التعقيبات والملاحظات على الورقتين المقدمتين

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2380 مرة

تعقيب حول الإسلاميين والديمقراطيين (مواقف ومخاوف) - عبد الحسن الأمين.

تاريخياً كان المسلمون اكثر اهتماماً بالعدل منهم بـ "الديمقراطية" وبسيرة الحاكم أكثر من طريقة اختياره.

في العصر الحديث وفي إطار البحث في أسباب تأخر المسلمين وسبل تقدمهم برزت بصورة عامة شعبتان من الأبحاث:

الأولى: تتصل بالدستورية والدستوريين في مرحلة أولى، وبالديمقراطية والديمقراطيين في مرحلة لاحقة.

الثانية: دارت في العقود الأولى من العصر الحديث حول علاقة السلطان بمحكوميه وفق منطوق الشريعة الإسلامية وذلك كصدى لما دار من تغييرات عنيفة ودستورية طالت ملوك أوربا وأباطرتها، وتطور الأمر في مرحلة لاحقة للبحث في موقف الإسلام والإسلاميين، من أنظمة الحكم خصوصاً، وذلك مع تزايد حضور التيارات الإسلامية في العمل السياسي العربي والإسلامي.

وفي كلا الحالين نجد أن قضايا الدستورية أو الديمقراطية، وموقف الإسلام أو الإسلاميين منها طرحت على العالم باكراً منذ احتكاكاته الأولى المباشرة مع العالم الغربي، ويمكن رصد بعض محطات الاحتكاك هذه:

- تجربة بونابرت في تأسيس مجلس تمثيلي ضم أزهريين ذلك إبان حملته على مصر.

- التنظيمات التي أطلقها السلطان محمود الثاني وخليفته عبد الحميد وعبد العزيز، وقد عالجت هذه الإصلاحات، بصورة أساسية، قضايا علاقة المسلمين بالاقليات غير المسلمة في السلطنة، تحت اسم نظام الملل والطوائف... الخ.

- التجربة الدستورية مع مدحت باشا والسلطان عبد الحميد الثاني التي أنتجت مجلس المبعوثان.

- ثم هناك الصراع بين المشروطة والمستبدة الذي كانت إيران كيانه السياسي، والذي امتدت أبعاده الفقهية والنظرية إلى النجف في العراق حيث انقسمت المرجعية الإسلامية الشيعية بين مناصر لهذه ومعارض لتلك.

- وهكذا نجد باكراً رسالة تنزيه الملة للمرجع المعروف الميرزا محمد حسين النائيني.

بعد الحرب الأولى وفي ظل النفوذ الأوربي الغربي المباشر وغير المباشر شاعت مصطلحات البرلمانية والاقتراع الحر، وبرزت الأحزاب السياسية وتعرف العرب على الفصل الحديث بين السلطات وعلى دور وعلى دور السلطة الرابعة.

وهنا نجد أن رجال الدين المسلمين اتخذوا مواقف بارزة لا تعترض على عملية الاقتراع نفسها بل على وقوع هذه العملية تحت إشراف قوى الاستعمار آنذاك، هكذا كان موقف علماء النجف الذين دعوا إلى مقاطعة أول انتخابات أجريت في العراق، والموقف المشابه نجده عند جمعية العلماء في الجزائر.

بصورة عامة يمكن القول أنه قبل أوساط خمسينات هذا القرن شارك الإسلاميون في النشـــــاط البرلماني، وبعضهم دخل البرلمان مثل أية الله الكشاني في إيران إبان تجربة مصدق، وبعضهم حاول دخول المعركة الانتخابية مثل الإمام حسن البنا في مصر.

بين أوساط الخمسينات وأواسط الثمانينات بدأ وكأن المنطقة العربية طلقت البرلمان وتهمش الطرح الليبرالي والديمقراطي أمام هجوم مصطلحات "ثورية" فرضت قيماً انقلابية في العمل السياسي قللت من شأن التعددية ومكانة الاقليات وقد عم هذا الانقلاب التيارات الأيديولوجية والفكرية المختلفة وشارك في ذلك الإسلاميون وغيرهم من الماركسيين والقوميين بل وحتى التحديثيين أنفسهم.

وكان اليساريون والوطنيون عموماً يعانون حرجاً شديداً في التصرف إزاء بعض التجارب البرلمانية التي استمرت رغم انقلابية الخمسينات فكانت هذه التيارات تتخذ مواقف تتفاوت بين مقاطعة الانتخابات والمشاركة المتحفظة، وهي لا تعتقد بالبرلمانية مدخلاً للتغيير وآلية للحكم، بل كانت ترى في عملية الاقتراع مجرد هامش لتنشيط خطابها السياسي ضد النظام الحاكم، هكذا تصرف يساريو لبنان، وكذلك في الكويت والبحرين، الأردن والمغرب... الخ.

وفي هذه المرحلة لم يكن الإسلاميون أقل تساهلاً إزاء هذا "الكفر البواح" الذي اسمه الديمقراطية والانتخابات.

ولا شك أن الليبرالية كانت، وما زالت بحدود بعيدة في مجتمعاتنا تهمة ونوعاً من الشتيمة وسبيلا للعزل والإقصاء. أما الديمقراطية فهي، أن وردت لا بد أن تكون مشفوعة بعبارة أخرى من نوع مركزية وشعبية ومؤخراً كآلية وليست كنظام... الخ.

الاهتمام الواسع الذي تلقاه قضية الديمقراطية في العالم العربي اليوم مرتبط إلى حد كبير بالمتغيرات التي حصلت على الصعيد العالمي وسقوط الكتلة ا لاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي، هذا التحول العالمي تصادف وقوعه إبان صعود الإسلاميين كتيار يكاد يحتل كامل المشهد السياسي في المنطقة، من جهة التحرك المعارض أو الشعبي بعد انحسار المد اليساري بوجهيه القومي والماركسي.

والحضور السياسي للإسلاميين في هذه المرحلة يضعهم في بعض الدول العربية في موقع البديل، ليس للحكم القائم، بل للتيارات التي كانت تلعب تقليدياً دور المعارضة.
واحتمال وصول الإسلاميين إلى الحكم في هذا البلد العربي أم ذاك، حتى عن طريق البرلمان، أثار في وجههم عاصفة من الموجهات تدور كلها حول موقفهم من الديمقراطية.

ولابد من التنويه أن الكلام الكثير عن الديمقراطية لا يعني إنها مطروحة على جدول الأعمال سواء ً في برنامج الحكومات أم برنامج المعارضات، بما فيها الإسلاميون، وعلى الأغلب فإن الديمقراطية تتحول إلى وسيلة للصراع السياسي والفكري، دون أن تكون هدفاً حقيقياً لأطراف الصراع، وقد حصل ذلك الأمر نفسه مع طروحات أخرى مثل الوحدة والاشتراكية وبصورة أجلى وأوضح حصل ذلك مع شعار تحرير فلسطين.

مع ذلك لا بد من الإشارة إلى بعض العوامل التي تجعل للتركيز على موقف الإسلاميين من الديمقراطية أبعاداً، ذات خصوصية في هذه المرحلة مثل هذه الخصوصية قد تتأتى من مصدرين:

1 - ما أشرنا إليه من صعود إسلامي راهن ومن متغيرات دولية.

2 - النفوذ الواسع للفكر الديني في مجتمعاتنا العربية الإسلامية مع بروز استعادة هذا الفكر لمكانته ودوره في مجتمعات أخرى عريقة في علمانيتها.

ولا بد من الإشارة إلى أن استغلال النفوذ الواسع للدين في مجتمعاتنا لم تنفرد به تيارات الحركة الإسلامية بل أن التيارات الأخرى مارست عند الحاجة مثل هذا الاستغلال ووظيفته في صراعاتها، ومن هنا يشوب الضعف مقولة عدم الترخيص لحزب ديني كي لا يتحول الدين سلاح سياسي، فالدين هو في الواقع واحد من الأسلحة المهمة التي تحتويها خزانة الأسلحة الفكرية والأيديولوجية المتداولة بكثافة في منطقتنا عموماً.

بالمقابل تبرز الإشارة إلى أن التخويف من سلاح الدين، فكلما طرحت مقولة الديمقراطية تنسب إلى الغرب والتغريب كي يتم إهمال اعتمادها إليه أو مبدأ، ومثل هذا التخويف يصدر عن فئات تحديثية كما يصدر عن فئات تقليدية.

وربما كان السبيل الأول للحد من المخاوف التي يروج لها في الساحات السياسية العربية الإسلامية يفرض وقف "الفزعتين" اللتين يطلق عقالهما معاً، أو كلا على حده:"الفزعة" من الإسلامية "والفزعة" من الديمقراطية، فنحن أمام عاملين تفترض حضورهما معاً ضرورات موضوعية كعاملين مهمين في بناء المجتمع العربي الإسلامي الحديث، وإذا كان الإسلام والديمقراطية ضرورتين متلازمتين بهذا المعنى فإن أياً منهما لن يؤدي دوراً يبطل الاستغلال الشعاراتي والديمقراطي لكل منهما ثانياً.

بصورة عامة فإن الرفض للديمقراطية يمكن وصفه بأنه موقف "ثوري" يكون مرة ماركسياً ومرة قومياً ومرة إسلامياً، والأسباب نفسها تتكرر عند هذه التيارات في تفسير الرفض، وكذلك الأمر في قبول الديمقراطية، فالرفض والقبول لا معطيات دينية حقيقية تحتمهما.
الغالب حتى الآن على الموقف العام في بلادنا ومجتمعاتنا أن قبول الديمقراطية مثل رفضها ينطلق من ظروف آنية واعتبارات وقتية، ولم نصل حتى الآن إلى الموقف الأصيل من الديمقراطية إلا بحدود نخب بين الإسلاميين كما بين غيرهم.

هذه العمومية لا تنفي خصوصية ما تتعلق بموقف الإسلاميين، وهى خصوصية دينية وهذه تتعلق بالمقدس في الدين من جهة والتراث المتراكم منذ قرون، فالنفاذ من داخل هذه الخصوصية إلى موقف أصيل من الديمقراطية، رفضاً وقبولاً، يختلف منهجاً ووسائل عما هو لدى تيارات أخرى، وستظل مشكلة العلاقة، ليس بين الدين والسياسة (كما يطرحه بعض التيارات العلمانية) بل العلاقة بين الدين والحاكم تحكم مثل هذا الموقف، وإذا كان لا يمكن قيام الفصل بين الدين والسياسة، فإنه يمكن قيام فصل وظيفي بين السياسي والديني، بحدود مرجعية الثاني للأول دون مصادرة كل منهما للآخر.

تعقيب على ورقة وليد نويهض - الحركات الإسلامية والديمقراطية: المواقف والمخاوف المتبادلة - يوسف الشويري

تعالج هذه الدراسة موضوع مواقف الحركات الإسلامية العربية من مسألة الديمقراطية ضمن أفق نظري يحدد أسلوب المعالجة، ويضبط المحطات الرئيسية في السرد والتحليل.

وينطلق هذا الأفق النظري من مقولة أساسية مؤداها أن المجتمعات الإسلامية العربية تتمتع بشخصية مميزة قائمة على الموروث والتراث والثقافة والدين. غير أن هذه المجتمعات تحكمها نخب سياسية - اجتماعية ذات ثقافة غربية - علمانية مما يضعها في اصطدام شبه يومي مع المواطنين في حياتهم العملية والثقافية والمعنوية.

ويؤدي هذا الاصطدام عبر قنواته السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى خلق شرخ دائم بين الدولة والمجتمع، وينذر باندلاع مواجهات عنيفة بين المؤسسات والأطر الأهلية ومؤسسات النخبة ذات الطابع الخارجي والمضمون الأجنبي.

وتؤدي هذه الرؤية النظرية إلى اســـتخراج مجموعة من الاستنتاجات المعلنة أو المضمرة، والتي تخلق صورة شبه متكاملة يخرج بها قارئ النص ونورد فيما يلي بعض هذه الاستنتاجات والتي توصي بها الدراسة مباشرة أو مداورة:

أولاً: أن الحركة الداخلية للمجتمعات العربية ذات إيقاع خاص يرتبط ارتباطا عضويا بالتاريخ الإسلامي والتطورات ذات العلاقة المباشرة بأنماط ثقافية خاصة يحدد معناها ومسارها الإسلام كدين وحضارة وشريعة ونظام سياسي واقتصادي.

ثانيا: تظل هذه الحركة الداخلية، رغم خضوعها لقوانين التاريخ والتطور الاجتماعي، تعيد إنتاج خصائصها وسماتها عاماً تلو عام، وعقداً تلو عقد، وقرناً تلوه قرن. وعندما يحدث تطور خارجي جديد، أو يطرأ عنصر مفاجئ، سواء أكان غذوا عسكريا، أم احتلالا استعماريا، أم ثورة صناعية - تقنية، فإن هذا المجتمع الداخلي لا يتقدم إلى الأمام بل يرتد اكثر فأكثر إلى مكوناته الأولية وخلاياه الأصلية، وذلك بغية تأكيـــد أصالته، والإفصاح عن تمايزه وانفصاله، وابتعاده عن القارئ والمغاير والمستجد.

ثالثاُ: يستمر التكوين التاريخي للمجتمع الإسلامي عبر موروثاته التقليدية وهيئاته الأهلية (ص9 من الدراسة) وفق روحية ثابتة ونظرة إلى الحياة والكون متوازنة عقلاً وفعلا. وتبرز إلى الوجود نتيجة هذا التكوين التاريخي والروحية الأصيلة هوية الجماعة وثقافتها متجلية اكثر ما تتجلى عند خوضها معركة إثبات الذات ضد طغيان الدولة الحديثة صاحبة الأسس الغربية والتوجه العلماني والسلوكي السلبي والممارسة الاستبدادية.

رابعاً: أن هذه المواجهة بين النخبة الغربية الثقافة والجماعة الأهلية ذات الجذور المحلية نجد بداياتها مع نشأة الدولة الوطنية ذات الفكر الانقلابي، والتي نالت استقلالها ضمن ظروف مشبوهة (ص89)، وحيث يمثل القائد الترابي اتاتورك نموذجها الصارخ والأكثر حدة (ص 91 -92).

خامساً: يرى الباحث أن وجود هذا الشرخ بين الدولة ومجتمعها يتطلب إصدار حكم صارم يدين الدولة الوطنية لأنها هيمنت على الدين وصادرت الحركة التاريخية للجماعات الأهلية، فضربت المؤسسات التقليدية الموروثة ضربات هوجاء، وأمضت في تفكيك الهيئات المحلية وأدواتها. ومقابل الإدانة الصارمة للدولة الوطنية تحتضن الدراسة المجتمع الأهلي وتعلن براءته، وطهره، وحسن سلوكه، ورفعة أخلاقه، وخاصة عندما تمضي الدولة القاهرة في تزييف هويته وهو لا يفتأ يقاوم المفاهيم المستوردة متسلحا بتوازنه الطبيعي المتوارث.

وتصبح الدولة وفق هذا المنظور استعمارا جديدا واحتلالا غاشما آن أوان هزيمته واستئصال أخطاره قبل أن تستفحل وتدمر ما تبقى من الموروث والمألوف.

سادساً: تتجلى براءة المجتمع في أبهى صورها، وتتجسد الدولة الوطنية في ابشع مظاهرها، وذلك عندما تفترض الدراسة أن العلاقة بين آليات الحكم الوطني والمجتمع الأهلي هي علاقات فوقية نتجت أساسا "عن ضعف الوعي التاريخي عند النخبة الانقلابية" وأدى غياب الوعي التاريخي إلى إلغاء القدرة على اكتشاف الإيقاع الداخلي للجماعات الأهلية وتوهم الانقلابيين أن الحياة الدستورية والبرلمانات والانتخابات والنظم الاقتصادية والتربوية يمكن استيرادها تماما كالسلع الجاهزة. أو كما يقول الباحث:
"فما يصح في بلجيكا أو سويسرا أو النمسا ليس بالضرورة يصح لنا والعكس صحيح. وما هو صالح عندنا ليس بالضرورة صالح لفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة (ص95)".

سابعاً: يؤدي هذا المنعطف إلى إخفاء صفات دائمة على المجتمعات الغربية في مقابل الجماعات الإسلامية، وتصبح الديمقراطية والرأسمالية، مثلاً صفتين ملازمتين للدول الأوربية منذ تكوينها التاريخي، وفي حين تحتاج المجتمعات العربية إلى نظام آخر عرفته أكثر من ألف عام. غير أن الدراسة لم تدخل في نقاش حول محتوى هذا النظام الإسلامي أو أطره العامة، مفترضة أن الأشكال الدستورية والقانونية وهياكل المؤسسات تنبثق انبثاقا طبيعيا نتيجة الوتائر الداخلية للمجتمع وسيرورته التاريخية.

تقودنا هذه المقولة الأخيرة إلى اعتبار أن الباحث افترض مسبقا أن النظام الإسلامي، ورغم غياب تحديده، هو النظام الأمثل لأنه نابع من تاريخنا وحياتنا وثقافتنا. غير أن هذا الافتراض يخضع تحقيقه لبرنامج عمل بالغ التعقيد يتطلب ممارسة سياسية حازمة تدعو في استراتيجيتها العريضة إلى نوع من المصالحة بين المجتمع والدولة، كما حدث مؤخرا في تركيا بعد وصول قائد حزب الرفاه، نجم الدين اربكان، إلى سدة رئاسة الوزراء. ولنا عودة إلى الوضع التركي ومدى مصالحة الإسلاميين هناك لواقعهم، ربما في المدخلات التالية.

ولابد لنا بعد إبراز هذه النقاط من العودة إلى بداية الدراسة ومقدماتها لنكتشف كيف عالج الباحث الديمقراطي عبر مواقف الحركات الإسلامية منها.

احجام ضمن الاحجام

يفترض الباحث أن معالجته تقتصر على الحركات الإسلامية التي ترفض حتى الآن خوض المعارك الانتخابية أو الدخول في مصالحة مع أنظمتها وحكامها، أو بسبب امتناع الأنظمة المذكورة عن إخفاء الشريعة على العمل الإسلامي السياسي. ونكتشف أن التنظيمات التي يتناولها الباحث تولي الأولوية للممارسة السياسية مقابل نشاطها الديني البحت. ويقود هذا التركيز إلى تشريح مواقف الدول العربية المعنية مقابل سياسات المعارضة الإسلامية التي تواجهها. وبما أن الديمقراطية شبه معدومة في هذا السياق، فإن البحث يتطرق إلى "حركة الواقع " التي تهيمن على النص أو تجعله مجرد "ترف فكري" لا سبيل إلى التقاط ديناميته وأبعاده المعرفية بدون الغوص في باطن الأحداث التاريخية حيث يصبح فشل مشروعي الحداثة والتحديث أهم عنوان يطبع المرحلة بأكملها. وقد مر معنا سابقا أن هذا الفشل يعود في نظر الباحث إلى أسباب الانفصال الاجتماعي -الثقافي بين النخب الحاكمة ومجتمعاتها الأهلية. وهذه مسألة تفرض التوقف قليلا عند معطياتها النظرية ونتائجها العملية ونلاحظ أول ما نلاحظه أن الدراسة تنطلق من مقولة الالتزام بقراءة التاريخ كأحداث وقوانين، ثم لا تلبث أن تنحدر شيئاً فشيئاً نحو فرضيات ذهنية حيث يصبح فشل التنمية مجرد صيغة سطحية تختفي وراءها مقولة الثابت مقابل المتغير، والأهلي في مواجهة الأجنبي الدخيل. فالتنمية بمعناها الشامل توقفت عند حد معين ثم انهارت انهيارا صاعقا لأن القيمين على تنفيذها عجزوا عن التجاوب مع الحركة الداخلية لمجتمعاتهم. وهو فشل يضرب جذوره في اضطراب الأفكار المستوردة وعدم تجانسها مع بيئة لم تستولدها وتحتضنها احتضانا طبيعيا عفوياً.

وبكلمات أخرى، سقطت التجربة الوطنية نتيجة عدم استيعابها للقضاء الإسلامي الذي تتحرك في مداه، فتملقت فضاء فارغا تتردد في جوانبه أصداء العلمانية والليبرالية والديمقراطية والاشتراكية والقومية الغربية، وتظل مجرد أصداء لا يعرف مجتمعها مصادرها وأهدافها وكيفية انبثاقها ودورانها .

وتغدو النخب الحاكمة وكأنها هي حركة التاريخ ومضمونه وإرادته الفاعلة، تكتب سجلاتها الحافلة بالقمع والإرهاب على صحائف جماعات أهلية لا حول لها ولا قوة سوى إمكانها في التمسك بتراثها وموروثها إلى حد الإدمان المنذر بالأخطار. فثمة، اذن، تاريخ إيجابي نسجت معالمه اقليات حاكمة ذات نزعة غربية طارئة، وتاريخ سلبي هو في طور الخروج من سلبيته وتأكيد إيجابيته عبر الالتحام مجددا بأصالته التي جهد "الانقلابيون" في تشويهها.

وهذه نظرية قابلة للأخذ والرد وفق الطموح السياسي أو الإطار الثقافي الذي يتحرك ضمنه الباحث. وتولي الدراسة في هذا المجال أهمية خاصة لأراء قائد حركة "النهضة" الإسلامية التونسية، راشد الغنوشي والذي يصر على الربط بين الديمقراطية والهوية أو الثقافة (ص13-14)، وهو يعني أن الأرضية المشتركة للعمل السياسي في المجتمعات العربية في الإسلام، مفترضا أن للديمقراطية الغربية أرضية مشتركة تحددها بالتالي الممارسة ا لسياسية وعمل الأحزاب والهيئات والتنظيمات.

فالديمقراطية ضمن هذا المفهوم وجود بديهي لدى الحركات الإسلامية، إذ إنها لا تطالب باستيراد نموذج غربي وفرضه بالقوة بل تتوخى مجرد الاتصال مجددا بهويتها الثقافية، وموروثها التاريخي. عندئذ يصبح الصراع السياسي من مسلمات المجتمع وهو صراع ينهض على أرضية مشتركة يحددها الإسلام في أبعاده الاجتهادية ومدارسة الفقهية وطرقه الصوفية وتجاربه الأهلية لغنية .

ويرى الباحث أن الإسلاميين في الوقت الراهن يهانون من الخلط الفكري بين الديمقراطية كأسلوب لتنظيم الخلافات تنظيماً سلمياً داخل مجتمع ما، وبين الديمقراطية كمفهوم عقائدي ذي صلة بالعلمانية وفصل الدين عن الدولة. لكنه يعود فيؤكد: "يمكن ملاحظة مسألة ذات شأن وهى أن النقد العنيف الذي نجده عند مختلف التنظيمات الإسلامية في مقارعة التغريب والعلمانية والإلحاد وغيرها لا نجده بالحدة نفسها عند مناقشتها فكرة الديمقراطية وكأن هناك ما يشبه الاتفاق على قبولها كمضمون لا كمفرد أو مصطلح وشرط أن لا تتعرض لمعتقدات الفرد الإيمانية" (ص19).

وعندما يخرج الباحث بهذا الاستنتاج الواضح فإن الحديث عن تنوع الآراء بين الاتجاهات الإسلامية السياسية يصبح مسألة ذات أهمية ضئيلة.

ولعل السؤال الدامغ الذي تراه الدراسة لا يقبل التأويل وهو الذي تطرحه عند معالجة ما تسميه الدراسة "صدمة الجزائر 1991.

فالدراسة تلاحظ أن فكرة القبول بالديمقراطية أو رفضها يجب أن تنطلق من تجارب الأنظمة العربية نفسها التي "تقمع المجتمع السياسي وتلاحق المعارضة على اختلافها كم حصل ويحصل في الجزائر... وكما حصل ويحصل في تونس... وكما حصل ويحصل في مصر" ص15.

والجواب يحدده سلفا السؤال: أن الحركات الإسلامية هي نتاج الأنظمة التي تعمل ضمنها أو ضدها، وإذا بدت أنها لا تؤمن بالممارسة الديمقراطية، فالأنظمة العربية هي التي تتحمل مسئولية هذه الأبحاث إلى حد كبير، وهي التي حرمت عمل الجماعة الإسلامية في مصر، وحركة "النهضة" في تونس و"الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في الجزائر.
إنها الأنظمة عينها التي تحرم المجاهدين والإسلاميين والحركيين من حقوقهم السياسية، فتطاردهم وتلاحقهم وتمنعهم "من تشكيل حزب سياسي يرفض العنف ويدينه" (15).

والسؤال الذي نطرحه بدورنا: هل تؤمن الحركات الإسلامية في مصر وتونس والجزائر بالديمقراطية حقا ؟ ونحن نطرح السؤال لكي نتجنب التراشق بالتهم وتبادل الشتائم السياسية والمهاترات، فسلمن مسبقا أن الأنظمة العربية لم تعرف حتى الآن تجربة ديمقراطية كاملة.

فندما عمدت الحكومة الجزائرية في العام 1991 إلى تعديل القانون الانتخابي تمهيدا لعقد انتخابات برلمانية في نهاية العام نفسه. وكانت الجبهة الإسلامية الجزائرية قد حققت نجاحاً كاسحا في الانتخابات المحلية التي جرت العام 1990، ولكنها أخذت تفقد شعبيتها، خاصة أثناء حرب الخليج الثانية وعملية عاصفة الصحراء ولجوء أعداد متزايدة من عناصرها إلى استفزاز المجتمع المدني تحت شعار "محاربة الشرور" واللجوء إلى أعمال العنف الأسباب واهية وطائشة.

ثم برزت مسألة قانون الانتخابات الجديد والتقسيم الاعتباطي للدوائر الانتخابية لخدمة مصالح الدولة وسلطتها واضعاف مرشحي الجبهة الإسلامية" أو إقصائهم عن المسرح السياسي. وجاء رد زعيما الجبهة، الشيخان عباسي مدني وعلى بلحاج (بن حجاج) رداً عنيفا، شاملاً، وصاعقاً، فقد وزعت الجبهة الإسلامية لإنقاذ بيانا سياسيا داعيا إلى الإضراب الشامل والعصيان المدني وذلك تمهيدا لإعلان الجهاد وإسقاط النظام. وقد أدى قرار الجبهة الإسلامية بإعلان العصيان المدني إلى فرض "حالة الحصار" وتولي القيادة العسكرية الجزائرية السلطة السياسية مباشرة. وليس هنا مجال تحليل الخلفيات السياسية والاجتماعية والدولية للوضع الجزائري، غير إننا نشير فقط إلى مواقف الجبهة الإسلامية إبان تلك الفترة العصيبة. لقد أعلنت الجبهة في بياناتها التي وزعتها قبل انفجار الوضع الأمني في حزيران (يونيو) 1991 أنها تتبنى استراتيجية العصيان المدني وذلك لتغيير المنكر والظلم والفساد، "وسحب الثقة من النظام وعدم التعاون معه أو إطاعته. وقد اعتقدت الجبهة مقلدة بذلك النموذج الخميني قبل إسقاط الشاه، أن سحب الثقة والتمسك بموقف موحد سيؤديان إلى إسقاط النظام الحاكم بأجهزته ووسائله"، معللة دعوتها بهذه الذريعة:

"لأن الحاكم كان السبب ولا يزال في ظلم وفساد عظيمين، وهو مقدم على فساد وإفساد كبيرين بسبب السياسة الليبرالية وتفتحها على أعداء الإسلام من نصارى ويهود ووضعه قدرات البلاد بين أيديهم وتحت تصرفهم، فإنه من الواجب والضروري مقاومته وسحب الثقة منه وعدم التعاون والتعامل معه حتى السقوط" .

ونصل إلى النقطة الحاسمة حيث تعني الجبهة في بيانها رأيها الواضح في الديمقراطية فتقول: "أن الديمقراطية وسيلة من الوسائل المستعملة لدفع الفرد وإرغامه على الركون للطاغيين، فليس رأي الأغلبية هو الذي يحدد ويبين الحق والعدل، بل الله سبحانه وتعالى هو الذي يبين ويحدد". وبعد أن تستشهد بآية قرآنية يمضي في تفسيرها: "أن رأي الأغلبية لا اعتبار له كما انه ليس القانون الذي يملى علينا الحق والعدل، بل ما هو حق وعدل هو الذي يملي القانون وشرع الله سبحانه وتعالى وصراطه المستقيم هو الحق والعدل وما سواه ظلم وفساد وباطل.

وهذه الإدانة الموضحة للديمقراطية ورأي الأغلبية ليست كما يحذر منه وليد نويهض، نصاً مجرداً قائماً على نظرية لا علاقة لها بالحدث التاريخي والمجتمع والسياق السياسي والطارئ والنهائي. انه نص يجد معناه التام والأكمل لأنه أتى ضمن سياق معركة سياسية واضحة المعالم قائمة على أسلوب العصيان المدني كسلاح فعال يضمن تراجع السلطة ثم انهيارها.

يتعانق النص والسياق التاريخي في هذا المضمار ويبدو أن مأخذ الباحث حول الفصل المتعسف بين النص والسياق، وهو نص جاء ليحدد معالم استراتيجية سياسية، ويعني طرحها وتطورها، ولقد أصبح بالتالي جزءاً لا يتجزأ من الحدث نفسه، ومن المتعسر التفريق الدقيق بين القول كما يورده البيان وبين التطبيق العملي، كما عمدت الجبهة إلى إخراجه إلى حيز الوجود.

فلا مجال إذن، للتباكي على الديمقراطية في الجزائر، لأن الجبهة الإسلامية حرمت منها. بل الأصح القول أن النظام الجزائري والجبهة معاً مارسا نوعاً من التواطؤ الواعي أو غير الواعي لإخراج اللعبة الديمقراطية عن حدودها والانحراف بها نحو العنف والعصيان المدني وإعلان حالة الحصار العسكري. وهكذا فإن المجتمعات العربية لن تبكي ضياع الديمقراطية في الجزائر كما بكت سابقا ضياع الأندلس. وان للإسلاميين الكف عن هذا التباكي المصطنع وذرف دموع التماسيح على ديمقراطية لم يؤمنوا بها في المقام الأول.

وليست الحالة الجزائرية كما تمثلها الجبهة الإسلامية للإنقاذ حالة شاذة، بل أنها مجرد مثال آخر يتكرر منذ تأسيس حركة الإخوان المسلمين في أواخر العشرينات حتى الآن.

ها هو المرشد العام ومؤسس حركة الإخوان حسن البنا يعلن في رسالته "نحو النور": "أن مدنية الغرب التي زهت بجمالها العلمي حينا من الدهر وأخضعت العالم كله بنتائج هذا العلم لدولة واهمة تفلس الآن وتندحر، وتندك أصولها وتنهدم نظمها وقواعدها، فهذه أصولها السياسية تقوضها الدكتاتوريات، وأصولها الاقتصادية تجتاحها الأزمات، ويشهد ضدها ملايين البائسين من العاطلين والجائعين " (ص8).

وهو يقرر بهذا القول فشل الديمقراطية ويبرر صعود الدكتاتورية في إيطاليا وألمانيا، إبان عهدي موسوليني وهتلر، كردة فعل طبيعية على سقوط الأصول السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وكان حسن البنا قد وجه رسالته هذه (رجب 1366 هـ) إلى الملك فاروق ورئيس الوزراء المصري آنذاك مصطفى النحاس، كما بعث بها إلى أصحاب الجلالة والسمو ملوك وأمراء وحكام بلدان العالم الإسلامي المختلفة " كما يقول ناشر الرسالة المذكورة. وقد اقترح على هؤلاء القادة وأصحاب الجلالة والسمو إجراء عدد من الإصلاحات الجذرية في الحقول التربوية والعسكرية والسياسية والاقتصادية. ومما اقترحه بصدد النظام السياسي، وهو ما يعنينا هنا هذا الاقتراح:
"القضاء على الحزبية وتوجيه قوى الأمة السياسية في وجهة واحدة وصف واحد.

وهذا الاقتراح الذي يطالب بالقضاء على تعدد الأحزاب وتضارب الآراء وصراع الأفكار، داعياً إلى حشد قوى الأمة السياسية في اتجاه واحد وتحت راية واحدة لا يدع مجاز للشك حول إيمان مؤسس الإخوان ومرشدهم العام بالديمقراطية.

والذي يقوله حسن البنا يعيد تكراره في أيامنا هذا الإسلامي التونسي راشد الغنوشي عندما يرى أن الديمقراطية لا توجد بدون الإسلام، والإسلام لا يوجد بدون الديمقراطية أو الشورى. وهي مقولة تنبئ في أبسط معانيها مذاقه التلاعب بالألفاظ بحيث لا يدري المرء المعنى الحقيقي الذي لا ينطق به النص ويحجم عن الإفصاح عنه. وهو إحجام يقابله إحجام الباحث في نبش القواعد النظرية التي تنهض عليها هذه المقولات، أو تتيح لأصحابها الإدلاء بآراء تحمل ألف تعليل وتعليل.

والرد البسيط على هذه المقولات هو الإعلان بكل صراحة بأن الديمقراطية تقوم وتستمر وتنهض وتزدهر بدون الإسلام، كما أن الإسلام قام واستمر ونهض وازدهر ويزدهر بدون الديمقراطية، ولا ترابط على الإطلاق بين الاثنين. فالديمقراطية سواء أكانت اسلوباً عمليا كل نزاعات المجتمع سلميا، أو منهجا فكريا وعقائديا تختلف في نشأتها وتطورها واستمرارها عن نشأة وتطور واستمرار الإسلام. ولم يكن الإسلام في عهد من عهوده نظام حكم، بل مجرد قواعد عامة تحدد سلوك الحكام والمحكومين على السواء.

وعندما يناقش حزب التحرير الإسلامي "الخلافة" في كراسي يحمل العنوان نفسه، ونشهر العام 1960، يقرر أن الخلافة بيعة في عنق كل مسلم ومسلمة وهي حق وفرض يقوم بها المسلمون لعقدة الخلافة. وبعد تؤكد الدراسة بأن "الشارع جعل السلطان للامة وجعل نصب الخليفة للمسلمين عامة، ولم يجعله لفئة دون فئة،، ولا لجماعة دون جماعة"، تحذر من مغبة خلط هذه المعاني في وصف كيفية نصب الخليفة مثل إجراء الانتخابات بالاقتراع السري، واستعمال صناديق الاقتراع، وفرز الأصوات وما شاكل ذلك من أساليب، وبين النظام الديمقراطي نفسه. إذ أن هذا الأخير مغاير لنظام الخلافة مغايرة ثابتة لأن الشريعة التي تطبق في إيجاد الحكم، وفي رعاية شؤون الرعية، وفي العلاقات الخارجية، وهي من عند الله تعالى، فليست هي من الشعب، ولا من عدد قليل منه، أو من أي في، ثم تتابع واصفة النظام الإسلامي ومميزة له.

"وهو وان تشابه مع النظام الديمقراطي من حيث حرية الانتخابات وحرية التصويت، وحرية القول، ولكنه لا يصح أن يلاحظ هذا الشبه، لان ذلك في النظام الديمقراطي ناتج عن الحريات، وهنا ناتج عن شروط عقد الخلافة".

وما تتحدث عنه دراسة حزب التحرير حول "الخلافة" تعيد صياغته أدبيات الحركات الإسلامية بشكل أو بآخر.

ولعله من المفيد لفت الانتباه إلى فقرة وردت في صلب دراسة الباحث،ولكنه تركها معلقة بدون شرح أو إيضاح. وفي رأي انه فقرة تستحق بالغ الاهتمام وتتطلب تفسيرا مستفيضا وذلك من اجل استخراج معانيها ومدلولاتها أو الإمساك بمغزاها العملي. تقول الفقرة مشيرة إلى الحركات الإسلامية التي ترفض الديمقراطية أسلوبا ومنهجا وعقيدة:
"أن مصادر تفكير الجماعات الإسلامية وحركات الجهاد اقرب بكثير إلى التجارب الأوربية ومناهجها من التجارب الإسلامية ومناهجها.. كما أن معظم قادة التيارات الإسلامية المعاصرة درست الإسلام في المعاهد والجامعات الحديثة والسجون وربما تعلمه بجهده الخاص ولم يتعلمه كقواعد وأصول كما تذهب مناهج الأزهر" (ص (37).

ما هي هذه التجارب الأوربية ؟ هل هي إشارة عامة أم تريد التقاط نماذج وأمثله معينة؟.

وإذا أردنا اختصار النتيجة النظرية لهذه الدراسة تجدنا مسوقين إلى الاعتقاد بأننا فشلنا في العمل من أجل بناء مجتمع ديمقراطي عادل، عادل، متوازن، قوي، سليم، لأننا تخلينا عن الإسلام، أو الموروث والتقليدي والأصيل. وهو جواب طالما سمعناه، رغم اختلاف أساليب تخريجه وتأطيره وتزيينه بالأمثلة والاستشهادات والتفسيرات الذهنية أم السياسية أم الثقافية.

وهو استنتاج يمكن الذهاب إلى طرف معاكس والإعلان بأن الديمقراطية فشلت لأن الذين حاولوا تطبيقها لم يدركوا أبعادها وخلفياتها وشروطها، وليس بسبب عدم وعيهم لإسلامهم وثقافته.

واخيراً ليت الباحث أوضح الفوارق التاريخية والسياسية بين الليبرالية والديمقراطية حيث أن الأولى سبقت الثانية ولابد من ادارك الفارق بينهما.

تعقيب على ورقة الباحث زياد احمد بهاء الدين - "مخاوف وتحفظات من مشاركة التيار الإسلامي في التنافس الديمقراطي" - عزام التميمي
مدير منظمة ليبرتي للدفاع عن الحريات في العالم الإسلامي
والباحث في مركز دراسات الديمقراطية التابع لجامعة وستمنستر في لندن

أثنى إبتداءً على الباحث زياد أحمد بهاء الدين اعترافه في أكثر من موقع في ورقته بأنها لا تمثل دراسة موضوعية وأنها لا تعتمد على المصادر الأكاديمية وإنما على ملاحظات شخصية أغلبها غير موثق. وهذا ما يعطيها صفة الكتابة الصحفية، الورقة في مجملها أبعد ما تكون عن الكتابة العلمية.

لن يتسع المجال المتاح لذكر كل ما في الورقة من عيوب وتفنيد ما فيها من مزاعم، إلا أنني سأحاول عرض أهم ما تقوم عليه من فرضيات هشة، ما كانت تليق بندوة علمية كهذه

أولاً: يرتكب الباحث زياد أحمد بهاء الدين خطأً متكرراً عندما يتكلم عن التيار الإسلامي كما لو كان كتلة مصمتة وتنظيماً موحداً ذا قيادة مركزية تصدر إلى كل المنتمين إليه الأوامر فيطيعوا أو تنظر لهم فيتبنوا أفكارها م‘ أن كل الدارسين لظاهرة الصحوة الإسلامية - آو لما يعرف في بعض الأوساط بالإسلام السياسي - يعلمون أن هذا التيار عبارة عن بحر فيه من أنواع البشر والأفكار والأهداف والوسائل والتطلعات ما يستحيل معه تناوله كله بالدراسة كما لو كان شيئاً واحداً. بل إن في هذا التيار عناصر تجدها أقرب بكثير إلى بعض عناصر التيار العلماني من بعض نفس عناصر ما يعرف بالتيار الإسلامي. فإن يتناول الإنسان بالبحث موقف هذا الكم الهائل من البشر والمجتمعات الإنسانية من الديمقراطية أو من أي قضية أخرى كما لو كانوا شيئاً واحداً. فذلك أشبه بأن يتكلم إنسان مثلاً عن موقف الأوربيين من أكل الثوم. ولكم أن تنظروا التعريف الذي أختاره الكاتب لمصطلح التيار الإسلامي في الفقرة الأخيرة من الصفحة الخامسة لتروا كيف جمع في وعاء واحد كماً هائلاً من العناصر التي فيما بينها من الانسجام والتناقض ما يستحيل معه التعامل معها كشيء واحد. إذ كيف نسوي بين من يرى أن الديمقراطية والإسلام منسجمان، وبين من يعتبر الديمقراطية نظام كفر يكفر من يعجب به فكيف بمن يسعى لإقامته ؟ وكيف نسوي بين من يحرم استخدام القوة لإصلاح الدولة والمجتمع وبين من لا يرى سوى البندقية والقنبلة طريقاً لذلك ؟ ثم كيف نسوي بين من يمثل قطاعاً عريضاً من أبناء المجتمع وبين من لا يمثل إلا قلة من الغلاة أو الناشزين أو اليائسين البائسين؟ وكيف نسوي بين من يعيش في بلد يعاني من فائض سكاني وبطالة هائلة وفقر مطبع وجذب في الموارد، ومن يعيش في بلد بترولي لديه من المصادر وتتوفر له من الظروف مالا يحلم به الآخر ؟ وكيف نسوي بين من يعمل في مجتمع قبلي، وبين من يعمل في مجتمع لم تبق فيه الأنظمة الاستبدادية من مظاهر المجتمع العربي التقليدي مظهراً يذكر ؟ إذا هذا التيار الإسلامي العريض فيه عناصر تختلف اختلافاً جذرياً فيما بينها من حيث: الفكرة - الهدف - الوسيلة - الموارد - قائمة الأولويات - ظروف المجتمع - مستوى الثقافة، وهكذا. للمرء أن يجري عملية حسابية بسيطة ليرى ما يمكن أن يخرج به جراء اجتماع هذه العناصر بمستويات متباينة وبمقادير مختلفة في كل مكون من مكونات ما يعرف بالتيار الإسلامي.

ثانياً: تتكلم الورقة عما يسميه الكاتب "قطاعاً واسعاً من الجمهور العربي" لديه مخاوف وتحفظات وليس مؤيداً للتيار الإسلامي كقوة سياسية. وهذه معلومة تحتاج إلى إثبات، فمن هو هذا القطاع وبمن يتمثل، وما هي سعته، وما المقاييس التي بها عرف حجمه ؟ وهل سمح في أي مكان من العالم العربي بإجراء انتخابات حرة نزيهة حتى نتبين مدى تأييد أي قطاع واسع من الجمهور لهذا التيار أو ذاك ؟ ولذلك أرى أن الكاتب لو أراد أن يكون دقيقاً في استعمال التعبيرات والأوصاف لتحدث عن نخب سواء فيما يتعلق بالإسلاميين أو بخصومهم. لأن عامة الناس ليست طرفاً في النزاع الفكري والسياسي الدائر، ولا دور لها مباشراً إلا حينما يسمح لها بورود صناديق الاقتراع أو حينما تفلح إحدى النخب في تجييشها وإخراجها إلى الشوارع في ثورة خبز أو ثورة كرامة أو ثورة تحرير أو ما شابهها.

ثالثاً: تتحدث الورقة عن ضرورة وضع حد لنزيف الموارد والطاقة وثقة الجماهير الذي نجم عن سنوات الصدام بين معارضي ومؤيدي التيار الإسلامي، وهذا تمييع شديد للقضية، ووصف لا ينطبق على الواقع. فإن ما يسبب النزف للموارد ويعيق التنمية والتطور في بلادنا ليس الخلاف الفكري أو التنافس السياسي بين النخب أو الأحزاب. وإنما الاستبداد الذي يمنع كل من يريد أن ينافس بنزاهة من الوقوف على قدميه. وهنا لابد أن تكون الدعوة موجهة إلى توحيد الداعين إلى الانفتاح السياسي وإطلاق الحريات ورفع القيود في معسكر واحد ضد تلك الفئة المتحكمة والمقاومة لأي تنازل منها في سبيل النهوض بالأمة. ولابد ايضاً من أن يتمايز الناس ويعرف من يقف في صف المستبد ضد الحرية، ومن يرفع شعار وأد الديمقراطية بحجة الخوف عليها ممن قد يصل بها إلى الحكم ليئدها. وتجربة الجزائر دليل قائم على تورط تيار من المثقفين في سحق العسكر لصناديق الاقتراع ومصادرة حق الشعب في الاختيار.

رابعاً: يتناقض الباحث نفسه في مواقع كثيرة. وربما كان ذلك بسبب غياب المنهجية في ورقته واعتماده على ما يتردد في أوساط معينة أو على ما يصدر في بعض الصحف. فتجده يأتي بالتحفظ ثم يفنده ثم يعود فيؤكده ناسباً إياه إلى شيء مجهول يسميه قطاع عريض من الجماهير ". ومن أمثلة ذلك إصراره على أنه "لا يملك القطع بما إذا كان التيار الإسلامي على العموم منفصلاً عن الجماعات المسلحة أم انهما وجهان لعملة واحدة إلا من كانت لديه معلومات مؤكدة من طبيعة استخبارية"، وهذه المعلومات كما يقول غير متوفرة لديه. وتراه في غياب مثل هذه المعلومات الاستخبارية - التي لا توجد حتى عند الأجهزة الاستخبارية ذاتها لأنها ببساطة غير موجودة ولأنها من فبركة هذه الأجهزة ذاتها - يطبق قاعدة "إن كل حركة إسلامية متهمة حتى تثبت براءتها " وتراه يحمل كل الحركات الإسلامية مسئولية ما تقوم به بعض العناصر من أعمال عنف. وقضية العنف هذه كان من الممكن أن يقال فيها كلام كثير، من استقصاء لجذورها، ودوافع اللاجئين إليها، وظروف كل مجتمع من المجتمعات التي يلجأ فيها أفراد أو جماعات لاستخدام السلاح. إن من السذاجة بمكان تجاهل كل هذه الأمور والحديث فقط عن مظاهر الأزمة المتمثلة في تعرض الأبرياء للأذى وفي تدمير مرافق الدولة والمجتمع. ومن المعروف أن التركيز على الأعراض دون النفاذ إلى مصدر العلة لا يشفي ولا يعافي.

ويقع الكاتب في تناقض كبير حينما يثني على جماعة الإخوان المسلمين وعلى كل من له وزن فكري من الكتاب والمفكرين الإسلاميين ممن سارعوا إلى التنديد بأعمال العنف، ولكنه يقرر بأن أثرهم جميعا لا يتجاوز نخبة محدودة مقابل ما لأمراء الجماعات الإسلامية المحليين في القرى والنجوع من تأثير .

ثم تجده يصر على اتهام التيار الإسلامي بهمومه في قضية نصر أبو زيد فيقول بالحرف الواحد "إلا أن حكم المحكمة كان قد سبقه حكم آخر أصدره التيار الإسلامي" فمن الذي اصدر هذا الحكم، وما موقعه من التيار الإسلامي، وما مدى ما يحظى به من تأييد، وأين دور السلطات في هذه القضية التي قصد بتصعيدها في وقت معين حسبما أرى ضرب تحالف وطني - إسلامي فريد من نوعه ضد السلطة التي أرادت فرض قانون المطبوعات على الناس لتقلص أو تلغي ما كان متوفراً من هامش للحريات.

ثم تجده يقلل من قيمة رأي أي مفكر إسلامي معتبراً الآراء التي تصدر ضد التشدد هي من ترف الجدل الثقافي والنقاش الفكري متوقعا أن يقوم المفكرون من داخل التيار الإسلامي بوضع حد لظاهرة التشدد والعنف. كما لو كانوا يملكون ذلك أو يتمتعون بالسلطة والنفوذ. إن ظاهرة الغلو واللجوء إلى العنف أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، ولا تملك حركة إسلامية مهما كبرت وحدها أن تحل المشكلة طالما كانت السلطة الحاكمة بشكل مباشر أو غير مباشر تغذي التطرف وتدفع الناس إلى اللجوء إلى العنف.

ثم يحمل الكاتب النخبة الإسلامية المثقفة المسئولة على ما تكتب. ويذكر في هذا الصدد الاحتجاجات التي حصلت على كتابات فرج فوده معتبرا أنها هي التي تسببت في مقتله. أليس في ذلك محاولة لفرض نوع من الرقابة على حرية التعبير؟ وكيف يسمح لفرج فوده بأن يشتم الإسلاميين ويسفه أحلامهم وآرائهم مستخدماً ابذأ العبارات وأن يقف إلى صف النظام القمعي مطالباً بمزيد من القمع، ثم لا يرد عليه أحد أقواله أو يعرى مواقفه. أم أن لفرج فوده وحده حق التعبير عما يريد. إن الذي قتل فرج فوده هو ما صدر عنه هو لا ما صدر عن غيره ممن كان يرد عليه. والذين اختاروا أن يردوا عليه بالرصاص، فعلوا ذلك لأنهم أصلاً لا يؤمنون بجدوى استخدام الكلمة في الرد على أمثاله.

خامساً:أما فيما يتعلق بالموقف من الديمقراطية، فأحسب أن الكاتب في غياب تام عما يجري داخل التيار الإسلامي، بل وداخل كل حركة أو كل مركبة من مركباته من حوار حول هذه القضية. وأذكر في هذا المجال ندوة الشرعية السياسية التي نظمتها ليرتي في لندن يوم الثامن من يوليو1996، وما جرى فيها بين منتسبين إلى تيار الوسطية فيما احسبه من نقاش جعلهم يصنفون بعضهم إلى إسلاميين ديمقراطيين وإسلاميين سلفيين، ومع أن الطرفين باعتراف كل منهما يرى في الآلية الديمقراطية خياراً استراتيجياً، إلا أنهما يختلفان في الموقف من الممارسة العملية للديمقراطية في الغرب وفي موقع التراث من خياراتنا المعاصرة. أما الخلاف بين التيار وغيره من التيارات، فليس حول الآليات بقدر ما هو حول قضية المرجعية، وهي مسألة فلسفية فيها كلام كثير. ثم ما المانع في أن يكون لنا نقدنا الخاص بنا للديمقراطية، وما المانع في أن تتعدد الآراء في هذا المجال، إذا كان الأمر مجرد رأي مهما كان غريباً وشاذاً ؟ ولماذا نتوقع أن يكون الجميع بنفس الدرجة من الوعي وبنفس القناعة؟.

هذا وتفترض الورقة أن كتابات المفكرين الإسلاميين في هذا المجال قد عالجت الموقف الإسلامي النظري دون التطرق إلى الممارسات العملية، وهذا غير صحيح، بل لقد نشرت خلال السنين القليلة الماضية عدة دراسات تتكلم عن المشاركة في السلطة وعن تجارب بعض الحركات الإسلامية، وعن المصاعب التي تعترض المشاركة. وصدرت عن الحركات نفسها أدبيات تقيم تجربتها وتعلن مواقفها. إلا أن الكاتب لم يطلع فيما يبدو على شئ منها.

سادساً: استخدام لفظ الدولة الدينية غريب عن الأدبيات الإسلامية، وحينما يتكلم كاتب الورق عن نقد ما أسماه الدولة "المدنية المعاصرة" من قبل الإسلاميين، فإنه يأخذ عليهم أنهم يعتبرون الدول العربية المعاصرة صنيعة الاستعمار الأوربي. وأتساءل كيف نشأت الدولة القومية في الوطن العربي ؟ وأين الدور التآمري الأوربي على الدولة العثمانية، وتفتيتها وتوزيع تركتها، وأين سايكس بيكو ؟ أما لهذه التطورات التاريخية أهمية على الإطلاق ؟ وهل كانت هذه الدول فعلاً نتيجة تضحيات كبيرة بذلها مناضلون وقادة وشارك فيها ملايين المواطنين، أم أن التضحيات كانت في سبيل التحرر من الاستعمار، الذي رحل وترك من يقومون بدوره خير قيام باسم الدولة القومية والوطنية، وبغطاء من شرعية الثورة والتحرير ؟ ثم إن النقد الموجه للدولة المعاصرة في الأدبيات الإسلامية لا يقتصر على كونها ثمرة من ثمرات الاستعمار، بل يركز بالدرجة لأولى على أهدافها وإنجازاتها وخاصة فيما يتعلق بالهوية الوطنية والتنمية والحريات والحقوق.

سابعاً: فيما يتعلق بموضوع الشريعة الإسلامية، لا أظن أن الكاتب - وقد اعترف هو بذلك - مؤهل لأن يتكلم في الشريعة ويعرفها كما يريد. فهذا موضوع اختصاص كان الأجدر به أن ينأى عن الخوض فيه، وخاصة أن الشريعة أو رفع شعار تطبيقها لا تعيق من قريب أو بعيد الممارسة الديمقراطية. فلأي حزب يريد التنافس على السلطة عبر صناديق الاقتراع أن يتقدم من الجماهير بما يريده، والجماهير هي التي تحكم ومن لم يحقق وعوده، فإن الدورة التالية ستحكم عليه بالضربة القاضية. وان الإيماء بأن التيار الإسلامي (وهنا يستخدم كما لو كان شخصاً أو هيئة محددة) يرفع شعار الشريعة ليحقق كسبا جماهيريا لا أراه يخدم غرضاً، إذا لا عيب في تحقيق الكسب الجماهيري وإلا فكيف ستتمكن من النجاح بلا هذا الدعم.

ستظل المطالبة بالشريعة الإسلامية حجر الزاوية في فكر أي حركة إسلامية تسعى إلى تقديم برنامجها الإصلاحي للمجتمع الذي تعرض خلال أكثر من قرن مضى لتغريب قصري. وان المطالبة بالتنازل عن ذلك هو نزع لشرعية هذه الحركات رفض لها. أما فيما يتعلق بتطور المطالبة بالشريعة الإسلامية، ورداً على ما ذكره زياد في ورقته حول تطور القوانين الوضعية في البلدان العربية، فإنني أورد نصاً أقتطفه من مقال للمستشار طارق البشري حول هذا الموضوع نشر في جريدة الحياة على ثلاث حلقات كانت أولاها بتاريخ 5/3/1996:
"لما ساد التشريع الأخذ عن قوانين الغرب ونظمه، ظهر مطلب العودة إلى الشريعة الإسلامية بالتدريج، لأن العقل المسلم لم يكن يتصور في البداية أن تلك القوانين والنظم الغربية وضعت لتسود المجتمع كله ولتحل محل الشريعة الإسلامية. بل نظر إليها في البدايات على أنها نظم وافدة تقف بجوار الشريعة ولا تقصيها. يشهد على ذلك في مصر أن القوانين الآخذة من المغرب عندما صدرت في سنة 1883 وأنشئت المحاكم الأهلية لتطبيقها، لم تتضمن أن المحاكم الأهلية هي جهة القضاء ذات الولاية العامة، وأن الناس استصحبت من هذا السكوت أن الولاية القضائية العامة باقية للقضاء الشرعي، كما يشهد به أن وزيرين منهما علي مبارك، واقفا على سن تلك التشريعات وإصدارها إقناعا للأجانب بأن يستغنوا بها عن المحاكم المختلطة لأنها تطبق قوانين آخذة من مواردهم فتكون مصر بهذا الإطار قد استردت سيادتها القضائية وبعضا من سيادتها التشريعية وإن بقيت مقيدة، لأن القضاء الأهلي تقيمه حكومة مصر من دون مشاركة للحكومات الأجنبية في التعيين، ولأن القانون الأهلي تصدره الحكومة المصرية من دون توقف على مشيئة الدول صاحبة الامتيازات، وإن كانت إرادة الحكومة المصرية مقيدة بأن تصدر تلك التشريعات من موارد الغرب ومشاريعه. ثم اكتسبت تلك المحاكم الأهلية الولاية العامة بعد إنشائها بعدد من السنين، وكان الاستعمار البريطاني قد مد جذوره في الأرض المصرية مع خواتيم القرن التاسع عشر، وكان الفكر العلماني قد صارت له مؤسساته ودعاته سواء في مدارس الدولة أو في دوريات الثقافة أو في الصحف السيارة.

من هنا بدأت لمطالبة بالعودة إلى الشريعة الإسلامية كشريعة حاكمة، والى القضاء الشرعي الذي يطبقها بوصفه صاحب الولاية العامة. بدأت هذه المطالبة قبل الحرب العالمية الأولى كمطلب يقوم على أسس فقهية وفكرية واجتماعية، ويتردد الحديث بشأنه بين رجال الصفوة من العلماء وغيرهم. ثم تطور الأمر بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد قيام ثورة 1919 وبعد انكشاف أن التحول الذي يجري في المجتمع المصري وغيره من المجتمعات الإسلامية لا يقتصر على استبدال قوانين بقوانين ولا على الاستعاضة عن تنظيم قضائي بتنظيم قضائي آخر، ولكنه يمتد تحويلاً لأسس الشرعية والمرجعية كلها في المجتمع. فالجامعة الإسلامية تسقط، والهوية التي تقوم على أساس الإسلام تذوي، والتكوين العلماني يسود. وبدا أن الشريعة الإسلامية، وهي ركن النظم الإسلامية، كأنما أريد إقصاؤها لا لعوار أو نقص أو قصور في تنظيمها للمجتمع وتثقيفها للبشر، ولكن لتغييب شعور الجماعة بذاتها وتفكيك قوى التماس بها كجماعة ذات هوية وموقف حضاري وتاريخ ممتد. ومن هنا بدأ مطلب العودة إلى الشريعة الإسلامية يتحول من مطلب فقهي مهني اجتماعي إلى مطلب سياسي. وجرى ذلك على أيدي الحركات السياسية الإسلامية التي ظهرت مع نهاية العشرينات من القرن الحالي، وهو لا يزال كذلك ".

أما الادعاء بأن شعار "تطبيق الشريعة الإسلامية" كما يرفعه التيار الإسلامي يؤدي إلى إثارة الجماهير وتضليلها لأنه ينطوي على مغالطة في مفهوم الشريعة، فلا يورد الكاتب دليلاً عليه، مع أن الواقع يؤكد أن تطبيق الشــــريعة ليس مطلباً نخبوياً بل جماهيرياً عاماً. وأذكر أن عددا من مرشحي الحزب الاشتراكي في اليمن في انتخابات 1993 رفعوا شعار تطبيق الشريعة الإسلامية لمعرفتهم بأن ذلك ما يريده الناس، رغم أنهم هم شيوعيون، وكان من الممكن أن يكون النقد الموجه للحركات الإسلامية أنها لم تتقدم ببرامج عملية أو بحلول المشاكل، ويقبل من هذا النقد ويرد عليه ن أما الادعاء بأن رفع الشعار في حد ذاته تضليل فلا قيمة له.

ويتكلم الكاتب عن قضايا فرعية وأخرى كبرى، يضرب مثلاً للفرعية بمسألة تحريم الخمر ولا يعطي مثلا للقضايا الكبرى. فهل القمار والربا والزنا والغش والسرقة والاحتكار والفساد والمسكرات والمخدرات وبيع الأوطان وغش الشعوب وتقييد الحريات وسجن الأبرياء وتعذيب المعتقلين وانتهاك الأعراض والاعتداء على الممتلكات وخيانة الأمة والنيل من القيم والدوس على الأخلاق قضايا فرعية صغرى؟ هذه هي القضايا التي تطالب الحركة الإسلامية بعلاجها والتخلص من آفاتها. والشريعة الإسلامية في نظرها خير إطار يمكن أن تعالج من خلاله هذه المشاكل.

ثم إن الحديث عن جمهور "يجد نفسه مواجهاً ليس فقط بمفهوم غامض لتطبيق الشريعة الإسلامية، وإنما كذلك برؤية أحادية غير قابلة لرؤى الغير "، فكان الأخرى استبدال كلمة الجمهور بلفظ "العلمانيين" وهؤلاء موقفهم من الشريعة معروف، ولا يملكون إلا أن ينافسوا الإسلاميين من خلال العملية الديمقراطية على بديل، وللجماهير أن تحكم، ولا يحق للعلمانيين هؤلاء أن يفرضوا وصايتهم على غيرهم، فيحددوا هم مفهوم الشريعة، ويقرروا هم ما إذا كان حان الوقت أم لم يحن للسماح بقيام أحزاب إسلامية.

ثامناً: كل ما ورد في الشق المتعلق بالارتباط السياسي بين فصائل التيار الإسلامي في أنحاء العالم هو هواجس مخابراتية، إذا كان لأحد دليل عليها فليقدم لنا دليله من ملفات المخابرات. أما الاختراق، فهو حاصل في كل التيارات الفكرية والسياسية، وهو أكثر وقوعاً بين الحركات المتطرفة والسرية، ولا يمكن منعه إطلاقاً وأن كان يمكن التخفيف من أذاه. وأكثر الأجهزة اختراقاً للجماعات الإسلامية المتطرفة هي أجهزة الأمن العربية، وهي المسئولة في كثير من الأحيان عن أحداث العنف وممارسة العمل الإسلامي الإصلاحي وإعطاء مبرر للانقضاض على القائمين به، وما يتعرض له الأخوان في مصر من مضايقات خير مثال على ذلك.

إن الموقف العربي الجديد الذي يدعو إليه مؤلف الورقة والذي يمكن أن يجتمع عليه كل الناس ينبغي أن ينطلق من المطالبة بتحول حقيقي نحو الديمقراطية وتنافس شريف ونزيه على عقول الناس وقلوبها، وتوقف كل طرف عن محاولة فرض الوصاية على الآخر. وما لم تفتح أبواب العمل السياسي الحر، فإن ظاهرة التطرف والغلو ستتعاظم لأنها في جلها رد فعل على القمع والاستبداد. وهنا يأتي دور النخبة العلمانية التي تريد الصالح العام، وذلك بأن تكون صادقة في المطالبة بالتحول نحو الديمقراطية وبالقبول بنتائجها أيا كانت. ولقد أثبتت التجارب حتى الآن أن الإسلاميين أكثر قدرة على تقبل النتيجة من خصومهم.

واخيراً يرى كاتب الورقة أن ما بين الإسلاميين وخصومهم قضايا فرعية ومساجلات ثانوية، وهذا ليس صحيحاً، بل إن بين الطرفين خلافات جذرية ومشاكل معقدة، لا ينبغي التقليل من خطورتها وإن كان يتوجب العمل على حلها والتقريب بين كل الأطراف التي تلتقي على أرضية الممارسة الديمقراطية الحرة والنزيهة، وتقبل أن تكون الأمة هي الحكم وهي مصدر الشرعية. ولعل مثل هذه الندوات والملتقيات تلعب دوراً في التقريب وإزالة التوجس والشك والدفع نحو ما فيه الصالح العام.


تعقيب على ورقة د. زياد أحمد بهاء الدين - الدكتور/ مهند برقوق

الحركات الإسلامية والديمقراطية:

أصبحت الحركات الإسلامية والديمقراطية أكثر المصطلحات استخداما في الخطابات السياسية العربية المعاصرة. فعلى الرغم من عدم وجود أي أدلة فكرية أو شرعية عنهم على عدم التوافق الضمني أو العملي بينهما، إلا أن كثيرا ما لجأ بعض المتبنيين لإحدى الطرفين لرفض الاعتراف الآخر وإقصاء فجاعته. هذين الطرحين الاقصائين ناتجين عن المنطق المشترك لكل حركات الإدماج MJ5 of Integration البين تعتقد بأن طرحها هو الأصح وعلى أن لها الحكر على الحقيقة المطلقة.

الإسلامية منطلق فكري ومنهج تغيير سياسي يتخذ الإسلام كمرجع إلا أن هناك عددا من التفسيرات والبناءات النظرية والطروحات المنهجية لهذا المنطق. كلها تنتمي للتيار الإسلامي ويمكن تفتيت هذا التيار إلى ثلاثة مجموعات تبعاً لإستراتيجية الأسلحة التي تتبعها كل واحد منها:

1 - الجمعيات الإسلامية غير السياسية والتي تهدف لتغيير المجتمع تبعا لإستراتيجية تركز على العمل التربوي، الثقافي والدعوى. هذه الاستراتيجية التصاعدية مبنية حول معارضة عمل مؤسسات الإسلام الرسمي.

2 - الجمعيات المسلحة التي تعمل على التحول الآتي نحو الدولة الإسلامية عن طريق استخدام العنف، الإجرام السياسية والإرهاب بالرغم من التغطية الإعلامية الكبيرة المعطاه لهذه الفئة المتطرفة إلا انها تبقي على هامش التيار الإسلامي (استراتيجيتها تنازلية محورها تغيير الدولة).

3 - الحركات الإسلامية التي تتبنى استراتيجية تدريجية للتغيير السياسي عن طريق المساهمة في العمل السياسي المباشر والعلني، التنظيم السياسي، التعبئة السياسية، والمشاركة الانتخابية كوسيلة شرعية للوصول للسلطة. وإصلاح كل من المجتمع والدولة تبقى محور استراتيجية هذه الحركات على خلاف المجموعتين السابقتين.

سوف تحاول هذه المداخلة التركيز على الحركات الإسلامية من بين هذا الطيف Speckum الذي يشكله التيار الإسلامي. هذا التركيز ضروري للوعي بالفرقة بين مختلف الجماعات والفئات المنسوبة على التيار الإسلامي للتفريق بين منطلقاتها العملية وسلوكها من مواقف وسياسات الحركات الإسلامية. لأن الخلط بين هذه الفئات هو أحد المصادر الأولية للإدراك الخطأ للحركات السياسية الإسلامية التي كثيرا ما تكون بعيدة على العنف حين يرتكب الا انه مع ذلك يحسب عليها لأنها جزءا من هذا التيار كأن تحسب الفيالعة الحمر في إيطاليا مثلا على الحزب الشيوعي الإيطالي.

سوف تقسم هذه الورقة الى أقسام:

1 - موقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية.

2 - المخاوف من الحركات الإسلامية.

3 - أين الحل ؟.

مواقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية:

بالرغم من اشتراك كل الحركات الإسلامية العربية في مرجعية واحدة إلا أن الويلات النظرية والعملية لهذه المرجعية مختلفة في معظم الأحيان بين قطرية وعالمية، بين سلفية واخوانية والى غير ذلك من التصنيفات. كما أن كل هذه الحركات ربما انها عاكسة للديناميكية المجتمعية، فهي متأثرة الى حد كبير بإرهاصات المجتمع وبتاريخ البلد، طبيعية الثقافة السياسية السائدة، طبيعة قيادة الحركة، خلفيتها الفكرية والمهنية (مفكرين، خطباء، أئمة المساجد، علماء، مهنيين... الخ) ومستوى التجربة السياسية. إلا أنه على الرغم من أهمية هذه العوامل السويولوجية، البيئية والذاتية، فأحد أكثر العوامل تأثيرا على هذا الموقف (موقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية) هو طبيعة علاقاتها بالمنسق السياسي السائد أو نوعية الاستراتيجية التي يتخذها النظام في تعامله مع الحركة الإسلامية القطرية. الدراسة الدقيقة للسياسات العربية اتجاه هذه الظاهرة تظهر وجود خمس استراتيجيات تتغير في التركيز على أحدها تبعا لمقتضيات الأوضاع:

1 - الإقصاء الإجباري: Forced Exclusion

هذه استراتيجية التصادم أو استراتيجية الجراحة السياسية الجذرية Radical foltical suggesion التي تقتضي بضرورة عدم السماح لأي حركة إسلامية من العمل السياسي خطرا لأنها تشكل خطرا على الأمن الداخلي واستقرار النظام (أو السلطة الأخرى). أهم الأمثلة في هذا المضمار هو تعامل السلطات السورية مع حركة الإخوان وسياسة الحكومة العراقية حيال حركة الدعوة.

2 - التهميش Marginalisation:

هذه الاستراتيجية مبنية على أساس سياسة استنزافية موجهة ضد حركة إسلامية تشكل خطرا على دوام السلطة القائمة. هذه الاستراتيجية المعقدة والمحنكة Sophistivated مبنية على أساس العمل الدائم على خلق وزرع العراقيل التعجيزية (بيروقراطية) إجرائية أو قانونية) للضغط الدائم على عمل هذه الحركات، مع الإكثار في المضايقات الأمنية، تنفيذ سياسة إعلامية سواء لأغراض الدعاية السياسية أو لأهداف الحرب النفسية. أصف مثالين في هذا المضمار هو طريقة تعامل كل من مبارك و بن علي مباشرة بعد وصولهما للسلطة (81 و 78) على التوالي، مع الحركات الإسلامية المصرية والتونسية. حيث قاما بتنفيذ سياسات لشبه التعايش السياسي معها ولكن الى حين استدراجها ليفرض عليها الاقصاء شبه الشامل.

3 - الاستراتيجية المبنية على احقية السلطة في تمثيل المرجعية الإسلامية pceemption.

هذه الاستراتيجية اقصائية حيث ترفض أي نشاط إسلامي غير رسمي أو خارج عن نطاق مؤسسات الدولة مع التأكيد على أن النظام هو الوحيد المالك للشرعية السياسية المستقاه من المرجعية الإسلامية: حالة السعودية والمغرب.

4 - التعايش المحدود: Limited Accomodation

تسمح السلطات في هذه الحالة مشاركة الحركات الإسلامية مع ضمان عدم وصولها للسلطة وحصولها على الأغلبية الانتخابية المطلقة تقوم هذه الاستراتيجية على تحقيق اجماع سياسي وطني حول ميثاق تتفق حوله كل الأحزاب والحركات السياسية. ينص هذا الميثاق على عدم مشاركة الأحزاب الدينية المطلقة ولا الأحزاب ذات الوعاء الخارجي (الاخوان في حيثياتها مجموعة من القواعد والخرائط الانتخابية بطريقة تصنف الحد من نسبة نجاح الحركات الإسلامية (الخارطة الانتخابية التي صاغتها حكومة حمروش في الجزائر في ابريل 1998 والتي أدت لأزمة سياسية اسقطت الحكومة. اضافة للمذكرة التي ارسلتها رئاسة الجمهورية الجزائرية للأحزاب في مايو الماضي. نقترح من خلالها مجموعة من التغييرات التي تدخل في هذا الإطار). كما يشجع النظام الأحزاب أو الحركات الإسلامية Donestecates Es المنتجة على حساب ذات الشعبية الواسعة.

شرع الأردن ميثاقا وطنيا وأعاد صياغة القانون الانتخابي قبل انتخاب 1993 لتهيمن الحركة الإسلامية. كما صاغ اليمن ميثاقا مماثلا ولكن اكثر ادماجا فاتحا الباب بالتالي لحزب إسلامي المشاركة في أول انتخابات تعددية 1993. كما سمحا كلا البلدين لهذه الحركات من المشاركة في البرلمان.

5 - الادماج الشامل: Full Inclusion

الإستراتيجية القائمة على السماع للحركة الإسلامية، على غرار كل الأحزاب والحركات السياسية المعتمدة من التنافس والنشاط السياسي الحر. التجربة الوحيدة في الوطن العربي في الجزائر هو السماح للجبهة الإسلامية للإنقاذ، بهذا الدور منذ نشأتها 1989 حتى يوم حلها 1992.

هذه الاستراتيجيات غير جامدة فهي تتغير وتتطور تبعاً لدرجة تعقد الأوضاع ومواقف الحركات الإسلامية من المساهمة الديمقراطية والديمقراطية متأثرة الى حد بعيد بالحالة التي تكون فيها (ضمن أحد الاستراتيجيات) وكذلك العوامل الاجتماعية التاريخية، والذاتية الخاصة بها.

دراسة مواقف عدد من الحركات الإسلامية العربية تكشف عن تطور هذه المواقف من الرفض للديمقراطية على أساس انها سم قاتل مستورد من بيئة كافرة (علي بن حاج 1989) وتفضيل الشورى (مع التعددية، الانتخاب والتداول على السلطة في ظل الشريعة) الى الإعتراف العلني بتوافق الديمقراطية مع مبادئ الحكم الإسلامي خاصة وان الإسلام لا يعرف نوعاً معينا من أنواع التنظيم السياسي أذ ترك الأمر للمجتمع المعين ليختار البناء السياسي الذي يلائمه. إلا أنه على هذا البناء أن يحترم المبادئ الأساسية التالية:

1 - الدور السياسي للدولة الإسلامية هو توفير العدل والرفاهية في المجتمع.

2 - سلطة الحكام محددة شرعاً. كما لا يجوز تشريع قانون منائي للشريعة الإسلامية أما إذا كان الأمر غامضاً أو مستجداً كان اللجوء للإجتهاد ضرورياً عند الوصول لإجماع أهل العلم حول الموضوع يصبح الأمر الزاميا على الجميع. هذا أحد عناصر النزاع الفلسفي والفكري على الأقل مع روح الديمقراطية. هذا يؤكد على أن الحركات الإسلامية مهتمة أكثر بالإجراءات والميكانيزمات الديمقراطية التي يعتبرونها خاصة بالتراث الحزبي.

3 - يجب اختيار حاكم أو حكام الأمة تبعاً لقبول أفرادها. هناك إجماع بين الحركات الإسلامية التمثيلية أن الانتخابات أفضل وسيلة لتحقيق هذا الاختيار.

4 - على الحكام ان يسيروا أمور الدولة تبعاً لمبادئ الشورى، أي عليهم أن يستشيروا أفراد الأمة او ممثليهم طوال عملية إتخاذ القرار.

5 - المشاركة السياسية واجب ديني على كل المسلمين خاصة في الحالتين التاليين:

أ - اختيار الحاكم.

ب - الادلاء الواعي للرأي خاصة عندما يكون الأمر مهما جداً.

6 - التعددية السياسية أمر طبيعي، وأحسن دليل على ذلك هو وجود أربع مذاهب في الإسلام السني. إلا أن الحركات الإسلامية مختلفة في هذا المضمار حول أمرين:

أ - حول ما إذا كانت الأحزاب السياسية أفضل طريقة للتعبير عن هذه التعددية.

ب - دور ومكانة الأقليات الايديولوجية في هذا البناء السياسي.

7 - هنالك شبه إجماع بين معظم الحركات الإسلامية على مبدأ الفصل بين السلطات وخاصة تكريس استقلالية السلطة التشريعية.

لتوضيح الأمر أكثر والتأكيد على مدى ديناميكية مواقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية أردت أن أتطرق بعجالة لمواقف علي بن حاج (الرجل الثاني في الجبهة الإسلامية للإنقاذ) راشد الغنوشي (حركة النهضة التونسية) والحركة الاخوانية العالية (إلا أنه نظرا لضيق الوقت فسوف أركز على بن حاج والجبهة الإسلامية للإنقاذ.

1 - علي بن حاج والديمقراطية:

انطلاقا من منطلق ديني نصير وضعف نوعية الفكر بالفكر السياسي وقصر في الحس السياسي، اعتبر علي بن حاج في كتاباته الأولى حول الديمقراطية سنة 1989 على أن الديمقراطية نظام مستورد معبر عن أفكار غير مؤمنة " فهو من قاتل أساسه غير عندي (المنقذ رقم 23). فكان يرفض من خلال هذا المنطلقة التعددية الحزبية غير المتماشية مع الشريحة ويعتبر أن الحرية بالمفهوم الحزبي شعارا ماسونيا لإفساد العالم وهي مرادفة للإباحية. إلا أن مع اكتسابه للتجربة وابتعاده التدريجي عن النظرة النصية الضيقة وصل لتقبل ليس فقط التعددية بمعناه الواسع ولكن بكل البناء الديمقراطي كما يؤكده نبينه من بداية 1993 علينا لوثيقة العقد الوطني التي أمضتها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، حركة النهضة، جبهة التحرير الوطني، جبهة القوى الاشتراكية _ المعركة من أجل الديمقراطية في الجزائر، حزب العمال (تروتيكلي) وحزب الجزائر المسلمة المعاصرة، والرابطة الجزائر للدفاع عن حقوق الإنسان تتفق هذه الوثيقة فيما تنص على:

1 - رفض العنف من أجل الوصول إلى الحكم أو الاحتفاظ به.

2 - احترام وترقية حقوق النفس البشرية كما هي معلنة في البيان العالمي وفي الاتفاقيات الدولية بشأن حقوق الإنسان.

3 - احترام التداول (على الحكم) عبر الاقتراع العام.

4 - احترام الشرعية الشعبية.

5 - ضمان الحريات الأساسية الفردية، والجماعية أيا كان العرف أو الجنس أو الديانة أو اللغة.

6 - تكريس وضمان التعددية الحزبية.

7 - فصل السلطات التشريعية، والتنفيذية والقضائية.

تعتبر هذه الوثيقة سابقة حميدة في التعامل السياسي الحزبي المشترك حول بناء صرح الديمقراطية في الوطن العربي. كما تستكمل هذه الورقة تطوراً دينيا في طريقة تعامل F 15 مع الأحزاب الأخرى. كما انه تبنى بن حاج لهذه الوثيقة والدفاع عنها يدل على مدى التطور الإيجابي في نظرته لمسألة الديمقراطية.

2 - الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسية:

يعتبر الغنوشي أحد المجددين الأوائل في الفكر الإسلامي المعاصر (إلى جانب عبد السلام ياسين زعيم حركة العدل والإصلاح المغربية الذي دافع عن مسألة الديمقراطية الإسلامية في كتابه (resolution 11herede islam) الصادر في باريس سنة 1982.

يري الغنوشي في كتابه الحريات العامة في الدولة الإسلامية أن العمل على تحقيق الحرية وتحطيم الاستبداد واجب إسلامي. كما يعتقد على أن الأدوات الديمقراطية المختلفة: الانتخاب، والتداول السلمي للسلطة، الأغلبية في اتخاذ القرارات، حماية حقوق الأقليات على أنها مبادئ عامة لا تخالف في شيئ القيم الإسلامية (ص 88). وبحث الغنوشي الحركات الإسلامية على أن تخلقة الضمانات الكفيلة بضمان الحريات ومنع الانزلاقات نحو أي شكل من أشكال الطغيان. كما يحثها على اتخاذ الإجراءات الضرورية للمساهمة الفعلية للمرأة في العمل السياسي وتمكينها من التمثيل النيابي (ص133).

يرى الغنوشي أنه عن الحركات الإسلامية انه تعمد على بناء نظام سياسي تعددي كما أنه عليهم أن نعقد مواثيق مع غيرهم من الأحزاب يتعاهدون فيها على عدم اللجوء للعنف والقبول بمبدأ التداول السلمي على السلطة بالانتخابات (ص297). كما يرى أن الدولة الديمقراطية حكومة الحقل (كما يسميها ابن خلدون) على انها أكثر الأنظمة توافقا مع الشريعة.

3 - الحركة الاخوانية العالمية:

في بيان صادر عنها في مارس 1994 تحت عنوان " موجز في الشورى في الإسلام وتعدد الأحزاب في المجتمع المسلم " نقلت هذه الحركة على انها مؤمنة بضرورة وجود تعددية حزبية فعلية في المجتمع المسلم وانه على السلطات أن لا تحد من تكوين هذه الأحزاب والجمعيات السياسية طالما أن الشريعة تشكل الدستور الأساسي. كما انها تؤمن بمبدأ التداول السلمي على السلطة عن طريق انتخابات دورية.

إذا كانت مواقف الحركات الإسلامية تتجه بصفة مستمرة نحوه ليس فقط قبول الديمقراطية ولكن الدفاع عنها كنظام أساسي للتغيير السياسي السلمي والبناء المؤسسي الكفيل بمنع الاستبداد والطغيان. فلماذا التخوف من مشاركتها في العمل السياسي الحر.

المخاوف من الحركات الإسلامية:

لتحليل هذه النقطة يستدعي طرح أسئلة مترابطة عضويا فيما بينها:
* ما هي المخاوف ؟
* من هم المفقودون ؟
* ما هي أسباب ومصادر هذه المخاوف ؟

انه من الأفضل البداية بالإجابة على السؤال الثاني، إذ انه من الصعب حصر عناصر أو فئات مجتمعية محددة. إلا أنه أكثر الجماعات تخوفاً من وصول الحركات الإسلامية للسلطة هم: الأقليات الأيديولوجية وخاصة الأحزاب اليسارية والتي في الغالب لا تملك قاعدة شعبية عريضة ولكنها متواجدة بقوة في المؤسسات الاستراتيجية للدولة.

أصحاب المصالح، الحركات النسوية وأخيرا نطاق السلطة ()
يمكن ذكر عدد من المخاوف في هذا الإطار:

1 - التخوف من علق باب العمل السياسي أمام الأحزاب والحركات السياسية التي لا تتبنى الأيديولوجية الإسلامية كمنطلق فكري سياسي لها. شكوك هذه الأحزاب في محلها خاصة في حالة وصول السلطة الحركات الأخصائية التي ترفض أي حزب يدافع عن برنامج غير موافق للشريعة الإسلامية (كان قد يكون كذلك مصير عدد من الأحزاب السياسية في الجزائر في حالة حصول = على الأغلبية المطلقة في انتخابات 1991 والسماح له بتكوين حكومته). إلا أن مع التطور الذي حصل في = وتعلم عدد من الحركات الإسلامية العربية من هذه التجربة تجاربها الخاصة وتجارب الحركات الإسلامية الأخرى في العالم العربي - فإقصاء هذه الحركات قد يكون غير حكيما على الإطلاق.

2 - الخوف من وقت العملية الديمقراطية بعد وصول الحركات الإسلامية السلطة وبناء نظام سياسي إسلامي تحكمه أحكام جديدة غير معروفة.

3 - الخوف من التطبيق التعسفي للشرعية.

4 - الخوف من المعاملة الجائرة والرجعية للمرأة.

5 - تخوف الأقليات الدينية واللغوية.

ما هي مصادر هذه المخاوف ؟

يمكن إرجاع هذه المخاوف لعوامل خارجية، حركية، ذاتية (أو متعلقة بالحركات غير الإسلامية أو المنسوبين إليها)، وسلطوية.

أحد العناصر الموضوعية التي تخلق القلق عند الكثير من الناس هو عدم وجود تجربة إسلامية ناجحة سياسيا في ضمان الحريات العامة وفي احترام القواعد الديمقراطية للحكم فالنظر للتجربة الإيرانية والتجربة السودانية على وجه الخصوص لا يرى الإنسان إلا مؤشر الخطر من احتمال استبداد كل الحركات الإسلامية إذا ما وصلت للسلطة خاصة وانه هنالك فرقا شاسعا بين الخطأ والعمل كما تظهره التجربة السودانية. فبالرغم من تمتع الحركة الإسلامية في السودان بحرية العمل في ظل الديمقراطية إلا أنها حرمت غيرها (خاصة الفاعلة منها) في هذا الحق حيال وصولها للسلطة.

كما تعتبر الحركات الإسلامية مصدرا لهذه المخاوف في كثير من الحالات خاصة بالنظر:
1 - لازدواجية الخطاب، احسن مثال على ذلك الثنائي عباسي مدني وعلي بن حاج: الأول يعمل على التهدئة بخطابه النخبوي والثاني بالبعثة بخطابه الشعبوي وكثيرا ما اختلفا حول مسائل عدة منها المرأة على وجه الخصوص.

2 - عدم قدرة عدد من الحركات الإسلامية من التخلص من رواسب سنوات العمل السري.

3 - عدم رغبة الحركات الإسلامية التبرأ من أعمال العنف المنسوبة للتيار الإسلامي والذي تقوم به جماعات مستقلة عنها.

4 - نظرا لأن هذه الحركات حديثة العهد بالعمل السياسي العلني، فإن حسها السياسي مازال متواضعا مما تجعلها يرتكب أخطاءً فادحة في معاملتها لعناصر المعارضة غير الإسلامية وحتى الإسلامية (العصيان المدني الذي أعلنه == في مايو ويونيو 1991 ورفض وساطة عدد من الأحزاب في الأزمة).

5 - الأصل الفكري والسياسي لعدد من قادة الحركات الإسلامية.

6 - الطرح الضيق للشريعة (التركيز على المحرمات والممنوعات بدله من العمل على ترقية الطرح الإسلامي حول الحل البديل.

7 - الشروع في الإعلان عن مواقف ارتجالية اتجاه عدد من القضايا التي غالبا مالا تخدم المصالح البعيدة المدى للحركة: مثال المساندة العلنية للعراق في أزمة الخليج ومطالبه لفتح الثكنات لمناضليها لإرسالهم للحرب إلى جانب العراق. مثال آخر، هو منع المجلس البلدي لوهران للحفل السنوي للرأي أدى لأزمة بين السلطة المحلية والدعاية والجمعيات السياسية أدى لحالة دفاعية أكدت مسئولية انصار = في الأعمال التي قامت بها بعض الجماعات في رمضان 1991 ضد الأماكن التي كانت تنظم أنشطة ثقافية ومهارات غنائية مما زاد في توسيع رقعة الخوف في إمكانية حد هذه الحركة، حالة وصولها إلى السلطة، من الحريات العامة.

هذه المعطيات وغيرها بما في ذلك المخاوف المصطنعة لأغراض سياسية سواء من طرف الأحزاب المعارضة أوالسلطة أدت لأن أكثر من مليون صوت سنة 1991 مقارنة مع انتخابات 1995.

كما يمكن إرجاع بعض المخاوف لطبيعة العلاقة الرابطة بين الحركات الإسلامية مع عدد من الأحزاب السياسية خاصة اليسارية منها والتي كثيرا ما استخدمت الأنظمة أحدها لضرب الأخرى مما خلق رواسب عدم الثقة في الآخر: إضافة لعدم التوافق المبدأي بينها، مثلا تاريخ العلاقة بين الاتجاه الإسلامي والتيار الشيوعي في الجزائر سلبي. إذ يعود ليوم ما كانت الخلايا الشيوعية الجزائرية تابعة للحزب الشيوعي الفرنسي. اذ انتقدت ابتداءاً من الثلاثينيات الفكر الإصلاحي لجمعية العلماء المسلمين ومدتهم بعلماء == سنة 1964 واستمرت في العداء العلني لهم إلى يومنا هذا إذ تنادى الأحزاب المنسوبة لهذا التيار بالاقصاء الكلي للحركات الإسلامية. كما تعتبر الحركة الإسلامية هذه الاقلية الايديولوجية على انها غير قادرة على الاستجابة للمتطلبات الشرعية في بناء التركيبة السياسية الإسلامية وبالتالي فمستقبلها غير مضمون في ظل الحكم الإسلامي.

كما لا يلزم إخفاء الدور الذي تقوم فيه السلطات السياسية من خلال سياسات مركبة هدفها سواءاً شفوية، والحركات السياسية الأكثر تهديدا لها، أو إضعافها داخليا أو عزلها سياسيا تبعا لسياسة فرق تسد لمنع بناء أي تحالف سياسي واسع بإمكانه خلق بديل سياسي ناجح (هذا السبب الرئيسي لرفض السلطات الجزائرية لميثاق الوفاق الوطني الذي عقدته 08 أحزاب جزائرية بروما في يناير 1995). فالدراسة الأمنية لتعامل سلطات دول المغرب العربي ومصر للحركات الإسلامية تكشف عن اشتراكها في تطبيق سياسة التلغيم المتكونة من 07 عناصر، يستخدم كل عنصر لوحدة او == عناصر آخرى أو كلها تبعا للأوضاع وتبعاً لطبيعة العلاقة بين السلطات والحركات الإسلامية، القوة أو الضعف الضر== للكليهما = تتكون هذه السياسة من العناصر التالية:

1 – الإستفزاز

2 - الإختراق والتغلل

3 - العناصر المؤثرة سنة 1991 اذ كشف الأمر على ان 04 على الاقل من المؤسسين الخمسة عشر للجبهة الإسلامية للإنقاذ كانوا يشتغلون لحساب المخابرات الجزائرية بما فيهم وزير الشؤون الدينية الحالي.

4 - التلفيق أو إنتساب أعمال سلبية مرتكبة من جهات أخرى للحركة الإسلامية.

5 - التضليل والتعتيم للإعلاميين.

6 - التمويه.

7 - مزيج من هذه العمليات والتكتيكات السابقة.

هذه هي المصادر الاربعة لعناصر التخوف من المشاركة الفعلية للحركة الإسلامية في العمل السياسي. بعض هذه المخاوف موضوعي والبعض الآخر مفتعل أو وهمية. العقلانية السياسية تقتضي على كل من الحركات الإسلامية وغير الإسلامية أن تتعلم كيف تختلف لتستطيع أن تتحاور وتتفق على حد ادنى من الضمانات للعمل الديمقراطي المستمر الضامن للتداول السلمي على السلطة والمقر للحريات العامة والفردية. عند وصول هذه الحركات لمثل هذه الأرضية يمكن التفاؤل باحتمال دخول هذه البلدان في عملية ديمقراطية حقيقية بدلا من ان تكون مجرد تكتيك للتعبير الذاتي للبقاء () تستخدمه الانظمة، كما أنه على الحركات الإسلامية ان تبدأ في قراءة ثورية للنصوص بالأخذ بعين الاعتبار عناصر الزمان، والمكان وتعقد المجتمعات العربية الحالية (الديمقراطية كوظيفة، ثقافة وأدوات تبقى الطريقة، الأفضل للإستقرار والتنمية مع ضرورة تطويرها بما يلائم أوضاعنا الخاصة.

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة