You are here:الرئيسية>مفاهيم>مفاهيم - الجماعة العربية للديمقراطية

التربية على السلام بأبعاد كونية

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 4433 مرة
الكاتب  علي أسعد وطفة

ملخص المقالة:

تقدم الدراسة الحالية رؤية موجزة لتطور مفهوم التربية على السلام خلال القرن العشرين ولاسيما فيما يتعلق باعتماد مضامين هذه المفهوم وتطبيقه في العملية التربوية. كما تحاول تسليط الضوء على أصل المفهوم وتطبيقاته التربوية ولاسيما في نسق المؤسسات الدولية والعالمية.

تبدأ المقالة بتقديم فكرة عن ولادة التربية على السلام كمنحى تربوي عالمي التوجه فيما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. وتبين المقالة إن تطور التربية على السلام يعاني من غموض المفهوم وتعقيده ولاسيما فيما يتعلق بأبعاده وغاياته ومجالاته وأولياته. وهذا التعقيد ناجم عن تطور المفهوم عبر مراحل تاريخية متتابعة تتميز كل منها بخصوصيتها وسماتها وعواملها وأولوياتها ونظرتها إلى مفهوم السلام ذاته وإلى التربية بغاياتها وأهدافها.

الدراسة:

شكلت الفترة التاريخية ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية مرحلة هامة من مراحل تطور حركة التربية على السلام في مستوى المفهوم وفي مستوى الممارسة، ويشار إلى هذه الفترة بوصفها المهاد الأساسي لولادة مفهوم التربية على السلام بأبعاد كونية، كما شهدت هذه المرحلة البدايات الأولى لتشكل النظريات التربوية حول التربية على السلام والتسامح وحقوق الإنسان. وقد أفرزت هذه المرحلة أيضا نسقا من الإشكاليات التربوية المستجدة التي تتعلق بأهمية تحقيق التوازن التربوي في تربية السلام ما بين أولوية القيم الوطنية المحلية وأولوية القيم العالمية على المستوى العالمي، وتجلت هذه الإشكالية في تحديد طبيعة المناهج التربوية التي يجب أن تعتمد وتوظف في مختلف مستويات التعليم من أجل التربية على السلام وتأصيل قيمه.

لقد ساهمت عصبة الأمم ، التي أُسست في فرساي عام 1920 ، في عملية تأصيل وتعزيز التربية على السلام بعهودها وعقودها الدولية القائمة على مبدأ التوافق بين الدول والتعاون فيما بينها. ولكن هذا التوافق بين الأمم والدول لم يؤت أُكْلَه بسبب رفض بعض الدول التدخل في شؤونها التربوية، حيث اعتبر القطاع التربوي امتيازا وطنيا يجب أن ينأى عن أي تدخل دولي مهما كان شأنه. ولذلك فإن الدول الأعضاء المعنية بالتربية على السلام تصرفت بدرجة كبيرة من الحذر والتحفظ في هذا الشأن فاقتصرت الجهود على عملية تطوير التعليم وفقا لمبادئ عصبة الأمم والتعاون الدولي.

ولم تقف جهود التربية على السلام عند حدود العلاقات الدولية، بل تجاوزتها إلى المنظمات والمؤسسات الدولية غير الحكومية، التي عُنيت وما زالت تُعنى بالشأن العالمي للسلام والتعاون بين الأمم، وقد فرض هذا الأمر على الدول الأعضاء في عصبة الأمم أن تقوم بالتنسيق بين الرأي العام العالمي و المنظمات الدولية غير الحكومية، وبين الحكومات التي توجّب عليها تحقيق طموحات هذه المنظمات وتطلعاتها في مجال العمل التربوي السلمي. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الحكومات الغيورة على امتيازاتها لم تسمح في حقيقة الأمر لهذا النشاط في مجال التربية على السلام أن يتجاوز حدود التوصيات والممارسات الشكلية العابرة. ورغم ذلك كله فإن عصبة الأمم قد لعبت دورا كبيرا في التأسيس لحركة عالمية حقيقية وهامة في مجال الدعوة إلى التربية على السلام بين الأمم والشعوب، وقد اتخذت هذه الجهود صورة تعاون وثيق بين الحكومات وبين المؤسسات الدولية غير الحكومية وبين المؤسسات الحكومية.

ومما لا شك في أن جهود عصبة الأمم في مجال التربية على السلام قد شكلت المقدمات الأساسية لنشاط اليونيسكو في هذا الميدان نفسه، فاعتمدت اليونيسكو منهجيات في العمل مجانسة لهذه التي اعتمدتها عصبة الأمم في المراحل السابقة، ومنها الاستقصاء الذي أجرته بالتعاون مع المنظمات الدولية غير الحكومية من أجل بناء توصيات فعالة للتربية على السلام وقد أسهمت هذه التوصيات في تشكيل الأصول المعيارية للتربية على السلام وبناء فعاليات تربوية فعّالة لإدماج قيم ومبادئ التربوي على السلام.

تطور مفهوم التربية على السلام.

شهد مفهوم التربية على السلام تناميا كبيرا في مناهجه وتوظيفاته ومجالات استخدامه، وبدأ هذه التطور مع ولادة الحركة العالمية للتربية على السلام ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. وقد تركزت الجهود في البداية على فكرة التعاون الدولي من أجل تعزيز التربية على السلام، ومن ثمّ بدأ الاهتمام بحقوق الإنسان ينمو مع نشأة الأنظمة الاستبدادية العرقية، مثل، النازية والفاشية ويحظى بأولية على التربية السلمية، وهذا الأولوية بدأت تأخذ مداها في مجال التربية على التسامح التي تعدّ بذاتها بعدا أساسيا من أبعاد مفهوم التربية على السلام. وقد شهدت الساحة السياسية العالمية دعوة واضحة لاتخاذ مواقف معادية للأيديولوجيات الشمولية والعرقية ومناهضة السياسات التي تتبنى هذا النهج الشمولي والنظر إليها بوصفها سياسات غير مرغوبة ومعادية للإنسانية وللتربية على السلام (برن، 1981).

وفي هذا مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي نشأ خلاف وجدل كبير حول مسألة التربية على السلام وحقوق الإنسان في المستويين العالمي والإقليمي. وفي ظل هذا التنازع واجهت تيارات التربية على السلام صعوبات كبيرة في تأكيد حيادها السياسي والأيديولوجي، وكان عليها إزاء هذه التحديات أن تؤكد طابعها الإنساني النضالي المحايد أيديولوجيا من أجل تحقيق غاياتها وأهدافها.

ومن ثم أدى تعاظم تيارات التربية على السلام إلى تنامي الجانب الأخلاقي لهذا المفهوم،واقتضى الأمر ضرورة إيجاد السبل التي تكفل تطبيق القيم الإنسانية والأخلاقية للتربية على السلام في إطار اتفاقيات دولية واضحة المعالم.

وقد شهدت فترة ما بعد الحرب الثانية حدثا بارزا في هذا الميدان يتمثل في اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948 في هيئة الأمم المتحدة، وهو الإعلان الذي تضمن اعترافا واضح المعالم بالمبادئ العامة لحقوق الإنسان وشموليتها في مختلف المستويات. وقد شكلت وحدة الرؤية إلى حقوق الإنسان - التي تضمنها هذا الإعلان - شرطا جوهريا للمحافظة على الأمن والسلام في مجال التربية على السلام، وعزز فكرة قوامها أن السلام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التربية العالمية على السلام، وقد أسست هذه الرؤية ركنا أساسيا حفّز على دراسة وتقصي مختلف الجوانب الإشكالية لمسألة التربية على السلام في بعدها العالمي.

لقد ساهمت المناقشات المستمرة في مختلف المحافل الدولية الحكومية وغير الحكومية في تعزيز رؤية شاملة لحقوق الإنسان التي تضمنت مفاهيم جديدة في حقوق الإنسان ولاسيما الحق في السلام والأمن، والحق في النمو، وحق الحياة في بيئة صالحة لا تلوث فيها. وهذه الحقوق الأخيرة تنضوي تحت عنوان جيل جديد من حقوق الإنسان التي ألحقت بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وفي هذا المسار، شهد مفهوم حقوق الإنسان - كما هو حال مفهوم السلام – تطورا تكامليا بأبعاد جديدة. وفي نسق هذا التطور الخاص شهد مفهوما السلام وحقوق الإنسان تفاعلا استراتيجيا وتدامجا حيويا بحيث أصبح من الصعب الفصل بينهما.

لقد أصدرت منظمة اليونيسكو وثيقة دولية في عام 1974 أكدت فيها على مفهوم السلام وعلى صلات التفاعل بين مكوناته، كما أكدت على أهمية التربية على السلام بأبعاد عالمية. وتضمنت هذه الوثيقة تأكيدا على أن التربية بأبعاد عالمية تنطوي على دلالات مختلفة متكاملة مثل التعاون الدولي والسلام والتفاهم الإنساني، وتمّ التركيز على مفهوم التربية على التفاهم الدولي الذي فرضته أحداث الحرب الباردة وملابساتها الفكرية، وتصدّر هذا المفهوم التوصيات التي خرجت بها هذه الوثيقة في عام 1974. ومن أجل خفض أجواء التوتر الناجمة عن الحرب الباردة نادت الوثيقة بمبدأ بناء العلاقات الودية بين الشعوب والدول التي تنهج نهجا سياسيا مختلفا.

العولمة والتربية على السلام:

أكدت الوثيقة الصادرة عن اليونيسكو الآنفة الذكر أن كل سياسة تربوية يجب أن تأخذ طابعا دوليا وأن تتضمن رؤية عالمية، كما يجب أن تؤسس لوعي كبير بأهمية استقلال الشعوب والأمم. وقد ارتبط هذا التوجه بالعولمة التي تمثلت بمنظومة من عمليات متكاملة ذات طابع سياسي واقتصادي وثقافي. ويضاف إلى ذلك أن الوعي بآليات هذه العولمة وفعالياتها أصبح ضرورة من ضرورات العولمة ذاتها. ووفقا لهذه الصيرورة اكتسبت التربية على حقوق الإنسان والتربية على مضامين جديدة وأصبحت بذاتها بعدا أساسيا من أبعاد التنمية المستدامة(Mayor,1992). وأصبحت فيما بعد تشكل ضرورة حيوية تتيح للأفراد التعرف على شروط وجودهم في دوائر التفاعل الإنساني العالمي بين الشعوب والأمم الذي يقوم على السلام والأمن. وفي عمق هذا التوجه أكدت مختلف التيارات السلمية على إعطاء التربية دورا حيويا يتجاوز كل عوامل الاختلاف بين المجموعات البشرية التي تعيش في شروط بيئية وإنسانية مختلفة والتي تمتلك على رؤى مختلفة فيما يتعلق بأولوياتها وعوامل نموها.

فالوصول إلى اتفاق كوني حول بعض القيم العالمية أمر ممكن تحقيقه في نهاية الأمر، وهذا مرهون بإزكاء تربية ضرورية تمكن الفرد من التعرف على طبيعة الحاجات المشتركة بين الشعوب المختلفة، وهنا تبرز الضرورة الحيوية لتربية السلام التي تعرّف الأجيال بعوامل التجانس بين الشعوب والأمم المختلفة فيما يتعلق بمصالحها وطموحاتها وقيمها، كما تتجلى أهمية التعاون الدولي في مجال التربية على السلام والتكامل بين الشعوب والأمم كما ظهرت في الوثيقة الصادرة عن المكتب العالمي للتربية التي حددت بوضوح كبير مقاصد وأبعاد التربية بأبعاد عالمية (بشير، 1994، 14). وقد أثمرت هذه الجهود وأعطت هذه الفعاليات الدولية أوكْلَها في بناء التربية على السلام بوصفها فتحا إنسانيا في تاريخ الأمم المسالمة.

لقد أثارت مسألة التربية على السلام نسقا من القضايا الإشكالية في مختلف المستويات التربوية والسياسية والدولية، ويمكن لهذه الإشكاليات أن تتبلور في نسق من الأسئلة الحيوية التي تطرح نفسها بقوة: إذ كيف يمكن بناء السلام وتعزيز أواصره دون معرفة حقيقة بالآخر وحقوقه؟ وكيف يمكن تعزيز مسار هذه التربية من غير تفاهم متبادل بين الأمم والشعوب؟ وكيف إذن يمكن البحث عن السلام في الوقت الذي تندفع فيه الأمم إلى التسلح واكتناز السلاح؟ وما زالت هذه الأسئلة الإشكالية وغيرها كثير تطرح نفسها في مجال التربية على السلام والتسامح وحقوق الإنسان في العالم المعاصر. ويمكن لنا أن نستجلي بعضا من هذه الإشكاليات في الفعاليات السياسية والتربوية بين الأمم والشعوب والدول منذ القرن الماضي حتى يومنا من أجل ترسيخ مفهوم التربية على السلام برؤية عالمية.

من التربية على السلام إلى التربية العالمية:

تؤكد البحوث المعاصرة على ولادة متعثرة للاتفاقيات الدولية على معايير التربية الدولية أو العالمية، وتتمثل هذه الولادة المتعثرة في مجموعة من الصعوبات والتحديات الكبيرة التي تتعلق بالجوانب التطبيقية والوسائل الممكنة التي يمكن اعتمادها في تحقيق هذا النوع من التربية بأبعاد عالمية.

فالتربية العالمية تنطوي على أهداف تتمثل في تحقيق التناغم والسلام العالمي في مختلف أنحاء المعمورة، وتسعى في الوقت نفسه إلى بناء مناهج تربوية فعالة لتحقيق هذه الغاية السلمية. فالتربية العالمية تهدف في جوهرها إلى استئصال العدوانية والكراهية وبناء أجواء إيجابية تؤكد أهمية الاختلاف والتباين الثقافي والإنساني بوصفه عنصرا أساسيا في الوجود الإنساني، وهذا يتضمن الإيمان بالاختلاف كضرورة من ضرورات الحرية الإنسانية ذاتها. وهذا يتضمن تأكيدا واضح البيان على أهمية التعدد الثقافي والإهابة بمختلف الثقافات الإنسانية إلى الحضور والمشاركة على في الحضارة الإنسانية على مبدأ التنوع الكوني (الجابري، 1995).

ويمثل هذا التوجه إرادة الجمع بين ضرورتين بين ضرورة الاختلاف والتباين وضرورة التنوع والتغاير الإنساني وتلك هي المعادلة الصعبة التي تتطلب تحقيق نوع من التجانس الذي يقوم على التنوع أو نوعا من التباين على مبدأ التجانس، وهذا الهدف يبدو ممكنا وضروريا في الآن الواحد، وإمكانية تحققه تتمثل في قضية التكامل الذي لا يكون إلا في معادلة التنوع والاختلاف الذي يمثل نوعا من الغنى والثراء الثقافي والإنساني في المجتمعات الإنسانية. فالتنوع يعزز التجانس وبالتالي فإن التجانس والوحدة لا يمكنها أن تقوم إللا على أساس الاختلاف والتوالد عبر النقائض المتفاعلة في حركة جدلية لا تتوقف حركتها أبدا وهذا ما يمكن أن يعبر عنه بقانون وحدة وصراع الأضداد. وقد أكدت ن المؤسسات العالمية الكبرى على أولوية وأهمية التكامل الدولي والوحدة الثقافية على أساس احترام الخصوصيات والهويات القومية والوطنية في مختلف أصقاع العالم.

هذه الرؤية التي تؤكد أهمية البعد العالمي للوجود الإنساني تؤكد في الوقت نفسه أهمية التربية العالمية ودورها في تأصيل التربية على التسامح والسلام التي تمّ تبنيها في المؤتمر العالمي للتربية في عام 1994 حيث جاء في هذا المؤتمر بأن الاستراتيجيات التربوية يجب أن تأخذ بعدا عالميا منظما وموجها ومؤسسا على عدد كبير من العوامل والمتغيرات العالمية.

التربية على السلام برؤية عالمية.

تمثل التربية على السلام والديمقراطية بأبعاد عالمية توجها تربويا حديث العهد، وبدأت هذه التربية تأخذ مكانها المميز في البرامج التربوية التي تعززها منظمة اليونيسكو. فأغلب التوصيات التربوية للمؤتمرات الدولية تؤكد على أهمية هذا النمط التربوي وتؤكد صبغته العالمية في الوقت نفسه. وقد شكل هذا التوجه الجديد منطلقا حيويا لتطوير الوسائل والطرائق والمناهج التربوية المتطورة لتعزيز التربية على السلام بأبعاد عالمية. وقد اعتمدت منهجيات هذه التربية وأدواتها في توصيات إعلان المبادئ للدورة 44 للمؤتمر الدولي للتربية " Conférence Internationale de l'éducation " في عام 1994 (CIE)، حيث أعطيت الأولوية للتربية على الديمقراطية وقيم السلام التي كانت قد شهدت تأكيدا لها في الإعلان العالمي لنهاية الحرب العالمية الثانية وهو الإعلان الذي أكد على أهمية القيم الديمقراطية الغربية.

وفي هذا الاتجاه أيضا يلاحظ بأن التكامل بين مفاهيم السلام والديمقراطية قد سجل حضوره في إعلان المؤتمر الدولي للتربية الذي ركز على مفهوم التربية على السلام والديمقراطية، وهذا التوجه العالمي للتربية بأبعاد عالمية وجد بلورة له في مستوى المفاهيم المتعلقة بالسلام والتسامح وحقوق الإنسان.

ويلاحظ في هذا المسار أن مؤتمر عام 1994 قد تجاوز تأثير الصراعات الأيديولوجية في تكوين مفاهيم السلام والتربية على السلام والديمقراطية حيث أثر هذا الصراع الفكري الأيديولوجي مابين الشرق والغرب ما بين الجنوب والشمال في بناء التوصيات التي خرج بها المؤتمر الدولي للتربية الأسبق عام 1974.

لقد عكس المؤتمر الدولي للتربية على السلام بأبعاد عالمية عام 1994 نسق التحولات والتغيرات التي شهدها المجتمع الإنساني منذ عام 1974 حيث جري الـتأكيد الكبير على أهمية البعد الديمقراطي كمنطلق أساسي لتعزيز قيم السلام ومفاهيمه. وقد تجنب هذا المؤتمر نقد الأنماط التنموية القائمة في مختلف البلدان حيث يجد هذا النقد رفضا سياسيا، ولكن المؤتمر أشار بوضوح كبير إلى اتساع الهوة القائمة ما بين البلدان الفقيرة والبلدان الغنية وأكد أهمية اعتماد نمط من التنمية الدائمة أو التنمية المستدامة.

من المسلم به اليوم أن تعزيز القيم الديمقراطية يؤدي بالضرورة إلى تعزيز قيم السلام، وقد أكدت منظمة اليونيسكو في مختلف نشاطاتها وبرامجها على أهمية العلاقة بين تعزيز القيم الديمقراطية والجهود المبذولة من أجل تعزيز ثقافة السلام ويتجلى هذا الأمر في نشاطات المنظمة في عام 1994. حيث قدمت المنظمة مشروعا عالميا يتجه إلى إدانة ثقافة الحرب وتأصيل ثقافة السلام. وينطلق هذا المشروع ليؤكد قيمتي العدالة والحرية وهما المفهومان الأساسيان للديمقراطية(UNESCO,1994). وأكد هذا المشروع على أهمية تأصيل الديمقراطية، وبيّن أن تضاعف الصراع الثقافي والحضاري تعبير عن سنوات طويلة من القهر والصمت والكراهية. وهي عوامل اختمرت في مرحلة الحرب الباردة وظهرت بقوة على مشارف نهاية هذه الحرب وبدأت تعطي نتائجها في مجال التعصب العرقي والثقافي والديني.

فالتربية يمكنها أن تؤصل لثقافة السلام وتعزز مساراتها حيث يبرز دورها، على سبيل المثال لا الحصر، في عملية تنقية النصوص التاريخية من دروس العنف وتقديم معلومات أفضل عن الآخر من أجل ترسيخ مفهوم السلام وثقافته بين الطلاب والناشئة (بيزاني، 1992، 34).

لقد أكد المشاركون في المؤتمر الدولي لثقافة السلام المنعقد في السلفادور عام 1994 على أهمية البرامج التربوية على السلام كضرورة حيوية من أجل ترسيخ قيم العدالة وحقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية. وقد أكد المؤتمرون أيضا على أهمية مشاركة المواطنين أنفسهم في مختلف النشاطات التربوية والثقافية التي من شأنها تعميق ثقافة السلام وقيمه. وفي هذا السياق يمثل برنامج " ثقافة السلام " الخاص بمنظمة اليونيسكو نوعا من التطبيقات المتكاملة والمنظمة التي تأخذ بعين الاعتبار مختلف العوامل والمتغيرات التي يمكنها المحافظة على قيم السلام وتأصيلها.

إن اعتماد رؤية شاملة للسلام، ومحاولة تطبيق هذه الرؤية، يعكس توجها عالميا مشتركا لقيم السلام وثقافة التسامح وإرادة العيش المشترك، ومع ذلك فإنه يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذا التوافق لا يمكنه أن يتجاوز بعض التوترات القائمة بين الأطراف السياسية المتعارضة في كثير من الحالات السياسية. وهذا الأمر قد أسس لتوصية أممية تؤكد أهمية تحقيق التوازن الذي يمكّن من تجنب التفرقة واللجوء إلى العنف والصراع حيث يجب تعزيز قيم التنوع والاختلاف الثقافي بين الجماعات كما بين الأمم (UNESCO,1994).

فالتوافق على القيم التي يجب تعزيزها في التعليم يجب أن تكون ذات طابع نمائي متطور وألا تتحول بذاتها إلى نوع من الفكر العقائدي الدوغماتي المتصلب، لأن هذه التوافقات يجب أن تكون وقتية وأن تعكس أوضاعا وأولويات اجتماعية مختلفة في مراحل مختلفة من مراحل تطور المجتمع.

خلاصة

صةيعكس تطور مفهوم التربية على السلام إلى حدّ كبير تطور مفهوم السلام ذاته وأولويات الحفاظ على السلام الإنساني وتعزيز مساراته في مختلف الاتجاهات. ففي فترة ما بين الحربين كان العمل يتمركز حول أهمية الحلول السلمية للصراعات العالمية وتأكيد التوافق بين الدول والأمم والشعوب، وكانت هذه الإجراءات السلمية تتوافق وإلى حدّ كبير مع معطيات ومتطلبات هذه المرحلة التاريخية.

وفيما بعد الحرب العالمية الثانية حتى نهاية الحرب الباردة حدثت تحولات كبيرة تتعلق بالصراع بين الشرق والغرب أو بتناقضات الجنوب والشمال واتخذت هذه الصراعات طابعا أيديولوجيا. ووجد هذا الصراع بمختلف تجلياته الأيديولوجية انعكاسا له في مجال التربية على السلام في مختلف مفاهيمها وتجلياتها. وقد تطور مفهوم التربية على السلام في ظل هذه الظروف ليتضمن عوامل ومتغيرات جديدة توجد في أصل هذه الصراعات وفي نسق العلاقات القائمة بينها.

وفي دائرة هذا التفاعل بين مختلف هذه الجوانب تجلت توصيات اليونيسكو في عام 1974 التي أكدت أهمية العلاقة والترابط الحيوي بين حقوق الإنسان والتطور العالمي، وما بين مفهوم العدالة الاجتماعية والسلام. وفي هذا المسار اتخذت التربية على السلام طابعها العالمي حيث عملت على احتواء الأولويات الأساسية للكتلتين الأيديولوجيتين المتناقضتين مع التأكيد على مبدأ التفاهم والسلام العالمي وذلك في إطار الجهود التي بذلتها اليونيسكو في هذه المرحلة.

وقد انعكست ظروف نهاية الحرب الباردة وردود فعلها في مفاهيم التربية على السلام كما في مفهوم التربية العالمية. كما وجد هذا التحول نفسه في مفهوم الصراع بين الجنوب والشمال. وظهر أيضا تحول كبير في مفهوم التربية العالمية الذي تجلى في المؤتمر الدولي للتربية " في عام 1994 (CIE) الذي نسخ توصيات اليونيسكو عام 1974. وذلك عندما قام المؤتمرون بإعادة النظر في نسق المفاهيم القديمة الخاصة بالتربية الدولية، حيث رسخت أولويات جديدة للتربية السلمية، ولاسيما في مجال التربية على الديمقراطية والتربية السلمية بأبعاد عالمية. وقد عمل برنامج " ثقافة السلام" الخاص باليونسكو على تكريس هذا التحول الجديد في مفاهيم التربية على السلام والتربية الدولية. وفي نسق هذا التحول الجديد أصبح مفهوما السلام والديمقراطية أكثر تواصلا وتفاعلا وترابطا وتكاملا، إذ أكد هذا البرنامج على الرؤية الشمولية العالمية لمفهوم التربية على السلام، وقد فرضت هذه الرؤية الجديدة حضورها على نحو عالمي وذلك من أجل الاستجابة للمشكلات الراهنة للمجتمعات الإنسانية المعاصرة.

ولكن حجم المهمة الكبير، لتطوير التربية الدولية وتنمية ثقافة السلام في المستوى العالمي، فرض نوعا من الشكوك والانتقادات، ولاسيما عند هؤلاء الذين يبالغون في حساب المسافة بين الطموح والواقع في ظل العلاقات الدولية التي تقوم على مبدأ اللاتكافؤ، حيث تهيمن مصالح الأقوى بين الدول والمجتمعات الإنسانية التي توجد في أصل الصراع والفوضى. لقد شكلت هذه الأمور ومل يماثلها من قضايا عقبات يصعب تجاوزها من أجل تحقيق الأهداف التربوية المنتظرة للتربية على السلام(Hénaire,1995). وهنا يطرح السؤال الأساسي نفسه: هل يتوجب على التربية السلمية بأبعاد عالمية أن تعمل على تحويل الأفكار إلى حقائق ووقائع؟ وهل يجب التمييز بين التربية التي تعنى بالمشكلات التي ترتبط بالسلام والتنمية وبين التربية التي تعزز السلام نفسه؟ ذلكم هو السؤال القديم الذي يتعلق بالدور المزدوج للتربية حيث يمكن التمييز بين التربية التي تقوم بنقل المعلومات الموضوعية وبين هذه التي تعنى ببث القيم وتعزيزها.

ويستنتج من ذلك أن كيفية العمل في مجال التربية على السلام يضاهي مسألة ما يجب من عمل لتحقيق هذه الغاية، ولا يقل سؤال الكيفية أهمية عن أهمية تحديد الغايات والإجراءات الضرورية لتحقيق هذه الغايات. وبعبارة أخرى، فإن الأسئلة المنهجية قد تكون أكثر أهمية من هذه التي تتعلق بمضمون التعليم ذاته واتجاهاته المختلفة. إن بثّ القيم التي ترتبط بالمفاهيم المنهجية مثل: ثقافة السلام، يمكن أن تجد تعزيزا لها في المنحى البيداغوجي الذي يؤكد أهمية العلاقة بين مختلف أبعاد الظاهرة المدروسة. فالترابط بين المفاهيم الأساسية للتربية على السلام وثقافة السلام يمكنه أن يؤكد نسقا من الفعاليات التربوية الضرورية التي يمكن أن تفعل فعلها في نشر القيم التربوية بصورة فعالة ورزينة(Montandon,1983).

فالتعدد الذي يوجد في أصل الحياة الديمقراطية يتطلب في الوقت نفسه نشاطا تربويا يقوم على تكريس مبدأ التعدد والتنوع، إذ يتوجب على المربين في إطار عملهم مناقشة مختلف الأفكار والقضايا المثيرة للجدل، ولكن هذا الأمر يجب أن يؤخذ مع التأكيد على أهمية الاستقلال الفكري واحترام الحس النقدي عند المتعلمين. وهذه المتطلبات الأولية يجب أن تتوافق مع عملية غرس القيم النقدية والقدرة على إصدار الأحكام الخاصة عند المتعلمين، وذلك تأسيسا على معلومات موضوعية قدر الإمكان، وهذا بدوره يتطلب ممارسة حقيقة لحقوقهم الديمقراطية والإنسانية ولاسيما الحق في التعبير وإبداء الرأي.

وهنا تبرز الأهمية الكبيرة في أن يكون المعلم نفسه قادرا على التعبير عن رأيه وأفكاره وخصوصيته، وأن يصان هذا الحق بالاحترام والتقدير، فحرية المعلم هذه يجب أن تمارس في شروط موضوعية مناسبة، حيث يتعلق هذا الحق بأعمار الطلاب ومستوى تأهيلهم، ولأن ممارسة هذا الحق بالمطلق يسمح لكثير من المعلمين بفرض آرائهم الخاصة وتشكيل ذهنية الطلاب وفقا لتشكيلات فكرية وأيديولوجية مسبقة تتعلق بمسألة ترسيخ عقائد ونماذج فكرية دوغماتية محددة.

إن عملية تبادل الأفكار ووجهات النظر يجب أن تكون حالة من حالات الممارسة الديمقراطية تهدف إلى تنمية الحس النقدي عند المتعلمين، وإلى تطوير قدرتهم على التمييز والكشف، وتمكينهم من القدرة على تشكيل أحكامهم الخاصة تأسيسا على معلومات موضوعية على أساس التنوع الفكري وتعدد الآراء. فالموضوعية ذاتها قد تكون مصدرا للجدل ولاسيما إذا كانت هذه الموضوعية لا تتطابق مع الرؤية الخاصة للمعلم. إن عملية بث القيم يمكن أن تتم في سياق محدد يتصف غالبا بالتكتم والحذر. فعلى سبيل المثال قد يكون ذلك عن طريق اختيار عقلاني للمادة التعليمية بطريقة ضبابية وتجنب الخطاب الذي يعطي انطباعات دعائية دوغماتية.

وبالتالي فإن هذه القواعد والمبادئ التربوية المحايدة - التي يجب أن تكون في موضع الاحترام والتقدير مهما يكون المنحى التربوي المعتمد – تغطي مجالا واسعا في العملية التربوية، وهي تهدف في النهاية إلى ترسيخ ثقافة السلام وتعزيز مقومات التفكير النقدي والديمقراطي عند الفرد(الحطاب، 1989، 29).

ومن الطبيعي جدا أن يؤدي تطبيق هذه المبادئ في العملية التربوية إلى تنمية الحس النقدي وبناء القدرة على التسامح في صفوف المتعلمين والمريدين والتلاميذ، وهنا وفي هذا المسار من الممارسة الديمقراطية لا يجب أن يُعلّم الطالب فن الدفاع عن أفكاره فحسب، بل يجب تعليمه أيضا فن احترام الرأي الآخر وتقديره حتى وإن كان رأي الآخر مخالفا ومناقضا للرأي الشخصي.

مراجع وهوامش المقالة

.- الأنصاري، محمد جابر (1995). مفهوم التسامح في الثقافة الإسلامية وانعكاساته على تربية الأطفال، ضمن: الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية، الطفولة في مجتمع عربي متغير، الكتاب السنوي العاشر، الكويت، 1994- 1995، (صص 41-75).
- برن، أندريه مرسييه (1987). التسامح كأمر فلسفي، ضمن مراد وهبة، التسامح الثقافي: أبحاث المؤتمر الإقليمي الأول للمجموعة الأوروبية العربية للبحوث الاجتماعية المنعقد في 21-24 نوفمبر عام 1981، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، (صص 43-59).
- بيزاني، ادجار (1992). في مواجهة عدم التسامح، رسالة اليونسكو، يونيو 1992، (صص34 - 36).
- الحطاب، أحمد (1989) الصفات التي يجب أن تتسم بها التربية للاستجابة لمتطلبات القرن الواحد والعشرين مكتب اليونيسكو الإقليمي، العدد 35، يونيو، حزيران.
- بشير، هيلين دار (1994) حرية الكلمة الحرية الرئيسية، رسالة اليونسكو، مارس (صص14-24).

- Hénaire, J. (1995) L'éducation planétaire à l'épreuve du réel. Texte présenté à la session d'été 1995 du Projet «Éducation dans une perspective planétaire», Université Laval, Sainte-Foy.
- Mayor, F. (1992). L'éducation au service d'un développement durable: relever le défi de Rio. Allocution prononcée le 17 octobre par Federico Mayor, directeur général de l'UNESCO, à l'ouverture du Congrès mondial sur l'éducation et la communication en matière d'environnement et de développement, Toronto (UNESCO, DG/92/43).
- Montandon, E.(1983). Éducation pour la compréhension internationale, la paix et les droits de l'homme. Documentation et information pédagogiques.
- UNESCO (1994). Un sentiment d'appartenance. Principes directeurs pour l'éducation aux valeurs destinées à promouvoir la dimension humaniste et internationale de l'enseignement. Paris: UNESCO.
- UNESCO (1994). Programme pour une culture de la paix — Des programmes nationaux à un projet déportée mondiale (145 EX/15, Paris, 18/8/1994). Paris: UNESCO

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة