو مسدسه هذه المرة، بل قام بعمله الحقيقي. هل هذا شيء غير طبيعي؟؟ لا إنه طبيعي، ولكن العادي الطبيعي هو الجديد والمذهل هذه المرة، فالحلم في مجتمعات الاستبداد، أو المجتمعات التي اعتادته سلطات الاستبداد على الأصح، هو أن يكون المرء عاديًا، وأن تكون الحياة عادية.

الطريف اليومي والعادي والطبيعي أصبح خروجًا على ما ظن الناس والسلطة أنه العادي واليومي، بل والأبدي، وهل من شيء غير أبدي في أنظمة الاستبداد وأفكاره من الرسالة الخالدة إلى الرئيس الأبدي إلى المواطن المطيع إلى الأبد. هذا عن المظاهر الخارجية لما حدث في القاعة وداخلها. أما ما حدث داخل القاعة فكان أغرب، مرة أخرى كان أمرًا عاديًا، لكنه جديد، وإن كان يجب أن يكون عاديًا ومألوفًا، كان العادي الذي يخرج عن العادي. جمع من الناس السياسيين يدخلون ويجلسون على طاولات دون هرج وهتافات، دون "يسقط" و"يعيش" أو "بالروح وبالدم". يقوم أحدهم إلى المنصة، فيلقي كلمة في دقيقتين أو ثلاث دون أن يقاطعه أحد إلا مدير الجلسة لتنبيهه إلى الوقت، مع أن كل واحد من الحاضرين يستطيع ويتمنى أن يقف ساعتين على المنصة، بل ولديه ما يقوله، وفي النهاية وعند إصدار البيان الختامي يحدث خلاف حول بعض المواد، فتقر بنود وترفض أخرى، ويضاف هنا بند ويحذف هناك آخر بالتصويت، وأخيرًا يدفع كل حاضر مبلغًا وقدره 500 ل.س للمساهمة في أجور المكان الخاص، أي لا أحد استخدم المكان العام أو الخاص لفائدته الشخصية أو فائدة جماعته السياسية أو سلطته. وأخيرًا، وكل على هواه، انسحب من الاجتماع من لم يعجبه سير الأمور، أو رفض الحضور أصلًا. كل يأخذ حقه أو يؤدي واجبه، أو يعمل ما يقوله له ضميره أو تفكيره.

المصدر: بيروت: 2011

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة