You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>مشروع الدراسات>اللقاءات السنوية>اللقاء السنوي السابع عشر 2007>الديمقراطية و الرقابة الدولية على الانتخابات في الدول العربية - خديجة عرفة

مقدمة الطبعة الثانية لكتاب الشعب يريد الإصلاح في قطر.. أيضاً

الإثنين، 23 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 931 مرة
الكاتب  محمد هلال الخليفي

 موقع الجماعة العربية للديمقراطية، 25 ديسمبر 2013        
 

هذا قولٌ ينشد الإصلاح ويدعو إليه. فمن ذا الذي يجحد الحاجة إلى الإصلاح، ومن ذا الذي يرفض الدعوة إليه؟! من ينكر أن تحول المواطنين إلى أقلية في مجتمعهم ليس خللاً يقتضي إصلاح؟! ومن ينكر أن إدارة للشأن العام والمصلحة العامة لا يقررها المواطنون، بل أفراد لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، ليس خللاً في حاجة إلى إصلاح؟! ومن ينكر أن كتاباً يعبر عن رأي مثل كتاب "الشعب يريد الإصلاح في قطر... أيضاً"، يمنع توزيعه في قطر، ليس خللاً يتطلب إصلاح؟!

الاشتغال بالسياسة والإنشغال بالسياسة

السياسة هي تدبير وإدارة الشأن العام. وتعبر عن نفسها في قرارات عامة تنظم وترتب وتدير حاجات المواطنين. والقرار العام بهذا الإعتبار يتخلل مفاصل حياتنا منذ لحظة الميلاد إلى لحظة الوفاة. لذلك لا عجب أن يكون هو، أو مصدره على نحو أدق، محل جدل وتنافس وصراع . ومن هنا جاء الاهتمام بالسياسة.

لكن الاهتمام بالسياسة ليس واحداً عند جميع المواطنين، فهناك اشتغال بالسياسة، وهناك انشغال بها. وإذا كان الاشتغال بالسياسة يتضمن الإنشغال بها ضرورة، إلا أن الإنشغال بالسياسة لا يقتضي بالضرورة الإشتغال بها حتى لو دعا إلى الاشتغال بها!

الاشتغال بالسياسة هو عمل السياسي، وغاية من يشتغل بالسياسة هي أن يتمكن من تدبير وإدارة الشأن العام، ولا يتحقق له ذلك إلا بالتمكن من مصدر القرار العام، وتغيير وتداول السلطة مع من يمسك بزمامه.

أما الإنشغال بالسياسة فهو ما يقوم به المواطن المهتم بالشأن العام. وإذا كان المواطنون يتفاوتون في درجة ومدى وعمق انشغالهم بالسياسة (الشأن العام)، إلا إنهم لا يستطيعون الفرار من أن يكونوا طرفاً فيها. فلا فكاك من الإنشغال بالسياسة حتى لو كان تأففاً من زحام السير! وغاية المنشغل بالسياسة هي أن يتمكن من التأثير في من يدبر ويدير القرار العام. وسيلته إلى ذلك الحوار والخطابة والكتابة، وغيرها من صور التعبير عن الاهتمام بالشأن العام. ولأن الاشتغال بالسياسة محظور في دولتنا (قطر)، فلم يبق إلا الإنشغال بها. وهذا الكتاب من هذا القبيل.

الإصلاح ضرورة[1]

وإذا كانت السياسة هي تدبير وإدارة الشأن العام، فإن الاشتغال بالسياسة والإنشغال بها هو في الواقع إشتغال وإنشغال بالإصلاح، إصلاح تدبير وإدارة الشأن العام.

فالذي يتأفف من زحام السير غايته إصلاح نظام المرور وكل ما يؤثر فيه، حتى ولو لم يصرح بذلك. والذي ينتقد النظام التعليمي أو أي جزء من مكوناته غايته إصلاح النظام التعليمي أو ذلك الجزء منه. وكذلك الذي يتضرر من تردي الخدمات الصحية وازدحام المستشفيات وتكدس المرضى القطرين وغيرهم على أسرتهم في طرقات عنابر مستشفى حمد. والذي ينتقد قانون الجنسية أو قانون الموارد البشرية أو غيرها من القوانين يهدف إلى إصلاح تلك القوانين في الجوانب التي هي محل نقده، وقل مثل ذلك عن كل ما هو محل نظر من قرارات وتنظيمات للشأن العام.

والإصلاح ضرورة تقتضيها طبيعة البشر. فمن يدير ويدبر ويشرع بشرٌ يصيب ويخطئ، فلزُم أن يُصوب خطؤه. وهو صاحب مصلحة قد تتعارض مع مصالح الغير، فلزُم أن يُحافَظ على مصالح جميع المواطنين. وأفراد المجتمع ذوي حاجات متغيرة بتغير ظروفهم، فلزُم أن يدبر شأنهم ويدار بحسب حاجاتهم المتغيرة.

والإصلاح في قطر ضرورة يوجبها أولاً فساد السياسة[2]. أقول أولاً لأنه إذا صلحت السياسة صلح ما عداها أو كان إلى الصلاح أقرب، وإذا فسدت السياسة فسد ما عداها أو كان إلى الفساد أقرب.

وفساد السياسة ناتج عن الاستبداد بها. أي انفراد فرد أو مجموعة أفراد بإدارة وتدبير الشأن العام دون بقية المواطنين، إنه فعل يقوم على الاستيلاء والسيطرة والاستحواذ على (شيء) هو حق مشترك مع الغير.

فالأمير هو المتحكم فعلياً في سلطة التشريع والتنفيذ. فلا يقر قانون إلا بتصديق الأمير عليه. وهو ليس تصديق شكلي، بل" إذا لم ير الأمير التصديق على مشروع القانون، رده إلى المجلس في غضون ثلاثة أشهر من تاريخ رفعه إليه مشفوعاً بأسباب التصديق". و"إذا رد مشروع القانون خلال المدة المبينة (ثلاثة أشهر) وأقره مجلس الشورى مرة ثانية بموافقة ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس صدق عليه الأمير وأصدره". وهل يستطيع مجلس ثلثه معين أن يحقق موافقة الثلثين في مجتمع تفوح منه رائحة الغاز والنفط!! ليس هذا فحسب، بل حتى لو حقق المجلس الثلثين فإنه "يجوز للأمير عند الضرورة القصوى (التي يقدرها هو) أن يأمر بإيقاف العمل بهذا القانون للمدة التي يقدر أنها تحقق المصالح العليا للبلد "!! (الدستور - المادة 106)

ليس هذا فحسب، فقد أعطى الدستور الأمير الحق في "أن يستفتى المواطنين في القضايا الهامة التي تتصل بمصالح البلاد،[ التي يقدرها ] ويعتبر موضوع الإستفتاء موافقاً عليه إذا أقرته أغلبية من أدلوا بأصواتهم، وتكون نتيجة الإستفتاء ملزمة من تاريخ إعلانها، وتنشر في الجريدة الرسمية" ( المادة 75).

لقد حصرت هذه المادة حق الاستفتاء بيد الأمير، وفي هذا تقييد للمشاركة الشعبية في إدارة الصالح العام. كما أنها سهلت الموافقة على موضوع الاستفتاء بأن جعلته بأغلبية من أدلوا بأصواتهم. حتى لو كان هؤلاء لا يمثلون سوى الربع أو أقل ممن يحق لهم التصويت . وهكذا جُردت هذه الوسيلة الديمقراطية (الاستفتاء) من صفتها الشعبية بأن أصبحت أداة في يد الحاكم الفرد.

والإصلاح في قطر ضرورة يقتضيها تحول المواطنين إلى أقلية صغيرة في مجتمعهم لا تتجاوز(10%)، نتيجة تدفق الوافدين بأعداد فاقت كل معدل، وبدون حاجة حقيقية لها، إلى أن باتت "من العوامل المؤرقة من حيث [تأثيراتها] السلبية في مختلف الجوانب الاجتماعية والثقافية والسكانية"[3].

إن استقرار المجتمع، وبالتالي استمراره، يعتمدان على مدى التشابه والتقارب بين مكوناته البشرية في لغتهم و قيمهم وغير ذلك من عناصر الثقافة الجامعة، وعلى ما يربطهم من تاريخ ومصير مشترك، إضافة إلى التقارب في مستواهم الاقتصادي وفي حصولهم على حقوقهم الاقتصادية والسياسية. وعلى هذا الأساس، فإن مجتمعاً مكوناً من أقليات تختلف في كثير من مكونات هويتها، ويرتبط تاريخ ومصير معظمها بمجتمعات أخرى لا يمكن أن يكون مجتمعاً يحقق تفاعلاً اجتماعياً يقوده إلى مستقبل مشترك.

علاوة على ذلك، لم يقابل هذه الأخطار أي عمل جاد لتصحيح الخلل السكاني من قبل الحكومة، بل على النقيض من ذلك، إذ نجد ممارسات تشريعية واستثمارية تزيد الخلل وتفاقمه، واستراتيجيات لا تعنى بوقفه وخفضه، بل تقترح إقامات دائمة. وفي ذات الآن ظلت الدعوات الشعبية أقرب إلى الرجاء منها إلى الفعل الضاغط القادر على التغيير.

والإصلاح في قطر ضرورة يقتضيها (إنعدام الشفافية في إدارة المال العام). فهذه ميزانية الدولة لا يعرف المواطنون عنها إلا معلومات عامة مما تنشره الصحف المحلية، فلا الإيرادات ولا المصروفات ولا الاحتياطي ولا الدين العام، مما يتاح معرفته لجمهور المواطنين. وإذا كان المواطنون لا يعرفون عن ميزانيتهم إلا عناوين عامة مما تنشره الصحف، فهل يمكن الحديث عن شفافية في إدارة المال العام.

وهذا ديوان المحاسبة مثال آخر لانعدام الشفافية في إدارة المال العام، فهو لا يصدر أي تقرير متاح للمواطنين عن أعماله. فلا يعرف المواطنون كيف تمت إدارة المال العام.بل إن تقارير ديوان المحاسبة لا تعرض على مجلس الشورى وليس من حقه الاطلاع عليها، حتى الآن.

ومثال ثالث لانعدام الشفافية في إدارة المال العام نضربه بالمجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار الذي أنشئ بالقرار الأميري رقم 37 لسنة 2001، وبجهاز قطر للاستثمار الذي أنشئ بالقرار الأميري رقم 22 لسنة 2005. فهاتان المؤسستان العامتان تهدفان إلى استثمار وإدارة احتياطي الدولة، إلا أن أقصى ما يعرفه المواطنون عن تلك الأموال هو ما تنشره الصحف المحلية من أخبار عن صفقات شراء يقوم بها الجهاز. فالمواطنين لا يعرفون كم هو احتياطي الدولة، ولا يعرفون حجم الأموال المستثمرة، ولا يعرفون أرباح حققتها أو خسائر تكبدتها تلك الاستثمارات. كما لا يعرفون "السياسات العامة للدولة في المجالات الاقتصادية والمالية والتجارية وشئون الطاقة" ولا عن "الخطط اللازمة لتنفيذها،" ولا عن "متابعة التنفيذ." كما لا يعرفون "السياسات اللازمة لتنويع القاعدة الاقتصادية، وزيادة مصادر الإيراد العام." وليس لهم أدنى معرفة بـ"الأهداف المراد تحقيقها من استثمار احتياطي الدولة." ولا بالإتفاقات ومذكرات التفاهم والعقود المبرمة. إذن أين هي الشفافية في إدارة المال العام؟!

والإصلاح في قطر ضرورة يتطلبها (توجيه المال العام لغير الخير العام). وإذا كانت التجربة تخبرنا بأن السيطرة على المال العام والاستبداد بإدارته لا يمكن أن ينتج عنها خير عام إلا بمحض الصدفة وغير مقصود لذاته، فإننا نستطيع أن نتساءل: أي مصلحة عامة في أن تكون الغالبية العظمى من مباني ووزارات الدولة ومؤسساتها مؤجرة؟! أي منفعة عامة من مشروع مثل لوسيل صرف على بنيته التحتية مليارات، في حين أن مناطق يقطنها مواطنون بدون بنية تحتية؟! أي مصلحة عامة من استملاك الدولة لمناطق شاشعة، ثم توزع على شركات ومؤسسات خاصة؟! أي مصلحة عامة تعود من اشتراك الدولة في شركة طيران خاصة ؟! ولماذا لم تؤسس الدولة شركتها الوطنية؟! أي منفعة عامة من استضافة مونديال كروي تصرف عليه المليارات دون عائد حقيقي؟! أي منفعة عامة من فتح الباب على مصراعيه لعمالة أجنبية لا حاجة حقيقية لها؟!

والإصلاح في قطر ضرورة يتطلبها واقع الحقوق والحريات العامة. فما أثبتها الدستور جاء القانون فألغاها!! فالدستور يؤكد "حق المواطنين في التجمع مكفول وفقاً لأحكام القانون" (المادة 44) فيأتي القانون ليسلب هذا الحق، إذ يشترط "الحصول على ترخيص من مدير عام الأمن العام، بناء على طلب كتابي يقدم إليه موقعاً من عدد لا يقل عن ثلاثة ممن لهم علاقة بالمسيرة، موضحاً الزمان والمكان وخط السير. على أن يقدم هذا الطلب قبل الموعد المحدد للمسيرة بسبعة أيام على الأقل، ويعتبر الطلب مرفوضاً إذا لم يرد عليه قبل الموعد المحدد بثلاثة أيام". وهكذا أصبح حق المواطنين في التجمع مرهون بموافقة مدير عام الأمن العام!! (قانون رقم (18) لسنة 2004 بشأن الاجتماعات والمسيرات).

وعندما يقرر الدستور أن "حرية تكوين الجمعيات مكفولة"، (المادة 45) يأتي القانون رقم 12 لسنة 2004 بشأن الجمعيات فيجعل مسألة قبول أو رفض تسجيل وشهر الجمعية بيد الوزير ومجلس الوزراء!!دون وجود حق القائمون على الطلب المرفوض في اللجوء للقضاء.

أما حرية التعبير والنشر فما زالت محكومة بالقانون رقم 8 لسنة 1979 بشأن المطبوعات والنشرالصادر قبل أكثر من ثلاثة عقود، والذي يتضمن العديد من المواد المكبلة لحرية النشر والتي تتعارض مع حقوق الإنسان الأساسية في التعبير، كما يتعارض مع مواد الدستور التي تؤكد على حرية الرأي (المادة 47) وحرية الصحافة والطباعة والنشر(المادة 48)، فهو يمنح السلطة التنفيذية ممثلة في مجلس الوزراء ووزير الإعلام بل ولمدير المطبوعات والنشر سلطة تعطيل المطبوعة. كما يجعل قرار مجلس الوزراء نهائياً لا يجوز الطعن فيه!!

و غياب حرية التعبير هي التي صادرت كتاب ( الشعب يريد الإصلاح في قطر.. أيضاً) المعبر عن وجهات نظر بعض المهتمين بالشأن العام في قطر!! ومنعت بيعه في معرض الكتاب الأخير في الدوحة (12 ديسمبر2012)!!

وبالنسبة للحقوق السياسية يقرر الدستور: "المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة" المادة (34) وأن الدولة "تكفل حق الانتخاب والترشيح للمواطنين" المادة(42) ثم يأتي(قانون بشأن الجنسية رقم 38 لسنة 2005) ليحرم المواطنين المجنسين من أية حقوق سياسية. (المادة 16)!!

أما حق التجنس فقد جوز القانون "بناءً على اقتراح وزير الداخلية سحب الجنسية القطرية من المتجنس بها، لدواعي المصلحة العامة، إذا وجدت مبررات قوية تقتضي ذلك." !!(المادة 12) وامعاناً في انتقاص حقوق المواطن اعتبر القانون كل "من ولد ..لأب قطري بالتجنس" "قطرياً بالتجنس"!! (المادة 2). ذلك قيض من فيض مما يجعل الإصلاح في قطر ضرورة.

كيف الإصلاح؟

وإذا كان الإصلاح ضرورة، فإن (كيف الإصلاح)؟ ضرورة أيضا. ذلك أن الحديث عن الإصلاح لا يكتمل دون الحديث عن الطريق إليه.

ولأنه ليست كل الطرق التي تؤدي إلى الإصلاح واحدة، سواءً من حيث إمكانياتها أو من حيث تبعاتها، فليس كل ضروري ممكن، فإن بناء فهم مشترك آخر يُعنى بإمكانية الإصلاح وبكيفيتة، هو مما يستحق أن يطرح ويناقش. فأين نحن من إمكانية الإصلاح؟ وكيف نضع أقدامنا على الطريق الصحيح الذي يقودنا إلى ذلك؟

إصلاح الخلل السياسي مقدمة لكل إصلاح

إن عملية إصلاح أوجه الخلل التي يعاني منها مجتمعنا، وسلف بيان بعضها، هي عملية سياسية في المقام الأول. ولا يمكن أن تنتقل من حالة الوعي إلى حالة الفعل إلا بأن تتغير الإرادة السياسية الحاكمة لتتجه وتتبنى عملية الإصلاح.

وهو تغير إما أن يتم من داخلها عبر استجابة ذاتية، أو من خارجها بواسطة عمل سياسي قادر على الضغط إلى أن تتغير الإرادة السياسية الحاكمة وتتبنى عملية الإصلاح. فهل من سبيل إلى ذلك؟

هل توجد إرادة سياسية للإصلاح؟ هل تواجه الإرادة السياسية عقبات من داخلها تحول بينها وبين الإصلاح؟ هل يوجد صراع إرادات على مستوى متخذي القرار تعطل الشروع في الإصلاح؟ هل توجد مخاوف لدى الإرادة السياسية من تبعات الإصلاح على مصالحها؟ ما العقبات وما المخاوف التي تقف دون الإصلاح؟ هل يمكن تجاوزها؟ وكيف؟

هل توجد إرادة شعبية تتبنى عملية الإصلاح وتضغط من أجل إنجازها؟ وإذا لم تكن موجودة، فما الفرص المتاحة لقيامها؟ وما العقبات التي تحول دونها؟ وإذا لم تكن الفرص موجودة، فما العمل من أجل إيجادها؟ وما العمل من أجل إزالة العوائق والعقبات؟ كل هذه أسئلة أولية تستلزم التأمل والنظر.

المعرفة شرط ضروري للإصلاح

والإصلاح لا يتحقق دون معرفة الواقع الاجتماعي وما يثيره من قضايا وما يطرحه من مشكلات، من جانب، ومعرفة بحلولها من جانب آخر. إنها شرطه الضروري، والأساس الذي يقوم عليه. وكلما كانت معرفتنا بواقعنا الاجتماعي أدق وأعمق وأشمل، كلما كان اقترابنا من الحل الصحيح لمشاكلنا أكثر.

ولكي تكون معرفتنا بواقعنا الاجتماعي دقيقة وعميقة وشاملة فلابد أن يتاح لأفراد المجتمع حرية الحصول على المعلومات، وحرية تبادلها. وأن يتمكنوا من التعبير عن آرائهم في كل ما هو مجال رأي. أي أن يتاح لكل فرد في المجتمع أن يعرف وأن يقول ما يعرف ويعلم، وأن يقول ما يظن ويرى ويعتقد.

ولكي يتمكن أي مواطن من ذلك لا بد أن تزول من حوله كل أسباب الخوف، على حاضره ومستقبله. فلا يطارد أو يعتقل بسبب رأي، ولا يضطر أن يبيع صوته ليعيش. أو أن يقول نعم في استفتاء يدفع به ضررا قد يلحق به. عندما يشعر المواطن بأنه آمن في أن يعبر عن رأيه بحرية، وأن يكون رأيه جزءاً من الترتيب العام، عندئذ يكون القرار العام تعبيراً عن الإرادة العامة وسعياً للصالح العام.

الحوار الوطني شرط المعرفة المشتركة

ولكن عملية الإصلاح لا يمكن أن تتحقق بمحض تعبير أفراد المجتمع عن آرائهم، ذلك أن الإصلاح عملية ترتيب وتنظيم لواقع اجتماعي، والترتيب الاجتماعي تعبير عن رأي ومعرفة ومصلحة وقيمة، وهي أمور نسبية يختلف الأفراد حولها. لذلك لا يتحقق الإصلاح إلا بتوافق عام على موضوعاته، وأولوياته؛ ولا سبيل إلى ذلك إلا بحوار وطني حر، على المستويين الرأسي والأفقي، بين القيادة السياسية والمواطنين، وبين المواطنين أنفسهم.

"الشعب يريد الإصلاح في قطر ..أيضاً"

نحن لا نقول أكثر من أن استمرار أوجه الخلل المزمنة ألتي يعاني منها مجتمعنا القطري يعود إلى"ترسانة من الحججوالذرائع المعادية للاصلاح صنعت محليا، حان لها ايضاً ان تنقضي."[4] مدركين أن "مخاطرعدم القيام بالاصلاح تفوق بكثير كل المخاطر التي قد تصاحب القيام به."[5]

إن مجتمعنا يواجه تحديات كبيرة، تتمثل في تصحيح الخلل السكاني، وتأسيس ديمقراطية حقيقية بديلاً عن الاستفراد بالقرار العام، وتصحيح الخلل الإنتاجي الذي يقوم على استنزاف موارد المجتمع، وهي تحديات تراكمت وتفاقمت سنوات طويلة ما كان لها أن تحدث ، وأن يواجهها مجتمعنا ويتحمل تبعاتها، "إلا لتوانيه عن الإصلاح وبعده عن الديمقراطية."[6]

"والإصلاح كما نفهمه، ليس بعملية تجميلية، أو إجراءاتشكلية، وإنما هو بناء لثقافة جديدة تحل محل ثقافة الهيمنة والجبروت التي أضرت كثيراً بهذه الأمة فأهدرت طاقات أبنائها، وحرمتهم من حقهم فيالمشاركة والتعبير."[7] "إن ثقافة الاصلاح التي نقصدها تدعو إلى غرس قيم راسخة تقاوم الفسادوترسي الشفافية، تبني المؤسسات وتحتكم إلى القانون، تحترم المواطن وتصون الحقوق،وتوسع دائرة الحوار وتفسح المجال أمام المشاركة في المسؤولية، وهي ليست بثقافة للقلةبل للمجموع، أو ثقافة تخص المحكوم دون الحاكم بل هي للاثنين معا."[8]

"إن الإصلاح ليس عملية تبدأ ثم تنتهي وإنما أسلوب تفكيرمتكامل، وطريقة حياة شاملة، حان لأمتنا أن تعيشه وتأخذ به كي تشق طريقها وسطالدول المتقدمة. فهذه الأمم لم تبلغ مكانتها لأنها أصلحت من نفسها مرة، وإنما لأنهاتحافظ على ما أصلحته مرة بعد مرة، وتحرص على أن تصوب أخطاءها في النور بدلاً من أنتواريها في الظلام."[9]

ونحن إذ ندعو إلى الإصلاح في مجتمعنا فإننا على يقين من "أن عدم الاستقرار في بعض البلاد العربية الذي تمثل بما يسمى ثورات الربيع العربي لم ينشأ بسبب الفقر وبطالة الشباب والتفاوت في التنمية الجهوية في معظمها فحسب، وإنما أيضاً لأسباب أخرى أهمها سياسات القمع والتسلط وعدم المشاركة الشعبية في إتخاذ القرارات الاقتصادية والاجتماعية والفساد وعدم تكافؤ الفرص وإثراء طبقة صغيرة من رموز السلطة والتجار الكبار على حساب أكثرية الشعب."[10]

"لقد ثبت أن السياسات الاقتصادية المدفوعة بالمصلحة السياسية القصيرة المدى للحكام وتلك المدفوعة بالمصالح الاقتصادية لفئة من حولهم، وليس بمصلحة الدولة والمجتمع هي سياسات كارثية ذات عواقب وخيمة ولا يمكن أن يتحقق الاستقرار الداخلي في مثل هذه الظروف، إذ يتطلب تحقيقه تمكين الشعوب من التعبير عن خياراتها وتطلعاتها بصورة حرة واحترام كافة حقوقها المشروعة."[11]

إن ما حملته الشعوب العربية من مطالب هو من اجل "تحقيق العدالة والإنصاف في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أي، بكلمة واحدة ، الإصلاح".[12] لذلك فإن "ما حصل ويحصل في الوطن العربي من أحداث سياسية كبرى يقتضي وقفة مراجعة صريحة للواقع السياسي العربي من مسألة الإصلاح."[13]

"لقد أكدنا من جانبنا في مناسبات عديدة بأن الإصلاح والمشاركة الشعبية هو استحقاق ينبع من الحق الأصيل للشعوب في ممارسة إرادتها الذاتية في تنظيم حياتها السياسية بحرية بما يكفل احترام الحقوق والواجبات لجميع أفراد المجتمع بشكل سليمبغض النظر عن أية رغبات أو اهتمامات أو ضغوط خارجية ، وبأن ما تريده الشعوب ليس أمرا غير عقلاني أو إنه مجرد أفكار مستوردة."[14]

"وإذا ما سلمنا بأن الثورات في العالم العربي هي ظاهرة اجتماعية وسياسية مركبة لها أسبابها وظروفها وعواملها، فمن شأن ذلك أن يساعد الأنظمة الرشيدة على تجنب هذه الأسباب، لأن الثورات ليست الطريقة المثلى للتغيير، وإنما يلجأ إليها الناس في غياب أي أفق لأي وسيلة أخرى، ولو توفر بصيص أمل للتغيير من دون التضحية الهائلة والمجازفات الكبرى بعدم الاستقرار لما خرجت الناس للثورة."[15]

وبعد فهذه دعوة إلى الإصلاح لا نملك القدرة على تنفيذها، في حين أن قيادتنا السياسية تدعو إلى الإصلاح وتملك القدرة على تنفيذه!!

الدوحة 28-4-2013

[1] أنظر كلمة سمو الأمير "إن التحول التاريخي الذي تمر به أمتنا العربية حالياً يتطلب التعامل معه بفكر جديد وأساليب جديدة وبإرادة حقيقية للتغيير الذي يستلهم تطلعات الشعوب ويستجيب لطموحاتها المشروعة، وعلى أنظمة الحكم أن تدرك أنه لا بديل عن الاصلاح ولا مجال للقهر والكبت والاستبداد والفساد. وعندما أقول الاصلاح فإنني أعني الإصلاح المدروس المستند إلى رؤية وفكر وإرادة وليس إصلاح الشعارات والوعود الزائفة. بالإصلاح تستقر أنظمة الحكم، وبالإصلاح تطمئن الشعوب إلى حاضرها ومستقبلها، وبالإصلاح ترتفع معدلات الانتاج والتنمية ونوفر الحياة الكريمة الآمنة لدولنا وشعوبنا، وبالإصلاح نكسب احترام العالم ونصبح قوة فاعلة ومؤثرة فيه." من كلمة الشيخ حمد بن خليفة أمير دولة قطر في مؤتمر القمة الرابع والعشرين الدوحة 2013

[2] أقصد بكلمة (فساد) أن يتوقف (الشيء) عن أداء وظيفته . فإذا عرفنا أن السياسة هي تدبير الشأن العام وإدارته بما يحقق المنفعة العامة، عرفنا أن فساد السياسة هو توقفها عن تحقيق وظيفتها (المصلحة العامة) .

[3] اللجنة الدائمة للسكان . حالة سكان قطر 2010 – عام على انطلاق السياسة السكانية . ط 1 أكتوبر 2010 ص 14

[4] كلمة الشيخ حمد بن خليفة أمير دولة قطر في افتتاح مؤتمر الديمقراطية والإصلاح في الوطن العربي 2 يونيو 2004

[5] المصدر نفسه

[6] المصدر نفسه

[7] المصدر نفسه

[8] المصدر نفسه

[9] المصدر نفسه.

[10] كلمة الشيخ حمد بن خليفة أمير دولة قطر في افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) 21 أبريل 2012

[11] المصدر نفسه.

[12] محاضرة الشيخ حمد بن جاسم رئيس مجلس الوزراء في مركز الدراسات الإسلامية بجامعة أكسفورد 23 مايو 2011

[13] المصدر نفسه.

[14] المصدر نفسه.

[15] خطاب الشيخ تميم بن حمد ولي العهد في افتتاح المؤتمر السنوي الأول لمراكز الأبحاث السياسية والاستراتيجية 15/12/2012

 


 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة