You are here:الرئيسية>فعاليات>ندوات>الديمقراطية والمستقبل الفلسطيني

الكواري: الانتقال للديمقراطية في الدول العربية

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2358 مرة
الكاتب  د. علي الكواري

تفتقر كل الدول العربية اليوم، وبدون استثناء، إلى وجود نظم حكم ديمقراطية.

هناك محاولات انتقال متعثرة لنظم حكم ديمقراطية قبل التحركات الراهنة من أجل الديمقراطية في الكويت والأردن والجزائر وموريتانيا ولبنان، وهي إلى مرحلة الانفتاح السياسي أقرب، أو على حد قول الرئيس سليم الحص - أطال الله عمره - "هناك حرية ولكن لا توجد ديمقراطية".
كما أن هناك اليوم تطلعات في دول عربية تغيرت فيها نظم الحكم بفضل التحركات الراهنة من أجل الديمقراطية ولكن مخاضها العسير والاستقطاب بين أطياف التيار الديني وأطياف التيار المدني لا تؤكد احتمالات انتقال سلس للديمقراطية.
وبذلك لا نجد دولة عربية حتى الآن قد انتقلت إلى نظام حكم ديمقراطي مستقر وأصبح الشعب فيها مصدر السلطات.

ومن أجل توضيح ذلك نتوقف أولا: عند مفهوم نظام الحكم الديمقراطي. ونتطرق ثانيا: لمقومات نظام الحكم الديمقراطي.

أولا: مفهوم نظام الحكم الديمقراطي المعاصر:

نظام الحكم الديمقراطي اليوم، في مختلف الحضارات وكافة القارات، هو نظام حكم لا يمت بصلة إلى نظم الحكم التي يوجد فيها سلطة لفرد أو قلة على الشعب، أو تُنتقص فيها حقوق المواطنة الكاملة المتساوية تحت أي مبرر. وإنما هو نظام حكم له مقومات عامة مشتركة سوف نتطرق إليها لاحقا، ويقوم على مبادئ ومؤسسات وآليات وضوابط وضمانات، لا تقوم لنظام الحكم الديمقراطي قائمة إذا أُنتقص من حدها الأدنى تحت أي مبرر. وفي حالة التوافق على ذلك النظام بإقرار دستور ديمقراطي والاحتكام إلى شرعيته، نقول أن دولة ما قد انتقلت إلى نظام حكم ديمقراطي وبدأ انطلاق التحول الديمقراطي المستمر فيها.

الانتقال للديمقراطية (Transition to Democracy):

من هنا فإن الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي يمثل لحظة فاصلة بين وجود فرد أو قلة لها الحق في وجود إرادة لها فوق إرادة الشعب وكلمتها أعلى من كلمته، وبين أن يكون الشعب مصدر السلطات وصاحب الكلمة النهائية في شئونه العامة كلها.

ولذلك فإن الانتقال للديمقراطية يختلف عن ما يسبقه من انفتاح سياسي أو تطبيق بعض آليات الديمقراطية مثل الانتخابات دون أن يكون الشعب مصدر السلطات، وإنما يكون مصدر السلطات حاكم فرد أو أسرة حاكمة أو أقلية عسكرية أو رجال دين على سبيل المثال. قد تمنح بعض هذه النظم مزيدا من مظاهر المشاركة السياسية وتخفى طبيعتها بتبني مصطلحات الديمقراطية بعد أن تفرغها من المضمون دون أن تتخلى عن سلطة الفرد أو القلة التى تعلو إرادة الشعب.

وجديرٌ بالذكر أن مرحلة الانفتاح السياسي هي مرحلة انتقالية بين الحكم المطلق الظاهر وبين بعض مظاهر نظام الحكم الديمقراطي، قد تستمر لعقود بين مد وجر دون أن تعني انتقالا للديمقراطية، وإنما يمكن الاستفادة منها في تنمية إرادة مجتمعية وتكوين كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية، للانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي في لحظة فاصلة، تتمثل في التعاقد المجتمعي المتجدد وفق دستور ديمقراطي، ومن ثم الاحتكام إلى شرعيته.

التحول الديمقراطي (Democratic Transformation):

إن الانتقال للديمقراطية يختلف عن ما يليه من تحول ديمقراطي، الذي تنتقل فيه الممارسة الديمقراطية من الحد الأدنى للالتزام بمبادئ ومؤسسات وآليات وضوابط وضمانات نظام الحكم الديمقراطي العامة المشتركة بين كافة نظم الحكم الديمقراطية، إلى ممارسة ديمقراطية أرقى وأكثر تجذرا في الثقافة والممارسة السياسية والاجتماعية والإنسانية خاصة.

ومن هنا فإن التحول الديمقراطي صيرورة (عملية Process ) مستمرة وليس حالة فاصلة مثل الانتقال للديمقراطية. صيرورة تنضج فيها الممارسة الديمقراطية وترتقي بعد أن تستقر ويتم القطع مع أشكال نظم حكم الفردي أو القلة عندما يتم الانتقال للديمقراطية قولا وفعلا.

و أذكر هنا تصورا قديم لي مازال صالحًا حول عملية التحول الديمقراطي بعد أن يتم الانتقال لنظام حكم ديمقراطي، ورد في كتابي ("الخليج العربي والديمقراطية"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2002. صفحة 27)

 


وجديرٌ بالتأكيد أن المرحلة الديمقراطية الراهنة في العالم قاصرة عن المثل الأعلى للديمقراطية مثل كل مثل أعلى آخر قاصر عند الممارسة عن ما يبشر به. ومن هنا تأتي أهمية ووظيفة عملية التحول الديمقراطي المستمر عبر الزمن والأجيال، كي ترتقي بالممارسة الديمقراطية في سعيها لمقاربة مثلها الأعلى، الذي لم تدركه بعد وربما لن تدركه أبدا، طالما سعى الإنسان إلى الرقي والإنسانية والمشاركة الفاعلة وإنما حسبها فقط الاقتراب منه أكثر.

بعد أن يتم الانتقال للديمقراطية والالتزام بالحد الأدنى العام والمشترك لمقومات نظام الحكم الديمقراطي. وهذا سبب ما نراه من استمرار واستقرار واحترام للديمقراطية باعتبارها قيمة إلى جانب كونها نظام حكم في الدول الديمقراطية العريقة، بفضل التحول الديمقراطي الذي حدث بعد الانتقال للديمقراطية في تلك الدول وأصبحت بفضله الديمقراطية ثقافة وقيمة إلى جانب كونها نظام حكم.

ثانيا: مقومات نظام الحكم الديمقراطي:

إنّ نظام الحكم الديمقراطي، كما سبقت الإشارة، نظام مُحكم له مقومات عامة ومشتركة بين مختلف نظم الحكم الديمقراطية في مختلف الحضارات والقارات. وليس بين هذه المقومات تبعية نظام الحكم الديمقراطي لعقيدة أو كونه آلية لعقيدة.

ولذلك فإن قبول العقيدة الليبرالية أو العلمانية أو الرأسمالية، والالتزام بمقتضياتها، ليس شرطا لقيام نظام حكم ديمقراطي. كما أن الديمقراطية ليست مجرد آلية لعقيدة أخرى كما تظن بعض التيارات الدينية والعقائدية والسلطوية عامة، وإن كان نظام الحكم الديمقراطي يتأثر في خياراته وقراراته بالقيم الإنسانية من أي دين أو فكر جاء، كما يتأثر بتفضيلات المجتمع المتغيرة من آن إلى آخر، شريطة أن لا تؤدي تلك التفضيلات أو الخيارات إلى إجهاض نظام الحكم الديمقراطي.

