You are here:الرئيسية>الأرشيف>زمن الصحوة.. الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية - ستيفن لاكرو

علي أسعد وطفة: التربية على المواطنة

الأحد، 17 تموز/يوليو 2016 عدد القراءات 4313 مرة
الكاتب  د. علي أسعد وطفة

كم هي مريرة صورة المقارنة بين الإنسان المواطن في وطن ديمقراطي وبين الرّعي المطحون بذُلَّ الاستبداد والاستعباد في الدول العربية الشمولية ؛ فالإنسان العربي في ظل أنظمته الاستبدادية يعيش مطاردا في أصقاع الأرض وملاحقا في أقاصي الكون؛ ليس لا إلا لأنه أجرم في قول كلمة حق، أو في الإعلان عن رأي، أو في وقع في اتهام بعدائه المبطن للنظام. وكم هي مؤلمة المقارنة بين حكومات ديمقراطية تقوم بالدفاع عن مواطنيها واحترامهم والاحتفاء بهم وبين حكوماتنا العربية المنهمكة بإذلال رعايها واستلابهم ومطاردتهم.

لقد عملت أنظمة الاستبداد في بلداننا بكل ما أوتيت من قوة إلى تحويل المواطنين إلى رعايا وعبيد، إلى أفراد يدينون بالولاء الأعمى لنظام الفساد والقهر والاستبداد. والمواطنة في منظور النظام السياسي المستبد لا تعدو أن تكون ولاء المحكوم للحاكم ورضوخ المواطن لإرادة النظام الحاكم، حيث يشكل الخضوع المطلق للحاكم المستبد مبتدأ المواطنة والإذلال خبرها ومنتهاها.

وذلك هو حال الأنظمة التربوية في البلدان الاستبدادية التي تدجن البشر على مفاهيم العبودية ، وتلقنهم أساليب الخضوع والمذلة، وتدفعهم إلى تقديس رموز النظام، وتدفعهم إلى تأليه الحاكم الصائر صنما للعبادة. هذه الأنظمة علمتنا، وما زالت تعلم أطفالنا، بأن كرامة المواطن تكون قبل كل شيء في الخضوع للحاكم، وفي تمجيد نظامه وتقديس رموزه!

هذه التربية المأساوية أصبحت اليوم تربية بائدة ومرفوضة، في أنظمة أكل الدهر عليها وشرب، وقد حان الوقت لتربية جديدة، تنظف عقل الإنسان العربي من أوهام التسلط في نظام الاستبداد. لقد آن الأوان وحان الحين من أجل تربية جديدة تؤصل لرؤية جديدة للوطن والمواطن والعلاقة بين الوطن والمواطن بوصفها علاقة إنسانية تسمو على كل أشكال القهر والمعاناة والاستلاب في أنظمتنا السياسية العربية.

ولا مندوحة لنا في البداية من القول بأن التربية على المواطنة قد أصبحت ضرورة حضارية لازبة في بناء المجتمعات الديمقراطية، وفي المحافظة على التقاليد الديمقراطية في المجتمعات الحرة. ولم يعد ممكنا الحديث عن تحولات ديمقراطية حقيقية في أي مجتمع ما لم يترافق ذلك بالحديث عن تربية ديمقراطية. فالديمقراطية لا تتحرك في الفراغ بل هي حقيقة تربوية تفرض نفسها في مختلف جوانب الحياة الديمقراطية في المجتمعات الحديثة. فالحديث عن مجتمع ديمقراطي هو نوع من الهرطقة الفكرية إذا لم يقترن ذلك بإنسان ديمقراطي. إذ لا يمكن لنا أن نتحدث عن ديمقراطية من غير ديمقراطيين. وهذا يعني أن الإنسان الديمقراطي هو الركن الأساسي في تكوين المجتمعات الديمقراطية. ومن غير الإنسان الديمقراطي فإن الحديث عن الديمقراطية هراء وهرطقة وعبث فكري.

إن التربية على المواطنة تعني بناء الإنسان الحر الديمقراطي الذي يمتلك القدرة على المشاركة في الحياة السياسية مشاركة فاعلة وحيوية. وبالتالي فإن هذا الإنسان لا يولد في المصادفات التاريخية العابرة ولا يوجد في فراغ اجتماعي، بل هو الإنسان الذي يتوجب على التربية أن تقوم بإعداده وتحضيره إنسانيا، للمشاركة الحرة في صنع المصير الاجتماعي للمجتمع الذي ينتمي إليه. وإننا لعلى يقين بأنه من غير التربية الديمقراطية والتربية على المواطنة يتحول المواطنون إلى رعايا وأفراد ورعاع لا يمتلكون مصيرهم السياسي وغير قادرين على المشاركة في الحياة الاجتماعية أو في الشأن العام.

وإنه لمن الواجب علينا، في هذا المقام، أن نقول بأن الأنظمة الديكتاتورية رهّبت، وما زالت ترهّب، كل ما يمت بصلة إلى مفاهيم: المواطنة، والتربية الديمقراطية، والتربية على المواطنة، والتربية المدنية. وهي تصنف هذه المفاهيم في دائرة المفاهيم الحمراء وتعلن عليها حربا ضروسا لتنسف كل ما تنطوي عليه من تصورات وقيم ديمقراطية.

وفي أغلب البلدان العربية المعاصرة ما زال مفهوم المواطنة ومفهوم التربية على المواطنة من المفاهيم المحظورة نسبيا المغيبة في الوعي واللاوعي عند الإنسان العربي. وما زال الإنسان العربي اليوم في أغلب المجتمعات العربية يعيش وضعية الرعية لا وضعية المواطن. فنحن رعايا لا مواطنون من وجهة نظر الأنظمة السياسية التي تحكم مجتمعاتنا وبلداننا. نعم هناك مواطنون في مجتمعاتنا ولكن أغلبهم في السجون، أو هاربون من وجه العدالة، خارج الوطن بعيدا عن متناول الأنظمة الحاكمة التي تمنع على رعاياها حلم المواطنة والطموح إليها.

يعيش الإنسان العربي المعاصر على الأغلب في أنظمة سياسية غير ديمقراطية، وهذه الوضعية السياسية والاجتماعية تخلع عن الفرد صفة المواطن، لأن المواطن لا مكان له في نظام استبدادي يرفض الديمقراطية منهجا وأسلوبا في الحياة. فالمواطنة تعني الممارسة الحرة للمواطن في شؤون الحياة العامة، وفق أنظمة حرة، يحددها القانون، وترسمها الأعراف الديمقراطية في مجتمع محدد.

في البلدان الديمقراطية يتوجب على المواطن أن يشارك مباشرة في اتخاذ القرارات التي تلامس حياته أو الجماعة التي ينتمي إليها. والمواطن بالمفهوم الحديث للمواطنة كائن منفعل وفاعل في مجرى الحياة السياسية والإدارية والثقافية والاقتصادية، وحاضر إزاء مختلف التحديات والمشكلات التي يواجهها المجتمع. وهذه الصورة الحيوية للمواطن الحر، تتطلب من المواطن أن يمتلك وعيا يناسب المسؤوليات الكبيرة التي يقتضيها مفهوم المواطنة. وتأسيسا على ذلك يتوجب عليه أن يدرك القيم الأخلاقية والديمقراطية الأساسية للحياة في المجتمع الذي ينتسب إليه وأن يمارس خياراته الأساسية في ضوء هذه القيم الديمقراطية. والمواطن في اتخاذه لخياراته يجب ألا يتأثر بالضغوط والإكراهات الخارجية مهما يكن نوعها, بل يجب عليه أن يشعر بالحرية والاستقلال وأن يفكر ويمارس دوره في ظل هذه المشاعر الإنسانية الحرة.

فالممارسة في جوهرها تعبير عن عقلية راسخة في التكوين الشعوري واللاشعوري للإنسان. وهذه العقلية لا يتم تكوينها بين عشية وضحاها بل تحتاج إلى نظام تربوي ديمقراطي فعال يؤسس لهذه العقلية - عقلية المواطن الحرّ- منذ مرحلة الطفولة حتى مرحلة الشباب. وقد أصبح خيار التربية الديمقراطية للمواطنة الحرة خيارا استراتيجيا في مختلف المجتمعات المتقدمة، لأن الديمقراطية هي الإطار الحيوي الذي يضمن ممارسة حقوق الإنسان والشرط الأساسي لبناء سلام يتصف بالديمومة والاستمرار.

في الأنظمة الديمقراطية يمتلك الشعب، عبر حكومة منتخبة، مصيره السياسي والحضاري بمعنى حكم الشعب لنفسه بنفسه ([1]). في مثل هذا المجتمع فإن جميع المنتخبين والمرشحين يتحدرون من أرومة المواطنة وكل منهم منتخبا ومرشحا يأخذ دوره الحر المسؤول في عملية المشاركة السياسية، وهذا يؤسس للحرية بوصفها المبدأ الجوهري الذي ينطلق منه الناخب والمنتخب. وفي هذه الدائرة تتجلى أهمية الوعي السياسي لأن المسؤولية، أي مسؤولية المواطنة، تقتضي وعيا متقدما للمواطن بالقضايا السياسية والمشكلات والتحديات التي تواجه المجتمع الذي ينتسب إليه. ومن غير هذا الوعي السياسي تصبح ممارسة المواطنة ممارسة خطرة في الحياة السياسية للمجتمع([2]).

ومما لاشك فيه أن المشكلات التي تواجهها المجتمعات الإنسانية أصبحت في غاية التعقيد، وهي تحتاج اليوم، من أجل فهمها وإدراكها، إلى الخبراء والتقنيين والمفكرين في مختلف قطاعات الحياة الاجتماعية. وفي اتجاه هذا التعقيد الكبير تفرض التربية نفسها ضرورة تاريخية وحضارية في الآن الواحد. فالتربية هي التي تستطيع أن تمكّن كل مواطن من اتخاذ القرارات الصائبة في عالم يتسم بالصعوبة والتعقيد. وفي هذا السياق يمكن القول أن التربية تستطيع، ويجب عليها أيضا، أن تنمي عند المواطن وعيا نقديا يجعله أكثر قدرة على الفهم والمعالجة والتفكير واتخاذ القرار بناء على نسق من التصورات النقدية الحرة.

رمزية التربية على الاستبداد ازدهرت التربية العربية على الاستبداد السياسي مع الاستقلال الوطني وهيمنة النخب العسكرية على السلطة في كثير البلدان العربية وغيرها من البلدان العربية. وتمخضت سلطة النخب العسكرية في صورة ديكتاتوريات ستالينية الطبع نازية التوجه، ومن ثم اتخذت كل نخبة عسكرية حاكمة طاغية لها يحكم شعبه بالحديد والنار.

وقد أدرك الطغاة في الوطن العربي أن الطاغية القوي لا يبقى قويا إلى الأبد ما لم يحول سلطته إلى حق وطاعته إلى واجب كما يقول جان جاك روسو، ومن هذا المنطلق ولدت الحاجة إلى تكوين أيديولوجيا استبدادية جديدة اعتمدت الرموز والتابو وفلسفة المقدس في فرض هيمنة الطاغية وإكسابه المشروعية السياسية المطلوبة. وقد برهنت الأيام على فعالية كبيرة لهذه الأيديولوجيا وقدرتها على تطويع الشعب وإكراهه على الخضوع المستمر لإرادة الطغيان والاستبداد السياسي.

ولم تقف الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي عند حدود ممارسة القوة الأمنية بل رسخت استبدادا أيديولوجيا وفكريا وثقافيا من أجل ترسيخ قوى الإكراه والاستبداد في شخص الطاغية. فجمعت بين قوة مادية طاغية وقوة رمزية ثقافية في ممارسة الهيمنة والتسلط السياسي بلا حدود أو قيود.

اعتمد الطغاة العرب منذ البداية نسقا من التصورات الأيديولوجية الطبقية القومية والوطنية لتكريس مشروعيتهم السياسية مثل الدفاع عن الأمة والوطن ومصالح الطبقات الكادحة، وتحقيق الوحدة الوطنية، ودرء المخاطر عن الأمة، ومقاومة الاستعمار، ومقارعة التآمر الخارجي، وهي القضايا التي تأخذ وقعا سياسيا وأخلاقيا في نفوس الجماهير، وشكلت هذه التصورات الأيديولوجية الركائز الأساسية للطغيان والاستبداد السياسي في العالم العربي، كما شكلت منطلق الممارسات التسلطية القائمة على قهر الشعوب واستلابها.

يبدأ الاستبداد السياسي بإنشاء نسق تربوي من الرموز المجردة التي تمارس وظيفة الهيمنة السيكولوجية الرمزية على المقهورين. فمن أجل المحافظة على قوة التأثير السياسي في نفوس الجماهير العربية عمل الطغاة العرب على صوغ شعارات سياسية وإيديولوجية يدور قسم كبير منها حول شخص الطاغية مثل: القائد الرمز، القائد الخالد، القائد الأبدي، القائد المجد ظل الله في الأرض. وتأخذ هذه الشعارات صورة شعارات وطنية وقومية مثل: شعارات الوحدة العربية، شعارات التقدم، شعارات نضال الطبقات العاملة، شعارات العدالة، شعارات الحرية، شعارات الديمقراطية، شعارات ضد الصهيونية، شعارات المعركة من أجل المصير، وشكلت هذه الشعارات طاقة فكرية وسيكولوجية هائلة وظفت في خداع الجماهير العربية وإخضاعها واستلابها لإرادة الطغاة وهيمنتهم. وهذه الشعارات تأخذ طابع رموز سياسية تمارس دورا نفسيا وسيكولوجيا قادر على تجنيد الشعب وإخضاع أفراد لإرادة السلطة تحت ضغط نفسي وأخلاقي ووطني تصعب مقاومته.

تأخذ الشكل الثاني للرموز في عملية تمجيد الطاغية صورة صناعة بارعة من الأشكال والصور والتماثيل التي ترمز إلى القائد ومثالها: صور الزعيم التي تنتشر في كل مكان: في المكاتب الرسمية، في المنازل، على الجدران، في المظاهرات، حتى أصبحت الصورة جزءاً أساسيا في أي مشهد من مشاهد الحياة العامة والسياسية والفنية في دوائر الدولة جميعها، وهذا يشمل حتى المشاهد التمثيلية التي تتجلى في الدراما والكوميديا والأعمال الفنية والشعرية. فالصورة صورة الطاغية التي تتجلى بأحجام وأشكال وصيغ متنوعة لتصبح جزءا من الحياة اليومية وهي توظف في إضفاء هالة من القداسة والتعظيم على شخص الزعيم والطاغية.

حقيقة التربية على المواطنة في البلدان العربية: في البلدان الديمقراطية المتقدمة تلعب المدرسة دورا كبيرا في بناء ثقافة المواطنة وتأصيل معانيها وتفعيل ممارستها في الوسط الذي يعيش فيه التلميذ. وتمتلك هذه البلدان اليوم تراثا تربويا هائلا في مجال إعداد المواطن وتأصيل الوعي بالمواطنة الحرة. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى التجارب التربوية المتميزة والعريقة في تاريخ التربية المدنية في أوروبا حيث بلغ الوعي بالمواطنة درجة عالية من النمو والتطور. وفي عمق هذه التجارب، يمكن الإشارة إلى التربية على المواطنة في النظام التربوي الفرنسي، حيث تشكل هذه التربية أداة حقيقية فاعلة في بناء وعي نشط وفعال بحقوق الموطنة ودورها في المجتمع الفرنسي.

ولكن مثل هذه التجربة ما زالت في بدايتها، إذا كانت هناك من بداية لها في التربية العربية المعاصرة. فمفهوم المواطنة ما زال واحدا من المفاهيم الذي يثير حفيظة المربين التقليدين وغضب السياسيين من أصحاب النزعة الاستبدادية. وقد بقي هذا المفهوم غريبا ومغتربا في نسق الحياة التربوية والسياسية في العالم العربي حتى اليوم، وشأنه شان التربية على حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية.

ففي البلدان العربية يجب علينا اليوم أن نبدأ من نقطة الصفر، لأن وضعية التربية على المواطنة مخجلة في حقيقة الأمر، ونحن على يقين بأن أغلب الفئات الاجتماعية تجهل الدلالة الموضوعية والتاريخية لهذا المفهوم. ومفهوم المواطنة عند كثير من المثقفين والنخبة الثقافية يعرف بكلمتين لا ثالث لهما هما: حب الوطن والتضحية من أجله. وحب الوطن كما تريد الأنظمة السياسية الاستبدادية القائمة يعني حب النظام وتقدسيه والتفاني في خدمته وطاعته والتضحية من أجله. ومن هنا نشأت فكرة التخوين لكل من يعارض النظام السياسي أو يخالفه، لأن الاعتراض على الممارسات القمعية للسلطة، تؤخذ على أنها خيانة للوطن والدين والعرف والتقاليد والقيم، وفقا للمعنى الذي تتبناه السلطات القمعية لمفهوم المواطنة. فمفهوم المواطنة الحقيقي يعاني من موقف سياسي وتربوي يناهضه ويعمل على تغييبه وتشويه معانيه وشأنه في ذلك شأن حقوق الإنسان والمفاهيم الديمقراطية الأخرى.

والتربية معنية اليوم في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الكون أن تؤسس لمفهوم المواطنة على صورته الإنسانية وأن تعيد بناء هذا المفهوم وصقله وتحريره من الدلالات السلطوية التي عملت على تشويهه. فأفراد المجتمع يحتاجون اليوم إلى وعي جديد يضمن لهم المشاركة الحرة والمسؤولة أيضا في الحياة السياسية لمجتمعاتهم. والتربية معنية ببناء هذا الوعي وتشكيله إذ يتوجب اليوم على التربية العربية أن تكرس نفسها من أجل بناء الوعي بالمواطنة الحرة وتأصيله في الوعي واللاشعور تأصيلا قيميا ينغرس في أعمق التشكيلات الذهنية للتكوين السيكولوجي عند الإنسان. لأن الوعي بالمواطنة الحرة أصبح اليوم يفوق كل حدود الضرورة المطلوبة في مواجهة التداعيات الكبرى التي تشهدها القيم والنظم الفكرية في عصر العولمة والحداثة المتقدمة.

فوعي المواطنة هو أرقى الصيغ المعروفة للوعي الديمقراطي وأكثرها نبلا، لأن هذا الوعي يمكن الإنسان المواطن من تجاوز ذاته واختراق كل الصيغ الأنانية للوجود، كما أنه يؤدي إلى تطوير الفكر والقدرة على الممارسة والفعل في اتجاه حماية القيم الإنسانية والديمقراطية. إنه يحمل الفرد المواطن أمانة كبيرة وعهدا على مواصلة النضال في سبيل الوطن والإنسان والقيم الحرة.

لقد بينت الدراسات الجارية حول الأنظمة التربوية العربية أن هذه الأنظمة تشهد تراجعا وتصدعا كبيرا في مختلف مستوياتها ولاسيما في مستوى الممارسة الحقوقية والديمقراطية. وهناك تغييب كبير لمختلف المعاني والمفاهيم والقيم الديمقراطية، وهذا بالطبع يشمل مفهوم المواطنة والمجتمع المدني وحقوق الإنسان وغيرها من المفاهيم الديمقراطية. وفي مجال الحياة الاجتماعية العامة نجد غيابا واضحا للوعي بحقوق المواطنة وواجبات المواطن التي تتمثل في المسؤولية والإخلاص والمشاركة وحب الوطن.

في مفهوم التربية على المواطنة: تهدف التربية على المواطنة في جوهرها إلى تحقيق استقلال المواطن وضمان حريته ومشاركته في الشأن العام كما أنها تمكّن هذا المواطن من القدرة على تحقيق خياراته الموضوعية المستقلة.

تأخذ التربية على المواطنة مستويات أربعة: التربية الأخلاقية، والتربية المدنية، والثقافة المدنية، والتربية السياسية؛ وبالتالي فإن كل جانب من هذه الجوانب الأربعة يمتلك غاياته وأهدافه المحددة. ولكن هذه الجوانب الأربعة تلتئم في غاية واحدة وهي تحقيق الحرية الداخلية للفرد أو تمكين الإنسان من تحقيق حريته الداخلية وهذا يتم بتعزيز القيم الإيجابية للوطن.

تعمل الثقافة المدنية L’instruction civique على تزويد المواطن بمعلومات عامة عن الدولة ومؤسساتها، وهذه الثقافة تمكّن المواطن مبدئيا من المشاركة في الحياة العامة للمجتمع كما تمكنه أيضا من العمل والتكيف مع الآخرين في ظل القوانين والأعراف السائدة في المجتمع المدني. وهذا الأمر يتطلب معرفة بالمؤسسات الحكومية، والتقسيمات الجغرافية والإدارية في الدولة، ومعرفة الصيغ الدستورية للبرلمان والحياة الديمقراطية، والصيغ الحكومية القائمة. ومن الضرورة بمكان أن يتمّ تعميم مثل هذه الثقافة بصورة بسيطة وفعالة على جميع أفراد المجتمع ناشئة وأطفال وكبار.

التربية المدنية L'éducation civique: تمهد الثقافة المدنية للتربية المدنية، وتشكل التربية المدنية مرحلة لاحقة لما يسمى بالثقافة المدنية، في الثقافة يجب على الناشئة والأطفال والكبار معرفة مكونات المجتمع المدني وأصوله وفروعه. أما التربية المدنية فإنها تعمل على تكوين اتجاهات وقيم وفعاليات عند المتعلم بقضايا وشؤون المجتمع المدني. فالتربية المدنية تعلم المواطن كيف يتكيف مع مؤسسات المجتمع وكيف يمارس دوره فيها، وتحضه على المشاركة في عمليتي التصويت والانتخاب، وتشجعه على ممارسة دوره السياسي في الإقليم الذي ينتمي إليه، وتعمل على تجاوز سلبية الممارسة الديمقراطية الجارية في المجتمع، كما أنها تجعله أكثر إيمانا بالمؤسسات الدستورية لبلاده، حيث يتوجب عليه أن يشعر باحترامها، وأن يشارك في الحياة الديمقراطية مشاركة فعالة وحيوية.

وعلى خلاف ما يسعى إليه بعض السياسيين فإن التربية المدنية تعني بناء الروح الوطنية civisme وليس الولاء السياسي Loyalisme وتميز بين مفهومي الولاء للسياسة والولاء للوطن. فالوطنية تعني حب الوطن والولاء له وهي حالة أخلاقية ووجدانية تدفع المواطن إلى العمل والتضحية في سبيل الوطن والصالح العام لأمته، وهي تختلف كثيرا عن الولاء الذي يعني وجود منظومة من الاتجاهات السلوكية التي تعمل في اتجاه الولاء لنظام سياسي محدد ([3]).

ويمكننا أن نقول في هذا المقام وباختصار شديد، إذا كانت التربية المدنية تعمل على تأصيل القيم المدنية المدني في عقل الفرد ووجدانه، فإن الثقافة المدنية تركز على تزويد المواطن بالمعرفة والمعلومات التي تتعلق بالوطن ومؤسساته. وفي الوقت الذي تقدم فيه الثقافة المدنية معلومات عن الوظيفة الاجتماعية للحياة السياسية، فإن التربية المدنية تساعد الفرد في فهم المؤسسات وآليات عملها وقبول القواعد والقوانين الحاكمة لها والمشاركة الفعالة في نشاطها الحيوي والديمقراطي.

التربية السياسية: السياسة في أكثر تعريفاتها عمومية تشير إلى كل ما له علاقة بإدارة الشأن العام في الدولة أو المجتمع، إنها فن الممكن فيما يتعلق بإدارة المجتمع وتوجيه مساره. فالسياسة العامة في المجتمع معنية بضمان الحرية والكرامة للمواطن أي مواطن في المجتمع. وإذا كانت السياسة تعنى بالأفراد وتوفر لهم احتياجاتهم المدنية فإنه يتوجب على الأفراد بالمقابل الإخلاص والولاء للقيم الديمقراطية في المجتمع ولاسيما ما يتعلق منها بالشأن العام. فالنشاط السياسي يجب أن يهتم بمعالجة الشأن العام وحمايته وبالتالي فإن الحكم يجب أن يتجه إلى تحقيق الغايات العليا للمجتمع. والسياسة في هذا الاتجاه يجب أن تعمل على توجيه الحياة توجيها غائيا واستراتيجيا، وهذا يعني تبني خطوات ممنهجة بعيدة أو قصيرة المدى في اتجاه تحقيق الغايات العليا العامة للمجتمع، كما أنه يجب على السياسة أن تعتمد نظاما ديناميا تكتيكيا آخر يساعدها في مواجهة مختلف الاحتمالات والمصادفات والمفاجآت السياسية وما أكثرها في عالم السياسية.

لقد أصبح واضحا اليوم أن المشاركة السياسية للمواطن في الشأن العام شرط أساسي في أصل المواطنة ذاتها. وهذا يعني أن المواطن يفقد الخاصة الجوهرية لصفته كمواطن خارج دائرة المشاركة الحقيقية في الشأن العام لوطنه ومجتمعه. وبالتالي فإن دور المواطن لا يقتصر على المشاركة في انتخابات النواب والممثلين إلى المجالس السياسية بل يتوجب عليه أن يراقب وأن يعطي رأيه في مختلف مجريات الحدث السياسي لأمته ووطنه. والمواطن لا يمكنه أبدا أن يمارس دور المواطنة الحقّة ما لم يكن مزودا بالمعرفة الضرورية للمشاركة الحيّة النقدية في الشأن العام. وتأسيسا على ما تقدم فإنه كلما كان المواطن أكثر ثقافة كلما كان أكثر تأثيرا في الحياة السياسية، وبالتالي فإن المشاركة الفعالة للمواطن في الحياة السياسية تتطلب درجة أكبر من التربية السياسية. وبالنتيجة فإن التربية السياسية الحقّة تستطيع أن تولد مشاركة فعالة للمواطنين في الحياة السياسية.

فالتربية على المواطنة تقتضي بالضرورة تربية سياسية. والتربية السياسية تقوم بتزويد المواطنين بمعلومات هامة حول المعضلات والمشكلات السياسية القائمة، وهي بهذا المعنى تبدو مرحلة ما بعد مدرسية. فمفهوم المواطنة الذي يشتمل على الوضعية القانونية للمواطن يؤكد على مسؤولية كل مواطن في الدولة. أو على الأقل بناء حس المسؤولية، وهذا يتطلب أن يعمل المواطن على تقييم دوره بصورة مستمرة في الحياة السياسية. وهذه السمة قد تكون متكافئة بين المواطن العادي والمواطن السياسي. وهذا يعني أن التربية السياسية تكون ضرورية للمواطن البسيط وللمواطن السياسي دون تمييز. ولكن هذه التربية قد تكون مختلفة في حالات محددة ومعينة. وفي هذا المقام يمكن القول أنه لا بد من وجود تربية سياسية بحدود معينة تسمح للمواطن غير السياسي بممارسة واجباته السياسية بصورة عفوية وبسيطة.

وهنا يمكن القول بأن التربية السياسية تسعى لتحقيق مجموعة من الأهداف أبرزها:
1- استكشاف الفعاليات السياسية القائمة.

2- فهم الواقع السياسي القائم وفهم المشكلات الأساسية التي تعترض الحياة السياسية.

3- تمكين المواطن من اتخاذ الموقف السياسي المناسب لكل وضعية سياسية.

4- تعزيز ثقة التلميذ بنفسه فيما يتعلق بالموقف السياسي

5- تمكين التلميذ من القدرة على تقييم التجربة السياسية.

فالتربية السياسية تسعى إلى إيقاظ الوعي السياسي عند التلميذ أو الطالب، ثم دفع المتعلم إلى إدراك الأهمية التي يمتلكها بوصفه مواطنا فاعلا في الحياة السياسية في مجتمعه. وهذا يقتضي أيضا أن يكون المتعلم قادرا على تحقيق التوازن بين مصالحه الخاصة والمصالح العامة. كما أنه يتوجب على المتعلم أن يدرك جيدا كيف يكون كل شيء سياسيا، وكيف تتغلغل السياسية في جميع ظواهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وفي هذا الاتجاه يتوجب على المتعلم أن يدرك أهمية القرار السياسي وتأثيره في حياة الجماعة والأمة. وان القرار السياسي لا يكون من طبيعة تقنية فحسب بل هو قرار يجري وفقا لرؤية سياسية أو لموقف فكري من طبيعة سياسية. وبالتالي فإن القرار السياسي لا ينبع مباشرة من عقيدة فلسفية مجردة في مجال الحياة السياسية. وهذا يعني في نهاية الأمر أن الفرد معني باستكشاف المبادئ الأساسية التي تؤسس للنظرية السياسية والتعرف على الرهانات السياسية والممارسات السياسية وتأثير ذلك كله في تنظيم الحياة الشمولية للدولة والمجتمع.

فالسياسة ليست كل شيء وبالتالي فإن التنظيم الذي تؤسس له بجدارتها ليس كافيا لضمان السعادة في المجتمع، ولا يمكنه بالتالي أن يعطي الحياة معناها ودلالتها. وإذا كانت السياسة تضع في أولوياتها أن تعطي لكل فرد الوسائل الضرورية للحياة الآمنة، فإنه يتوجب عليها أن تجد العوامل الأساسية لضمان هذه الغاية. وهنا يتوجب علينا أن ندرك بأن السياسة، لا يمكنها أبدا أن تستوفي جوهر المعاني الإنسانية وأبعادها، لأن هذه المعاني على درجة كبيرة من العمق والشمول.

ففي الحياة الإنسانية هناك أشياء ومعاني تخرج عن دائرة السياسي وإيقاعه. فالإنسان يجب أن يكون مواطنا، ولكنه يتجاوز حدود هذه الكينونة السياسية في جوهره، إذ يمتلك في ذاته على ما هو أكثر من كونه مواطنا. وبعبارة أخرى فإن الجوهر الإنساني للفرد أعمق وأشمل من كينونته السياسية. وهذا يعني أن الدولة ليست حالة سامية، فهناك ما يفوقها سموا وعظمة وهذا يتمثل في العلوم والفنون والمعرفة. وفي هذه الرؤية فإن المواطن الأفضل ليس هو هذا الذي يضحي من أجل واجباته السياسية فحسب بل هو هذا الذي يستطيع أن يخرج من كينونته السياسية مستجوبا أفاقا إنسانية أكثر رحابة ومعاني أخلاقية أكثر سموا([4]).

وفيما يتعلق بفهم المعطيات والتحديات السياسية، فإن التربية يمكنها أن تعمل على تعريف المواطن بالدور الذي يمكنه أن يؤديه في الحياة السياسية كما أنها معنية أيضا بتعريف الفرد بالقوانين واللوائح التي تسمح له بممارسة هذا الدور. ومن أجل ذلك يتوجب على المواطن أن يفهم المشكلات والتحديات والصعوبات التي تواجه مشتركته في العمل السياسي والحياة السياسية في مجتمعه بوصفه مواطنا حرا.

والتربية السياسية تأخذ على عاتقها مساعدة الفرد على مواجهة وسائل الإعلام بروح نقدية، فهي قادرة على تزويد المواطن الحر بما يلزمه من وعي وقدرة على التبصر في مواجهة الدعاية الإعلامية الخطرة على النفوس والعقول. وهي في الوقت نفسه يمكنها وعلى خلاف ذلك، يمكنها أن تأخذ طابعا أيديولوجيا سلبيا يصادر قدرته على التفكير الحر الحقيقي وأن تدفعه إلى مفازات الاستلاب ومقامات الاغتراب النفسي والثقافي.

وفي النهاية فإن التربية السياسية التي نعنيها وننشدها هي هذه التي تعمل في اتجاه مساعدة المواطن على التمييز بين النزعة الوطنية الحقّة وبين الولاء للأنظمة السياسية الوقتية العابرة، كما أنها تساعده أيضا على الفصل بين الروح الوطنية، وبين الخضوع للقوانين والأنظمة، لتجعله قادرا في الوقت نفسه على تجاوز مظاهر السلبية السياسية، ورافضا للعنف نابذا للتعصب والتطرف في سلوكه السياسي والاجتماعي.

فالتربية السياسية تعمل على بناء ثقة المواطن بنفسه، وتمكينه من مواجهة مختلف التحديات المعقدة المتنامية في عالم الحياة والسياسة. وتُبنى هذه الثقة من خلال الفهم الجيد لعالم التشاكل والتضاد والتناقض في عالم السياسة، وتُؤسس أيضا عبر بناء قدرة المواطن على تقدير المواقف، وتكوين الاحتمالات الممكنة ورفع قدرته على فهم فن الممكن في عالم السياسية.

إن السيطرة على اللغة السياسية، وإدراك مفاهيمها، يعد شرطا أساسيا من شروط القدرة على اتخاذ المواقف السياسية المناسبة في الوقت المناسب، وبالتالي فإن بناء هذه الوعي وبناء هذه الثقافة يشكل هدفا مركزيا من أهداف التربية السياسية. إن تثقيف المواطنين جميعهم بثقافة سياسية على هذا المستوى يشكل ضرورة جوهرية للحياة الأساسية في المجتمع الديمقراطي. ومن غير هذه الثقافة فإن الحياة السياسية ستأخذ مظهرا من مظاهر التفاعل الساذج مع المواقف والأحداث السياسية حيث لا يكون المواطن قادرا على اتخاذ أي قرار حقيقي أو رأي موضوعي حيال المشكلات والتحديات السياسية القائمة. ومثل هذه الوضعية تفقر التجربة الأخلاقية، وتضعف السمة الاجتماعية والثقافية في تجربة المواطن.

فالتربية السياسية تساعد المواطن على اتخاذ القرار السياسي وتمكنه من التمييز بين مفهوم الحق السياسي وبين مفهوم الحق بصبغته الأخلاقية. فالحق يمارس ضغطا على سلوك المواطن ولكن هذا الضغط قد لا يكون محددا أساسيا في مستوى الوعي. والحق بصورته الأخلاقية يكون قادرا في الغالب الأعم على توجيه الوعي وتحريكه. وهنا يجب على التربية السياسية أن تؤكد خاصة التمايز بين هاتين الصيغتين المختلفتين للحق. وفي هذا التمييز حصانة، لأن غير ذلك يؤدي إلى فقدان الثقة بالقيم الأخلاقية بوصفها تكوينا احتماليا يتصل بالحق. كما أن غياب الفصل قد يدفع البعض إلى صنمية الحق بمعنى تقديسه وعبادته.

وهنا ومن جديد يجب على التربية أن تجعل الفرد قادرا على التمييز بين المساواة التي يمنحها القانون وبين المشروعية الأخلاقية وإجراءات تطبيقها. فالمساواة غير كافية لضمان المشروعية وهذه ضرورة معرفية يجب أن يدركها كل مواطن. ولذا فإن التربية السياسية معنية ببناء القدرة على الحكم تبدو لنا ضرورية وحيوية في المجال التربوي بصورة عامة.

فالتربية السياسية الحرة تمكّن من تجنب تشكل السلطات الديكتاتورية والمطلقة في الحياة السياسية للأمة، وكذلك تجنب المجتمع حدوث الفوضى السياسية والاجتماعية. وتأخذ هذه التربية كما حددناها صورة تربية واقعية تأخذ بعين الاعتبار الظروف والتقسيمات الجغرافية والأوضاع الاقتصادية والثقافية في البلاد. وهي تربية تناهض النزوات والتقلبات والهوى في مجال الحياة السياسية. وتمكن الفرد من التجاوب الصادق الرافض للامتثالية والخضوع الصاغر إلى القوانين المتكاثرة التي يمكنها في مجتمع مدني محدد أن تهدد الحريات على الرغم من وجود خطاب سياسي يقدسها.

هذه التربية يمكنها أن تستكشف الطبيعة المعقدة للحياة السياسية وأن تتنبأ بشطحاتها وأن تخمد المشاحنات السياسية وتمنع تكاثفها وتراكمها، وأن تجعل العقلانية حكما أصيلا في حلّ الخلافات السياسية وإيجاد الحلول المناسبة للمشكلات المعقدة.

فالوطنية لا تعني أبدا خفض الروح النقدية عند المواطن كما أنها لا تعمل على تطويع المواطن وتعزيز الخضوع وتكثيف الإعجاب الساذج بالقانون والأنظمة، بل تعمل في عكس هذا التوجه حيث تحرض المواطن على الفعل والعمل والمشاركة النقدية في الجدل السياسي وذلك من أجل معالجة القوانين والأنظمة والتشريعات القائمة والعمل على رفض كل ما من شأنه أن يطعن في كيان الإنسان الحر في وطن ديمقراطي حرّ.

هذا وتنطوي السياسة على عدد من الأفكار والرؤى والمواقف المتناقضة، فهناك من يزدري السياسة والعمل السياسي، فالسياسة في نظر هؤلاء تنطوي على ممارسات غير أخلاقية، إنها كما تبدو لهم نظام من الدسائس والمؤامرات المخجلة، بل هي حالة اعتباطية غير كفوءة محملة بكل معاني العنف وقيمه. وعلى خلاف ذلك هناك من ينظر إلى السياسة بعين الأهمية والاعتبار، فالسياسة كما يراها هؤلاء هي الأمل والحكمة والحرية والسلام ([5]).

وما يؤسف له أن ازدراء السياسة واحتقار العمل السياسي ظاهرة شعبية أصيلة في مجتمعاتنا العربية بصورة عامة، فالحكام في نظر الفئة الغالبة من الشعوب فئة ضالة وظالمة في غالب الأمر. والممارسة السياسية هي نوع من الدهاء والمماطلة والاحتيال. وهذه النظرة تأخذ مشروعيتها بالطبع في ظل الأنظمة الشمولية والديكتاتورية التي تغطي أغلب البلدان العربية في القرن الماضي.

وفي مواجهة هذه المواقف السلبية من السياسة وأنظمتها المختلفة، يجب على التربية أن تعمل على بناء صورة أكثر واقعية وموضوعية فيما يتعلق بالسياسة والعمل السياسي والممارسة السياسية. وهذا يعد شرطا أساسيا في قبول المواطنين لمبدأ المشاركة في الحياة السياسية بوصفها -أي السياسة- عملا اجتماعيا ضروريا وجوهريا للحياة. وهذا يتطلب في نهاية الأمر بناء تصورات موضوعية لطبيعة السياسة والحياة السياسية، منا يتطلب رفض التصورات السلبية التي تدور حولها بوصفها ممارسة سلبية مفرغة من مضامينها الإنسانية. فهناك سياسيون يمارسون فعلا سلبيا مناهضا للديمقراطية وهذه من اكبر الحقائق في مجتمعاتنا العربية، ومع ذلك كله يجب أن يعلم المواطن أن السياسة وظيفة اجتماعية وأن هذه الوظيفة يمكنها أن تكون أكثر إنسانية وأكثر قدرة على توفير الأمن والسلام للمواطن الإنسان. وهذا يعني أنه يجب على التربية أن تغذي الوعي العام للمواطنين بالجوانب الإيجابية للفعل السياسي وأهمية تصحيح الممارسة السياسية في اتجاه إنساني وعقلاني. وهذا يقتضي أيضا أن يعمل هذا الوعي السياسي النقدي على توليد إيمان عميق وشامل وحضاري للمواطنين بأهمية المشاركة السياسية في اتجاه العمل على إخراج الفعل السياسي من وضعيته الشمولية إلى وضعيته الإنسانية الديمقراطية. وهذا يقتضي أيضا من التربية السياسية نفسها أن يدرك المواطنون أن الانتقال بالسياسة من أبعادها الشمولية إلى أبعادها الإنسانية، لا يمكن أن يتم في الفراغ، وأن هذا التحول مرهون وإلى حدّ كبير بجهود المواطنين وفعاليتهم السياسية النضالية والنقدية في اتجاه الانتقال إلى سياسية مؤنسنة وديمقراطية. وتأسيسا على هذا التصور يجب على الأفراد أن ينخرطوا في الحياة السياسية كضرورة تاريخية في اتجاه بناء الوطن بأبعاد إنسانية حرّة.

في مضمون التربية على المواطنة: بعد أن قمنا باستعراض غايات التربية على المواطنة يتوجب علينا تحديد الوسائل والأدوات التي يمكن للتربية على المواطنة أن تتبناها في اتجاه تحقيق الغايات التي تسعى إليها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الوسائل التي يمتلكها المواطن من أجل تحقيق التوافق بين السلوك الذي يؤديه والغاية التي يسعى إليها في مجال التربية المدنية والأخلاقية؟ وبعبارة أخرى ما هي أدوات المواطن في التوفيق بين العمل والنظر بين الغاية والوسيلة؟

لقد بينا أعلاه بأن التربية على المواطنة يجب أن تتم من خلال التربية الأخلاقية والتربية المدنية والتربية السياسية. وهذا يعني أن التربية على المواطنة هي حصاد تفاعل عميق وتكامل شامل بين هذه المستويات المختلفة من التربية. وهذا يعني أيضا أن الغايات المختلفة التي تسعى إليها هذه الصيغ التربوية متكاملة في جوهرها وكيانها ومضامينها.

وقد لاحظنا أن مفهوم المواطن قد تأثر في منحى تطوره بأهمية التربية على المواطنة وبالتالي فإن التربية على المواطنة تأثرت في مسار تطورها بالمضامين الفكرية والمعارف التي تتوجب في عملية بناء المواطن وإعداده، وهذا ينسحب أيضا على صيغ الممارسة التي يجب على المواطن أن يتبناها في سلوكه كمواطن.

فيما يتعلق بالتربية والثقافة المدنية: تبين التجارب العالمية في هذا الميدان ولاسيما في التجربة الفرنسية الغنية بمعطيات التربية المدنية، أن التثقيف المدني يشكل المدخل الأساسي إلى التربية المدنية([6]). فالتثقيف المدني يتضمن تعريفا بالواجبات المشتركة بين جميع المواطنين. وهذه الثقافة تعتمد على الوثائق والمضامين الأساسية التي تجب معرفتها من قبل جميع المواطنين مثل: الدستور، الفضائل الأخلاقية والقيم المدنية، المعايير والأعراف المدنية، حقوق الإنسان والمواطنة، الرموز الوطنية والقومية، الحرية، المساواة، العدالة، الإخاء، التسامح، حرية التعبير والقيم الديمقراطية بعامة وكل ما يتعلق بالقيم الديمقراطية والجمهورية.

تبين تجربة الولايات المتحدة الأمريكية، في مجال التربية المدنية، أن التعليم يركز على عملية التثقيف المدني بدرجة أكبر من التربية المدنية. وتبين هذه التجربة أيضا أن هذه الثقافة ليست كافية بذاتها من أجل التربية على المواطنة. كما تبين الملاحظات الجارية في البلدان المتقدمة أن التربية المدنية والتربية على المواطنة ممكنة في البلدان النامية. علما بأن غالبية البرامج والمناهج المعتمدة في البلدان النامية هي برامج ومناهج مستفادة من المرحلة الكولونيالية وأن السياسة التربوية القائمة في هذه البلدان تلحّ على أهمية المحافظة على هذه المناهج ولاسيما هذه التي تتعلق بالنظام السياسي والمؤسسات السياسية القائمة.

ومهما يكن الأمر فإن التربية على المواطنة تعاني من أوجه الضعف والنقص ولاسيما في العالم العربي. وهذه التربية إن وجدت فإنها تقتصر على جانب التثقيف والتربية المدنية التي تأخذ طابعا سياسيا يتسم بالوضوح ويأخذ بالتالي سمة التطبيع السياسي وليس التربية السياسية.

فالمدرسة الفرنسية في مجال التربية السياسية تسعى إلى توليد اتجاهات سياسية وتعمل على تمكين المعنيين من الشعور بالأحداث والمشكلات المتتابعة للحياة السياسية ومن ثم متابعة الأحداث السياسية والتفاعل معها. في المدارس الثانوية الفرنسية يوجد هناك توجه يعنى بالمشكلات الكبرى للحياة الاجتماعية والسياسية المعاصرة. وتعمل التربية في هذه المدارس على توليد الاهتمام بالقضايا الوطنية ومن ثم تمكّن الطلاب من التفكير وتحرضهم على التأمل في تعدد المواقف السياسية حول المشكلات الحيوية التي يواجهها المجتمع. وهي تستثير عند الطلاب طاقة التفكير والتأمل في المفاهيم والعقائد والنظريات والفلسفات السياسية المتعلقة بهذه القضايا([7]).

تبحث الدروس والمحاضرات الخاصة بالتربية على المواطنة في هذه المدرسة في مسألة التعددية الثقافية في فرنسا ومسألة التربية على المواطنة التي يمكنها أن تتجاوب مع هذا التعدد الثقافي، وتؤكد أهمية تدريب التلاميذ والطلاب على التفاعل الثقافي في دائرة الحياة الاجتماعية. وهذه المنظومات الفكرية نجدها متأصلة في مواد العلوم الإنسانية ولاسيما في التاريخ وعلم الاجتماع والأنتروبولوجيا وهي المواد التي تؤصل لمسألة التعدد الثقافي والنسبية الثقافية والعلاقة الإيجابية بين الثقافات المتكاملة التي يمكنها أن تغني الاستقلال والتعايش المشترك بين أفراد المجتمع. وهذه الدروس يمكن أن تعطى في مختلف مستويات التعليم ومختلف الأعمار.

وفي هذا النسق من التصورات والأفكار يمكن الإشارة إلى نسق من الغايات التي ينطوي كل منها على مضامين خاصة يمكن أن تعتمد في كل مستوى من المستويات التعليمية المحددة. ويمكننا أن نضع هذه التصورات في الجدول التالي من أجل توضيح دلالة التربية على السياسة والكيفيات التي يمكن أن تتوزع عليها في المستويات التعليمية المختلفة.

لنأخذ الجانب المتعلق بحقوق الإنسان. في هذا المستوى يمكننا تحديد مجموعة من الأهداف التربوية في المدرسة الابتدائية وأهمها: تنمية إحساس المتعلمين بواقع البؤساء والمسحوقين في المجتمع، وتنمية شعورهم بأحزان وآلام الآخرين، وحثهم على التفاعل الوجداني مع ضحايا الكوارث الإنسانية، ومن ثم تمكين المتعلمين من اتخاذ المواقف الرافضة للتعصب العرقي، ومن ثم تعريفهم بواقع حقوق الإنسان من خلال مواقف وأحداث واقعية.

وفي المرحلة الإعدادية: يجب تمكين الطلاب من دراسة ظواهر الفقر والبؤس الاجتماعي والمعوقين. ومن ثم تعريفهم بالكيفيات التي يتم فيها توزيع الدخل والموارد الاقتصادية، ويأتي في هذا السياق تعريف الطلاب بطبيعة الملكية وأشكالها وتعيناتها، وبالتكوينات الاقتصادية وبمعلومات أساسية عن حقوق الإنسان وأوضاع حقوق الإنسان في مختلف البلدان المعاصرة. ويأتي في هذا الاتجاه أيضا تعريف الطلاب بمنظمات الدعم والمساندة والأمن الاجتماعي ويضاف إلى ذلك تقديم دراسات مقارنة حول هذه القضايا.

وفي المدرسة الثانوية: يترتب إعداد الطلاب لدراسة المفاهيم الأساسية مثل مفاهيم: التخلف والمجاعة والألم والتعذيب واللامساواة. وفي هذا المستوى يترتب على التربية أن تساعد الطلاب على التمرس في الدراسات ذات الطابع الفلسفي حول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ودراسة حالات انتهاك حقوق في العالم، ومن ثم دراسة واقع العدالة الاجتماعية والممارسات الدولية في هذا المجال. وفي هذا المستوى يقوم الطلاب بتحليل مفاهيم عصرية مثل: الإجهاض، وتحسين النسل، والقتل الرحيم، ومواقف الأحزاب السياسية القائمة من هذه القضايا.

وفي هذا المستوى أيضا تتقدم مسألة العمل والبطالة، وحق تدخل الدولة في حالة انتهاك حقوق الإنسان.

وفيما يتعلق بالتربية الأخلاقية: فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل يمكن تعليم الأخلاق؟

لقد بينا سابقا أن التربية الأخلاقية تشكل منطلقا أساسيا للتربية على المواطنة. وكثير من المربين يتناولون الأخلاق بوصفها عنصرا في بنية التربية على المواطنة. ومهما يكن أمر الأخلاق سواء أكانت عنصرا في التربية على المواطنة أو كانت مرحلة سابقة مؤسسة لها فإن ما يهمنا هنا في هذا المقام هو معرفة المضامين الأساسية لهذه التربية. وكما لاحظنا فإن التربية الأخلاقية تسعى إلى بناء الإنسان في أجمل صورة له أي الإنسان الكامل حيث يعبر عن ذاته بأفعاله وتصرفاته واتجاهاته بصورة حية حقيقية. والصورة الكاملة للإنسان تتمثل في توافق الإنسان مع مرجعية مثالية توجه سلوكه وأفعاله بصورة معيارية ومثالية.

فالمعايير الأخلاقية توجد في كل المجتمعات الإنسانية، كما نجد فيها المثل والقيم والمرجعيات الأخلاقية. وهكذا يمكن أن نحيل التربية الأخلاقية إلى التربية على القيم. وبالتالي فإن غاية هذه التربية هي توجيه الحياة الفردية والاجتماعية بموجب القيم الأخلاقية المعلنة وتجسيد هذه القيم بصورة حية في مجال الحياة اليومية. ويبقى السؤال الذي طرحناه أعلاه وهو هل يمكن تعليم القيم في مجال التربية الأخلاقية؟

فالتربية التي تقوم بتأصيل القيم تستطيع على مدى الأيام، توجه السلوك وفقا لهذه القيم وتضفي عليها المعنى والدلالة، وهي في عملية التأصيل هذه تكسب هذه القيم طابعا انفعاليا يتأصل في وعي الفرد وفي وجدانه. بعض المفكرين يعتقدون باستحالة تعليم القيم لأن التعليم لا يتوافق وطبيعة القيم ذاتها. وبعض المفكرين يرون إمكانية ذلك. فالتعريف بالقيم في البداية وطبيعة تشكلها ومعانيها وتجلياتها يساعد في عملية اكتساب هذه القيم وتأصيلها لاحقا في المعرفة. وهنا يتوجب علينا أن نميز بين تعليم القيم والتربية على القيم. فتعليم القيم يتمثل في التعريف بهذه القيم ووضع الفرد بصورة معانيها وتجلياتها وصيغها. أما التربية على القيم فتتمثل في عملية الممارسة التربوية والتفاعل التربوي في الوسط المدرسي وفقا للقيم والمعايير المطلوبة. على سبيل المثال يمكن لنا أن نعرف الطفل أو الراشد بالديمقراطية كقيمة وهذا نوع من التعليم، ولكن عندما نريد للطفل أن يكتسب هذه القيمة، فإن التفاعل الديمقراطي في المدرسة يمكنه أن يؤصل هذه القيم في عقل الطفل وفي وجدانه. فالمعرفة تلعب دورها، وهنا يكون دور التعليم، وبالتالي فإن التربية تمارس دورا آخر يتمثل في إضفاء الطابع الوجداني، وإعطاء هذه المعرفة شحنة انفعالية وعاطفية تحولها من مجرد معلومة إلى قيمة حقيقية.

ما القيم التي يمكن تعليمها وتأصيلها: القيم الكونية الإنسانية: على الرغم مما تذهب إليه بعض النظريات في نفي الطابع الكوني عن القيم، فإننا نعتقد بأن بعض القيم غنية بطابعها الكوني وقدرتها على الحضور عبر الزمان والمكان. وفي هذا المقام يمكن الإشارة على قيم الخير والحق والعدالة والجمال والحرية التي تتصف بالطابع الإنساني الكوني. فهذه القيم جديرة بأن تحظى باهتمام الأنظمة التعليمية والتربوية على حد سواء. وهذه القيم ضرورية في عملية تحضير المجتمع إنسانيا. وتتجلى هذه القيم في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يطالب باحترام حق الحرية والحياة والمساواة والكرامة بوصفها قيما ضرورية للجميع. والإعلان العالمي لحقوق الإنسان يرفع من هذه القيم مطلبا إنسانيا مشتركا بين الجميع وينادي بتحقيق هذا المطلب الإنساني في مختلف أرجاء المعمورة عند مختلف الشعوب. ومن أجل هذه الغاية تعمل الأمم المتحدة على تعليم هذه الحقوق وتأصيلها في وعي الأفراد في مختلف أنحاء العالم وذلك من خلال التعليم والمؤسسات التعليمية النافذة.

القيم الديمقراطية: يشهد العالم المعاصر ولادة قناعة دولية، تعلنها المنظمة الدولية هيئة الأمم المتحدة، بأن الديمقراطية تشكل اليوم الإطار الطبيعي لممارسة حقوق الإنسان، وأنها تشكل بذاتها أيضا أحد الشروط الأساسية اللازبة من أجل بناء السلام والحرية في العالم، وأن هذه الديمقراطية تلعب في نهاية المطاف دورا كبيرا في عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي العادل في العالم. فالديمقراطية هي الإطار العام لعدد كبير من القيم التي تتمثل في الحرية والكرامة والعدل والمساواة والإخاء وحق التعبير عن المصير وحرية الرأي وقبول الآخر على مبدأ الاختلاف والإيمان بالتعددية.

ولا بد من الإشارة أيضا إلى ثلاث قيم أخرى حديثة نسبيا في ثقافة الديمقراطية، وهي ضرورية لتربية المواطن على المواطنة، وتتمثل في قيم: التضامن الإنساني، والمسؤولية، والمشاركة السياسية بوصفها قيمة إنسانية تلبي طموح الإنسانية إلى مزيد من الصون الذاتي للقيم الديمقراطية، وهي قيمة تدفع المواطن إلى تجاوز حدود مصالحه الخاصة والشخصية في اتجاه المحافظة على القيم الديمقراطية والإنسانية([8]).

الفضائل: بداهة هو القول بأن الأخلاق ترتبط بالخير والجمال. ومما لاشك فيه أن الناس يتحركون بوحي القيم نفسها ولكنهم طريقتهم في الاستجابة والتفاعل مع هذه القيم تختلف كثيرا. فالكائن الإنساني يشكل وحدة دينامية داخلية تتمثل في نشاط يتضوع بمعاني روحية نابعة من العمق الداخلي للإنسان. وفي هذا العمق يمكن الإشارة إلى خمسة مكونات وفضائل داخلية في الإنسان تتمثل: في حب المعرفة، وحب الحقيقة، والعدالة، والسعادة، وأخيرا حب العمل والتعاون. وهذه الفضائل تكون في حالة كمون في البداية ولكنها لا تلبس أن تظهر وتنشط عندما تحين لها الفرصة المناسبة. وهذه الفضائل موجودة كالشجاعة والعدالة والحب وغيرها من الفضائل الأساسية موجودة في كل المجتمعات وبين أغلب الأفراد. ولكن ممارسة هذه الفضائل يمكن أن تأخذ صيغا مختلفة ومتعارضة ومتناقضة أحيانا وهذا الاختلاف يتباين بين المجتمعات والأفراد والأزمنة أيضا. ففي زمن الحروب والصراعات السياسية، على سبيل المثال، يتعرض الناس للموت والقتل تحت عنوان العدالة والحب والشجاعة.

تأخذ القيم الأخلاقية طابعا إنسانيا كونيا أو محليا، وهذه القيم يجب أن تعّلم وتكون محورا للتربية في اتجاه المصالح الإنسانية العامة في مختلف الثقافات وفي دائرة التنوع الثقافي في المجتمعات الإنسانية. وتعليم هذه القيم لا يجب أن يأخذ صيغة شكلية، بل يجب أن تؤصل وعيا راسخا في وجدان الفرد الداخلي. ففي فرنسا على سبيل المثال وليس الحصر توجد قائمة تتضمن ثمانية عشر قيمة أخلاقية تعمل المدرسة على صقلها في وعي الطلاب وعقولهم وهي: الكرم، التسامح، الإخلاص، والرحمة، العفة والنزاهة، الصبر والتأني، الشفقة، الرقة واللطف، الاعتدال، الشكر والعرفان، الصدق، الشجاعة، التواضع، الدعابة والظرافة، العدالة، البساطة، الحب.

الحوار والمواطنة:
يعد الحوار منطلقا أساسيا وعقليا في عملية التربية على المواطنة. فالمحاججة مهارة عقلية حيوية وضرورية في عملية بناء الحقيقة واتخاذ القرار المناسب في مختلف القضايا الفكرية والسياسية. والتفكير الذي يعتمد على المحاججة والبرهان والمجادلة المنطقية يؤدي في جوهره إلى بناء القدرة العقلية وتطويرها كما أنه يؤدي إلى صقل الشخصية وجعل الفرد أكثر قدرة على المشاركة في الحياة السياسية بروح أخلاقية متكاملة.

وغني عن البيان أنه في مجال الحياة السياسية يجب أن تؤخذ القرارات جميعها بعد أن تحظى بحقها من المناقشة والتحليل والجدل والتداول. ومن هنا تتأكد الأهمية الكبرى للتربية على مبدأ الحوار والجدل والمناقشة والتداول.

فالأخلاق تستند على المعايير والمثل الاجتماعية من وجهة نظر كلاسيكية. ولكن غياب الاتفاق الجامع بين المفكرين حول طبيعة القيم يشمل القيم الأخلاقية أيضا. وقد رأينا سابقا بأن القيم الأخلاقية تتجه في اليوم لـتأخذ طابعا فرديا على حساب الخاصة الاجتماعية التي تعرف بها. فالحداثة تنظر اليوم إلى القيم الأخلاقية بوصفها قيما تقليدية تمّ تداولها في العصور القديمة، وهذا يعني في نهاية المطاف أن القيم الأخلاقية تقع اليوم في قلب الجدل الفكري وهي تخضع لمعايير المناقشة والجدل.

فالجدل والحوار تقنية عقلية عالية المستوى وهي على درجة من الأهمية وهذا يقتضي منا الاهتمام بتعليمها وإكساب المتعلمين مهارات الحوار والجدل والمناقشة والمناظرة والحوار والتفاعل الذهني في اتجاه بناء إمكانيات عقلية تجعل الفرد أكثر قدرة على المشاركة في خضم الحياة السياسية بوصفه مواطنا قادرا على المشاركة الحية والبناءة في الحياة المجتمعية لوطنه وأمته.

إن بناء قدرة المواطن على المحاججة والحوار والتصنيف، والدفاع عن أفكاره، ومواجهة الحجة بالحجة، والرأي بالرأي، والمنطق بالمنطق، يشكل في نهاية المطاف الأساس الحقيقي لما نطلق عليه بالتسامح، لأن التسامح في جوهره ينطوي على قيمة أخلاقية. وهنا أيضا تبدو الضرورة التي تقتضي تعليم هذا الفن أي فن الحوار والمحاججة. وهنا ليس التعليم هو الذي يحكم هذه المهارة بل أيضا يتوجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أهمية التربية على المحاججة.

خلاصة نقدية: استكشفنا حتى هذه اللحظة دلالة تربية المواطن على المواطنة. واستطعنا عبر هذا التوجه أن ندرك أهمية التربية الأخلاقية التي تفطن المواطن على فضائل مجتمعه والفضائل الإنسانية الجامعة المتمثلة في حقوق الإنسان وحقوق الطفل والقيم الديمقراطية. وتلك هي القيم التي يجب على التربية الأخلاقية أن تؤصلها وعيا مركزيا في وجدان الأطفال والناشئة، وهو نوع من الوعي الذي يكون حاضرا في التجربة الحياتية واليومية في حياة الفرد. لقد تبينت لدينا الأهمية الكبيرة للثقافة المدنية والتربية المدنية التي تسمح للفرد بأن يدرك مختلف الأنظمة والقواعد والقوانين النافذة في المجتمع والتي تمكن الفرد من تكوين عادات واتجاهات ومواقف مدنية.

وقد أدركنا الضرورة التاريخية للتربية السياسية التي تمكن الفرد من بناء قدرته على التفكير والتأمل الفردي في قضايا السياسية والتي تمكنه أيضا من المحاججة السياسية في مواجهة المسائل المتعددة والقضايا المتنوعة التي تواجه الحياة المجتمعية والسياسية وهذه القدرة على الحوار والمحاججة تمكن الفرد أيضا من اتخاذ القرارات الصائبة والعميلة في حلّ المشكلات والتحديات التي يواجهها المجتمع في مستوياته السياسية.

والأسئلة الكبرى التي تطرح نفسها اليوم في مستوى البلدان العربية ولاسيما هذه التي تعتمد مبدأ قهر شعوبها منهجا وفنا وغاية: ألم يحن الزمن لهذه الأنظمة في إيجاد صيغة جديدة للتعامل مع أفراد الشعب بوصفهم مواطنين لا رعايا وأحرارا لا عبيدا؟ ألم يحن الوقت بعد ونحن في القرن الحادي والعشرين أن يسمح للإنسان بممارسة حقوقه الإنسانية؟ ألم يحن الوقت بعد للتربية على حقوق الإنسان والتربية السياسية والتربية على المواطنة؟ لماذا تغيّب الأنظمة العربية القائمة مفهوم التربية على المواطنة وحقوق الإنسان؟ لماذا تكدس في الدوائر الحمراء جميع المفاهيم التي تقوم على أسس وقيم أخلاقية وديمقراطية؟ كيف يمكن لنا العمل على إعادة بناء النظم التربوية بصورة ديمقراطية تكون فيها الأولوية للقيم الديمقراطية الحرة؟ ألم يحن الوقت لإسقاط مفاهيم الاستبداد والقهر التي تنتشر كالنار في هشيم التربية الرسمية العربية المعاصرة؟ ألم يحن الوقت لهدم الأصنام التي أكرهتنا الأنظمة العربية على عبوديتها؟ ألم يحن بعد لأصنام العقل أن تسقط؟ وأن يسقط معها في النهاية كل معاني القهر والاستبداد والتسلط الذي تمارسه هذه الأنظمة المتمرسة بكل أنواع الإرهاب والتسلط والقهر؟

---------

[1] UNESCO. Les stratégies pour contribuer à la consolidation de la paix, projet 1996-2001, p.45
[2] MOUGNIOTTE (A). Pour une éducation au politique, provocation ou sagesse? EVS, Paris, 1992, p.2
[3] MOUGNIOTTE (A). Pour une éducation au politique, op.cit., pp.13-14 MOUGNIOTTE (A). Pour une éducation au politique, op.cit., pp.13-14
[4] MUGLIONI (J) La République et l’instruction, Revue de l’Enseignement philosophique, n°3, janv., fév., 1989, p . 82
[5] HENRY ( M). La vie et la République. Revue de l’Enseignement philosophique, n° 3, janv.-févr. 1989.
[6] HADJI (Ch). L’évaluation, règles du jeu, Paris,ESF, 1989
[7] NIEMI (R.G) et JUNN (J). Pour un renforcement du sens civique aux Etats-Unis, Perspectives, Vol XXII, n ° 4, déc.1996, p.715
[8] UNESCO. Les stratégies pour contribuer à la consolidation de la paix, projet 1996-2001, p. 45
المصدر: مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، 10 سبتمبر 2011.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

الكلمات المفتاحية المواطنة   
قيم الموضوع
(1 تصويت)

1 تعليق

  • تعليق الداعية الشيخ عدنان القراط الأربعاء, 17 آب/أغسطس 2016 13:12 أرفق الداعية الشيخ عدنان القراط

    كلام من ذهب بارك الله بالدكتور علي وزاد الله من امثاله

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة