مراجعة كتاب: نائلة الوعري، موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين من المشروع الصهيوني 1856 – 1914

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2503 مرة
الكاتب  نائلة الوعري

تعالج الباحثة "نائلة الوعري" في كتابها «موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين في فلسطين من المشروع الصهيوني (1856-1914م)» جوهر القضية الفلسطينية التي تبقى قضية الجميع، وذلك عبر وثائق ومخطوطات تُنشر للمرة الأولى، مما يعطي هذه الدراسة التاريخية القِيمة الأكبر في معالجة المسألة، وما يُضفي عليها الكثير من المعلومات النادرة والنتائج الجديدة القيمة في تاريخ فلسطين الحديث. يتضمن البحث أيضًا خرائط وصورًا كنماذج للوثائق والتقارير والمراسلات والسجلات التي اعتمدت عليها.

الجذور الأولى للمشروع الصهيوني

ترصد الباحثة الجذور الأولى للمشروع الصهيوني (1806-1831م)، فترى بدايته مع قدوم الحملة المصرية إلى بلاد الشام، وفي ظل حكم محمد علي باشا لها (1831-1840م) الذي ساوى بين الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية المستأمنين، فقدم امتيازات إلى القوى الأجنبية مثل: شراء المساكن والأراضي، وإنشاء بعثات التبشير. واستغلَّت الطوائف اليهودية المحلية الأوضاع المستجدة لتحسين أحوالها ومحاولة شراء أراضيَ، ثم تجذَّر المشروع الصهيوني مع عودة الحكم العثماني إلى فلسطين (1840-1856م)، ومراعاته الدول الكبرى، وخصوصًا بريطانيا التي أخذت على عاتقها حق حماية اليهود إلى جانب الطائفة البروتستانتية. وقد أرسلت بريطانيا إلى فلسطين لجنة فنية بقيت فيها ستة أعوام، مسحت في خلالها الأراضي من الشمال إلى الجنوب. وبدأ الترويج الغربي لفكرة إعادة اليهود في مشاريع استيطان. وكان المنعطف في سنة 1897م حين عُقد أول مؤتمر صهيوني أقرَّ تشجيع الاستعمار في فلسطين، وهجرة اليهود إليها، والسعي للحصول على اعتراف دولي بشرعية الاستيطان فيها، فانطلقت حملة شراء الأراضي بقوة، والتي كانت قد بدأت في إبان الحكم المصري مستفيدة من الأذونات (إذ في المبدأ مُنع بيع الأرض لغير المسلمين)، ومن أنشطة القنصليات الأجنبية، ومن عمليات السمسرة، ومن المتعاونين، ومن خلال التحايل على القوانين من قبيل تسجيل الأراضي والعقارات في وثائق خاصة خارج إطار الدوائر الرسمية.

كما تورد الباحثة أهم المشاريع الصهيونية الكبرى (1840-1914م)، مثل: مدرسة "نيتر" الزراعية في قرية "يازور" العربية، قرب "يافا" بموافقة عثمانية، ومستعمرة "بتاح تكفا" على أراضيَ قرية "ملبس" قضاء "يافا" (1878م)، ومستعمرة "ريشون ليتسيون" على أراضيَ من قرية "عيون قارة" (1882م)، ومستعمرة "زخرون يعقوب" على أراضيَ قرية "زمارين" (1882م)، ومستعمرة "مشكانوت شأناليم" على أراضيَ من قرية "عين كارم". وحتى نهاية العهد العثماني توصل اليهود إلى إقامة نحو 24 حيًّا استعماريًّا في غربي القدس. وبلغ عدد المستعمرات اليهودية في فلسطين حتى سنة 1914 نحو 47 مستعمرة منتشرة بين: "الجليل"، و"مرج ابن عامر"، و"السهل الساحلي".

وتشير نائلة الوعري إلى أن الأراضي المنتقلة إلى اليهود حتى سنة 1918م كانت في معظمها من الدولة والملاَّك الكبار غير الفلسطينيين؛ إذ على الرغم من الإغراءات المادية، فإن عددًا قليلاً فقط من الفلاحين والإقطاعيين الفلسطينيين الذي باع أراضيه. وبصورة عامة، فإن الموقف الرسمي المصري من بيع الأراضي وبناء العقارات لرعايا الدول الأجنبية راوح ما بين التساهل أحيانًا والتشدد أحيانًا بحجة القواعد الشرعية.

موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين من المشروع الصهيوني

كما تعرض الباحثة موقف السدة السلطانية (الولاة) من المشروع الصهيوني، وتبين أنه لا يبرز منه موقف حاسم وقاطع؛ إذ ارتبط الأمر دائمًا بحركة التاريخ العثماني وتطوراته وموقع الولاة في السلَّم الإداري. وفي إبان فترة الدراسة (1856-1914) التي توالى فيها على الحكم خمسة سلاطين، راوح الموقف العام ما بين رفض المشروع الصهيوني ومقاومته وبين مهادنته. ففي إطار المواجهة صدر في سنة 1858م أول قانون مدني عثماني يُعالج شئون الأراضي في الدولة العثمانية حيازةً وتصرفًا واستغلالاً، ولم يُفَعَّل في الأراضي الفلسطينية إلا في سنة 1869م، وذلك بعد صدور قانون تملُّك الأجانب بعامين، بهدف ضبط وتنظيم انتقال الأراضي، وأُقرت مجموعة من الإجراءات للحد من الهجرة والتملُّك.

أما موقف العلماء من المشروع الصهيوني، فتبين أنهم هم تلك الفئة القليلة من علماء الشريعة صاحبة التأثير المعنوي في الناس من خلال: الخطب، والتصريحات، والجهر بالرأي، ورفع العرائض، وقيادة الاحتجاجات والمواجهات ضد المشروع الصهيوني، والاعتراض على عمليات بيع الأراضي، والسعي لإفشالها في دوائر الطابو. وانضم إلى ركبهم لاحقًا مجموعة من المثقفين الحديثين المتخصصين بالطب والهندسة والرياضيات والإدارة والمحاماة والأدب والزراعة، وهؤلاء شغلوا مراكز حساسة في الإدارة العامة والخاصة مثل: القائمقاميات، والبلديات، والطابو، والمدارس، والمحاكم، والقنصليات، والصحف، والمستشفيات، والوكالات التجارية، والشرطة، والجيش. وقد تتبعت الباحثة مواقفهم وأنشطتهم، وأوردت أبرز وجوههم، مثل: أحمد سامح راغب الخالدي، أحمد عارف الحسيني، أسعد الشقيري، حنا عبدالله العيسى، راغب الخالدي، سليمان التاجي الفاروقي، طاهر مصطفى الحسيني، عبد الله محمد عبد الله مخلص. وإلى جانب هؤلاء تذكر الباحثة أسماء وسير كل من: علي النشاشيبي، فريد محمد إبراهيم العنبتاوي، عيسى العيسى، كامل طاهر الحسيني، محمد إسعاف النشاشيبي، محمد موسى المغربي، نجيب نصار، يوسف ضياء الدين محمد علي الخالدي.

أما موقف الأعيان والإقطاعيين من المشروع الصهيوني، فلم يكن موقفًا موحدًا وحاسمًا، ولذا تجتهد الباحثة في تمييز مواقفهم بحسب التراجم المتداولة.

كما ترى الباحثة أنه على الرغم من تنوع التكوينات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع الفلسطيني، التي حالت دون قيام جبهة قوية في وجه المشروع الاستعماري، فإن هذا الأمر أضفى حيوية على حركة المعارضة، وساهمت هذه المعارضة القوية في صد الحركة الصهيونية إلى حين تم عزل السلطان عبد الحميد الثاني وتولت "جمعية الاتحاد والترقي" السلطة، والتي قدمت التسهيلات للهجرة وشراء الأراضي والاستيطان. وبذل العلماء وسعهم لمقاومة هذا المشروع، بينما انقسم الأعيان بشأنه. أما أصحاب الملكيات الكبيرة فانجرُّوا وراء الربح المادي وباعوا إقطاعاتهم ومعها ضميرهم وشرفهم.

المؤلفة

نائلة الوعري، باحثة بحرينية من أصول فلسطينية، سبق لها أن أصدرت كتابًا عن دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين (1840-1914م).

المصدر: بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة