طباعة
02/12/2021

الكواري: رؤية قطر وإستراتيجيتها من منظور الإصلاح

آخر تحديث: الخميس، 25 كانون1/ديسمبر 2014
الكاتب: 

شهدت دول مجلس التعاون موجة من الرواء والاستراتيجيات "الوطنية". فكل دولة أو أمارة في دولة, كلفت استشاريا أجنبيا بوضع رؤية وإستراتيجية "للتنمية" فيها. وقد جاءت في هذا السياق رؤية دبي والبحرين وقطر وأبو ظبي وعمان ورؤية توني بلير للكويت وغيرها.

تم إعداد هذه الرواء بما يشبه السرية من قبل شركات استشارية أجنبية, وتبناها الحكام أنفسهم وحملت أسمائهم في بعض ألأحيان.

وتشكل هذه الوثائق اليوم سياسات رسمية بديلة لما كان يسمى خطط التنمية واستراتيجياتها الوطنية المعطلة قبل ذلك, ولكنها تختلف معها من حيث التوجهات والأهداف, وكأنها رواء لمشروعات تجارية وليس تصورا لبناء دول وإصلاح أوجه خلل مزمنة مازالت تحول اليوم دون بدء عملية تنمية حميدة في المنطقة.

وهذه الموجة من الرواء والاستراتيجيات والخطط التي وضعت يما يشبه السرية, أستقبلها ألإعلام الرسمي و ألأجنبي بهالة من التأيد تبهر ألأنظار وتظلل المواطن والمراقب العربي قبل أن يقرأها, كما تسد بشكل متعالي أفاق ألإصلاح من أجل بداء عملية تنمية مستدامة قبل فوات ألوان.

من هنا أقدم هذه ألقراه "لرؤية قطر وإستراتيجيتها من منظور ألإصلاح" لتكون دعوة لتناول المعنيين من أبناء المنطقة رواء بلدانهم بالدراسة التحليلية النقدية. لعلنا بذلك نفهم ما جرى منذ عقد من الزمن ونرصد مساره بهدف تصحيحه.

صدرت رؤية قطر الوطنية 2030, في عام 2008 وتبعتها إستراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر 2011-2016 في عام 2011. وعندما أطلعت عليهما وجدت من واجبي في سياق دراساتي لحالة قطر (1) وقناعتي بضرورة القيام بالإصلاح قبل الحديث عن التنمية, أن أقدم قراءة لهما من منظور الإصلاح الجذري الذي تحتاج إليه قطر وبقية الدول الأعضاء في مجلس التعاون(2).


فالرؤية الوطنية وإستراتيجية التنمية الوطنية يفترض فيهما أن يكونا أداة للإصلاح المطلوب حتى تتمكن دول المنطقة من توفير متطلبات التنمية الحميدة وشروط ألأمن الوطني.
وهذه القراءة من منظور الإصلاح تتطلب بالضرورة تحديد أوجه الخلل المزمنة. وأوجه الخلل الرئيسية المزمنة في قطر وفي بقية الدول الأعضاء في مجلس التعاون أربعة:

أولها: الخلل السكاني المتفاقم .

ثانيها: الخلل السياسي في العلاقة بين السلطة والمجتمع وغياب الديمقراطية.

ثالثها: الخلل الإنتاجي – الاقتصادي واستمرار الاعتماد على صادرات النفط.

رابعتها: الخلل الأمني واستمرار دول المنطقة مجزئة ضعيفة.

هذا إضافة إلى أوجه خلل قطاعية أخرى في الثقافة والتعليم والأعلام والتشريع والقضاء وتكافئ الفرص وفي الإدارة العامة وغيرها.

من هنا كان ينتظر من رؤية قطر وإستراتيجيتها أن تراعيا أوجه الخلل المزمنة هذه وتجعلا من إصلاحها أولوية ومدخلا, حتى يتم وضع التنمية على المسار السليم وتكون تنمية حميدة وليست من نمط " تنمية الضياع " التي كتبت متخوفا منها عام 1995(3).

وفي ما يلي أُقـدم قرأت من منظور الإصلاح لرؤية قطر وإستراتيجيتها. وسوف أتحرى خلال قرأت هذه, المسكوت عنه وأتعرف على المطلوب استكماله في الرؤية والإستراتيجية.

أولا: نظرة على رؤية قطر الوطنية 2030

تغطي رؤية قطر عقدين من الزمن 2008 – 2030. و هذا يدعونا إلى التعرف على أُفق هذه الرؤية وما ينتظر منها من تغييرات مُستهدفة بعد عشرين عام ثمينة.
تبدأ الرؤية بالقول بأن " دولة قطر عند مفترق طرق " ... "وقد أضحى من الضروري أن تختار قطر الطريق الأمثل الذي يتماشى مع رغبات قياداتها وتطلعات شعبها "(5).
هنا نلاحظ أن اختيار الطريق يُعبر عن "رغبة قياداتها" و " تطلعات شعبها ". وإذا كان من السهل على من كتبوا الرؤية أن يعرفوا رغبات القيادة ويمثلوها في الرؤية فقد كان عليهم تقدير تطلعات الشعب, حيث أن شعب قطر لا يتمتع بحرية التعبير وحرية التنظيم وبالتالي يصعب معرفة تطلعاته, وإنما تحتكر الحكومة التعبير عن هذه التطلعات دون مشاركة سياسية فاعلة لشعب قطر في تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة. وبذلك فإن الرؤية تُعبر عن رغبة القيادة وتوجهاتها. أما تطلعات الشعب فليس لدينا دليل على تمثلها في الرؤية إلا بقدر ما تقره القيادة من تلك التطلعات.

وتستطرد الرؤية قائلة " تهدف الرؤية الوطنية إلى تحويل قطر بحلول 2030 م إلى دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المُستدامة وعلى تأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلاً بعد جيل"(6).

وهذا الهدف يغلُب عليه التعميم ويترك مجالاً لإخفاء المسكوت عنه. ومن بين المسكوت عنه من منظور الإصلاح المطلوب, نظام الدولة السياسي وضرورة انتقاله إلى نظام حكم ديمقراطي, وكذلك لغتها وثقافتها وهويتها العربية-ألإسلامية وعدد ونسبة المواطنين في السكان ودور المواطنين باعتبارهم التيار الرئيسي في الدولة. هذا إضافة إلى عدم التطرق إلى ضرورة الفصل بين المال العام والخاص والتأكيد على تكافئ الفرص بين المواطنين. وهذه كلها مقومات جوهرية سوف تُحدد الطريق المُختار والنتيجة المرتجاة.

وتؤكد الرؤية على الموازنة بين الخيارات التالية:-

*التحديث والمحافظة على التقاليد .
*احتياجات الجيل الحالي واحتياجات الأجيال القادمة.
*النمو المُستهدف والتوسع غير المُنضبط.
*مسار التنمية وحجم ونوعية العمالة الوافدة المُستهدفة.
*التنمية الاقتصادية و الاجتماعية وحماية البيئة وتنميتها.(6).

والرؤية هنا تترك هذه الموازنات الحاسمة في تشكيل مستقبل شعب قطر, لتقدير مُتخذ القرار في المستقبل كيفما شاء دون التزام واضح مُحدد بأهداف كمية ونوعية, فلا نعرف على سبيل المثال, ما المقصود بالنمو المستهدف والتوسع غير المنضبط, ولا حجم التنمية وضوابط حجم وتركيب العمالة المستهدفة, ولا احتياجات الجيل الحالي واحتياجات ألأجيال القادمة ومن المقصود بالأجيال القادمة, ولا أين يقف مد ما يسمى تحديث ومتى تُشكل التقاليد خطاً أحمرا وما هو مقصود بالتقاليد؟.

فكل هذه الخيارات متروكة للتوجيهات الشخصية والآنية للقيادة عبر عمر الرؤية حتى 2030.

وهذا الغموض والعمومية يسري على بقية الموازنات, كما يشير إلى استمرار الحكم الفردي المطلق.

وتُحدد الوثيقة أيضا "المبادئ الموجهة للرؤية الوطنية" قائلة " تقوم رؤية قطر الوطنية على المبادئ التوجيهية للدستور الدائم وتوجيهات أصحاب السمو الأمير وولي العهد والشيخة موزة. وعلى مشاورات واسعة مع المؤسسات الحكومية والخبراء المحليين والدوليين. وتهدف الرؤية الوطنية إلى إرساء مجتمع أساسه العدل والإحسان والمساواة"(7).

ويلاحظ أولاً أن المبادئ التوجيهية للدستور لا تُلزم السلطات إلا بالقدر الذي تريده القيادة, فالأمير في دستور قطر الدائم لعام 2004 هو مصدر السلطات, بالرغم من نص المادة (59) على أن الشعب مصدر السلطات, وتأكيد المادة(60)على الفصل بين السلطات. وقد ناقشت ذلك في بحثي حول حالة الديمقراطية في قطر، وبالتالي فإن مُراعاة المبادئ التوجيهية للدستور هي من السلطات غير المُقيدة للأمير وتتوقف على إرادته, لاسيما في غياب وجود محكمة دستورية وتعطيل حق التقاضي فيما يخص عدد من المراسيم والقوانين والألواح العامة, إضافة إلى استمرار مجلس الشورى المعين. ومثال ذلك أن المبادئ التوجيهية للدستور وفق المادة(34) تنص على أن "المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة." كما تنُص مواد أخرى على أن نظام الحكم ديمقراطي واللغة العربية هي اللغة الرسمية ومع ذلك أصبحت اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية في التعليم وفي الكثير من قطاعات الإدارة وأستمر نظام الحكم على طبيعته ولم ينتقل إلى نظام حكم ديمقراطي.

أما ما ذُكر من مشاورات فهي مع أجهزة حكومية وخبراء محليين ودوليين، وهي مجرد مشاورات مع موظفين تابعين للسلطة التنفيذية وخبراء أجانب. و بذلك يلاحظ غياب الشعب عن التأثير على مضمون الرؤية والمشاركة في تحديد المبادئ الموجهة لها و التي سوف يمتد نطاقها حتى 2030. وجدير بالذكر أن رؤية قطر الوطنية لم يجري حوار وطنيا حولها ولم تناقش في ألإعلام أو تقدم حتى لمجلس الشورى المُعين ليبدى الرأي حولها.

ويتم ختام هذه الفقرة بالقول أن هدف الرؤية هو " إرساء مجتمع أساسه العدل والإحسان والمساواة " (8). وهذا كلام عام يصعب تحقيقه إذا لم يتم أخذ إصلاح أوجه الخلل المُزمنة في الاعتبار, و يتم إرساء المجتمع على أسس تحفظ وجوده وتصون هويته ولغته ومصلحته وتهىء له فرص المشاركة السياسية الفعالة ومتطلبات الأمن والنماء, حتى يتحقق العدل والإحسان والمساواة.

وتحدد الوثيقة أركان الرؤية في:

التنمية البشرية :" تطوير وتنمية سكان قطر لكي يتمكنوا من بناء مجتمع مُزدهر"(9). ويلاحظ هنا أن التنمية البشرية لسكان قطر- مواطنين 12% ووافدين 88% من إجمالي السكان-, وذلك دون وجود تميز إيجابي للمواطنين. وعند شرح ذلك نجد أن الرؤية تؤكد على " بناء أنظمة صحية وتعليمية متطورة تُقدم أفضل الخدمات التعليمية والصحية وتطوير قوة عمل مُحفزة تُشارك فيها العمالة الوطنية بشكل فعال وتعزز بالعمالة الوافدة الماهرة "(10).

وتُبرر الرؤية اتساع نطاق التنمية البشرية لتشمل الوافدين على قدم المساواة مع المواطنين, قائلة " عدد سكان قطر لا يكفي في الأمد المنظور للتعامل مع النُظم والبني التحتية والمتطلبات الأخرى لنمو سريع في اقتصاد مُتشعب ومُعقد، لذا فإن تحقيق طموحات الرؤية المستقبلية يتطلب سد النقص في قوة العمل الوطنية بالعمالة الوافدة"(11).

وهذا يُشير إلى أن الحاجة لزيادة قوة العمل الوافدة ليس بسبب قلة القطريين فقط, ولكن لضرورات اقتصاد مُتشعب ومُعقد يعتمد على المعرفة!. وربما يكون شعار المعرفة هو الأمر الذي أدى إلى تسريح عدد كبير من القطرين وفرض التقاعد المبكر على ألاف المدرسات القطريات عندما أصبحت الإنجليزية هي لغة التعليم, ألأمر ألذي أدى جزئيا إلى انخفاض مشاركة القطريين في قوة العمل من 14% عام 2001 إلى 6% فقط عام 2010.

التنمية الاجتماعية: تطوير مجتمع عادل وآمن مُستند على الأخلاق الحميدة والرعاية الاجتماعية وقادر على التعامل والتفاعل مع المجتمعات الأخرى ولعب دور هام في الشراكة العالمية من أجل التنمية.

التنمية الاقتصادية: تطوير اقتصاد وطني متنوع وتنافسي قادر على تلبية احتياجات مواطني قطر في الوقت الحاضر وفي المستقبل وتأمين مستوى معيشي مرتفع .

التنمية البيئية: إدارة البيئة بشكل يضمن الانسجام والتناسق بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحماية البيئة (12).

ويلاحظ هنا غياب التنمية السياسية والتنمية الثقافية في ركائز رؤية قطر الوطنية.

ويتم ختام وثيقة الرؤية بعنوان " تحقيق الرؤية "حيث يتم التأكيد على أن "رؤية قطر الوطنية قاعدة لصياغة إستراتيجية وطنية شاملة " و " ستتولى الأمانة العامة للتخطيط التنموي وبتوجيه من القيادة العليا للبلاد تنسيق الجهود لصياغة الإستراتيجية الوطنية الشاملة "(13).

ثانيا: إستراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر 2011 – 2016

تبدأ الوثيقة بالتأكيد على رؤية قطر الوطنية 2030. فتذكر الركائز الأربع للرؤية دون ذكر للتنمية السياسية والتنمية الثقافية كما سبقت ألإشارة. وتختم تأكيدها على الرؤية بذكر التحديات الرئيسية الخمس التي سبق ذكرها(14).

وتتناول الوثيقة إعداد الإستراتيجية قائلة " أن هذه الإستراتيجية أول إستراتيجية تنموية في قطر". وهذا غير دقيق فقد سبق أن أعدت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط عام 1995 "الإستراتيجية العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بدولة قطر" والتي حددت أهداف التنمية في "غايات المجتمع الأساسية والمتمثلة في المحافظة على أمن البلاد وإستقراراها وتأصيل انتمائها العربي الإسلامي وبناء المواطن القوي المؤمن بدينه المُعتز بوطنه، وإرساء الأسُس الصالحة لترسيخ دعائم الديمقراطية وتحقيق النهضة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي للفرد والمجتمع" (15).

ويبدو أن هذا التجاهل, لإستراتيجية 1995 التي لم توضع موضع التنفيذ بعد أن تم حل المجلس ألأعلى للتخطيط, هو تجاهلاً لتوجهاتها وما جاء بها من أهداف تؤكد على ضرورة إصلاح بعض أوجه الخلل المُزمنة في قطر مثل: غياب الديمقراطية, الخلل الأمني, التأكيد على دور المواطن في التنمية, والسعي لمُعالجة الخلل السكاني, وهذه كلها قضايا لا تعترف بها الإستراتيجية الراهنة ولا تقدم حلولاً لمعالجته.

وتُشير الوثيقة عند حديثها عن مرحلة الإعداد, إلى أتساع نطاق المشاورات حولها حتى "شملت المجتمع بأسره". والحقيقة أنه عندما أعُلنت الإستراتيجية لم يكن أحداً ممن أعرفه في قطر ناقشها أو أطلع عليها، وقد كتبت مقالاً عنوانه "الإشادة بالإستراتيجية قبل الإطلاع عليها نوع من النفاق". وذلك عندما فاجأتنا الصحف القطرية بسيل من إشادات البعض بينما كان المهتمين بالشأن العام يبحثون عن وثيقة الإستراتيجية من أجل الإطلاع عليها (16).

وتتناول الوثيقة كيفية إعدادها قائلة " إن إستراتيجية التنمية الوطنية هي خطة عمل وهي تقدم مبادرات جديدة، وكذلك تبنى على المبادرات الموجودة حالياً" (17). وهذا يُشير إلى أن إستراتيجية التنمية الوطنية في قطر ليست إستراتيجية بالمعنى المُتعارف عليه, وإنما هي جمع لأربعة عشر إستراتيجية قطاعية أعد كل منها منفردا لقطاع في دولة قطر من قبل استشاريين أجانب باللغة ألانجليزية, مثلما أعدت وثيقة الإستراتيجية قبل أن يتم ترجمتها إلى اللغة العربية. ولذلك نجد تكراراً لعبارات مثل من المتوقع ، من المحتمل ، من المنتظر ، يجب ، ينبغي ، سيتم ، يتوقف على ... وأمثالها من العبارات التي تدل على أن وثيقة "الإستراتيجية" هي أقرب لقرأه في ملف يضم التصورات القائمة, من كونها إستراتيجية آمرة ملزمة للجهات المُنفذة.

ولعل هذا القصور المنهجي في إستراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر 2011-2016 هو ما جعل عيسى الغانم, وهو من المختصين القطرين القلائل في التخطيط يقول عند حديثه عن هذه الإستراتيجية:

في العادة "الإستراتيجية يتم صياغتها منهجيا بعد دراسة البيئة المحيطة"... "من خلال دراسة: نقاط القوة - لاستغلالها، نقاط الضعف - لعلاجها، الفرص المتاحة – للاختيار من بينها، التحديات – للتعامل معها، أو ما يسمى منهجية SWOT ويجب أن يتم ذلك أيضا بمشاركة الأطراف المتأثرة بها وصاحبة المصلحة".

ويضيف الغانم قائلا, تحليل "البيئة المحيطة كان يفترض أن يتم بطريقة معّمقة تكشف وتعالج "القضايا الإستراتيجية". ومن بين القضايا التي أوردها عيسى الغانم أذكر ما يلي:

• " كيفية التعامل مع الاقتصاد ألبالوني المتضخم والنمو الاقتصادي المنفلت وهو مفتاح حل للعديد من المشاكل المصيرية
• مسألة الخلل السكاني, ويعتبر عيسى, هذا الخلل السكاني أكبر تهديد يواجه مستقبل البلاد، ويقول لقد كان من المتوقع أن يطلب من الجهات المختصة وضع خطة بمعايير كمية محددة بزمن لعلاج الخلل السكاني.
• قطاع البترول: تقديم خطة لمعالجة معدل النضوب للنفط والغاز وخلق بدائل لتنمية الإيرادات
• علاج الانفلات في الاستثمار العقاري المدمر للاقتصاد والبيئة والمجتمع بما فيه تفاقم الخلل السكاني.

ويقول الغانم "لا يوجد في الإستراتيجية إلا وصف لبعض هذه المشاكل دون الطلب من أي جهة علاجها". ويضيف, قد يكون هناك سببان رئيسيان لعدم التطرق لعلاج هذه المشاكل، الأول هو فني- منهجي حيث إن ما حدث عند إعداد الإستراتيجية إلى حد كبير هو تجميع مهمات المؤسسات والوزارات والهيئات المشاركة في إعداد الإستراتيجية ومشروعاتها الحالية ومن ثم بناء منطق حولها لتشّكل بعد ذلك جزء من "الإستراتيجية الوطنية". و"السبب الثاني هو غير فني, كون هذه التحديات هي نتاج لنمط التنمية المستمر منذ السبعينيات، والتي لا يمكن علاجها ضمن البيئة العامة..."(18).

وتبدأ وثيقة الإستراتيجية بتناول "الإنجازات والمشهد الإستشرافي للفترة ( 2011 – 2016)" وتقول يرتبط مسار الاقتصاد القطري ارتباطا وثيقاً بالتطورات في قطاع الموارد الهيدروكربونية. وفي هذا التأكيد اتجاها لاستمرار حجم صادرات النفط والغاز خارج نطاق التخطيط الوطني.

وجدير بالذكر أن عدم قدرة ورغبة الدول المُصدرة للنفط على إخضاع تصدير النفط ونمط تخصيص عائداته, لاعتبارات التنمية هي من أهم أسباب استمرار الخلل الإنتاجي–الاقتصادي المزمن في المنطقة.

وبعد ذكر عدد من الاستثمارات القائمة والاتجاهات الجديدة مثل النقل الجوي والإعلام والصحة والتعليم, تتوقف الوثيقة مُعترفة بأن هذه الإنجازات القائمة والمُخطط لها " تُعاني من نقص في التكامل والمواءمة. و بالإضافة إلى ذلك فإن بعض هذه التدابير ما يزال حبراً على ورق وبعضها تأخر تنفيذه ".

وتضيف "في الوقت الذي ستستفيد فيه إستراتيجية التنمية الوطنية 2011 – 2016 من المبادرات القائمة، فمن واجبها أن توفر أيضاً الإطار الذي يُمكًن من سد الفجوات وتوفير التكامل الفعال والمواءمة بين مختلف القطاعات". ويمكننا القول هنا, أنه إذا كان ذلك من واجب الإستراتيجية، إذا, لماذا لم تقم به عند بدايتها بدل تركه رغبة مُعلقة في الهواء ؟.

وتقول الوثيقة " سيصل برنامج قطر الناجح للاستثمار الذي دام عشرين سنة إلى ذروته". وهذه مسألة تحتاج إلى توضيح وتوثيق فالمجلس الأعلى للاستثمار في قطر لا يتيح معرفة حجم الاستثمارات العامة ولا تركيبها ولا ينشر حسابات ختامية تُبين ذلك وترصد أداء الاستثمارات العامة وما يترتب عليها من ديون إن وجدت, حتى نتأكد من نجاح برنامج قطر للاستثمار خلال عشرين عام ونطمئن على مسيرته من أجل الاستمرار فيه، فهذا الاستمرار مُتضمن في الإشادة به مما يعني استمرار وضع برنامج الاستثمار على حالته وربما مواصلة الغموض بدل الشفافية حول حجمه وتركيبه و حول إدارته ونتائجه.

وتقول الوثيقة أيضاً "ويقدر أن يبلغ استثمار الحكومة المركزية (مخصصات الميزانية العامة للبنية الأساسية), 347 مليار ريال قطري وذلك خلال فترة الإستراتيجية ".
وجدير بالذكر أن ألإستراتيجية لا تتوقف عند تكاليف الصيانة الكبير لهذه البنية ألأساسية المبالغ فيها, والتي تقدر إضافة إلى تكاليف صيانة ما هو قائم من بنية أساسية, بحوالي 50مليار ريال قطري سنويا, وهذا حوالي ثلث الميزانية العامة.

وتذكر الوثيقة دون أن تكون متأكدة " كما يتوقع أن يظل المركز المالي للحكومة قوياً، وسيكون كافياً لدعم الاستثمارات الرأسمالية في المستقبل، وتغطية نفقات تنفيذ المبادرات التي تضمنتها إستراتيجية التنمية الوطنية"(19).

وتضيف الوثيقة قائلة "من المتوقع أن ينمو عدد سكان قطر بنسبة تبلغ 2.1% في السنة ويرتفع مجموع سكان قطر من 1.64 مليون نسمة في نهاية 2010 إلى أقل بقليل من 1.9 مليون نسمة عام 2016 "(20).

ومن منظور الإصلاح, هذا يعني عدم الاعتراف بالخلل السكاني وغياب توجهات إصلاحه. فالسكان سوف يزيدون بحوالي 260 ألف نسمة. وهنا لا يعني القائمين ذكر عدد المواطنين ولا نسبتهم في السكان ولا تأثير تلك الزيادة على تخفيض نسبة المواطنين من 12% إلى أقل من 10 % في الفترة المدروسة.

وتختتم الوثيقة قرأتها للمشهد العام بالتأكيد على أن جميع المؤشرات والافتراضات سوف تتوقف على حجم إنتاج النفط والغاز وعلى أسعارهما. وهنا تؤكد ألإستراتيجية أنها غير معنية بالسياسة النفطية التي تقع خارج نطاق التخطيط الوطني.

وتتطرق الوثيقة إلى تنظيم كأس العالم 2022 وارتفاع إنفاق الحكومة الاستثماري. وهذا القسم يبدو أنه إضافة إلى الإستراتيجية، حيث أن استضافة قطر لكأس العالم لم تتأكد إلا في مطلع 2011 بعد أن كانت الإستراتيجية قد أُعدت قبل ذلك. وهذا مؤشر على أن الإستراتيجية دراسة لواقع الحال، وما قد يطرأ عليه من قرارات حكومية أنية.

ونجد الوثيقة عند تناولها هدف " استدامة الازدهار الاقتصادي " تُحدد ثلاثة أهداف مترابطة للاقتصاد وهي:

*استدامة مستوى عالي من المعيشة .
*زيادة قدرة الابتكار وريادة الأعمال
*تحقيق المواءمة بين النتائج الاقتصادية والاستقرار الاقتصادي (21).

وهذه أهداف عامة غير مُحددة بزمن ولا تخص المواطنين وإنما السكان جميعهم, من وفد ومن سيستقدم ويوطن.

ويلاحظ على الوثيقة تأكيدها، عند حديثها عن " حفظ التراث والثقافة القطرية وتعزيزها "(22), على المحافظة على المكانة الموروثة للأسر العريقة, قائلة "على الرغم من التغير الاجتماعي والاقتصادي السريع الذي شهدته قطر خلال فترة قصيرة نسبياً فقد حافظ المجتمع القطري على جوهر ثقافته وإستمراريته مع الماضي ، التي تشمل التقيُد بالمبادئ الأساسية للإسلام ، وبقاء الوضع الاجتماعية الموروث والمُحافظ على المكانة الاجتماعية للأُسر العريقة، والمحافظة على وحدة الأُسرة باعتبارها نواة المجتمع"(23).

وعند حديث الوثيقة عن " الانتقال من الإستراتيجية إلى التنفيذ " نجدها تُحيل ذلك إلى توجيهات القيادة. وتقول " وسوف يتوقف التنفيذ الناجح أولاً وأخراً على طلب قيادة دولة قطر معلومات مُنتظمة عن التقدم والنتائج ، وسوف يعتمد أيضاً على تعميم الإستراتيجية عبر الحكومة بأسرها. وسوف تحتاج الوزارات والأجهزة الحكومية تبني ملكية الإستراتيجية في خططها التشغيلية وقبول المُسألة عن تنفيذها. وفي المركز سيلزم أن تؤثر الإستراتيجية في العمليات التي تؤثر على القرارات الحاسمة بشأن كيفية استخدام الموارد ..."(24).


ثالثا: الرؤية والإستراتيجية من منظور الاصلاح

عندما الحديث عن رؤية وطنية وإستراتيجية تنمية وطنية في قطر و أي من دول مجلس التعاون, تقفز للذهن قضية الإصلاح الذي تتطلبه أوضاع دول المنطقة. والأوضاع المطلوب إصلاحها بشكل جذري وعاجل هي أوجه الخلل المُزمنة التي سبق ذكرها. فهل اعترفت رؤية قطر وإستراتيجيتها بأوجه الخلل المزمنة هذه وهل قدمت معالجة لها؟.

من أجل معرفة ذلك نتناول فيما يلي أوجه الخلل المُزمنة هذه لنرى أولاً مدى اعتراف كل من رؤية وإستراتيجية قطر بوجودها، وثانيا مدى كفاية ما قدمتاه من توجهات وسياسات وخطط لمعالجتها, وصولاً لبدء عملية تنمية حميدة مُستدامة.

1-الخلل السكاني

الخلل السكاني المُزمن والمتفاقم في قطر والذي أدى إلى تدني نسبة المواطنين في أجمالي السكان من 44% عام 1970 إلى 12% فقط عام 2010، هو أخطر أوجه الخلل المُزمنة وأكبرها تحدياً وأكثرها إلحاحاً وأحقها بالأولية في الإصلاح الجذري.

إن إٍستمرار هذا الخلل السكاني يُهدد اليوم بإقتلاع المجتمع القطري وطمس هويته وثقافته وإخراج لغته العربية من التداول, وتقويض دور المواطنين باعتبار دور المواطنين في أي بلد مُعافى يجب أن يكون هو الدور الرئيسي في الدولة, كما يجب أن يكون المواطنون هم قيادات وكوادر الإدارة بشكل عام والإدارة العامة على وجه الخصوص.

و جدير بالذكر أن الخلل السكاني في قطر, على المستوى الأهلي والرسمي, كان قضية مُعترف بها منذ فترة طويلة, وإصلاحه كان شعاراً مطروحاً عبر نصف قرن من الزمن، حتى نبهتنا أخيرا, إستراتيجية التنمية في قطر على تغير جوهري في النظرة الرسمية تجاه قضية الخلل السكاني، وبالتالي تغير التوجه الرسمي تجاه إصلاحه، وإنما التسليم به وقبول إستمرار تدني نسبة المواطنين في إجمالي السكان وفي قوة العمل، بما يحمله ذلك من تقويض دورهم وتهديد مستقبلهم .

لقد أصبح الخلل السكاني في الرؤية والإستراتيجية أمراً مسكوتا عنه, إذا لم نقل مرغوباً فيه، والحديث أصبح يتركز على سكان قطر على الإطلاق دون ذكر حتى لعدد المواطنين ولا لنسبتهم في إجمالي السكان.

وكأني بهذا التوجه يدفع بأهل قطر أن يتحولوا من مواطنين لهم حقوق المواطنة إلى مُجرد فئة ضئيلة من سائر السكان, يجب عليهم أن يتنافسوا مع الوافدين على فرص العمل والتعليم والرعاية الاجتماعية، وأن يكون ذلك بلغة غير لغتهم العربية. ويكون وضع القطرين بذلك مثل وضع المالاويين في سنغافورا.

ولعل قانون الجنسية الجديد رقم(38) لعام 2005 المطعون في دستوريته, يمُهد لتحويل أغلب المواطنين إلى سكان لا يتمتعون بحقوق المواطنة، حيث حرم القانون حوالي ثلثي المواطنين وإلى ألابد من الحقوق السياسية لأنهم اكتسبوا المواطنة بالتجنيس وجعل وضعهم أقرب إلى وضع الإقامة الدائمة. كما عطلت المادة 150 من الدستور الحقوق السياسة ألموعودة لبقية المواطنين, على قلتها. هذا إضافة إلى تعطيل حق أللجو للقضاء في كل ما يتعلق بالجنسية بالنسبة للمواطنين بالتجنس والمواطنين بالسلالة, مما يعرض المواطنين جميعا لاحتمال سحب جنسياتهم دون وجود حق لهم في أللجوء للقضاء نتيجة لتحصين القرارات الإدارية المتعلقة بالجنسية ضد حق لجوء المواطن للقضاء من أجل الطعن فيها.

وحين نصف الوضع السكاني في قطر بالوضع المُختل وندعو إلى ضرورة إصلاحه بشكل عاجل، فإننا نتحدث عن وضع أصبح فيه عدد المواطنين يُقدر بحوالي 230 ألف نسمة فقط من عدد السكان البالغ 1.64 مليون نسمة عام 2010 (26) .

كما اعترفت الإستراتيجية أن إجمالي قوة العمل تصاعدت من 323 ألف عام 2001 إلى 1.265 مليون عام 2009، وبذلك تدنت نسبة مُساهمة المواطنون في قوة العمل من 14% عام 2001 إلى 6% فقط عام 2009 (27).

والسبب الرئيسي لتضاعف قوة العمل أربعة أضعاف وتدني نسبة مُساهمة المواطنين في قوة العمل إلى 6% فقط في الفترة بين 2001 – 2009. يعود بشكل رئيسي إلى السياسة الرسمية منذ 2004 المُتمثلة في التوسع العقاري وما نتج عنها من مشروعات عقارية ضخمة وما تتطلبه من بنية أساسية, بهدف بيع مساكن إستثمارية مقابل منح المُشترين إقامات دائمة بصرف النظر عن حاجة العمل إليهم.

وبذلك أصبحت مصادر استمرار الخلل السكاني المستقبلية, ليست الحاجة التقليدية للعمالة الوافدة فقط وإنما الخيار الرسمي الذي تجلى في سياسة التوسع العقاري وبناء المدن والأحياء الجديدة لغير حاجة المواطنين والوافدين للعمل، وإنما لاستقدام سكاناً آخرين جُدد (مستوطنين)يُشجعون على شراء المساكن الإستثمارية مقابل منحهم إقامات دائمة هم وأسرُهم بصرف النظر عن حصولهم على تأشيرة زيارة عمل مثل بقية الوافدين للعمل.

ولعل هذا الخيار وسياسة التوسع العقاري وما يتطلبه من بنية أساسية واجتماعية وثقافية وترفيهية على النمط الغربي تجذب المُشترين للعقارات الاستثمارية, في بلد يُعاني من خلل سكاني مُزمن وتراجع عدد ونسبة ودور المواطنين، هو الذي يُشير إلى أن الخلل السكاني في قطر لم يعد مُعترفاً به والسياسة الرسمية تعمل على تفاقمه، ويعمل الإعلام القطري على تجاهله والسكوت عنه, بل التعتيم عليه.

وجدير بالتأكيد إن الوضع السكاني المُختل لا يجوز له أن يستمر من منظور وطني، وليس له شبيهاً اليوم في أي دولة كبيرة أو صغيرة عدى شقيقتنا دولة الإمارات العربية المُتحدة .
فليس هناك شعب أو مجتمع يمكنه أن يستوعب عدد من الوافدين يفوق عدده, بل يصل إلى 8 أضعافه، وفي نفس الوقت يشجع نشاطات تؤدي إلى مزيداً من تدفق الوافدين حتى يقوض دوره ويطمُس هويته وثقافته ويـُغيِب لغته.

ولعل قراءتنا المرفقة لمنطوق الإستراتيجية ودلالته، توضح لنا توجهاتها بصدد الخلل السكاني، والتي لم يعد إصلاحه وإيقاف تفاقمه سياسة وطنية, وإنما زيادة السكان الوافدين من مختلف المصادر هي التوجه الرسمي .

ولذلك تصف الإستراتيجية زيادة السكان المحتملة من 1.64 مليون نسمة مع نهاية 2010 إلى 1.9 مليون نسمة عام 2016, والبالغة (260 ألف نسمة ) -زيادة يفوق عددها عدد المواطنين-، بالزيادة المتواضعة في عدد السكان(28).

وجدير بالذكر أن الإستراتيجية دائماً عندما تتحدث عن السكان لا تذكر عدد المواطنين أو تركيب الوافدين من حيث الجنسية والمهن ولا تتوقف عند مدى القدرة على استيعابهم ثقافيا، ولا تُنبئنا عن مصادر الزيادة في السكان الجدد البالغين 260 ألف نسمة : كم منهم مواطنين وكم منهم ناطقين باللغة العربية؟ وكم عدد أصحاب تأشيرات زيارة العمل ؟ وكم سيكون عدد أصحاب الإقامات الدائمة بسبب شرائهم أو انتفاعهم بالمساكن الاستثمارية, أو اعتبارهم من الفنين الذين يلزم الاحتفاظ بهم ومنحهم أقامات دائمة ؟! .

وتبرر الإستراتيجية توقعاتها لتزايد السكان برؤية قطر قائلة " تدعو ركيزات التنمية البشرية في رؤية قطر الوطنية 2030 إلى تنمية جميع سكان دولة قطر لتمكينهم من استدامة مجتمع مُزدهر لتلبية احتياجات هذا الجيل ودون الإضرار باحتياجات الأجيال القادمة"(29).

وتؤكد الإستراتيجية على " تنشئة سكان أصحاء، "وبناء المعرفة والمهارات "، "وبناء قوة عمل كُفئة وذات دافعية عالية للعمل"(30) .

وفي كل هذه لا تميُز إيجابياً لصالح المواطنين, بل إن الإستراتيجية تقول "وثمة سؤال مهم وهو : إلى أي مدى ينبغي تخفيض الفروقات بين الأجور فيما بين القطريين والوافدين وفيما بين العاملين في القطاع العام والخاص(31).

وتضيف "وسوف تراجع السياسات المتعلقة باستقدام العمالة ولوائحها، والكفالة وتراخيصها، وتحدُث حسب الحاجة كي يكون الطلب الإستراتيجي على العمالة الوافدة مُتسقاً مع المقصد المُتمثل في المزيج الأمثل من العمال الوافدين والاحتفاظ بهم" (31)

ويبدو أن ألإستراتيجية تنظر للعمالة الوافدة التي تبلغ 94% من إجمالي قوة العمل في قطر في الوقت الحاضر, بأنها ليست ضرورة مؤقتة يتم تدريجياً إحلال قوة العمل المواطنة محل قسم منها حيث أمكن ، ولذلك تؤكد على أهمية الإحتفاظ بها في أكثر من موضع .

وبدل أن نجد الإستراتيجية –كما يجب- معنية بتجميد عدد الوافدين ومن ثم تخفيضه تدريجيا. وذلك لزيادة نسبة المواطنين في السكان وفي قوة العمل بواحد في المائة سنوياً مثلاً, حتى تصل نسبة المواطنين في نهاية فترة الرؤية عام 2030 إلى حوالي 50% من السكان ، نجد الإستراتيجية تُبشرنا بزيادات أعظم في العمالة الوافدة, إذا أستمر تدني الأجور في القطاع الخاص.

فتقول الإستراتيجية " ربما ينجُم عن السياسات التي تُسرع الإنتقال إلى أنشطة ذات قيمة مُضاعفة عالية وتعتمد على كثافة رأس المال والمعرفة, زيادة مجموع السكان ليصل إلى حدود 2.2 – 2.8 مليون نسمة بحلول 2030 " (32). ويجب أن يلاحظ أن الزيادة المنتظرة هنا تتراوح بين ستمائة ألف ومليون وأربع مائة ألف نسمه.

وتستدرك الإستراتيجية مؤكدة -نتيجة لكون حجم وتركيب السكان لا يعنيها- " ولكن إذا أستمر تدني الأجور في القطاع الخاص، فمن شأن ذلك أن يُرسخ الإنحياز إلى تقانات كثيفة العمالة، وأن يدفع نحو إتجاه يفضي في المستقبل إلى عدد سكان أكبر لكن أقل مهارة "(32) .

وفي كل الأحوال فإن عدم يقين الإستراتيجية يتعدى أسلوب الإنتاج إلى القرارات السياسية المُفاجئة وتقول "وإن توقيت وحجم الأنشطة المُرتبطة بالتحضيرات لكأس العالم 2022 سيضيف عنصراً أخر من عدم اليقين حول تنبؤات عدد السكان في المستقبل"(32).

ومما يستحق الوقوف عنده والنظر فيه هو عدم وجود عدد مُحدد لسكان قطر عند نهاية فترة رؤية قطر الوطنية 2030، فعدد السكان مفتوح للزيادة دون سقف وتركيبهم متروك من حيث الجنسية واللغة والثقافة, ومفتوح لكل المؤثرات والتوجهات العشوائية. وهذه حالة غير مسئولة وشاذة بين دول العالم, فأول المعطيات ألتي تؤسس خطط التنمية عليها -في العادة- في آي دولة هي عدد السكان المستهدف وتركيبهم, بما يحقق مصالح المواطنين ويصون أمن المجتمع.

ولذلك نجد تقديرات سكان قطر في المستقبل, تتغير من جهة حكومية إلى أخرى حيث يحكم كل تقدير منها توجهات القائمين على تلك الجهة الحكومية. فعلى سبيل المثال عند حديث الإستراتيجية عن "مترو الدوحة"، نجدها غير مُتفقة مع تقديرات شبكة مترو الدوحة. ولذلك تقول " بيد أن حجم المشروع ومداه يعتمدان على إسقاطات غير واقعية لعدد السكان ولزيادة حركة المُسافرين"(33).

وهذا يؤكد عدم وجود حجم سكاني مُحدد في رؤية قطر وإستراتيجيتها, ولذلك نجد أن هناك إسقاطات وسيناريوهات لحجم السكان لدى جهات حكومية هامة ومؤثرة مثل شركة الديار، الشركة الحكومية العقارية الكبرى والذراع الاستثماري في المجال العقاري بما فيه المدن الاستثمارية، تختلف كثيراً عن تقديرات وإسقاطات الهيئة العامة للتخطيط التنموي, المسئولة عن الإستراتيجية السكانية والتي وضعت إستراتيجية التنمية الوطنية.

وجديرً بالذكر أن حكومة قطر في منتصف عام 2011 وبالرغم من تحذيرات الإستراتيجية, أنشأت شركة الريل ( القطار والمترو ) لتنفيذ الخطة( بتكلفة 27 مليار دولار) التي اعترضت على تقديراتها وإسقاطات السكان فيها الهيئة العامة للتخطيط التنموي.

2-الخلل السياسي

يتمثل الخلل السياسي في غياب الديمقراطية وانعدام المُشاركة السياسية الشعبية الفعالة في تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة. هذا بالرغم من نص النظام الأساس المؤقت منذ عام 1970، على أن نظام الحكم في قطر ديمقراطي. وكذلك ما نص عليه الدستور الدائم لعام 2004، مِن أن الشعب مصدر السُلطات وما أكده من فصل بين السُلطات .

ولكن واقع الحال يؤكد استمرار الحُكم المُطلق، قبل صدور الدستور الدائم وبعده ، كما بينته قرءاه حديثة لي حول " حالة الديمقراطية في قطر"(1) حيث وجدنا أن نظام الحُكم في قطر لم ينتقل بعد إلى الديمقراطية وليس من الممكن أن ينتقل إليها طالما استمرت بقية مواد الدستور الدائم تُعطل ما ورد فيه، من كون نظام الحُكم في قطر ديمقراطي وأن الشعب مصدر السُلطات. هذا إلى جانب المادة 150 التي عطلت " السلطة التشريعية " إلى حين إجراء انتخابات مجلس الشورى الموعود, الذي مَر على موعد انتخاباته أكثر من ثمان سنوات حتى الآن.

وفي ضوء غياب الديمقراطية وانعدام المُشاركة السياسية الفعَالة، كان ينتظر من رؤية قطر وإستراتيجيتها أن تضع التنمية السياسية وضرورة الإنتقال إلى نظام حُكم ديمقراطي موعود, من بين أولوياتها وأن تُقدم تصوراً وخطة إصلاح سياسي طال انتظاره.

ولكن عند قراءتنا لرؤية قطر الوطنية 2030، نجدها تُهمل الإصلاح السياسي وتسكُت عن التنمية السياسية والتنمية الثقافية عند حديثها عن ركائز الرؤية، حيث تُعدد أوجه التنمية المطلوبة وتحصرها في " التنمية البشرية " و " التنمية الاجتماعية " و " التنمية الإقتصادية " و " التنمية البيئية " دون ذكر التنمية السياسية والتنمية الثقافية ، باعتبارهما ركيزتين رئيسيتين من ركائز الرؤية.

وبالرغم من أن الرؤية تؤكد في مطلعها على أن " دولة قطر تقف على مُفترق طرق " وتُشير إلى إختيار " قطر الطريق الأمثل الذي يتماشىَ مع رغبات قيادتها وتطلعات شعبها "(34), إلا أنها لا تعتبر التنمية السياسية والتنمية الثقافية من ضرورات الطريق ألأمثل ولا تعترف بتطلعات شعب قطر السياسية والقفافية.

وعند قرأتنا لإستراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر 2011 – 2016 ، نجدها أيضا – بطبيعة الحال – تحصُر ركائز التنمية في أربع ركائز سبق ذكرها في الرؤية ، ولا تتوقف عند التنمية السياسية والتنمية والثقافية .

بل نجد الإستراتيجية عند حديثها عن " حفظ التُراث والثقافة القطرية وتعزيزهُما " تتوقف عند هدف لافت للنظر.

تقول الإستراتيجية " على الرغم من التغير الإجتماعي والإقتصادي الذي شهدته قطر خلال فترة قصيرة نسبياً فقد حافظ المجتمع القطري على جوهر ثقافته وإستمراريته مع الماضي، التي تشمل التقيُد بالمبادئ الأساسية للإسلام، وبقَاء الوضع الاجتماعي الموروث والمحافظة على المكانة الاجتماعية للأُسر العريقة، والمحافظة على وحدة الأُسرة باعتبارها نواة المُجتمع ، وإن ثمة تحدياً سياسياً ومُستمراً يتمثل في المحافظة على التوازن المُناسب بين الحياة الحديثة وقيم البلاد الثقافية والتقليدية" (35).

وإذا كان هدف التقيُد بالمبادئ الأساسية للإسلام هدف مُتفق عليه ويحظىَ بأهمية لدى المُجتمع القطري، فإن بقاء الوضع الإجتماعي الموروث والمحافظة على المكانة الاجتماعية للأسر العريقة هدف يكتنفه الغموض, ورُبما يتعارض مع مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية التي يرتكز عليها نظام الحُكم الديمقراطي. بل إنه قد يتعارض مع المبادئ ألأساسية للإسلام وعهود حقوق ألإنسان, ودستور قطر الدائم لعام 2004, عندما يصاحب بقاء الوضع ألاجتماعي الموروث رواتب ومخصصات من المال العام ومكانة وجوازات سفر خاصة وأفضلية ظاهرة في تولي المناصب العامة.

وإذا أخذنا المادة (34) في دستور قطر لعام 2004 " المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة " مأخذ الجَد, فإن الإستراتيجية الوطنية كان عليها إصلاح العلاقة بين أهل السُلطة والنفوذ الموروث والمُجتمع, على قاعدة العدل والمساواة والديمقراطية.

ومما يؤسَف لهُ حقاً في سياق قرأتنا لرؤية قطر وإستراتيجيتها من منظور الإصلاح، هو السكوت المُطلق عن الإصلاح السياسي وغياب أي اهتمام تجاه الانتقال إلى نظام حُكم ديمقراطي أو ذكر للتنمية السياسية، حتى إننا لم نجد كلمة الديمقراطية أو المواطنة أو ألانتخابات, ضمن عشرات آلاف الكلمات التي حفِل بها نص الرؤية والإستراتيجية.

3- الخلل الإنتاجي-الاقتصادي

الخلل الإنتاجي–الاقتصادي في قطر وبقية دول مجلس التعاون، يمُثل خللاً رئيسياً مُزمناً. ويتجلىَ هذا الخلل المُزمن في المظاهر الرئيسية التالية:

أولا: الخلل الإنتاجي

ويتمثل في الاعتماد المُطلق والمُتزايد على ريع صادرات ثروة طبيعية ناضبة هي النفط الخام (الزيت والغاز الطبيعي المسال LNG ). فمصدر كافة أوجه الدخل الرئيسية هو الريع الاقتصادي الناتج من ارتفاع سعر النفط, عشرات المرات بالنسبة لتكاليف إنتاجه. وهو خلل يتجلى في الناتج المحلي ألإجمالي وسائر الحسابات القومية الأخرى, لآن مصدر دخلها هو ريع ثروة طبيعية ناضبة وليس إنتاجية ألإفراد والمؤسسات كما هو الحال في ألاقتصاديات الإنتاجية.

ونتيجة لعدم رغبة وربما عدم قُدرة كل من دول المنطقة مُنفردة على تبني سياسة نفطية وطنية تخضع بموجبها صادرات النفط لاعتبارات التنمية، فقد تم تلبيتها للطلب العالمي على النفط بشكل أعمى دون أدنى اعتبار للقدرة الاستيعابية أو الطبيعة الناضبة للثروة النفطية.

وبذلك تزايد الاعتماد على ريع النفط منذ عقود. وأصبح ريع النفط هو مصدر إيرادات الميزانية العامة والاستثمارات العامة(ألاحتياطي العام) وسائر الحسابات القومية.

ومن هنا اكتسبت قطر وبقية دول المنطقة بامتياز صفة الدولة الريعية، وأصبحت تُعاني من خلل إنتاجي مُزمن لا يصلح أمره إلا بإخضاع صادرات النفط الخام ( الزيت والغاز الطبيعي المسال ) لاعتبارات التنمية الحميدة, وربط تصديرهما بنمو القدرة الاستيعابية المُنتجة لاقتصاد البلد المُصدر من أجل بناء قاعدة اقتصادية تكون بديلة للاعتماد على صادرات النفط الخام تدريجياً.

وهذا الخلل ألإنتاجي وبقية أوجه الخلل المزمنة هو ما جعلنا مُنذ عقدين نصف نمط التنمية النفطية بـ" تنمية الضياع "(3). وذلك نتيجة لاستنزافها الموارد النفطية الناضبة وكافة الموارد الطبيعية دون بناء قاعدة اقتصادية بديلة, ونتيجة لاقتلاعها جذور المُجتمع الوطني وطمسٌ هويته مع الأسف بسبب استمرار الخلل السكاني وتفاقم أبعاده الخطرة. وهذا النمط من " تنمية الضياع " تكٌرس –مع ألأسف- في المنطقة بدل أن يتم الالتفات إلى خطورته والعمل على تغيير المسار.

ثانيا: الاختلالات الاقتصادية المُصاحبة للاعتماد على ريع النفط وبقاء النُظم السياسية دون مراقبة ومحاسبة شعبية. وأهم هذه الاختلالات وأخطرها:

الخلط بين المال العام والمال الخاص، وغياب الشفافية تجاهه لدرجة اعتبار الميزانية العامة والاحتياطي العام سرا على المواطنين. الأمر الذي أدى إلى الكثير من التسرب و الهدر وسوء تخصيص عائدات النفط، كما أدى إلى تخلُف سياسات إعادة تدويرها داخلياً وخارجياً. فباستثناء الكويت مُنذ صدور دستور 1962، لا تنشُر قطر ولا بقية دول المنطقة حسابات ختامية للميزانية العامة ولا حسابات مُدققة للاحتياطي العام ولا تنشُر تقارير ديوان المحاسبة إن وجدت.

وفي دراسة حديثة لي, لاحظت من بيانات معهد المالية الدولية IIF التابع لصندوق النقد الدولي أن نسب التسرُب من عائدات النفط – المبالغ التي لم تدخل الميزانيات العامة- بلغت 50% من إجمالي عائدات النفط في قطر، وناهزت الربع في بقية دول مجلس التعاون باستثناء الكويت(36). وإلى جانب هذا التسرُب نجد نسبة قد تصل إلى 50% من الميزانيات العامة التقديرية في دول المنطقة باستثناء الكويت، قد تم إنفاقها على مخصصات وعطايا وهبات دون وجود جدوى عامة تبرر تخصيصها لأوجه الصرف هذه.

وإذا أمعنا النظر في حوالي الربع الباقي من عائدات النفط الذي يُمكن أن يُطلق عليه نفقات عامة نجد أن مُعظمها ذهب إلى دعم الاستهلاك وإخفاء فشل نمط التنمية, ولم يُستفاد من معظمه في تكوين نشاطات إنتاجية وإطلاق طاقات المواطنين من أجل بدء عملية تنمية مستدامة.

ثالثا: الخلل في قوة العمل: والذي سبق الحديث عنه، حيث تدنت بسبب التوجهات ألاستهلاكية نسبة مُساهمة المواطنين في إجمالي قوة العمل في قطر إلى 6% فقط ، قسم كبير منها يتصف توظيفه بالبطالة المُقنعة، لتغطية فشل الدولة في إيجاد وظائف مُنتجة وإعداد المواطنين لشغلها.


إن الحديث عن التنمية دون إصلاح إنتاجي-اقتصادي يسبقها, هو إقرار لنمط " تنمية الضياع " وتكريسٌ له حتى يبلُغ نتائجه المُدمرة عندما ينضب النفط دون بناء قاعدة اقتصادية بديلة، وعندما تتحول الثروة النفطية العامة إلى ثروات خاصة, يرثها ألأبناء عن ألإباء, ويتحقق - والعياذُ بالله – اقتلاع جذور المجتمع نتيجة للاعتماد على الوافدين بشكل إستراتيجي يؤدي إلى إلغاء فرصة عودة المُجتمع القطري لمُمارسة دورهِ باعتباره التيار الرئيسي في الدولة.

فهل اعترفت رؤية قطر وإستراتيجيتها بالخلل الإنتاجي – الاقتصادي؟. وهل قدمت الحلول لمُعالجة مظاهره عبر عملية إصلاح جذري يمُهد لبدء عملية تنمية حميدة بدلاً من نمط " تنمية الضياع" الراهَن ؟.

تذكُر رؤية قطر تحديات مستقبلية تتمثل في الموازنة بين الخيارات المُتاحة. وتذكُر منها في المجال الاقتصادي ما يلي :- (37)

احتياجات الجيل الحالي واحتياجات الأجيال القادمة .
النمو المُستهدف والتوسع غير المُنضبط .
مسار التنمية وحجم ونوعية العمالة الوافدة المُستهدفة.
التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحماية البيئة وتنميتها.

ولكن الرؤية لا تذكُر التوجهات الواجب أخذٌها عند تحديد الخيارات كما سبقت ألإشارة، حيث لا تتوقف رؤية قطر عند الخلل الإنتاجي–الاقتصادي ولا تعترف بمظاهرهُ السابق ذِكرها، وإنما تبدأ الحديث عن التنمية الاقتصادية بشكل يوحي ضمنياً بمواصلة نمط التنمية الراهن" دون التوقف عند ضرورة إصلاح أوجه الخل الإنتاجي–الاقتصادي .

وتخلُص الرؤية إلى أن الغايات المُستهدفة " للتنمية الاقتصادية " هي : (38)

الإدارة الاقتصادية السليمة: الاستقلال المسئول للنفط والغاز: التنويع الاقتصادي المُناسب.

ومن قراءة عناصر هذه الغايات يبدو أن الرؤية لم تُقدم حلولاً ولم تحمل توجهات, وإنما ذكرت غايات عامة يُفترض أن نجد لها تفصيلاً في إستراتيجية قطر يُفيد إصلاح الخلل الإنتاجي–الاقتصادي ومُعالجة مظاهرهُ السابق ذِكرُها, فهل نجد؟.

تبدأ إستراتيجية التنمية الوطنية 2011 – 2016 ص2 ، التأكيد بأن قطر أقامت " أساساً متيناً يُمكنها من تنفيذ إستراتيجية التنمية الوطنية " .

وتُضيف الإستراتيجية قائلة " يرتبط مسار الاقتصاد القطري إرتباطاً وثيقاً بالتطورات في قطاع الموارد الهيدروكربونية. فالصناعات الهيدروكربونية ما زالت تُهيمن على الساحة الاقتصادية، ولكن دولة قطر تتوسع في مجالات جديدة " (39).

وتذكُر الإستراتيجية هنا الصناعات البتروكيماوية والمعدنية وتُشير إلى "تثبيت موطئ قدم أيضاً في مجالات جديدة بما فيها النقل الجوي والخدمات الإعلامية"(40).

وتُشير إلى أن " واحة العلوم والتكنولوجيا تضُم أكثر من 30 مشروعاً" (أجنبياً ) "لتلبية اقتصاد أكبر حجماً وأكثر تعقيداً " (40) .

وتُقر الإستراتيجية بأثر تغيرات أسعار النفط على المشهد الإستشرافي. وتقول " إن التنبؤ بالمستقبل عملية تكتنفُها الخطورة دائماً "(41). وبذلك تُفصح الإستراتيجية أن مُهمتها ليست إعادة صياغة المُستقبل وإنما التنبؤ به!.


وتُلخص الإستراتيجية(ص24) إستجابتها لرؤية قطر حول تعزيز الإزدهام المُستدام كما يلي:

ومن قراءة إحصاءات أوردتها الإستراتيجية, نجد فقط ذكرا لإجمالي إيرادات الحكومة والنفقات الحكومية في الشكل 2–4. ولكننا لا نجد إحصاءات لإجمالي عائدات النفط والغاز حتى نتأكد من توريد كافة عائدات النفط للميزانية العامة.

كما إننا لا نجد تفصيلاً قطاعياً للإيرادات والنفقات الحكومية العامة كي نعرف حجم المخصصات والعطايا والهبات وأمثالها من نفقات الميزانية العامة, كما لا نجد إحصاءات حول إجمالي الاحتياطي العام ولا لأوجه إستثماره ولا أرباحه السنوية، وكذلك لا نجد ذكراً لعدد المواطنين ونسبتهم في عدد السكان. فهذه مجالات مسكوت عنها وتُعتبر سراً من أسرار الدولة, لا يحق للمواطنين معرفته .

4-الخلل الأمنــي

يتمثل الخلل الأمني في عدم قدرة دول المنطقة على الدفاع عن نفسها واضطرارها للتحالف مع قوى أجنبية وإرتباطها بمُعاهدات تُجيز إقامة قواعد عسكرية ووجود قوات أجنبية على أراضيها.

وقد كان هذا هو الحال في أغلب الدول الأعضاء في مجلس التعاون أيام الحماية البريطانية وبعد الاستقلال, عدا قطر. وقد تكرس ذلك بعد حرب الخليج الثانية عام1991 وأصبح عاماً وشاملاً مُنذ غزو العراق في عام 2003، حيث شاركت تلك القواعد والقوات العسكرية ألأجنبية في الحرب على العراق واحتلاله دون قُدرة دول المنطقة -حتى وإن رغبت- الوقوف على الحياد وعدم المُشاركة في المجهود الحربي, لاعتبارات الجوار وروابط الأخوة والمصالح بعيدة المدى لشعوبها.

وهذا الخلل الأمني الذي ألزم دول المنطقة بمُعاداة الدول التي يعاديها من يمُلك القواعد على أرضيها, وتحمُل وزر الصراعات العسكرية ومخاطر المخزون من أسلحة الدمار الشامل و الحروب الشرسة التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل, وتعريض شعوبها واقتصادها وعلاقات حُسن الجوار للخطر, لمصلح دول أجنبية كبرى لا تستطيع التأثير على قرارات الحرب فيها.

وإذا كان من الصعوبة بمكان أن توفر كل من دول المنطقة مُتطلبات الأمن الوطني مُنفردة، فإن الحل الوحيد يتمثل في تجسيد كيان إتحادي بين منظومة دول مجلس التعاون يتوفر له الحد الأدنى من القدرة على بناء منظومة دفاعية، وإقامة علاقات خارجية متوازنة, كما تتوفر له شروط التنمية الحميدة المُستدامة.

فهل تعرضت رؤية قطر وإستراتيجيتها إلى هذا الخلل الأمني وإلى أي حد بدت التطلعُات لمُعالجة هذا الخلل المُزمن من خلال إندماج أقطار مجلس التعاون في كيان موحد يوفر مُتطلبات الأمن وشروط بدء عملية التنمية المُستدامة .

تسكُت رؤية قطر عن الخلل الأمني ولا تتوقف عند إشكالية وجود قواعد عسكرية وقوات أجنبية على أرض قطر. فلا نجد الخلل الأمني بين التحديات ولا نجد إشارة لأهمية توفير مُتطلبات الأمن الإقليمي الذاتي .

ولذلك نجد إستراتيجية التنمية الوطنية 2011-2016 تسكُت أيضا و بشكل مُطبق عن هذا التحدي ولا تتناول أي جانب من جوانب الدفاع, ولا ضرورات العمل الإقليمي والوصول بالتعاون بين أقطار مجلس التعاون إلى وحدة دولها كما تنص المادة الرابعة من النظام ألأساسي للمجلس، وذلك باعتبار اندماج دول مجلس التعاون في كيان سياسي موحد مثل إتحاد ماليزيا على سبيل المثال, هو المدخل الإستراتيجي لتوفير مُتطلبات الأمن الإقليمي والتنمية الحميدة المُستدامة.

خاتمة

يتبين من تحليلنا لرؤية قطر الوطنية 2030 وإستراتيجية التنمية الوطنية 2011-2016 من منظور ألإصلاح, أن هدف هاتين الوثيقتين هو بقاء الوضع الراهن على ما هووه عليه دون إصلاح لأوجه الخلل المزمنة والطارئة, ودون أفق انتقال إلى نظام حكم ديمقراطي. وهذا ما سبق وان بينته أيضا قرأتنا لحالة الديمقراطية في قطر وتحليلنا لمواد دستور قطر الدائم لعام 2004 من منظور الدستور الديمقراطي.

فرؤية قطر وإستراتيجيتها لا تقدمان رؤية تغير وإصلاح تعيد للمجتمع القطري دوره باعتباره التيار الرئيسي المعتمد عليه في الدولة, ولا تتوقفان عند ضرورة صيانة هويته العربية-الإسلامية والمحافظة على لغته العربية.

فالرؤية والإستراتيجية تسكتان عن أوجه الخلل المزمنة -الخلل السكاني والخلل ألإنتاجي والهدر الاقتصادي والخلل الأمني والخلل السياسي وغياب الديمقراطية- ولا تتوقفان عند أوجه الخلل ألقطاعية في التعليم والصحة والبيئة والقضاء والتشريع والإدارة العامة, ولا تؤكدان على صيانة المال العام والتوظيف الكامل لطاقات المواطنين وتوليهم القيادة في الدولة والمجتمع باعتبارهم الكوادر الرئيسية.

وإذا كان هذا هو الحال مع رؤية قطر وإستراتيجيتها كما حو حال الديمقراطية في قطر وقصور الدستور الدائم عن تحقيق ألانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي, فإن ذلك يجب ألا يحبطنا ولا يصادر مستقبلنا بالرغم من مرارة الحاضر, وإنما على المواطنين بقدر المستطاع التأثير على المستقبل. فالمستقبل آت وأسوء خيار وطني هو عدم محاولة المشاركة في صنع المستقبل أو التأثير على مساره على الأقل.

والنظر للمستقبل ومحاولة التأثير على مساره بشكل واقعي, يوجب علينا القول أن وجود دستور وروية وإستراتجية في قطر تمثل خطوات مطلوبة إذا وضعت تلك الخطوات على طريق بناء الدولة الديمقراطية. وعلينا أن نتفاعل مع تلك الخطوات بالرأي والحجة من منطلق المصلحة العامة والحرص على الانتقال بالدستور والرؤية والإستراتيجية من مجر أدوات مشروع يكرس نظام حكم قائم, إلى مقومات مشروع بناء دولة ديمقراطية يشارك في تحديد خياراتها وقراراتها العامة كافة مواطنيها.

فوجود هذه الوثائق العامة يفتح للقطرين المجال لمناقشة الحكومة ولفت نظرها إلى المسكوت عنه. كما يتيح الفرصة لدعوة الحكومة لإجراء حوار وطني من أجل استكمال هذه الوثائق وتنقيحها بما يحقق انتقال قطر إلى نظام حكم ديمقراطي و مشاركة سياسية فعالة وبدءا عملية تنمية حميدة مستدامة.

ومن خلال الممارسة الديمقراطية المنشودة إذا تحققت إنشاء الله, سوف يشارك شعب قطر بفاعلية مع القيادة في إعادة صياغة رؤية قطر الوطنية 2030 و يتحمل عبئ وضع وتنفيذ إستراتيجية دولة قطر للتنمية الوطنية من خلال كوادر قطرية, مبتدءا بتحديد أوجه الخلل المزمنة والطارئة وتقديم البرامج لإصلاحها من أجل تحيق ألأمن والنماء.
ويبقى لي في الختام أن أكد أن كسب ألمستقبل يتطلب بالضرورة استجابة كريمة من الحكومة وسماع القيادة للرأي ألأخر و تكريس حرية التعبير والقبول بحوار وطني جاد حول دستور قطر ورؤيتها وإستراتيجيتها.

كما يتطلب اهتماما من الشعب, وحضورا فاعلا من الشباب, ومسئولية وجدية وصدق أصحاب الرأي وأهل المكانة مع متخذي القرار. فمصير قطر وأهلها في الميزان والزمن ليس في صالحهم. فليس من الممكن بقاء الحال على ما هو عليه فما يدرك اليوم قد لا يتاح غدا.

**هذا البحث نشر في ألأصل تحت عنوان "رؤى واستراتيجيات دول مجلس التعاون من منظور الإصلاح: حالة قطر", في مجلة المستقبل العربي العدد 393 نوفمبر 2011, كما تمت ترجمته للانجليزية ونشر في دورية Contemporary Arab Affairs في المجلد 5 يناير-مارس 2012.
*الدوحه 11 أيار/مايو 2012

الملاحظات والمراجع

1- علي خليفه الكواري,حالة الديمقراطية في قطر في: علي خليفه الكواري, العين بصيرة..., منتدى المعرف, بيروت 2011 ص 139-171
2- علي خليفه الكواري, نحو إصلاح جذري, دار قرطاس للنشر, الكويت 2004 ص 297-244.
3- علي خليفه الكواري, تنمية للضياع أم ضياع لفرص التنمية, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت 1996.
4- الأمانة العامة للتخطيط التنموي, رؤية قطر الوطنية 2030, تموز/يوليو 2008, ص (1) وسوف يشار لها فيما بعد بالرؤية.
5- ألرؤية ص (2)
6- ألرؤية ص (3)
7- ألرؤية ص (7)
8- ألرؤية ص (7)
9-ألرؤية ص (8)
10-ألرؤية ص (10)
11-ألرؤية ص (11)
12- ألرؤية ص (8).
13- ألرؤية ص (2).
14- ألأمانة العامة للتخطيط التنموي,إستراتيجيةالتنمية الوطنية لدولة قطر 2011-2016, الدوحه أذار/مارس 2011. ص(5).وسوف يشار إليها فيما بعد بألإستراتيجية.
15- ألامانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط , "الإستراتيجية العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بدولة قطر" الدوحه 1995, ص-5-9
16-
http://dr-alkuwari.net/sites/akak/files/qatardevelopmentstrategy.pdf
17- الإستراتيجية ص (3)
18- عيسى شاهين الغانم, إستراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر 2011-2016 -مراجعة نقدية,
http://arabsfordemocracy.org/component/k2/item/1051-2011-2016
19- الإستراتيجية ص (5).
20- الإستراتيجية ص (6).
21- الإستراتيجية ص (6).
22- الإستراتيجية ص (19).
23- الإستراتيجية ص (19).
24- الإستراتيجية ص (23)
25- علي خليفه الكواري, نحو إستراتيجية بديلة للتنمية الشاملة, مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت 1985. ص 49-113
26- الإستراتيجية ص (5).
27- الإستراتيجية ص (143)
28- الإستراتيجية ص (5)
29- الإستراتيجية ص (12)
30- الإستراتيجية ص (12-13)
31- الإستراتيجية ص (15).
32- الإستراتيجية ص (50-51)
33- الإستراتيجية ص (82)
34- ألرؤية ص (1)
35- الإستراتيجية ص (29)
36- علي خليفه الكواري, الطفرة النفطية الثالثة, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت 2009. ص(84)
37- ألرؤية ص (3)
38- - ألرؤية ص (22)
39- الإستراتيجية ص (2)
40- الإستراتيجية ص (4)
41- الإستراتيجية ص (5)

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

هذا المحتوى مطبوع من موقع الجماعة العربية للديمقراطية

Copyright © 2021 Arabsfordemocracy. All rights reserved