You are here:الرئيسية>مفاهيم>مفاهيم - الجماعة العربية للديمقراطية

ملخص
تسعى هذه الورقة لتسليط الضوء على أبرز الأسئلة المسكوت عنها في الراهن العُماني: "سؤال التغيير"؛ وذلك من خلال تتبُّع جدلية الدولة والسلطة من جهة، وقراءة الرغبة في التغيير والقدرة على ذلك من جهة أخرى. ويجتهد الباحث في استدعاء بعض الإشكالات لفهم راهن السلطة السياسية في البلاد في ملفات محورية كالدستور، والأمن، والتعليم، والاقتصاد، والعمل، والمجال العام؛ حيث يبدو أن تلك القضايا تكشف الخلل البنيوي وتدل عليه على المديين القريب والمتوسط. هذه الإشكالات لا تعني بالضرورة كل المشكلة، ولا يُعَدُّ تقويمها صكًّا مضمونًا للإصلاح، بقدر ما هي محاولة للتفكير بصوت مسموع؛ إذ لا يخفى على أحد أن طريق التغيير والإصلاح طويل وشاق، ويحتاج إلى الاعتراف بالخلل أولًا، ويستوجب الصبر والعمل المخلص الدؤوب على تدارك أخطاء الماضي بالحوار والتفكير في الفضاء الرحب ثانيًا.

--------

تساؤل أولي

نقعُ في ذات الفخ المنصوب للفهم الجمعي العربي عندما نعفي أنفسنا من مهمة التفريق بين مفهومي الدولة والسلطة السياسية. وسلطنة عُمان ليست استثناءً على الإطلاق؛ فمسألة التفريق بذاتها مهمة بالغة الصعوبة والتعقيد؛ لا بسبب ما أُنجز من مقاربات علمية ونظرية لفهمها، في العالم عمومًا، وفي الوطن العربي خصوصًا، بل نتيجةً لعقود من الممارسات السلطوية الشاملة والمركَّبة على أدق تفاصيل المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في البلاد.

هذا الخلط الواقع على مفهوم الدولة، يبدو أنه نتيجة متوقعة لما يُمارَس على الإنسان في الوطن العربي من فيض السيطرة والتحكم من قِبل السُلطات الحاكمة تجاه الشعوب المحكومة بجميع الوسائل والأطر لضبط الفرد والجماعة. بمعنى أنها –السلطات- تتحكم في مناهجهم التعليمية، وطرق تفكيرهم وتعبيرهم وتربيتهم، وتحدِّد شكل تنظيماتهم ولقاءاتهم واجتماعاتهم، وتعمل على توجيهها لخدمة مصالحها، وليس بالضرورة مصالح الفرد والمجتمع، لأنها لا ترى فيهما إلا ذاتها؛ تلك الذات الخاصة ببقاء ووجود السلطة لا أكثر.

إن هذه السلطة/الدولة ترتكز على عامل وجودي تروِّج له وتشتغل لأجله باستماتة؛ ألا وهو تخويف الناس دائمًا من أن زوالها، أو حتى تغييرها، أو تبدلها من سلطة تحكُّم وضبط إلى سلطة تداول وتشارك؛ يعني انحلال الوحدة الوطنية، وتفكك منظومات المجتمع الساكنة الراضية وتناثرها.

ولعلَّ راهن أمثلة كالعراق واليمن وسوريا والصومال تُغذي هذا الطرح الذي تتبناه السلطة في سلطنة عُمان عبر أطروحات خطابها الإعلامي والأمني، والذي يلقى آذانًا مُصغية من الناس؛ إذ لا يمكن حتى المجادلة في الواقع المرير الذي يعانيه الإنسان في تلك الدول.

إن الدولة بوصفها كيانًا يُعبِّر عن إرادة جماعة المواطنين، داخل الوحدة الترابية التي ارتضوها على أرض محددة، في مرحلة تاريخية معينة، يُسيِّرهم فهم سياسى مُؤَطَّر بتعاقد واضح، يُيسر روابطهم الاجتماعية والقانونية. إنَّ مفهومًا كهذا، لا نجد له قائمة في الواقع العُماني اليوم؛ حيث إن فكرة أن الشعب هو صاحب السيادة العليا على مؤسساته التنفيذية والتشريعية والقضائية لم تكن مطروحة لا للنقاش العام عبر وسائل الإعلام، ولا في المناهج التعليمية؛ الأمر الذي يحتاج في قادم الأيام لجهد كبير، وحفر عميق، وتفكيك صبور من جانب المجتمع ليبحث عن مساحاته الطبيعية وعلاقته المتوازنة مع السلطة التي تحكمه.

إن الدولة كُلٌّ، أمَّا السلطة السياسية فما هي إلا جزء، بل هي إحدى وسائل الدولة للقيام بوظائفها المختلفة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، ولا ينبغي أن تتجاوز ذلك. أزعم أننا في الحالة العُمانية أمام "دولة سلطة" أكثر منها "سلطة دولة"، والحال هكذا مؤيَّدة بممارسات احتكار السيطرة الذي تقوم به السلطة المركزية السياسية وتحويل هذا الاحتكار إلى مؤسسة قائمة بذاتها: مُنَظَّمة، مُختَرِقة للمجتمع، مُجيدة للسيطرة على مكوناته، ومُحيِّدة لكل محاولات المواطنين للمراقبة والمحاسبة المستقلة الفاعلة، حتى الآن على الأقل.

بحسب هنري لوفيفر، "إن محافظة السلطة السياسية على نفسها رهينة بوجود موارد من البشر والسلاح والمال، مع توفر مجتمع منظم يعيد إنتاج العلاقات التي تكوِّنه، وصياغة ضوابط تكفل لها خرق كل الشروط، وفي الوقت الذي ترتضيه" (1). وهذا ما تمارسه بذكاء "دولة السلطة" في سلطنة عُمان منذ أربعة عقود: حُكم فرد (السلطان رئيس مجلس الوزراء (السلطة التنفيذية)، رئيس المجلس الأعلى للقضاء (السلطة القضائية)، رئيس مجلس عُمان (السلطة التشريعية)، القائد الأعلى للدفاع (السلطة الأمنية والعسكرية)، رئيس المجلس الأعلى للتخطيط، رئيس مجلس المالية وموارد الطاقة، رئيس المجلس الأعلى للدفاع...). تحكُّم كامل في الثروات الطبيعية عن طريق التملك الشامل للحكومة المُنتج لـ"رأسمالية المحاسيب"؛ القائمة على المحاباة والشراكة بين التُّجار والمسؤولين في السلطة. هم من يوفرون فرص العمل ويتحكمون بالأجور، بل يُشرِّعون القوانين والنُّظم التي تحفظ منظومة مصالحهم المشتركة. وأخيرًا، قدرة لا ينافسها أحد على إعادة إنتاج وتأطير الروابط الاجتماعية كالقَبَلية والمذهبية والثقافية.

لذلك، ليس من العجب في شيء عدم استقرار مفهوم المؤسسات والقانون؛ فمن يراقب؟ وكيف تتحقق "الغاية الأساسية للدولة وهي الحرية" بحسب سبينوزا؟ وهل تستطيع جماعة المواطنين فعل المحاسبة بكفاءة وحياد؟ وهل المال العام محمي ومصون لاحتياجات اليوم واستحقاقات الغد؟ وهل التشريعات والقوانين القائمة هي حقًّا تعبير عن إرادة الشعب عبر من يمثِّلهم في المجالس النيابية؟

حاولت احتجاجات العام 2011 أن تُسلِّط الضوء على الكثير من أوجه الخلل البنيوي والهيكلي الذي تعانيه الدولة العُمانية المعاصرة في المجمل، وعلى أزمة السلطة السياسية المركزية فيها، والتراكمات المؤجَّلة لهذا الخلل منذ أربعة عقود. بيد أن السلطة لم تُمهل هذا التحول لحين إتمام مهمته؛ إذ داهمته سريعًا ببعض المعالجات السطحية التي كانت مسكونة بامتصاص الأعراض أكثر من معالجة الأمراض.

لعله من المفيد، لفهم راهن الدولة والسلطة السياسية في سلطنة عُمان، بسط بعض الملفات كأمثلة، ثم تتبع مسألة الرغبة في التغيير والقدرة عليه:

 

أولًا: في فهم طبيعة ملفات السلطة السياسية في عُمان وأدواتها:

 

• الدستور
لم يكفَّ العمانيون عن مطالباتهم بدستور يكفل لهم دولة آمنة، وحقوقًا وحرياتٍ مستقرة، بخلاف ما يتم ترويجه من صُوَر تنميطية تسطيحية تحاول أن تصنِّف المواطن العُماني بأنه إنسان بسيط ومنعزل يسعى لقوت يومه دون أن يكترث بالسياسة وأمور الحكم. وفي المجمل تعاملت السُلطة مع هذا الملف إمَّا بالتجاهل أو بالالتفاف عليه؛ ففي الخمسين عامًا الماضية على الأقل، يمكننا التوقف عند المحاولات الموثَّقة التالية:

  • في يونيو/حزيران 1955، تقدمت مجموعة من المواطنين العُمانيين للسلطان سعيد بن تيمور بعريضة تطالبه بتشكيل هيئة تأسيسية تمهيدًا لوضع دستور "يراعي مصالح الشعب، وينظِّم اقتصاد البلاد، ويكفل الحريات السياسية، وحرية القول والتعبير، وإيجاد نوع من الحكم الديمقراطي والعدالة الاجتماعية"(2)
  • ومع تولي السلطان قابوس الحكم، في يوليو/تموز 1970، وتعيين عمِّه، طارق بن تيمور، رئيسًا للوزراء جرى الحديث عن وثيقة أُطلق عليها "الدستور المؤقَّت للمملكة العربية العُمانية" إلا أن السلطان لم يقبل بالفكرة نظرًا "لعدم جاهزية الشعب لهذه الخطوة"(3).
  • في نوفمبر/تشرين الثاني 1996، أصدر السلطان مرسومًا بإصدار النظام الأساسي للدولة الذي يَعدُّه الكثيرون بمثابة "دستور" للبلاد.
  • في مطلع العام2010 ، نشرت مجموعة من المواطنين العُمانيين من شرائح مختلفة من مثقفين ومهنيين عريضة موجهة للسلطان مباشرة تطالبه بتشكيل مجلس وطني مهمته صياغة دستور للبلاد "قوامه الشراكة والتعاقد بين الشعب والسلطان".
  • وعلى إثر الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد، في مطلع العام 2011، والتي كان من ضمن مطالبها "توسيع صلاحيات مجلس الشورى ليكون مجلسًا تشريعيًّا ورقابيًّا يحاسب مجلس الوزراء لحين اعتماد الدستور الوطني العُماني"(4)، أصدر السلطان، في مارس/آذار، من نفس العام المرسوم رقم (39/2011) بشأن منح مجلس عُمان الصلاحيات التشريعية والرقابية، وظلَّ هذا المرسوم مبهمًا بلا تفاصيل حتى انحسرت الاحتجاجات وفُضَّت الاعتصامات. وفي عشية إعلان انتخابات مجلس الشورى، في أكتوبر/تشرين الأول 2011، تمت إزاحة الستار عن التفاصيل والتعديلات، والتي أقل ما يقال بشأنها أنها كانت مسكنات وقتية دون الطموحات الشعبية بكثير.

يتضح مما سبق أن السلطة السياسية المركزية في البلاد لم ترغب بإتاحة الفرصة لميلاد مفهوم للدولة يُبنى على صيغة تعاقد اجتماعي بين شعبٍ يُفوِّض بإرادته الحرة وبين فرد أو جماعة تُدير شؤونهم العامة، وتضمن حرياتهم الفردية متذرعةً بـ"الوحدة الوطنية" تارة (كما حدث إبَّان حرب الجبل الأخضر، عام 1958، وثورة الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي خلال الفترة (1965-1975)) أو بذريعة "النضج السياسي" تارة أخرى (كما حدث في مطلع العام (1970))، أو بذريعة "أولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية". إن هذا التأجيل -رغم كل التقدم المُحرَز على مستوى دليل التنمية البشرية(5)- والذي تحقَّق نتيجة تعاون الشعب مع القيادة، أنتج في المقابل: مؤسسة تنفيذية، أمنية، رعوية، غدت جهازًا مُرعبًا لا يحق للناس محاسبته، ولا نقده، ولا التفكير في تطويره. بل استطاع أن يقلب معايير الفهم لدى كثير من الناس؛ فغدا الواجبُ فضلًا وزيادة، تتكرم به السلطة على "رعاياها".

 

• الأمن
يستحوذ قطاع الدفاع والأمن الوطني على أكثر من 30% من موازنة المصروفات السنوية العُمانية؛ حيث وصلت ميزانيَّة هذا القطاع منفردًا في العام 2011 مبلغًا وقدره (أكثر من 4 مليارات دولار أميركي) أي ما يعادل 1.65 مليار ريال عُماني(6)، توزعت على صفقات سلاح وتزويد الأجهزة الأمنية العُمانية المختلفة بتقنيات متقدمة للمراقبة والتحكم والتنصت على الفاعلين في المجتمع المدني في الداخل. وتُعتبر الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في طليعة الدول المستفيدة من صفقات الأسلحة وبيع البرامج والتقنية عالية المستوى(7). حيث يُصنِّف معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI) سلطنة عُمان من أعلى الدول في العالم إنفاقًا على القطاع الأمني والعسكري من إجمالي ناتجها المحلي(8). في بلد محدود الموارد، يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على مصدر رئيس هو "النفط"، ولا تُشكِّل الإيرادات غير النفطية فيه أكثر من 13% فقط من إجمالي الدخل العام، تحرص السلطة السياسية العُمانية على الإنفاق ببذخ على أذرعها الأمنية المتعددة والنافذة، حتى في أصعب مراحل التقشف العام وإن استدعى ذلك تقليل النفقات العمومية، وذلك لضمان بسط السيطرة على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

يصوغ جهاز المكتب السلطاني، الذي لم يعد دوره مقتصرًا على الاستخبارات الخارجية بل طال الحياة المدنية والعسكرية في الداخل، السياساتِ العامة ويضع رجاله الأوفياء في الأماكن الحيوية. وهناك جهاز الأمن الداخلي المعروف بتغوله في اليومي والتفصيلي في حياة العُمانيين، وهناك "القسم الخاص" ووحدة "المهام الخاصة" في جهاز الشرطة اللذان أصبحا أداتين محوريتين للتحكم والسيطرة والمراقبة في كل شؤون ممارسة المواطنين لحقوقهم المدنية والسياسية كحقِّ التجمع السلمي وحقِّ حرية التعبير. لقد كان لهذه الأجهزة مجتمعة دور مفصلي في محاصرة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، في العام 2011، وما تلاها من أحداث.

هذا التمكين الأمني غيَّب مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الراسخة كالبرلمان والقضاء، ولم يسمح إلا بإنشاء هياكل شكلية في كافة القطاعات تحت نظر وسيطرة المؤسسة الأمنية. كما جرى تعطيل الإرادة السياسية لدى المواطنين من خلال ضرب الثقة في أي عمل وطني خارج إذن وسيطرة المؤسسة الأمنية، التي تحكمت بالرأي العام وأجادت تشتيت اهتماماته بتصريحات وقضايا هامشية؛ الأمر الذي تجاوزت فيه هذه الأجهزة دورها الوظيفي القائم على تجفيف منابع التآمر الداخلي والخارجي، إلى أن أصبحت محور أساس في وضع السياسات وتنفيذها، والاستحواذ على الفرص والثروات؛ حيث تُمسك شبكاتُها ورجالاتُها، المتقاعدون أو الذين على رأس عملهم، بعصب الاقتصاد والإعلام والتعليم والسلك الدبلوماسي والأكاديمي من باب حرية السوق وإتاحة الفرص للجميع، بينما هي، كأجهزة، تمتلك الحماية والانحياز والمعلومات(9).

 

• التعليم
لا يتجاوز الإنفاق الحكومي على التعليم في سلطنة عُمان أكثر من 8,7%، كما تبيِّنه أرقام العام 2014 الرسمية(10). ورغم النقلات الكمية المشهودة في هذا القطاع خلال العقود الأربعة الماضية كأعداد المدارس والطلبة والمعاهد، وتوزُّع مؤسسات التعليم المختلفة، إلا أن المأزق الكبير الذي يواجه البلاد هو في نوع وجودة هذا التعليم لا في كمِّه وعدده. فعلاوة على ضعف المناهج وعدم مواكبتها لأسئلة العصر المتجددة، والتقتير على تكوين وتدريب المعلم بوصفه محور العملية التعليمية، تبرز وسائل التحكم والسيطرة التي تمارسها السلطة على هذا القطاع منذ السنوات الأولى للدراسة إلى المراحل الجامعية والدراسات العليا. فلا وجود يُذكَر في المناهج لتعليم ثقافة سياسية، ولا يتم تعليم مواد الفلسفة والمسرح والفنون الحُرة بشكل نظامي. كما يندر تناول أفكار المواطنة والحرية وثقافة حقوق الإنسان بشكل منهجي في النظام التعليمي العُماني.، إضافة لغياب أي دور نقابي مُنظَّم للمعلمين على كافة المستويات، أو أي نشاط لاتحادات طلابية في الجامعات والكليات المختلفة(11).

 

• الاقتصاد والعمل
يعاني الاقتصاد الوطني العُماني من أزمة هيكلية مُزمنة لاعتماده الرئيس على إيرادات النفط والتي تشكِّل 86% من إجمالي دخل الحكومة، كما توضحه أرقام المركز الوطني للإحصاء.

وفي ظل الاهتزازات الكبيرة التي تشهدها سوق الطاقة فقد تراجعت مساهمة إيرادات النفط في الموازنة العامة للدولة بما نسبته 46%، في سبتمبر/أيلول 2015، أي ما يعادل النصف عمَّا ساهم به في العام الذي سبقه 2014 (12). كما أن الحكومة بأجهزتها التنفيذية لم تستطع خلال أكثر من أربعة عقود تحقيق تنويع راسخ لمصادر دخل أخرى تكفل الاستدامة والأمان.

ويقع المواطن العُماني تحت ضغوط اقتصادية متزايدة؛ فمستوى دخله لا يتناسب مع مستويات التضخم المتصاعدة، ويواجه عدم عدالة في توزيع الدخل؛ إذ إن هناك تباينًا كبيرًا بين نصيب الفرد العُماني من إجمالي الدخل القومي وبين مستوى دخله الحقيقي، يصل إلى ثلاثة أضعاف؛ مما أدَّى إلى تزايد نسبة الفقر؛ الأمر الذي يضع مسألة السلم الوطني والعدالة الاجتماعية على المحك(13). وما كانت احتجاجات 2011 إلا مقدمة "سلمية" و"ناعمة" لموجات قادمة من الاحتجاج والرفض قد تتطور بالتراكم والتجاهل إلى عواقب وخيمة.

أمَّا قطاع التشغيل فيشهد هو كذلك "تشوهات هيكلية"، وتراكمات مؤجَّلة نتيجة سياسات فاشلة في حُسن استثمار "الهِبة السكانية" التي تتمتع بها البلاد، خاصة وأن أكثر من نصف عدد السكان من الشباب في مرحلة العمل والعطاء(14). ولم تنجح القرارات اللحظية باستيعاب العمالة الوطنية والتي استخدمتها السلطة لامتصاص تمدد الاحتجاجات الغاضبة في مطلع العام 2011، بل على العكس تمامًا؛ حيث عمَّقت تلك السياسة تأزم سوق العمل على المستوى الجذري؛ فقد انسحبت أعداد كبيرة من المواطنين من القطاع الخاص (الصناعي والحِرَفي على وجه الخصوص)، بل ومن مقاعد التعليم النظامي (المتوسط والثانوي والعالي) للظفر بالفرص المعروضة وبالرواتب الآمنة. غير أن جُل فرص التوظيف، التي عُرضت، وما زالت، كانت في القطاع العسكري والشُرَطي، وهو ما يعني حلًّا سياسيًّا مؤقتًا وعبئًا مُعقدًا على الموازنة العامة أكثر مما هو حل اقتصادي يسهم في إضافة حقيقية في اقتصاد وطني مُنتج. إضافة إلى الكُلفة الباهظة لعسكرة المجتمع وتجميده في الثكنات، بدلًا من تعليمه وتشجيعه على الحياة المدنية بفضاءاتها الحُرة والمفتوحة على الوعي والثقافة.

كما شهد موقع عُمان تراجعًا كبيرًا في مؤشر التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي 2015/2016، وهو مؤشر يقيس قوة اقتصادات الدول من خلال تنوعه، وقدرته على المنافسة، والثقة في جذب الاستثمارات، والتأسيس المُيَسر للمشروعات، وزيادة الإنتاج، وتعزيز مستويات المعيشة للأفراد والمجتمع. فقد جاءت عُمان في المركز الـ62 عالميًّا متراجعة 16 مركزًا عن تقرير عام 2014/2015، و29 مركزًا عن العام الذي سبقه(15).

 

• المجال العام
يتجلى أبرز مظاهر الحصار والسيطرة التي مارستها السلطة السياسية المركزية في عُمان في المجال العام بكل قطاعاته عمومًا.

ورغم استماتة السلطة في عدم الظهور بمظهر القامع للحريات العامة، وحرصها على إظهار صورتها بشكل حضاري، عملت وبشكل مُنظم ودؤوب على إعادة الوضع الساكن إلى ما قبل حراك عام 2011، داعمةً تحركها المضاد، وحصارها الممنهج بنتائج "الثورات المضادة" في بلدان الربيع العربي كمصر وليبيا وتونس واليمن مذكِّرةً المجتمع وأفراده في خطابها الرسمي الإعلامي والديني والثقافي بالعواقب الوخيمة التي تعانيها هذه المجتمعات من جرَّاء السكوت أو التهاون مع أفكار وممارسات الحراك الثوري التي اجتاحتها. لذلك، لجأت السلطة إلى أساليب "مبتكرة" للحدِّ من توسع الحراك المدني والثقافي، خاصة في كل ما يتعلق بالشأن الفكري والسياسي، ومن هذه الأساليب:

  • الاستدعاءات والتحقيقات الأمنية المباشرة والمتواصلة مع أصحاب المبادرات المدنية والأصوات المستقلة، وإشعارهم بأنهم يمارسون نشاطًا غير مرخص، و"يحرِّضون المجتمع على الحكومة"؛ مما سيُودي بهم للمحاكمات والسجون. 
  • جلسات "مناصحة" يقوم بها ضباط أمن متخصصون، بحُللهم المدنية، مع كل اسم يبرز في منصات الحوار العمومي عبر وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تويتر، واتس آب، يوتيوب، إنستجرام) يلفتون انتباههم لعواقب مُضيهم في طرح الأفكار المختلفة. 
  • اعتقال ومحاكمة من يمارس حق التجمع السلمي لدعم قضية عامة، وتوجيه الصحف ووسائل الإعلام التقليدية بالتشهير اجتماعيًّا بكل من قام بهذا الفعل وتجريمه. 
  • الضغط على أماكن احتضان الفعاليات الثقافية والمدنية كالمقاهي والمسارح والمدارس والجمعيات لكيلا تتعاون مع المبادرات الشبابية إلا بعد الحصول على ترخيص من الجهات "المختصة". ولا يُسمح في المنابر الثقافية والإعلامية الرسمية إلا بتناول الموضوعات واستضافة الشخصيات التي توافق عليها السلطات مسبقًا. 
  • تضييق دائرة الدعم المالي بعدم السماح للشركات بتقديم دعمها لأي فكرة خارج المُرخصة من قبل السلطة. 
  • تتبُّع كل الآراء المخالفة للرأي الرسمي (داخليًّا) وملاحقتها "قانونيًّا" (وفق قانون المطبوعات والنشر، وقانون الاتصالات، وقانون الجرائم الإلكترونية)، وتخصيص عدد من الموظفين "المتوارين وراء الشاشات والأجهزة اللوحية، مهمتهم كتابة كل ما من شأنه التقليل من أهمية هذه الآراء، والنيل من شخوص وذوات من يُبديها، تحت مسميات ومعرِّفات وهمية.

كل ما سبق من أساليب وغيرها، ما هو إلا جهد منظَّم يراهن على عاملَي الزمن وخفوت رُوح العمل والمبادرة لدى الفاعلين في المجال العام، اللذين لا يلبثان أن ينفدا بمجرد تكالب المعوقات الذاتية والنفسية الداخلية، مع ضغط المعوقات القانونية والاجتماعية ليركن أفراد المجتمع للسائد الآمن، ويؤثِروا السلامة والهدوء وعدم الاكتراث بالشأن العام(16).

 

ثانيًا: بين الرغبة في التغيير والقدرة عليه

إذًا، والحال كما هي بادية، ليس بمقدورنا التفكير في سؤال التغيير ومستقبله في سلطنة عُمان بعيدًا عن إعادة فهم الملفات السابقة، وبشكل جاد وجذري. لأن إشكال التغيير مرتبط بسؤال الدولة، لا بالإجابات الجاهزة التي قدمتها وتقدمها السلطة السياسية عن ذاتها طوال العقود الأربعة الماضية. إن هذه الإجابات تحولت في الحالة العُمانية إلى "دولة سلطة" قائمة، ومهيمنة، إلى الحدِّ الذي تُشكِّل فيه خطرًا حقيقيًّا على راهن الدولة ووجودها، وبالتالي على المواطنين الذين ينتظرون منها حماية حرياتهم الفردية، واحترام مجالهم الخاص، وكفالة حقوقهم في المشاركة في صناعة القرار، وصيانة قيم العدالة الاجتماعية والإنصاف والتوزيع العادل للثروات ومعالجة الفساد، وضمان حياة كريمة مستقرة للإنسان في المرحلة الحالية وللأجيال القادمة.

إن سؤال الدولة يتطلب بالضرورة الإرادة الشعبية، كما أن مستقبل التغيير في عُمان -في المرحلة القادمة- مرهون بهذه الإرادة؛ إرادة شعب يكون سيد قراره في بناء دولته الحامية للحريات، والحارسة لحقوق الإنسان، وتدار بطرق ديمقراطية، وتراقب سلطاتها بأمانة، وتحاسب مؤسساتها وأفرادها بشفافية ونزاهة، دون انتظار منح أو مكرمات من فرد أو سلطة؛ فالتاريخ البشري يقول لنا: لا وجود لمستبدٍّ آمَنَ بحق المشاركة في الحكم وأصبح ديمقراطيًّا من ذات نفسه، ولم تخبرنا التجربة الإنسانية عن تنازل سلطة ما غارقة في الامتيازات والفساد والاستئثار بالثروات لأجل بناء دولة القانون والمؤسسات.

مستقبل التغيير في عُمان اليوم، لن يكون مرتبطًا بإرادة الشعب في التغيير فحسب بل بالقدرة على هذا التغيير. إن الهوَّة الصعبة بين الرغبة والقدرة يمكن ردمها بالتالي:

  • دستور وطني: فالسُلطة، أي سُلطة تحتاج لكي تعيش وتنجح إلى "التوافق"، الذي هو أصل وحدتها وقوتها وكفاءتها. من هنا، تنبع آلية التعاقد بين الناس لإدارة شؤون الدولة. ولا يمكن للسُلطة السياسية في عُمان تجاهل المطالبات بدستور وطني، يمثِّل الشعب فيه مصدر السلطات، ويمارسها عبر مؤسسات مستقلة، تراقب وتحاسب بعضها البعض، وتحمي من خلاله قيم المواطنة والعدالة والمساواة والتعددية، وتوفر الاستدامة لها سواء على مستوى النصوص أو الممارسات. ولا يمكن لذرائع "عدم النضج" أو "الوحدة الوطنية" أو "أولويات التنمية" أن تصمد طويلًا لبلوغ هذه المرحلة. إن الحريات والحقوق الإنسانية لن تكون في حكم المُدرَك إن لم تُمارَس، ويُساء استخدامها، ويعاد تدويرها مرارًا وتكرارًا، ويُراجع النظر في وسائل وطرق استقرارها. ولن يطمئن الناس لها إلا من خلال التعلُّم من التجربة العملية، وعلى الميدان، لا في أوهام رجالات السلطة ولا عبر تمثُّلاتهم وحدهم تجاه المصلحة العامة.
  • أمن إنساني: المفهوم التقليدي للأمن القائم على المراقبة والتحكم والسيطرة واختراق الحياة الشخصية للناس، تجاوزته المجتمعات المتقدمة منذ زمن إلى مفهوم أوسع وأرحم للأمن الإنساني. فالأمن الذي يخدم الدولة ويرقى بها ليس أمن الدولة إنما هو أمن الإنسان المنطلق من محورية أن الإنسان قيمة لذاته. يُوفَّر له كل السبل الكفيلة بأمنه الاقتصادي والتعليمي والسياسي والغذائي والصحي والبيئي والثقافي، وحمايته من أي عنف يطوله سواء من غيره من الأفراد أو من مؤسسات الدولة ذاتها.
  • تعليم عصري: البلاد في حاجة إلى تعليم مدني، يضع معايير جودة مخرجاته نصب عينيه، يُكوِّن الأجيال القادمة تكوينًا معرفيًّا على ثقافة السؤال والنقد والبحث العلمي الجاد. تعليم يحببهم في الفن والجمال والفلسفة كمعطيات ضرورية لفهم الحياة والوجود، ويغرس فيهم القيم الأخلاقية الإنسانية الكبرى والمشتركة مع باقي الناس في هذا العالم؛ قيم الحرية والعدالة والمساواة والتعددية والحوار وقبول المختلف من الثقافات والأراء والأديان.
  • اقتصاد المعرفة: أوضحت تجربة العقود الماضية كارثية الاعتماد الكلي على مصدر أوحد وناضب كالنفط. ولن ينجو أي اقتصاد من مقامرات العرض والطلب والتعرض لمخاطر الإفلاس والكساد والتضخم وسحق حياة البشر إلا بالاستثمار في الإنسان. إن بناء اقتصاد وطني قائم على المعرفة؛ تأهيلًا، وبحثًا، وإنتاجًا؛ يستوجب بالضرورة الإيمان بدولة الحقوق والحريات، التي تصون المال العام، وتحمي تبديده على الامتيازات، وتستثمر فوائضه، وتوجهه توجيهًا راشدًا لحياة الناس، وتذلِّل كل التحديات من أجل تعليمهم وصحتهم وبحثهم وإنتاجهم.
  • مجتمع مدني فاعل: التغيير لا يأتي إلا بالعمل، والتحول الديمقراطي للدول هو نتيجة تراكم مهارات مكتسبة لمجتمعه المدني وأفراده. جميع المعوقات الموضوعة من قبل السلطة اليوم في وجه نمو طبيعي وآمن للمجتمع المدني العُماني ينبغي ألا تتحول إلى معوقات للتقدم والنضال من أجل التغيير بل هي تحديات تُحفز العاملين في هذا المقام لمواصلة اجتراح أفكار جديدة ومبتكرة ومستدامة لأجل التغيير المنشود.

 الخاتمة

يدرك العُمانيون اليوم أنهم يملكون جملة من المقومات تُعزز محورية إرادتهم الشعبية في مستقبل عملية التغيير في بلادهم؛ فالانسجام والتعايش الذي تعيشه مختلف شرائح المجتمع -في وسط محيط إقليمي هائج- يُمكِّنهم من بناء دولتهم المدنية المتسامية على الطائفية والقبلية والمذهبية. السلم الاجتماعي، والوئام الوطني، والتنمية البشرية المعقولة التي عاشها الناس طوال حكم السلطان قابوس خلال الـ 45 عامًا الماضية يُمكن البناء عليها كأساسات متينة ومستقرة للبدء في تأسيس دولة الحقوق والحريات، لا بانتظار قرار فوقي من ذات السلطة، التي تروِّج أن الشعب "لم ينضج بعد"، ولا بفعل تدخل خارجي لن يكون مجانيًّا بالتأكيد، ولا بانتظار ذات الفئات المنتفعة من الوضع الحالي. بل بمواصلة النضال السلمي، ونحت ثقافة سياسية ملتزمة بحقوق الإنسان المدنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وحماية مصالحه العامة وفرص أجياله القادمة.


__________________________
سعيد سلطان الهاشمي - باحث عُماني

الهوامش
هنري لوفيفر، الدولة والسلطة، ترجمة: حسن أحجيج، مجلة فكر ونقد 1997. متاحة على موقع حكمة على الرابط التالي:
http://hekmah.org/الدولة-والسلطة-هنري-لوفيفر/ 
سعيد سلطان الهاشمي، عُمان الإنسان والسلطة: قراءة ممهِّدة لفهم المشهد السياسي العُماني المعاصر، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية  2015، ص 53.
لمزيد من التفاصيل، انظر: بسمة مبارك سعيد، التجربة الدستورية في عُمان، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013.
مجموعة مؤلفين، الربيع العماني: قراءة في الدلالات والسياقات. تحرير أعداد: سعيد سلطان الهاشمي، بيروت: دار الفارابي، 2013، ص 369.
التقرير على الرابط:
http://hdr.undp.org/sites/default/files/reports/270/hdr_2010_en_complete_reprint.pdf
الخليج 2014: الثابت والمتحول، مركز الخليج لسياسات التنمية، 2014، على الرابط التالي:
https://www.gulfpolicies.com/index.php?option=com_content&view=category&layout=blog&id=188&Itemid=444 
في 4سبتمبر/أيلول 2013، كشف موقع الوثائق الشهير "ويكيليكس" عن عديد من الوثائق المؤكِّدة على شراء الأجهزة الأمنية العُمانية لتقنيات متطورة لأغراض التنصت والتتبع لفعاليات مجتمعية ومدنية. التفاصيل على الرابط التالي:
https://search.wikileaks.org/?q=Oman 
8  (Military expenditure as a share of GDP, 2005-2010 (table)، على الرابط: إضغط هنا.
انظر: حيدر إبراهيم علي، تجدد الاستبداد في الدول العربية: الدور المستقبلي للأمنوقراطية، مجلة المستقبل العربي، السنة 27، العدد 313 (مارس/آذار 2005)، ص 57-80.
10 الكتاب الإحصائي السنوي، أكتوبر/تشرين الأول 2015، الإصدار رقم 43، 
https://www.ncsi.gov.om/Elibrary/LibraryContentDoc/ 
https://bar_Statistical_Year_Book_2015_00fad854-a091-4607-ae33-b705bb8f829b.pdf 
11 هل ستكون "المجالس الاستشارية" الصوت المسموع لطلبة التعليم العالي؟، صحيفة البلد الإلكترونية،
http://albaladoman.com/22641 
12 النشرة الإحصائية الشهرية، سبتمبر/أيلول 2015، المركز الوطني للإحصاء :
https://www.ncsi.gov.om/Elibrary/LibraryContentDoc/bar_Monthly%20Statistical%20Bulletin%20%20September%202015_ed7789ed-1046-4007-bbf2-7fb5a763f048.pdf 
13 في هذا المقام حاول بعض مؤسسات المجتمع المدني خلق حالة من النقاش العام والتفكير العمومي المسموع لتدارك الكثير من الأخطاء التخطيطية والتنفيذية في الماضي، مثل الجمعية الاقتصادية العمانية ووثيقتها الموسومة بـ"عُمان التي نريد" لكنها لم تجد آذانًا مصغية من السلطة. للمزيد هنا رابط الوثيقة (تاريخ الدخول 11 أكتوبر/تشرين الأول 2015):
http://oea-oman.org/Booklet.pdf 
14 الكتاب الإحصائي السنوي أكتوبر/تشرين الأول 2015، الإصدار رقم 43 المركز الوطني للإحصاء:
https://www.ncsi.gov.om/Elibrary/LibraryContentDoc/ 
bar_Statistical_Year_Book_2015_00fad854-a091-4607-ae33-b705bb8f829b.pdf
15 انظر تفاصيل التراجع على الرابط التالي:
http://reports.weforum.org/global-competitiveness-report-2014-2015/economies/#economy=OMN 
16 لمزيد من التفصيل، انظر:
سعيد سلطان الهاشمي، قراءة في مبادرات المجتمع المدني العُماني بعد حراك عام 2011، مركز الجزيرة للدراسات، على الرابط التالي:
http://studies.aljazeera.net/issues/2014/03/20143594339143167.htm

 
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا
 
 
المواد المنشورة  لاتعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها 

 

صدرت النسخة الورقية من كتاب "الخليج ما بين الشقاق المجتمعي وترابط المال والسلطة"

يركز هذا الإصدار على رصد وتحليل أوجه الخلل المزمنة في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وقد اخترنا أن يكون محور هذا الإصدار موضوعين رئيسين ومترابطين، وهما حالة الشقاق المجتمعي في دول الخليج كظاهرة من الخلل السياسي، بالإضافة إلى ترابط المال والسلطة كأحد انعكاسات الخلل الاقتصادي.
والمتتبع لشأن المنطقة يلاحظ تصاعد وتيرة هاتين الظاهرتين بوضوح. فبات بارزاً تهديد شبح الشقاق المجتماعي لنسيج دول المجلس، الناتج عن تزايد حدة الانقاسامات السياسية بناء على الطائفة أو الإثنية أو القبيلة، أو غيرها من الهويّات الفرعية، حتى أصبح خطر الاحتقان الأهلي واقعاً حقيقياً يواجه بعض دول المنطقة. في مقابل هذا الشقاق المجتمعي، فإن سمة بارزة في اقتصادات دول المجلس هي ترابط المال والسلطة، وتركز الثروات الخاصة والنفوذ السياسي في فئة صغيرة من الأفراد. وهكذا بات الشقاق والتصادم على المستوى السياسي – المجتمعي، يقابله تشابك وتمركز في النفوذ والسلطة على المستوى السياسي الاقتصادي. وقلّما تم رصد وتحليل هاتين الظاهرتين على مستوى دول الخليج.


الملخص التنفيذي

تقديم: من الخليج عن الخليج وإلى الخليج

للإطلاع على قائمة المحتويات.. شاهد المرفقات 

  

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها

نشرت مجلة المستقبل العربي الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت في عددها الأخير  443 - يناير 2016 مراجعة الباحث والأكاديمي الأردني الأستاذ فايز الصياغ لكتاب الدكتور علي خليفة الكواري: "العوسج: سيرة وذكريات" الصادر عن منشورات ضفاف في بيروت عام 2011. 

مرفق المراجعة في ملف بي دي إف. أو بالإمكان الإطلاع على المراجعة بالضغط هنا.

 

 

 

(1)

“ربما ننفق كل العمر .. كي ننقب ثغرة
ليمر النور للأجيال .. مرة !
ربما لو لم يكن هذا الجدار ..
ما عرفنا قيمة الضوءِ الطليق!!” 

أمل دنقل

(2)

منذ فترة انطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مبادرة تدعو إلى التوقيع على ما أسمته “ميثاق الحوار الوطني”، وهي تطالب بحوار مفتوح بين الشعب والسلطة الحاكمة يفضي إلى شراكة حقيقية وفاعلة وتنمية إنسانية مستدامة، كما نص بيان المبادرة على 10 أهداف رئيسية يمكن استعراضها بإيجاز كالتالي: (خلق ثقافة سياسية عامة، إيجاد شراكة ديمقراطية في إدارة الشؤون العامة، بناء مفهوم شامل للأمن الإنساني، تطوير نظام التعليم، بناء اقتصاد يرتكز على المعرفة، استقلال القضاء، حماية المال العام، ضمان توزيع عادل للثروة الوطنية، بناء وعي نقابي، وتعزيز ثقافة النقد والمحاسبة). وقد انتهت الدعوة بتوقيع ما يقارب 80 شخصاً عليها. ويتضح من خلال نسبة الموقعين، ونتائج الاستفتاء الذي أجري حولها في مواقع التواصل، وحجم التفاعل معها وردود الأفعال حولها أن الدعوة لم تحز على إقبال كبير كما هو متوقع من أي دعوة للحوار، بل على العكس قابلها الكثير من النقد والاستهجان.

(3)

ربما عزوف الرأي العام عن التوقيع على دعوة “للحوار الوطني” يستوجب التوقف والتساؤل، خاصة حين تنادي هذه الدعوة لما فيه خير وصلاح الوطن والإنسان. ولكن هل يكفي أن تنص دعوةٌ ما على الخير وعزة الوطن والإنسان كي تحقق النجاح؟ أليست هنالك أُسس يجب أن تكون موجودة في أي دعوة للحوار حتى تكتسب القبول والثقة والقدرة على الإقناع وبالتالي اكتساب التأييد؟

(4)

ما هو الحوار الوطني؟ ومن هم أطرافه الذين سيمثلون الإرادة العامة؟ وهل هنالك إمكانية فعلية لوجود حوار وطني في ظل الواقع السياسي المعاش الذي تستهدفه هذه الدعوة؟ من الواضح، حسب نص البيان، أن مفهوم “الحوار الوطني” الذي أطلقته هذه المبادرة يتسم بالضبابية وعدم الوضوح والتحديد، وهذا هو السبب الرئيسي في عزوف الجمهور العام عن تأييده. فالحوار الوطني، كما هو معروف، حوار يتم من خلال وفيما بين مؤسسات المجتمع المدني المستقلة لمناقشة قضايا عامة معينة للوصول إلى اتفاق عام مشترك حولها، بينما نص ميثاق هذه المبادرة على أنه “حوار وطني مفتوح بين الشعب – مصدر جميع السلطات- بكافة أطيافه ومكوناته وبين السلطة الحاكمة”، وهنا يتضح أن هنالك فرقاً كبيراً بين مفهوم الحوار الوطني والحوار الذي تدعو إليه هذه المبادرة، حيث أن الدعوة التي لا تقوم على أساس واضح وراسخ، مهما كانت بواعثها خيّرة، لا تقود إلا إلى متاهة أكبر!

(5)

عندما يعيد المرء قراءة نص بيان هذه المبادرة في محاولة جادة ومنصفة بحثاً عن إمكانية وجود حوار مفتوح بين الشعب بأكمله والسلطة الحاكمة يجد بديهياً عدم إمكانية ذلك. صحيح أن الشعب مصدر جميع السلطات كما تنص الأدبيات السياسية الحديثة ولكن مثلما أنه من الصعب أن يقوم شعبٌ بأكمله بالحكم كذلك من الصعب أن يقوم شعبٌ بأكمله بالحوار. فالشعب يحكم أو يقوم بالحوار من خلال من يمثل إرادته كمؤسسات المجتمع المدني والاحزاب السياسية، فبدون وجود قوى سياسية مستقلة تُمثِّلُ إرادة الشعب تصبح العملية بالغة الصعوبة ويمكن وصفها بالمستحيلة! الأمر الآخر هو أن وجود مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية يتطلب وجود مجتمع مدني أولاً، وثقافة مدنية، والواقع أن أي فرصة لإمكانية تشكّل مجتمع مدني قد تم تعطيلها، وإلى الآن لازلنا نعيش في إطار مجتمع عشائري. تبقى الحرية هي الشرط الأساسي لوجود المجتمع المدني، فلا يُتصور إمكانية الحوار الحقيقي في أي وطن دون الحرية أولاً، ولهذا تعاني المجتمعات من صراعات طويلة من أجل التحرر من أطرها التقليدية المقيّدة للحرية، وحين تكتسب حقها في حرية الرأي والتعبير، وتنشأ ثقافة احترام الآخر والقبول بالاختلاف والتعدد تولد الروح المدنية، وينشأ المجتمع المدني، وتتشكل مؤسسات المجتمع المدني التي تُمثّل أفراداً أحراراً مستقلين، وآنذاك يمكن أن ينشأ الحوار الوطني الحقيقي الذي يقود هذا المجتمع إلى تطوره وازدهاره.

(6)

هنالك إشكالية أخرى وقعت فيها هذه المبادرة وهي الخلط بين المبدأ الإنساني والإجراء العملي، فالحوار كمبدأ وقيمة إنسانية قائم بطبيعته على احترام الآخر والقبول بالتعدد والاختلاف في وجهات النظر، وأن الحقيقة لا يملكها طرف واحد، بل إن فهم الحقيقة يتضح ويتسع من خلال تبادل الآراء ووجهات النظر وتَشَارُك جميع الأطراف في الوصول إلى هذه الحقيقة، في حين أن هذه المبادرة لم تكتفِ بالتأكيد على الحوار كمبدأ وقيمة إنسانية وإنما طالبت الجمهور بالتصويت (مع الحوار)، وهو ما يعني بالضرورة أن من لم يصوّت مع الحوار فهو بذلك ضد الحوار، وفي هذا إقصاء جائر وانتقاص لمبدأ الحوار! فالمبادئ الإنسانية، باعتبارها عامة وملزمة لكل الناس، يتم التأكيد عليها فقط، ولا يمكن طرحها للتصويت ب مع/ أو ضد. أما ما يطرح للتصويت عادةً فهي القضايا أو الموضوعات المحددة التي سيتركز عليها الحوار، وفي هذه الحالة، يمكن دعوة الناس للتصويت عليها، وبالتالي قد يتفقون أو يختلفون حولها. لكن التصويت هو جانب إجرائي يتطلب وجود قضايا محددة للحوار، ووجود آراء حولها حتى يتم طرح مسألة التصويت العام عليها، في حين أن هذه المبادرة لم تُحدد موضوعات أو قضايا للحوار، فعلى ماذا تدعو الجمهور للتصويت؟!
المفارقة العجيبة فعلاً هي أن تقوم دعوة للحوار بالزج بالمجتمع في دائرة تصنيف إما مع أو ضد، أي، إما اللون الأبيض أو الأسود، فهذه الثقافة لا يمكن تساعد أي مجتمع على الحوار والتقدم، فجوهر الحوار يتنافى مع هذه الدائرة الضيقة، لأن الحوار يعني الخروج من دائرة التصنيف، والانفتاح على تعدد الآراء ووجهات النظر، وقبل كل هذا فالحوار مبدأ وقيمة إنسانية، والمبادئ والقيم الإنسانية لا يمكن طرحها للتصويت مع أو ضد، فلا يمكن أن تُطرح قيم ومبادئ كالأمانة والصدق والحرية والعدالة والمساواة للتصويت العام: مع أو ضد، لأنه يفترض أن يكون الجميع مع هذه القيم والمبادئ!

(7)

أخيراً إن أي دعوةٍ تَنشُدُ النجاح والتأييد المجتمعي لها ينبغي أولاً أن تنطلق من مفهوم واضح حتى تصل لعموم المجتمع بشكل واضح وإلا سيكون مصيرها الفشل، وهذا ما حدث لهذه المبادرة التي يبدو أنها انطلقت بدون أن تحدد ماهية هذا الحوار أو موضوعاته، لهذا كانت الدعوة للتصويت أشبه بالدعوة للتوقيع على شيء مبهم، وهو ما جعل السواد الأعظم يعزف عن التفاعل مع هذه الدعوة ويقابلها بعدم الاهتمام، ومع ذلك، يظل الحوار مبدأ أساسي وقيمة إنسانية عليا لا غنى عنها في أي مجتمع، ولكن لا يمكن أن يتفتح الحوار وينضج ويتطور بدون وجود الحرية أولاً.

المصدر: الفلق

المواد المعروضة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

إيمانًا بأهميةِ اللحظةِ الراهنةِ وتاريخيتِها، وحرصًا على حمايةِ المنجزِ الوطنيِّ، وضمانًا لاستدامتِه، ندعو  نحن الموقعون على هذا الميثاقِ السُّلْطةَ السياسيةَ الحاكمةَ في البلادِ إلى حوارٍ وطنيٍ مفتوحٍ بين الشعب – مصدر جميع السلطات – بكافةِ أطيافهِ ومكوناتِهِ وبين السلطةِ الحاكمة.

حوارٌ يُفضي إلى شراكةٍ حقيقيةٍ وفاعلةٍ، من أجلِ تنميةٍ إنسانيةٍ مستدامةٍ، ووطنٍ يتمتّعُ فيهِ الإنسانُ بالمساواةِ والحريةِ والعدالةِ الاجتماعيةِ، تكونُ فيه السيادةُ للشعبِ، والحكمُ للقانونِ. ويعملُ فيهِ الجميعُ على احترامِ وتكريسِ الحرياتِ المدنيةِ والسياسيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ، وضمانِ الحرياتِ الفرديةِ وحمايتِها، من خلال سُلُطاتٍ تشريعيةٍ وتنفيذيةٍ وقضائيةٍ منفصلةٍ ومتعاونةٍ في ذاتِ الوقتِ؛ لخيرِ الإنسانِ، ولأمنِ واستقرارِ الوطنِ، بوصفِهِ الهدفَ الأسمى لحاضرِ هذه الأجيالِ وقادِمِها .

 إنّ هذا الحوارَ يستوجبُ بالضرورةِ تشخيصًا دقيقًا وصادقًا لراهنِ البلادِ السياسيِّ والاقتصاديِّ والاجتماعيِّ بعيدًا عن المجاملاتِ وقريبًا من التحدياتِ، يخْلُصُ في نتيجتِهِ إلى حلولٍ وخططٍ عمليَّةٍ تعالجُ مواطنَ الخلَلِ وتمهِّدُ الطريقَ نحو المستقبل. 

 وعلى رأسِ أجندةِ هذا الحوارِ، أهدافٌ رئيسةٌ منها:

  • خلقُ ثقافةٍ سياسيةٍ عامةٍ؛ حُرّةٍ ومسؤولةٍ عن تأصيلِ منظومةِ الحقوقِ والحرياتِ.

  • الشراكةُ الديموقراطيةُ في إدارةِ الشؤونِ العامةِ، والعملُ على تضييقِ الاستبدادِ بالسلطةِ، ومكافحتِه.

  • بناءُ مفهومٍ شاملٍ للأمنِ الإنسانيِّ يصونُ حياةَ وأفكارَ وتطلعاتِ الناسِ.

  • تطويرُ نظامٍ تعليميٍّ قائمٍ على الابتكارِ والابداعِ.

  • العملُ على بناءِ اقتصادٍ يرتكزُ على المعرفةِ ويعيدُ إنتاجَها.

  • استقلالُ القضاءِ ونزاهتِهِ.

  • حمايةُ المالِ العامِ وتحصينِ مؤسساتِ الدولةِ من الفسادِ الإداريِّ والماليِّ.

  • ضمانُ توزيعٍ عادلٍ للثروةِ الوطنيةِ.

  • بناءُ وعيٍ نقابيٍّ مستنيرٍ يكونُ ركيزةً لاقتصادٍ قويٍّ.

  • تعزيزُ ثقافةِ النقدِ والمراقبةِ والمحاسبةِ، ليس في المؤسساتِ المتخصصةِ فحسب، بل وفي المجالِ العامِّ من خلالِ فضاءٍ إعلاميٍّ حُرٍّ.

 إنَّ البلادَ تمرُّ بمرحلةٍ دقيقةٍ تتطلبُ منا جميعًا أعلى درجاتِ الصدقِ والوضوحِ والإخلاصِ في اضطلاعِنا بمسؤوليّاتِنا الوطنيةِ، نُصحًا وتقييمًا وتقويمًا، من أجلِ كرامةِ الإنسانِ وعزّتِهِ، وحتى ينعمَ هذا الوطنُ الغالي بما يستحقُّهُ من مجدٍ ورفعةٍ وسلامٍ دائم. 

 اللهُ وعُمانُ من وراءِ القصد.

ديسمبر2015

الموقعون:

عبدالله حبيب، أحمدالمخيني، مالك المسلماني، سلطان السعدي، سمية اليعقوبي، حمود سعود، بسمة مبارك، أحمد الشيزاوي، بسام أبوقصيدة، سعيد سلطان الهاشمي، خالد النوفلي، عمَّار الغاربي، طارق الصباحي، إسماعيل المقبالي، محمود حمد، سعيد الجلندي، أمل السعيدي، إسحاق سلطان الإغبري، عوض الصوافي، أحمد اليعربي، ماجد إسماعيل البلوشي، بسمة حمد البادي، زيان سيف المعمري، عادل المعشني، ابتهاج يونس، فهد خميس الخروصي، عبدالعزيز سالم الجهوري، سليمة سيف البلوشي، سيف العيسائي، محمد راشد الشكيلي، مصطفى زهران، محمد الفزاري، علي العامري، هلال المعمري، بدر ناصر العريمي، سالم الحوسني، سعيد الغيلاني، سالم المسعودي، سعيد العريمي، عون العجمي، مسلم سعيد باقي، محمد حمد العلوي، يعرب عبدالله الفارسي، ساعد الجنيبي، إبراهيم القاسمي، علي مبارك الحجي، ناصر المنجي، عبدالله محمد العريمي، ناصر صالح البرومي، هلال علي المقبالي، حسن الرقيشي، بدر سالم العبري، أحمد ناصر البحري، سيف خلفان آل عبدالسلام، خالد سعيد الشكيلي، فلاح حمد الوهيبي، محمد المعمري، سامي مسعود العبري، خلود سيف، هلال محمد الرحبي، فهد سالم الكثيري، سليمان علي المعمري، علي حميد اليعربي،  عبد الحكيم محمد زاهر الهنائي، علوي المشهور، طالب السعيدي، خالد نصيب العريمي،فلاح خليفة الهنائي، خميس الجرادي،ابتهاج المسكري

المصدر: موقع ميثاق الحوار الوطني - عُمان

المواد المعروضة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية

بمناسبة صدور استبيان مركز الخليج لدراسات التنمية حول الديمقراطية في دول مجلس التعاون، نعرض فيما يلي مجموعة من الدراسات المختارة حول الديمقراطية في دول الخليج، كمحاولة لتحليل الوضع الراهن للديمقراطية فيها، ومن أجل تكوين صورة لتحديّات وفرص الانتقال إليها في المستقبل.

اصدارات مركز الخليج لدراسات التنمية 

كتاب: الإنفتاح السياسي و الديمقراطية الحزبية في البحرين: دراسة ميدانية 2000 - 2011م 

أوراق من إصدار المركز "الثابت والمتحوّل 2013":

1- ملف دساتير دول مجلس التعاون بين الدّولة الرّاعية والدّولة الدّيمقراطيّة 
2- مقدمة الخلل السياسي: في توصيف الخلل وتداعيات الانتفاضات العربيّة


دراسات ومقالات مختارة


كتب
الخليج العربي والديمقراطية - علي خليفة الكواري


 دراسات

 مداخل مرحلية لتعزيز الديمقراطية في البحرين - د. على خليفة الكواري
 
الكويت وتجربة الانتقال إلى الديمقراطية - إسماعيل الشطي
 
تجربة الإنتقال إلى الديمقراطية في الكويت - د. علي فهد الزميع

 الدستور الديمقراطي المنشود لدول مجلس التعاون - د. حســن الســيد

الكويت..إلى أين؟ التحديات ومستقبل النموذج الديمقراطي - عبدالله الشايجي
 
هل للديمقراطية مستقبل في دول الخليج العربي؟ - عدنان الهياجنة

حالة الديمقراطية في قطر- د. علي خليفة الكواري
 
مستقبل الديمقراطية في عُمان - علي بن سليمان الرواحي
 
الانتقال للديمقراطية في دول مجلس التعاون : تحديات جسام و فرص محدودة - د. علي خليفه الكواري
 
المشاركة السياسية والتنمية في دول مجلس التعاون - يوسف خليفة اليوسف
 
النظام البرلماني في دولة الكويت الواقع والمستقبل - حسين علي الصباغة
 
عوائق الانتقال الديمقراطي في بلدان مجلس التعاون - د. علي خليفة الكواري
 
الحاجة إلى الإصلاح في المملكة العربية السعودية - عبد المحسن هلال

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها

موقع الجماعة العربسية للديمقراطية غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية 

 

:أصدر التيار التقدمي الكويتي مادة تثقيفية عن دستور ١٩٦٢ الكويتي بعنوان

دستور ١٩٦٢ في الميزان الديمقراطي

مرفق الملف

 

المواد المنشورة لا تعبر رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

أعلن في التاسع من أكتوبر 2015 عن فوز اللجنة الرباعية للحوار الوطني في تونس بجائزة نوبل للسلام لعام 2015 لدورها في المساعدة في عملية التحول الديمقراطي في البلاد. ويذكر أن الجائزة العريقة تنافس عليها 273 اسمًا.

وقالت كاسي كولمان فايف، رئيسة لجنة نوبل، إن اللجنة الرباعية قدمت "مساهمة مصيرية في بناء ديمقراطية تعددية"، وأضافت: "لذا كان دورها فعالاً في تمكين تونس خلال بضعة أعوام من إقامة نظام دستوري للحكومة يكفل الحقوق الأساسية لجميع السكان، بغض النظر عن الجنس أو المعتقد السياسي أو المعتقد الديني". وقالت أيضا أن لجنة نوبل تأمل أن "تساهم الجائزة في حماية الديمقراطية في تونس وأن تكون مصدر إلهام لجميع أولئك الذين يسعون إلى تعزيز السلام والديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وسائر أنحاء العالم".

وقد تشكلت اللجنة عام 2013 بمادرة ذاتية من المجتمع الدني وسط مخاطر عدة هدددت بانهيار علمية الانتقال الديمقراطي في تونس في أعقاب ثورة 2011 وبعد موجة من الاغتيالات والاضطرابات الاجتماعية والسياسية. وتتألف من أربع منظمات مجتمع مدني تونسية، هي الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والحرف والصناعات اليدوية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، ونقابة المحامين التونسيين. وقد عرفت هذه اللجنة باسم «الرباعي الراعي للحوار».

وفيما يلي نبذة عن المنظمات الأربع:

1- الاتحاد العام التونسي للشغل: وهو منظمة نقابية مستقلة عن كافة التنظيمات السياسية، وتستمد شرعيتها وقوتها من القواعد العمالية، ومقرها المركزي بتونس العاصمة. والأمين العام للاتحاد منذ 29 ديسمبر 2012 هو حسين العباسي، وهو أول أمين عام للمنظمة بعد الثورة بالانتخاب، وعُرف بنشاطه الدائم في مجال حقوق الإنسان.

موقع الاتحاد العام التونسي للشغل: http://www.ugtt.org.tn/

 

2-الاتحاد التونسي للصناعة والحرف والصناعات اليدوية: وقد تأسست هذه المنظمة عام 1947، بمبادرة من الشيوعيين، ولكن خلفهم بعد ذلك الحزب الحر الدستوري الجديد.  وتعد أكبر منظمة لأصحاب الأعمال في تونس ويترأس الإتحاد سيدة الأعمال وداد بوشماوي جاءت بالانتخاب منذ 2011.

موقع الاتحاد التونسي للصناعة والحرف والصناعات اليدوية: http://www.utica.org.tn/Fr/

 

3- الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان: وهي إحدى المنظمات الحقوقية التي تدافع عن الحريات العامة والفردية، وتدعم العدالة الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب اهتمامها بتأهيل الشباب من خلال التدريب منذ تأسيسها في 14 مايو 1976. ويترأس المنظمة منذ الثورة عبد الستار بن موس، والذي كان عضوًا في لجنة المجلس الإقليمي للمحامين بتونس 1989-1995، وعضوًا في النقابة الوطنية للمحامين 1995-2001، ونقيبًا للمحامين بين عامي 2004-2007.

موقع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان: http://www.ltdh.tn/?q=ar

4- نقابة المحامين التونسيين أو "الهيئة الوطنية للمحامين"، ويترأسها محمد الفاضل محفوظ، والذي عُرف باستقلاله السياسي على مدار حياته، وهو حاصل على ليسانس الحقوق والعلوم السياسية من فرنسا، قبل أن يحصل على شهادة الأستاذية في الحقوق. واُنتخب محفوظ كعضو في الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وكُلف بالإشراف على لجان التونسيين بالخارج.

موقع نقابة المحامين التونسيين أو "الهيئة الوطنية للمحامين بتونس": http://avocat.org.tn/

روابط أخرى ذات صلة

الإعلان عن الجائزة في أوسلو:

http://www.nobelprize.org/mediaplayer/index.php?id=2571

https://www.youtube.com/watch?v=LfcS6Ce1TN4

التصريح الرسمي عن الجائزة بالانجليزية:

http://www.nobelprize.org/nobel_prizes/peace/laureates/2015/press.html

ابتهاج الشارع التونسي بالجائزة:

https://www.youtube.com/watch?v=fgWHrAomlyA

أول تصريح للعباسي إثر حصول الرباعي على جائزة نوبل للسلام

https://www.youtube.com/watch?v=218u5V7KAlg

تقرير عن منح جائزة نوبل للرباعية التونسية

https://www.youtube.com/watch?v=A_xh-4fOoO4

قائمة الحاصلين على نوبل للسلام

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%B2%D8%A9_%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%84_%D9%84%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85

موقع لجنة نوبل للسلام

http://www.nobelprize.org/

علي خليفة الكواري: شكرا تونس

http://www.dr-alkuwari.net/sites/akak/files/thnk_you_tunasia.pdf

صفحة تونس – موقع الجماعة العربية للديمقراطية

http://www.arabsfordemocracy.org/arab-countries/countries/tunisia

ملف الحوار الوطني في تونس – موقع الجماعة العربية للديمقراطية

http://www.arabsfordemocracy.org/arab-countries/countries/tunisia/item/893-2014-09-02-16-12-26

قسم التحركات الشعبية من أجل الديمقراطية – موقع الجماعة العربية للديمقراطية

http://www.arabsfordemocracy.org/component/banners/click/13

ملف الكتلة التاريخية على قاعدة الديمقراطية – موقع الجماعة العربية للديمقراطية

http://arabsfordemocracy.org/arab-countries/political-life/revolutions/item/726-2014-08-31-11-25-11

مجلس نواب تونس

http://www.anc.tn/site/main/AR/index.jsp

ملف الثورات والإصلاح والتحول الديمقراطي في الوطن العربي من خلال الثورة التونسية

http://www.dohainstitute.org/release/09183986-ab64-4e26-aff8-9dbb2bf42913

 

 

لماذا المذكرات؟

ما أهمية المذكرات؟

لأن الذاكرة، على حد تعبير هربرت ماركوز، من أعلى مهمات الفكر شأنا ومن أقدم الانجازات النفسية وهي كذلك نتاج للحضارة. وبالرغم من ان الحضارة فعليا هي ترويض للذاكرة واخضاعها لقوانين ضابطة محكمة فالسلطة تسيطر على الزمن وتهيمن عليه بيد أن احياء الذكريات واطلاق قوتها التحريرية يعد جوهر الحياة ذاتها ومحركها الدائم فالذاكرة ضد التسليم للزمن وهي اداة للتحرر من سلطته فقد ارتبطت السعادة والحرية بفكرة الانتصار مجددا على الزمن (اي عبر الزمن المسترد من النسيان)

 التزم الباحث علي الكواري في مذكراته بالترتيب الزمني لسرد الاحداث وتتابعها وتتضح في فصولها ملامح شخصيته العصامية الكارزمية وروحه المثابرة الحرة ونزوعه الى الصدق والاشتباك بالشأن العام وكذلك عشقه للحياة والرحلات والاسفار والتعرف على العالم واستكشافه ، والاهتمام السابغ بعائلته وأصدقائه وكل من حوله تمتد حبال الود والصداقة بينه وبين الناس في روافد متعددة متدفقة وتتوسع علاقاته وتزداد ولا ينتابها القطيعة والازورار ابدا.

يقودنا صاحب السيرة علي الكواري بدراية وألفة خلال لوحة كاملة حية من النسيج الاجتماعي لأهل قطر وقيم المجتمع الصغير البسيط (التجلد والنزاهة والبساطة والتكاتف والتضامن والتكافل) وروح الجماعة المتجانسة المتماسكة؛ تلك الروح الممزوجة بالصلابة والامل والتطلعات ، والتي كانت تسعى الى الاكتمال والترقي عبر التعلم والتجريب والتراكمية.

لقد خلبتني وأسرت قلبي نظرته العفوية المتحضرة للمرأة من حوله؛ أختا وقريبة وجارة وشريكة وابنة وزميلة باعتبارها انسانة في المقام الاول فقد كان ذكر المرأة في فصول كتابه يعكس دائما احتراما وتثمينا فعليا للمرأة بلا تفاخر ولا تظاهر ولا ادعاء.

هناك قطعاً تصاعد ملحوظ في التشويق في سرد الاحداث، في الفصول المتتابعة ومرد ذلك الى احتدام الاحداث وطغيان المشاعر المختلطة من الاسى والتحسر والغضب التي تثيرها ملابسات الاحداث العامة التي فارت وماجت في عقد الستينيات.

بعض الامور لا تغدو كلية جزءً من الماضي المنقضي ولا ينتهي تأثيرها النفسي والمادي على المؤلف (وعلى القراء كذلك ) وتتجلى آثار تلك الشؤون العامة من خلال انتقائية السرد وسخونة نبرته في المواضع المختلفة وذلك الجانب البحثي يبرز فطنة صاحب السيرة وسعة أفقه فالباحث د علي الكواري لا يقوم باستحضار مباشر للماضي بقدر ما يسعى بالاحرى الى اعادة بناء ما حدث باعتبار ما نحن عليه اليوم وما صرنا نعرفه عن انفسنا وعما حدث آنذاك ولذلك عندما يسرد الكواري ما عاصره وما شهده - في سيرته – يعمد بوعي وترصد وتوق الى الاصلاح الى تقديم تحليل حصيف ووجهة نظر تنويرية لا تعوزها الفطنة ولا القرائن. 

يعيش الكواري دائما بين الناس ، يطوف بكل فئاتهم ويستوعب اختلافهم ، وهم موجودون بقوة وجلاء في كل أنحاء فصول سيرته ، يملؤون فضاء المذكرات : زملاء ومدرسون وعمال وجيران واقارب وأصحاب ومعارف وشخصيات عامة وحتى عابرون ومؤقتون ولا نكاد نرى المؤلف (صاحب السيرة) الا متفاعلا مع الناس منصهرا بهم منفتحا عليهم بل لا نكاد نراه الا من خلالهم فهو ابن الحي ، هو الجار والصديق و الطالب النجيب والعامل المثابر الذي يحث الخطى ثم يعزم على استئناف الدراسة متأخرا الا انه يعدو متخطيا السنوات وثبا مستغرقا في هدفه وراغبا في اثبات تفوقه ونباهته الظاهرة الواضحة .

لقد استمتعت بقراءة مذكرات الباحث الكبير علي خليفة والتي سجلها بقلم رشيق وقدم في فصولها شهادة موضوعية ودقيقة تؤرخ لاحداث واماكن واشخاص فضلا عن انها تجربة انسانية مؤثرة و فائقة الشفافية .

يخجل المرء ويشعر بالرهبة والاجلال عندما يقف أمام صلابة مواقفه وثباتها لقد أظهرت صروف الايام معدنه النفيس وجلته كالالماس الصقيل فقد واجه – وحده - تحديات صعبة أبدى ازاءها تجملا وتجلدا عظيمين وفرض على نفسه دائما معايير عالية المنال سعى الى تلبيتها باعتبارها الاسلوب الامثل للحياة الكريمة والنفس الابية

واجه علي الكواري أقبح وجوه الظلم والتعنت والعسف منذ مرحلة مبكرة من شبابه وتصدى لها بروح متحفزة الى الصمود والاستقلالية وثابر على التجاوز و التسامح وآلى على نفسه ان يكون دائما في المقدمة والاول في انشاء المبادرات الوطنية ورعايتها ولم يسع ابدا الى نيل التقدير الذي هو أهل له و اكثر الناس استحقاقا وجدارة به.

واجه علي خليفة التحديات مرارا والتف حولها ونجح في تجاوزها ولم تفت في عضده وروحه المقاتلة؛ واجه الحظر الحكومي في اقتصاد ريعي تهيمن فيه السلطة على كل شي وتبتلعه. اقام مشروعا تجاريا كان في حينها مغامرة جريئة غير مأمونة العاقبة واصابت نجاحا بحسن ادارته وفطنته ثم قرر استكمال دراسته العليا على نفقته الخاصة بالرغم من انه مقيد ومعزول. وفي كل مرة لم يبطىء الاستبعاد بعد كل انفراجة محدودة ولم يخطئه العقاب قط .

ماذا يمكن أن يقال – باجمال- عن شخصية علي خليفة الكواري؟

انه نموذج انساني رائع. نفس مرهفة تواقة الى الاصلاح تعاف الظلم والفظاظة والتعصب والمداهنة . وسيرته ( العوسج ) هي – بحق - سيرة وطن.

آمل أن تثير مذكرات الدكتور علي بن خليفة الكواري ما تستحقه من مناقشة و ردود افعال فذلك كله مفيد و ايجابي ، وأتوقع أن يعلو اولا اللغط التشنجي ويستغلظ عوده وذلك على كل حال ما يحدث ، كلما حاول فرد استثنائي أن يكسر ( تابو ) أو يخرق جدار الصمت في نسق السائد الغالب .

8/8/2015

أنظر الرابط على مدونة نوره السعد

http://nouraalsaad.blogspot.se/2015/08/blog-post.html

 
 

هي حتماً ليست "ذكريات رجل عادي" كما شاء الدكتور علي خليفة الكواري أن يقدم لها تواضعاً في أول الكتاب، فالدكتور علي صاحب بصمة واضحة في المشهد الوطني القطري وصاحب مبادرات ومواقف نقلت تأثيره خارج الحدود القطرية على امتداد رقعة الوطن العربي. وهي أيضاً ليست ذكريات عادية ولا مجرد سيرة ذاتية بل توثيق لتاريخ لم يدون وأريد له أن يمحى من الذاكرة الوطنية القطرية كوسيلة لإحداث قطيعة بين الأجيال تقطع الطريق أمام مراكمة الشعب لتجاربه وتعرقل مسيرته نحو الحصول على حقوقه الأصيلة في وطنه. وهذه المذكرات أيضاً سجلٌّ يوثق جهود وإسهامات شخصيات وطنية عانت من التجاهل الإعلامي وغيبت عن المشهد الوطني قسراً.

تأخذنا مذكرات الدكتور من قرى قطر في عصر ما قبل النفط إلى "فرجان" الدوحة ثم إلى سينمات القاهرة ومقاهيها ومسارحها فشوارع دمشق وأزقتها التاريخية ولبنان ومكتباتها والمملكة المتحدة وجامعاتها العريقة لنراها بعيون خليجية رأتها لأول مرة وسجلت انطباعتها المبكرة حولها وسجلت ذكرياتها الحية فيها.

يبدأ الدكتور علي بسرد ذكريات طفولته في قرية (الغارية) الواقعة شمال دولة قطر فيصف حالها قبل عصر النفط وصلاتها وعلاقاتها بما جاورها من قرى ليشرح نشأة المجتمع القطري بعيداً عن السلطة المركزية، حيث يذهب الدكتور الى أن قطر قبل عصر النفط "كانت أشبه بفيدرالية من تجمعات قبلية على شكل مجموعات قرى منفصلة جغرافياً وقبلياً" ويعتقد أن مفهوم الشعب القطري لم يتشكل إلا بعد اكتشاف النفط وتجمع أهل قطر للعمل في الصناعة النفطية عند رب عمل واحد فكانت مدينة (دخان) الصاهرة الحقيقية لمكونات المجتمع والمشكّلة للشعب القطري بمفهومه الحالي.

يمضي الدكتور في سرد قصته بعد النزوح إلى مدينة الريان حيث يبدي مشاعره الحانقة تجاه التمايز الاجتماعي والاقتصادي الذين لاحظهما في مجتمع الريان – على عكس ما نشأ عليه في الغارية - نتيجة الحظوة التي شملت أبناء الأسرة الحاكمة دون غيرهم حيث خصصت لهم رواتب مقتطعة من عوائد النفط وامتيازات وخدمات مجانية في الوقت الذي عانى فيه الغالبية من الشعب من شظف العيش وضيق الحال. كان هذا مدخلاً مهماً لمناقشة سياسات تخصيص عوائد النفط في قطر حيث استفاض الدكتور في شرح خلفياتها وأثرها الاجتماعي والاقتصادي آنذاك.

في دخان حاضنة الصناعة النفطية في بداياتها في قطر يصف الدكتور حياة العمال القطريين والصعوبات التي واجهوها ويوثق أنشطتهم الاجتماعية والثقافية وبيئة عملهم في صورة قريبة جدا من تلك التي رسمها عبدالرحمن منيف في خماسية مدن الملح. ينطلق الدكتور من هناك ليوثق نشاط الحركة العمالية في قطر وإضراباتها في سعيها لتحسين وضعها الوظيفي وتحصيل حقوقها المشروعة ويبين تأثرها وتفاعلها مع زخم المد القومي في حينه.

والملاحظ فيما وثقه الدكتور علي تفاعل المجتمع القطري في الخمسينات والستينات من القرن الماضي مع القضايا القومية المصيرية وارتباطه وتأثره بعمقه العربي. نقل الدكتور في مذكراته مثلا خروج القطريين في مظاهرات تلقائية ضد العدوان الثلاثي على مصر في ٥٦ وتأييداً للوحدة بين مصر وسوريا في ٥٨, كما وصف الجهود الشعبية لجمع التبرعات دعماً للثورة الجزائرية تارة، ودعما للمجهود الحربي في أعقاب هزيمة ٦٧ تارة أخرى. ولم تقتصر هذه التحركات على الحركة العمالية ورجل الشارع بل امتدت الى داخل المدارس وبين صفوف الطلبة.

تطرق الدكتور علي الكواري في مذكراته أيضا من خلال سرده لذكريات سنينه الأولى في المدرسة إلى السياسات التعليمية المبكرة في قطر وكفاءة المناهج والعناصر المستقدمة من الدول العربية لتلبية احتياجاتها. كما حاول رسم صورة للتأثيرات الأيديولوجية في أروقة إدارة المعارف المشرفة على العملية التعليمية والتجاذبات القائمة بينها.

يفرد الدكتور علي بعد ذلك فصلا كاملا يتحدث فيه عن تأسيس أول نادٍ ثقافي في قطر (نادي الطليعة) ويوثق أنشطته الثقافية والفنية وتفاعل المجتمع القطري معها قبل قيام السلطات بمداهمة النادي بالعسكر والبنادق واعتقال منتسبيه. لا يستغرب الدكتور في مذكراته موقف السلطة من النادي لأنه يعتقد أنه يعبر عن "سياسة ثابتة لدى السلطة" تتمثل في "منع قيام أي مؤسسة أو جماعة أو جمعية غير حكومية من المواطنين ما لم تكن من صنع السلطة ورهن إرادتها وتحت جناح أصحاب النفوذ فيها". الملفت أن مؤسسي النادي كانت أعمارهم حينها بين السادسة عشرة والعشرين سنة. والملفت أكثر حجم الملفات والقضايا التي تناولها أعضاء النادي في هذه السن المبكرة. هؤلاء المؤسسون لنادي الطليعة تحولوا مع المتفاعلين معهم عبر الوقت إلى "طيف ثقافي وطني تجمعه القضايا والاهتمامات. طيف غير منظم ولكنه متواصل وحاضر في حياة قطر الثقافية" حسب تعبير الدكتور في مذكراته.

أفردت المذكرات مساحة واسعة للحديث عن حركة ١٩٦٣ التي تفجرت بعد تعرض أحد أبناء الأسرة الحاكمة لمظاهرة مؤيدة للوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق وإطلاق النار عشوائياً عليها. هذه الحادثة لم تكن سوى شرارة لتفجر الأوضاع المشحونة في المجتمع القطري نتيجة لتصاعد التذمر الشعبي من ضيق الظروف المعيشية والامتيازات التي تختص بها الأسرة الحاكمة وتقلص فرص التوظيف للقطريين وتصاعد مخاطر التجنيس العشوائي. وثق الدكتور المطالب الشعبية التي وردت في العريضة الصادرة باسم لجنة الاتحاد الوطني وأسماء الموقعين عليها وموقف السلطات منها وعقوباتها ضد الناشطين السياسيين المحركين لها. كما تناول تداعياتها السياسية والاجتماعية ابتداءاً من سجن ناصر المسند وحمد العطية مرورا بوفاة العطية في السجن واستمرار حبس المسند دون محاكمة وما أدى إليه من موقف قبيلة المهاندة وهجرتهم إلى الكويت كموقف سياسي رافض لتبعات الموقف الحكومي.

تبرز المذكرات في هذه المرحلة الشخصية الفاعلة الحركية والمؤثرة في محيطها الوطني للدكتور على ورفاقه. فعلى الرغم من وجودهم في القاهرة إبان أحداث حركة ١٩٦٣ وعدم مشاركتهم فيها إلا أنهم تفاعلوا معها فأصدروا بياناً تضامنياً مع الحركة وطالبوا بالإفراج عن المعتقلين السياسيين. فكان لهم نصيباً من العقوبات بقطع بعثاتهم الدراسية ومنعهم من الدخول للقاهرة لاستكمال الدراسة على نفقاتهم الشخصية. يظهر الدكتور في هذه المرحلة كماكينة هادرة لا تتوقف عن العمل وكرجل لا يعرف اليأس ولا يفرط في كرامته. عمل في بعثة أمريكية للتنقيب عن النفط وساهم في تعليم عمالها القطريين القراءة والكتابة ثم انتقل لاستكمال دراسته في سوريا على نفقته الخاصة. وبعد العودة ورغم كونه واحداً من أوائل الخريجين الجامعيين في قطرة، وجد أبواب التوظيف موصدة في وجهه فما كان له إلا السير في "اتجاه إجباري" بفتح برادات الأمل والتي حكى من خلالها الدكتور تجربة إنسانية ثرية بمعاني الكفاح والمثابرة والتكافل الاجتماعي.

يختم الدكتور علي مذكراته بقصة عودته إلى مساره الطبيعي بين الكتب محضراً لشهادة الدكتوراة موجهاً جهوده واهتماماته للشأن العام والهموم الوطنية كما كانت رغبته دائماً.

ضمّن الدكتور علي مذكراته أمنيات ثلاث ورسائل مهمة للأجيال الشابة في قطر ومحيطها. أولها " إحياء روح نادي الطليعة والمحافظة على تراثه والعمل على عودته ومواصلة نشاطاته بشكل مادي أو افتراضي على شبكة المعلومات". وثانيها بث الروح في مؤتمر النفط العربي وآخرها الاستفاضة في دراسة موقف سلطة الحماية البريطانية من حركة ١٩٦٣ الوطنية.

في مذكرات الدكتور علي خليفة الكواري غابت الأنا وبرزت صورة المواطن القطري الكادح، الحريص على كرامته، المرتبط بمجتمعه وعمقه العربي، المطالب بحقه بمقدار ما تسنح له الظروف، تماماً كشجرة العوسج التي اختارها الدكتور عنواناً لمذكراته. لم يغرق الدكتور في ذكر تفاصيل حياته دون التنويه بالمواقف النبيلة التي حاطته من المقربين وحتى البعيدين عنه في صور تعكس طيبة وتعاضد المجتمع القطري.

3-8-2015
------------------
الناشر : منشورات ضفاف (009613223227 )
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
http://dr-alkuwari.net/node/497

 
الصفحة 12 من 102