ويخطئ من يظن أن الانتخابات هي الديمقراطية وإنها تعطي الحق في ممارسة السلطة دون مراعاة لمقومات نظام الحكم الديمقراطي العامة المشتركة المتعارف عليها. وجدير بالذكر إنه حيث اعتبرت الانتخابات تفويضا للمنتخب بأن يغير مقومات نظام الحكم الديمقراطي أو يؤثر على مسار وُضع أو تعديل الدستور الديمقراطي بما يخل بمقوماته، فقد أدى ذلك إلى مسخ نظام الحكم الديمقراطي وانتكاسه إلى نظام حكم الفرد أو القلة. وهذا ما حصل في ألمانيا مع هتلر وفي إيطاليا مع موسليني.
وبالرغم من ذلك تتيح الديمقراطية التوافقية مرحليا مقاربة بعض الإشكاليات التي تحول دون الانتقال للديمقراطية. ولذلك يمكن تقييد المشرع نسبيا وتوافقيا في المدى المنظور، بما يمثل شرطا للتوافق على قيام نظام حكم ديمقراطي ويقارب إشكاليات الديمقراطية في مرحلة الانتقال دون الإخلال بمقومات الدستور الديمقراطي.

وبالتالي فإن تقيد المشرع دستوريا في الدول العربية بمبادئ الشريعة الإسلامية والعدالة الاجتماعية وحماية الأمن القومي وحقوق الأقليات حتى تستقر الممارسة الديمقراطية، قد يكون أمرًا ضروريًا، شريطة أن تنظر في ذلك القيد على المشرع محكمة دستورية وفقا لما تنظر فيه من دستورية القوانين.

وجدير بالتأكيد أن المقومات العامة المشتركة لنظام الحكم الديمقراطي المعاصر والتي سبق وتطرقت لها في مقال لي نشر في مطلع 2010 بعنوان "مفهوم الديمقراطية المعاصرة"


هي ما يلي:

أولا: لا سيادة لفرد أو قلة والشعب مصدر السلطات:
ممارسة السلطة مسألة عملية يقوم بها بشر، وهي إمّا أن يكون مصدرها الشعب أو كثرة منه معبرة عن النسيج الوطني على الأقل أو يكون مصدرها – لا محالة - فرد أو قلة دينية أو اجتماعية أو عسكرية أو أسرة حاكمة أو قوة حماية أو احتلال.
وللتأكد من وجود مبدأ "الشعب مصدر السلطات" يجب التمعن في النص الدستوري وما يناقضه من نصوص في الدستور وكذلك ما تحيله مواد الدستور على القوانين من صلاحيات. فكثيرا ما يؤخذ بالقانون ما أعطاه الدستور خاصة في حالة تحصين القوانين أو تحصين قرارات السلطة التنفيذية أو التشريعية من نظر القضاء.

ثانيا: مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية الفاعلة:
اعتبار المواطنة، ولا شىء غيرها، مصدر الحقوق ومناط الواجبات دون تمييز. وأبرز مظاهر المواطنة الكاملة هي امتلاك المواطن للحد الأدنى من متطلبات المشاركة السياسية الفعالة ومنها مستوى معيشة كريمة والمعلومات الضرورية للمشاركة السياسية الفعالة، وكذلك تساوي الفرص من حيث المنافسة على تولي السلطة وتفويض من يتولاها. بجانب الحق المتساوي في الانتفاع بالثروة العامة وتقلد المناصب العامة التي لا يجوز لأيٍ كان أن يدعي فيها حقا خاصًا دون الآخرين.

ثالثا: قيام الأحزاب على قاعدة المواطنة وممارسة الديمقراطية داخلها وفيما بينها:
إن ممارسة الأحزاب للديمقراطية داخلها وفيما بينها من ناحية، وإلتزام الأحزاب وما في حكمها من تنظيمات بقاعدة المواطنة في عضويتها من ناحية أخرى ضمانة للممارسة الديمقراطية في الدولة. فذلك هو مؤشر الديمقراطية في المجتمع والسبيل لممارستها في الحكومة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقال. والحزب في الدولة الديمقراطية مرشح دائما لتداول السلطة، فكيف له إذا كان فاقدا للممارسة الديمقراطية داخله وقائما على الإقصاء بسبب الدين أو المذهب أو الانتماء الاثني أن يحكم دولة ديمقراطية لا تميز بين فئات الشعب وجماعاته عند تولي المناصب العامة.

رابعا: مبدأ التعاقد المجتمعي المتجدد:

ويتم تجسيد ذلك التعاقد المجتمعي المتجدد في دستور ديمقراطي ملزم لكل مواطن، حاكمًا كان أو محكومًا. ويتجلى التعاقد المجتمعي المتجدد في المشاركة الفاعلة لإفراد المواطنين وجماعاتهم، دون إقصاء، مكونا من مكونات النسيج الوطني في مناقشة وإقرار الدستور وتعديله عبر الأجيال.
ويوضع الدستور الديمقراطي في العادة من قبل جمعية تأسيسية منتخبة تمثل النسيج الوطني، تملك إرادتها وتعبر عنها بحرية وتمارسها بمسئولية الآباء المؤسسين وبروح التوافق المجتمعي من أجل ركون المجتمع إلى شرعية دستور ديمقراطي في المدى المنظور.
وينتظر من الدستور الديمقراطي أن يعبر عن مبادئ ومؤسسات وآليات وضوابط وضمانات نظام الحكم الديمقراطي المتمثلة في ما يلي:

1- أن لا سيادة لفرد أو لقلة على الشعب، واعتبار الشعب مصدر السلطات، يفوضها دوريًا وفق دستور ديمقراطي وعبر انتخابات دورية فعالة وحرة ونزيهة.
2- إقرار مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية باعتبارها مصدر الحقوق ومناط الواجبات.
3- سيطرة أحكام القانون والمساواة أمامه واستقلال القضاء وشمول أحكامه كل ما يطاله الاختلاف، وأن يسود حكم القانون وليس مجرد الحكم بالقانون.
4- عدم الجمع بين أي من السلطات التنفيذية أو التشريعية أو القضائية في يد شخص أو مؤسسة واحدة.
5- ضمان الحقوق والحريات العامة دستوريًا و قانونيًا وقضائيا ومن خلال ضمان فاعلية الأحزاب وممارسة الديمقراطية داخلها وفيما بينها، ونمو المجتمع المدني المستقل عن السلطة ورفع يد السلطة ومراكز المال والدعاية الموجهة عن وسائل الإعلام وكافة وسائل التعبير وتأكيد حق الدفاع عن الحريات العامة وعلى الأخص حرية التعبير وحرية التنظيم. وكذلك ضمان حقوق الأقليات والمعارضة والتعبير السلمي في إطار الجماعة الوطنية وحقوق المرأة والفئات المعرضة للاستغلال أو الإقصاء.

6- تداول السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية سلميًا وفق آلية انتخابات حرة ونزيهة وفعّالة وفق قانون انتخابات ديمقراطية تتولى إدارته سلطة مستقلة للانتخابات، يضمنان أن تجري الانتخابات تحت إشراف قضائي كامل ومستقل وبوجود شفافية تحد من الفساد والإفساد والتضليل واستغلال النفوذ العام (الدولة العميقة) في العملية الانتخابية.

ومن أجل ضمان نزاهة الانتخابات أصبحت الدول حديثة العهد في الممارسة الديمقراطية، كما في دول أمريكا اللاتينية على سبيل المثال، تقيم سلطة رابعة هي سلطة إدارة الانتخابات والرقابة عليها وهي مستقلة مثلها مثل السلطة القضائية.

-----------
www.dr-alkuwari.net

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة