You are here:الرئيسية>مفاهيم>مفاهيم - الجماعة العربية للديمقراطية

كيف يجري ( تسليح المجتمع الأعزل )؟ إن مراجعة وقائع تجربة احتلال العراق عام 2003 ، سوف تبيّن بجلاء حدود ووظائف هذه الاستراتيجية التي طبقتها الولايات المتحدة الأمريكية في وقت مبكر، وقد تساعد في فهم استرتيجية التفكيك المتوحش؛ إذ قام الأمريكيون بأول وأكبر اختبار ميداني لإمكانية إحداث صدام طائفي عنيف في الشرق الأوسط، يترافق ويتلازم مع ارتكاب جرائم قتل وحشية ضد كل الطوائف. كان المجتمع العراقي تحت حكم الرئيس الأسبق صدام حسين مجتمعاً أعزل، تمّ تجريد أفراده وقواه وركائزه الاجتماعية كلياً من السلاح. وكان السلاح بطبيعة الحال،حكراً على الدولة وحدها. وهذا هو الوضع الطبيعي في كل بلدان المنطقة. وبصرف النظر عن توصيفنا لهذه السلطة أو تلك بأنها ديمقراطية أو دكتاتورية، فقد كانت مجتمعات المنطقة بمجملها، تتصف بكونها مجتمعات مجرّدة من السلاح، لأن الدولة لعبت دور الضامن في تسوية وضبط التناقضات العنيفة. فكيف حدث هذا التحوّل وما هي وظائفه؟ قبيل الاحتلال بأشهر، قام الأميركيون بتدريب ما يزيد على عشرة آلاف عراقي معارض، داخل معسكرات سرية في بودابست (هنغاريا)،ثم في وارسو (بولونيا). وفي وقت لاحق، جرى توزيعهم على شكل مجموعات صغيرة زاد عددها عن 44 مجموعة، سوف تعُرف في الإعلام الأمريكي باسم ( مقاتلون من أجل الحرية) ثم، ومع الاحتلال باسم «فرق الموت». وبعد وقت قصير فقط من سقوط العاصمة العراقية، كان هؤلاء يديرون عمليات القتل والخطف والسلب التي شهدتها بغداد والمدن العراقية الأخرى.

ويكشف كل من الكاتب الأميركي ماكس فولر في مقال نشره على شبكة الإنترنت، في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005 وتحت عنوان (Media Disinformation and Death Squads in Occupied Iraq التضليل الاعلامي وفرق الموت في العراق المحتل) والضابط السابق وعضو الكونغرس جون مارتا، والكاتب الأمريكي روبرت درايفوس في مقالته الرائعة «وحوشنا في العراق Our Monsters in Iraq » أن «فرق الموت» كانت مجموعات مسلحة ظل الأميركيون يديرونها طوال الفترة من 2004-2006 لتفجير العنف الطائفي، أي لنقل المجتمع العراقي نهائيا من ( العزلة ) إلى ( التسلح).

كانت ( فرق الموت ) هي الخميرة اللازمة لإنضاج عملية ( تسليح المجتمع الأعزل) ونقله إلى طور جديد من تشكلّه، وبحيث يصبح مجتمع محاربين ينغمسون لوقت طويل في حروب داخلية ومعارك لا سبيل لوقفها. منذ اليوم الأول للاحتلال، تدفقت ( الوحوش ) المدّربة في بودابست ووارشو إلى شوارع بغداد، وراحت تفترس العراقيين في كل مكان. وللمرة الأولى، شاهد العراقيون أنماطاً غير مألوفة من جرائم القتل، قطع رؤوس، شواء الجثث، تقطيع الضحايا ورميهم في براميل النفايات. إن التاريخ الجنائي العراقي لا يعرف هذا النمط من الجرائم العشوائية ضد الأبرياء . لقد كانت هناك جرائم من نوع غير مألوف. ها هو ( مجتمع مسلح) يظهر فجأة ليفتك ب(مجتمع أعزل).وسرعان ما تضاعف عدد المنتسبين إلى فرق الموت، خلال سنوات الاحتلال الأولى وزادت عن 20 الفاً، قام الأمريكيون بتوزيعهم على النحو التالي: الأفراد (الشيعة) سوف يرتدون ملابس الشرطة ويصبحون جزء من وزارة الداخلية ( التي يديرها وزير شيعي ). وعليهم أن يقوموا بأعمال القتل والخطف والتفجير في المناطق السنية فقط. أما الأفراد ( السنة ) فيرتدون ملابس الجيش العراقي ويصبحون جزء من وزارة الدفاع التي يديرها وزير (سني) وعليهم أن يقوموا بأعمال القتل والخطف والتفجير في مناطق الشيعة فقط. لقد أخفى الأمريكيون هذه المجموعات داخل وزارتي الداخلية والدفاع بطريقة بارعة، وتمكنوا من حمايتها بأساليب معقدّة.وقد كشف النقاب في وقت تالٍ عن وجود مستشارين عسكريين أميركيين في الوزارتين، كانوا يعملون فعلياً تحت إمرة نيغروبونتي الذي أصبح سفير واشنطن في بغداد، وهو صاحب تجربة (فرق الموت) في السلفادور.طبقّ نغروبونتي - السفير وزعيم عصابات فرق الموت في السفادور- تجربته الجديدة في العراق، ونجح في وقت قصير في دفع المجتمع العراقي بأسره نحو الهاوية، وتلاشت صورتة القديمة نهائياً كمجتمع أعزل، مع تلاشي الدولة واضمحلال دور مؤسساتها، حتى تلك التي اعيد ترميمها جزئياً مثل قوات الأمن أو جهاز مكافحة الإرهاب، لم تكن قادرة على ضبط إيقاع العنف المتفجرّ، وبدا أن تحوّل المجتمع العراقي إلى ( مجتمع محاربين) بات أشبه بقدر روماني أسطوري.

وهكذا، جرى على نحو غير مسبوق، تسارع في درجة ( تسلح) المجتمع، ولم يبق حزب واحد تقريباً إلا وشكل ( مليشيا) صغيرة أو كبيرة، بحجة حراسة المقرات والممتلكات أو الحمايات
الشخصية، ثم سرعان ما أتخذ التسلّح طابعاً جديداً مع انخراط العشائر في برنامج أمريكي عرف باسم ( البرنامج الأمريكي لتسليح العشائر) وهو ما أنتج تالياً ما عُرف ب( الصحوات) لمواجهة القاعدة. ومن الواضح أن استراتيجية التفكيك المتوحشّ، تطلبت في هذه المرحلة، خلق ( تصنيع ) فرق الموت، أي خلق (وحوش) واطلاقها في الشوارع، ثم العمل على تنظيم عملية ( تسليح المجتمع) عبر برنامج أمريكي رسمي بالتعاون مع الحكومة العراقية، يقتضي بالدرجة الأولى تسليح العشائر، وحتى الجماعات التي انخرطت في مقاومة الاحتلال الأمريكي.
في هذه الأجواء، ظهرت ( الوحوش الكاسرة).

اليوم، وبعد أن أدّت فرق الموت وظيفتها وكفتّ عن تبرير وجودها،تحللّت إلى عناصرها الأولية، لتعاود الظهور في أشكال جديدة أكثر شراسة وعنفاً. لم يعد الصراع محصوراً في مسرحه القديم: قتال طائفي شيعي- سنيّ؛ بل أصبح حرباً شاملة ينخرط فيها المجتمع بكل مذاهبه وطوائفه.

والآن لنبدأ بتحليل مراحل ( تسليح المحتمع الأعزل):
في المرحلة الأولى : جرى فعلياً، اعتباراً من حقبة ما قبل احتلال العراق وصولاً إلى 2004، خلق عدو محلي (ديني- مذهبي). لقد أطلق الأمريكيون ( وحوشهم ) في العراق، وتركوها تفترس الناس في الشوارع. أدّى ذلك وبسرعة إلى استنفار طائفي، وسعت كل طائفة إلى تسليح نفسها في مواجهة ( طائفة أخرى مسلحة). ولأن العنف كائن قابل للنموّ والتطور، فقد ولدت داخل المجتمعات الطائفية المسلحة الجديدة، جماعات جديدة تشكلت بسرعة وحظيت بدعم إقليمي. لم تعد هذه المجموعات مجرد مجموعات محلية تصارع مجموعات محلية أخرى؛ بل أصبحت أذرعاً محلية لقوى إقلييمة- دولية. وهذا بالضبط ما سعت إليه واشنطن ورغبت في رؤيته، أي تحوّل الحالة المحلية إلى حالة إقليمية .لقد ولدت القاعدة، ثم القاعدة في بلاد الرافدين، وأخيراً داعش في هذا المخبر الميداني الأمريكي الذي أسسّه الأمريكيون في العراق المحتل. إن الوحوش التي خرجت من أقفاصها، وجدت أشكالاً لا حصر لها للتخفيّ و( التنكرّ) . في المرة الأولى أظهرهم الأمريكيون في صورة ( مقاتلين من أجل الحرية). وفي المرة الثانية ( كعدو دينيّ) مشبّع بروح التمددّ والتوسع.

---------------
موقع شبكة الوحدة الإخبارية - 2015/01/24

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

موقع الجماعة العربية للديمقراطية، 24 فبراير 2014

أصدر مكتب مكافحة الفساد التابع للنيابه العامه إعلانا رائعا تحت مسمى ساعدنا للوصول إلى الفساد وإلى كل فاسد عن طريق السمع أوالرؤيه ومن ثم الكلام أو الابلاغ عنه.. أعجبني هذا الاعلان أو"البوستر" كثيرا وأخذت ابحث فيما وفيمن أعرف , لم أجد فاسدا , اخذت استرجع ذاكرتي مع من عملت وأين اشتغلت , لم أتذكر مشهدا للفساد قد رأيته نسمع ,,نعم لكن يقال لنا بعد ذلك أن ماسمعنا عنه لايدخل ضمن مايسمى فساد , سألت من أعرفهم هل رأيتم فاسدا يوما بالمعنى الذي تريده النيابه العامه , لم يقدموا لي جوابا ,إسترجعت أرشيف الحكومه في ذاكرتي , هل إستوجب احد المسؤولين أو الوزراء سياسيا أو نيابيا بتهمة الفساد؟ , هل إستدعى مجلس الشورى وزيرا أو وكيلا حول قضية فساد في وزارته أو مؤسسته؟رأينا الشركات التي تولد عملاقه , وترصد لها الأموال الطائله, ثم ماتلبث حتى تصاب بفقر الدم والهزال ثم الموت ويتم بيعها للحكومه لتبقى في غرفة العنايه المركزه عن طريق انبوبة أكسجين الحكومه , ونسأل عن السبب ويقال لنا إعادة هيكله وعن المتسبب فلا نجد إجابه. نحن مجتمع لايعرف الفساد , ولايعرف الفاسد. نحن مجتمع يعرف تأهيل الفاسد أكثر من معرفة الفاسد نفسه. معرفة الفساد تتطلب تعريفه مسبقا , وطالما نحن نتكلم عن الدوله فنحن نتكلم عن المال العام , كل هذه الأمور ليست واضحه في ذهن المواطن بصوره تجعل منه فاعلا اكثر منه خائفا لأنه يشعر بأنه فردا وحيدا ,نحن مجتمع لايعرف الفساد بقدر ما يعرف تبريره اجتماعيا أو دينيا. لذلك كل مافهمته أو أفهمه من إعلان النيابه العامه لي كمواطن بسيط أن أراقب السوبر ماركت القريب من بيتي وأرى إذا كان هناك ثمة استغلال من قبله او زيادة في الاسعار يمارسها لأبلغ عنها يعني "راقب الفساد اللي على قدك". بمعنى ليس هناك منظومه عليا واضحه لمكافحة الفساد هنا بعض الملاحظات أود لو أوضحها :

أولا: هناك فرق بين محاربة ثقافة الفساد بصورة عامه وبين محاربة الفساد بصوره انتقائيه حسب الضروف وحسب الطلب سواء كان متجليا في اشخاص بعينهم دون غيرهم أو وقت محدد وزمان معين دون باقي الوقت .

ثانيا: الفرق بين الاثنين كبير وآلياتهما مختلفه كل الاختلاف , "بوستر" النيابه العامه معني هنا بالجزء الثاني الذي يدعو المواطن بالتربص بالفاسد وبمكافحة الفساد كحاله فرديه والابلاغ عنها , وهو يعرف امكانيات المواطن سواء كان موظفا او مسؤولا صغيرا هذا الجزء يصبح تضحيه اكثر منه مسؤوليه وطنيه في ظل عدم وجود نيه صادقه لمكافحة الفساد كثقافه عامه تكتسي المجتمع كله مع الأسف.

ثالثا:"بوستر" النيابه العامه يصبح بلاقيمه إذا لم تفعل أو يتم العمل على ايجاد آليات مكافحة الفساد كثقافه التي منها , ديوان محاسبه فعال, هيئة شفافيه فاعله, مجلس شورى لدية صلاحيه كامله بالرقابه ومساءلة السلطه التنفيذيه.

رابعا: كما نرى كان حال ديوان المحاسبه افضل كثيرا في السابق , اليوم يلمس الجميع تآكلا واضحا وغيابا ملحوظا له على جميع الاصعده, كذلك هيئة الشفافيه التي استبشرنا بها , لم تترك حتى اثرا في الرمال ولا في الغبار الذي يلف المجتمع اداريا وماليا قبل أن يكون غبارا رمليا من الطبيعه, مجلس الشورى في حالة سبات لم يشهدها من قبل. هذه ادوات محاربة الفساد كثقافه وهي المدخل الحقيقي.

خامسا:موقف المجتمع السليم من الفساد موقف ثقافي , استطاع الفساد ان يفصل المجتمع اخلاقيا ودينيا عن ثقافته التى نشأ عليها أخلاقيا وتربى عليها دينيا, وهذه كارثه كبيره , لأنها خسارة إنسانيه للمجتمع وخيانة لقيمه وللاجيال الاولى التي عملت على تكوينه قبل الثروه . اليوم المجتمع يحتفل جهرا بمن يصمهم بالفساد سرا ويتسابق للتجمهر والسلام عليهم في المناسبات العامه , واذا انتهت المناسبه يرجع ويذكرهم بما فيهم من فساد إنفصام حقيقي. اليوم يوصف المسؤول المخلص الذي عمل بكل شرف وأمانه بأنه" ما نفع نفسه" أو لو فيه "خير كان نفع نفسه" بمعنى لو سرق او ارتشى كان انتظم مع المنظومه الاخلاقيه للفساد المعتبر اليوم في المجتمع كواجهه وكمظهر احترام..

سادسا: أحزن كثيرا عندما اتابع برامج القنوات الخليجيه الشقيقه الحواريه كل ليله و وأرى كم تقدم المواطن هناك في مواجهته للفساد , في الكويت , في السعوديه , هل تعلم ياعزيزي القارىء أن القنوات السعوديه بها مايزيد على عشرة برامج حواريه مفتوحه تعالج جميع مشاكل المواطن والتعديات على حقوقه , وملاحقة المسؤولين الفاشلين او المتهمين بالفساد, ناهيك عما في الكويت والبحرين وعمان .

سابعا: هذه البرامج هي التي تخلق ذهنيه لديها قدره على النقد والاستشراف ومواجهة الفساد , الدعوه لمواجهة الفساد ليست دعوه للإستيقاظ من النوم متوشحا سيفك للقضاء عليه عند مدخل البيت , هي ذهنيه لديها قدر من المناعه مدعومه من وعي المجتمع وثقة المواطن في نفسه وفي نظامه , كم برنامج حواري لدينا ؟ الاتوجد لدينا مشاكل تحتاج الحوار والنقد , التركيز على الاستدعاء للحديث في المناسبات الوطنيه فقط بأسئلة مبستره لايمكن الحياد عنها لايستقيم وتطور قطر الاعلامي التقني المشهود.

ثامنا:موقفي من مسابقة "القلايل" مزدوج فيه بهجه وفيه حزن , فيه بهجة للذين هم في سني ومن هم اكبر مني الذين عاشوا القلايل حقيقة , لانه ينشط الذاكره ويعيد أياما أوُل ذهبت كواقع . أما الحزن فينبع من استغراق هذا الجيل حتى الرمق الاخير في متابعتها بشكل يؤثر على مداركهم ونشاطاتهم الذهنيه الاخرى التي نحتاجها اليوم كمجتمع في طور النمو, مسابقة"القلايل " تفصل الشاب عن واقعه لأنها تخلق له واقعا افتراضيا هو لم يعشه وانما سمع عنه , فبذلك هي عملية تفضيل للماض على حساب الحاضر وللإجابه الجاهزه على التساؤل والسؤال , لذلك أننا بمثل هذه البرامج نخلق جيل اجوبهفقط أو تحمل أجوبه جاهزه , وهو ارض ممهده جدا لقبول الفساد وتبريره . هنا الفرق بين برامج الاشقاء وبرامجنا , لابأس من وجود مثل مسابقة القلايل, لكن ليس بمثل هذا التكرار اليومي , لابأس بها الى جانب برامج حواريه حيه , ليس المشكله اليوم كيف نصطاد الحبارى؟ بقدر ماهي كيف يمكن التعامل مع "هاي واي" 22 فبراير الذي يفاجئنا كل يوم بجديد وهو أكبر مثل واضح للفساد أمام أعيننا.

تاسعا:هناك اشارات واضحه عن نية لمحاربة الفساد شهدنا إغلاق العديد من شركات السيارات المتلاعبه في البيع والغش, واملنا في سمو الشيخ تميم أمير البلاد المفدى كبير, لكنني اركز على محاربة الفساد كثقافه أولا , ومن بديهيات هذا النهج كما نرى في العالم أجمع أن لاتكون هناك حصانه لأحد لا ذاتيه ولاتاريخيه هناك رؤوساء استدعوا بعد تركهم الرئاسه بعشرات السنين , هناك وزراء سجنوا بعد ان تركوا المنصب بعقود , حق الوطن والمجتمع لايسقط بالتقادم .

عاشرا: علينا أذا كنا نريد القضاء على الفساد كذلك ان نخرج من استراتيجية"القلايل" التي تريك المشهد في ابهى صوره واعظم لقطه واطرف منظر , وهو في الواقع تعب ونصب وجهد وعسر كابده الاباء , الى استراتيجة المكاشفه والشفافيه والحوار المباشر في ظل الاليات الاعلاميه والدستوريه المتوفره , لايمكن أن لانشهد مره مساءلة وزير مثلا أو مسئول في مجلس الشورى الذي هو من أقدم مجالس الشورى في المنطقه ؟لايمكن ان لانشهد محاكمة مسؤول عن فساد في ادارته؟ نسمع احيان نعم , ثم يطوى الملف , ثم نحتفي به في أقرب مناسبه إجتماعيه عامه, استراتيجية "القلايل" هذه لايمكن ان تساعدنا على محاربة ثقافة الفساد , كل مايمكن أن تقدمه لنا هو أن تدربنا على اصطياد ما يقدم لنا كمجرد"فريس" لكي يظفر البعض ب"الحبارى" الحقيقيه.
أحد عشر: ثقافة الفساد لها اشكاليه شموليه وهي عدم القدره على التخلص من الفاسدين تماما , وانما فقط بالعمل على اخفائهم عن الانظار وعن الواجهه فهناك "ستوك" كامل يوجد في الظل لان التخلص منه سيعرض الجميع للشمس واشعتها هذا لو بزغت شمس الثقافه الدستوريه يوما على مجتمعنا الجميل.

يبقى أن أشير إلى أنني بلغت رسميا عن فساد في هيئة البريد التي كنت أعمل فيها كنائب رئيس مجلس الاداره , واستدعيت وادليت بكل .

ما أملكه من معلومات ’ لأُحال الى التقاعد بعد ذلك , وهناك حالات مشابهه لحالتي " أعيدوا الثقه أولا ليصدقكم الناس

التسامح أصعب بكثير من الانتقام، كما أن الاعتذار أشد صعوبة من المكابرة والعناد. وللأسف صار الناس يستسهلون الكراهية ويشجعون الثأر والانتقام، ويستنكرون العفو والتسامح والاعتذار. أما يوم الأحد الماضي فقد كان الأمر مختلفاً.
في تمام الساعة الثامنة من يوم 8 فبراير 2015 كنا على موعد مع لحظة تاريخية في ديوانية عبدالله النيباري بالضاحية. خططنا على مدى شهرين بهدوء شديد لتلك الليلة الجميلة، فكانت ليلة ولا كل الليالي.

الحكاية بدأت في ليلة حالكة من 1997، حين جرت محاولة اغتيال الشخصية السياسية البارزة عبدالله النيباري أثناء عودته من الشاليه هو وزوجته فريال الفريح. أصيب عبدالله إصابات مباشرة كما أصيبت فريال، ولكن الله حفظهما، خضع عبدالله لعمليات طويلة داخل البلاد وخارجها.

تم القبض على الجناة، وحُكم على أغلبهم بالمؤبد. ومنذ أربعة أشهر جرت محاولة سبقتها محاولات لدى سمو الأمير للعفو عن الشخص الرئيسي في تلك الجريمة وهو سلمان الشملان، بعد قضائه 17 عاماً في السجن، وهنا اشترط الأمير للعفو موافقة النيباري، فوافق النيباري وعفا عنه وأبلغ سمو الأمير ذلك كتابياً، ذاكراً جهود د. يوسف الإبراهيم ويوسف النصف (أبوعمر) في ذلك. لم يتعرض عبدالله لأي ضغوط لا ترغيباً ولا ترهيباً، ولكنها كانت قناعة ذاتية بالتسامح والعفو، وهكذا كان.
اللقاء الذي تم يوم الأحد الماضي كان محاولة حقيقية لاستعادة ثقافة التسامح والاعتذار بدلاً مما هو سائد من خطاب الكراهية وتشجيع البغضاء بين أبناء الوطن.
هناك ثلاث حلقات تماسكت وترابطت لكي تظهر منظومة التسامح وثقافة الاعتذار علناً، الحلقة الأولى كانت سمو الأمير- حفظه الله-، فرغم أن له حقاً دستورياً بالعفو عن سلمان فإنه أصرّ على أن يكون العفو الصادر منه مشروطاً بموافقة النيباري تقديراً منه لحساسية الموقف، أما الحلقة الثانية فكانت عبدالله النيباري نفسه، وزوجته فريال الفريح، فما كان منهما إلا أن تساميا على الجراح، وأعلنا عفواً غير مسبوق.
أما الحلقة الثالثة فكانت سلمان ذاته، الذي كان يسعى منذ خروجه من السجن ليقدم اعتذاره، كأنه يريد أن يخفف عبئاً ثقيلاً على ظهره إلا أن محاولاته تلك كانت لا تصل لسبب أو لآخر، رغم قيام العديد بمحاولات في هذا الاتجاه.

هذه هي الحلقات الثلاث التي سهّلت لنا إخراج الليلة الجميلة يوم الأحد الماضي.
كانت الفكرة هي كيفية استعادة المبادرات السابقة، وتحويلها من حالة سلبية إلى طاقة إيجابية عنوانها الاعتذار والتسامح، كانت المسألة بحاجة إلى شيء من التخطيط، وشيء من الخبرة في إشاعة السلام بين الناس، والكثير الكثير من الصبر والصدق والالتزام.

لكي يصبح المجتمع مستقراً، عليه أن ينهي خطاب الكراهية المستشري أياً كانت دوافعه، واستبعاد المتطرفين من الفضاء العام، وذلك لن يحدث إلا بإيجاد نماذج حية للتسامح والاعتذار وقبوله، ونحمد الله أننا في هذا المثال استطعنا أن نحيل فعلاً سلبياً كارهاً للحياة إلى فعل إيجابي وطاقة إيجابية واعدة تشعرنا بالتفاؤل في زمن العدم.
ولذا نقول شكراً لأصحاب الحلقات الثلاث، بدءاً بصاحب السمو، ووقوفاً عند عبدالله النيباري وزوجته فريال الفريح، ومروراً بسلمان الشملان، والشكر موصول لكل مَن بذل جهداً في إفشاء السلام، وليرحمنا الله ويغفر لنا ويعفو عنا، ويحفظ هذا البلد من كل مكروه. رفعت الأقلام وجفت الصحف.

المصدر: صحيفة الجريدة - 11 فبراير 2015

المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها.

 

حيرة كبيرة بلغت حد الصدمة والنكير من سلوك قادة النهضة، أصابت غير المحيطين بالمشهد العام لأوضاع تونس داخل البلد وخارجها -ودعك من المناكفين- حين قبلوا مشاركة جزئية محدودة وصفها بعضهم بالمهينة، وهم يعنون المشاركة في حكومة السيد الحبيب الصيد الأخيرة.

الحقيقة أن حال هؤلاء شبيه بمن يحرص على أن يحجز لنفسه جناحا كاملا مرفّهًا في باخرة حتى وهو يعلم أنها متجهة إلى الغرق، ويفضل ذلك على الاكتفاء بحجز كرسي متواضع في باخرة مأمونة العواقب.

هؤلاء الفضلاء الطيبون الغيورون على النهضة ربما أشد من غيرتهم على تونس ينسون أن النهضة لم يمض عليها أكثر من حول عندما أقدمت طائعة مختارة على مغادرة سلطة مستحقة بانتخابات حرة، وذلك لما استيقنت أن البلد بفعل التحولات الدراماتيكية التي عصفت بالإقليم متجه قدما نحو الهلاك، وأن السبيل الوحيد لنجاته ونجاة التجربة الديمقراطية الهشة هو تقديم التضحيات من مثل مغادرة النهضة للحكومة جملة، حكومة في نظام شبه برلماني تملك فيها كل السلطات تقريبا.

ولم تكن تضحيتنا تلك الأولى ولا الأخيرة، فقد نجحنا في مغالبة شهوة الانتقام ممن أقصوْنا ولاحقونا بالنكال داخل البلد وخارجه أزيد من ربع قرن، ومع ذلك أقدمنا على تنحية السيف جانبا وهو يقترب من رقابهم فأسقطنا مشروع العزل السياسي لهم تحت عنوان قانون تحصين الثورة، فاتحين أمامهم مجال المشاركة، مواطنين موفوري الكرامة تاركين للعدالة الانتقالية المتجهة بعد المصارحة وتنظيف الجروح إلى العفو والمصالحة، وذلك لإغلاق ملف الأحقاد المتوارثة من جيل إلى جيل.

كما غالبنا شهوة الحكم بلجام العقل ومصلحة البلد، إذ قررنا في صرامة عقلية نادرة ونحن الحزب الأكبر، الانسحابَ من المنافسة على الرئاسة، ولم يكن ذلك منا محض زهد في السلطة بقدر ما كان تقديرا صارما للموقف: أن مصلحة البلد ومصلحة الانتقال الديمقراطي تتعارض مع ذلك، وأن موازين القوة لا تسمح به.

لقد حملتنا قراءتنا لمصلحة البلد والانتقال الديمقراطي ولموازين القوة على أن لا نكتفي بعدم المنافسة على المنصب الرفيع، بل أن نذهب أبعد من ذلك إلى موقف الحياد في الانتخابات الرئاسية، حتى لا نضع حركة كبرى في موقع المجازفة المكلفة.
ومن ذلك أننا أقدمنا على مصافحة أيدٍ كنا نستنكف من مصافحتها من موقع الخصومة السياسية، إذ رأينا في ذلك مصلحة البلد.. بل ذهبنا أبعد من ذلك إلى الانتقال بالعلاقة من موقع الصدام والتنافي إلى موقع التوافق والتعاون والمشاركة السياسية.
قد لا يعلم الكثير من الطيبين والمتحمسين لنا وللثورة داخل البلد وخارجه أهمية عملية الإنقاذ الهائلة للربيع التونسي والتجربة الديمقراطية الوليدة التي قمنا بها، إذ أقدمنا على تلك الخطوات التي صنعت ما بات يعرف في المصطلح السياسي الدولي "بالاستثناء التونسي"، إنهم يجهلون أن البلد كان طيلة العام ٢٠١٣ -ولا سيما بعد الزلزال المصري- متجها إلى استقطاب شديد، وصدام شامل بين جبهتين كبيرتين: جبهة المعارضة بقيادة السيد الباجي قايد السبسي (نداء تونس وحلفائه) وبين النهضة وحلفائها، والنهاية كانت واضحة: نفس مصير بقية ثورات الربيع، أي انهيار التجربة والتدحرج نحو أزمة عميقة. غير أن تلك الخطوات التي أقدمنا عليها بتوفيق من الله، أحلت سياسة التوافق والتعاون والمشاركة محل سياسة المغالبة والصراع والتنافي.

واضح أن قطارين ضخمين كانا متجهين إلى الصدام لا محالة، وأنه بتلك السياسات تمت عملية تحويل هائلة لخطوط السير، لنجد أنفسنا اليوم في حكومة واحدة عزلت فيها عناصر التطرف والاستئصال التي كانت تدفع قدما -ولا تزال- إلى الصدام بيننا وبين الدساترة، بينما نحن ندفع إلى إدماج الجميع في حكومة وحدة وطنية -اقتربنا منها كثيرا في حكومة السيد الصيد- ممثلة بأكثر من ثلاثة أرباع مجلس نواب الشعب في ترجمة واضحة وجلية لنهج التوافق الذي انتهى إليه الربيع التونسي وبلور فيه نظرية في سياسات الانتقال الديمقراطي، تتلخص في أن حكم الأغلبية "50+1" يصلح أساسا لشرعية الحكم ديمقراطيا، ولكن فقط في الديمقراطيات المستقرة الراسخة، أما الديمقراطيات الناشئة فهي أوهن من أن تتحمل انشطار المجتمع إلى نصفين متنابذين.

وهو ما جربناه خلال تجربة حكمنا عامي 2012 و٢٠١٣، وكاد البناء أن ينهار فوق رؤوس الجميع لو لم يهدنا الله إلى إنقاذ الموقف بالحوار ثم الانسحاب من الحكومة، فهل يمكن في أوضاع صعبة كالتي يعيشها البلد والمنطقة أن يتحمل الحكم في تونس اليوم معارضة بوزن النهضة أو بوزن النداء في صورة فوز النهضة؟ كلا..

من هنا تأتي أهمية عملية التحويل التاريخية الضخمة التي قمنا بها مطوّرين إستراتيجية جديدة متميزة في التحول الديمقراطي وفي علاقة مع المعارضة ومع ما يسمى النظام القديم، وفي العلاقة بين التيارين الرئيسيين في الأمة: الإسلامي والعلماني.

في هذا المنظور لا يغدو مهما جدا حجم مشاركتنا في هذه الحكومة، بقدر أهمية المشاركة وما ترمز إليه من انتصار لنهج التوافق على نهج المغالبة، وانتصار نهج استيعاب الماضي واحتوائه بدل التنافي معه وإقصائه والاصطدام معه في محاولة يائسة إلى شطبه جملة بدل استيعابه بإدماج لبناته الصالحة في النظام الديمقراطي الجديد.

والأمر يصدق على علاقة التيار الإسلامي بالعلماني احتواء ومشاركة أم صراعا وتنافيا، لا يهم بعد ذلك حجم مشاركتنا، المهم أننا فتحنا أمام تونس وأمام النهضة أفقا جديدا للتعايش والنمو والأمل، وسددنا طرقا أخرى نعرفها ويعرفها الكثير من جيراننا في المنطقة، بل اكتوت أجيالنا بنيرانها نيران الفتن، فهل لا يزال بنا حاجة إلى المزيد؟

لقد وعدنا شعوبنا ونحن نرغبها في أن تختارنا في الانتخابات، وعدناها بالأمن والسلم والتنمية وتحسين ظروف معاشها، ولم نطلب إليها أن تبايعنا على الموت ومصارعة الخصوم.

يكفي أمتنا ما تكابده من كيد أعدائها ممن يحتل أراضيها، أما آن الأوان لمصالحات ومصارحات مع الداخل كل الداخل، لا يبقى معها مجال لحديث ساقط عن إقصاء هذا الطرف أو ذاك، فالأوطان وقبلها القلوب تتسع -بل يجب أن تتسع- للجميع.

ومما يجدر لفت نظر المتعجلين والتجزيئيين له أن البلاد وهي تخوض معركة انتقالية تاريخية ضمن محيط إقليمي غير مستقر وغير ملائم، أحوج ما تكون إلى نهج التشارك في حمل الأعباء بدل الانفراد، وأن نجاح كل شراكة يتوقف على مدى عمق قناعة الشركاء بأهمية الشراكة والمحافظة عليها والاستعداد لتقديم التنازلات الضرورية والتضحيات للمحافظة عليها.

وفي صورة الحال أي ما يتعلق بالشراكة في الحكم والنهج الذي سلكته التجربة التونسية، فإن النهضة من جانبها تؤكد عمق إيمانها بالشراكة سواء تلك التي كانت في عهد الترويكا أو في المرحلة الحالية، حيث قدمت تنازلات موجعة، إلا أن الطرف الآخر قدم هو الآخر تنازلات موجعة أيضا.

فرغم أن وزنه الانتخابي يخول له -بحسب الدستور- أن يكون هو من يرأس الحكومة ويشكلها، فإنه قبل حرصا على التشارك ودفعا لتهمة التغول ليس فقط بتحييد رئاسة الحكومة -وهي أعلى وأهم منصب في الدولة- إذ عهد بها إلى رئيس حكومة محايد وبالتوافق، بل قبل بتحييد أهم وزارات السيادة الداخلية والعدل والدفاع، وهذا يحسب له.

المهم اليوم وقد وضعنا قطار تونس على سكة التشاركية والتوافق بين خمسة أحزاب وخاصة الحزبين الكبيرين بما يطمئن الداخل والخارج ويرسل برسائل تطمين وثقة إلى الجميع.. المهم تأكيد أن الربيع التونسي تجاوز بنجاح مرة أخرى خطر الاضطراب والانتكاسات، وأن صف التونسيين موحد وراء دولتهم من أجل أن تحقق بهم ومعهم أحلام شباب تونس شباب الثورة في الكرامة والعزة، في التنمية والتشغيل.

والمهم أيضا أن نمرا تونسيا يأخذ طريقه إلى العالم في انتظار التحاق النمور الأخرى في المنطقة، وهي قادمة في تؤدة على طريق تحقيق الحرية والكرامة بإذن الله "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون".

المصدر: موقع الجزيرة نت - 11 فبراير 2015

المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها.

 

 

أنا سعيد بالاستقبال الطيب الذى حظى به اقتراح الاستعداد لعقد مؤتمر، سيكون الأول من نوعه فى مصر، للسياسة الخارجية المصرية. أثيرت أسئلة كثيرة وتعددت الاجتهادات أكثرها لا يتعلق بجدوى المؤتمر وأهميته بقدر ما تعلق بشكله وتنظيمه وخطوات الاستعداد له ونوعية المشاركة فيه.

•••

أعود فأوجز دوافع ومبررات الدعوة لعقد مؤتمر قومى للسياسة الخارجية المصرية. هناك اتفاق عام، داخل مصر وخارجها، على أن السياق الدولى الذى تمارس فيه سياساتنا وعلاقاتنا الدولية قد تغير وفى طريقه إلى تحولات جوهرية أشد عمقا وشمولا. هناك أيضا اتفاق عام بين المتخصصين فى الشئون الإقليمية بأن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات أساسية فى السياق الإقليمى، بينما لم تشهد سياستنا الخارجية التغيرات التى تتناسب وهذا التغيير فى الإقليم.

كذلك صار واضحا أن دولا عظمى ومتوسطة عديدة أقدمت خلال السنوات الأخيرة على تغيير «أنماط» سياساتها الخارجية. جرى بعض التغيير فى هذه السياسات بعد التوصل إلى «قناعات قومية» فى تلك الدول بضرورة إعادة النظر فى المسلمات والثوابت التى قامت عليها سياساتها الخارجية لعقود عديدة، حدث هذا فى أمريكا وحدث فى الصين ويحدث فى روسيا والهند والبرازيل وكوبا وتركيا وأوكرانيا. أؤكد هنا أن فى معظم هذه النماذج امتدت يد التغيير إلى بعض الثوابت القومية.

أذكّر كذلك بثورة نشبت فى مصر ودول عربية أخرى. أخطأ حكام عرب حين تعاملوا مع هذه الثورة على أنها محصلة مؤامرات خارجية أو نتيجة تقصير إدارى وأمنى أو ثمرة مجموعة مصادفات عابرة. اخطأوا حين تصرفوا، وبعضهم لايزال يتصرف، بنية العودة إلى ما كانت عليه الأحوال قبل نشوب هذه الثورات ونية التأكد من تفادى أوجه القصور والفلتان. اخطأوا ويخطئ من استمر يعمل فى ظل هذا الاقتناع.

هناك ثورة غيرت ومازالت تغير. ودليلى القاطع هو هذه التجاذبات والتغيرات فى بعض تفاصيل السياسة الخارجية فى جميع الدول العربية بدون استثناء، تلك التى قامت فيها ثورة، وتلك التى تحاول تأجيلها. يكفى نموذجا على هذه الحالة المتقلبة فى السياسات الخارجية الإقليمية الوضع فى مجلس التعاون الخليجى خلال السنوات الأربع الأخيرة، وبشكل خاص الجهود المكثفة، المتضاربة أحيانا، لإصلاح أعطاب شديدة أصابت الصورة الإقليمية والدولية لهذه المجموعة العربية، وانعكاسات هذه الصورة على صورة النظام الإقليمى وجامعة الدول العربية. وفيما يخصنا فنحن نعرف جيدا فى القاهرة عمق التأثير الذى حدث فى مصر ويحدث فى سياستها الخارجية كنتيجة مباشرة لتطورات الوضع فى مجلس التعاون.

•••

إن استمرار الثورة، أو على الأقل استمرار أجواء التغيير السياسى الإقليمى عامة والداخلى فى مصر خاصة، يتيح فرصة للتفكير المرتب، ولكن العميق، حول ضرورة العودة لاكتشاف قواعد ومبادئ جديدة لسياسة خارجية مصرية تتناسب، وقياس حجم التحولات الواقعة فعلا فى العالم والمنطقة وفى مصر. مهم جدا أن نستعد بالخيال ولكن أيضا بواقعية متزنة لتحولات أشمل وأعمق فى كل نواحى حياتنا. لدينا فرصة لا تعوض، فالإنسان المصرى جاهز لتحمل تكلفة التغيير ومتحمس له ومستعد لدعمه، وبخاصة إذا اقتنع بجدية النوايا وتوفر الإرادة. مرة أخرى أعود لأؤكد أن الفرصة تبدو سانحة لأن أغلب الظروف تضغط وبشدة من أجل التغيير، ولأن لا أحد ينتظر أن يتحقق إصلاح باستخدام أساليب مبارك وفلسفته عن الاستقرار السياسى.

•••

المثال البارز على ضرورات التغيير هو الحديث المتكرر، نظاما بعد نظام وقيادة بعد قيادة، عن دور مصر. صار دور مصر يتخذ طابعا فولكلوريا من فرط استسهال تناوله والتشدق به عن فهم حينا وعن جهل فى معظم الأحيان ومن فرط التعامل به ومعه إعلاميا وسياسيا بطريقة هزلية وديماجوجية.

كنا نعرف فى أعماقنا وفى خطاباتنا وسلوكياتنا أن هناك انحدارا فى مكانتنا الإقليمية والدولية وانحسارا فى مواقعنا الخارجية. بعضنا كان يسأل نفسه، ومن حوله، عن طبيعة ونوع هذا الانحدار. كان الانحدار حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها، ولا يجب إنكارها الآن إن شئنا التغيير نحو الأحسن. يجب علينا أن نميز بين انحدار دولة وانحدار نفوذ هذه الدولة. كنت دائما، ومازلت، اعتبر أن النفوذ المصرى انحدر قبل أن تنحدر الدولة المصرية. انحدرت الممارسات والأخلاقيات والوعى بأهمية دور مصر قبل أن تنحدر امكانات الدولة وقدراتها الملموسة وأرصدة سياستها الخارجية.

•••

تعلمت على مر العقود، أكاديميا ودبلوماسيا، أنه لا يوجد نفوذ خارجى قوى ومؤثر لدولة لا تحمل سياستها الخارجية رسالة إلى العالم، أو على الأقل للإقليم الذى تنتمى إليه. كوبا حافظت لعقود عديدة على جودة وأناقة رسالتها إلى شعوب أمريكا اللاتينية وأفريقيا وها هى تجنى ثمارها. إيران منذ أزمنة صاغت رسائل إقليمية عديدة، وها هى تسعى لتطوير رسالة توجهها للعالم، قد لا تحظى برضاء من دول فى الإقليم وخارجه ولكنها تبقى مؤثرة وفاعلة. تركيا، حاولت، منذ أوائل القرن الحالى صياغة رسالة إلى شعوب وحكومات الشرق الأوسط، ولكنها لم تحسن صياغتها أو لعلها أخطأت فى العنوان وفى التوقيت فتعطلت أو على الأقل تأجلت. ولأمريكا رسالة نعرفها ولروسيا رسالة يعاد بعثها. ها هى الهند تنشغل بصياغة رسالة تليق بحضارتها وتراثها ونهضتها الحديثة. أتصور وبأمل متقد أن المؤتمر الذى نقترح عقده سيكون مكلفا بصقل رسالة مصرية كنا نتباهى بها أمام أمم كثيرة، ويحق لنا بعد صقلها تطويرها وبثها فى نفوس المصريين وعقولهم ثم فى الإقليم، ومن الإقليم إلى العالم الخارجى.

•••

أفكار على هذه الدرجة من الطموح والتطلعات المستقبلية، وقائمة على تصورات وسيناريوهات أكاديمية وتجارب فعلية فى دول تزداد عددا، هى أفكار تحتاج إلى مؤتمر بتركيبة خاصة وأهداف مختلفة عن أهداف المؤتمرات التليفزيونية الشائعة. أنا، وكثيرون أيدونى، أطمع فى مؤتمر يشارك فيه مئات، لا أمانع فى أن يكونوا ألفا أو ألفين، ولكنى أرفض بالتأكيد أن يكون على شاكلة مؤتمرات العشرة أشخاص أو العشرين أو حتى الخمسين. هؤلاء العشرة أو الخمسين لن يمثلوا تمثيلا صادقا وحقيقيا مصالح مصر القومية التى يسعى المؤتمر، لأول مرة فى تاريخ مصر، إلى وضع تعريف واضح وواقعى لها. لن يمثلوا المصالح الزراعية والتجارية وقطاع الأعمال والنقابات العمالية والمهنية. لن يمثلوا الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدنى وبخاصة المجموعات الحقوقية والمدافعة عن الحريات والعدالة.

أتصور فى المؤتمر لجانا بالعشرات متخصصة فى تخصصات دقيقة ولكن لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالسياسة الخارجية. أتصور مشاركة من كافة الأعمار والهويات، ومشاركة من المهاجرين المصريين ومن علمائنا وباحثينا ودارسينا فى الخارج. أتصور لجانا تجمع العقول المصرية الرائعة التى تعمل فى المؤسسات الدولية والشركات عابرة الجنسية. أتصور لجانا تمثل مؤسسات مصر المحلية ومحافظاتها الإقليمية. أنتظر بشكل خاص لأرى، مشاركة فعالة من مواقع سلك القضاء ومن المراكز الأكاديمية والمتخصصة فى القوات المسلحة المصرية، ومن مبعوثيها فى الخارج، ومن قطاعات التحليل الاستخباراتى. أتوقع بالتأكيد بل وأتطلع إلى مشاركة قوية من ممثلى أجهزة الأمن الداخلى.

•••

لن يكون من مهام هذا المؤتمر اقتراح سياسات معينة أو تقييم سياسات قائمة أو ماضية. لن نريد بحثا فى علاقتنا بإيران أو بالسعودية أو بأمريكا، فلدينا من هذه البحوث العشرات. لن تكون السياسات من اختصاص مؤتمر مهمته الأساسية إعادة النظر فى «الثوابت والمسلمات والمبادئ والقواعد».لا نريد أن نناقش فى أمر الماضى ونحكم عليه. لكننا نريد وبالتأكيد مناقشة أمر المستقبل عندنا وعند غيرنا. وفى الوقت نفسه نناقش ونقرر فى أمر أحوال مصر وحقيقة امكاناتها وقواها الصلبة والناعمة على حد سواء. فليحاول المؤتمر حصر وتقييم القوى الناعمة المصرية التى يمكن الاعتماد عليها لسنوات قادمة، وليحاول فى الوقت نفسه تطوير قوى ناعمة جديدة.

نسعى لعقد مؤتمر يناقش بكل الصراحة والشجاعة مسألة «الدور». فلنسأل أنفسنا إن كان الإقليم العربى، أو الشرق أوسطى، فى حاجة إلى مصر بعد عشرين أو ثلاثين عاما؟ وكيف نجعله فى حاجة إلى مصر إن بدا لنا أنه لن يكون فى حاجة إليها؟ وهل يمكن لمصر أن تعيش فى سعادة وبحبوحة إذا لم يكن لها دور؟ هل حقيقة أن الدور الخارجى قدر محتوم؟ أم أنه دور يرسمه أصحابه والمستفيدون من وجوده ويتعهدون، إن أفلح، بتنميته وحمايته؟

•••

سهل جدا أن أدعو إلى عقد مؤتمر يضم خيرة أعضاء نخبة السياسة الخارجية المصرية، عشرة أو عشرين من الأكاديميين والدبلوماسيين القدامى وخبراء الاستراتيجية العسكرية الاستخباراتية، ليضعوا ورقة أو أوراقا فى السياسة الخارجية، أؤكد وأعلم عن خبرة وثقة، أن كثيرا من هذه الأوراق ستكون ذات فائدة فى تحليل وتطوير بعض السياسات الخارجية «القائمة» وبمعنى أدق الساكنة، مثل علاقتنا بإيران وأفريقيا والاتحاد الأوروبى والصين. ستكون قيمتها التحليلية، وفى الغالب الوصفية، كبيرة ولكن تبقى فى حيز القائم. تبقى قاصرة عن إصدار الحكم الأشمل، فى مدى ملاءمة «عمارة» السياسة الخارجية المصرية للبيئة العالمية والإقليمية بعد عشرة أو عشرين عاما، خاصة ونحن نعلم علم اليقين أن دولا عديدة تعيد الآن تقييم ثوابتها ومسلماتها بل وايديولوجياتها، وتعيد تعريف مصالحها القومية وأدوارها ومسئولياتها الخارجية، استعدادا لنظام دولى جديد ومنظومة تفاعلات دولية مختلفة عن كل ما عرفناه وعهدناه.

المصدر: الشروق، 22 يناير 2015:

 

أقامت كلية الآداب بجامعة عين شمس احتفالا لتأبين الكاتبة الكبيرة رضوى عاشور بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاتها، حضرها العديد من كبار الشخصيات العامة، منهم المهندس إبراهيم المعلم رئيس مجلس إدارة جريدة «الشروق»، وبهاء جاهين ورئيس الجامعة د. حسين عيسى وكبار أساتذة الجامعة.

وألقى الشاعر والأديب الفلسطينى الكبير مريد البرغوثى زوج الراحلة كلمة جاء فيها:

افتحوا الأبواب لتدخل السيدة

من ينشغل بحزنه على فقد المحبوب ينشغل عن المحبوب. الآن أطلب من حزنى أن يتجه إلى أقرب بوابة ويغادر هادئا كما أشاء أو هادرا كما يشاء لكن دون أن يلفت الأنظار. لا يعجبنى جوعه ولا تلكؤه، أكاد أكرهه تحديدا لهذا السبب، كأنه حزن لا يثق بنفسه وكأنه إن اكتفى اختفى، وكأننا لم نشاركه مقعده ومخدته ومنديله وملمس حذائه على زجاج ساعاتنا.

لست أنت المهم اليوم ولا أنا أيها الحزن، أنا منشغل بها لا بك أنت. بسعيها العسير للنصر فى مواجهات زمانها، واجهت السرطان خمسة وثلاثين عاما ومحدوثوها لا يرون فى حديقة لقائها إلا أشجار السرور وفاكهة السماح والرضا. واجهت السائد المتفق عليه والطاغية المسكوت عنه وواجهت، حتى الرمق الأغلى، ركاكة الناطقين باسمنا، وركاكة الضوء المشترى وركاكة الكلام وطقوس الهوانم. هى التى جعلت لقلبها يدا منصفة تصافح الأضعف وتصفع جملة الطاغية وشبه جملته، يدا تسهر الليالى لتصحح الواقع والامتحان.

هى التى جعلت هشاشتها اسما آخر للصلابة. هى التى علمت الديكتاتور كيف ترفض انتباهه المشبوه لقيمتها، وفى سلة مهملات واسعة قرب حذائها الصغير (نمرته خمس وثلاثون) ترمى المناصب السمينة المعروضة والألقاب الرفيعة المقترحة ودعوات الحظيرة/ القصر التى يهرول إليها سواها، مكتفية بفرح القارئ ببرق السطور من يدها وفرح الطالب ببرق المعرفة من عينيها، هى الأستاذة صوتها ينادى أصوات طلابها لا آذانهم، لأن صوتها يُسمع ويَسمع. ولأنها لم تسع إلى أى ضوء، غدت بذاتها ضوءا فى عتمة البلاد، وضوءا بين أغلفة الكتب وضوءا من أضواء اللغة العربية التى هى البطل الدائم والأول فى رواياتها.

أخرج من أقرب بوابة يائسة أيها لحزن، ودعنى أستبدل بك ابتسامتها التى تذهب حزن الرائى، فابتسامتها رأى. وموضع خطوتها رأى. وعناد قلبها رأى. وعزلتها عن ثقافة السوق رأى، ودائما جعلت رأيها معروفا موقعا بإمضائها رغم زوار الفجر وفجور طاغية يروح وطاغية يجىء. رضوى جمال رأيها ورأيها جمالها. فالمظلوم يخسر إن لم يكن فى جوهره أجمل من الظالم. وهى لم تخسر جمالها حتى وهم يؤذونها بقبحهم ولم تخسر جمالها حتى وهى على مخدتها الأخيرة.

سيدة قليلة الجسد يتعبك تتبع خطاها، تهدم السور الفاصل بين الجامعة وعموم الناس، تظنها على مرتفعها الأكاديمى فتراها على أسفلت الميدان ذائبة فى تدافع التحرير العظيم والكدمات التى توجعها توجع الطاغية قبلها، تظنها فى همس القصيدة وهدأة الإيقاع، فتراها فى صرخة التاريخ الخارج توا من يد القابلة وأرحام الشوارع. وتظنها فى شوارع وسط البلد فتلقاها فى غيوم غرناطة وتظنها تجلس مع أبى جعفر تجلّد الكتب بخطوط الذهب، أو تدبر الحيل المذهلة مع مريمة، فتلقاها تأخذ بيدك إلى شاطئ الطنطورة وتقول لك ضع قلبك هنا، ودعه هنا، وارسم غدك من هنا، كى تعود إلى هنا، إلى الساحل الأول. لم يأخذها اليأس إلى وضوحه المغرى، لأنها تعلم أن الثورة لا تنتصر إلا بعد أن تستكمل كل أشكال الخيبة. ولم تمنحنا أملا كاذبا، بل دعت نفسها ودعتنا للتحمل. وتحملت. وعلى عصا المجاز وعصا خشب البلوط، واصلت السير فى طريقها الطويل، تختصره بالرفقة. والرفقة جيل أحبها وأحبته، جيل قادم بصباياه وشبابه (الحلوين كما تصفهم دئما) يصعد جبل السؤال والمساءلة، والبحث عن الحقيقة تحت كومة القش الرسمى، جبل الفضول العظيم الذى وحده يزيد العيون اتساعا والعمود الفقرى استقامة. جيل يرى أن الثوابت ما خلقت إلا لكى نرجها رجا ونهتك مها ما يستحق الهتك، حتى نعرف الفرق العظيم والقاسى بين الوراء والأمام.

تنشق فى أول العمر عن ثوابت الجدود والنص، والتعاليم. تمزق العباءة الموحدة المقترحة لكل أجسادنا لأنها تحترم الجسد لا العباءة، تنقد بدراساتها المدهشة كتب الإبداع وبإبداعها المدهش تنقد العالم، وتصعد. أتركوا الأبواب مفتوحة، ليخرج الحزن. ولتدخل السيدة. وقع خطاها خفيف وأكيد على هذا الدرج. إننى أسمعه يقترب. رضوى عاشور جزء مما سيصنعه هذا الجيل فى أيامه الآتية وهو جزء مما صنعته فى أيامه الماضية.

أثقل من رضوى ما تركتنا له وما تركته لنا.

رضوى عاشور تركتنا بعدها لا لنبكى بل لننتصر.

تركتكم بعدها لا لتبكوا بل لتنتصروا.

المصدر: جريدة الشروق المصرية، 13 يناير 2015

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطيةوإنما عن رأي أصحابها

صدر كتاب  جديد عن دار الأمة العربية للطباعة والنشر - مصر -  تحت عنوان "العقلية السياسية العربية المعاصرة من خلاف الوحدة إلى وحدة طبيعة الإختلاف" – بحث في مجال حركة القوى الإجتماعية العربية الراهنة من خلال العلاقة بين التجزئة والنفط – لمؤلفه الأستاذ يوسف بن خليفة الكواري.

يبحث هذا الكتاب بشكلٍ عام في العقلية العربية المعاصرة  كظاهرة ثقافية. ويركز بشكلٍ خاص على مستوى التصور السياسي بداخلها كحركة اجتماعية . ينظر هذا الموضوع إلى هذه العقلية كظاهرة وكحركة معاً ويتناولها بالتاليكعملية إجتماعية واحدة بإعتبارها  ناتج التفاعل بين الفرد والمحيط .

ومن خلال البحث وبعد أن حُدِدَتُ الظواهر منهجياً حسب طبيعة مجالها، توصل الكتاب إلى مجموعة من التفسيرات الاجتماعية الجديدة لعدد من القضايا
المصيرية والمُلِحة .  وهي تفسيرات غير متداولة حتى الآن على الساحة الفكرية العربية الراهنة ومن هذه التفسيرات مايلي :-

     1- تفسير الكتاب لظاهرة الإرهاب التكفيري المعاصرمن خلال حالة
الأنومي "Anomie"  كحالة لا معيارية وهي الحالة التي تتفكك فيها المعايير
العامة في المجتمع ويفشل الأفراد بالتالي في  رسم وضبط توقعاتهم عن بعضهم
البعض.


    2- تفسير الكتاب للخطاب الديني المعاصر من خلال التداخل لديه ، بين
الذات وبين الموضوع .


    3- تفسير الكتاب لظاهرة للإسلام السياسي المعبر عن الخطاب الديني
والذي لا يوظف الدين لصالح المجتمع وإنما يوظف فهمه السياسي حول الدين
كنظام ، لفهم المجتمع كبناء .


   4- تفسير الكتاب لظاهرة نمط إنتاج الغزو ، وهو نمطٌ تاريخي ومعاصرفي
نفسى الوقت  ، متطوراً في سماته الجديدة كنمط وكمركب ثقافي من أحشاء
الوجدان البدوي العربي التاريخي . ففي حالتنا العربية الراهنة المدروسة
هنا كظاهرة ثقافية لا يوجه الغزو فيها إلى الخارج وإنما يوجه إلى الداخل
، داخل المضارب داخل الحي والحمى – سوريا وليبيا كمثال -  غزونا المعاصر
غزو مُعِيّبْ غزوٌ يغزو فيه الراعي رعيته ، ويغزو فيه المدير إدارته ،
غزو يغزو فيه الموظف وظيفته ويغزو فيه المواطن وطنه وأمته . غزو يغزو فيه
الفرد مجتمعه ودولته وحتى أهله وعشيرته وياعيباة ويا للعارالشنيع  .


5-  تفسير الكتاب لحالة الإجترار التاريخي ، المتمثل كظاهرة عامة في
الحرية التسيبية التي تجمع تحليلياً كسلوك معاصر ومباشر بين خبرة
الأعرابي في حالتنا العربية التاريخية ، وبين خبرة الليبرالي العربي
المعاصر في حالتنا العربية الراهنة  . وهي الظاهرة الجديدة التي دعاها
الكتاب هنا ب " لليبرا- أعرابية " كما يمكن تسميتها  أيضاً ب " الأعراب
-رالية " . وهي خبرة يمكن رؤيتها من خلال المعارضات العربية المرتهنة
للخارج والمتربعة في حضن الأجنبي بهدف الإستقواء به على الداخل . كما
تجلت لنا هذه الخبرة أيضاً كخبرة أعرابية في إتفاقيات أوسلو ومدريد ، وقد
ساعدت كثيراً هذه الخبرة على تشكل حالة الأنومي "Anomie" وتفكك
المعاييرالعامة في المجتمع والتي قادت بدورها نتيجة لليأس إلى الحالة
التكفيرية السائدة اليوم . حيث زاد النَحّْرُ وسَادَ التَناحُرُ
وكَثُرَالإِنْتِحارُ . وأخذ المعترضون يقصرون المسافات النفسية عن طريق
الهروب إلى الخلف - هات من الآخر -  ينظرون بتفاؤل منقطع النظير، تفاؤل
مقرون بالتماسك والإتزان العجيب ، ينظرون إلى الوراء بحثاً عن الخلاص في
الآخرة الموعودة ، بدل التفتيش عن هذا الخلاص  في حاضرالدنيا ومستقبلها ،
بإعتبارحاضرالدنيا الآن  بالنسبة لهم حاضراً لا مستقبل له ، حاضراً قد
تبعثرت قِيَّمِهِ و ضاعت معاييره ، وعليه لا داعي للإنتظار حتى يقضي الله
أمراُ كان مفعولا .


   6- تتبع الكتاب للكثير من التصرفات السياسية التي تحاول في حالتنا
العربية - كتنفيس حضاري - إيجاد مبررات منطقية رشيدة لسلوكيات غير رشيدة
، كالدعوة إلى توظيف الأموال بطريقة شرعية ، دون التأكد أولاً من الأصل
والأساس الشرعي لهذه الأموال ، وكأن ذبح الخنزير بطريق شرعية يبرر أكل
لحمه.


   7-  فيما يخص العلاقة بين التجزئة والنفط وضع الكتاب تفسيراً للحالة
الإجتماعية التي تَسْتَحّْوِذُ فيها المِلّْكِيَةُ الفردية على الموارد
الطبيعية العامة للمجتمع كالنفط و الغاز مثلاً : وهي حالة مرتبطة بنمط
الإنتاج الأوليغاركي المالي  . وهو نمط يقوم على أساس ملكية الطبقات
المهيمنة لبعض المواد الأولية  .وفي هذا النمط تسيطر عادةً علاقات
التوزيع على علاقات الإنتاج  ويتم الإعتماد على المستوى السياسي لتحصيل
الربح . كربح صافي مستقطع من بيع المواد الأولية للخارج - حيث يسيطرالمال
السياسي على مفاصل الحياة الإجتاعية  ويتحكم بها . عندها تؤلف الملكية
الفردية الخاصة لوسائل الإنتاج ، تؤلف القاعدة الأساسية للبناء الإجتماعي
وتَكُونُ لقوة الدراهم في مثل هذه الحالة اليد الطولى في توجيه حركة
المجتمع . وتصبح على اثرها ، تصبح الخصائص العامة والفردية للحياة
الإجتماعية خصائص غامضة متضادة ومتناقضة . فالدراهم عادةً ما تُحَوِلُ
الإخلاص إلى خيانة ، والحب إلى كراهية ، والكراهية إلى محبة ، والفضيلة
إلى رذيلة ، والرذية إلى فضيلة ، والعبد إلى سيد ، والسيد إلى عبد ،
والغبي إلى ذكي ، والذكي إلى غبي .

 ويمكن الإطلاع الأَوَلِيّْ على هذا الكتاب من خلال الموقعين التاليين: 
    www.firstbook.net/author/alkuwariy
www.first-book.net/profile/alkuwariy -

موقع الجماعة العربية للديمقراطية غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية

كم هي مريرة صورة المقارنة بين الإنسان المواطن في وطن ديمقراطي وبين الرّعي المطحون بذُلَّ الاستبداد والاستعباد في الدول العربية الشمولية ؛ فالإنسان العربي في ظل أنظمته الاستبدادية يعيش مطاردا في أصقاع الأرض وملاحقا في أقاصي الكون؛ ليس لا إلا لأنه أجرم في قول كلمة حق، أو في الإعلان عن رأي، أو في وقع في اتهام بعدائه المبطن للنظام. وكم هي مؤلمة المقارنة بين حكومات ديمقراطية تقوم بالدفاع عن مواطنيها واحترامهم والاحتفاء بهم وبين حكوماتنا العربية المنهمكة بإذلال رعايها واستلابهم ومطاردتهم.

لقد عملت أنظمة الاستبداد في بلداننا بكل ما أوتيت من قوة إلى تحويل المواطنين إلى رعايا وعبيد، إلى أفراد يدينون بالولاء الأعمى لنظام الفساد والقهر والاستبداد. والمواطنة في منظور النظام السياسي المستبد لا تعدو أن تكون ولاء المحكوم للحاكم ورضوخ المواطن لإرادة النظام الحاكم، حيث يشكل الخضوع المطلق للحاكم المستبد مبتدأ المواطنة والإذلال خبرها ومنتهاها.

وذلك هو حال الأنظمة التربوية في البلدان الاستبدادية التي تدجن البشر على مفاهيم العبودية ، وتلقنهم أساليب الخضوع والمذلة، وتدفعهم إلى تقديس رموز النظام، وتدفعهم إلى تأليه الحاكم الصائر صنما للعبادة. هذه الأنظمة علمتنا، وما زالت تعلم أطفالنا، بأن كرامة المواطن تكون قبل كل شيء في الخضوع للحاكم، وفي تمجيد نظامه وتقديس رموزه!

هذه التربية المأساوية أصبحت اليوم تربية بائدة ومرفوضة، في أنظمة أكل الدهر عليها وشرب، وقد حان الوقت لتربية جديدة، تنظف عقل الإنسان العربي من أوهام التسلط في نظام الاستبداد. لقد آن الأوان وحان الحين من أجل تربية جديدة تؤصل لرؤية جديدة للوطن والمواطن والعلاقة بين الوطن والمواطن بوصفها علاقة إنسانية تسمو على كل أشكال القهر والمعاناة والاستلاب في أنظمتنا السياسية العربية.

ولا مندوحة لنا في البداية من القول بأن التربية على المواطنة قد أصبحت ضرورة حضارية لازبة في بناء المجتمعات الديمقراطية، وفي المحافظة على التقاليد الديمقراطية في المجتمعات الحرة. ولم يعد ممكنا الحديث عن تحولات ديمقراطية حقيقية في أي مجتمع ما لم يترافق ذلك بالحديث عن تربية ديمقراطية. فالديمقراطية لا تتحرك في الفراغ بل هي حقيقة تربوية تفرض نفسها في مختلف جوانب الحياة الديمقراطية في المجتمعات الحديثة. فالحديث عن مجتمع ديمقراطي هو نوع من الهرطقة الفكرية إذا لم يقترن ذلك بإنسان ديمقراطي. إذ لا يمكن لنا أن نتحدث عن ديمقراطية من غير ديمقراطيين. وهذا يعني أن الإنسان الديمقراطي هو الركن الأساسي في تكوين المجتمعات الديمقراطية. ومن غير الإنسان الديمقراطي فإن الحديث عن الديمقراطية هراء وهرطقة وعبث فكري.

إن التربية على المواطنة تعني بناء الإنسان الحر الديمقراطي الذي يمتلك القدرة على المشاركة في الحياة السياسية مشاركة فاعلة وحيوية. وبالتالي فإن هذا الإنسان لا يولد في المصادفات التاريخية العابرة ولا يوجد في فراغ اجتماعي، بل هو الإنسان الذي يتوجب على التربية أن تقوم بإعداده وتحضيره إنسانيا، للمشاركة الحرة في صنع المصير الاجتماعي للمجتمع الذي ينتمي إليه. وإننا لعلى يقين بأنه من غير التربية الديمقراطية والتربية على المواطنة يتحول المواطنون إلى رعايا وأفراد ورعاع لا يمتلكون مصيرهم السياسي وغير قادرين على المشاركة في الحياة الاجتماعية أو في الشأن العام.

وإنه لمن الواجب علينا، في هذا المقام، أن نقول بأن الأنظمة الديكتاتورية رهّبت، وما زالت ترهّب، كل ما يمت بصلة إلى مفاهيم: المواطنة، والتربية الديمقراطية، والتربية على المواطنة، والتربية المدنية. وهي تصنف هذه المفاهيم في دائرة المفاهيم الحمراء وتعلن عليها حربا ضروسا لتنسف كل ما تنطوي عليه من تصورات وقيم ديمقراطية.

وفي أغلب البلدان العربية المعاصرة ما زال مفهوم المواطنة ومفهوم التربية على المواطنة من المفاهيم المحظورة نسبيا المغيبة في الوعي واللاوعي عند الإنسان العربي. وما زال الإنسان العربي اليوم في أغلب المجتمعات العربية يعيش وضعية الرعية لا وضعية المواطن. فنحن رعايا لا مواطنون من وجهة نظر الأنظمة السياسية التي تحكم مجتمعاتنا وبلداننا. نعم هناك مواطنون في مجتمعاتنا ولكن أغلبهم في السجون، أو هاربون من وجه العدالة، خارج الوطن بعيدا عن متناول الأنظمة الحاكمة التي تمنع على رعاياها حلم المواطنة والطموح إليها.

يعيش الإنسان العربي المعاصر على الأغلب في أنظمة سياسية غير ديمقراطية، وهذه الوضعية السياسية والاجتماعية تخلع عن الفرد صفة المواطن، لأن المواطن لا مكان له في نظام استبدادي يرفض الديمقراطية منهجا وأسلوبا في الحياة. فالمواطنة تعني الممارسة الحرة للمواطن في شؤون الحياة العامة، وفق أنظمة حرة، يحددها القانون، وترسمها الأعراف الديمقراطية في مجتمع محدد.

في البلدان الديمقراطية يتوجب على المواطن أن يشارك مباشرة في اتخاذ القرارات التي تلامس حياته أو الجماعة التي ينتمي إليها. والمواطن بالمفهوم الحديث للمواطنة كائن منفعل وفاعل في مجرى الحياة السياسية والإدارية والثقافية والاقتصادية، وحاضر إزاء مختلف التحديات والمشكلات التي يواجهها المجتمع. وهذه الصورة الحيوية للمواطن الحر، تتطلب من المواطن أن يمتلك وعيا يناسب المسؤوليات الكبيرة التي يقتضيها مفهوم المواطنة. وتأسيسا على ذلك يتوجب عليه أن يدرك القيم الأخلاقية والديمقراطية الأساسية للحياة في المجتمع الذي ينتسب إليه وأن يمارس خياراته الأساسية في ضوء هذه القيم الديمقراطية. والمواطن في اتخاذه لخياراته يجب ألا يتأثر بالضغوط والإكراهات الخارجية مهما يكن نوعها, بل يجب عليه أن يشعر بالحرية والاستقلال وأن يفكر ويمارس دوره في ظل هذه المشاعر الإنسانية الحرة.

فالممارسة في جوهرها تعبير عن عقلية راسخة في التكوين الشعوري واللاشعوري للإنسان. وهذه العقلية لا يتم تكوينها بين عشية وضحاها بل تحتاج إلى نظام تربوي ديمقراطي فعال يؤسس لهذه العقلية - عقلية المواطن الحرّ- منذ مرحلة الطفولة حتى مرحلة الشباب. وقد أصبح خيار التربية الديمقراطية للمواطنة الحرة خيارا استراتيجيا في مختلف المجتمعات المتقدمة، لأن الديمقراطية هي الإطار الحيوي الذي يضمن ممارسة حقوق الإنسان والشرط الأساسي لبناء سلام يتصف بالديمومة والاستمرار.

في الأنظمة الديمقراطية يمتلك الشعب، عبر حكومة منتخبة، مصيره السياسي والحضاري بمعنى حكم الشعب لنفسه بنفسه ([1]). في مثل هذا المجتمع فإن جميع المنتخبين والمرشحين يتحدرون من أرومة المواطنة وكل منهم منتخبا ومرشحا يأخذ دوره الحر المسؤول في عملية المشاركة السياسية، وهذا يؤسس للحرية بوصفها المبدأ الجوهري الذي ينطلق منه الناخب والمنتخب. وفي هذه الدائرة تتجلى أهمية الوعي السياسي لأن المسؤولية، أي مسؤولية المواطنة، تقتضي وعيا متقدما للمواطن بالقضايا السياسية والمشكلات والتحديات التي تواجه المجتمع الذي ينتسب إليه. ومن غير هذا الوعي السياسي تصبح ممارسة المواطنة ممارسة خطرة في الحياة السياسية للمجتمع([2]).

ومما لاشك فيه أن المشكلات التي تواجهها المجتمعات الإنسانية أصبحت في غاية التعقيد، وهي تحتاج اليوم، من أجل فهمها وإدراكها، إلى الخبراء والتقنيين والمفكرين في مختلف قطاعات الحياة الاجتماعية. وفي اتجاه هذا التعقيد الكبير تفرض التربية نفسها ضرورة تاريخية وحضارية في الآن الواحد. فالتربية هي التي تستطيع أن تمكّن كل مواطن من اتخاذ القرارات الصائبة في عالم يتسم بالصعوبة والتعقيد. وفي هذا السياق يمكن القول أن التربية تستطيع، ويجب عليها أيضا، أن تنمي عند المواطن وعيا نقديا يجعله أكثر قدرة على الفهم والمعالجة والتفكير واتخاذ القرار بناء على نسق من التصورات النقدية الحرة.

رمزية التربية على الاستبداد ازدهرت التربية العربية على الاستبداد السياسي مع الاستقلال الوطني وهيمنة النخب العسكرية على السلطة في كثير البلدان العربية وغيرها من البلدان العربية. وتمخضت سلطة النخب العسكرية في صورة ديكتاتوريات ستالينية الطبع نازية التوجه، ومن ثم اتخذت كل نخبة عسكرية حاكمة طاغية لها يحكم شعبه بالحديد والنار.

وقد أدرك الطغاة في الوطن العربي أن الطاغية القوي لا يبقى قويا إلى الأبد ما لم يحول سلطته إلى حق وطاعته إلى واجب كما يقول جان جاك روسو، ومن هذا المنطلق ولدت الحاجة إلى تكوين أيديولوجيا استبدادية جديدة اعتمدت الرموز والتابو وفلسفة المقدس في فرض هيمنة الطاغية وإكسابه المشروعية السياسية المطلوبة. وقد برهنت الأيام على فعالية كبيرة لهذه الأيديولوجيا وقدرتها على تطويع الشعب وإكراهه على الخضوع المستمر لإرادة الطغيان والاستبداد السياسي.

ولم تقف الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي عند حدود ممارسة القوة الأمنية بل رسخت استبدادا أيديولوجيا وفكريا وثقافيا من أجل ترسيخ قوى الإكراه والاستبداد في شخص الطاغية. فجمعت بين قوة مادية طاغية وقوة رمزية ثقافية في ممارسة الهيمنة والتسلط السياسي بلا حدود أو قيود.

اعتمد الطغاة العرب منذ البداية نسقا من التصورات الأيديولوجية الطبقية القومية والوطنية لتكريس مشروعيتهم السياسية مثل الدفاع عن الأمة والوطن ومصالح الطبقات الكادحة، وتحقيق الوحدة الوطنية، ودرء المخاطر عن الأمة، ومقاومة الاستعمار، ومقارعة التآمر الخارجي، وهي القضايا التي تأخذ وقعا سياسيا وأخلاقيا في نفوس الجماهير، وشكلت هذه التصورات الأيديولوجية الركائز الأساسية للطغيان والاستبداد السياسي في العالم العربي، كما شكلت منطلق الممارسات التسلطية القائمة على قهر الشعوب واستلابها.

يبدأ الاستبداد السياسي بإنشاء نسق تربوي من الرموز المجردة التي تمارس وظيفة الهيمنة السيكولوجية الرمزية على المقهورين. فمن أجل المحافظة على قوة التأثير السياسي في نفوس الجماهير العربية عمل الطغاة العرب على صوغ شعارات سياسية وإيديولوجية يدور قسم كبير منها حول شخص الطاغية مثل: القائد الرمز، القائد الخالد، القائد الأبدي، القائد المجد ظل الله في الأرض. وتأخذ هذه الشعارات صورة شعارات وطنية وقومية مثل: شعارات الوحدة العربية، شعارات التقدم، شعارات نضال الطبقات العاملة، شعارات العدالة، شعارات الحرية، شعارات الديمقراطية، شعارات ضد الصهيونية، شعارات المعركة من أجل المصير، وشكلت هذه الشعارات طاقة فكرية وسيكولوجية هائلة وظفت في خداع الجماهير العربية وإخضاعها واستلابها لإرادة الطغاة وهيمنتهم. وهذه الشعارات تأخذ طابع رموز سياسية تمارس دورا نفسيا وسيكولوجيا قادر على تجنيد الشعب وإخضاع أفراد لإرادة السلطة تحت ضغط نفسي وأخلاقي ووطني تصعب مقاومته.

تأخذ الشكل الثاني للرموز في عملية تمجيد الطاغية صورة صناعة بارعة من الأشكال والصور والتماثيل التي ترمز إلى القائد ومثالها: صور الزعيم التي تنتشر في كل مكان: في المكاتب الرسمية، في المنازل، على الجدران، في المظاهرات، حتى أصبحت الصورة جزءاً أساسيا في أي مشهد من مشاهد الحياة العامة والسياسية والفنية في دوائر الدولة جميعها، وهذا يشمل حتى المشاهد التمثيلية التي تتجلى في الدراما والكوميديا والأعمال الفنية والشعرية. فالصورة صورة الطاغية التي تتجلى بأحجام وأشكال وصيغ متنوعة لتصبح جزءا من الحياة اليومية وهي توظف في إضفاء هالة من القداسة والتعظيم على شخص الزعيم والطاغية.

حقيقة التربية على المواطنة في البلدان العربية: في البلدان الديمقراطية المتقدمة تلعب المدرسة دورا كبيرا في بناء ثقافة المواطنة وتأصيل معانيها وتفعيل ممارستها في الوسط الذي يعيش فيه التلميذ. وتمتلك هذه البلدان اليوم تراثا تربويا هائلا في مجال إعداد المواطن وتأصيل الوعي بالمواطنة الحرة. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى التجارب التربوية المتميزة والعريقة في تاريخ التربية المدنية في أوروبا حيث بلغ الوعي بالمواطنة درجة عالية من النمو والتطور. وفي عمق هذه التجارب، يمكن الإشارة إلى التربية على المواطنة في النظام التربوي الفرنسي، حيث تشكل هذه التربية أداة حقيقية فاعلة في بناء وعي نشط وفعال بحقوق الموطنة ودورها في المجتمع الفرنسي.

ولكن مثل هذه التجربة ما زالت في بدايتها، إذا كانت هناك من بداية لها في التربية العربية المعاصرة. فمفهوم المواطنة ما زال واحدا من المفاهيم الذي يثير حفيظة المربين التقليدين وغضب السياسيين من أصحاب النزعة الاستبدادية. وقد بقي هذا المفهوم غريبا ومغتربا في نسق الحياة التربوية والسياسية في العالم العربي حتى اليوم، وشأنه شان التربية على حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية.

ففي البلدان العربية يجب علينا اليوم أن نبدأ من نقطة الصفر، لأن وضعية التربية على المواطنة مخجلة في حقيقة الأمر، ونحن على يقين بأن أغلب الفئات الاجتماعية تجهل الدلالة الموضوعية والتاريخية لهذا المفهوم. ومفهوم المواطنة عند كثير من المثقفين والنخبة الثقافية يعرف بكلمتين لا ثالث لهما هما: حب الوطن والتضحية من أجله. وحب الوطن كما تريد الأنظمة السياسية الاستبدادية القائمة يعني حب النظام وتقدسيه والتفاني في خدمته وطاعته والتضحية من أجله. ومن هنا نشأت فكرة التخوين لكل من يعارض النظام السياسي أو يخالفه، لأن الاعتراض على الممارسات القمعية للسلطة، تؤخذ على أنها خيانة للوطن والدين والعرف والتقاليد والقيم، وفقا للمعنى الذي تتبناه السلطات القمعية لمفهوم المواطنة. فمفهوم المواطنة الحقيقي يعاني من موقف سياسي وتربوي يناهضه ويعمل على تغييبه وتشويه معانيه وشأنه في ذلك شأن حقوق الإنسان والمفاهيم الديمقراطية الأخرى.

والتربية معنية اليوم في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الكون أن تؤسس لمفهوم المواطنة على صورته الإنسانية وأن تعيد بناء هذا المفهوم وصقله وتحريره من الدلالات السلطوية التي عملت على تشويهه. فأفراد المجتمع يحتاجون اليوم إلى وعي جديد يضمن لهم المشاركة الحرة والمسؤولة أيضا في الحياة السياسية لمجتمعاتهم. والتربية معنية ببناء هذا الوعي وتشكيله إذ يتوجب اليوم على التربية العربية أن تكرس نفسها من أجل بناء الوعي بالمواطنة الحرة وتأصيله في الوعي واللاشعور تأصيلا قيميا ينغرس في أعمق التشكيلات الذهنية للتكوين السيكولوجي عند الإنسان. لأن الوعي بالمواطنة الحرة أصبح اليوم يفوق كل حدود الضرورة المطلوبة في مواجهة التداعيات الكبرى التي تشهدها القيم والنظم الفكرية في عصر العولمة والحداثة المتقدمة.

فوعي المواطنة هو أرقى الصيغ المعروفة للوعي الديمقراطي وأكثرها نبلا، لأن هذا الوعي يمكن الإنسان المواطن من تجاوز ذاته واختراق كل الصيغ الأنانية للوجود، كما أنه يؤدي إلى تطوير الفكر والقدرة على الممارسة والفعل في اتجاه حماية القيم الإنسانية والديمقراطية. إنه يحمل الفرد المواطن أمانة كبيرة وعهدا على مواصلة النضال في سبيل الوطن والإنسان والقيم الحرة.

لقد بينت الدراسات الجارية حول الأنظمة التربوية العربية أن هذه الأنظمة تشهد تراجعا وتصدعا كبيرا في مختلف مستوياتها ولاسيما في مستوى الممارسة الحقوقية والديمقراطية. وهناك تغييب كبير لمختلف المعاني والمفاهيم والقيم الديمقراطية، وهذا بالطبع يشمل مفهوم المواطنة والمجتمع المدني وحقوق الإنسان وغيرها من المفاهيم الديمقراطية. وفي مجال الحياة الاجتماعية العامة نجد غيابا واضحا للوعي بحقوق المواطنة وواجبات المواطن التي تتمثل في المسؤولية والإخلاص والمشاركة وحب الوطن.

في مفهوم التربية على المواطنة: تهدف التربية على المواطنة في جوهرها إلى تحقيق استقلال المواطن وضمان حريته ومشاركته في الشأن العام كما أنها تمكّن هذا المواطن من القدرة على تحقيق خياراته الموضوعية المستقلة.

تأخذ التربية على المواطنة مستويات أربعة: التربية الأخلاقية، والتربية المدنية، والثقافة المدنية، والتربية السياسية؛ وبالتالي فإن كل جانب من هذه الجوانب الأربعة يمتلك غاياته وأهدافه المحددة. ولكن هذه الجوانب الأربعة تلتئم في غاية واحدة وهي تحقيق الحرية الداخلية للفرد أو تمكين الإنسان من تحقيق حريته الداخلية وهذا يتم بتعزيز القيم الإيجابية للوطن.

تعمل الثقافة المدنية L’instruction civique على تزويد المواطن بمعلومات عامة عن الدولة ومؤسساتها، وهذه الثقافة تمكّن المواطن مبدئيا من المشاركة في الحياة العامة للمجتمع كما تمكنه أيضا من العمل والتكيف مع الآخرين في ظل القوانين والأعراف السائدة في المجتمع المدني. وهذا الأمر يتطلب معرفة بالمؤسسات الحكومية، والتقسيمات الجغرافية والإدارية في الدولة، ومعرفة الصيغ الدستورية للبرلمان والحياة الديمقراطية، والصيغ الحكومية القائمة. ومن الضرورة بمكان أن يتمّ تعميم مثل هذه الثقافة بصورة بسيطة وفعالة على جميع أفراد المجتمع ناشئة وأطفال وكبار.

التربية المدنية L'éducation civique: تمهد الثقافة المدنية للتربية المدنية، وتشكل التربية المدنية مرحلة لاحقة لما يسمى بالثقافة المدنية، في الثقافة يجب على الناشئة والأطفال والكبار معرفة مكونات المجتمع المدني وأصوله وفروعه. أما التربية المدنية فإنها تعمل على تكوين اتجاهات وقيم وفعاليات عند المتعلم بقضايا وشؤون المجتمع المدني. فالتربية المدنية تعلم المواطن كيف يتكيف مع مؤسسات المجتمع وكيف يمارس دوره فيها، وتحضه على المشاركة في عمليتي التصويت والانتخاب، وتشجعه على ممارسة دوره السياسي في الإقليم الذي ينتمي إليه، وتعمل على تجاوز سلبية الممارسة الديمقراطية الجارية في المجتمع، كما أنها تجعله أكثر إيمانا بالمؤسسات الدستورية لبلاده، حيث يتوجب عليه أن يشعر باحترامها، وأن يشارك في الحياة الديمقراطية مشاركة فعالة وحيوية.

وعلى خلاف ما يسعى إليه بعض السياسيين فإن التربية المدنية تعني بناء الروح الوطنية civisme وليس الولاء السياسي Loyalisme وتميز بين مفهومي الولاء للسياسة والولاء للوطن. فالوطنية تعني حب الوطن والولاء له وهي حالة أخلاقية ووجدانية تدفع المواطن إلى العمل والتضحية في سبيل الوطن والصالح العام لأمته، وهي تختلف كثيرا عن الولاء الذي يعني وجود منظومة من الاتجاهات السلوكية التي تعمل في اتجاه الولاء لنظام سياسي محدد ([3]).

ويمكننا أن نقول في هذا المقام وباختصار شديد، إذا كانت التربية المدنية تعمل على تأصيل القيم المدنية المدني في عقل الفرد ووجدانه، فإن الثقافة المدنية تركز على تزويد المواطن بالمعرفة والمعلومات التي تتعلق بالوطن ومؤسساته. وفي الوقت الذي تقدم فيه الثقافة المدنية معلومات عن الوظيفة الاجتماعية للحياة السياسية، فإن التربية المدنية تساعد الفرد في فهم المؤسسات وآليات عملها وقبول القواعد والقوانين الحاكمة لها والمشاركة الفعالة في نشاطها الحيوي والديمقراطي.

التربية السياسية: السياسة في أكثر تعريفاتها عمومية تشير إلى كل ما له علاقة بإدارة الشأن العام في الدولة أو المجتمع، إنها فن الممكن فيما يتعلق بإدارة المجتمع وتوجيه مساره. فالسياسة العامة في المجتمع معنية بضمان الحرية والكرامة للمواطن أي مواطن في المجتمع. وإذا كانت السياسة تعنى بالأفراد وتوفر لهم احتياجاتهم المدنية فإنه يتوجب على الأفراد بالمقابل الإخلاص والولاء للقيم الديمقراطية في المجتمع ولاسيما ما يتعلق منها بالشأن العام. فالنشاط السياسي يجب أن يهتم بمعالجة الشأن العام وحمايته وبالتالي فإن الحكم يجب أن يتجه إلى تحقيق الغايات العليا للمجتمع. والسياسة في هذا الاتجاه يجب أن تعمل على توجيه الحياة توجيها غائيا واستراتيجيا، وهذا يعني تبني خطوات ممنهجة بعيدة أو قصيرة المدى في اتجاه تحقيق الغايات العليا العامة للمجتمع، كما أنه يجب على السياسة أن تعتمد نظاما ديناميا تكتيكيا آخر يساعدها في مواجهة مختلف الاحتمالات والمصادفات والمفاجآت السياسية وما أكثرها في عالم السياسية.

لقد أصبح واضحا اليوم أن المشاركة السياسية للمواطن في الشأن العام شرط أساسي في أصل المواطنة ذاتها. وهذا يعني أن المواطن يفقد الخاصة الجوهرية لصفته كمواطن خارج دائرة المشاركة الحقيقية في الشأن العام لوطنه ومجتمعه. وبالتالي فإن دور المواطن لا يقتصر على المشاركة في انتخابات النواب والممثلين إلى المجالس السياسية بل يتوجب عليه أن يراقب وأن يعطي رأيه في مختلف مجريات الحدث السياسي لأمته ووطنه. والمواطن لا يمكنه أبدا أن يمارس دور المواطنة الحقّة ما لم يكن مزودا بالمعرفة الضرورية للمشاركة الحيّة النقدية في الشأن العام. وتأسيسا على ما تقدم فإنه كلما كان المواطن أكثر ثقافة كلما كان أكثر تأثيرا في الحياة السياسية، وبالتالي فإن المشاركة الفعالة للمواطن في الحياة السياسية تتطلب درجة أكبر من التربية السياسية. وبالنتيجة فإن التربية السياسية الحقّة تستطيع أن تولد مشاركة فعالة للمواطنين في الحياة السياسية.

فالتربية على المواطنة تقتضي بالضرورة تربية سياسية. والتربية السياسية تقوم بتزويد المواطنين بمعلومات هامة حول المعضلات والمشكلات السياسية القائمة، وهي بهذا المعنى تبدو مرحلة ما بعد مدرسية. فمفهوم المواطنة الذي يشتمل على الوضعية القانونية للمواطن يؤكد على مسؤولية كل مواطن في الدولة. أو على الأقل بناء حس المسؤولية، وهذا يتطلب أن يعمل المواطن على تقييم دوره بصورة مستمرة في الحياة السياسية. وهذه السمة قد تكون متكافئة بين المواطن العادي والمواطن السياسي. وهذا يعني أن التربية السياسية تكون ضرورية للمواطن البسيط وللمواطن السياسي دون تمييز. ولكن هذه التربية قد تكون مختلفة في حالات محددة ومعينة. وفي هذا المقام يمكن القول أنه لا بد من وجود تربية سياسية بحدود معينة تسمح للمواطن غير السياسي بممارسة واجباته السياسية بصورة عفوية وبسيطة.

وهنا يمكن القول بأن التربية السياسية تسعى لتحقيق مجموعة من الأهداف أبرزها:
1- استكشاف الفعاليات السياسية القائمة.

2- فهم الواقع السياسي القائم وفهم المشكلات الأساسية التي تعترض الحياة السياسية.

3- تمكين المواطن من اتخاذ الموقف السياسي المناسب لكل وضعية سياسية.

4- تعزيز ثقة التلميذ بنفسه فيما يتعلق بالموقف السياسي

5- تمكين التلميذ من القدرة على تقييم التجربة السياسية.

فالتربية السياسية تسعى إلى إيقاظ الوعي السياسي عند التلميذ أو الطالب، ثم دفع المتعلم إلى إدراك الأهمية التي يمتلكها بوصفه مواطنا فاعلا في الحياة السياسية في مجتمعه. وهذا يقتضي أيضا أن يكون المتعلم قادرا على تحقيق التوازن بين مصالحه الخاصة والمصالح العامة. كما أنه يتوجب على المتعلم أن يدرك جيدا كيف يكون كل شيء سياسيا، وكيف تتغلغل السياسية في جميع ظواهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وفي هذا الاتجاه يتوجب على المتعلم أن يدرك أهمية القرار السياسي وتأثيره في حياة الجماعة والأمة. وان القرار السياسي لا يكون من طبيعة تقنية فحسب بل هو قرار يجري وفقا لرؤية سياسية أو لموقف فكري من طبيعة سياسية. وبالتالي فإن القرار السياسي لا ينبع مباشرة من عقيدة فلسفية مجردة في مجال الحياة السياسية. وهذا يعني في نهاية الأمر أن الفرد معني باستكشاف المبادئ الأساسية التي تؤسس للنظرية السياسية والتعرف على الرهانات السياسية والممارسات السياسية وتأثير ذلك كله في تنظيم الحياة الشمولية للدولة والمجتمع.

فالسياسة ليست كل شيء وبالتالي فإن التنظيم الذي تؤسس له بجدارتها ليس كافيا لضمان السعادة في المجتمع، ولا يمكنه بالتالي أن يعطي الحياة معناها ودلالتها. وإذا كانت السياسة تضع في أولوياتها أن تعطي لكل فرد الوسائل الضرورية للحياة الآمنة، فإنه يتوجب عليها أن تجد العوامل الأساسية لضمان هذه الغاية. وهنا يتوجب علينا أن ندرك بأن السياسة، لا يمكنها أبدا أن تستوفي جوهر المعاني الإنسانية وأبعادها، لأن هذه المعاني على درجة كبيرة من العمق والشمول.

ففي الحياة الإنسانية هناك أشياء ومعاني تخرج عن دائرة السياسي وإيقاعه. فالإنسان يجب أن يكون مواطنا، ولكنه يتجاوز حدود هذه الكينونة السياسية في جوهره، إذ يمتلك في ذاته على ما هو أكثر من كونه مواطنا. وبعبارة أخرى فإن الجوهر الإنساني للفرد أعمق وأشمل من كينونته السياسية. وهذا يعني أن الدولة ليست حالة سامية، فهناك ما يفوقها سموا وعظمة وهذا يتمثل في العلوم والفنون والمعرفة. وفي هذه الرؤية فإن المواطن الأفضل ليس هو هذا الذي يضحي من أجل واجباته السياسية فحسب بل هو هذا الذي يستطيع أن يخرج من كينونته السياسية مستجوبا أفاقا إنسانية أكثر رحابة ومعاني أخلاقية أكثر سموا([4]).

وفيما يتعلق بفهم المعطيات والتحديات السياسية، فإن التربية يمكنها أن تعمل على تعريف المواطن بالدور الذي يمكنه أن يؤديه في الحياة السياسية كما أنها معنية أيضا بتعريف الفرد بالقوانين واللوائح التي تسمح له بممارسة هذا الدور. ومن أجل ذلك يتوجب على المواطن أن يفهم المشكلات والتحديات والصعوبات التي تواجه مشتركته في العمل السياسي والحياة السياسية في مجتمعه بوصفه مواطنا حرا.

والتربية السياسية تأخذ على عاتقها مساعدة الفرد على مواجهة وسائل الإعلام بروح نقدية، فهي قادرة على تزويد المواطن الحر بما يلزمه من وعي وقدرة على التبصر في مواجهة الدعاية الإعلامية الخطرة على النفوس والعقول. وهي في الوقت نفسه يمكنها وعلى خلاف ذلك، يمكنها أن تأخذ طابعا أيديولوجيا سلبيا يصادر قدرته على التفكير الحر الحقيقي وأن تدفعه إلى مفازات الاستلاب ومقامات الاغتراب النفسي والثقافي.

وفي النهاية فإن التربية السياسية التي نعنيها وننشدها هي هذه التي تعمل في اتجاه مساعدة المواطن على التمييز بين النزعة الوطنية الحقّة وبين الولاء للأنظمة السياسية الوقتية العابرة، كما أنها تساعده أيضا على الفصل بين الروح الوطنية، وبين الخضوع للقوانين والأنظمة، لتجعله قادرا في الوقت نفسه على تجاوز مظاهر السلبية السياسية، ورافضا للعنف نابذا للتعصب والتطرف في سلوكه السياسي والاجتماعي.

فالتربية السياسية تعمل على بناء ثقة المواطن بنفسه، وتمكينه من مواجهة مختلف التحديات المعقدة المتنامية في عالم الحياة والسياسة. وتُبنى هذه الثقة من خلال الفهم الجيد لعالم التشاكل والتضاد والتناقض في عالم السياسة، وتُؤسس أيضا عبر بناء قدرة المواطن على تقدير المواقف، وتكوين الاحتمالات الممكنة ورفع قدرته على فهم فن الممكن في عالم السياسية.

إن السيطرة على اللغة السياسية، وإدراك مفاهيمها، يعد شرطا أساسيا من شروط القدرة على اتخاذ المواقف السياسية المناسبة في الوقت المناسب، وبالتالي فإن بناء هذه الوعي وبناء هذه الثقافة يشكل هدفا مركزيا من أهداف التربية السياسية. إن تثقيف المواطنين جميعهم بثقافة سياسية على هذا المستوى يشكل ضرورة جوهرية للحياة الأساسية في المجتمع الديمقراطي. ومن غير هذه الثقافة فإن الحياة السياسية ستأخذ مظهرا من مظاهر التفاعل الساذج مع المواقف والأحداث السياسية حيث لا يكون المواطن قادرا على اتخاذ أي قرار حقيقي أو رأي موضوعي حيال المشكلات والتحديات السياسية القائمة. ومثل هذه الوضعية تفقر التجربة الأخلاقية، وتضعف السمة الاجتماعية والثقافية في تجربة المواطن.

فالتربية السياسية تساعد المواطن على اتخاذ القرار السياسي وتمكنه من التمييز بين مفهوم الحق السياسي وبين مفهوم الحق بصبغته الأخلاقية. فالحق يمارس ضغطا على سلوك المواطن ولكن هذا الضغط قد لا يكون محددا أساسيا في مستوى الوعي. والحق بصورته الأخلاقية يكون قادرا في الغالب الأعم على توجيه الوعي وتحريكه. وهنا يجب على التربية السياسية أن تؤكد خاصة التمايز بين هاتين الصيغتين المختلفتين للحق. وفي هذا التمييز حصانة، لأن غير ذلك يؤدي إلى فقدان الثقة بالقيم الأخلاقية بوصفها تكوينا احتماليا يتصل بالحق. كما أن غياب الفصل قد يدفع البعض إلى صنمية الحق بمعنى تقديسه وعبادته.

وهنا ومن جديد يجب على التربية أن تجعل الفرد قادرا على التمييز بين المساواة التي يمنحها القانون وبين المشروعية الأخلاقية وإجراءات تطبيقها. فالمساواة غير كافية لضمان المشروعية وهذه ضرورة معرفية يجب أن يدركها كل مواطن. ولذا فإن التربية السياسية معنية ببناء القدرة على الحكم تبدو لنا ضرورية وحيوية في المجال التربوي بصورة عامة.

فالتربية السياسية الحرة تمكّن من تجنب تشكل السلطات الديكتاتورية والمطلقة في الحياة السياسية للأمة، وكذلك تجنب المجتمع حدوث الفوضى السياسية والاجتماعية. وتأخذ هذه التربية كما حددناها صورة تربية واقعية تأخذ بعين الاعتبار الظروف والتقسيمات الجغرافية والأوضاع الاقتصادية والثقافية في البلاد. وهي تربية تناهض النزوات والتقلبات والهوى في مجال الحياة السياسية. وتمكن الفرد من التجاوب الصادق الرافض للامتثالية والخضوع الصاغر إلى القوانين المتكاثرة التي يمكنها في مجتمع مدني محدد أن تهدد الحريات على الرغم من وجود خطاب سياسي يقدسها.

هذه التربية يمكنها أن تستكشف الطبيعة المعقدة للحياة السياسية وأن تتنبأ بشطحاتها وأن تخمد المشاحنات السياسية وتمنع تكاثفها وتراكمها، وأن تجعل العقلانية حكما أصيلا في حلّ الخلافات السياسية وإيجاد الحلول المناسبة للمشكلات المعقدة.

فالوطنية لا تعني أبدا خفض الروح النقدية عند المواطن كما أنها لا تعمل على تطويع المواطن وتعزيز الخضوع وتكثيف الإعجاب الساذج بالقانون والأنظمة، بل تعمل في عكس هذا التوجه حيث تحرض المواطن على الفعل والعمل والمشاركة النقدية في الجدل السياسي وذلك من أجل معالجة القوانين والأنظمة والتشريعات القائمة والعمل على رفض كل ما من شأنه أن يطعن في كيان الإنسان الحر في وطن ديمقراطي حرّ.

هذا وتنطوي السياسة على عدد من الأفكار والرؤى والمواقف المتناقضة، فهناك من يزدري السياسة والعمل السياسي، فالسياسة في نظر هؤلاء تنطوي على ممارسات غير أخلاقية، إنها كما تبدو لهم نظام من الدسائس والمؤامرات المخجلة، بل هي حالة اعتباطية غير كفوءة محملة بكل معاني العنف وقيمه. وعلى خلاف ذلك هناك من ينظر إلى السياسة بعين الأهمية والاعتبار، فالسياسة كما يراها هؤلاء هي الأمل والحكمة والحرية والسلام ([5]).

وما يؤسف له أن ازدراء السياسة واحتقار العمل السياسي ظاهرة شعبية أصيلة في مجتمعاتنا العربية بصورة عامة، فالحكام في نظر الفئة الغالبة من الشعوب فئة ضالة وظالمة في غالب الأمر. والممارسة السياسية هي نوع من الدهاء والمماطلة والاحتيال. وهذه النظرة تأخذ مشروعيتها بالطبع في ظل الأنظمة الشمولية والديكتاتورية التي تغطي أغلب البلدان العربية في القرن الماضي.

وفي مواجهة هذه المواقف السلبية من السياسة وأنظمتها المختلفة، يجب على التربية أن تعمل على بناء صورة أكثر واقعية وموضوعية فيما يتعلق بالسياسة والعمل السياسي والممارسة السياسية. وهذا يعد شرطا أساسيا في قبول المواطنين لمبدأ المشاركة في الحياة السياسية بوصفها -أي السياسة- عملا اجتماعيا ضروريا وجوهريا للحياة. وهذا يتطلب في نهاية الأمر بناء تصورات موضوعية لطبيعة السياسة والحياة السياسية، منا يتطلب رفض التصورات السلبية التي تدور حولها بوصفها ممارسة سلبية مفرغة من مضامينها الإنسانية. فهناك سياسيون يمارسون فعلا سلبيا مناهضا للديمقراطية وهذه من اكبر الحقائق في مجتمعاتنا العربية، ومع ذلك كله يجب أن يعلم المواطن أن السياسة وظيفة اجتماعية وأن هذه الوظيفة يمكنها أن تكون أكثر إنسانية وأكثر قدرة على توفير الأمن والسلام للمواطن الإنسان. وهذا يعني أنه يجب على التربية أن تغذي الوعي العام للمواطنين بالجوانب الإيجابية للفعل السياسي وأهمية تصحيح الممارسة السياسية في اتجاه إنساني وعقلاني. وهذا يقتضي أيضا أن يعمل هذا الوعي السياسي النقدي على توليد إيمان عميق وشامل وحضاري للمواطنين بأهمية المشاركة السياسية في اتجاه العمل على إخراج الفعل السياسي من وضعيته الشمولية إلى وضعيته الإنسانية الديمقراطية. وهذا يقتضي أيضا من التربية السياسية نفسها أن يدرك المواطنون أن الانتقال بالسياسة من أبعادها الشمولية إلى أبعادها الإنسانية، لا يمكن أن يتم في الفراغ، وأن هذا التحول مرهون وإلى حدّ كبير بجهود المواطنين وفعاليتهم السياسية النضالية والنقدية في اتجاه الانتقال إلى سياسية مؤنسنة وديمقراطية. وتأسيسا على هذا التصور يجب على الأفراد أن ينخرطوا في الحياة السياسية كضرورة تاريخية في اتجاه بناء الوطن بأبعاد إنسانية حرّة.

في مضمون التربية على المواطنة: بعد أن قمنا باستعراض غايات التربية على المواطنة يتوجب علينا تحديد الوسائل والأدوات التي يمكن للتربية على المواطنة أن تتبناها في اتجاه تحقيق الغايات التي تسعى إليها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الوسائل التي يمتلكها المواطن من أجل تحقيق التوافق بين السلوك الذي يؤديه والغاية التي يسعى إليها في مجال التربية المدنية والأخلاقية؟ وبعبارة أخرى ما هي أدوات المواطن في التوفيق بين العمل والنظر بين الغاية والوسيلة؟

لقد بينا أعلاه بأن التربية على المواطنة يجب أن تتم من خلال التربية الأخلاقية والتربية المدنية والتربية السياسية. وهذا يعني أن التربية على المواطنة هي حصاد تفاعل عميق وتكامل شامل بين هذه المستويات المختلفة من التربية. وهذا يعني أيضا أن الغايات المختلفة التي تسعى إليها هذه الصيغ التربوية متكاملة في جوهرها وكيانها ومضامينها.

وقد لاحظنا أن مفهوم المواطن قد تأثر في منحى تطوره بأهمية التربية على المواطنة وبالتالي فإن التربية على المواطنة تأثرت في مسار تطورها بالمضامين الفكرية والمعارف التي تتوجب في عملية بناء المواطن وإعداده، وهذا ينسحب أيضا على صيغ الممارسة التي يجب على المواطن أن يتبناها في سلوكه كمواطن.

فيما يتعلق بالتربية والثقافة المدنية: تبين التجارب العالمية في هذا الميدان ولاسيما في التجربة الفرنسية الغنية بمعطيات التربية المدنية، أن التثقيف المدني يشكل المدخل الأساسي إلى التربية المدنية([6]). فالتثقيف المدني يتضمن تعريفا بالواجبات المشتركة بين جميع المواطنين. وهذه الثقافة تعتمد على الوثائق والمضامين الأساسية التي تجب معرفتها من قبل جميع المواطنين مثل: الدستور، الفضائل الأخلاقية والقيم المدنية، المعايير والأعراف المدنية، حقوق الإنسان والمواطنة، الرموز الوطنية والقومية، الحرية، المساواة، العدالة، الإخاء، التسامح، حرية التعبير والقيم الديمقراطية بعامة وكل ما يتعلق بالقيم الديمقراطية والجمهورية.

تبين تجربة الولايات المتحدة الأمريكية، في مجال التربية المدنية، أن التعليم يركز على عملية التثقيف المدني بدرجة أكبر من التربية المدنية. وتبين هذه التجربة أيضا أن هذه الثقافة ليست كافية بذاتها من أجل التربية على المواطنة. كما تبين الملاحظات الجارية في البلدان المتقدمة أن التربية المدنية والتربية على المواطنة ممكنة في البلدان النامية. علما بأن غالبية البرامج والمناهج المعتمدة في البلدان النامية هي برامج ومناهج مستفادة من المرحلة الكولونيالية وأن السياسة التربوية القائمة في هذه البلدان تلحّ على أهمية المحافظة على هذه المناهج ولاسيما هذه التي تتعلق بالنظام السياسي والمؤسسات السياسية القائمة.

ومهما يكن الأمر فإن التربية على المواطنة تعاني من أوجه الضعف والنقص ولاسيما في العالم العربي. وهذه التربية إن وجدت فإنها تقتصر على جانب التثقيف والتربية المدنية التي تأخذ طابعا سياسيا يتسم بالوضوح ويأخذ بالتالي سمة التطبيع السياسي وليس التربية السياسية.

فالمدرسة الفرنسية في مجال التربية السياسية تسعى إلى توليد اتجاهات سياسية وتعمل على تمكين المعنيين من الشعور بالأحداث والمشكلات المتتابعة للحياة السياسية ومن ثم متابعة الأحداث السياسية والتفاعل معها. في المدارس الثانوية الفرنسية يوجد هناك توجه يعنى بالمشكلات الكبرى للحياة الاجتماعية والسياسية المعاصرة. وتعمل التربية في هذه المدارس على توليد الاهتمام بالقضايا الوطنية ومن ثم تمكّن الطلاب من التفكير وتحرضهم على التأمل في تعدد المواقف السياسية حول المشكلات الحيوية التي يواجهها المجتمع. وهي تستثير عند الطلاب طاقة التفكير والتأمل في المفاهيم والعقائد والنظريات والفلسفات السياسية المتعلقة بهذه القضايا([7]).

تبحث الدروس والمحاضرات الخاصة بالتربية على المواطنة في هذه المدرسة في مسألة التعددية الثقافية في فرنسا ومسألة التربية على المواطنة التي يمكنها أن تتجاوب مع هذا التعدد الثقافي، وتؤكد أهمية تدريب التلاميذ والطلاب على التفاعل الثقافي في دائرة الحياة الاجتماعية. وهذه المنظومات الفكرية نجدها متأصلة في مواد العلوم الإنسانية ولاسيما في التاريخ وعلم الاجتماع والأنتروبولوجيا وهي المواد التي تؤصل لمسألة التعدد الثقافي والنسبية الثقافية والعلاقة الإيجابية بين الثقافات المتكاملة التي يمكنها أن تغني الاستقلال والتعايش المشترك بين أفراد المجتمع. وهذه الدروس يمكن أن تعطى في مختلف مستويات التعليم ومختلف الأعمار.

وفي هذا النسق من التصورات والأفكار يمكن الإشارة إلى نسق من الغايات التي ينطوي كل منها على مضامين خاصة يمكن أن تعتمد في كل مستوى من المستويات التعليمية المحددة. ويمكننا أن نضع هذه التصورات في الجدول التالي من أجل توضيح دلالة التربية على السياسة والكيفيات التي يمكن أن تتوزع عليها في المستويات التعليمية المختلفة.

لنأخذ الجانب المتعلق بحقوق الإنسان. في هذا المستوى يمكننا تحديد مجموعة من الأهداف التربوية في المدرسة الابتدائية وأهمها: تنمية إحساس المتعلمين بواقع البؤساء والمسحوقين في المجتمع، وتنمية شعورهم بأحزان وآلام الآخرين، وحثهم على التفاعل الوجداني مع ضحايا الكوارث الإنسانية، ومن ثم تمكين المتعلمين من اتخاذ المواقف الرافضة للتعصب العرقي، ومن ثم تعريفهم بواقع حقوق الإنسان من خلال مواقف وأحداث واقعية.

وفي المرحلة الإعدادية: يجب تمكين الطلاب من دراسة ظواهر الفقر والبؤس الاجتماعي والمعوقين. ومن ثم تعريفهم بالكيفيات التي يتم فيها توزيع الدخل والموارد الاقتصادية، ويأتي في هذا السياق تعريف الطلاب بطبيعة الملكية وأشكالها وتعيناتها، وبالتكوينات الاقتصادية وبمعلومات أساسية عن حقوق الإنسان وأوضاع حقوق الإنسان في مختلف البلدان المعاصرة. ويأتي في هذا الاتجاه أيضا تعريف الطلاب بمنظمات الدعم والمساندة والأمن الاجتماعي ويضاف إلى ذلك تقديم دراسات مقارنة حول هذه القضايا.

وفي المدرسة الثانوية: يترتب إعداد الطلاب لدراسة المفاهيم الأساسية مثل مفاهيم: التخلف والمجاعة والألم والتعذيب واللامساواة. وفي هذا المستوى يترتب على التربية أن تساعد الطلاب على التمرس في الدراسات ذات الطابع الفلسفي حول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ودراسة حالات انتهاك حقوق في العالم، ومن ثم دراسة واقع العدالة الاجتماعية والممارسات الدولية في هذا المجال. وفي هذا المستوى يقوم الطلاب بتحليل مفاهيم عصرية مثل: الإجهاض، وتحسين النسل، والقتل الرحيم، ومواقف الأحزاب السياسية القائمة من هذه القضايا.

وفي هذا المستوى أيضا تتقدم مسألة العمل والبطالة، وحق تدخل الدولة في حالة انتهاك حقوق الإنسان.

وفيما يتعلق بالتربية الأخلاقية: فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل يمكن تعليم الأخلاق؟

لقد بينا سابقا أن التربية الأخلاقية تشكل منطلقا أساسيا للتربية على المواطنة. وكثير من المربين يتناولون الأخلاق بوصفها عنصرا في بنية التربية على المواطنة. ومهما يكن أمر الأخلاق سواء أكانت عنصرا في التربية على المواطنة أو كانت مرحلة سابقة مؤسسة لها فإن ما يهمنا هنا في هذا المقام هو معرفة المضامين الأساسية لهذه التربية. وكما لاحظنا فإن التربية الأخلاقية تسعى إلى بناء الإنسان في أجمل صورة له أي الإنسان الكامل حيث يعبر عن ذاته بأفعاله وتصرفاته واتجاهاته بصورة حية حقيقية. والصورة الكاملة للإنسان تتمثل في توافق الإنسان مع مرجعية مثالية توجه سلوكه وأفعاله بصورة معيارية ومثالية.

فالمعايير الأخلاقية توجد في كل المجتمعات الإنسانية، كما نجد فيها المثل والقيم والمرجعيات الأخلاقية. وهكذا يمكن أن نحيل التربية الأخلاقية إلى التربية على القيم. وبالتالي فإن غاية هذه التربية هي توجيه الحياة الفردية والاجتماعية بموجب القيم الأخلاقية المعلنة وتجسيد هذه القيم بصورة حية في مجال الحياة اليومية. ويبقى السؤال الذي طرحناه أعلاه وهو هل يمكن تعليم القيم في مجال التربية الأخلاقية؟

فالتربية التي تقوم بتأصيل القيم تستطيع على مدى الأيام، توجه السلوك وفقا لهذه القيم وتضفي عليها المعنى والدلالة، وهي في عملية التأصيل هذه تكسب هذه القيم طابعا انفعاليا يتأصل في وعي الفرد وفي وجدانه. بعض المفكرين يعتقدون باستحالة تعليم القيم لأن التعليم لا يتوافق وطبيعة القيم ذاتها. وبعض المفكرين يرون إمكانية ذلك. فالتعريف بالقيم في البداية وطبيعة تشكلها ومعانيها وتجلياتها يساعد في عملية اكتساب هذه القيم وتأصيلها لاحقا في المعرفة. وهنا يتوجب علينا أن نميز بين تعليم القيم والتربية على القيم. فتعليم القيم يتمثل في التعريف بهذه القيم ووضع الفرد بصورة معانيها وتجلياتها وصيغها. أما التربية على القيم فتتمثل في عملية الممارسة التربوية والتفاعل التربوي في الوسط المدرسي وفقا للقيم والمعايير المطلوبة. على سبيل المثال يمكن لنا أن نعرف الطفل أو الراشد بالديمقراطية كقيمة وهذا نوع من التعليم، ولكن عندما نريد للطفل أن يكتسب هذه القيمة، فإن التفاعل الديمقراطي في المدرسة يمكنه أن يؤصل هذه القيم في عقل الطفل وفي وجدانه. فالمعرفة تلعب دورها، وهنا يكون دور التعليم، وبالتالي فإن التربية تمارس دورا آخر يتمثل في إضفاء الطابع الوجداني، وإعطاء هذه المعرفة شحنة انفعالية وعاطفية تحولها من مجرد معلومة إلى قيمة حقيقية.

ما القيم التي يمكن تعليمها وتأصيلها: القيم الكونية الإنسانية: على الرغم مما تذهب إليه بعض النظريات في نفي الطابع الكوني عن القيم، فإننا نعتقد بأن بعض القيم غنية بطابعها الكوني وقدرتها على الحضور عبر الزمان والمكان. وفي هذا المقام يمكن الإشارة على قيم الخير والحق والعدالة والجمال والحرية التي تتصف بالطابع الإنساني الكوني. فهذه القيم جديرة بأن تحظى باهتمام الأنظمة التعليمية والتربوية على حد سواء. وهذه القيم ضرورية في عملية تحضير المجتمع إنسانيا. وتتجلى هذه القيم في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يطالب باحترام حق الحرية والحياة والمساواة والكرامة بوصفها قيما ضرورية للجميع. والإعلان العالمي لحقوق الإنسان يرفع من هذه القيم مطلبا إنسانيا مشتركا بين الجميع وينادي بتحقيق هذا المطلب الإنساني في مختلف أرجاء المعمورة عند مختلف الشعوب. ومن أجل هذه الغاية تعمل الأمم المتحدة على تعليم هذه الحقوق وتأصيلها في وعي الأفراد في مختلف أنحاء العالم وذلك من خلال التعليم والمؤسسات التعليمية النافذة.

القيم الديمقراطية: يشهد العالم المعاصر ولادة قناعة دولية، تعلنها المنظمة الدولية هيئة الأمم المتحدة، بأن الديمقراطية تشكل اليوم الإطار الطبيعي لممارسة حقوق الإنسان، وأنها تشكل بذاتها أيضا أحد الشروط الأساسية اللازبة من أجل بناء السلام والحرية في العالم، وأن هذه الديمقراطية تلعب في نهاية المطاف دورا كبيرا في عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي العادل في العالم. فالديمقراطية هي الإطار العام لعدد كبير من القيم التي تتمثل في الحرية والكرامة والعدل والمساواة والإخاء وحق التعبير عن المصير وحرية الرأي وقبول الآخر على مبدأ الاختلاف والإيمان بالتعددية.

ولا بد من الإشارة أيضا إلى ثلاث قيم أخرى حديثة نسبيا في ثقافة الديمقراطية، وهي ضرورية لتربية المواطن على المواطنة، وتتمثل في قيم: التضامن الإنساني، والمسؤولية، والمشاركة السياسية بوصفها قيمة إنسانية تلبي طموح الإنسانية إلى مزيد من الصون الذاتي للقيم الديمقراطية، وهي قيمة تدفع المواطن إلى تجاوز حدود مصالحه الخاصة والشخصية في اتجاه المحافظة على القيم الديمقراطية والإنسانية([8]).

الفضائل: بداهة هو القول بأن الأخلاق ترتبط بالخير والجمال. ومما لاشك فيه أن الناس يتحركون بوحي القيم نفسها ولكنهم طريقتهم في الاستجابة والتفاعل مع هذه القيم تختلف كثيرا. فالكائن الإنساني يشكل وحدة دينامية داخلية تتمثل في نشاط يتضوع بمعاني روحية نابعة من العمق الداخلي للإنسان. وفي هذا العمق يمكن الإشارة إلى خمسة مكونات وفضائل داخلية في الإنسان تتمثل: في حب المعرفة، وحب الحقيقة، والعدالة، والسعادة، وأخيرا حب العمل والتعاون. وهذه الفضائل تكون في حالة كمون في البداية ولكنها لا تلبس أن تظهر وتنشط عندما تحين لها الفرصة المناسبة. وهذه الفضائل موجودة كالشجاعة والعدالة والحب وغيرها من الفضائل الأساسية موجودة في كل المجتمعات وبين أغلب الأفراد. ولكن ممارسة هذه الفضائل يمكن أن تأخذ صيغا مختلفة ومتعارضة ومتناقضة أحيانا وهذا الاختلاف يتباين بين المجتمعات والأفراد والأزمنة أيضا. ففي زمن الحروب والصراعات السياسية، على سبيل المثال، يتعرض الناس للموت والقتل تحت عنوان العدالة والحب والشجاعة.

تأخذ القيم الأخلاقية طابعا إنسانيا كونيا أو محليا، وهذه القيم يجب أن تعّلم وتكون محورا للتربية في اتجاه المصالح الإنسانية العامة في مختلف الثقافات وفي دائرة التنوع الثقافي في المجتمعات الإنسانية. وتعليم هذه القيم لا يجب أن يأخذ صيغة شكلية، بل يجب أن تؤصل وعيا راسخا في وجدان الفرد الداخلي. ففي فرنسا على سبيل المثال وليس الحصر توجد قائمة تتضمن ثمانية عشر قيمة أخلاقية تعمل المدرسة على صقلها في وعي الطلاب وعقولهم وهي: الكرم، التسامح، الإخلاص، والرحمة، العفة والنزاهة، الصبر والتأني، الشفقة، الرقة واللطف، الاعتدال، الشكر والعرفان، الصدق، الشجاعة، التواضع، الدعابة والظرافة، العدالة، البساطة، الحب.

الحوار والمواطنة:
يعد الحوار منطلقا أساسيا وعقليا في عملية التربية على المواطنة. فالمحاججة مهارة عقلية حيوية وضرورية في عملية بناء الحقيقة واتخاذ القرار المناسب في مختلف القضايا الفكرية والسياسية. والتفكير الذي يعتمد على المحاججة والبرهان والمجادلة المنطقية يؤدي في جوهره إلى بناء القدرة العقلية وتطويرها كما أنه يؤدي إلى صقل الشخصية وجعل الفرد أكثر قدرة على المشاركة في الحياة السياسية بروح أخلاقية متكاملة.

وغني عن البيان أنه في مجال الحياة السياسية يجب أن تؤخذ القرارات جميعها بعد أن تحظى بحقها من المناقشة والتحليل والجدل والتداول. ومن هنا تتأكد الأهمية الكبرى للتربية على مبدأ الحوار والجدل والمناقشة والتداول.

فالأخلاق تستند على المعايير والمثل الاجتماعية من وجهة نظر كلاسيكية. ولكن غياب الاتفاق الجامع بين المفكرين حول طبيعة القيم يشمل القيم الأخلاقية أيضا. وقد رأينا سابقا بأن القيم الأخلاقية تتجه في اليوم لـتأخذ طابعا فرديا على حساب الخاصة الاجتماعية التي تعرف بها. فالحداثة تنظر اليوم إلى القيم الأخلاقية بوصفها قيما تقليدية تمّ تداولها في العصور القديمة، وهذا يعني في نهاية المطاف أن القيم الأخلاقية تقع اليوم في قلب الجدل الفكري وهي تخضع لمعايير المناقشة والجدل.

فالجدل والحوار تقنية عقلية عالية المستوى وهي على درجة من الأهمية وهذا يقتضي منا الاهتمام بتعليمها وإكساب المتعلمين مهارات الحوار والجدل والمناقشة والمناظرة والحوار والتفاعل الذهني في اتجاه بناء إمكانيات عقلية تجعل الفرد أكثر قدرة على المشاركة في خضم الحياة السياسية بوصفه مواطنا قادرا على المشاركة الحية والبناءة في الحياة المجتمعية لوطنه وأمته.

إن بناء قدرة المواطن على المحاججة والحوار والتصنيف، والدفاع عن أفكاره، ومواجهة الحجة بالحجة، والرأي بالرأي، والمنطق بالمنطق، يشكل في نهاية المطاف الأساس الحقيقي لما نطلق عليه بالتسامح، لأن التسامح في جوهره ينطوي على قيمة أخلاقية. وهنا أيضا تبدو الضرورة التي تقتضي تعليم هذا الفن أي فن الحوار والمحاججة. وهنا ليس التعليم هو الذي يحكم هذه المهارة بل أيضا يتوجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أهمية التربية على المحاججة.

خلاصة نقدية: استكشفنا حتى هذه اللحظة دلالة تربية المواطن على المواطنة. واستطعنا عبر هذا التوجه أن ندرك أهمية التربية الأخلاقية التي تفطن المواطن على فضائل مجتمعه والفضائل الإنسانية الجامعة المتمثلة في حقوق الإنسان وحقوق الطفل والقيم الديمقراطية. وتلك هي القيم التي يجب على التربية الأخلاقية أن تؤصلها وعيا مركزيا في وجدان الأطفال والناشئة، وهو نوع من الوعي الذي يكون حاضرا في التجربة الحياتية واليومية في حياة الفرد. لقد تبينت لدينا الأهمية الكبيرة للثقافة المدنية والتربية المدنية التي تسمح للفرد بأن يدرك مختلف الأنظمة والقواعد والقوانين النافذة في المجتمع والتي تمكن الفرد من تكوين عادات واتجاهات ومواقف مدنية.

وقد أدركنا الضرورة التاريخية للتربية السياسية التي تمكن الفرد من بناء قدرته على التفكير والتأمل الفردي في قضايا السياسية والتي تمكنه أيضا من المحاججة السياسية في مواجهة المسائل المتعددة والقضايا المتنوعة التي تواجه الحياة المجتمعية والسياسية وهذه القدرة على الحوار والمحاججة تمكن الفرد أيضا من اتخاذ القرارات الصائبة والعميلة في حلّ المشكلات والتحديات التي يواجهها المجتمع في مستوياته السياسية.

والأسئلة الكبرى التي تطرح نفسها اليوم في مستوى البلدان العربية ولاسيما هذه التي تعتمد مبدأ قهر شعوبها منهجا وفنا وغاية: ألم يحن الزمن لهذه الأنظمة في إيجاد صيغة جديدة للتعامل مع أفراد الشعب بوصفهم مواطنين لا رعايا وأحرارا لا عبيدا؟ ألم يحن الوقت بعد ونحن في القرن الحادي والعشرين أن يسمح للإنسان بممارسة حقوقه الإنسانية؟ ألم يحن الوقت بعد للتربية على حقوق الإنسان والتربية السياسية والتربية على المواطنة؟ لماذا تغيّب الأنظمة العربية القائمة مفهوم التربية على المواطنة وحقوق الإنسان؟ لماذا تكدس في الدوائر الحمراء جميع المفاهيم التي تقوم على أسس وقيم أخلاقية وديمقراطية؟ كيف يمكن لنا العمل على إعادة بناء النظم التربوية بصورة ديمقراطية تكون فيها الأولوية للقيم الديمقراطية الحرة؟ ألم يحن الوقت لإسقاط مفاهيم الاستبداد والقهر التي تنتشر كالنار في هشيم التربية الرسمية العربية المعاصرة؟ ألم يحن الوقت لهدم الأصنام التي أكرهتنا الأنظمة العربية على عبوديتها؟ ألم يحن بعد لأصنام العقل أن تسقط؟ وأن يسقط معها في النهاية كل معاني القهر والاستبداد والتسلط الذي تمارسه هذه الأنظمة المتمرسة بكل أنواع الإرهاب والتسلط والقهر؟

---------

[1] UNESCO. Les stratégies pour contribuer à la consolidation de la paix, projet 1996-2001, p.45
[2] MOUGNIOTTE (A). Pour une éducation au politique, provocation ou sagesse? EVS, Paris, 1992, p.2
[3] MOUGNIOTTE (A). Pour une éducation au politique, op.cit., pp.13-14 MOUGNIOTTE (A). Pour une éducation au politique, op.cit., pp.13-14
[4] MUGLIONI (J) La République et l’instruction, Revue de l’Enseignement philosophique, n°3, janv., fév., 1989, p . 82
[5] HENRY ( M). La vie et la République. Revue de l’Enseignement philosophique, n° 3, janv.-févr. 1989.
[6] HADJI (Ch). L’évaluation, règles du jeu, Paris,ESF, 1989
[7] NIEMI (R.G) et JUNN (J). Pour un renforcement du sens civique aux Etats-Unis, Perspectives, Vol XXII, n ° 4, déc.1996, p.715
[8] UNESCO. Les stratégies pour contribuer à la consolidation de la paix, projet 1996-2001, p. 45
المصدر: مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، 10 سبتمبر 2011.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

يتضمن الملف المرفق  الورقة التي كتبها الأستاذ أحمد الديين عن تجربة الانتخابات في الكويت وقدمها في اللقاء السابع عشر 2007

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها.

 

ويرحب الموقع بأي تعليقات على الأفكار المطروحة في الورقة.

علي خليفة الكواري: مفهوم الديمقراطية المعاصرة، قراءة أولية في خصائص الديمقراطية، هذه الورقة هي حصيلة أفكار تبلورت من خلال الحوارات والاتصالات التي تمّت في نطاق مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها