You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>مراجعات كتب>مراجعة كتاب: مي مجيب عبد المنعم مسعد، الأقباط ومطالبهم في مصر بين التضمين والاستبعاد

عندما قامت الثورة المصرية في 25 يناير من هذا العام قلت لنفسي: إن تونس تسبق مصر دائمًا بخطوة، فقد قامت ثورتها في 14 يناير.. وقد وضعت تونس اللبنة الأولى في بناء دولتها الحديثة، حيث يقوم حزب النهضة بعد فوزه في الانتخابات بإدارة شؤون البلاد، وما زالت مصر تحاول أن تضع قدميها على طريق الاستقرار..

كما عرفت تونس مشروع التحديث في القرن التاسع عشر، فكان خير الدين التونسي (1820 – 1889 م) صاحب كتاب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، التي حملت مقدمته آراءً حديثة نتيجة رحلته إلى الغرب، وظهر في مصر رفاعة الطهطاوي (1801 – 1873 م) صاحب الأفكار التحديثية في كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز..

أيضًا عرفت تونس العهد الصادر في 1864، ويعد دستورًا حديثًا بعدها بحوالي 12 عامًا، صدر في مصر دستور حقيقي في عهد الخديوي إسماعيل، كما زار الشيخ محمد عبده تونس عام 1884، وتعد هذه التيارات بداية ظهور السلفية الإصلاحية في تونس والعالم العربي..

وفي كتاب إشكالية الدين والسياسة في تونس..أزمة مشروع التحديث وظهور حركة النهضة، الصادر حديثًا في القاهرة، يرصد الباحث المغربي أبو اللوز عبد الحكيم البدايات الأولى للإسلام السياسي في تونس الحديثة، حيث يؤرخ أبو اللوز لهذه البدايات بظهور راشد الغنوشى المولود عام 1941، وتوجهه نحو مصر وسوريا للتعلم، ثم سفره إلى باريس للحصول على الدكتوراه في الفلسفة.

جاء الكتاب في بابين، تناول الباب الأول التوافق على مستوى المجال الديني والمجال السياسي، أما الباب الثاني فتناول مظاهر النزعة التوفيقية عند الغنوشي، وآثار التوفيقية على الفكر الإسلامي.

يشير الكتاب إلى أن المجتمعات القديمة عرفت علاقة متميزة بين الدين والسياسة، وفي ظل غياب أطر اعتبرت هذه العلاقة شرطًا أساسًا لبناء النظام الاجتماعي في هذه المجتمعات، حيث أسست لعلاقات التعاون والتضامن، وخلقت إطارات للتواصل المعنوي والمادي كشرط لازم لقيام حياة اجتماعية.

وأكد الكاتب على أن إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة لم تُطرح كإشكالية على الوعي الإنساني سوى في حقب محدودة من تاريخ المجتمعات، أي في فترات التناقض والتفاوت بين قيم الدين وقيم المجتمع، وحتى هذه الحالة لا يمكن أن يحدث ذلك إلا في ظرفيات تاريخية مخصوصة، إذا كان الدين مفروضًا بالغزو، أو إذا كان المجتمع قد تجاوز الفكرة الدينية القديمة، وطور نظامًا دينيًا جديدًا. كما أن المجتمعات غالبًا ما تعرف هذه الإشكالية، بطرق مختلفة باختلاف السياقات، مما فرض أيضًا اختلاف الحلول التي اقترحها الوعي الفكري.
حركة النهضة الإسلامية

يوضح الكتاب تاريخ حركة النهضة الإسلامية، مبينًا أن خطابها كان في البداية ملتزمًا مقولات وأفكار جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والتي أقسم قادة الحركة على الاعتزاز بها والولاء لها في البداية، وكان الشيخ راشد الغنوشي قد تأثر بأفكار جماعة الإخوان فترة إقامته المبكرة في مصر ثم سوريا زمن الجمهورية العربية المتحدة، وفي تلك الفترة تأثر أيضًا بأفكار وتجربة الزعيم جمال عبدالناصر، ولم يجد تناقضًا حادًا بين عبدالناصر والأفكار الإسلامية، وكان الغنوشى في شبابه ناصريًا بعثيًا اشتراكيًا، وبعد دراسته الإسلامية في فرنسا عاد مؤمنًا بضرورة الانطلاق من خطاب إسلامى معتدل، وفي 1981 أعلن الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة السماح بإنشاء أحزاب سياسية، وهو ما دفع الحركة الإسلامية التى كان يتبناها الغنوشي إلى التحضير للدخول إلى العمل السياسى بإعلان خطاب نوايا عن رؤية الحركة للديمقراطية والجهاد والموقف من الآخر. وعلى الرغم من مواجهة السلطة القمعية لتلك الحركة، فقد استمرت وتوسعت وامتدت في كافة أنحاء تونس، مطالبة باحترام الأخلاق الإسلامية ومقاومة التغريب.

وفيما بعد شهدت علاقات الحركة بالسلطة نوعًا من التوافق مع قدوم زين العابدين بن علي الحكم، وإعلانه الرغبة في إجراء إصلاحات سياسية، وحاولت الحركة العمل بشكل قانونى، إلا أن السلطة رفضت بعد قليل الاعتراف بالنهضة كحزب سياسي، بدعوى أن زعماءه ما زالوا تحت طائلة القانون، وسادت حالة من القطيعة بين الحركة الإسلامية والنظام الحاكم طوال السنوات العشرين الماضية.

ويرى الباحث أن حركة النهضة التونسية سجلت عام 1984 قطيعة مع المرجعية الإخوانية ومفاهيم الثورة الإيرانية، لتصل إلى حالة من التكيف مع الخصوصيات المحلية.

لم تستمر هذه الرحلة طويلًا، ففي عام 1991 دخلت الحركة مرحلة جديدة، حيث تمت القطيعة التامة والنهائية مع النظام السياسي في تونس، وترتب على ذلك أن توقف العمل الميداني، وتم التركيز على الجانب النظري أو عملية التنظير، وشُغل الشيخ الغنوشي في هذه الرحلة بعملية التوفيق بين الفكر الإسلامي والحداثة. وسعى إلى البحث عن مرجعيات للدولة الحديثة في التراث الإسلامي، أي أنه حاول أن يقدم الخطاب الحداثي المقلوب، أي أن تكون قيم الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان ذات أصول تراثية، مما يعني تنشيط وتحديث الأفكار والقيم الدينية والتراثية.

انشغل الخطاب الذي تبناه الغنوشي والحركة في تلك الفترة بعملية الاحتجاج على النظام السياسي، وفق منظورين اثنين، الأول الاحتجاج على النظام السياسي، لعدم التزامه بالقيم وانسجامه مع الأخلاق الإسلامية، والثاني الاحتجاج بأن النظام لا يتبنى قيم الدولة الحديثة من الحرية والعدالة وغيرها. باختصار كان الاحتجاج ذا نزعة دينية واضحة ونزعة سياسية أيضًا.

كل هذه المؤشرات تعني أن الحركة لديها استعداد للتوافق مع الواقع السياسي، والتكيف مع الحياة الديمقراطية، فضلًا عن العمل وفق نظريات وأطر المجتمع المدني.
الملامح الأساس لخطاب الغنوشي

ويشرح الكتاب الملامح الأساس لخطاب راشد الغنوشي، محللًا ومدققًا، حيث يوضح أن الغنوشي يتحدث عن توسيع الدوائر القومية، معتبرًا الدائرة الأولى هى دائرة الإسلام، وهى دائرة عقائدية وحضارية ونضالية، وفى ذلك يقرر أن المجتمع الإسلامى مجتمع تعددى، اعترف بحق المواطنة للمسلم واليهودى والمسيحى، ولم يستثنِ عنصرًا من العناصر المكونة للمجتمع من حق المواطنة. أما الدائرة الثانية فهى دائرة العروبة، وفيها يُقرر أنه لا ينبغى أن يتصور أحد أن هناك عداءً بين الإسلام والقومية، وأن القومية العربية رباط أساس يساهم في تقوية الكيانات السياسية. ونلمح بعد ذلك في فكر راشد الغنوشى محاولات عديدة للتوفيق بين القيم الديمقراطية والإسلام، لذا نجده يطبق نظرية المقاصد في الحديث عن الديمقراطية في الإسلام، ويقارن في ذلك بين فكرة الإجماع في الفقه وفكرة الأغلبية في السياسة.

كما يبين الكتاب أن حركة النهضة تميزت عن جماعة الإخوان المسلمين بانفتاحها الهائل على العصر، حينما ناقش راشد الغنوشي في كتاباته قضايا مثل الديمقراطية والحريات العامة والعمل النقابي، كما تحدث باستفاضة عن حقوق المرأة وحريتها، واستعرض آراء الفقهاء المسلمين القدامى في هذا الأمر، وانتهى إلى القول بأنه ليس في الإسلام ما يبرر إقصاء نصف المجتمع الإسلامي من دائرة المشاركة والفعل في الشؤون العامة، فعلى قدر ما تسمو مشاركة المرأة في الشؤون العامة على قدر ما يزداد وعيها بالعالم وقدرتها على السيطرة عليه.. والطريف أن الكتاب مؤلفه مغربي، ويتحدث عن تجربة تونسية، وقد طبع في مصر..
الكاتب

ومما يُذكر أن الكاتب أبو اللوز عبد الحكيم باحث مغربي، يعمل في مركز العلوم الاجتماعية بالدار البيضاء، حاصل على دكتوراه في علم السياسة من جامعة الحسن الثاني ودبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم السياسة والقانون الدستوري من جامعة القاضي عياض بمراكش، وإجازة في القانون العام تخصص إدارة داخلية من جامعة القاضي عياض.

ومن مؤلفاته العلمية: الحركات السلفية بالمغرب 1971-2004 أطروحة لنيل الدكتوراه في علم السياسة، وإشكالية الدين والسياسة في الخطاب الإسلامي المعاصر، نموذج راشد الغنوشي.. دراسة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم السياسة.

الجماعات السلفية بالمغرب، دراسة مونوغرافية، الحركات السلفية بالمغرب.. النشأة، التطور والامتداد الجغرافي، السلوك الانتخابي للسلفيين المغاربة، الإسلاميون والسلطة في تونس، بين السلفية الجهادية والسلفية التقليدية، أية علاقة، إشكالية الدين والسياسة في الفكر الغربي المسيحي، إشكالية الدين والسياسة في الفكر الحديث، الإسلاميون والسلطة، قراءة في النموذج التونسي، كما أن له الكثير من الأبحاث التي تهتم بدراسة الحركة الإسلامية..

وأخيرًا، فإن هناك تشابهًا كبيرًا الآن بين التجربتين المصرية والتونسية، فحركة النهضة لم تكن بعيدة في نشأتها من التأثير المباشر وغير المباشر لجماعة الإخوان المسلمين، وعايش الغنوشي تجربة الإخوان في لحظة صدامهم العنيف مع المشروع الناصري، والدولة في مصر تتشابه كذلك مع الدولة في تونس، سواء في تعاملها مع الحركتين سنوات الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وما بعدها، كما أن التشابه يزداد بما حدث في يناير وفبراير هذا العام لكل من الدولتين، حيث تم إسقاط رئيسي كل منهما. ومن ثم باتت العودة إلى حركة النهضة مشابهة لعودة جماعة الإخوان في مصر هذا العام.

المصدر: القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2011

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

كرين برنتون (1898 -1968 ) درس في جامعتي هارفارد وأكسفورد، وشغل وظيفة أستاذ التاريخ القديم والحديث بجامع هارفارد، ومن أشهر مؤلفاته كتاب : أفكار ورجال، الذي ترجم جزء منه تحت عنوان تشكيل العقل الحديث، وتم نشره في سلسلة عالم المعرفة الكويتية الشهيرة، كما أنه كان عضوًا في عدد من الهيئات والجمعيات العلمية الأمريكية.
نبذة عن الكتاب:

يتكون الكتاب من  تسعة فصول، وهي : تعريف الثورة، الأنظمة القديمة، المراحل الأولى للثورة، أنماط الثوريين، حكم المعتدلين، استيلاء المتطرفين على الحكم، عهود الإرهاب والفضيلة، ثيرميدور أو نهاية عهد الإرهاب، ملخص لأعمال الثورات, تدور حول معنى الثورة، ويأخذ أربعة أمثلة للثورة في أربع دول هي فرنسا وإنجلترا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، ويوضح فيه المؤلف العوامل الأولية لقيام الثورات في مختلف هذه الدول، ودور المثقفين قبل وأثناء الثورات، ودور القوة العسكرية أثناء الثورات، ومواطن الضعف في حكم المعتدلين بعد الثورة، ثم استيلاء المتطرفين على الحكم، وعهود الإرهاب والفضيلة.

عرض لأهم الأفكار الواردة فى الفصل التاسع” ملخص أعمال الثورات”


أولا التغيرات فى النظم والأفكار:

        يرى كرين أن الثورات تؤدى إلى ولادة عصر جديد أو انقطاع عن الماضى أو تقضى على مساوئ النظام القديم أو تحفز هوة عظيمة بين القديم والحديث, ومن ناحية أخرى فالثورات قد لا تغير شياء على أرض الواقع, فما يمكن أن تغيره قد لا يتعدى التغير فى بعض النظم وبعض القوانين بل وبعض العادات البشرية, ولكن من الخطأ الجسيم أن نقول أن الثورات لا تغير فى الواقع شيئا كثيرا.

        ومن الناحية السياسية تأتى الثورات لتقضى على أسوا مظاهر الاستغلال وعلى أسوأ مظاهر العجز فى النظام القديم, ففى فرنسا نجد أن التشريعات القديمة والارتباكات الموروثة عن الصراع الذى يرجع الف سنة بين قوى التاج وقوى النبلاء قد حل محلها جميعا عمل الثورة الفرنسية,ونجد أيضا أن انجلترا وامريكا , وروسيا أيضا خرجت من ثورتها بحكومات أكثر فاعلية وتركيزا, إلا أن هذا الأمر يبدو أقل وضوحا فى انجلترا, وذلك لأن الثورة قبل أن يتم نضوج القوى الاقتصادية والثقافية التى ساعدت على اظهار مثل ذلك الصور من الكفاية مثل النظام المترى أو مجموعة قوانين نابليون.

        ويرى الكاتب أن الثورات الأربعة حدثت جميعا باسم الحرية, فقد كانت موجهة ضد طغيان القلة ونحو حكم الأكثرية, وهذا الوجه من الثورات تتضمنه بشكل خاص عواطف معينة موجودة فى الطبيعة البشرية تجعل من العسير جدا تطبيق مناهج العلم على دراسة الأفراد فى المجتمع, وقد شهدت هذه الثورات انتقالا كبيرا فى الملكية عن طريق المصادرة أو البيع الجبرى, كما شهدت سقوط الطبقة الحاكمة ومجئ طبقة حاكمة أخرى منتخبة إلى حد ما, أو على الأقل, من الأفراد الذين كانوا قبل الثورة من خارج الطبقة الحاكمة, وكانت تصحبها مطالب تتمركز حول القضاء على الفقر, والمساواة فى اقتسام الثروة, وفقا للتفكير الماركسى فأن الثورات الاربعة تقسم حسب نتائجها النهائية إلى نوعين ثورات بورجوازية ” الفرنسية, الامريكية, الانجليزية” لأنها كانت انتصار لا مفر منه لرجال الأعمال والصناعة على أرستقراطية الأرض, النوع الثانى الثورات البورليتارية الحقيقة” روسيا”, ونجد أن هذه الثورات الأربعة على إطلاقها لم تستبدل تماما طبقة حاكمة بطبقة أخرى.

        وفى إطار تأثير الثورات على التنظيمات الإجتماعية فأن كرين برنتون, يجد أن التغيرات التى أحدثتها الثورات الاربعة تبدو أضال ما يكون فى هذا الصدد, ويرى أن المجتمع الغربى قد طرأ عليه فى القرون القليلة الأخيرة تغيرات مستمرة, لدرجة أننا أن أردنا تبنى فكرة التوازن الاجتماعى لوجب علينا أن نتوقع وجود قوى معينة تقوم بعملية الجذب فى الاتجاة المضاد, فى اتجاة الثبات والاستقرار, وهذه القوى ليست كقاعدة مرتبطة ببعضها البعض, ولا تهم رجال الفكر بدرجة تماثل درجة القوى التى تعمل على التغيير, وهذا يرجع إلى أن الأفراد فى المجتمعات الغربية قد اعتادوا على عواطف معينة وعلى أن يتكيفوا مع طرق معينة لإداء الأشياء حتى بعد أن يكونوا قد غيروا ما يقولونه عن هذه العواطف وهذه الأفعال.

        الأفكار التى ولدتها الثورة تلعب دورين متعارضين: الاول, تنتزع الثورة السم من الأفكار والشعارات المتطرفة فى أيامها الأولى, وحولت ما لديها من الفاظ إلى أدوات ووسائل لتحريك الناس إلى العمل الجماعى ضد النظام القائم,والدور الثانى وهو أكثر ايجابية, فأن هذه الافكار عندما تستعمل كطقوس دينية نجد أنها ليست سلبية محض, فنجد أن فكرة المجتمع اللاطبقى قد اثقلت كاهل الطبقة الجديدة الحاكمة فى روسيا.
ثانيا التشبيهات التجريبية:

        يحاول الكتاب أن يرصد أوجه التشابه بين أسباب قيام الثورة الانجليزية والثورة الأمريكية والثورة الفرنسية الكبرى والثورة الروسية، ويوضح لماذا تغضب الشعوب وتحاول تغيير السلطة الحاكمة.

        يشير برنتون إلى أنه ليس شرطًا أن يعاني الشعب من البؤس الاقتصادي لكي يثور، لأن الفقراء موجودون في كل مكان، لكن ليس لهم التأثير القوي في اندلاع الثورات، فالحرمان الاقتصادي ليس سببًا كافيًا للثورة، ولكن غياب العدالة بين أفراد المجتمع من قِبَل الحكومة السبب الأقوى لقيام الثورات، وذلك عندما تمارس إجراءات سياسية تحول دون حصول بعض الأفراد على الفرص المتاحة لآخرين، وكما يقول المؤلف: إن التعجيز عن القيام بوجوه النشاط الاقتصادي يجب أن يثير الاستياء بين الناس قبل قيامهم بالثورة.. ولن تستطيع الثورات أن تنشب دون كلمة العدالة وما تثيره من عواطف.

        ومن الملاحظ في البلدان التي قامت فيها الثورات أنها كانت تتميز بأنها مجتمعات ميسورة ماليًّا، لكن بعض القطاعات في المجتمع تشعر بأن السياسات الحكومية تسير ضد مصالحها الاقتصادية، كما أن بعض الحكومات تأخذ بالمحسوبية والفساد في معاملاتها.

        تشابهت الثورات الأربع التي يتناولها الكتاب في أنَّ فرض الضرائب الباهظة على المواطنين كان سببًا قويًا لقيامها، ففي هذه المجتمعات حاولت الحكومة القائمة أن تجمع أموالًا من الناس رغمًا عنهم، فرفضوا الدفع. وكل ثوراتنا الأربع بدأت تندلع بين أناس اعترضوا على دفع ضرائب معينة، ونظموا أنفسهم للاحتجاج عليها، ثم بلغوا أخيرًا نقطة الغليان لإزاحة الحكومة القائمة وإحلال حكومة أخرى محلها. وليس معنى ذلك بالضرورة أن أولئك الذين قاوَموا فرض الضرائب تنبئوا أو رغبوا في ثورة جذرية، إنما يعنى بالضرورة أن الانتقال من الحديث عن التغيرات الضرورية الكبرى إلى العمل الحقيقي الذي قد حدث نتيجة لفرض ضرائب غير مألوفة.

        ومن الملاحظ في الثورات مواجهتها بالقوة من قبل السلطة الحاكمة، سواء كانت قوة بوليسية أو حربية، لكن الرد بقوة السلطة يبوء بالفشل أمام قوة الإرادة الشعبية، فقد أثبت الحكام والمسئولون عن مثل هذا الرد في كل مجتمعاتنا أنهم عاجزون تمامًا عن استخدام القوة بطريقة سديدة، وبعد النضال يصل الشعب إلى تحقيق هدفه بإزاحة السلطة الحاكمة التي ظل الناس يطالبونها بالإصلاح وقتًا طويلًا، لكنها لم تكن تقابل المطالب بآذان مصغية، وكان الرد هو التجاهل، فكان الإصرار الشعبي على المضي في تحقيق الهدف، ونصل إلى النتيجة، وهي انتصار للشعب على قاهريه، لأنه أظهر أنه أقوى وأقدر من الحكومة القديمة في هذا الوقت من الأزمة. وأصبح حينئذ هو الحكومة، ويواجه عددًا جديدًا من المشاكل.

        وبعد وقوع الثورة يحدث تغيير في بعض النظم والقوانين والعادات البشرية، ومن التغييرات ما يحدث في الوقت العاجل، ومنها ما يأخذ وقتًا أطول فيتحقق آجلًا. وتحاول الثورة القضاء على مظاهر الاستغلال والعجز في النظام القديم، ويحدث صراع داخلي نتيجة السيادة الثنائية بين النظام القديم والنظام الجديد، ونجد أن الجهاز الحكومي يعمل بانتظام بعد الثورة أكثر مما يكون عليه الحال قبلها مباشرة.

        وأخطر ما في الثورات أعمال العنف والإرهاب التي تصاحبها، ذلك أن إزاحة طبقة أو مجموعة من الحكام لتحل محلها مجموعة أخرى ترتبط بعمليات عنف وإرهاب أو تصفيات وتطهير، وأبرز نموذج على ذلك الثورة الفرنسية، فقد عرفت ما يسمى بعهد الإرهاب وعمليات الإطاحة بالخصوم التي قام بها روبسبير وراح ضحيتها مئات القتلى، والأمر نفسه نجده بصورة أشد قسوة وحدَّة مع الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، حيث تمت الإطاحة بالأسرة القيصرية والعناصر المرتبطة بها، لكن العنف والإرهاب لا يأتيان دائمًا من جانب الثوار أو من قاموا بالثورة، ذلك أن النظم القديمة عادة ما تقابل المعارضين الثوار في البداية بعنف وقسوة، تصل إلى حد إطلاق الرصاص والإبادة الجماعية لهم.

ولكن العنف ليس ضروريًا ولا لازمًا للثورة.. هناك ثورات سلمية، كما حدث في بريطانيا عام 1945، حيث تسلم الحكم الاشتراكيون- حزب العمال، عبر صناديق الانتخابات، واعتبرها الأمريكيون ثورة، وأطلقوا عليها الثورة بالتراضي، لكنَّ الكثيرين حتى في بريطانيا نفسها لم يعتبروها ثورة، ويمكن القول كذلك: إن ما حدث في فرنسا مع ثورة الشباب عام 1968 كان ثورة أدت إلى قيام ما بات يعرف بالجمهورية الرابعة، ولم يصاحبها عنف ولا إرهاب، لكن كثيرًا من الدارسين والمتابعين في فرنسا يرون ما حدث ثورة بالمعنى الكامل.

ثالثا تناقض الثورة:

        يجد الكاتب أن الثورات الاربعة ليست إلا أربع ثورات لما يبدو أنه نوع واحد, ثورات فيما يبدو مخالفة للتراث الديمقراطى, فالثورة كلمة ثمينة جدا بالنسبة للكثيرين ممن أهتموا بهذا المجال, وبوجه خاص للماركسيين, لدرجة أنهم يرفضون بحق أن يطلقوها على حركات مثل استيلاء موسيلينى أو هتلر على الحكم بطريقة دموية نسبيا ولكنها بالتأكيد عنيفة وغير مشروعة.

وإذا نظرنا من ناحية التغير الاجتماعى يبدو من الحكمة اطلاق كلمة الثورة على اسقاط حكومة برلمانية مستقرة بواسطة الفاشيين, وإذا كان الأكر كذلك فأن الثورات الاربعة لن تصبح غير نوع واحد من الثورات.

 ويرى الكاتب أن هذه الثورات التى تناولها ما كانت لتحدث إلا لأنها جاءت فى مجتمعات متقدمه.

ويشير الكاتب إلى ثلاثة نتائج كبرى توصل إليها من خلال دراسته للثورات تتمثل فى:

1- أنه رغم اختلافاتها الظاهرة والمثيرة, كان بينها تشابه بسيط.

2- تؤكد على ضرورة دراسة أقوال الناس وأفعالها دون الحديث عن وجود علاقة دائمة وبسيطة ومنطقية بينهم.

3- تشير بوحه عام إلى أن كثيرا من الاشياء التى يؤديها الناس وكثيرا من العادات البشرية والعواطف, والاتجاهات لا يمكن تغييرها سريعا على الأطلاق.

رؤية نقدية:

        نجد أن الكاتب قد قدم مجموعة من الافكار المتميزة والتى جاءت فى ترتيب وتسلسل منطقى,وأن ما قدمه يعد من أهم ما كتب  في تشريح مفهوم الثورة، ويؤخذ عليه نظرته المتشائمة، ومنها عدم تعمقه في بحث القوى السياسية الفاعلة، حيث تأثر في منهجه التاريخي بعملية اختطاف الثورة التي حدثت في الثورة الفرنسية عندما سيطر المتطرفون، ثم عندما تحدث عما أسماه مرحلة الخلاص استشهد بحالة الثورة الأمريكية بعد نجاحها في تحرير البلاد من الاستعمار البريطاني، وسيطرة جورج واشنطن، أو بحالة ستالين في الثورة الشيوعية في روسيا. ولكننا نرى اختلافًا جوهريًّا بين الحالتين، إذ أن واشنطن أقامت نظامًا دستوريًّا أتيح له الاستقرار وتناوب السلطة، في حين أن الثورة الشيوعية كانت ضد المستبد الداخلي، وجاء ستالين للسلطة بعد وفاة لينين، وحوَّلها إلى ديكتاتورية قمعية سادها الإرهاب الداخلي بأسوأ ما كان في عهد القياصرة، وأصبحت أجهزة الأمن والاستخبارات هي القوة الحاكمة، وساد منهج لافرينتي بيريا (1899 – 1953) في القمع، ودخل حوليات التاريخ السوفياتي، بل ربما التاريخ العالمي.

        ونجد أن أفكاره أكثر واقعية إذ نجد أن كثيرا من أسباب الثورات الواردة في الكتاب مشابها للأسباب التي نتجت عنها ثورة مصر في 25 يناير2011 م.


المصدر: القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2010

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

يناقش هذا الكتاب ما يسميه "عودة ظهور السياسات ذات الصبغة الدينية" في ثلاث دول علمانية ظاهريا هي: مصر والهند والولايات المتحدة، وإلى أي مدى كان تغير نخب الدولة من العلمانية إلى الدين، له أثره على التحول الأيديولوجي في الخمسين عاما الأخيرة، وأيضا مغبات "الاستغلال الذرائعي للدين".

والمؤلف "سكوت هيبارد" باحث أميركي يعمل أستاذا مشاركا وخبيرا متخصصا في السياسة الخارجية الأميركية، وسياسات الشرق الأوسط، والعلاقات الدولية، ويركز في هذا الكتاب على علاقة السلطة (وليس الكيانات السياسية والحزبية) وقيامها باستغلال الدين لتحقيق أهدافها، رغم تبنيها للعلمانية منهجا للحكم.

ويتكون الكتاب من مقدمة وخاتمة وسبعة فصول، ويحدد المؤلف في المقدمة هدف الدراسة بأنه "إعادة فحص توظيف الدين سياسيا في مصر والهند والولايات المتحدة، وتوفير إطار نظري حمّال أوجه لتفسير السياسة الدينية الحديثة، ومدى سقوط أصول القومية العلمانية في مواجهة "الدين".

تجليات متنوعة
وفي الفصل الأول، يشير المؤلف إلى أن تجليات الدين في السياسة الحديثة بالغة التنوع والتغير، وفي الوقت الذي يوفر فيه الدين أساسا للإصلاح الاجتماعي، فإن بإمكانه دعم مكونات ومؤسسات السلطة، أيضا فإن الحداثة والدولة القومية ليست بالضرورة علمانية، وحتى في الغرب الذي يدّعي العلمانية فمن الشائع أن تستدعي الدولة الدين والوطنية، كي تنمي الولاء المطلق لها.

لقد عمل قادة الدول في أنحاء العالم منذ منتصف القرن العشرين، من أجل إدخال المعايير العلمانية في صلب مؤسسات الدولة، وكان التصور هو أن التحديث شأن علماني، وكان نمطيا يرتبط ببرامج تقدمية للتغير الاجتماعي.

لكن موقف النخبة بدأ في التغير في السبعينيات والثمانينيات، بعد أن تخلت إلى حد بعيد، عن التزاماتها السابقة بالرؤية العلمانية للنظام الاجتماعي، وبالتغيير الاجتماعي التقدمي أيضا.

وفي السبعينيات هيمنت السياسات ذات الصبغة الدينية، وتخلى زعماء تلك الدول عن التزامهم بالمعايير العلمانية، وسعوا إلى تعزيز الرؤى المتزمتة للدين والدولة، من أجل خدمة أهدافهم الخاصة.

ويرى المؤلف أن إحياء السياسات الدينية في السنوات الأخيرة، ليس مجرد نتاج لفشل المشروع الحداثي، بل هو جولة أخرى من جدل ظل قائما منذ وقت طويل، حول طبيعة النظام الاجتماعي وأساسه.

العلمانية في مصر
وفي الفصل الثاني، يتحدث المؤلف عن صعود العلمانية في مصر في عهد "عبد الناصر" واضمحلالها في عهد "السادات" وكيف أن احتضان "السادات" للإسلام حسم بشكل جوهري الجدل، حول ما إذا كانت الموروثات هي المشكلة أم أنها الحل للعلل التي تعاني منها مصر، وحول ما إذا كان ينبغي لمصر أن تكون دولة علمانية أم دينية.

ويرى المؤلف أن تركيز "السادات" على "الدين" كأساس للدعم الأيديولوجي، قوّض المعايير العلمانية لعهد "عبد الناصر" وأعاد تعريف الأمة من منطلقات إسلامية صريحة، ولم يكن نمط الإسلام الذي تبنته الدولة ودعمته تحرريا أو حداثيا، بل تأويلا متشددا للدين، يماثل الإسلام الذي دعا إليه حسن البنا (!) وهكذا كان الإسلام "المتزمت" هو أحد المعالم الثابتة للسياسة المصرية في العقود التالية، على الرغم من أن كلا من الدولة والمعارضة سوف توظفه لتحقيق أهداف متنافسة!

وتحت عنوان "أسلمة السياسة المصرية" يتناول الفصل الثالث كيف أن نظام "مبارك" استمر في استخدام الدين والمشاعر القومية، من أجل ترسيخ القبول الأعمى لسلطة الدولة، وهو ما أسهم في أسلمة المجال العام، وأدى إلى خلق بيئة سياسية، خضع فيها الأقباط والمفكرون العلمانيون وذوو الآراء الدينية المخالفة لإجماع الأغلبية، للاضطهاد المنظم وغالبا بتواطؤ من الدولة (!).

ويرى المؤلف أن نظام "السادات" استخدم الإسلام للقضاء على اليسار، كما استخدم نظام "مبارك" الدين لنفس الأهداف، وأيضا لمجابهة المتطرفين الإسلاميين, وهو ما أدى لتقويض الأساس الفكري "للإسلام الليبرالي الحداثي" (!) كما قاما أيضا بتشويه الفكرة التي تذهب إلى أن الدين مفتوح أمام الاجتهاد.

ومع ذلك، تم استخدام فزاعة "الأصولية الإسلامية" من قبل الدولة لخنق أي تطور ديمقراطي، وللتصدي لدعوات الإصلاح، وللقضاء على الوسطيين الليبراليين، ومن المفارقة في عهد "مبارك" أن خطر تولي الإسلاميين "المتزمتين" السلطة كان هو المبرر لاستمرار إقصاء الدولة للشعب المصري عن العملية السياسية، وقمع أشكال المعارضة المشروعة.

صعود الهندوسية
ويحاول المؤلف في الفصل الرابع، البحث عن تفسير واضح للصعود المتسارع للقومية الهندوسية، واتسام السياسة الهندية بالطائفية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويعزو ذلك إلى تغير مواقف زعماء الولايات الهندية، من الأفكار العلمانية التي سادت في فترة حكم "نهرو".

لقد كانت مظاهر فصل الإجماع العلماني عن صلب السياسة في الهند تجري دونما توقف، في أعقاب رحيل "نهرو" عام 1966، وعلى الرغم من أن الاعتبارات الانتخابية كانت هي الدافع وراء استيعاب التوجهات القومية الهندوسية واستغلالها، فإن قيادات حزب "المؤتمر" الحاكم اختارت عن عمد التخلي عن التزاماتها المبكرة بالإصلاح الاجتماعي والمعايير العلمانية، على الرغم من الجهد المضني الذي بذله "نهرو"، والد "أنديرا غاندي"، لمأسسة الرؤية العلمانية.

وكانت إستراتيجية "أنديرا" تعتمد على محاباة الهندوس، وهو ما ساعد حزب "المؤتمر" طوال عقد الثمانينيات على الوقوف والاستمرار بدعم من الهندوس، في أعقاب اغتيال "السيدة غاندي". غير أن تلك الأوضاع بدأت في التفكك أثناء تولي ابنها "راجيف" رئاسة الوزراء.

وفي الفصل الخامس، يتحدث المؤلف عن "الطائفية في صلب السياسة الهندية" والتي أدت إلى حصول حزب "بهارتيا جاناتا" الهندوسي المتطرف على مكاسب سياسية كبيرة في تسعينيات القرن الماضي، نتيجة حصوله على أصوات القوميين الهندوس، حيث اعتقد معظم المراقبين أن ذلك يمثل إطاحة فجائية بالقومية العلمانية، التي تبنتها "أنديرا غاندي".

ولايزال هناك توجه لدى جميع السياسيين في الهند لاستدعاء الدين، وسيلة لإثبات تمسكهم بالأخلاقيات أو وطنيتهم أو مصداقيتهم كممثلين للشعب الهندي، وعلى الرغم من ذلك فإن ثمة ميلا لتجنب تفسيرات الدين الإقصائية الحصرية، كتلك التي ارتبطت بأعمال العنف.
ولاتزال هشاشة الديمقراطية الهندية، ومخاطبة المشاعر الدينية والطائفية السائدة، تحول دون التوصل إلى أحكام شاملة حول مستقبل البلد، غير أن التوجهات التي سادت مؤخرا في انتخابات 2004 و2009 تشير إلى أن المشروع العلماني مازال قوة قابلة للحياة في المجتمع الهندي.

العلمانية الأميركية
ويتناول الفصل السادس صعود واضمحلال العلمانية الأميركية، حيث ظل الدين ملمحا مركزيا في السياسة الأميركية، على الرغم من الفصل المؤسسي بين الدولة والكنيسة، ويمكن القول بأن العناصر المتسامية للقومية الأميركية تعمل في لحظات الاعتدال كـ"دين مدني" يمد الحياة العامة بالإيمان والمعنى، حيث كان هذا الفهم غير الطائفي للدين السمة المميزة للإجماع الليبرالي، لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ويشير المؤلف إلى أن السياسات الدينية الإقصائية في زمن "نيكسون" سعت عامدة لاستيعاب القومية الدينية الحصرية الإقصائية، التي كان من سبقوا "نيكسون" قد تجنبوها إلى حد بعيد، وهذه السياسة قلبت الإجماع الليبرالي رأسا على عقب، وبهذا ساعد "نيكسون" على وضع نهاية للنظام العلماني، لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد كان مسؤولو الحزب الجمهوري يأملون، من خلال حشدهم للغالبية السكانية على أسس ثقافية، بالتقابل مع الأسس الطبقية، في تقليص الاعتبارات الاقتصادية كأساس لتصويت الناخبين، وتوفير أساس شعبي لدعم سياسات الحزب المحافظة.

وعلى الرغم من أن شعبية "نيكسون" اليمينية لم تثمر إلا بعد انقضاء عقدين، فإن الأمر كان قد قضى، وهذا ما أعد المسرح السياسي لرئاسة "رونالد ريغان" و "جورج دبليو بوش".

ويفصل المؤلف في الفصل السابع والأخير الحديث عن القومية الدينية في زمن "ريجان/بوش" حيث يرى أن توظيف مسؤولي الحزب الجمهوري للأفكار والنشطاء، كان أحد الملامح الرئيسة لصعود الأصولية الدينية، ومن غير الممكن فصل هيمنة المسيحية الإنجيلية على الحياة العامة الأميركية، عن محاولات المسؤولين السياسيين استخدام التأويلات الكهنوتية المحافظة للدين، من أجل المصادقة على الأجندة السياسية المحافظة.

وكما حدث في الهند فقد أدت الإفراطات، التي ارتبطت بها الاستخدامات السياسية للدين المتزمت إلى إصلاح في المسيرة، وإحياء سياسات تميل إلى الوسطية، ومن ثم فإن رئاسة "باراك أوباما" تجسد عودة إلى "الدين المدني" الذي كان أكثر شيوعا في منتصف القرن العشرين، والذي يمنح العدالة الاجتماعية والاهتمام بالفقراء، أولوية على القضايا التي تنقسم حولها الآراء.

وفي الخاتمة، يؤكد المؤلف أن الدين بلا شك هو ملمح أصيل في صلب الحالة البشرية، وله وجود مستقل بحيث لا يمكن التحكم فيه بسهولة، غير أن الأهمية المستمرة للدين في السياسة الحديثة، تنجم عن حقيقة أن الكثيرين يجدون منفعة جمة في تعزيز وجود الدين في المجال العام.
وهذا ينطبق على الحالات التي يستخدم فيها الدين لحشد المشاعر الشعبية، تأييدا لأحد نماذج النظام الاجتماعي الموجودة، أو على الحالات التي يتم فيها استخدام الدين من أجل تغيير نظام اجتماعي ما.

ملاحظات نقدية
ويتبقى لنا أكثر من ملاحظة على الكتاب، أولها أن العنوان الأنسب والأدق ينبغي أن يصبح "التوظيف السياسي للدين" وليس العنوان الحالي، ومنها أن المؤلف تعامل مع "الدين" كمفهوم واحد، وليس كعقائد متنوعة ومتعددة، ما بين سماوي وأرضي، وما بين دين له عقائد ومجموعة من القيم الخلقية.. إلخ، وبخاصة دين "الإسلام" الذي يحمل من الربانية والشمول والتفاصيل والتاريخ، ما لا يوجد في غيره.

ومن الملاحظات أيضا أن المؤلف انطلق من رؤية يسارية علمانية، باعتبارها القاعدة للنظم السياسية الحديثة، وأن توظيف واستغلال "الدين" أفسدها، في حين أن الأديان السماوية هي أصل، والعلمانية فكرة طارئة يمكن أن تنجح أو تفشل.

وتعامل المؤلف كذلك مع تجاوب السلطة مع الإرادة الشعبية المتدينة في الدول الثلاث، باعتبارها "توظيفا" و "استغلالا" للدين، مع أن المفترض والطبيعي أن تعبر الأنظمة عن إرادة شعوبها.
المصدر: الجزيرة

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

تعيش مصر هذه الأيام حراكا سياسيا غير مسبوق، فهي مقبلة بعد أيام قليلة وبالتحديد يوم الأربعاء 23 من الشهر الجاري على عملية غير مسبوقة في تاريخها، ألا وهي اختيار الشعب لرئيسه. وأيا كانت التحفظات والانتقادات الموجهة لآلية الاختيار فهي تجربة رائدة لم تحدث في تاريخ مصر القديم ولا الحديث.. ولقد كانت وما زالت العملية الانتخابية مثار جدل بين أطياف الحركة الإسلامية، وقد غالى البعض في تحريمها، حتى جعلوا المشاركة فيها كفرًا يخرج من الملة، ومن ثم كانت أهمية كتاب الدكتور أكرم كساب الانتخابات.. برلمانية - رئاسية – محليات..  أحكام وضوابط، والذي صدر حديثا عن دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة بالقاهرة.. ويأتي هذا الكتاب متبنيا المنهج الوسط، ليعالج هذه القضية الشائكة بأسلوب علمي هادئ، بعيدا عن الغمز واللمز، أو السب والتجريح، وإنما هدفه الأول إبراز ما هدي إليه كاتبه من خلال الأدلة الشرعية.
الانتخابات بين المؤيدين والمعارضين

هذا الكتاب - كما يقول الشيخ يوسف القرضاوي في تقديمه له - حاول أن يوجد للانتخابات حكما شرعيا، وناقش أمهات المسائل في مباحثه الثمانية، مستعينا بآيات القرآن، وأحاديث الرسول، وأقوال المفسرين، وشروح المحدّثين، وفقه المتفقهين، وتأويلات المؤولين، وكثيرا ما وُفّق إلى الرأي الراجح الوسط، الذي تنشرح به الصدور وتطمئن له القلوب.

تطرق الكتاب إلى تعريف الانتخابات لغة واصطلاحًا، وحدد أركان العملية الانتخابية، وأنواع الانتخابات، كما أعطى نبذة عن البدايات الأولى لعملية الانتخابات والانتخابات في القرآن والسنة، ومتى عرف المسلمون الانتخابات، وعرض صور الانتخابات من خلال السيرة، ودلل على حكم تقسيمات الانتخابات.

كما عرض المؤلف آراء القائلين بعدم جواز الانتخابات، فهناك من ذهب إلى أنها آلية حادثة خرجت من رحم الديمقراطية التي يعتقدها مخالفة للإسلام فحرمها، وهناك من فرق بين الآلية والمنظومة الفكرية، ووازن بين المضار والمكاسب، وأعمل القواعد الفقهية فقال بالجواز، وهو ما يميل إليه المؤلف وتبناه لقناعته بقوة أدلتهم وواقعيتها، معتقدا أن طريقة اختيار الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه كانت نموذجا رائعا نفذه الصحابة بناء على تعليمات الخليفة عمر الفاروق رضي الله عنه، وهو النموذج الذي يرى أنه يحتاج لدراسة متأنية، لأن فيه سبقا للنظام الإسلامي في العملية الانتخابية ونزاهتها، وتميزت باختيار عدد محدد من المرشحين الستة، واستبعاد الأقرباء حتى ولو كانوا من النخبة والصفوة، واستبعاد جميع المرشحين من أي عمل تكون فيه شبهة تفضيل، وتعيين مراقبين خارجيين للعملية الانتخابية، وتحديد مدة زمنية لا يتجاوزها القوم (ثلاثة أيام).

هل الانتخابات شهادة أم وكالة؟ قال المؤلف: إن من الفقهاء من اعتبر الانتخابات وكالة بين الناخب والمرشح أو صورة من صور الوكالة والنيابة، ومنهم من اعتبرها شهادة، إذ يدعى الناس يوم الانتخابات لتقديم شهادة بشأن من يصلح ولمن لا يصلح، مشيرا إلى أن الشيخ يوسف القرضاوي على هذا الرأي، غير أن المؤلف اختار الجمع بين الأمرين واعتبرها وكالة وإنابة وشهادة وتزكية.
ضوابط المرشح وآدابه

بين المؤلف ضوابط المرشح وآدابه وجعلها عشرة، منها ألا يكون الترشيح من الشخص نفسه، والوفاء بالعهود والوعود، مجيبا على سؤال ترشيح المرأة نفسها للبرلمان، حيث استعرض رأي المجيزين والمانعين وأدلتهم، وانتصر لفريق المجيزين، لأن الأصل في الأمور الإباحة، ولأن  النص الصحيح الصريح جاء بجواز أن تكون المرأة ناخبة ومنتخبة ومرشِحة ومرشَحة مدلية بصوتها، ونائبة عن الشعب، بدليل بيعة العقبة التي لم تستثن المرأة في عملية اختيار 12 نقيبا. وإذا لم تكن المرأة من بين النقباء الاثني عشر فإن ذلك راجع لطبيعة المجتمع يومها، ولا يعني ذلك حرمانها من هذا الأمر.

كما عرض لرأي المانعين والمجيزين لمشاركة غير المسلمين في العلمية الانتخابية، ورجح رأي المجيزين، واضعا ستة ضوابط للمشاركة، منها أن تكون في إطار حجمهم الطبيعي، وأن لا يترتب على ذلك مفسدة للبلاد والعباد، وأن تُستبعد آراؤهم فيما يتعلق بالشريعة. كما ناقش نسبة الـ (50%) من العمال والفلاحين، وبين من هو النائب الذي نريد، ووظيفته..

كما طرح المؤلف سؤالا شغل المصريين وهم يستعدون للانتخابات الرئاسية، يتعلق بانتخاب الفلول ومن في حكمهم، واعتبر انتخابهم انتكاسة سياسية وجريمة شرعية، داعيا إلى عدم اتهام أي إنسان أو عضو في الحزب الوطني بأنه من الفلول بدون دليل يثبت تواطؤه مع النظام البائد وانتفاعه بخدماته. ونفى المؤلف صفة الفلول عمن توفرت فيه شروط ستة، منها أن يكون معروفا بالصلاح بين أفراد المجتمع، ولم يكن له دور في تشجيع الحزب وفساده، متحدثا في الوقت نفسه عن خصائص الفلول الاثنتي عشرة، ومنها الحرص على إقصاء الآخر مهما كان خادما لمصالح بلاده، وإشاعة الفوضى في البلاد للعمل على عودة المفسدين لمواقعهم.

كما بين المؤلف ضوابط العملية الانتخابية وآدابها، وأجاز تمويل الدعاية الانتخابية من الزكوات والصدقات، على اعتبار أنها صورة من صور الجهاد، وعمل يندرج تحت العمل في سبيل الله، مستشهدا بفتوى للشيخ يوسف القرضاوي، خاصة إذا كان المرشح كفؤًا ويعول عليه ليكون ممن يدعم شرع الله ويسعى لإقرار القوانين الموافقة للشريعة أو غير المتعارضة معها، على أن تكون للتمويل قيود، أولها أن يكون المرشح مشهودا له بالصلاح، ومن أصحاب التوجه الإسلامي والحريص على تطبيق شرع الله، وأن يكون الإنفاق بالقدر المعقول، وألا يكون التنافس بين اثنين من التوجه الإسلامي إلا إذا قدم الأكفاء والأجدر.

كما لم ير مانعا من الإنفاق على الانتخابات من الأموال الربوية، رغم أن الفوائد الربوية مما أجمع العلماء على حرمته، لكن حرمتها على صاحبها. ويؤكد المؤلف أنه يجوز إنفاقها في أبواب الخير والبر وأعمال البر لدعم مرشح يتبنى العمل بشريعة الإسلام ويدافع عن مقدسات الأمة وحرماتها، بخلاف الدعاية من الأموال المشبوهة والمجهولة المصدر التي لا يجوز لدعاة التيار الإسلامي أن يقبلوها أو يتعاملوا مع أصحابها. ونفس الحكم ينطبق على دعم المؤسسات الأجنبية المشبوهة التي دعا المؤلف للبعد عنها، لأنها لا تريد إلا مصلحتها، ولا يجب الانخداع بشعاراتها البراقة.
التنافس بين الإسلاميين يخدم العلمانيين

تحدث المؤلف عن الترشح للانتخابات والتنافس بين المرشحين، مؤكدًا أن الشرع نهى الفرد عن ترشيح وتزكية نفسه لقوله تعالى: "فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى"، ورأى جواز ترشيح الفرد لنفسه تحت الضرورة والحاجة، لأن ترك التزكية والترشيح عند عدم وجود الغير ترك لفرض عين ومعصية تستوجب التوبة، على أن يتكلف أعوانه بالتعريف به وفق شروط منها: التركيز على البرنامج، ووجود الحاجة للتعريف والتقديم، وتجنب المرشح الكبر والغرور، وعدم المبالغة في المدح، والاكتفاء بما يحصل به الأمر، والبعد عن الكذب والتزوير. ورأى المؤلف أن التنافس بين الإسلاميين دون غيرهم يفرض احترام آداب الإسلام وأخلاق التنافس لإعطاء النموذج.

أما إذا كان التنافس يشمل غير الإسلاميين ممن يعارض الفكرة الإسلامية ويدعو لفصل الدين عن الدولة، فإن الموقف يفرض عليهم الوحدة ودفع الأجدر حتى لا تتفرق الأصوات فيصعد خصمهم جميعا فتكون "حماقة سياسية وكارثة دعوية وجريمة بحق الأمة ومعصية تستحق التوبة"، مقترحا ميثاق شرف بين الإسلاميين، وضع له 18 ضابطا يغلّب مصلحة الأمة على الفرد ومصلحة البلد على الحزب، والتنسيق لاختيار القوي الأمين، والتنازل واعتبار الخبرة والتجربة عاملا أساسيا للاختيار، وإيجاد لجنة حكماء مشتركة محايدة لفض النزاعات وغيرها.

كما أكد على أن اختيار الرئيس حق من حقوق الأمة، ولا يجوز أن تمنع منه، وأن الإسلام لم يعتمد طريقة معينة لاختيار رئيس الدولة يلزم بها الأمة حتى يحرم عليها أن تمارس غيرها، وإنما هي اجتهادات لتحقيق وجود الحاكم الذي يحفظ للأمة دينها ودنياها، مشددا على أنه لا تعتبر أي دولة من الدول الإسلامية دولة الإسلام، بل هي جزء من دول الإسلام –التي يزيد عددها عن الخمسين- وأن التطورات العلمية المعاصرة تساعد على وجود وحدة وتذيب الفوارق وتقرب المسافات، وينتهي الكتاب بالحديث عن انتخابات المحليات (البلدية).
المؤلف

ومما يذكر أن الدكتور أكرم كساب، عضو مؤسس في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وحاصل على درجة الماجستير في أصول الدين من جامعة وادي النيل، وحاصل على الدكتوراه من جامعة مكة المكرمة المفتوحة 2011م، بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى وأوصت اللجنة بطباعة الرسالة.

ومن مؤلفاته: الصهيونية وخطرها على البشرية، مع المصطفى صلى الله عليه وسلم في حجه، تيسير أحكام الزكاة، المنهج الدعوي عند القرضاوي، التنصير: مفهومه ـ جذوره ـ أهدافه ـ أنواعه ـ وسائله ـ صولاته، النصارى في القرآن والسنة وعبر التاريخ، القرضاوي مرتكزات دعوته وجبهاته الدعوية، دور القرضاوي في إبراز الوسطية، كيف تزور البيت الحرام... شرحًا وصورة، ومع المصطفى صلى الله عليه وسلم في ضحكه.

المصدر: القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

- مقدمة

- الإسلاميات كموضوع للبحث والمساءلة

- القطاع النسائي لفصيل حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية

- القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان

- خلاصات عامة

- ملاحظات على البحث
مقدمة

  كثيرا ما انصب الحديث عن الظاهرة الإسلامية بصيغة المذكر، والحديث عن الإسلاميين والسلطة والحكم والديمقراطية وقضايا المجتمع... لكن نادرا ما تم التطرق إلى الإسلاميات وقضاياهن ورؤيتهن وتصورهن أوتصوراتهن ! وما يفرض السؤال الملح: هل هذا راجع إلى تغييب منهجي وسيطرة للعقلية الذكورية الاحتكارية، وخضوع تام للعنصر النسائي إلى درجة الخنوع ؟ أم هونتيجة تقصير الإسلاميات وعدم مساهمتهن الفعالة، على المستوى التنظيري والتصوري للتعبير عن مواقفهن وتطلعاتهن ؟

أما وقد بلغت التجربة الإسلامية حوالي تسعة عقود من الوجود والتدافع المجتمعي الشامل، بل أضحى الاتجاه الإسلامي أقوى تيار سياسي ومجتمعي في العالم العربي والإسلامي، فلا مناص من البحث والسؤال عن نون النسوة، وعن هن في العمل الإسلامي، وعن تصورهن النابع من كيانهن ومن دون وصاية.

وفي هذا الإطار، تندرج دراسة الأستاذة مريم يافوت 1، والتي هي في الأصل أطروحة لنيل دكتوراه نوقشت شهر مايو من 2012 بـ كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية/ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء

حول: وضع المرأة داخل الحركات الإسلامية المغربية بين التأويل النسوي والمشاركة السياسية.

نموذج القطاع النسائي بكل من : جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية.2

1_ الإسلاميات كموضوع للبحث والمساءلة.

 هي المرة الأولى التي تكون فيها المرأة الإسلامية 3 موضوع بحث تفصيلي، بحجم رسالة دكتوراه، إذ عادة ما كان يتم التطرق للمرأة عمومًا من دون خصوصية إيديولوجية. وحتى إذ كان يتم ذلك، فلم يكن يتم فيه التركيز على نوع وفصيل بعينه، أو كان الحديث عن المرأة الإسلامية في مقابل المرأة العلمانية كواجهة متممة ولاحقة للصراع بين المنظومتين: الإسلامية والعلمانية 4. وهو ما يضع عمل الباحثة في خانة الإضافة النوعية، ورؤية من الداخل على اعتبار أنها قد شغلت منصب مسؤولة القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، وعضوة بالأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، والتي تعد أكبر جماعة إسلامية بالمغرب. ما أهل الباحثة لأن تخبر مسارات البيت الداخلي بدقة، وتلامس الإشكاليات والعقبات الداخلية بخبرة، وبدراية أهل الدار. وقد أشرف على تأطير رسالة الدكتوراه الباحث السياسي المغربي/الفرنسي الدكتور محمد الطوزي، أحد أهم المتخصصين في علاقة الحقل السياسي المغربي، بالحقل الديني. أكثر من ذلك فالدكتور الطوزي يعد من أبرز الوجوه العلمانية المغربية.

وأما عن حقل الدراسة ومجالها، فقد اتجهت نحو القطاع النسائي لأكبر فصيلين إسلاميين بالمغرب، جماعة العدل والإحسان، وحركة التوحيد والإصلاح ومعها جناحها السياسي المتمثل في حزب العدالة والتنمية المغربي القائد للتجربة الحكومية الحالية.

2 _ القطاع النسائي لفصيل حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية

 تقوم رؤية نساء هذا الفصيل الإسلامي المكون من حركة التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية على عدم الفصل بين وضعية المرأة والأسرة ككل، على اعتبار الأهمية البالغة التي تحظى بها الأسرة. وعليه لا يمكن فصل الحقوق الفردية عن الإطار العام الأسري، كما يسعى القطاع إلى تطوير مقاربة تعلي من شأن الأمومة وعمل المرأة داخل البيت، من دون أن يعني أنها تخلت عن وظائفها كالبيت والأمومة بل والحياة العامة أيضًا......وهي الثنائية التي يعمل عليها نساء الحركة ويحاولن إيجاد توافق بين تحرير وتأهيل المرأة وأولية المسالة العائلية، على اعتبار أنهما مسألتنا غير متناقضتان.

ويعتبرن الغرب عاملًا رئيسيًا في تدهور المرأة، نتيجة الهيمنة الغربية التي ولدت معارضة قوية لكل ما قد يأتي من الغرب، والذي قفز على فروق واختلافات جوهرية بين الجنسين. وتحاول نساء الحركة والحزب إنتاج مفاهيم خاصة نابعة من صميم الشريعة والثقافة، وعلى رأسها مبدأ التكافؤ والتكامل والتدافع مع ضمان تام للحريات الفردية، واحترام أيضًا للخصوصية والاختلافات الطبيعة.

3 _ القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان

 على عكس القطاع النسائي لحركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، تولي جماعة العدل والإحسان المسألة التنظيرية التصورية أولية متميزة، حيث وضع مرشد عام الجماعة ومؤسسها الأستاذ عبد السلام ياسين تصورا للقضية في مؤلف مستقل، حمل اسم: تنوير المؤمنات 5 الذي يعد الكتاب التصوري الأم لرؤية العمل النسائي، وقد عمل القطاع النسائي على تطوير مقاربة حركية، وعملية من أجل الرفع من الوعي النسائي شرعيًا وسياسيًا، حيث حدد أهم المعوقات في هيمنة العقلية الذكورية الإقصائية على المستوى الاجتماعي، والاستبداد على المستوى السياسي. هذا التشخيص لوضع المرأة نتج عنه مشروع/ منهج تحرري للمرأة عبر اجتهاد من داخل النصوص يمكن تلخيص أهم معالمه في :

1 _ ارتكازه على الرؤية التجديدية في مختلف المجالات.

2 _ عدم رفضه لكل التراث التشريعي السابق، ولكنها بمثابة رؤية نقدية، لنساء القطاع لا تتعارض مع المقاصد الإسلامية العامة، ومنها إعادة الاعتبار للمرأة.

3 _ شجع المشروع/ المنهج على الولوج الملموس للمرأة لعالم الاجتهاد عبر آلية ما يعرف بالمرأة العالمة.

4 _ ومن معالم هذا المشروع/ المنهج هو الجمع بين المسألة النظرية التنظيرية والمسألة العملية التطبيقية، عبر العمل الميداني سواء التنظيمي الداخلي أو الخارجي النسائي أو المختلط عبر العمل الجمعوي/ الأهلي.

5 _ ومن الملاحظات حول هذا المشروع/ المنهج عدم اعتبار المرأة المسؤولة الوحيدة عن الاستقرار الأسري، بل إشراك الرجل بنفس القدر في المسؤولية.

وفي المقابل إذا كانت مقاربة القطاع النسائي في الجماعة تمجد من قيم مثل العائلة والأمومة والصالح العام...فإنها لا تألو جهدًا في الدفاع عن قيم الفردية المعاصرة مثل: الاستقلال المالي للمرأة؛ والتشجيع على ولوج العمل العام، وحرية الاختيار على مستويات الملبس......

4 _ خلاصات عامة

 وقد اختتمت الرسالة بخلاصات عامة واستنتاجات بحثية، إذ تنبهت الباحثة إلى أن النساء موضع الدراسة يدفعن بفكرة ولوج المرأة على الفضاء العمومي والاقتصادي، وكذا هيئات صنع القرار داخل التنظيمات الذي ينتمين إليه من أجل تنمية معارفهن ومداركهن المعرفية والعلمية والخبراتية، مع السعي إلى بلورة فهم نابع من اجتهادهن ورؤيتهن، مع المطالبة بعلاقة مبنية على التكافؤ. كما أن استراتيجيتهن متحركة وليست جامدة اتجاه قضايا مثل: العلاقة مع الغرب والسلطة والنظام الأبوي، هذه النتائج تولد عنها سؤال إشكالي استشرافي مركزي هو: كيف تتبنى النساء الإسلاميات استراتيجية تندرج ضمن الحداثة ؟ ألا يعد هذا مجرد تكتيك من أجل الظهور بالمظهر الحداثي ؟

 وفي تقدير الباحثة، فالمدافعة التي لمستها عند عدد من القيادات الإسلاميات المستجوبات تساعد على إبراز صورة المظهر الحداثي لعدد معتبر منهن، وعلى انطلاقة دينامية جديدة داخل الحركات الإسلامية، وحتى لوكان هذا مجرد فعل تكتيكي من أجل إحداث تعاطف دولي ووطني بغية الرفع من مكانة المرأة، فسيكون من الصعب تجاوزه لتوافقه مع مطلب جوهري من صلب الشريعة، كما أن تراجعهن عن مطالبهن من شأنه إحداث انقسامات داخل الحركات الإسلامية موضوع الدراسة والبحث.

 هذه الدينامية الجديدة أجبرت الحركات الإسلامية إلى الخوض في عدد من القضايا الجديدة؛ كالتنوع؛ وصعود المرأة إلى هيئات صنع القرار السياسي والجمعوي/ الأهلي، والمشاركة في البحث عن حلول لمشاكل مطروحة عبر آلية الاجتهاد. وهذا المظهر الجديد سيدفع بالقطاع النسائي بالحركات الإسلامية نحو الحداثة، سيما مع تقاطع خطابهن مع قيم الحداثة وأسئلة العصر، و في نأي تام عن ثنائيات متجاوزة من قبيل: أسلمة/ إسلاميون في مقابل فيمينيزم؛ وحداثة في مقابل تقليد....

5 _ ملاحظات على البحث.

بعد استعراضنا للبحث ولخلاصاته ونتائجه التي توصل إليها، نعرض هنا مجموعة من الملاحظات على البحث وعلى المنهجية.

أول ملاحظة قد تستوقف المتابع للشأن الحركي الإسلامي المغربي، هو الأستاذ المشرف على الرسالة، ألا وهو الدكتور محمد الطوزي، والذي لا يمكن وصفه بالخبير في الحركات الإسلامية المغربية بقدر ما مجال تخصصه في الفضاء السياسي المغربي وعلاقته بالديني، علاوة على موقفه القبلي من الحركة الإسلامية، باعتبار تموقعه الإيديولوجي، إذ يعد أحد أقطاب العلمانية بالمغرب. ألم يؤثر هذا بطريقة أو بأخرى على توجيه البحث ؟ أم هو مجرد توافق ومصادفة بحثية لا غير، لا علاقة لها فيها بهذه الخصوصيات والحيثيات ؟

أما الملاحظة الثانية فهي الصورة الوردية التي يقدمها البحث عن الحركة الإسلامية والقطاع النسائي تحديدًا، في شبه خلاصة موجزة مفادها بأن القطاع النسائي للحركة الإسلامية قد شب عن الطوق، وبأنه في مرحلة استقلال تام، وأنه قد قطع مع "الوصاية" التنظيمية التي كان يفرضها العنصر الذكوري. فوصول المرأة إلى المناصب التقريرية داخل التنظيمات لا يعني مشاركتها الفعالة في اتخاذ القرار.

وهذه صورة وردية متعالية تمامًا عن الواقع الحركي والتنظيمي، ولكنها أيضًا تحمل نبرة تمردية على التنظيم, ولا أدل على ذلك أن الباحثة التي كانت مسؤولة عن القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، قد قدمت استقالتها رفقة عدد من زميلاتها في القطاع نتيجة اختلافات مع التنظيم.

وتبقى قوة ضعف القطاعات النسائية للفصائل المدروسة، وإن تهيأ لها أنها قد شبت عن الطوق، وأنها قد قطعت أشواطًا، وهذا نسبيًا صحيح إلا أنها ما تزال لم تشب عن الطوق التصوري والتنظيري ! فالقطاعات النسائية للحركات الإسلامية لم تنجب منظرات ينظرن ويؤسسن التنظيرات والتصورات القائمة، من صميم القطاع ومخاض التجربة. وكل الكتابات التي تخطها أقلام نسائية إسلامية مغربية تعد على أصابع اليد، هي كتابات تنشيطية لا غير ! بعيدة كل البعد عن الكتابة التنظيرية والتأسيس لتصورات اجتهادات جديدة.

 صحيح أن القطاعات النسائية الإسلامية تطورت بالمقارنة مع الماضي في خروجها إلى الحياة العامة، واهتمامها بالشأن العام بل ومنافستها الرجل في أعلى السلاليم الوظيفية، لكن ضمن خانة الاستثناء وليس العموم. علاوة أن الخطاب النسائي المغربي عموما بشقيه الإسلامي والعلماني ما يزال يعيش ثنائية في قمة التناقض، الدعوة إلى تكافؤ الفرص/ عند الإسلاميات، والدعوة إلى المناصفة / عند العلمانيات 6. وفي الوقت نفسه؛ يستفدن ويدعمن التمييز الإيجابي في حقهن سيما على مستوى الكوتة/ النسبة داخل البرلمان أو حتى الهيئات التنظيمية الداخلية ! مما يترجم حجم التخبط والخوف من دخول منافسة حقيقية ومباشرة مع العنصر الذكوري في حالة الانتخابات المباشرة، سواء داخل التنظيمات الحركية أو على مستوى الحياة السياسية. ما يعني أن الحديث عن النقلة النوعية التي تعرفها المرأة الإسلامية هو حديث نسبي يجب أن يقرأ في سياقه، وهو سياق الكوتة/ النسبة والتمثيلية الإجبارية والتمييز الإيجابي للمرأة والامتيازات التي تحظى بها.

 وهو الشيء الذي حاولت الدراسة أن لا تقف عنده كثيرا، لأنه يظهر ضعف المرأة وعدم قدرتها على ولوج الحياة العامة والسياسية اعتمادًا على مؤهلاتها الشخصية وحسب، وهو ما قد يزكي النظرة القلبية التي بنيت عليها الدراسة، مما جعلها تخلص إلى النتائج الإيجابية التي سبق ذكرها ! وإن كنا لا نقلل من قيمة ما تحقق للمرأة سواء على المستوى التنظيمي الداخلي، أو على مستوى الحياة السياسية، بيد أن هذا لم يأت نتيجة نضال المرأة بقدر ما كان نتيجة سياقات وإكراهات دولية وسياقات داخلية سياسية لتلميع الواجهة بالأساس.

مراجع

1 _ اعتمدت في دراستي على ملخص الرسالة التي بعثت بها إلي الباحثة، علاوة على دراسة سابقة لها تصب في السياق نفسه:

Femmes au sein des mouvements islamistes

facteur de modernisation ?

ضمن ورقة بحثية قدمت بالرباط/ المغرب 24_21 أبريل/ نيسان 2008 في إطار:

 Réseau d’excellence des centres de recherche en sciences humaines sur la Méditerranée.

Genre en Méditerranée : Les femmes face aux transformations socio-économiques/ Conflits, négociations et émergence de nouveaux rapports Socieux.

2 _ عنوان الأطروحة كما قدمت ونوقشت باللغة الفرنسية:

Le statut des femmes au sein des mouvements islamistes Marocains . Entre exégèse au féminin et participation politique. Cas des femmes appartenant à Al Adl Wal Ihassane et au MUR/PJD par Merieme Yafout

3 _ "لفيمينيزم الإسلامي": وضعت الباحثة الكلمة بين قوسين نتيجة تحفظ إلى درجة اعتراض عدد واسع من الإسلاميين، بل من الحركة النسائية الإسلامية على الكلمة والمصطلح، سيما إذا قرن بالإسلامي حيث : تعتبره إشكالا اصطلاحيا لا غير، وترى بأنه لا داعي للوقوف عند المصطلحات إذا ما نجحت في تحقيق المقصود. وغاية "الفيمينيزم الإسلامي" أن يبين بأن الدين الإسلامي لا يتعارض مع إعطاء المرأة مكانة متميزة ومتقدمة لا تقل في شيء عن مكانة الرجل......

نص حوار مع الباحثة نشر على موقع الإلكتروني المغربي نون : http://noun.ma/5162.html

4 _ سؤال المرجعية في العمل الجمعوي:حالة الحركة النسائية، ضمن كتاب الحقل السياسي المغربي: الأسئلة الحاضرة والأجوبة الغائبة. محمد ضريف/ منشورات المجلة المغربي لعم الاجتماع السياسي ط 1 نوفمبر 1998.

5 _ تنوير المؤمنات/ الأستاذ عبد السلام ياسين _ في جزأين. طبعة دار البشير للثقافة والعلوم طنطا جمهورية مصر العربية.

6 _ اللوبي النسائي المغربي ومعركة الثلث في أفق المناصفة، العربي ايعيش/ دفاتر وجهة نظر 21/ طبعة أولى

المصدر: الدار البيضاء: جامعة الحسن الثاني: كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

يحاول المشاركون في تأليف هذا الكتاب أن يجيبوا على عدد من الأسئلة الهامة والشائكة عن علاقة القيم الإسلامية بمبادئ الدولة الحديثة وقيمها، ومدى إمكانية تطوير خطاب إسلامي مدني وديمقراطي، يمكنه أن يستجيب لتحديات الواقع السياسي الراهن في العالم الإسلامي، كما تضافرت مساهمات المشاركين لدفع ما يظنه البعض تعارضا بين ثوابت إسلامية وبين شروط المشاركة السياسية الكاملة المتعارف عليها في النظم الحديثة.

يبدأ الكتاب بمساهمة لوكيل مؤسسي حزب الوسط في مصر الباحث أبو العلا ماضي، يتناول فيها التطورات التي مر بها شكل الدولة الإسلامية منذ أن ولدت في المدينة المنورة في ظل العهد النبوي.

فقد كان التطور الأول عقب وفاة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) حيث أخذت الدولة شكل الخلافة التي تتحرى الرشد، وتحاول أن تسير على خطى النبوة، وهي الفترة التي لم تدم أكثر من ثلاثين عاما، لتبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة الحكم المتوارث والملك العضوض، التي استمرت منذ أن استتب الأمر لمعاوية بن أبي سفيان عام 40 هجرية وحتى سقوط الدولة العثمانية في عشرينيات القرن الميلادي الماضي.

ومع سقوط الدولة العثمانية، بدأت الدول الإسلامية في إنشاء عهود جديدة متمثلة في الدساتير القطرية، حيث أصبح لكل دولة دستور ونظام قانوني، وهو ما أوقع المسلمين –برأي الباحث- في خلاف وجدل كبيرين حول مدى توافق هذا النموذج الحديث مع الإسلام، وهل نظام الخلافة في الدولة الإسلامية القديمة هو النموذج الوحيد المعتمد إسلاميا؟ وهل يجب العمل على استعادة هذا النموذج أم لا؟ وما القيم الحاكمة للدولة في المفهوم الإسلامي خاصة عند الحركات والجماعات والأحزاب الإسلامية؟

وينقل الباحث طائفة كبيرة من أقوال المفكرين الإسلاميين المعاصرين الذين انتهوا جميعا إلى أن الدولة في الإسلام مدنية لا دينية، وأن الخلافة ما هي إلا مجرد شكل لا قداسة له، وأن الإسلام لا يعرف شكلا معينا للدولة يأثم المسلمون بتركه ويثابون بإقامته.

ويخلص الباحث إلى أن الدولة القطرية الحديثة، القائمة على الحدود الجغرافية، والمتكونة من مواطنيها أيا كانت دياناتهم، هي نموذج مقبول داخل الإطار الإسلامي.


ولاية الفقيه وولاية الأمة
وكما مر مفهوم الدولة بمراحل مختلفة في الفكر السني، فإن الفكر الشيعي الإمامي الحديث كان له نصيب من هذا التطور، وهو ما تناوله مستشار الرئيس الإيراني الأسبق الباحث محمد شريعتي، حيث استعرض مفهوم الإمامة كركن عقائدي وليس مجرد فرع من فروع الفقه.

ولأن الفكر الشيعي الإمامي يلقي بمسؤولية تأسيس النظام السياسي وزعامة الدولة وقيادة الأمة وإدارة شؤونها على الإمام المعصوم، فقد واجه الفكر السياسي الشيعي مأزقا كبيرا بسبب غيبة هذا الإمام، التي جعلت كل هذه المسؤوليات متوقفة وشاغرة.

ومن أهم النظريات التي طرحها الفقهاء والمفكرون الشيعة لمواجهة التعطيل الذي تسببه غيبة الإمام نظرية ولاية الفقيه التي اقترحت لأول مرة في إيران مع تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979 بقيادة الإمام الخوميني الذي اعتبرها ركنا أساسيا في نظام الإمامة في عصر الغيبة، ورأى أن الفقهاء هم نواب الإمام المعصوم في كل ما كان يقوم به، كما اعتبر أن الفقيه الولي ليس بالضرورة أن يكون الأعلم والأفقه.

لكن الفكر الشيعي الإمامي لم يجمد عند نظرية ولاية الفقيه رغم أهميتها النظرية والعملية، فقد قدم مفكرون كثيرون نظرية أخرى هي ولاية الأمة على نفسها، التي يرى الباحث أن العلامة الراحل محمد مهدي شمس الدين هو أبرز الذين قالوا بهذه النظرية، حيث دعا إليها وشرحها في عدد من كتبه التي تناولت تطور الفكر السياسي.

وخلاصة هذه النظرية أنه في زمن غيبة المعصوم تتولى الأمة مقدراتها السياسية، في إطار الشرعية الإسلامية، ويكون كل إنسان مسؤولا، ويكون المجتمع ولي نفسه، وتبني الأمة لنفسها نظامها السياسي على أساس الشورى، وليس الفقه شرطا لرئاسة الدولة أو الحكومة الإسلامية المنتخبة.

إسلامية الدولة والنموذج الإندونيسي
أما الباحث في المركز الدولي للإسلام والتعددية في إندونيسيا إحسان علي فوزي، فتناول مفهوم إسلامية الدولة الإندونيسية التي تعد على الصعيد الديني من أكثر المجتمعات تعددية في العالم، حيث ينقسم سكان البلاد إلى مسلمين (88%) وبروتستانت (5%) وروم كاثوليك (3%) وهندوس (2%) وبوذيين (1%) وغيرهم (1%)، كما أنها وبعد انفصال الهند وباكستان عام 1948 أصبحت أكبر دولة إسلامية في العالم.

لكن الباحث يرى أنه لا يمكن اعتبار إندونيسيا "دولة إسلامية" بالمفهوم القائم في السعودية أو السودان أو إيران، أو بالمنظور الديني السياسي أو الأيديولوجي، فهي دولة تقوم على ركيزة فكرية عميقة تتمثل في الأيديولوجية الوطنية المعروفة بـ"بانتشاسيلا" والتي تنحصر في مبادئ خمسة هي: الإيمان بالله الواحد الأحد، والإنسانية العادلة المتحضرة، ووحدة إندونيسيا، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.

ويرى الباحث أن أكثر الإندونيسيين يعتقدون أن "البانتشاسيلا" تعتبر حزمة مبادئ مفيدة وضرورية يمكن أن تعين على استدامة وحدة البلد، لكنهم يرون أيضا أنه لا يمكن لدين معين أن يشكل الأساس الدستوري للدولة، فالدين أمر مهم وأساسي، لكن الدولة نفسها لا تستطيع أن تأخذ طابعا ثيوقراطيا.

لكن الطريق أمام "البانتشاسيلا" لم يكن سهلا, فقد كان الزعماء الإسلاميون يضغطون بشدة لجعل الإسلام أساسا للدولة، وأن يكون انتخاب الرئيس من بين المسلمين فقط، وهو ما رفضه الرئيس سوكارنو الذي اقترح المبادئ الخمسة لتكون مزيجا يجمع بين الوطنية العلمانية وفكرة الدولة الإسلامية.

المواطنة وولاية غير المسلم
ولأن اندماج الإسلاميين في الحياة السياسية يستلزم قبولهم بكل شروط الدولة الحديثة، وعلى رأسها المساواة في الحقوق والواجبات التي ترتبها المواطنة دون تمييز ديني، فقد مثل الموقف الفقهي الرافض لتولي غير المسلم رئاسة الدولة عقبة ومشكلة في وجه حركات الإسلام السياسي التي تتبنى هذا الموقف.

وقد تناول الكتاب هذه الإشكالية من خلال البحث الذي أعده مدير المركز اللبناني للدراسات والحوار وجيه قانصو، الذي يرى أن أهلية غير المسلم أو عدم أهليته لتولي السلطة العليا في المجتمع المسلم لا تتحدد بحيازته صفات ذاتية ومؤهلات خاصة، بل ترجع إلى تحديد مفهوم السلطة ووظيفتها، والرابطة الاجتماعية التي يقوم على أساسها الانتماء للمجتمع وتتقنن من خلالها الحقوق والواجبات وقواعد المشاركة في الحياة العامة.

ويرى الباحث أن الفكر الإسلامي المعاصر بحاجة إلى أن يحسم موقفه من أحكام "أهل الذمة", وهل هي أحكام ثابتة تهدف إلى عزل غير المسلم عن السياسة والحكم؟ أم أنها أحكام تاريخية ارتبطت بأحوال الدعوة الإسلامية التي تطلبت تماثلا بين أفراد المجتمع وبين سلطته السياسية لتذليل الموانع المعوقة لانتشار الدين؟

ويؤكد الباحث أن الرصد التاريخي لحالة الدمج بين السياسي والديني في سلطة واحدة يكشف أن التمييز بين المجالين لم يكن بمنأى عن وعي بعض فقهاء المسلمين وعلمائهم، إذ استطاع كل من ابن خلدون والماوردي رؤية مجال سياسي غير ديني (عقلي) إلى جانب الوظيفة الدينية في ممارسة السلطة، بيد أن تصور المجال السياسي المستقل عن الصفة الدينية لم يأخذ حيزه المعتبر في التفكير السياسي.

لكن الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر بدأ في إعادة النظر في مسألة السلطة وطبيعتها، وهو ما يرجعه الباحث إلى احتكاك النخب الإسلامية بالغرب، وتعرفهم إلى نظم سياسية غير معهودة لديهم، مما جعل هذه النخب تأخذ بعين الاعتبار مجالات التمثيل الشعبي، والحكم الدستوري، والميل إلى لا دينية الدولة، واعتبار السلطة ذات مهام ميدانية تتعلق بالتنمية وتحقيق العدالة، وأصبحت هذه الرؤى تسم الخطاب الإسلامي الجديد ابتداء من القرن 19، ومن ثم أخذ التنوع الديني داخل المجتمع ينظر إلى هذا الخطاب نظرة إيجابية، حيث صار غير المسلمين في هذا الخطاب شركاء أصليين في صنع الواقع السياسي للأمة.

المرأة والولايات العامة
أما مسألة تولي المرأة الولايات العامة فتناولتها أستاذة القانون العام في جامعة مراكش عائشة الحجامي التي اعتبرت أن معاينة واقع المشاركة السياسية للنساء في الدول العربية والإسلامية يظهر بوضوح تدني مستوى اندماجهن في الحقل السياسي، سواء في المواقع ذات الأصل الانتخابي، أم الراجعة إلى التعيين.

وترى الكاتبة أن أسباب إقصاء النساء عن مراتب المسؤوليات يعود بالدرجة الأولى إلى غياب الإرادة السياسية لدى أصحاب القرار في هذا الشأن، وهو موقف يخلط –برأي الكاتبة- بين الدين وبين العادات والتقاليد المجتمعية التي يحاول المتمسكون بها أن يجدوا تبريرا لمواقفهم في بعض النصوص الدينية التي تم تأويلها بطريقة مجحفة، وأدت إلى إقصاء المرأة من الفضاء العام، كما تلفت الكاتبة الانتباه إلى ارتفاع مستوى مشاركة المرأة في الدول الإسلامية الآسيوية مما يؤكد الأبعاد العرفية والمجتمعية لهذه المسألة.

ولأهمية الجانب الفقهي في هذه القضية ترى الكاتبة أن معالجة هذا الموضوع المعقد والشائك يقتضي استرجاع التفكير في المفاهيم المؤطرة له قرآنا وسنة واجتهادا فقهيا، وذلك بهدف التمييز بين ما ينتمي للأصول الشرعية القطعية ويحقق مقاصدها العامة, وبين ما يدخل في باب المتغير من العادات والتقاليد والتأويلات الخاطئة التي التبست بممارسات خاطئة وانحرافات مفاهيمية عبر القرون، حتى أصبحت جزءا من الشريعة، واكتسبت أحيانا نفس القداسة والحصانة.

المواطنة والدساتير الإسلامية
أما عن العلاقة بين فكرة المواطنة وبين فكرة الدستور المكتوب، فقد تناولها الباحث المصري المتخصص في مسائل المواطنة سامح فوزي الذي يقرر أن الحركات والقوى الإسلامية التي تطالب بالاحتكام إلى القرآن بوصفه دستورا للمسلمين، لم تغفل أهمية وجود دستور مكتوب، يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم وطبيعة عمل مؤسسات الدولة.

ويشير الباحث إلى خبرات دول ذات أغلبية مسلمة، وقد عكست تجاربها الدستورية تنوعا واختلافا، مثل ماليزيا التي ينص دستورها على أن "الإسلام هو دين الاتحاد الفدرالي", لكنه في نفس الوقت في مادته الثامنة حظر بالمطلق أي تمييز بين الأفراد بسبب الدين أو العرق أو محل الميلاد، كما أن تركيا يوجد بها دستور علماني يتساوى فيه كل الأفراد أمام القانون، حيث تمنع مادته العاشرة أي تفرقة بسبب اللغة أو العرق أو اللون أو الرأي السياسي أو المعتقد الفلسفي أو الدين أو الطائفة أو أي اعتبار آخر, كما نصت نفس المادة على تعهد الدولة بضمان تحقيق هذه المساواة.

وفي المقابل يرى الباحث أن الإصرار على وضع نصوص إسلامية في دساتير دول تتعدد فيها الأديان والثقافات قد يكون سببا للتوتر وعدم الاستقرار الذي ربما يؤدي إلى تفسخ عرى المجتمع، وهي حالة يرى الباحث أن النموذج السوداني ليس بعيدا عنها.

ويخلص الباحث إلى أن ممارسة التعددية -دستوريا وسياسيا- لا تحتاج بالضرورة إلى نظام علماني، على غرار النموذج الأوروبي، ولكن تحتاج إلى إدراك عميق لمفهوم التنوع، لا سيما أن في الخبرة والممارسة الإسلامية ما يسمح بذلك.
المصدر: الجزيرة

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

صدر حديثًا في مجلدين كتاب (الثورة السورية، ثورة وطن، غرس الأجداد وملحمة الأحفاد، دماء زكية تتدفق، ومستقبل راشد يتألق) للكاتب/ مجاهد بن حامد الرفاعي.

يقوم المؤلف في المجلد الأول من الكتاب بتوثيق جانب من جوانب الثورة السورية، وهي جوانب عديدة تحدث عنها عدد كبير من أبناء الشعب السوري، الذين اجتمعت كلمتُهم وانعقدت إرادتُهم على أمر واحد؛ ألا وهو إسقاط النظام السوري.

يقول الكاتب: نحن اليوم أمام حالة ثورة عفْوية، ولَّدها الظلم والطغيان، فهي باعتقادي تدبير رباني، جاء ليجعل تدمير ظلم الظالمين بتدبيرهم {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين}. فهي ثورة مسالمة لا تملك سلاحًا إلا سلاح طلب النصرة من الله تعالى، ومن ثم سلاح الإرادة الصلبة والتصميم الجازم على التحرر من ظلم الظالمين وإقامة حياة حرة كريمة. وهذه فرصة ومنحة ربانية ينبغي على أهل السنة ألا يضيعوها، وذلك بالمبادرة إلى الاهتمام بالثورة السورية، وتوفير أسباب نصرتها، وتحقيق أهدافها؛ بإسقاط النظام السوري، وإنهاء أخطر مرتكز ومقوِّم من مقوِّمات التحالف الإستراتيجي الإيراني السوري العراقي وحزب الله، وتحطيم كل المخاوف التي تقلق شعوب ودول المنطقة، مثلما تقلق العالم من عواقب استمراره وتحقيق مقاصده. وبالأمس كان المجتمع الدولي يبحث عن خيارات تُنهي الرعب الإيراني وتحالفه مع سوريا وحزب الله، فها هو الخيار قد جاء عَفْويًّا من داخل أخطر مرتكزات هذا التحالف المجرم؛ فلماذا هذا الصمت الإقليمي والدولي حياله؟!

ويأتي الكتاب للحديث عن تاريخ رجال وقيادات حوران التي انطلقت منها الثورة السورية المجيدة، وعن رجالات الحكم الوطني بقدر ما توفر من معلومات، وللربط بين بطولات أبناء الشعب السوري في ثورتهم الحبيبة الجارية بوجه الطغاة اليوم، وبين بطولات آبائهم وأجدادهم مع الغزاة الطغاة المحتلين عبر التاريخ.

وقال الرفاعي: إن الشعب السوري ماضٍ في ثورته التي تسير من نجاح إلى نجاح.

وهذا هو المجلد الأول من موسوعة الثورة السورية بمناسبة مرور عام.

وضم الكتاب الأول من الموسوعة مجموعةَ مقالاتٍ وصورًا وأرشيفًا عن تاريخ حقبة ما قبل الاستقلال إضافة إلى مقالة افتتاحية بعنوان: "ماذا يجري في العالم اليوم؟ متعمقةً بالساحة العالمية وخفاياها، طارحةً سؤالًا هو: ماذا نحن فاعلون؟

كما تطرق الكتاب إلى (ما يجري في سوريا منذ 1967م إلى وضعنا الراهن) بتفصيل وتحليل مهمين.
انطلاقة الثورة السورية

تحدث الكتاب عن انطلاقة الثورة السورية من حوران بتاريخ 9/3/2011م حين خرج أطفال حوران (درعا) وهم الأكثر تضررًا ومعاناةً من مظالم النظام، فعبروا بشكل عفْوي عن مشاعرهم بعبارات ضد النظام، كتبوها على جدران مدارسهم، مما أثار غضب وجنون الحاكم العسكري هناك المدعو العميد/ عاطف نجيب -وهو ابن خالة بشار الأسد- فاعتقل الأطفال وعذبهم بل وشنَّع في تعذيبهم، فاقتلع أظافر أيديهم وأرجلهم، مما أثار غضب أهاليهم الذين جُنَّ جنونُهم عندما رأَوْا حالة أطفالهم، فاندلعت الغضبة الحورانية العارمة، تطالب بالبدء بمعاقبة المجرم عاطف نجيب، ولكن غطرسة العصابة أبت أن تسمح للمظلوم أن يُعبِّرَ عن حالة ظلمه والمطالبة بمعاقبة من ظلمه؛ لأنهم يعتبرون ما قام به الحاكم العسكري بدرعا إنما هو من أخص خصوصيات واجبات مهمته، بالإضافة إلى أن قانون الطوارئ -الذي يسود في سوريا منذ ما يقرب من نصف قرن- يقضي بعدم معاقبة أي رجل أمن على أية جريمة يرتكبها أثناء قيامه بواجب حماية النظام وأمنه، وراح الإعلام السوري يكيل التهم الكاذبة لأبناء حوران ويتهمهم بالعمالة لإسرائيل -وهم أبناء العشائر العربية الأصيلة الأبية- مما زاد من توتر الحالة، وخرج أبناء حوران بقضهم وقضيضهم يُعَبِّرون عن غضبتهم ورفضِهم الطعنَ بأصالة هويتهم وإخلاصهم لوطنهم، الذي حُرِّر بدماء آبائهم وأجدادهم، فكان الرد الوحشي الدموي من عصابة النظام وبتحريض من إيران مكشوفًا مفضوحًا، وذلك لتحذير الشعب السوري من التجرؤ على رفع رأسه، بعد أن حسبوا أنهم قد أذلوه وركَّعوا إرادته وعزته، فجاءهم الرد بالشكل الذي لم يكن بحسبانهم من أهل حوران، حيث هب أهل حوران هبة رجل واحد؛ رجالًا ونساءً، وشبابًا وشاباتٍ، يقودهم رؤساء عشائرهم وعلماؤهم ومثقفوهم وممثلوهم في مجلس الشعب السوري؛ حيث أعلن الشيخ/ ناصر محمد خير بيك الحريري -شيخ مشايخ حوران- انسحابه من مجلس الشعب السوري احتجاجًا على ما تمارسه السلطة من قمع وحشي بحق أبناء حوران، وقال بالحرف الواحد: إن لم أستطع حماية أبنائي من رصاص الغدر فلا معنى لوجودي في مجلس الشعب. وبذلك يكون أول من انشق على الإطلاق عن النظام السوري، ولن ينسى له التاريخ ذلك.

ولحق به وأيده الشيخ المهندس/ خليل إبراهيم محسن الرفاعي، شيخ مشايخ عشائر الرفاعي في حوران وسورية.

ولحق بهما وأيدهما الشيخ/ يوسف محمد أبو رومية، شيخ عشيرة السعدي في حوران.

ولحق بهم وأيدهم الشيخ/ يمان مقداد، شيخ عشيرة المقداد في حوران.

واستقال الشيخ/ رزق أبازيد، مفتي درعا.

ثم أعلن الشيخ/ أحمد الصياصنه -إمام وخطيب المسجد العمري الكبير- رفضَه واستنكارَه للبطش الشنيع الذي تمارسه السلطات الأمنية بحق أهالي حوران.

ثم استقال العشرات من رؤساء الدوائر الحكومية من البعثيين وغيرهم؛ احتجاجًا على مجازر النظام في درعا.

ولبى مواقفَ عزتهم وشممهم أبناءُ سوريا الأبية من أقصاها إلى أقصاها، حيث انفجرت ثورة عزة وشمم عفْوية، عمت سوريا بكاملها؛ نتيجة للمخزون التراكمي من الاحتقان الطائفي والاجتماعي والسياسي على مدار ما يقرب من نصف قرن، أي منذ سقوط النظام الوطني السوري عام 1963م.

وطرح الكتاب رؤية في (مصطلح الحكم المدني)، و (سوريا الغد)، و (مسودة الميثاق الاجتماعي الجديد). وتضمن وثائق لمراسلات غاية في الأهمية تخص الثورة السورية.

وختم الجزء الأول من الموسوعة الكتاب بالتحدث عن (حوران الماضي ونضالها).
جرائم العصابة القرداحية الوحشية

ثم يأتي المجلد الثاني من الكتاب لتوثيق جوانب أخرى عديدة من الثورة السورية المجيدة التي تضمنها المجلد الأول وتحدث عنها عدد كبير من أبناء الشعب السوري الأبي الأشم، الذين اجتمعت كلمتهم، وانعقدت إرادتهم على أمر واحد، ألا وهو إسقاط العصابة القرداحية المحتلة للوطن السوري، والمستلبة لإرادته وسيادته، والمزورة لهوية انتمائه العربي والإسلامي منذ 1963م.

كما يتحدث عن مستجدات الثورة السورية المجيدة، ويرصد المزيد من جرائم العصابة القرداحية الوحشية، معتمدًا في جل مادته من معلومات ووثائق على ما اقتبسه من موقع (المجلس الأعلى للثورة السورية) وبعض المواقع الأخرى وهي كثيرة، أما لماذا الاعتماد على موقع المجلس الأعلى المذكور آنفًا؟ فقد ذكر الكاتب في المجلد الأول لذلك سببين:

أولا: سبقه على غيره من المواقع الأخرى في التحدث بشكل علمي وموضوعي عن الثورة.

ثانيا: لكون مادته جاهزة ومرتبة ومتسلسلة الأمر الذي تفتقر إليه مادة المواقع الأخرى.

يقول الكاتب: بكل تأكيد إن ثورة الحرية والتحرير الجارية في سوريةَ الأبية قد فجر براكينَها ورفع مشاعل أنوارها شبابُ وشاباتُ سوريةَ ورجالُها ونساؤها الأباة، فهي صناعة وجدانية خالصة جاءت استجابة لنداءِ ضمائِرهم الحية، وتلبية لصرخات نفوسهم الأبية، ووفاء لمن سبقوهم في ميادينِ التضحية والفداء من آبائهم وأجدادهم من أجل حرية سوريا وعزة شعبِها وكرامته، جمعت كلمتَهم قيمُ العزة والكرامة، وألَّفت بين قلوبِهم ورصت صفوفَهم مرارةُ ضروب المعاناة من جرائمِ الطغاة والطغيان ومن جور الظلم والظالمين، قيادتُهم في رءوسهم، وتَوجهاتُهم نابعة من ضمائِرهم؛ فلا يستطيع أحد من داخل سوريا أو من خارجها أن يدَّعيَ تفردًا أو فضلًا خاصًّا في صناعتها وتفجير ينابيع خيرها، وإنه لكذب وافتراء أن تُنسبَ رايةُ هذه الثورة الحرة الشريفة إلى حزبٍ ما أو مذهبٍ ما أو طائفةٍ ما, أو جهةٍ ما, أو تنظيمٍ ما، من داخل سوريا أو من خارجها. أجل إنها ثورة شعب أبي شجاع ضاق ذَرْعًا لعقودٍ عديدةٍ بجرائم طُغْمة مارقة تسلَّلتْ في ظروفٍ استثنائيةٍ إلى مواقع السلطة والتحكُّم بمصائر البلاد والعباد، ففرَّطوا بأمنِ الوطن، وارتهنوا سيادته وإرادته، ومسخوا هويَّته وثقافته، باعوا أرضه، وأذلُّوا عزة أهله، وانتهكوا كرامتهم، وأذاقوهم أبشع صنوف القهر والحرمان، بل حرموهم من أبسط حقوق المواطنة والسيادة والانتماء.

كما تحدث الكاتب عن بنود وثيقة الخيانة التي تحدث عنها المندوب الفرنسي في الأمم المتحدة وهو يخاطب المندوب السوري بشار الجعفري، والتي تؤكد أن بعض العلويين أكدوا تاريخيًّا -كما يظهر في الوثيقة- استعدادَهم للتحالف مع اليهود عملًا على الانغماس في مجتمعاتهم العربية. وكان أبرز الموقعين على الوثيقة سليمان الوحش والد حافظ الأسد.

وقدم الكاتب رؤية حول المشهد السوري والتحولات المتسارعة؛ أكد فيها أن حركة تفاعل الأحداث في سوريا أشبه ما تكون بحركة البورصة الدولية، ففي كل دقيقة تتغير لوحة الأرقام وتتغير المعطيات؛ مما يجعل المشهد السوري يتغير بسرعة على مدار الساعة، إلا أن هناك مرتكزات أساسية وأهدافًا إستراتيجية ثابتة وراء آلية حركة تَشكُّل المشهد السوري وتغيراته، وأن المواجهة المحتدمة في دمشق بين الثوار والعصابة المحتلة ثم حدوث المواجهة في حلب يعني تكامل مقومات معركة الحسم والنصر إن شاء الله، ويؤكد أن سقوط العصابة النصيرية وحلفائها أصبح وشيكًا.

وكانت خاتمةُ الكتاب فصلًا يوثق لجرائمَ لم يعرفْها التاريخ البشري قط للعصابة القرداحية وحلفائها من عصابات الحرس الثوري الفارسي وقتلة ما يسمى جيش المهدي وصبيان حسن نصر اللاة.

المصدر: عمان: المجلس الأعلى للثورة السورية، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

صدر حديثًا عن "الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة" ضمن سلسلة "كتابات الثورة" كتاب تحت عنوان: "بدايات ونهايات ثورة يناير" للدكتور "محمد عبدالشفيع عيسى". وفيه يقدم رؤية فكرية لما جرى في مصر عبر أربعة أصوات، كل منها يخص فترة بعينها من مراحل مرت بها مصر؛ فالصوت الأول يمثل صوت الحلم الثوري الدافئ العربي العظيم، وصور جمال عبد الناصر ترفرف في سماء ميدان التحرير في القاهرة.
الشعب يريد تغيير النظام

كان حلم التغيير الجذري الشامل، مصريًّا وعربيًّا وعالميًّا، وإذ نراه الآن -كما يقول الدكتور عبدالشفيع- بأثر استرجاعي حلمًا رومانسيًّا، فإنه كان إذ ذاك عالَمًا كاملاً يملأ الصدور والعقول والقلوب، وفي فترة الحلم الثوري هذه ارتفعت صرخات الشباب من الحناجر بالهتاف: (حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية)، وارتفع في جنبات الميدان هتاف: (الشعب يريد تغيير النظام). في هذه الفترة كما يصفها عبدالشفيع كانت مقدمات الثورة، تلتها الفترة الثانية، عقب إعلان نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 30 مارس2011م، بعد انقسام مرير بين فريق داعٍ إلى الانتخابات قبل الدستور وفريق آخر داع إلى الدستور قبل الانتخابات، وبعد إجراء الاستفتاء اتخذ الانقسام شكل اصطفاف مزدوج للفريقين، تمسك الفريق الأول بالمسار الانتخابي، وجمع التيارات الإسلامية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، بينما دعا الفريق الآخر إلى استمرار الثورة، وأخذ يرفع شعار: (يسقط حكم العسكر)، ورفع بعض قليل منه في شارع محمد محمود هتاف: (الشعب يريد إعدام المشير). كان هذا الفريق يريد استبعاد المجلس العسكري من المشهد السياسي، باعتباره العدو الرئيس للثورة واستمراريتها، سعيًا إلى إقامة حكم مدني، من بين الشخصيات الفاعلة سابقًا في ميدان التحرير، أو النشطة في ما بعد في ساحة الثورة.

يقول الدكتور عبدالشفيع عيسى الأستاذ في معهد التخطيط القومي: كان انحيازي في تلك الفترة إلى شباب الثورة الداعي إلى استمرار ثورة 25 يناير، حتى تُحقق كامل أهدافها، برغم إدراكي أن الأفق الفكري للكثرة الكاثرة من هؤلاء الشباب لا يصل إلى الحدود الواجبة، وكنت أشاطرهم الاعتقاد بأن المجلس العسكري أساء إدارة المرحلة الانتقالية من كل الجوانب، ولكن لم أكن أتفق مع شطط البعض في اعتبار كل عسكري بالضرورة معاديًا للثورة، والعودة بذلك، وبأثر رجعي إلى كامل تاريخنا المعاصر منذ ثورة 23 يوليو 1952م بالذات.

انعكست هموم تلك الفترة على كتابات مؤلف: "بدايات ونهايات ثورة يناير"، ويتمثل أبرزها في موضوعين: "ثورة 25 يناير بين المأزق والمخرج"، و"هؤلاء اللاعبون وأدوارهم الماضية في ثورة يناير". فبعد أن كان عنوان الفترة الأولى "الحلم الثوري الرومانسي" أصبح "التوجس ومواجهة الحقيقة"، ولما تعمق الانقسام بين دعاة المسار الانتخابي وهم الإسلاميون والعسكريون، وبين دعاة الثورة من الشباب وأنصارهم، أخذت تتسلل حقبة صغيرة عنوانها: "الخوف الحقيقي والحقيقة الصادمة".

وكما يشير المؤلف، فإن "الخوف الحقيقي والحقيقة الصادمة" امتدا من مشهد مصر الصابرة إلى ما حولها من بعض أرجاء الوطن العربي الكبير التي شهدت تقلصات وانتفاضات متعددة الألوان -كان بعضها في نظرنا- ذا ملمح سلبي عميق، خاصة في ليبيا وسوريا.

وهنا يوضح المؤلف أنه بالتمايز بين أنماط التغييرات العربية الأخيرة يتأكد أنه: من طرف أول، تغيير إيجابي على العموم تمت من خلاله المحافظة على كيان المجتمع، وانفتح الباب الذي طال إغلاقه نحو مستقبل جديد، وهذه حالة مصر وتونس، ومن طرف آخر، برزت أشباح التفكك المجتمعي، وظهر الاحتمال المرعب لسقوط الدولة في فلك الأعداء التاريخيين للأمة العربية، وهذه حالة سوريا وليبيا، وبين الطرفين برزت حالة الثورة اليمنية متأرجحة بشكل مباشر على الحافة، حافة جُبّ عميق مفتوح على المجهول، كما يرى المؤلف.

ويواصل المؤلف موضحًا أنه مع مطلع العام 2012م تعمق الخوف وتزايدت الصدمة، لتحدث الإفاقة من الحلم، أو ربما الطلاق مع الحلم الرومانسي. وبالتحديد يقول الكاتب: لقد أخذت أشعر آنئذٍ بأن شباب الثورة المصرية ليسوا بالبراءة الثورية التي تصورناها، وأنهم كمعبِّر عن التيار الليبرالي لم تتوافر لديهم قدرات توجيه دفة الثورة باتجاه البعد الوطني القومي التقدمي الحقيقي.
مخاطر الاستعانة بالقوى الدولية

كما يرى المؤلف أنه من واقع التغيرات العربية الأخيرة -بما فيها ثورة 25 يناير في مصر، بالإضافة إلى التأمل في أحداث التاريخ العربي المعاصر- يمكن أن نستخلص قاعدة افتراضية لتفسير بعض جوانب تلك التغيرات، من خلال العبارة الآتية: في حالة العمل على إسقاط نظام الحكم القائم بواسطة القوة المجسدة، المسلحة أو غير المسلحة، بدون توفر المقومات المناسبة، فكريًّا وتنظيميًّا وقياديًّا، وفي سياق مواجهة ممتدة زمنيًّا وموضوعيًّا بين القوى الاجتماعية والسياسية المتعارضة؛ فإن هناك احتمالاً كبيرًا لاهتزاز بناء الدولة والمجتمع، بدرجات متفاوتة، حسب مدى قوة النظام السابق اجتماعيًّا ومؤسسيًّا، وحسب موقف القوى والمؤسسات الفعالة في المجتمع من تطور الأحداث، وخاصة المؤسسة العسكرية.

ويقول المؤلف: ومن عجب أن الخبرات العربية الراهنة غنية بالتجارب المرة الدالة على مخاطر الاستعانة بالقوى الدولية المهيمنة من أجل إسقاط نظام الحكم التسلطي، وتلك التجارب ماثلة للعيان في كل مكان، عربيًّا وإسلاميًّا: من أفغانستان والصومال، إلى العراق، ثم ليبيا مؤخرًا، وغيرها.

لكنه يرى من المهم أن نشير هنا إلى أنه ليس فقط درس التاريخ الماضي الطويل، ولا عبرة التجارب المرة الأخيرة من جراء التدخل الأجنبي؛ ما يؤكد أهمية الانتباه إلى مخاطر تفكك الدولة و المجتمع، ولكنْ هناك عاملان إضافيان يؤكدان نفس الحقيقة، من واقع طبيعة الأنظمة التسلطية العربية المعاصرة:

العامل الأول: هو قيام تلك الأنظمة التسلطية ببناء خيوط تسلطها المزمن على نحو يجعل أية محاولة لإسقاطها أو تغييرها محفوفة بالمخاطر، من خلال الحيلولة دون بناء بدائل تستطيع الحلول محلها بسلاسة، ضمن ما تسميه الكتابات السياسية بالتداول السلمي للسلطة. فالأنظمة التسلطية المذكورة حالت دائمًا دون تكوين سلاسل قيادات سياسية متمرسة، من خلال العمل السياسي والتنظيمي، من داخل المنظومة الحاكمة ذاتها، وبالأحرى من خارجها أو بالتعارض معها، فلم تسمح تلك الأنظمة مثلاً ببروز قادة منافسين، بل ولم تسمح ببروز أو حتى بمجرد وجود خلفاء محتملين لرءوس الأنظمة، ومن ثَم فإنها لم تسمح ببناء نظام للخلافة السياسية داخل النظام السياسي القائم نفسه، وسدَّت الطرق دون التجديد في صفوف النخبة السياسية، بما في ذلك التجديد الجيلي المرتبط بصعود قيادات شابة تمثل الجيل الصاعد ضمن الهيكل الديموجرافي القائم.

أما العامل الثاني: فهو عدم قيام الأنظمة التسلطية المذكورة بجهد حقيقي لبناء مؤسسات فاعلة داخل النظام السياسي القائم نفسه، ومن باب أولى: داخل منظومة الحياة السياسية في المجتمع ككل، بل وتعمدت بعض هذه الأنظمة العمل بطريقة غير مؤسسية، باعتماد آلية قرارية مرتبطة بالقائد الفرد وزمرته القريبة بحكم الولاء العائلي أو المصلحي والعقائدي.

ولذلك كله، يخلِّف إسقاط النظام الحاكم فراغًا مؤسسيًّا هائلاً لا يمكن ملؤه بسهولة نسبية في الأجل القصير والمتوسط، مما قد ينتج تشرذمًا في بنية المجتمع، و يمكن أن يؤدي إلى نوع من تفتت قواه الضامَّة تاريخيًّا، وتغلُّب عوامل الانقسام على عوامل الوحدة في مجال الانتماءات الفرعية؛ عرْقية كانت أو مذهبية، ودينية ولغوية وقبلية، أو عشائرية ...إلخ. ويتمظهر هذا الواقع من خلال انفلات أمنى واسع النطاق، وتدهور في مستوى الأداء الاقتصادي في معظم القطاعات الفاعلة؛ فهل تعي قوى التغيير والمعارضة في بلداننا العربية درس التاريخ الماضي والحاضر حقًّا، داخليًّا وخارجيًّا؟
ما بعد الحلم

في هذه الفترة الرابعة يكتب الدكتور عبدالشفيع عيسى تحت عنوان: "ما بعد الحلم" وتندرج تحته العناوين الآتية: "هل هو الربيع العربي بالمعنى الغربي حقًّا؟"، "ثورات الإنترنت ومآلاتها البائسة"، و"شباب الثورة في مفترق الطريق"، "دستور لمصر.. أي دستور؟". وقد شهدت هذه الفترة طوال النصف الأول من 2012م أحداثًا جسامًا، أبرزها تكوين مجلسي الشعب والشورى ذوي الأغلبية الإسلامية من الإخوان المسلمين والتيار السلفي، ثم الاستعداد للانتخابات الرئاسية في غمار اصطفاف سياسي حاد بين "القطب الإسلامي" المزدوج، والقطب المسمى "تيار الدولة المدنية"، وبينهما "تيار وسطي" توفيقي يحاول أن يجمع أمر الدولة والدين من طرفيه.

جاهد المجلس العسكري ليجري الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وكما يقول الكاتب فإنه: "حينئذ بدا لنا أن المجلس العسكري ليس أداؤه بالسوء الذي تصورناه فيما سبق، بل وبدا لنا أيضًا أن إصدار الإعلان الدستوري المكمل قبيل تولي الرئيس المصري الجديد محمد مرسي كان إجراءً موفَّقًا، ولا بديل عنه، لملء الفراغ الدستوري المتوقع في غياب مجلس الشعب، وهكذا منذ أول يوليو/تموز 2012م دخلت الثورة المصرية في فترة معقَّدة عنوانها "تعاظم قوة التيار الإسلامي، وتشتت ما يسمى تيار الدولة المدنية، والأفول التدريجي المتسارع لنفوذ المجلس العسكري".

هذه الفترة يصفها الدكتور عبدالشفيع عيسى قائلاً: إنها فترة عنوانها نهاية الثورة؛ إذ يكتمل حلول شرعية دستورية منقوصة الأركان، ومعيبة ومثقوبة من نواحٍ متعددة، محل شرعية ثورية تم إجهاضها وإنهاء دورها المفترض قبل الأوان.

المصدر: القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2013

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

يتفق ستة باحثين أردنيين متخصصين في شؤون الجماعات الإسلامية، على أن الأحداث السياسية التي شهدتها المنطقة العربية منذ النصف الأول من القرن العشرين، قد ساهمت في ظهور الحركات الإسلامية في الأردن، وفي المقدمة منها (الإخوان المسلمون وحزب التحرير) اللذان أسسا في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، ويقدم الباحثون دراسة معمقة لجميع الحركات والأحزاب الإسلامية في كتاب (الحركات الإسلامية في الأردن)، ويصدر هذا الكتاب في الوقت الذي تحتل الأحزاب الإسلامية واجهة المشهد السياسي في العديد من الدول العربية، بعد انطلاق موجة (الربيع العربي) بداية العام الماضي 2011.

شارك في تأليف الكتاب الباحثون، محمد عبد المجيد، ومحمد زاهد جول، وحسن أبو هنية، ومحمد أبو رمان، ومروان شحادة، وجاء في تقديم الكتاب: أن الحركة الإسلامية في الأردن هي الحركة الإسلامية الأسبق بعد مصر، ففي الأردن كان إنشاء الفرع الأول –عربيا- للإخوان المسلمين في أربعينيات القرن المنصرم، ولم يقتصر الأمر على الإخوان، بل إن الأردن هو بلد المنشأ لتيار إسلامي آخر، مثّل الخروج الأول على الإخوان المسلمين، هو حزب التحرير الإسلامي، الذي أسسه تقي الدين النبهاني سنة 1953، كما كانت بها (الأردن) الولادة الثانية للتيار السلفي أوائل تسعينيات القرن الماضي.

كما نشطت في الأردن منذ أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي السلفية الجهادية، ومن أبرز منظريها أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني، أو القادة العمليون شأن أبي مصعب الزرقاوي، الذي ذاع صيته خلال تزعمه لفرع تنظيم القاعدة في العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003.

الاتفاق والاختلاف
شأن الحركات الإسلامية في الأردن، شأن الكثير من الحركات الإسلامية التي تتفق في أمور معينة وتختلف في سواها، إلإ أن الباحث محمد عبد المجيد في دراسته التي تصدرت فصول الكتاب ووضع لها عنوان (الجماعات الإسلامية الأردنية.. خارطة الاتفاق والاختلاف) يقول إن معظم الحركات الإسلامية في الأردن لا تؤمن بالديمقراطية كنهج وعملية لتداول السلطة وتدبير الشأن العام، كما أنها تشترك في معاداة النظم الغربية، وتنظر إليها كمصدر تهديد يعمل على طمس الهوية الإسلامية.

وتنقسم هذه الحركات والأحزاب إلى فئتين: الأولى لا تؤمن بالنهج الديمقراطي على الرغم من اختلاف بنيته النظرية والعملية وتضم، حزب التحرير، وجماعة التبليغ والدعوة، والسلفية الجهادية والسلفية التقليدية، أما الفئة الثانية فإنها تؤمن بالنهج الديمقراطي وتضم حزب جبهة العمل الإسلامي  -الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين- وحزب الوسط وحزب دعاء.

يخلص الباحث في هذا الفصل إلى أن الجماعة الإسلامية في الأردن سواء أكانت تؤمن بالعملية الديمقراطية، أو تتبنى موقفا معاديا تجاهها تتوافر على أيديولوجيات صارمة في علاقتها مع الآخر، سواء أكان إسلاميا أو علمانيا، إذ إنها تنغلق على نفسها، وتتسم علاقاتها مع نفسها بالفتور، فهي تنظر إلى نفسها باعتبارها تمثل الإسلام الصحيح دون غيرها، الأمر الذي يحول دون حصول تعاون وتنسيق بينها (ص 51).

الإخوان في الأردن
أسست حركة الإخوان المسلمين في الأردن بتاريخ (19/11/1954)، كما ينقل الباحث محمد حسن الشريف عن موقع الإخوان في الشبكة العنكبوتية، ويقول في بحثه، الذي اختار له عنوان (الإخوان المسلمون في الأردن.. خريطة معرفية) إنه قد تم افتتاح مقر الحركة في نفس يوم تأسيسها تحت رعاية الملك عبد الله بن الحسين، وكان مؤسس الحركة في الأردن عبد اللطيف أبو قورة الذي كانت له علاقة مع حسن البنا في مصر، وهو من مواليد مدينة السلط الأردنية عام 1906، ووضعت الحركة منذ البداية مجموعة من المبادئ الأساسية، المستوحاة من أفكار الشيخ حسن البنا، من أهمها، تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس كافة، وإلى المسلمين خاصة، والعمل على قيام الدولة الصالحة، التي تنفذ أحكام الإسلام وتعاليمه عمليا، وتحقيق العدالة الاجتماعية ومكافحة الجهل، والمرض، والفقر والرذيلة، وإحياء روح الجهاد، لتحرير بلاد الإسلام بكل أجزائها من سلطان غير إسلامي.

من المحطات المهمة في تاريخ حركة الإخوان المسلمين في الأردن وقوفها على الحياد خلال أحداث أيلول عام 1970، التي وقعت بين الفصائل الفلسطينية والسلطات الأردنية وأفضت إلى خروج الفصائل إلى لبنان، والمحطة الثانية إنشاء حزب (جبهة العمل الإسلامي)، فعندما صدر قانون الأحزاب رقم 36 لسنة 1992، كان على الإخوان المسلمين أن يعيدوا تكييف أوضاعهم بما ينسجم مع الوضع الجديد، فالوضع القانوني للجماعة لا يسمح لها بأن تصبح حزبا سياسيا، لذك استقر الرأي على تشكيل حزب سياسي، يعمل تحت مظلة الإخوان. وكان من بين أوائل الأحزاب التي تشكلت عام 1992، وبلغ عددها نحو ثلاثين حزبا.

يناقش الباحث محمد زاهر جول قضية الجماعات الإسلامية في الأردن وإشكالية العلاقة مع الآخر، عازيا سبب تلك الإشكالية إلى التركيبة الديمغرافية في الأردن، التي لعبت دورا أساسيا في تكوين الحركات الإسلامية وعلاقاتها مع الدولة ومكونات المجتمع المختلفة، وينقسم سكان الأردن بين السكان الأصليين، والسكان من أصول فلسطينية، الذين لجؤوا إلى الأردن عقب حربي عام 1948 وعام 1967، وقد تشكلت الجماعات الإسلامية من هذين المكونين.
يخلص الباحث إلى أن العلاقة بين الحركات الإسلامية والنظام في الأردن تتسم بالتباين والتنوع، وذلك بحسب أيديولوجيتها الفكرية وإستراتيجيتها العملية التغييرية، وإذا كانت تقوم على التعاون عند بعضها، كما هو الحال عند حزب الوسط ودعاء، فإنها تقوم على الصراع والنزاع -كما يرى الباحث- عند الإخوان وحزب جبهة العمل الإسلامي، في حين تقوم على الصدام المسلح عند السلفية الجهادية، وفي حين يعتمد حزب التحرير أسلوب الصدام السياسي الراديكالي، وتحظى الحركات الإسلامية ذات الطبيعة الدعوية، كالسلفية التقليدية وجماعة التبليغ -التي لا تتوافر على اهتمامات سياسية مباشرة- على دعم غير مباشر من قبل النظام، وتتمتع معه بعلاقات جيدة.

يقدم الباحث قراءة يرى فيها أن العلاقة بين الإخوان والنظام، تتجه نحو المزيد من التصعيد، بعد أن انقلبت العلاقة الودية التي جمعت بينهما لعقود طويلة إلى نزاع وصراع، أما علاقة السلفية الجهادية فإنها تتسم منذ البداية بالصراع والعداء.

السلفية الجهادية
يسلط الباحث حسن هنية الضوء على السلفية الجهادية في الأردن، في بحثه الذي اختار له عنوان (السلفية الجهادية في الأردن.. النشأة والإطار والدور)، مؤكدا على أن التحولات التي شهدتها المنطقة والعالم بداية تسعينيات القرن الماضي، قد عملت على بلورة السلفية الجهادية في الأردن، بعد أن عاد 300 ألف مواطن أردني من الكويت ودول الخليج بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، كما عاد (الأردنيون الأفغان) الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني.

يفرد الباحث مساحة واسعة لبدايات أبي مصعب الزرقاوي، الذي توجه إلى أفغانستان أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وشهد اغتيال عبد الله عزام في بيشاور في سبتمبر/أيلول عام 1989، وفي بداية التسعينيات توطدت العلاقة بين رموز التيار السلفي الجهادي في الأردن، وهم أبو قتادة ومحمد المقدسي والزرقاوي، وعقب عودة الأخير إلى الأردن مطلع عام 1993 اتصل بالمقدسي للعمل سوية على نشر الدعوة السلفية الجهادية، ويقول أبو هنية، وبهذا بدأ التحضير لإنشاء جماعة سلفية جهادية سوف تكون منعطفا في تاريخ السلفية الجهادية الأردنية، وهي الجماعة التي عُرفت إعلاميا وأمنيا بـ"بيعة الإمام" ص143.

ثم يعود الزرقاوي إلى أفغانستان، ومن هناك يقرر الذهاب إلى العراق مع عدد من السلفيين المقاتلين، يدخلون معسكر تدريب في شمال العراق مع جماعة أنصار الإسلام، ليبدأ نشاطهم ضد القوات الأميركية التي غزت العراق عام 2003، ولم يكن الزرقاوي مرتبطا بتنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن، وتم تأسيس تنظيم التوحيد والجهاد في بلاد الرافدين، وبتاريخ 17/10/2004، أعلن بيعته لابن لادن، ليتأسس تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، قبل أن يقتل في غارة أميركية على مقره في منطقة ديالى في السادس من يونيو/حزيران عام 2006.

وأعلن الزرقاوي استهدافه القوات الأميركية في هجمات كثيرة، كما تبنى الهجوم على مقر الأمم المتحدة في شهر أغسطس/آب عام 2003، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2005 وقعت هجمات على الفنادق في العاصمة الأردنية، التي تبناها تنظيم أبي مصعب الزرقاوي.

يقول الباحث محمد أبو رمان إن جبهة العمل الإسلامي -الذراع السياسي للإخوان المسلمين- من أهم وأكبر حركات الإسلام السياسي في الأردن، وهذا لا ينفي بطبيعة الحال، وجود حركات إسلامية أخرى تنافس جماعة الإخوان في عمليات تقاسم النفوذ على القاعدة المجتمعية من جهة وعلى مشروعية تمثيل الاتجاه الإسلامي في الحياة العامة من جهة أخرى. مستفيضا في بحثه بدراسة المنطلقات الفكرية والتجربة والدور لجبهة العمل الإسلامي.

في حين يتناول الباحث مروان شحادة إشكالية القطرية والأممية عند إسلاميي الأردن، ويحاول في بحثه الإجابة على تساؤل يقول، هل ثمة إشكالية بين القطرية والأممية في فكر إسلاميي الأردن؟
يخلص الباحث إلى أن مجمل الحركات الإسلامية، التي ظهرت في العالمين العربي والإسلامي، قامت على أُسس عالمية أممية، تسعى إلى استئناف الحياة الإسلامية وإعادة نظام الخلافة وتطبيق الشريعة، وأن التيارات الإسلامية في الأردن لم تخل من نزعة الأممية.
المصدر:الجزيرة

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

www.google.com/urlالكتاب يحتوي على مجموعة حوارات أجراه الكاتب مع نخبة من الكتاب والباحثين من الوطن العربي حول مشروع الحوار الإسلامي- الإسلامي؛ حيث أوضح آل زين الدين في مقدمة كتابه أن الكتاب يمثل عرضا للأفكار التي عرضها بعض المفكرين لتصب في مشروع خدمة الحوار الاسلامي والتقارب بين المذاهب.

وتناول مع ضيوفه عشرة محاور تحدث فيها حول مفهموم الحوار ومدلولاته والإشكالات التي تواجهه وسبل معالجتها والآفاق التي ينبغي أن يطالها في هذه المرحلة الراهنة إلى جانب علاقته بالمناهج الدراسية في المؤسسات والجامعات والمعاهد العلمية وكيفية معالجة قصورها في هذا الصدد ومتطلبات التطوير.

كما تحدث عن علاقة الحوار بمبدأ ومطلب الوحدة الاسلامية والأمة الواحدة والعقبات التي تقف دون تحقيق ذلك ومحاولة فهم العلاقة التي ينبغي أن تكون بين التعددية على المستوى المذهبي ومبدأ المواطنة. بالإضافة إلى البحث في مسألة الطائفية كمشكلة من المشكلات المعقدة في المجتمع الاسلامي وسبل معالجتها وعلاقة الاعلام بوسائلة المتعددة وقضية الحوار.

موضحا أن الكتاب يأتي ضمن مساهمات مركز آفاق للدراسات والبحوث في تعزيز قيم الحوار والتعايش والتسامح وإرساء معالم الشورى والوحدة وخطاب الاعتدال ونبذ معالم التعصب والغلو

من جهته قال الشيخ حسن الصفار في تقديمه للكتاب: " يجب أن تنشغل النخب الفكرية الدينية ومنتجو الثقافة المؤثرة في الجمهور بمعالجة هذه الاسئلة وتقديم الاجابات على مايواجه الامة من تحديات ) معتبرا سماحته أن الواقع هو انصراف معظم المتصدين لشأن الثقافة الدينية عن الاهتمام بالتحديات المعاصرة والتوجه بدلا من ذلك الاهتمام بالقضايا العقدية المجردة ".

فيما أشار المفكر الاسلامي محمد محفوظ في تقديمه للكتاب أنه لا خيار لنا جميعا الا الحوار الذي ينفتح على كل القضايا بروح المعرفة والتفاهم . مشددا على ذلك من أجل خلق المناخات الايجابية لمعالجة كل الصعوبات والإساءات .

وخلص الكاتب من خلال تلك الحوارات إلى العديد من التوصيات لتشكل خرائط الطريق نحو التعارف والتسامح والتعايش والوحدة المؤكّد عليها والمؤصّلة في الفكر الإسلامي، والنهوض بهذه الآفاق لتصبح ثقافة عملية في حياتنا اليومية.

وتضمن الكتاب العناوين التالية:

1- في معنى الحوار الإسلامية.

2- من أين يبدأ الحوار الإسلامي.

3- نحو رؤى ومنطلقات جديدة لمشروع النهضة.

4- بناء وتطوير المناهج التعليمية.

5- تأصيل مفهوم الحوار في الوسط الاجتماعي .

6- علاقة الحوار بمبدأ ومطلب الوحدة الإسلامية والأمة الواحدة.

7- الحوار الإسلامي: بين تحديات الواقع ومقومات النهوض.

8- المذهبية والمواطنة .. أية علاقة؟

9- المسألة الطائفية وقضايا النهضة الدينية.

10- الإعلام وقضايا الأمة.

وقد شارك في الكتاب:

1 – الشيخ حيدر حب الله .

2-الاستاذ غريبي مراد.

3- د مسفر القحطاني.

4- السيد حسن النمر.

5- د زيد الفضيل.

6- السيد عصام احميدان

7- السيد جعفر فضل الله .

8- السيد هاني فحص.

9- د الشيخ عبدالله اليوسف.

10-الشيخ محمد عطية .

11-الشيخ فهد العصاري.

12 د واصف كابلي .

المصدر: السعودية: مركز آفاق للدراسات والبحوث، 2013

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها