اسم الكتاب: ساحات 2011.. اخيرا.. الشعب يريد

اسم الكاتب: حمود أبو طالب

دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون 

عرض: من جورج جحا

الكاتب حمود ابو طالب في كتابه "ساحات 2011.. اخيرا.. الشعب يريد" وقع في ما اخذه على الاخرين ممن قال انهم تناولوا موضوع الانتفاضات العربية في سنة 2011.

وقد اخذ على من تناولوا هذا الموضوع قبله انهم لم يغوصوا الى اعماق المسائل والمشكلات التي ادت الى سلسلة من الانتفاضات والاضطرابات في عدد من البلدان العربية

وتعهد حمود ابو طالب في كتابه الاجابة عن السؤال المهم "لماذا الشباب.. لماذا الان؟". واذا كانت الاجابة عن الشطر الاول من هذا السؤال سهلة اذ ان جيل الشباب هو جيل الاندفاع والتحرك والحماسة التي لم تبرد بعد فجوابه عن الشطر الاخر من السؤال لم يأت بجديد كما كان قد وعد قراءه بل كرر اقوال من انتقدهم.

ورد الكتاب في 191 صفحة متوسطة القطع وصدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون. والكاتب سعودي كما يبدو. اما سبب عدم الجزم في هذا الامر فهو ان الدار الناشرة تحدثت عن ثقافته وتخرجه من كلية الطب دون ذكر اسم الكلية وتخصصه في طب الاطفال وعمله كاتبا في صحيفة عكاظ السعودية والجوائز التي فاز بها وغير ذلك لكنها لم تقل لنا شيئا عن جنسيته. قسم من الكتاب كان موضوعات تناولها الكاتب في حينه.

وقدم الكاتب كتابه بقصائد لشعراء عرب تتحدث عن الانتفاضات هم السعودي محمد سعيد الالمعي واليمني عبد الكريم الرازحي والمصري عبد الرحمن الابنودي وغيرهم.

السؤال الاساسي في الكتاب جاء عنوانا لفصل منه وهو "لماذا الشباب .. لماذا الان؟". السؤال نفسه يعد بالكثير ويفتح شهية القارىء على الكثير. وعد المؤلف بدراسات عميقة فجاء معظم ما قاله اقرب الى المقال والتحليل الصحافيين. وعلى جودة ما جاء به فهو لم يصل الى اجابة فعلية عن السؤال بل تبنى ما يشبه الاجوبة التي قدمها من قال انهم لم يغوصوا في الامر.

قال الكاتب "منذ ان بدأت عاصفة المطالبة بالتغيير في الشارع العربي.. ما كان بصيغة الثورة او بصيغة الاحتجاجات والمظاهرات المستمرة التي تقترب من الثورة او ما كان اقل من ذلك في تصعيد متواصل والسؤال المطروح هو لماذا هبت هذه العاصفة؟ ولماذا الان؟

"السؤال في شكله العام المباشر بديهي ومنطقي لأن ما حدث لم يكن متوقعا ان يحدث واذا حدث فليس بهذه الصورة المفاجئة الصاخبة لكنه في ذات الوقت دليل على طبيعة العقلية العربية التي تفتقر الى التأمل والتحليل والربط والاستنتاج. تفاجأ بالاحداث دائما لأنها لم تتعود على نمط التفكير المنهجي الذي يساعد على البحث عن اجابات قريبة من الحقيقة بدلا من الاستغراق في طرح الأسئلة فقط.. ان محاولة الوصول الى اجابة ممكنة لذلك السؤال تستدعي بالضرورة تفكيك مكوناته: لماذا حدث ما حدث؟ ولماذا الان؟"

ويبدو هنا انه اخذ على العقلية العربية طرحها السؤال المذكور ووجد في ذلك سطحية وافتقارا الى التأمل. ثم عاد فطرح هو نفسه السؤال لكن بكلمات اخرى.

اضاف يقول وبحق انه لو طرح السؤال على مسؤول في "الانظمة العربية التي سقطت او التي تترنح قيد السقوط او لازالت متماسكةالى حد ما... لتمحورت الإجابة في الاتهام المباشر لاطراف وقوى خارجية تقوم بتنفيذ اجندتها اطراف داخلية عميلة تم احتضانها ودعمها...

"بينما لو تم توجيه السؤال الى الثوار والمحتجين فانهم في فورة الغضب وتكثيف تركيزهم على مواجهة الانظمة لن يكون في وسعهم سوى الإشارة الى اسباب عامة تتلخص في الظلم والفساد وغياب العدالة الاجتماعية وغيرها من الاستحقاقات الوطنية والإنسانية...".

الا انه عندما يطرح تحليله للأمر يكاد لا يتجاوز قول هؤلاء الثوار من حيث النتائج العامة وانما يزيد عليهم في التفاصيل بعد ان قال هو نفسه انه ليس لديهم الوقت والمجال للتفصيل والغوص فيها.

وقال حمود ابو طالب ان ثورات المطالبة بالتغيير "تبناها جيل اكثريته من الشباب في العشرينات والثلاثينات من العمر..." وقال ان من المهم ان نتعرف الى البيئة التي ولد وعاش فيها شاب من نماذج هؤلاء الشبان.

اضاف "ما عدا استنثناءات قليلة لا تشكل نسبة احصائية مهمة فان شابا كهذا يكون قد عاش حتى بلغ هذا العمر في ظل نظام واحد لم تتغير توجهاته ولا تفكيره ولا خطابه ولا اساليب ادارته للمجتمع.

"نظام لم يسمح بنشر مفهوم المواطنة الذي يحقق المشاركة في ادارة الوطن.. وبالتالي فهو لا يزيد عن كونه واحدا من الرعية.. كائنا مدجنا مهجنا مغلوبا على امره. لم يستطع شاب كهذا ان يشاهد او يلمس اي نوايا حقيقية تسمح له بالمشاركة.

"في العالم العربي عموما يكون هذا الطفل قد ولد في اسوأ الظروف الصحية.. فلا امه نالت رعاية طبية جيدة اثناء حملها به. انه لطف الله وحده الذي جعل هذا الطفل ينجو. وحين دخل المدرسة الابتدائية ليبدأ مرحلة التعليم العام فانه عاش في اسوأ بيئة تعليمية في كل تفاصيلها ليخرج من بوابة هذه المرحلة لا يحمل اكثر من جمجمة ارهقها التلقين". وفي المرحلة الجامعية فان حاله لن تكون افضل من حاله السابقة.

ثم ينتقل الى عكس ما قدمه لنا هنا دون ان يشرح سبب تعالي الثائرين على تلك البيئة الخامدة التي صورها. قال "رغم هذه الحقائق المأساوية فان نسبة غير قليلة من هؤلاء الشباب اثبتوا التميز والجدارة والتفوق وخرجوا من الجامعات يحلمون بما يشبع طموحهم من فرص عمل تتيح لهم الانتاج والكسب المعقول".

وعاد الى محاولة الاجابة عن السؤال فقال دون ان يزيد على مألوف الكلام "اننا لو تأملنا طبيعة الاوضاع في بعض الدول التي انطلق فيها هدير الغضب والمطالبة بالتغيير لتأكد لنا ان كل شيء فيها بلغ اقصاه في السوء وان الوضع اشبه ببركان هائل من الاستياء لن ينتظر طويلا حتى ينفث حممه الحارقة". انه كلام اقرب الى الخطابة منه الى التحليل الذي وعدنا به.

اما السؤال "لماذا الان؟" فبقي دون جواب يشكل عملا جديا في بحث رصين.

وبنفس الاسلوب والاتجاه الفكري تناول الباحث الاوضاع في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا.

--------

المصدر: موقع ميدل ايست اون لاين - 11أكتوبر/ تشرين اﻷول 2011

 المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

عنوان الكتاب : أزمة الدولة في الوطن العربي
المؤلف:  مجموعة من المؤلفين
الطبعة:  الطبعة الأولى

صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية طبعة أولى لكتاب " أزمة الدولة في الوطن العربي.

وجاء في تعريف الكتاب ما يلي:

يهدف هذا الكتاب – الندوة إلى تشخيص "أزمة الدولة في الوطن العربي" من جميع وجوهها وأبعادها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإقليمية والدولية.

وقد قرنت البحوث النظريات بالمحسوس التجريبي، والتبصّر بالظاهرات الميدانية والحقلية؛ وكل هذا بهدف تلمّس إجابة عن أسئلة تطرح دائماً: إلى أين؟ وما العمل؟

فالمعطيات التحليلية التي قدّمتها البحوث وتعقيباتها ومناقشاتها، كثيرة، ومتشعبة، وبالغة الأهمية، فهي تعكس هموم المواطن العربي، وما يعانية جرّاء معايشته أزمة الدولة العربية.

أما في توصيف أزمة الدولة وتشريح أبعادها فكان التركيز على مستويات ثلاثة: سياسياً جرى الحديث عن تسلط الدولة واستبدادها واستئثار قلّة في حكمها، واستنزاف ثرواتها ونهب مواردها وإشاعة الفساد في هياكلها، وفي تضادّ ذلك جاء الحديث عن قوى التغيير وحركات الاحتجاج والكتلة التاريخية المدعوّة إلى التشكلّ؛ واقتصادياً وصّفت ريعية الدولة، وبالتالي فشل سياساتها "التنموية" التي أدّت إلى مزيد من الإفقار والبطالة وغياب العدالة؛ واجتماعياً بدا صارخاً ما تمارسه "الدولة العربية" من سيادة ونفوذ الطائفية والإثنية والقبلية، وما تنتجه من قوى موالية بفعل نظام المحسوبية (الزبائنية)، تلك القوى التي عاثت بالمجتمع فساداً.

ولم يغب عن بحوث الندوة إشكال التدخل الأجنبي، ولا سيما الأمريكي، الذي يمعن في إجهاض التحركات والمشاريع الديمقراطية في المنطقة، وذلك حرصاً منه على أنظمة الاستبداد، باعتبارها حارسة "الاستقرار" الضروري للمصالح الغربية

-------
مركز دراسات الوحدة العربية - يوليو/ تموز 2011

 

 

الكتاب: الثورة العربية، عشرة دروس حول الهبّة الديمقراطية

المؤلف: جان بيير فيليو

مقدم العرض: حسن ولد المختار

الناشر: فايار

تاريخ النشر:2011

يحتفل الأكاديمي والدبلوماسي الفرنسي السابق "جان- بيير فيليو" دون أي تحفظ في كتابه الجديد "الثورة العربية، عشرة دروس حول الهبّة الديمقراطية"، الصادر مؤخراً، بموجة التحولات الراهنة في بعض الدول العربية ضمن ما بات يسمى في التداول الإعلامي -وربما السياسي أيضاً- بموجة "الربيع العربي". ولعل مما يميز كتاب "فيليو"، الذي نقترح هنا، قراءة خاطفة في بعض محتوياته، أنه ينظر إلى التحولات العربية الراهنة نظرة شمولية غير تجزيئية ترى الحال العربي باعتباره في النهاية سياقاً واحداً، إن لم يكن سياسيّاً فعلى الأقل تاريخيّاً وثقافيّاً، ولذلك حرص في عنوان كتابه على استخدام عبارة بصيغة المفرد "الثورة" بدل صيغة الجمع "الثورات" التي عنون بها كثير من الكتب الفرنسية الصادرة مؤخراً حول ظاهرة الربيع العربي. وأكثر من هذا يزيد من قيمة الكتاب أيضاً كون مؤلفه مستعرباً متمرساً، وأستاذاً محاضراً يدرِّس باللغات الفرنسية والعربية والإنجليزية في مقعد الدراسات الشرق أوسطية والمتوسطية، في العديد من الجامعات الفرنسية والأميركية المرموقة، مثل جامعتي كولومبيا وجورج تاون وغيرهما. كما سبق له تأليف كتب ذائعة الصيت حول موضوعات مثل تنظيم "القاعدة"، وإشكاليات الإسلام المعاصر في العالم العربي، وقد ترجم بعضها إلى عشرات اللغات عبر العالم.

وبعد الكتب "المسلوقة" التي صدرت في سباق مع عقارب الساعة لحظات سقوط نظم بن علي ومبارك والقذافي، يدشن هذا الكتاب مرحلة الكتب الرصينة التحليلية التي تغوص عميقاً في الأسباب وتفكك التشابكات وتحفر في البنية التكوينية المؤسِّسة لظاهرة الربيع العربي، في عمومها وإجمالها. وهنا لا يكاد القارئ يخطئ استقبال الدعوة الضمنية الموجهة في منطوق بعض عناوين فصول الكتاب للاستعداد لقراءة مقاربة تحليلية مختلفة تتسامى نظريّاً على تقاليد الاستعجال الوصفي والارتجال الإعلامي. ومن عناوين هذه الفصول: "العرب لم يعودوا استثناء"، و"المسلمون ليسوا في النهاية سوى مسلمين"، و"نستطيع الانتصار دون قيادة"، وغيرها، مما يؤشر إلى أن الكاتب والكتاب يتعاملان مع الثورات -أو بتعبيره هو الثورة- العربية من منظور تحليل سياسي ومنهجي غير خطابي لظاهرة الاستعصاء الديمقراطي العربي وإشكالية الإسلام والحداثة، وحدود الزعامة الكاريزمية في العالم العربي، وسوى ذلك من كليشيهات وصور نمطية كثيرة كانت سارية في العقل والمخيال الغربيين تجاه المنطقة. كما لا يغفل الكاتب أيضاً تخصيص فصل مهم للشباب ودورهم المحوري في إنجاح الربيع العربي، وهي فئة ينبِّه إلى أنها ظلت طويلاً ترزح في إسار مفارقة صارخة: فهم الشريحة الأعرض عدديّاً من سكان الدول العربية المعنية، وفي الوقت نفسه هم الأقل حضوراً وحظاً في أجهزة الحكم وسوق العمل. وهنا ربما يستحق الإشارة أن الكاتب يركز على حال الشباب ودوره في كل من الحالتين التونسية والمصرية خاصة، متعاملاً مع حالة كل بلد ضمن خصوصياتها الوطنية وسياقها القُطري الخاص، دون الخروج من ذلك بتعميمات على حال الشباب العربي بصفة عامة.

ولكن، كما سبقت الإشارة، يقوم العمود الفقري لفرضيات العمل التي يستند اليها الكاتب عموماً على النظر إلى الواقع العربي باعتباره سياقاً واحداً. وروح الوحدة الثقافية والوجدانية العربية هذه هي ما دفعه لتملس مظاهر وحدة أخرى قائمة من خلال النظر سويّاً إلى سقف أهداف وتطلعات واحد. وهنا ينخرط "فيليو" في رصد مظاهر هذه الوحدة الثقافية والوجدانية العربية واصفاً قوة حضور أغاني أم كلثوم وشاشات بعض الفضائيات ومبنى الجامعة العربية بالقاهرة، في صدارة مشاهد الربيع العربي، في مختلف الدول. وفي هذا السياق يقدم فرضية جامعة ترى أن ما يجري الآن في دول الربيع العربي ما هو سوى بداية حالة أشمل من الحراك التاريخي العميق للمجتمعات العربية، شبيهة بتلك التي عرفتها هذه المجتمعات مع بداية القرن الماضي، وسميت بمشروع النهضة العربية. ولعل من المفارقات حقاً أن عهد اليقظة أو النهضة العربية الأولى ذلك شهد أيضاً تجربة صعود مشابهة للتطلعات الليبرالية، وهذه واقعة تاريخية نادراً ما يتم تذكرها الآن.
ويستبطن الكاتب عموماً بين دفتي كتابه (264 ص) روحاً من التفاؤل بمآل مختلف للربيع العربي الراهن، مقارنة بما آل إليه عصر النهضة العربية القرن الماضي من انكسار، وما عرفته تجاربه الليبرالية من انتكاس سريع على أيدي القوى الاستعمارية وصولاً إلى عهد الانقلابات والنظم العسكرية التي نرى الآن أوراقها الصفراء وهي تتساقط تباعاً على وقع عاصفة الربيع العربي.

أخيراً، في الختام، ينفي الكاتب أن تكون للثقافة العربية أو للإسلام أية صلة بإخفاقات الواقع العربي واحتقاناته التي أدت إلى نشوب احتجاجات الربيع العربي، مبرزاً في هذا المقام أن قابلية الدول العربية للتأثر بتلك الاحتجاجات تدور مع مستويات نجاحها الاقتصادي وانسجامها الاجتماعي حيث تدور. وهنا ينفي "فيليو" أية مصداقية أو علمية عن نظرية مفعول "الدومينو"، التي ترددت كثيراً ضمن خطابة التوقعات بأن تتأثر دول عربية أخرى بما يجري الآن. بل إن لكل دولة عربية ظروفها الوطنية، وخصوصياتها التي تفترض روح التحليل الموضوعي، وضعها في الاعتبار، كما أن قابلية الإصلاح الذاتي وإرادته، تختلف من دولة عربية إلى أخرى أيضاً. وبكلمة واحدة، يرى الكاتب أننا نشهد الآن اليقظة العربية الثانية، ومحاولة أخرى للاستجابة لذات التحديات والأسئلة التي طرحتها النهضة العربية الأولى، وأشاع حلمها عصر الاستنارة العربي المغدور... فهل تكون الاستجابة في حجم التحديات؟ هذا هو السؤال.
---------
المصدر: جريدة اﻻتحاد اﻹمارتية - 7 أكتوبر/ تشرين اﻷول 2011

 

 

اسم الكتاب: الوزير الجزائري - أصول ومسارات

 

اسم الكاتب: ناصر جابي

 

دار النشر: منشورات الشهاب

 

تعريف بالكتاب:

يحتوي هذا الكتاب على أول دراسة سوسيو - سياسية، تخصص كلية، للتعرف على النخبة الوزارية في الجزائر، اعتمادا على تقنية المقابلات المباشرة مع حوالي مئة وخمسين وزير(ة) جزائري(ة)، ممن وصلوا إلى عضوية الحكومات المتعاقبة منذ استقلال الجزائر في 1962.

الأصول الاجتماعية للوزير(ة) الجزائري(ة)، مساره التعليمي ووسطه الثقافي والعائلي، بما ميزه من استراتيجيات مصاهرة عائلية وحراك اقتصادي واجتماعي، خلال أربع أجيال كاملة، كانت محل اهتمام هذا البحث الذي تطلب إنجازه أكثر من عشر سنوات من المقابلات والقراءات، للوصول إلى هذه المعطيات، التي تنشر لأول مرة عن جزء هام من النخبة السياسية الجزائرية.

 

تعريف بالكاتب:

ناصر جابي أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الجزائر والمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية، صدر له عدة كتب ودراسات في الجزائر والخارج من بينها: "الجزائر تتحرك"، دراسة سوسيو - سياسية للإضرابات العمالية (دار الحكمة)، "الانتخابات، الدولة والمجتمع" (دار القصبة للنشر)، "الجزائر، من الحركة العمالية إلى الحركات الاجتماعية" (المعهد الوطني للعمل)، "مواطنة..من دون استئذان"، "الجزائر: الدولة والنخب" (منشورات الشهاب).

--------

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

 

عرض: هاني نسيرة

يتميز هذا الكتاب بميزات عديدة، أولها عمق المعرفة وخلفية الكاتب النظرية التي أتاحت له جدلا نقديا معمقا مع العديد من طروحات الفلسفة السياسية والدينية، بشكل واضح، كما يتميز بموضوعه الذي يملأ ثغرة في مجال الفكر السياسي الإسلامي بالخصوص، حيث يضيء جوانب مهمة منه: معاصرة ركزت على نماذج محددة من هذا الفكر، ولكن أيضا تراثية في تراث الطائفة الإمامية وجهود علمائها التي تمثلت سياسيا كما تمركزت عقديا من خلال جدلية الإمامة والغيبة.

تحديدات أولية

يحدد الباحث على فياض، وهو أحد أبرز الوجوه الأكاديمية في حزب الله اللبناني، ويشغل منصبا سياسيا فيه، مفهومه للفكر السياسي الشيعي المعاصر، بأنه ما ينطوي على إسهامات فقهية وفكرية في آن، إذ أنهما لا ينفكان بل يتلازمان، ويؤكد أنه في غمرة تنامي الفكر لا يعود كافيا الاقتصار على الفقه وحده، رغم أن القيمة الحاسمة في تأسيس النظرية السياسية تبقى للفقه بما يتجاوز الفكر أضعافا، أما المعاصر فيتعلق زمنيا بالعقود الأخيرة من النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري وصولا إلى أيامنا الراهنة (النصف الثاني من القرن العشرين).(1)

وقد اختار الكتاب ثلاثة نماذج فكرية وفقهية معاصرة:

ولاية الفقيه عند آية الله الخميني.
ولاية الأمة على نفسها عند العلامة محمد مهدي شمس الدين.
ولاية الفقيه على قاعدة الشورى عند العلامة محمد باقر الصدر.
ومسوغات الاختيار هي كون الثلاثة فقهاء وروادا في الفكر الإسلامي في الآن نفسه، ومن أقطار عدة تمثل حضورا معبرا عن الطائفة الشيعية، هي إيران والعراق ولبنان، كما تمثل أطروحاتهم على ما بينها من تفاوت الاتجاهات النظرية الأساسية في مجال الفكر السياسي الشيعي المعاصر.

ويستخدم الباحث ما يطلق عليه المنهج التكاملي أو التعددية المنهجية عبر الدمج بين البنيوية والتاريخانية، بما يسمح بمقاربة الفكر السياسي كبنية نظرية يعبر عنها النص، وكسيرورة أخذت في التشكل في إطار اجتماعي- تاريخي، وبالاستعانة برزت من المفاهيم المنهجية والنظرية المعاصرة، التي تساعد على توسيع أفق المعالجة.

ومن أجل الربط المنهجي والتاريخاني المشار إليه كتب الكاتب فصلين نظريين قدم بها لدراسة حالاته ونماذجه الثلاث المشار إليها سابقا، وقد مثلا معا الإطار النظري والمنهجي الذي دخل به إلى موضوعه وإشكالية بحثه التي تتبعها في الفصول الثلاثة التالية حول "نظرية السلطة" في الفكر السياسي الشيعي من خلال ثلاثة من أبرز ممثليه في التاريخ المعاصر، من أرضية نظرية ومنهجية صارمة، اعتنت بالتنظير دون التطبيق، دون التطرق إلى تطبيقات هذا الفكر المعاصرة، التي تجلى بعضها في الدولة الإسلامية الإيرانية، أو الاهتمام بتمظهراتها العملية في تجارب سياسية أو حزبية أخرى، كما لم يتجه في كتابه إلى إصدار أحكام قيمية على أي منها، حيث لم يكن ذلك من أهدافه أو مقاصده أساسا، بل كان هدفها الأبعد- كما يذكر فياض- هو محاولة الفهم التي تدفع أوهام المبالغة والادعاء، كما يقول، عبر التفكيك للخطابات والتركيب معا.(2)

أما دوافع الباحث لكتابة هذا الموضوع فقد ولدت في الأصل في خضم اهتمامات غير أكاديمية، فضلا عن الدراسات الشبيهة في اللغة العربية في هذا الاتجاه، بينما نشطت فيها الكتابات باللغة الإيرانية وكتابات كثير من المستشرقين الغربيين، فالموضوع حسب الباحث محايث لحياتنا ولتوقنا أن نحياها كريمة، إذ في السلطة وعنها، سؤال لا ينفك عن صلة صميمة بهذا المأزق الحضاري، الذي لا يكل عن استدامة لا يحط رحالا".(3)

في مفهوم السلطة

ناقش الباحث في المقدمة تعريف مفهوم إشكالي هو "السياسي" الذي تذهب كلاسيكيات علم الاجتماع السياسي لاعتبار السلطة موضوعا له، إما بالاستناد إلى عنصر الدولة أو بالاستناد إلى عنصر السلطة، بينما يذهب البعض الآخر إلى اعتبار" القدرة" موضوعا لهذا العلم، والقدرة تشمل السلطة ( Authority ) كما تشمل النفوذ (ifluence ) كما تشمل القوة والعنف، ويرى فياض أن ذلك لن يكون كافيا ما لم يجر تحديد مفهوم السلطة، لأن " سعته وإبهامه وربطه فقط بالتمييز بين الحاكمين والمحكومين، سيفضى إلى الانطباق على أي علاقة إنسانية غير متساوية"(4). ومن هنا يعرض فياض لطرح ناصيف نصار في كتابه الشهير "منطق السلطة: مدخل إلى فلسفة الأمر"الذي يميز فيه بين ثلاثة مستويات من الأمرية، هي السلطة والسلطان والسيطرة، محددا السلطة بالحق في الأمر، وهو ما يستلزم أمرا و آمرا ومأمورا به، ويحدد فيه مقولة السلطان بأنها لا تتركز على عنصر الأمر بحق، بقدر ما تتركز على عنصر النفوذ كأمر واقع، أما السيطرة بمعناها العام، فهي الإخضاع المفروض بالقوة وتسخير الأضعف لأغراض الأقوى، فهي علاقة أمر وطاعة بين طرفين متغالبين يسعى أحدهما إلى فرض إرادته على الآخر فرضا، وإلى حمل هذا الآخر على تنفيذ أمره بالقوة الجبرية".(5)

ويشير فياض إلى أن مفهوم الشرعية أو المشروعية (التي تستخدم بشكل أغلب في النصوص الشيعية السياسية) سيؤدي دورا جوهريا، بوصفه معيارا في بناء معنى السلطة، إلا أن مفهوم السلطة في التراث الشيعي لا يمكن أن يكون متعلقا بالسياسي فقط، فالسلطة في التلاقي الديني والسياسي تمتد من رتبة التدبير السياسي حتى رتبة التوجيه والامتلاك الروحي (رتبة: أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، يقول فياض: "السلطة في المجال الإسلامي الشيعي هي ولاية.. تكون الدولة فيه غاية من غايات السلطة، إلا أنها لا تنحصر بها، فقد يكتب لها الأسبقية عليها دون أن يكون للدولة تحقق فعلي، وقد تنفصل عنها فتجاوزها، وقد تقترن بها فتكون إحدى تعبيراتها"(6).

ويكشف لنا فياض أن "الفكر السياسي الشيعي قليل الاكتراث بالدولة، اصطلاحا ومفهوما، إذا ما قيس ذلك بالولاية والسلطة" ويستنتج فياض من ذلك أن "الفكر السياسي الشيعي لا يزال في جانب منه في طوره التأسيسي، فلا يزال ينطبق عليه فكر السلطة أكثر مما يصح تسميته بفكر الدولة" ويؤكد أنه "على الرغم من التقدم الكبير والتحول النوعي الذي طرأ على هذا الفكر بفعل ولادة دولة دينية شيعية معاصرة، فإن ذلك لم يطو كشحا عن أدبيات السلطة وأسئلتها التأسيسية".(7)

الولاية بين الفقيه والأمة

كانت غيبة الإمام المعصوم، الإشكالية الكبرى التي سعى الفقه السياسي الشيعي، وفي أزمنة لاحقة لمعالجتها هي في الأصل وليدة القرن الرابع الهجري وبالضبط منذ غيبة الإمام الثاني عشر "محمد بن الحسن العسكري" عام 329 هجرية، وهو ما يوضحه فياض بقوله:" إن غيبة الإمام المعصوم صاحب الولاية المطلقة، تركت فراغا في الموقع الشرعي للسلطة، كان على الفقهاء الشيعة أن يحددوا صيغة فقهية- سياسية للتعاطي معه" ومن هنا يعرض لنا الكاتب مسار الفكر السياسي الشيعي وتحدياته التي أحدثت نقلاته فيما بعد، من أنه كان عليه أن يخوض مخاضا معقدا في مواجهة السلطة الغصبية- غير الشرعية في تصوره- من ناحية، وأن يسعى إلى إيقاف اغتراب الزمن السياسي من ناحية أخرى من خلال صيغة أصيلة، تشرعن للسلطة وجودها وقوامها"(8). وحسب فياض يعني ذلك إيجاد نظرية سياسية بديلة، تمثلت في نظرية ولاية الفقيه أو ولاية الأمة، وهو ما كان ممكنا عبر تحولين كبيرين: أولهما أدى إلى موضعة الفقيه في سدة الهرمية الشيعية بوصفه نائبا عن الإمام الغائب في القرن العاشر الميلادي، وثانيهما: أفضى إلى موضعة الأمة في خضم عملية بناء السياسة وتأسيس مشروعيتها، في بدايات القرن الرابع عشر الهجري، وهو ما آل تاريخيا -حسب فياض- إلى انفتاح المجال السياسي الشيعي أمام الفقيه بوصفه تأسيسا، وأمام الأمة بوصفه تحديثا، حين وطئ الفكر السياسي الشيعي أرض الحداثة المعاصرة، دون أن يغادر أطر التسويغ الشرعي.

ويستنتج فياض أن السؤال الأكبر والمعاصر الذي واجه الفكر السياسي المعاصر، كان لمن الولاية: للفقيه الجامع للشرائط، أم للأمة أم لكليهما في الآن نفسه"(9).

ويرى فياض أن ثمة أطرا مرجعية ثلاثا، متداخلة ومتفاوتة في حجم حضورها، ينطلق منها الفكر السياسي الشرعي المعاصر، في طريقته إجابته على هذا السؤال الكبير، هي:

1- الإطار المرجعي الديني العقائدي الذي تعبر عنه نظرية الإمامة الشيعية بنصوصها ومفاهيمها ومبادئها، وهو ركيزة ثابتة ومشتركة بين مختلف تأويلات الفكر السياسي المعاصر

2- الإطار الفقهي التاريخي لتطور إشكاليات السلطة

3- الإطار الواقعي الراهن بتحولاته الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها، وبتأثيرات الحداثة المعاصرة مناخات وضرورات وطغيانا مفهوميا، ويكون التباين والاختلاف في النظرية السياسية الشيعية المعاصرة في هذا الإطار الثالث الواقعي بشكل رئيس، أو الإطار السابق الفقهي وتأويلاته، دون الإطار المرجعي الأول الذي يكون مشتركا بين الجميع. (10)

في الإطار المنهجي

في بداية تحديده لإطاره المنهجي وتفصيلاته يشير الدكتور على فياض إلى أن إشكال المنهج إشكال بحثي عربي دائم لم ينته، وهو ما يرده لنقل واتباع اتجاهات علم الاجتماع الغربي وإسهامات رواده الكبار، كما ترد لطبيعة مناهج علم الاجتماع نفيه التي تبدو معالجتها عسيرة كما يشير ربمون بودون،(11) وفي عبارة كثيفة يشير فياض إلى أن" تنوع القضايا الاجتماعية واختلاف المجتمعات اختلافا متفاوتا، يشكل الركيزة الموضوعية لأزمة المناهج السوسيولوجية في مدى مواءمتها على الإنجاب المعرفي السليم. كما يستعرض مفهوم الإيديولوجيا متتبعا تطوره في الحقل الأكاديمي الغربي والتلقي ثم النحت والتعاطي العربي مع هذا المفهوم خصوصا عند عبد الله العروي ومحمد سبيلا.

وقد لجأ الباحث إلى هذا المفهوم في دراسته وعيا منه بأن منهجيته "تنحو باتجاه تفسير الخطاب، وتحليل حمولته الأيديولوجية وبناء معالمه النظرية، دون ضفة قيمية هدفها كذب الفكرة أو صدقها"

كما ناقش فياض علاقة الدين بالأيديولوجيا وتتبعها عند عدد من المفكرين الأجانب والعرب مثل موريس دوفيرجييه في كتابه" العلوم السياسية" الذي سمى الأيدولوجيات بالديانات المحايثة، إلى ماكس فيبر والبولوني ميلتون روكيتش والمصري نصر حامد أبوزيد الذي حاول أن يحدد عددا من الآليات الذهنية الكبرى التي يتحول بها الخطاب الديني إلى خطاب أيديولوجي، وهو ما يناقشه الباحث جميعا مقدما رؤيته المنهجية له.

ويؤكد فياض على أهمية استثنائية لمنهج ميلتون روكيتش بالذات في فهم الأيديولوجيا، والذي قضى فترة طويلة يدرس آليات عمل الأيديولوجيا كاعتقاد، ويلقي إضاءات قيمة على دراسة الشحنة الاعتقادية التي يحملها الخطاب، والتي تطال دراساته كل منظومات المعتقدات الأيديولوجية، وهو ما يعرض له تفصيلا ثم يستخلص منه رؤيته المنهجية لخصوصية الفكر السياسي الشيعي.(12)

كما يعرض فياض لعلاقة الفكر بالواقع (الإطار السوسيولوجي) بدءا من هيغل وماركس وموريس غودولييه ومحمد أركون ومرتضى مطهري وباقر الصدر، ويرى أن الأخيرين قد ساهما في محاولة تأسيس أولى لعلم اجتماع إسلامي بإطار أبستمولوجي إسلامي، ويعرض في هذا السياق لاستنتاجاته من آراء كل من مرتضى مطهري وباقر الصدر في علاقة الفكر الديني بالواقع.(13)

ثم يعرض فياض ل (مفهوم الخطاب وآليات تحليله) واصفا الفكر السياسي الشيعي أنه خطاب شمولي مكثف" له تشكله المفهومي، وآليات اشتغاله ووظائف ومنطق ضمني، ويستدعي في هذا السياق مفهوم فوكو للخطاب كآلية سلطة ونزوع إليها وشكل من أشكال الممارسة السيادية كما يقول فوكو، وتتحدد ضرورة بحثه في حفريات الخطاب أو أركيولوجيا المعرفة، ولكن يرى فياض أن الاكتفاء بالتحليل البنيوي دون التركيب، أو الانحباس في المفاهيم كما أراد فوكو أمر غير مجدي، ومن هنا اتخذ الباحث أسلوب التفكيك والتركيب في بحث عينات خطابه، وفق ما سبق إليه مفكرنا العربي الدكتور ناصيف نصار، وأشار إليه بمنهج التصورات الأيديولوجية" وهو منهج تم استلهامه من قبل العديد من الباحثين والكتاب العربي، لتكامليته وتعدديته المنهجية، ولا زلنا نرى أن صاحبه وصاحب منطق السلطة لم يأخذ حقه بعد في فضاء الفكر والاهتمام العربي، وقد نشره نصار في مجلة الفكر العربي آواخر الثمانينيات، ثم سجله في كتابه" الأيديولوجية على المحك".

يقوم منهج نصار للتصورات الأيديولوجية على تحليل عدد من الأنساق هي نسق المقومات، وهو نسق المفاهيم التأسيسية والشغالة في الخطاب، ثم نسق العلاقات الذي يتحدد من خلال ثلاثة حقول: أولها علاقة التصورات الرئيسية بعلاقات أخرى، والثاني هو العلاقة بالسياق والثالث هو حقل التصورات المعارضة، ونسق العوامل وهو نسق يقوم على القول بعدم اكتمال معنى التصور الإيديولوجي بتحليل مضمونه في ذاته، كما أرادت البنيوية، بل يمتد للبحث عن معنى للتصور خارجا عن دائرة التكوين المنطقي لمفهومه ونسق الوظائف الذي ينتج عن العوامل ويكون أقرب للتصورات منها.

وفي إطار تحدده المنهجي قرأ فياض محاولة مرسيا إلياد في دراسة المقدس وخصوصية المعطى الديني، كما قرأ مفهوم ريجيس دوبريه عن" اللاشعور السياسي" الذي صكه بعد تحوله عن الماركسية.

وربطا بين إطاره المنهجي النظري وبين الفكر والفقه الشيعي عرض الباحث منهجيا لطرحي كل من مرتضى مطهري ومجتهد شبستري عن قبليات الفقه واختلافات الفتاوى، وحاجة الفقيه لعلوم ليست فقهية في المجمل كما يقول شبستري، بينما يرى الشهيد مطهري وهو رائد ما يسمى الكلام الجديد، أن نظرة الفقيه للعالم تؤثر على طريقة استنباطه للأحكام، ومن هنا تختلف فتوى العربي عن العجمي، والقروى عن المدني والعكس.

وبعد كل هذا العرض المنهجي ينتهي فياض للقول بـ"خصوصية الفكر السياسي الإسلامي، وعدم صحة دراسته إلا بالاستناد لمنطقة ومرجعياته، دون أن ننفي تأثيرات الواقع عليه، وذلك بالارتكاز إلى قاعدة منهجية ترى أن علاقة الفكر بالواقع علاقة إنتاج، أما علاقة الواقع بالفكر فهي علاقة تأثير"(14) وهنا نرى أهمية جوهرية للفكر والخطاب وتأثيراته تلتقي مع المدخل البنيوي والفيبري وتتعارض كلية مع المدخل الماركسي الذي وقف بالفكر عند كونه بنية فوقية ينتجها الواقع وعلاقات إنتاجه.

الولاية الشيعية من التاريخ إلى المعاصرة

في الفصل الثاني قرأ الباحث تحت تطورات علاقة الدين والسلطة من التأسيس إلى التحديث الشيعي، بادئا من الإشكالية التاريخية التي بدأت مع الفتنة واختلافات الصحابة حتى غيبة الإمام الثاني عشر، ومناقشا في ذلك لآراء عدد من المفكرين والباحثين العرب الآخرين شأن برهان غليون في" الدين والدولة" ومحمد سعيد العشماوي في" الإسلام السياسي" ورضوان السيد في طرحه المتميز حول" الجماعة والمجتمع والدولة" ومحمد عابد الجابري في عدد من كتاباته والذي ركز فيه على التأثير الفارسي على الأدب السياسي والسلطاني الإسلامي دون تأسيس علمه بشكل مدني ومنفصل غيرهم.

كما بسط الباحث تتبعه وقراءته للتأسيس والتحولات في المجال الشيعي، فقد قام التأسيس على مقولات الإمامة التي تقوم على الوصية عند الشيعة، فهي عند الشيعة منصب ديني وضرورة عقدية، بينما تبدو عند السنة أقرب إلى كونها منصبا سياسيا رغم إلحاح الأدب السني منذ قديم على جوهريتها وأهميتها في حراسة الدين وسياسة الدنيا.(15)

ثم قام التأسيس الثاني على" الغيبة فراغ السلطة الشرعية وفقه الانتظار"يقول فياض أنه منذ غياب الإمام الثاني عشر: " كان على الفقهاء الشيعة أن يتصدوا لقيادة الجماعة الشيعية، في مواجهة نظام لا يعترفون بشرعيته، وبعد تاريخ طويل لم يسلم فيه أئمتهم من القتل والملاحقة من الدولتين الأموية والعباسية" ومثل ميلاد الدولة البويهية وصعودها حتى إحالتها الخلافة العباسية لمنصب معنوي فقط بعد دخول معز الدولة البويهي بغداد سنة 334 هجرية، إطار مواتيا لاندفاع الصيرورة السياسية الشيعية قدما، وفي إطارها ولدت المؤلفات الشيعية المرجعية ل محمد بن يعقوب الكليني ت 329 هجرية، ثم الشيخ الصدوق المتوفى سنة 381 هجرية، ثم الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 هجرية، وبعده الشيخ الطوسي شيخ الطائفة المتوفى 460 هجرية وغيرها.(16)

وتؤكد العديد من النصوص الشيعية وخاصة للشيخ المفيد والطوسي والشريف المرتضي، على دور للفقيه في التأمر والولاية على الناس ورد المظالم، ولكن يستدرك فياض، بعودته لنص المفيد، أن ذلك يكون شريطة استئذان الإمام، ونص الطوسي الذي يرى أن الرياسة من الأمور التي تثبت عقلا، وهو ما يراه فياض في مجموعه" دلالات تحملها قابليات النص الفقهي الشيعي في تأسيس صلاحيات ولائيات الفقيه"رغم محدوديته دون مبالغة واشتراطاته، ولكنه مهد لنظرية ولاية الفقيه فيما بعد.(17)

ويبدو أن انفتاح المجال السياسي أمام الفقيه جاء مع الدولة الصفوية ودور المحقق الكركي ت 940 ميلادية الذي صار معتمد حكام الدولة الصفوية ومرجع أحكامهم ومواقفهم، وقد وصفهم الشاه طهماسب الصفوي بأنه" الأحق بالملك، لأنه نائب الإمام عليه السلام" وقال له" إنما أكون من عمالك، أقوم بأوامرك ونواهيك" وقد قام الكركي بدور فاعل ومهيمن في وسط الملك الصفوي وعلى سائر ولاياته ثم كان التحول الثاني مع النائيني والمشروطة( الدستور) حيث انفتح المجال السياسي الشيعي أمام الأمة، مع كتاب الشيخ محمد حسين النائيني( ت 1936 ميلادية)" تنبيه الأمة وتنزيه الملة" وهو يعد به مؤسس الفقه السياسي الشيعي الحديث، وهو محاولة لتسويغ النظام الدستوري وفق الضوابط الإسلامية، وقد ألفه النائيني سنة 1909، إبان الثورة التي عاشتها إيران في ظل الدولة القاجارية، وهو ما مثل الفكر السياسي الشيعي من تطورات مهمة فيما بعد، في النصف الثاني من القرن العشرين على يد الخميني وشمس الدين وباقر الصدر وغيرهم لم يكونوا من حالات الكتاب، ولم يكن من هدفه أو من مهامه الجدل معها، شأن على شريعتي وموسى الصدر وآية الله طالقاني ومرتضى مطهري ومجتهد شبستري وعبد الكريم سروش وغيرهم ممن لا نراهم جديري بالاهتمام في رصد التطور الفكري السياسي الشيعي بلا شك! وهو ما يمكن رصده كذلك من خلال تجربة الصحوة الشيعية في العراق، وفعل المرجعية فيه وبخاصة السيستاني ودوره في هذا السياق، بل وكثير من مفكري الشيعة العرب الآخرين كذلك، شأن الشيرازي والخوئي وبعض المفكرين الشيعة في الخليج العربي.

الحالات الثلاث

ينطلق الفصل الثالث يقرأ فياض" نظرية السلطة عند الإمام الخميني: ولاية الفقيه العامة" محاولا منذ البداية فهم المنهج الخميني الذي يدعوه" المماثلة العرفانية والتأسيسان الفقهي والعقلي" مؤكدا أن الخميني يتجاوز الصورة المعهودة لمرجع التقليد، التي اقتصرت في الأغلب على حضور مقتصر على التفوق الفقهي، فهناك العديد من الأبعاد الأخرى التي تلازم مع فقاهته، تجلت في إقباله على الفلسفة والعرفان وعلم الأخلاق، فضلا عن سيرته التي لم تنفصل يوما عن الاهتمامات السياسية، فقد كان استثناء وخروجا عن المألوف في بنية حوزوية اتسمت بالتقليد والتحفظ(18).

ويرى فياض بعد تتبعه للمناهج والأدلة العقلية والنقلية والواقعية ودور الأمة فيها وعلاقته بها أن نظرية السلطة عند صاحب ولاية الفقيه" تؤول إلى ما يتجاوز المستوى السياسي، إذ إنها استمرار للإمامة عبر التاريخ، وتعويض عن الغيبة بما يقوم مقام الإمامة من حيث الوظائف والصلاحيات، دون الرتبة والمقام" ويرى فياض أن" الولي الفقيه في هذه النظرية هو من يشغل رأس هرم السلطة في الحكومة الإسلامية، بينما تشغل الأمة قاعدته العريضة، أما ضلعا هذا الهرم اللذان يصلان ما بين الرأس والقاعدة، فهما ما تقوم به السياسة الإسلامية، الدين بصورة أساسية، والمصالح في حالات تفرضها الضرورات"

ووضع الباحث الفصل الرابع حول" نظرية السلطة عند العلامة شمس الدين: ولاية الأمة على نفسها" ويصفه فياض بأنه تندمج في شخصيته" الأبعاد الفكرية والفقهية والتاريخية والمعاصرة، على قاعدة نقدية صارمة" ويؤكد فياض أن العلامة محمد محمد مهدي شمس الدين ينطلق من" المسلمات والثوابت الشيعية المعروفة في علم الكلام والفقه الشيعييين" .

ويشيد شمس الدين قطيعة بين زمنين هما الزمن السياسي للسلطة، بما هو شأن إلهي غيبي، ويسميها بالحكومة الإلهية، وبين الزمن السياسي للأمة التي تكتسي فيه السلطة طابعا دنيويا، يقول فياض:" ومن رحم هذه القطيعة يبنى العلامة شمس الدين حداثته السياسية، ويفتح أفق التجديد السياسي على مصراعيه" .

ويحاول الباحث عبر صفحات عديدة تفسير كيف حدثت هذه النقلة في فكر العلامة محمد مهدي شمس الدين، وشروط الرؤية التجديدية التي أنتجها في إطار الاجتماع السياسي، وتركت آثارها على مساحات الإنتاج الفقهي والفكري المتنوع، من فقه المرأة التي أجاز توليها للسلطة، وتجويزه ولاية الحاكم الجائر والتعاون معه، إلى مقولته المركزية في الاجتماع السياسي الشيعي القائمة على ولاية الأمة- وليس الفقيه- على نفسها، وهو ما يرده فياض إلى مرونة أصولية جريئة تلف قراءة العلامة الراحل للنص وتأويله له، وهو ما يتصح بالخصوص في كتابه" الاجتماع السياسي في الإسلام" الذي لم يسبق له كما يؤكد كاتبه والباحث معه سنة 1992.

في نطاق بحثه يكشف فياض عن المرتكزات المنهجية التي اعتمد عليها شمس الدين وهي النظرة المتحركة للنص التشريعي، ورفض الاستدلال النصي على مسألة الحكم واعتبارها ملازمة للتركيب الكلي للشريعة، وتسويغ السلطة على أساس أسلمة المعطى الفقهي لا مذهبته .

كما يفصل العلامة شمس الدين رحمه الله بين مفهومين أساسيين وتحليلين مهمين هما الإطلاق الزماني والإطلاق الأحوالي، وكذلك معالم ومبادئ نظرية السلطة عنده، التي تتضح فيها صبغة أخلاقية وعقلانية واضحة لا نراها متاحة لكثير من فقهاء الشيعة والسنة ومفكريهم على السواء.

وفي الفصل الخامس يقرأ الباحث نظرية السلطة عند الإمام" محمد باقر الصدر" الذي لم تقف جهوده التجديدية عند الفقه او الفكر الإسلامي، بل امتدت لمختلف مناحي الفكر الإنساني، وهو الموقع الذي لا يجارى، ويصفه بابن خلدون الفكر الديني المعاصر، فهو الأوسع والأعمق في مضمار التجديد حسب الباحث على فياض، وهو ما يعرض له في الجزء الأول من هذا الفصل.

ثم يعرض فياض للإطار النظري عند الصدر الذي كان مسكونا بهاجس التأصيل النظري الذي يطغي عليه ويدفعه دائما لوضع الأنساق المعرفية الكلية، ثم يقرأ فياض لمفهوم مركزي في فكره ألا وهو السنن التاريخية، والصراع والتغير داخل التشكيلات الاجتماعية.

وفي المبحث الثالث من هذا الفصل يعرض فياض لنظرية السلطة عند الصدر، بدءا من مرتكزات الفكر السياسي عنده بدءا من المسوغ الشرعي القائم على مقولة خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، والمسوغ العقلي القائم على نظرية " منطقة الفراغ" التي تنسب للصدر، والمسوغ الواقعي القائم على الحاجة للدولة والبناء الحضاري.

ثم يتتبع الباحث تطور تصور السلطة عند الصدر وكيف انتهى للإدماج بين المشروعية الدينية والشعبية، ولاية الفقيه والأمة معا، ثم ينتهى فياض لخاتمة يحدد فيها أهم نتائجه ومستخلصاته.

إن هذا الكتاب جدير بالقراءة بشكل معمق وتفصيلي، ليس فقط لقيمة نماذجه، ولكن لقيمة تحليلاته المعرفية والجدلية مع كثير من مناهج وأدوات قراءة النص الديني بعموم، والإسلامي الشيعي بخصوص، وكذلك محاولات تأسيس علم اجتماع سياسي إسلامي، يتجاوز التعلق في فضاءات الفكر التراثي والأدب السلطاني التي دأبت عليه بعض المدارس الفكرية والساعية لتجديد الفكر السياسي الإسلامي، اعتمادا بالأساس على التراث وبنيته دون تطورات الاجتماع الإسلامي.
_______________
الإحالات:
1 - نظريات السلطة... ص 15.
2 - نفس المرجع... ص 18.
3 - نفس المرجع... ص 19.
4 - نفس المرجع... ص 8.
5 - نفس المرجع... ص 9.
6 - نفس المرجع... ص 10.
7 - نفس المرجع ونفس الصفحة السابقة.
8 - نفس المرجع... ص 11.
9 - نفس المرجع... ص 14.
10 - نفس المرجع ونفس الصفحة السابقة.
11 - ريمون بودون، مناهج علم الاجتماع، ترجمة هاله شبؤون الحاج، منشورات عويدات، بيروت سنة 1988 ص 5، نقلا عن الكتاب ص 23.
12 - نفس المرجع... ص 36 وما بعدها.
13 - نفس المرجع... ص 48.
14 - نفس المرجع... ص 71.
15 - نفس المرجع... ص 110 - 111.
16 - نفس المرجع... ص ص 114 - 116.
17 - نفس المرجع... ص 122.
18 - نفس المرجع... ص 170 وما بعدها.
-------

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب " المقاومة اللاعنفية" للدكتور جين شارب.

وجاء في تعريف الكتاب ما يلي:
إن النضال اللاعنيف يعطي المواطنين وسائل يستطيعون استخدامها للحصول على حرياتهم والدفاع عنها ضد حكم دكتاتوريين حاليين أو في المستقبل. وفي ما يلي عدد من التأثيرات الإيجابية للنضال اللاعنيف:
- ينتج من الخبرة في تطبيق النضال اللاعنيف أن يصبح المواطنون أكثر ثقة بأنفسهم في تحدي تهديدات النظام الحاكم، وفي تحدي قدرته على فرض أساليب الاضطهاد العنيفة.
- يوفر النضال اللاعنيف أساليب اللاتعاون والتحدي التي يستطيع المواطنون من خلالها مقاومة السيطرة غير الديمقراطية من قبل أية مجموعة دكتاريوية.
- يمكن استخدام النضال اللاعنيف في تأكيد ممارسات الحريات الديمقراطية، مثل حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة والمنظمات المستقلة وحرية التجمّع لمواجهة السيطرة والقمعية.
- يساهم النضال اللاعنيف بقوة في إحياء وإعادة ولادة وتعزيز المجموعات المستقلة ومؤسسات المجتمع، التي هي بمثابة مؤسسات حيوية بالنسبة إلى الديمقراطية بسبب قدرتها على تحريك قدرة المواطنين، وفرض قيود على سلطة أي حاكم دكتاتوري في المستقبل.
- يوفر النضال اللاعنيف وسائل يستط يع المواطنون من خلالها حشد القوة في مواجهة الأعمال القمعية لشرطة وجيش الأنظمة الدكتاتورية.
- يوفر النضال اللاعنيف طرقاً يستطيع المواطنون والمؤسسات المستقلة من خلالها أن يقيّدوا أو يقطعوا مصادر قوة الفئة الحاكمة، وبالتالي تهديد قدرتها على الاستمرار في السيطرة، وذلك من أجل خدمة أهداف الديمقراطية.
يقع الكتاب في 269 صفحة.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

- الكتاب: تفسير العجز الديمقراطي في الوطن العربي
- المؤلف: إبراهيم البدوي/سمير المقدسي
- الصفحات: 495
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
- الطبعة: الأولى/ 2011
- عرض/ حسين عبد العزيز

على الرغم من النمو الاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي، تتسم معظم الأنظمة السياسية العربية بأشكال متفاوتة من الأوتوقراطية أو العجز الديمقراطي.

ويهدف هذا الكتاب إلى تحديد العوامل الرئيسية التي تقف وراء هذه الظاهرة، وهو يتبنى طريقة ثنائية تجمع بين التحليل الكمي والنوعي من ناحية، ودراسة عابرة للبلدان، تستند في ذلك إلى مفهوم موسع للحداثة.

العجز من منظور الثقافة السياسية

بلغ منهج الثقافة السياسية ذروة إشكاليته عند تطبيقه في النطاق العربي/الإسلامي، ضمن سياق كلام الثقافة، وهي أطروحة تتضمن أن لكل ثقافة جوهرها الملموس، ومن ثم يفسر تفصيلاتها السياسية نتيجة لذلك الجوهر، وترد هذه الأطروحة في نسختين: الأولى، تنظر إلى شعوب ما قبل الحداثة على أنها شعوب تنتظر التحديث، والثانية، ترى هذه الشعوب معادية للحداثة.

ومع ذلك تنظر النسختان إلى الثقافة، وخاصة الإسلامية باعتبارها بلا تاريخ وبلا سياسة، وتعرف الأطروحة الأكثر تشذيبا المشكلة من خلال إجراء مقارنة بين "عالم الجهاد" و"عالم ماكدونالد"، الأول "معادٍ للحداثة" والثاني "ذو نزعة استهلاكية" يسعى وراء الربح، وبين الاثنين تناقض كبير، فعالم ماكدونالد هو تتويج طبيعي لعملية التحديث، في حين "يرمز عالم الجهاد إلى الخصوصية العقائدية العنيفة".

لقد جذبت هذه النظريات الكثير من المفكرين العرب، فهشام شرابي يرجع الاستبداد العربي إلى الأبوية الراسخة في المجتمعات العربية، ونجد وجهات نظر مماثلة عند خلدون النقيب الذي يوظف مفهوم القبيلة لتوضيح الفكرة نفسها، ويذهب حسن حنفي إلى أن المشكلات التي تواجهها المجتمعات العربية تعود إلى الجذور المترسبة في موروثنا.

يرفض الكتاب هذه النظريات وغيرها التي ترى أن الاستبداد في الوطن العربي هو انعكاس للتفضيلات الثقافية للمنطقة، ولو كان الأمر كذلك لما احتاجت النظم العربية إلى العنف الشديد من أجل المحافظة على سلطتها.

إن العجز الديمقراطي مرتبط بالخيارات السياسية الواعية للنظم السياسية التي هندست أنماطا من الاستقطاب، من شأنها أن تجعل طرقها الاستبدادية كما لون أنها آخر معقل ضد التفكك التام لبلدانها.

حالات دراسية لبلدان عربية

ـ دعائم نظام الحكم الأوتوقراطي في الأردن

تبين بيانات مؤشر نظام الحكم أن الدرجة التي منحت للحكم خلال الفترة ما بين 46 و1950 هي درجة متدنية، حيث استمر حكم الملك عبد الله كحكم فردي، على الرغم من الاستقلال الرسمي للدولة وتدشين آليات معينة لتمثيل الشعب.

وفي عام 1951 حدث تحسن ملحوظ في المشهد السياسي، حيث تدنى الحكم الفردي مع انتخاب أول برلمان ومنح التمثيل العادل والمتساوي لكلتا ضفتي نهر الأردن، وازداد هذا التحسن بحلول عام 1952 حيث تم سن دستور ليبرالي كان الأساس للانتخابات البرلمانية الحرة.

ويرى الكتاب أن هذا التقدم لم يستمر طويلا، ففي منتصف الخمسينيات حدث تراجع في مؤشر نظام الحكم، على الرغم من أن البرلمان الأردني المنتخب عام 1956 كان ثمرة أكثر الانتخابات حرية وربما ديمقراطية، ويعود ذلك إلى حدوث قلاقل إقليمية دفعت النظام الأردني إلى مبادلة الديمقراطية بالاستقرار.

وجاءت مرحلة الستينيات كامتداد طبيعي للمرحلة السابقة، حيث عطلت حرب 67 عملية التطور الليبرالي، وشجعت الحكومة على الحد من الحريات الديمقراطية القليلة الباقية.ِ

وفي ثمانينيات القرن الماضي، حصل تحسن طفيف في مؤشر نظام الحكم، حيث أقر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات، وفي عام 89 أعلن الملك حسين فك الصلات الإدارية مع الضفة الغربية، وهي خطوة بدت غير دستورية في نظر كثير من الأردنيين، وقام عدد من الأحزاب الوطنية بالتشكيك في دستورية القرار وجميع الإجراءات القانونية التي تلته، وكانت النتيجة حل مجلس النواب بقرار ملكي.

ومع بداية التسعينيات بدت مؤشرات نظام الحكم في التقدم، لكنها لم تعبر حاجز الصفر باتجاه الحكم الموجب، أي المنطقة الديمقراطية.

لقد أبدى الملك حسين درجة من التجاوب مع المعتقدات الديمقراطية، والحريات المدنية وحقوق الإنسان تتناسب مع درجة الاستقرار السائدة في المنطقة.

ويقف الكتاب هنا على ملاحظة مهمة، وهي أن عوامل الثقافة أو الإسلام لم تقم بأي دور ظلامي في تشجيع الحياة السياسية الديمقراطية، على العكس، فإن غياب التقدم الديمقراطي الحقيقي يرتبط بقدرة المملكة على إعاقة الإصلاحات، وفي السنوات السبع الأخيرة جرب النظام عددا من الإستراتيجيات لإضعاف حركة المواطنين وتعاضدهم، كرفع شعار "الأردن أولا"، وهي حملة قادت إلى نزع الشرعية عن أي احتجاج للتضامن مع الجيران الفلسطينيين.

ـ دعائم الحكم الأوتوقراطي في سوريا

كان اقتصاد سوريا متطورا نسبيا بعد الاستقلال، وبعد ذلك وحتى منتصف السبعينيات حققت الدولة مستويات غير مسبوقة في النمو الاقتصادي، وبحلول نهاية السبعينيات تحول الاقتصاد من قاعدته الزراعية التقليدية إلى اقتصاد يقوم على النشاطات التجارية والخدمية والصناعية.

لكن في منتصف الثمانينيات، فقد النموذج السوري حيويته في أعقاب الهبوط السريع في أسعار النفط، وتدني عائدات التصدير، والجفاف الذي ضرب الإنتاج الزراعي، وهبوط تحويلات العاملين.

وفي التسعينيات بدأت الدولة بإصلاح الاقتصاد عبر لبرلة القطاع الزراعي، وخصخصة مجموعة من النشاطات كانت تحتكرها الدولة، وقد عبّد ذلك الطريق أمام التنمية الاقتصادية الواسعة والتراكم الرأسمالي الهام، إلا أن الاقتصاد بدأ في نهاية التسعينيات يشهد تقلبات حادة، حيث بدأت مستويات المعيشة في التدهور، وأصبحت مستويات البطالة أكثر ارتفاعا.

ويؤكد الكتاب هنا أن ولاء مجتمع الأعمال السوري للنظام عاق خطوات الإصلاح الاقتصادي، عبر مشاركته مع أعضاء مؤثرين من النظام في النشاطات المدرة للريع، الأمر الذي جسد تأييد ذلك المجتمع للنظام الأوتوقراطي.

ومن الناحية السياسية، كان الوزراء وكبار المسؤولين يتم ترشيحهم من قبل الرئيس نفسه، ومنحهم سلطات تنفيذية محدودة، وتقترح القيادة القـُطرية لحزب البعث والدوائر الأخرى للنظام الحاكم مرشحين للمناصب الحكومية والوظائف المدنية الكبرى.

ومع الزمن قاد احتكار الحزب الحاكم جميع القرارات الأساسية للقطاع العام إلى قيام منهجية فساد منظمة، وأتاح لعدد من صانعي القرار الاستفادة من مراكزهم في الكسب غير المشروع، وبسبب معاناة الجيش والنظام القضائي، فقد ضعفا أمام مؤثرات الفساد.

وقد أشار الرئيس حافظ الأسد في خطابه عام 1999 إلى تخفيف محدود في النهج الأوتوقراطي، إذ أكد أهمية المسؤولية في سياق النظام الديمقراطي الشعبي، كما لا حظ أيضا أن توسيع دائرة القرار وحرية التعبير والمشاركة العامة سيسهل العملية الديمقراطية.

ومع ذلك يؤكد الكتاب أن وضع سوريا من الناحية الديمقراطية سيئ جدا وفقا لمؤشر نظام الحكم، ومن الجدير ذكره أن النظام السوري لا يعارض الإصلاح الاقتصادي والسياسي، ولكن موقفه هو أن مثل هذه الإصلاحات لا بد من أن تتم بصورة تدريجية يمكن التنبؤ بنتائجها، بحيث لا تقود إلى أي خسارة في السيطرة السياسية.

ـ نظم الحكم الأوتوقراطية في الخليج

تمتلك بلدان الخليج أعلى مستوى معيشي في الوطن العربي، ومع ذلك فهي أكثر النظم أوتوقراطية، حيث لم تؤد التنمية الاقتصادية إلى قيام أي ضغوط اجتماعية للسير في عملية الدمقرطة، ولم تتغير طبيعة العلاقة بين الحكام والمواطنين.

لقد تم استعمال الإيرادات النفطية لشراء رضا وجهاء القبائل القديمة، لا سيما في السعودية، كما استفاد الحكام من هذه الإيرادات في شراء الولاء السياسي، عبر برامج للرفاه المعيشي.

ومع ذلك، فإن فهم طبيعة نظام الحكم الأوتوقراطي في الخليج تتطلب الذهاب إلى أبعد من النفط.

يرى الكتاب أن جذور نظام الحكم الأوتوقراطي تعود إلى السنوات التكوينية لبلدان الخليج، فكلما كانت هذه البلدان أقرب إلى الهند البريطانية، كان احتمال تدخل بريطانيا في شؤونها أكبر لتأمين مصالحها الاقتصادية (عمان، الإمارات، قطر، البحرين)، فيما كانت الكويت والسعودية أقل عرضة للتأثير البريطاني، ففي السعودية تحالفت المجموعات الدينية مع آل سعود لفرض نظام ديني أوتوقراطي، وفي الكويت كان على الحكام بسبب حاجتهم إلى دعم التجار المالي أن يتخلوا عن بعض سلطتهم لهم، وهو ما توج بتأسيس البرلمان في وقت مبكر عام 1938.

وحين ننظر إلى هذه البلدان نجد بعض الاختلاف في مؤشرات نظام الحكم، فالكويت حققت تقدما مقارنة بباقي دول الخليج، فالسعودية والإمارات وقطر لم تشهد أي تغيير في أوضاعها السياسية منذ 43 سنة، والبحرين وعمان لم تغير مؤسساتها السياسية إلا بعد عام 1990، ولكن في الكويت فقط قادت المحاولات الديمقراطية منذ منتصف السبعينيات إلى نظم أقل أوتوقراطية.

ـ الجزائر: الديمقراطية والتنمية في ظل الصفقة الاستبدادية

الجزائر دولة ريعية تأتي معظم ثرواتها من النفط والغاز، والسيطرة على مؤسسات الدولة تعني السيطرة على هذه الثروة.

تختلف التجربة الجزائرية في التحول الديمقراطي عن مثيلاتها في البلدان العربية، إذ جرب الجزائريون حكما استعماريا فرنسيا حرم الجماهير من التطور والتنمية لأكثر من قرن.

وبعد الاستقلال تعزز الاستبداد مع حكم بومدين (65ـ1978) الذي ركز على تنفيذ خطة اجتماعية/اقتصادية طموحة قام تمويلها على الريع النفطي والدين الخارجي.

ورغم النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية القوية، فإن الإدارة السياسية والاقتصادية البيروقراطية، والتركيز على الصناعة الثقيلة، سببا عجزا ضخما في أسواق السلع الاستهلاكية والسكن.

وحاول الرئيس الشاذلي بن جديد (79ـ1992) إصلاح الاقتصاد والتخفيف من سيطرة الدولة، لكن هبوط أسعار النفط عام 1986 وتفاقم الدين الخارجي عملا على وقف الآلة الاقتصادية.

تطور السخط الشعبي، حيث نزل الشباب إلى الشوارع وحطموا الممتلكات العامة، وأدت هذه الأحداث إلى تنظيم انتخابات جديدة، نجح عبرها الإسلاميون، الأمر الذي دفع الجيش إلى التدخل ووقف العملية السياسية عام 1992، وأطلق هذا القرار عشر سنوات من الصراع الأهلي.

وعلى الرغم من الصعوبات المطولة للتنمية الاقتصادية، فإن إعادة توزيع الثروة غير العادلة أبقت على مستويات الفقر، وزاد من ذلك هيمنة الشباب في المجتمع وما رافقه من أزمة حادة في مجال السكن والتشغيل.

بلغت حرية التعبير درجة عالية، مع أن حكم القانون وأداء الحكومة هما أهم العقبات أمام الحرية، لا يمكن اعتبار الجزائر شكلا للاستبداد، ومع ذلك يمكن القول إن الديمقراطية الإجرائية في الجزائر لم تعكس حصول تحسينات في الحقوق السياسية.

وتتعلق الجوانب الأخرى من الإصلاحات السياسية بالمستوى الضعيف جدا للمؤسسات السياسية والاقتصادية، وتدهور الحكم، وفي هذه البيئة غير المستقرة، فإن الإصلاحات الليبرالية وتقلص هيمنة الحكومة ساهما في إضعاف المؤسسات وفي المحافظة على الدمقرطة.
---------------
المصدر: الجزيرة

المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها

 

 

شكلت وحدانية خيار التطور أمام البشرية، بعد انهيار تجربة بناء الاشتراكية، في بداية تسعينات القرن الماضي، معضلة فكرية للباحثين والمفكرين المهتمين بدراسة تطور العلاقات الدولية، نتجت عنها كثرة من الإشكالات.. منها: هل وحدانية خيار التطور الاجتماعي على الصعيد العالمي المتمثل في طريق التطور الرأسمالي ينتج عنها ضرورة أخذ النموذج الأميركي للديمقراطية مثالا وحيدا للتطبيق في الدول غير المتطورة (المعروفة في الفكر السياسي سابقا بالدول النامية) التي كانت تعيش على هامش خياري التطور الاشتراكي والرأسمالي؟.. ومنها: ما هو تأثير الانتقال لوحدانية خيار التطور الاجتماعي على الصعيد العالمي على بناء الدولة الوطنية في المجتمعات التي تتخلص من الاستبداد؟.. ومنها: ما هي العلاقة بين العاملين الدولي/ الخارجي والوطني/ الداخلي في حسم الصراعات الاجتماعية على الصعيد الوطني، وما هو الحاسم فيهما؟.. وأخيرا من يعطي الشرعية للسلطات الحاكمة في الدول الوطنية، هل الشرعية الانتخابية، أم الشرعية الديمقراطية وما هو الفرق بين الشرعيتين؟


هذه الموضوعات وغيرها يتناولها الباحث الدكتور لطفي حاتم في كتابه الذي صدر مؤخرا، بعنوان «التشكيلة الرأسمالية العالمية والشرعية السياسية للدولة الوطنية»، مواصلا أبحاثه حول تطور العلاقات الدولية في ظل نظام القطبية الواحدة وتأثيراتها على بلدان الشرق الأوسط، والتي نشرها في كتابيه «آراء وأفكار حول التطور الرأسمالي» الذي صدر عام 2008، و«موضوعات في الفكر السياسي الجديد» الصادر عام 2010.


يناقش الباحث أفكاره في فصلين، ففي الفصل الأول «الدول ومصادر شرعيتها» تناول الشرعية السياسية للدولة عبر تطورها التاريخي وصولا إلى تشكل نموذجين للدول في العصر الحديث، الدولة الرأسمالية والدولة الاشتراكية، وهو الأمر الذي ارتبط بظهور خياري التطور الاجتماعي، بعد الحرب العالمية الثانية. وبخصوص أسباب انهيار نموذج الدولة الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي وبلدان أوروبا الشرقية، في بداية تسعينات القرن الماضي، يرى الباحث أنها تعود، بشكل أساسي، إلى ضعف الديمقراطية السياسية وانتشار البيروقراطية في مؤسسات الدولة.


في هذا الفصل يرصد الباحث الإشكاليات الفكرية - السياسية التي نتجت عن انهيار تجربة بناء الاشتراكية وتأثير ذلك على البنية الاجتماعية للدولة الرأسمالية المعاصرة، مشيرا إلى أن «الطبقة الرأسمالية أصبحت ذات سمات كوزموبوليتية بفعل ترابطاتها الاقتصادية - المالية، المالية الإنتاجية، الخدمية والإعلامية، خلافا لسمات الطبقة العاملة التي انكفأت إلى مواقع وطنية بعد سيادة الليبرالية الجديدة، بهدف الدفاع عن مكتسباتها الاقتصادية» (صـ8).


وفي ما يخص تأثير التطور السابق على الدولة الوطنية، يتوصل الباحث إلى أن «القوانين الجديدة للرأسمالية المعولمة تحد من فعالية التناقضات الوطنية بسبب وحدة وتشابك المصالح الاقتصادية: الوطنية والدولية» (صـ8).


وفي الفصل الثاني، يتابع الباحث تحليل التطورات الفكرية - السياسية المتعلقة بالدولة الوطنية، مركزا بشكل خاص على طبيعة الدولة الوطنية في المنطقة العربية، بالارتباط مع تأثير قانون الاستقطاب الناظم لتطور التشكيلة الرأسمالية المعولمة، مشيرا إلى أن تفاعل هذا القانون في العلاقات الدولية أدى إلى بلورة أشكال جديدة لتعامل الدول الرأسمالية المتطورة مع البلدان العربية وفق قانون يطلق عليه الباحث «قانون التهميش والإقصاء» ووفق هذا القانون يجري «تكييف الدول الوطنية عبر ضغوط اقتصادية وسياسية واجتماعية تؤدي لنقل تلك العلاقة من التبعية التي ميزت اقتصادها الوطني في مرحلة الاستقلال والتحرر الوطني إلى مرحلة الإلحاق» (صـ116). وبناء على هذا القانون تصبح سمة عدم التكافؤ هي التي تتحكم في العلاقة بين الدول الرأسمالية والدول العربية، وأهم نتيجة لهذه العلاقة هي عدم مراعاة المصالح الوطنية، الاقتصادية والسياسية، للدول العربية.


وفي ما يخص تاريخ تطور الدولة الوطنية في البلدان العربية، قام الباحث بتحليل مسارات تطور الفكر القومي وتأثيراته على بناء الدولة، باعتباره الفكر السائد خلال مرحلة تكون الدول الوطنية بعد إنهاء السيطرة الاستعمارية المباشرة في أغلب الدول العربية في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، متوصلا إلى أن الإشكالية الرئيسية للفكر القومي تكمن في غياب الديمقراطية في بنيته الفكرية، الأمر الذي أدى إلى إعاقة بناء دولة حديثة، قادرة على مواجهة مشاريع الهيمنة الغربية، وفي الوقت نفسه تلبية الحقوق السياسية والاجتماعية للمواطنين، مما أدى إلى فقدان السلطات الحاكمة والدولة معا، الشرعية الوطنية.


ومن أجل إعطاء أبحاثه واقعية، انتقل الباحث من المجرد إلى الملموس، من خلال متابعة مسار تطور الدولة العراقية الحديثة التي تشكلت في عام 1921، مستعرضا سماتها التاريخية المتمثلة، حسب رأي الباحث، بأربع سمات، الأولى احتكار السلطة من قبل نخبة قليلة، والثانية اللجوء للعنف السياسي ضد المجتمع، والثالثة البناء الطائفي، والرابعة المركزية الشديدة التي أعاقت حصول المكونات القومية للشعب العراقي على حقوقها المشروعة. إن تلك السمات هيأت الظروف المناسبة لقوى الاحتلال الأميركي بعد عام 2003 لصياغة رسمية لإعادة بناء الدولة في العراق على أساس تقاسم طائفي - قومي للسلطات الثلاث، الرئاسة والحكومة والبرلمان، وأصبح هذا التقسيم لاحقا حقوقا مكتسبة، باعتباره يمثل التنوع الطائفي القومي للتشكيلة الاجتماعية للدولة العراقية.


في القسم الأخير من الفصل الثاني، تطرق الباحث إلى أسباب خفوت دور أحزاب اليسار الاشتراكي في البلدان العربية، معزيا ذلك إلى تخلف بنيتها الفكرية والتنظيمية وبالتالي عدم قدرتها على مواكبة الأحداث، بعد انهيار تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وبلدان أوروبا الشرقية. ويرى الباحث أن «تغييرات السياسة الدولية التي أنتجها الطور المعولم من التوسع الرأسمالي تعمل باتجاه تحول روابط تبعية الدول الوطنية التي ميزت حقبة المعسكرين إلى ركائز لاندماجها بصيغة الإلحاق». وبناء على ذلك يقترح الباحث أن تتحول أحزاب اليسار الاشتراكي إلى أحزاب يسارية ديمقراطية لـ«تشكل وريثا تاريخيا لكل ما أخزنته التجربة الكفاحية للحركة الوطنية الديمقراطية العربية وفاعلا نشطا في صيانة الدولة الوطنية من الإلحاق والتهميش» (صـ210).


وفي ختام الكتاب، يقدم الباحث مجموعة من الاستنتاجات منها:


1) إن الاستناد إلى الشرعية الانتخابية للسلطات التي تقوم على آليات الديمقراطية، الانتخابات فقط، يضعف الشرعية الوطنية للدولة، لأن بناء الدولة الديمقراطية يشترط توفير الضمانات الاجتماعية، التي تقوم على قاعدة التوازنات الطبقية للتشكيلة الاجتماعية الوطنية.


2) إن حل مشكلة الدول متعددة القوميات يتطلب بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، على أساس فيدرالي لضمان حقوق كل القوميات، بهدف تعزيز وحدتها الوطنية.


3) تطوير المفهوم الديمقراطي للوحدة القومية على قاعدة التقارب الاقتصادي العربي المتمثل في بناء أسواق عربية مشتركة، تشكل في نهاية المطاف القاعدة السياسية لاتحاد كونفيدرالي عربي واحد.


4) إن مقاومة نهج التهميش والإقصاء الذي تعتمده الدول الرأسمالية، تتطلب البحث عن أشكال جديدة للنضال الوطني، تقوم على إشراك جميع الطبقات والفئات الاجتماعية التي لها مصلحة في الحفاظ على السيادة والاستقلال الوطني، وإقامة دول تحترم حقوق الإنسان، السياسية والاجتماعية.


أخيرا، تعتبر الأفكار الواردة في الكتاب، خلاصة لجهد نظري ناقد ومتابعة مباشرة من قبل الباحث، لتطور العلاقات الدولية وتأثيراتها على الدول العربية، خلال العقود الخمسة الأخيرة، مركزا بشكل خاص على نقد أفكار الباحثين في البلدان الغربية الذين يروجون لأفكار الليبرالية الجديدة، باعتبارها الوصفة النموذجية لإعادة بناء الدولة الوطنية في المنطقة العربية خلال حقبة نظام القطبية الواحدة.

المصدر: الدنمارك: الأكاديمية العربية المفتوحة بالدنمارك، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

يهدف الكاتب البهلول اشتيوى إلى استخلاص كثير من الدروس والعبر ومراجعة بعض أساليب النظام البائد والتعرف إلى بعض ألاعيبه، وشيء من مكره وخزعبلاته. كذلك إلى معرفة كيفية الاستخفاف بالليبيين وتغييب كثير منهم أو استقطابهم، حتى أصبح كثيرون منهم ألعوبة بين يديه يسخرهم لتنفيذ مخططاته الشيطانية، وغرس أفكاره ودسائسه الشيطانية المدمرة في المجتمع الليبي.

ويعرض الكتاب لحال ليبيا خلال الفترة التي حكمها العقيد معمر القذافي، بدءاً من انقلابه في الأول من سبتمبر 1969، وإلى غاية 17 فبراير 2011. إذ تنكّر العقيد للمواثيق والعهود التي قام مع رفاقه بالانقلاب لتحقيقها، ما اضطر بعضهم لمحاولة الانقلاب عليه، ذلك للمرة الأولى، وقام بها آدم حواز وموسى أحمد. ووقتها لم يكن قد مر على عمر الانقلاب سوى ثلاثة أشهر. فقبض على زعيمه وأُعدم. ومنذ ذلك التاريخ والحركات الانقلابية لم تتوقف. وكان أخطرها حركة عمر عبدالله المحيشي وبشير هوادي، التي نجا قائدها بأعجوبة، إذ فر إلى الخارج واعتقل هوادي ووضع تحت الإقامة الجبرية. أما بقية أعضاء المجلس. فمنهم من اعتزل وفضل الانزواء بعيداً زاهداً في المال والسلطة، مثل: الهوني ونجم وحمزة والقروي. وذلك في منتصف السبعينات من القرن الماضي. ومنهم من توفاه الله في حادث سيارة المقريف.. ومنهم من بقي يتصيَّد الفتات منتظراً ما يجود به النظام عليه، مثل: جلود والخويلدي ويونس والخروبي. فهؤلاء ظلوا معه أعضاء في القيادة التاريخية بعد التخلص من أعضاء المجلس الشرفاء.

أما في السياسة الداخلية وبعد أن شكل اللجان الثورية، صار القذافي يشتري ذمم الكتاب والأدباء ليؤبدوه، وصدَّق نفسه بأنه قائد أممي.. وكانت نماذج هؤلاء كثيرة، مثل: عيدي أمين وبوكاسا. وتبرع كتاب وكاتبات كثيرات بتأبيده والتهليل له مخلصاً وبشيراً. ولعل أشهرهم الكاتبة الإيطالية ميريلا بيانكر، صاحبة كتاب القذافي رسول الصحراء الذي صدر عام 1970.

ويذكر الكاتب اشتيوي ما فعلته الثورة الثقافية التي أطلقها القذافي، إذ عمد فيها إلى إحراق وإتلاف الكتب وتحويلها إلى زبالة في أحد مصانع الورق في طرابلس. ويأتي بعد ذلك إصدار القذافي لكتابه الأخضر إذ فرضه على الحياة الليبية على أنه النظرية المخلصة من كل الأمراض الفكرية والجسدية. كما فرض التدريب العسكري العام في عملية لعسكرة الحياة وإذلال الليبيين، كما يقول الكاتب .

ثم ينتقل الكاتب لوصف مجزرة سجن أبو سليم التي قتل فيها 1269 سجيناً. ومن ثم وفي خطوة خطيرة عمد القذافي إلى تكوين الكتائب الأمنية التي أشرف على تأسيسها: حنيش وضو وعبدالله السنوسي والقانقا والعربي والمعرفي وسحبان وعلي فيتوري.. وغيرهم الكثير. إضافة إلى أبنائه الذين كبروا وكشفوا عن تطلعاتهم السياسة والعسكرية والاقتصادية. ومما قاله هؤلاء الأولاد: ما تحت الأرض ملك لأبينا ـ النفط والمعادن ـ وما فوقها ملك لنا. وكانت تقارير أميركية ذكرت أن ثروة القذافي احتلت المرتبة الأولى بين الزعماء العرب. إذ وصلت إلى 134 مليار دولار.

ويورد الكاتب ما تعرض له القذافي من اغتيالات. ويختم الكاتب كتابه بالحديث عن ثورة فبراير 2011 التي صارت نيرانها تحرق نظام القذافي، ما دعاه للقيام بعمليات تدخل لقمع الثوار. فتزعَّم عبدالله السنوسي ومعه الساعدي، ابن القذافي، الحملة على المنطقة الشرقية، تساندهما الكتائب الأمنية التي ظل النظام ولأكثر من خمس عشرة سنة يعدها ويجهزها. لكن أهل بنغازي وأهل الزنتان ومصراتة واجهوا هذه القوات وتصدوا لها..واستمرت الثورة وقويت نيرانها التي عمت أرجاء ليبيا، وشعر القذافي بأنه سيسقط. فتهدد الثوار بأنه سيتعقَّبهم بيت بيت، وشارع شارع، وزنقة زنقة. ثم توسع القتال وظلت المعركة على الأرض سجالاً بين الثوار الليبيين من جهة والكتائب الأمنية المشكَّلة من كل الأجناس بمن فيهم الليبيون..

إلى أن قرر المجتمع الدولي التدخل لمساعدة وإنقاذ الشعب الليبي، حتى جاءت تلك الساعة التي كانت فيها نهاية النظام ونهاية القذافي الذي لم يكن يتوقع أن يكون مصيره، قبل القبض عليه، مختبئاً في ماسورة لصرف المياه جالساً القرفصاء، وحيداً بعد أن فر الجميع من حوله. إذ تواترت الروايات، أن من دلَّ الثوار على مكان اختبائه، هو أحد حراسه - ينتظر مصيره إلى أن تقدم منه أحد الشباب «جمعة شعبان» فسحبه وأخرجه من جحره وهو يجره على الأرض، ليموت مقتولاً.

جاء الكتاب في خمسة فصول وخاتمة. الفصل الأول بعنوان السياسة الداخلية – نظام الحكم، يتحدث عن بداية الانقلاب العسكري، مخطط القذافي للسيطرة على ليبيا، فكرة تكوين اللجان الثورية، والقضاء على المراكز الثقافية. كذلك يتناول المؤلف الكتاب الأخضر الذي يسميه الكتاب الأغبر، وغيره من مواضيع. أما الفصل الثاني الأمن الداخلي والخارجي، فيتناول الأمن وجهاز الأمن الخارجي والجيش. بينما تم تخصيص الفصل الثالث للسياسة الخارجية، فكان الحديث عن المزاجية في السياسة الليبية الخارجية ورحلات القذافي الأسطورية. وجاء الفصل الرابع بعنوان الحياة الاقتصادية والاجتماعية ليتحدث عن الرياضة والتعليم، وعن الاقتصاد، وخصص الكاتب باباً لوزراء الاقتصاد في ليبيا. أما الثورة الليبية فكانت عنواناً للفصل الخامس ثورة 17 فبراير، فتناول مواضيع متعلقة بالثورة التي أطاحت بالقذافي.
الكتاب الأغبر

تحت عنوان الكتاب الأغبر، أي الكتاب الأخضر، يؤكد اشتيوى أنه حوى بين طياته خرافة النظرية العالمية الثالثة، فهو حسب القذافي يقدم الحلول النهائية لمشكلة الديمقراطية وللمشاكل الاقتصادية والاجتماعية. فهذا الكتاب عبارة عن مقولات جمعت من أماكن متفرقة وفيه كثير من السذاجة والبديهيات، كمقولات المرأة تحيض والرجل لا يحيض، والطفل تربيه أمه، والرياضة نشاط عام ينبغي أن يمارس لا أن يُتفرج عليه. فهذا الكتاب اتخذه النظام كأساس للحكم في ليبيا ومصدراً للتشريع، وملزماً للقضاء حتى ولو تعارضت مقولاته مع الشريعة الإسلامية أو القوانين السارية في ليبيا، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن أهمها البيت لساكنه، والسيارة لمن يقودها، ومنع التجارة الركن الاقتصادي من النظرية. ويشير الكاتب هنا إلى أن النظام أنفق الملايين من الدولارات على نشر الكتاب في أرجاء المعمورة، فترجمه إلى لغات العالم كافة، وتم توزيعه مجاناً على رغم نوعية الورق والتغليف الفاخرين للكتاب.
المؤلف

البهلول أشتيوي. كاتب ليبي. من مواليد تاجوراء - طرابلس، عام 1959. يحمل إجازة في الحقوق. شغل مناصب كثيرة، منها: مندوب ليبيا لدى مجلس الوحدة الاقتصادية العربية لجامعة الدول العربية. وشارك في العديد من دورات لجنة الأمم المتحدة للقانون الدولي.

المصدر: بيروت: منتدى المعارف، 2013

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

يعد كتاب"الدين والدولة في الوطن العربي" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المعهد السويدي بالإسكندرية في طبعته الأولى لسنة 2013، عبارة عن أشغال ندوة فكرية وعلمية نظمها المركز والمعهد، والتي عقدت في تونس في أواخر عام 2012، بحضور عدد كبير من المفكرين والفاعلين والأساتذة والباحثين والمثقفين من مختلف التوجهات الفكرية والسياسية، للتداول العميق والهادئ حول وجهات النظر في سؤال العلاقة بين الدين والدولة في المجال العربي الإسلامي؛ بهدف استخلاص الدروس، وسعيًا لتقريب وجهات النظر المختلفة حول موضوع علاقة الدين بالدولة، وبحثا عن قواسم مشتركة فيه بين مختلف تلك التيارات والتوجهات.

تشير مقدمة الكتاب بأن قضية العلاقة بين الدين والدولة تفرض نفسها واحدةً من القضايا الإشكالية الكبرى التي يواجهها نموذج الدولة الحديثة في الوطن العربي، والكلام على الدين والدولة في الحالة العربية يعني إلى حد بعيد الكلام على العلاقة بين نماذج الدولة الحديثة التي أخذت في التشكل في مختلف الأقطار العربية منذ انهيار الخلافة العثمانية، وبين الإسلام السياسي الرافض لتلك النماذج بما تعنيه من فصل الدين عن الدولة واعتماد قانون وضعي كمصدر للتشريع...ومع وصول بعض القوى الإسلامية إلى السلطة عقب الثورات الأخيرة التي شهدها أكثر من بلد عربي، أخذت الدولة الوطنية تواجه تحديات من نوع آخر. وأمام هذا التصاعد لدور القوى الإسلامية في المشهد السياسي العربي، ومع تزايد حدة الاستقطاب بين القوى الدينية والقوى "العلمانية" حول مستقبل الدولة الوطنية الحديثة في المنطقة، تتأكد الحاجة إلى البحث عن نماذج وصيَغ تكون موضع توافق أكثر بين مختلف التيارات السياسية والفكرية والفئات المجتمعية العربية؛ فأي نموذج للدولة الحديثة يبحث عنه العرب: هل هو نموذج الدولة الوطنية العلمانية المنقول عن الغرب، أم أنه نموذج الدولة الوطنية العلمانية المكيَّف مع البيئة الثقافية والاجتماعية العربية-الإسلامية، أم أنه العودة إلى عصر الخلافة بكل ما يعنيه ذلك من انقطاع عن التراكم الحضاري الذي لا يمكن الإسلام إلا أن يكون رافدًا من روافده.
أولا- الدين والدولة بين الفكر الإسلامي والوعي الحديث
يتضمن الكتاب ثلاثة عشر فصلًا، إضافة إلى التعقيبات والمناقشات والحوار المفتوح، الذي دار بين نخبة من المشاركين في الندوة، فقد كان السؤال الحاكم للندوة/الكتاب هو: كيف يمكن للسياسة أن تمارس الآن وفي المستقبل في الوطن العربي بشكل يقارب إشكالية الدين والدولة بفهم إسلامي معاصر يستوعب العصر ومتغيّراته، ويرفع عن الدولة والمجتمع عبء أزمةٍ في العلاقة بين الدينيّ والسياسيّ؟

بداية من البعد التاريخي للعلاقة بينهما، إلى التركيز على تقديم ما يفيد في اكتشاف كيف مورست السياسة في الماضي الإسلامي؛ سعى هذا العمل إلى معالجة جوهر القضايا التي تدخل ضمن العلاقة، والتي تواجه تنظيم الدولة المعاصرة عربيًا خاصةً بعد صعود الحركات الإسلامية إلى السلطة عقب الثورات العربية؛ ومثلما تطرح العلاقة أسئلة إشكالية على المستويات المفهومية والفقهية والتنظيرية، فإن الواقع العربي والإسلامي المعاصر يقدم تجارب لدول تصف نفسها، أو توصف، بالإسلامية  كالسعودية وإيران، بينما تقدم دول أخرى تجارب ما صار يعرف بالإسلام العلماني كما هو في تركيا مثلاً. كما شهدت بلدان أخرى بروز مؤسسات موازية للدولة قامت على أسس دينية ومذهبية.

افتتح الكتاب في فصله الأول في موضوع: "الدين والدولة في الاجتماع العربيّ المعاصر: نظريًا، وتاريخيًا، واستشرافًا"، لعبد الإله بلقزيز الذي حاول فيه تناول إشكالية الدين والدولة في سياقاتها الفكرية، وأنماط العلاقة التي نشأت بينها في تاريخ الإسلام وأوروبا الوسيطة والحديثة، والجدل المعاصر الجاري حولها في الوطن العربي، كما اهتم عبد الإله بلقزيز في بحثه اهتم بمحاولة استشراف صورة مستقبلية لهذه العلاقة في ضوء صعود الحركات الإسلامية وتجدّد حضور الديني في المجال السياسي، مستحضرا الحاجة إلى توفير حلٍّ تاريخي لجدليةٍ قد تهدّد المجتمع بالاستقطاب والدولة بالتأزُّم.

أما الفصل الثاني، المعنون بمداخلة: "الدين والدولة في الأصول الإسلامية والاجتهاد المعاصر" لراشد الغنوشي، فقد عالج نظرة الإسلام والمسلمين لعلاقة  الدين والدولة، وتجربة هذه العلاقة كما عيشت في التاريخ الإسلامي، ومدى اتساقها أو تضاربها مع المفهوم "الأصولي" الإسلامي لها، مبرزا الاجتهادات الفكرية والسياسية الإسلامية المعاصرة في النظر إليها، وما يمكن أن يكون لها من حظوظ التطبيق وفرص النجاح في الواقع الراهن.

في حين اهتم الفصل الثالث:" الدين والدولة من منظور إسلاميّ عصري ومنفتح" لرضوان السيد بالمسألة من وجهة نظر إسلامية جديدة تستوعب معطيات وحقائق التغيّر في العصر، وحاجة الإسلام إلى التكيّف معها، وخاصة انتظام السياسة والدولة على مقتضى مدني وديمقراطي، ومواطني، والحاجة إلى تأصيل هذه الأفكار الحديثة، وتوطينها في الوعي الإسلامي، ويلقي نظرةً على مساهمة الإصلاحية الإسلامية، في القرن التاسع عشر، والفكر الإسلامي المعاصر، على هذا الطريق.

وتطرق أدونيس العكره في الفصل الرابع لموضوع الدين والدولة في الأصول الفكرية والسياسية الحديثة، مبرزا صلة الدين بالدولة في منظور الفلسفة السياسية الحديثة (القرون 17و 18و 19)، وفي سياق تكوّن الدولة الوطنية الغربية الحديثة وتطوّرها، كما اهتم ببيان خريطة التمايزات والفروق بين نماذجها المختلفة (اليعقوبية، الجرمانية، الروسية...)، ومدى شرعية البناء- في فكرنا السياسي العربي- على تلك الأصول والنماذج.
ثانيا- تجارب ونماذج في علاقة الدين بالدولة

ركزت هذه المداخلات التي ضمها الكتاب/الندوة على تحليل نماذج من تجارب دول عربية وإسلامية تقوم أنظمتها السياسية على علاقة ارتباط بين الدين والدولة، في سعي إلى دراسة هذه النماذج ومحاولة استخلاص عناصر الاتساق أو التضارب بينها وبين المفهوم في أصوله الإسلامية من ناحية، وبينها وبين الرؤى المعاصرة للدولة من ناحية أخرى. كما أبرزت المداخلات طرق وآليات معالجة هذه التجارب لقضايا هامة وخلافية مثل: شكل نظام الحكم وموقع الأقليات والمرأة والأمن، وموضوعات الحريات وحقوق الإنسان والمواطنة، وموقع التشريع الديني في الدولة، ومصادره، كما تم تخصيص مداخلة للنظر في تمثّلات الدين لدى الجاليات المسلمة في الغرب في تعاملها مع دولة علمانية تقيم التمييز بين المجال السياسيّ والمجال الدينيّ، متحدثا عن المسائل والقضايا الخلافية في علاقة الجاليات المسلمة في الغرب بنظم وقيم الدولة العلمانية التي يعيشون في ظلّها؛ كما أبرز تأثير الثقافة المدنية العلمانية الغربية(السلبي أو الإيجابي) في تمثّلات وممارسة معتقداتهم والحفاظ على ثقافتهم وهويتهم، وعلى انتمائهم الإيجابي إلى الدول المقيمين فيها.

لقد شكل كل من الفصل الخامس"شاهين ألباي" والسادس"رفعت سيد أحمد " والسابع"توفيق السيف" والثامن"أحمد الخمليشي" والتاسع"ريكارد لاغيرفال"، جهدا في التعاطي النماذجي مع تجارب علاقة الدين بالدولة، في حالة كل من تركيا أو مقارنة بين تركيا وإيران أو دراسة حالة السعودية ودور المؤسسة الوهابية؛ كما تطرق إلى حالة المغرب ونموذجه المتمثل في مركزية مؤسسة إمارة المؤمنين في نظام الحكم، ودورها في تدبير الشأن الديني، ومدى التماهي أو التمايز، بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية.
ثالثا- سؤال العلاقة بين الدين والدولة ما بعد الربيع الديمقراطي

عالجت الأوراق المقدمة في هذا المحور المسألة الدينية السياسية في سياقاتها الراهنة، بعد التغييرات الاجتماعية والسياسية المصاحبة للثورات العربية، وكيف تطرح العلاقة بين السياسة والدين عربيًا وخاصة في البلدان التي وصلت فيها نخب إسلامية إلى السلطة.

لقد حاولت الدراسات تحليل حالة الجدل في البلدان المعنية حول قضايا خلافية مطروحة مثل (شكل نظام الحكم، الأقليات، المرأة، الأمن، الحريات وحقوق الإنسان والمواطنة، دين الدولة والتشريع، مصادر التشريع، إلخ.)، فكانت مداخلة طارق البشري حول علاقة الدين بالدولة في حالة مصر بعد الثورة، مبينا مكانة الدين في نظام الحكم في مصر بعد الثورة، وفي ضوء صعود التيارين الإخواني والسلفي إلى السلطة، وما الذي يمكن أن ينتج من التأكيد على إسلامية التشريع من مشكلات سياسية (العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين)، واجتماعية (حقوق المرأة، الحريات،..)، ودينية (المخاوف القبطية)، وأكد المستشار طارق البشري في بحثه على ضرورة تحقيق توافقٍ فكري وسياسي وطني على مضمون الدولة المدني، وعلى تحييد الدين في صراعات المصالح الاجتماعية والسياسية حمايةً للدين والدولة والوحدة الوطنية.

وفي دراسة الحالة الثورية التونسية اشتغل صلاح الدين الجورشي ببيان مكانة الدين في نظام الحكم في تونس بعد الثورة، في ضوء نجاح "حركة النهضة" في الانتخابات، وصعود التيار السلفي، وكيفية معالجة مشكلة مدنية الدولة، والحفاظ على المكتسبات التحديثية في البلاد، ومنها حقوق المرأة وحرية الفكر والرأي، وحقوق المخالفين؛ أما في الحالة الليبية فتناوله بحث عبير إبراهيم أمنينة محللا الجدل الدائر في ليبيا بشأن شكل ومؤسسات النظام السياسي الجديد في علاقتها برؤى التيارات الإسلامية الليبية المختلفة، مركّزًا على موقع العلاقة بين الدين والدولة من هذا الجدل الذي تشارك فيه أطياف فكرية أخرى؛ كما استهدف البحث الإحاطة بآفاق صعود الإسلاميين للسلطة عقب أول انتخابات تجرى في هذا البلد، وكيف يمكن لذلك أن يتأثّر بالأوضاع في مصر وتونس، من ناحية، وبما يمكن أن يقود إليه من إعادة صياغة لدور الدين في الحياة السياسية والتحديات المختلفة لذلك على مستقبل البلاد السياسي من ناحية أخرى.

وفي سياق ترشيد النظرة إلى الدين والدولة ختم الكتاب فصله الثالث عشر المسمى بـ"مداخل إلى إصلاح الخطاب الديني المعاصر" لأحمد كمال أبو المجد بقضية الخطاب الديني المعاصر، والخطاب الحركيّ منه بوجه خاص، برؤية نقدية تحلّل وجوه القصور فيه، وما يعتَوِره من مظاهر الضِّيق، والجمود، وانعدام المرونة في النظر إلى النصّ والواقع، وما يرتبه العمل به من تَبِعات على الأمّة: في اجتماعها الداخلي، وفي علاقتها بالمحيط الكوني؛ مثلما يتناول المسألة برؤية إصلاحية تتغيَّا التصحيح، والتصويب، والترشيد وتَبْيِئَةَ تقاليد الاجتهاد والتسامح وسعة النظر في منطلقات هذا الخطاب ومفرداته.

وانتهى الكتاب/ الندوة أعماله من خلال حوار مفتوح:"من أجل تفاهم فكري سياسي في مسألة الدين والدولة"، مهتما بإمكان      الاهتداء إلى نظرة جامعة لعلاقة  الدين والدولة في الوطن العربي، اليوم وفي المستقبل، تغلِّب المشتركات على الخلافات، وترسم حدودًا وقواعد للخلاف بحيث لا يتحوّل إلى منازعة، وبحيث يُنظّم الاختلاف في نطاقه الفكري الصرف، متناولا مؤشرات تلك النظرة الجامعة إن كان لها أن تنشأ

المصدر: بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها