You are here:الرئيسية>مفاهيم>مفهوم المواطنة>مفهوم المواطنة - الجماعة العربية للديمقراطية

مداخلة عبدالفتاح ماضي عن موقف الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية من الثورة المصرية

الخميس، 04 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 6274 مرة

عنوان الندوة: نحو معالم نظام حكم ديمقراطي في مصر.
القاهرة في السبت الموافق 16 أبريل/ نيسان 2011


عبد الفتاح ماضي*
"بسم الله الرحمن الرحيم". سأتحدث عن ثلاث نقاط أساسية. الأستاذ جميل والأستاذ عبد العظيم تحدثا عن بعضها، ولهذا سأحاول الاختصار، سأتحدث عن الموقف الأمريكي والموقف الإسرائيلي، ثم السياسة الخارجية المصرية.

أولا الموقف الأمريكي: دعوني أبدأ بالحديث عن أن الثورة المصرية أنهت أسطورة كانت تردد في مصر، بأن أي تغيير في مصر لن يحدث إلا بمباركة أمريكية، أنهت الثورة أيضًا أسطورة سادت في الولايات المتحدة تقول: إن استمرار الديكتاتوريات العربية هو ضمانة أساسية للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط واستقراره. الثورة قلبت كل هذه الأمور وكانت مفاجأة للجانب الأمريكي في الأساس، والكثير من التحليلات في الصحافة الأمريكية تؤكد أنه كان هناك فشل استخباراتي قوي جدًا أدى إلى أنه لم يتوقع أحد هذه الثورة.

ويتصل بهذا شيوع فكرة أن الولايات المتحدة تقف وراء الثورة بشكل أو بآخر سواء. هناك في اعتقادي أربعة أسباب تشكك فى حديث المؤامرة حول أن الثورة المصرية والانتفاضات العربية تحركها أمريكا لضرب استقرار المنطقة وتفتيت المنطقة، أعتقد أن من يروج أو يؤمن بهذا لا يدرك أن الشعوب التى عاشت لعقود تحت الاستبداد وتسطيح العقول تنتشر بينهم أحاديث المؤامرة، وخاصة أسطورة «استحالة امتلاك الناس لإرادتهم وتحركهم ضد الظلم والاستبداد». معظم من يروج لهذه المؤامرة من الفئة المغيبة سياسيا، التى تفهم التاريخ على نحو عجيب، فانتفاضات وثورات المصريين بدءا بعرابى، مرورا بثورتى 1919 و1952، وانتهاء بثورة 2011 تُفهم من منظور واحد هو المؤامرة، وذلك على نسق فهم التاريخ كله على أنه مؤامرة يهودية، ويسيطر على هؤلاء الخوف، فهم لم يشتركوا أبدا فى معارضة النظام السابق قبل 25 يناير، ولم يخرجوا فى مظاهرات ما بعد 25 يناير، وبعضهم لا يصدق أن نظام مبارك قد انتهى.

هذا بجانب أن الثورة المصرية - كغيرها من الثورات - لم تأت من فراغ، فهى نتاج طبيعى لتردى أوضاع المصريين، ولرفض مبارك ونظامه كل محاولات الإصلاح التدريجى، ربما لم يدرك هؤلاء نضال المصريين منذ سنوات ضد مبارك، ولم يسمعوا عن مئات الاحتجاجات ولا عن آلاف المصريين الذين اعتقلوا وسجنوا بغير ذنب، ولا عن ملايين المصريين الشرفاء الذين احتفظ لهم جهاز أمن الدولة بملفات لأنهم رفضوا أن يكونوا مع القطيع المستفيد من النظام ولم يصمتوا أمام جبروت الأمن وزبانية النظام.

هذا فضلا عن أنه ليس من مصلحة الغرب أبدا الانقلاب على أنظمة تابعة وصديقة له ولإسرائيل لعدة أسباب، فالأنظمة أفادت المصالح الغربية والإسرائيلية أكثر من المصالح الوطنية، وبالرغم من أن للغرب تاريخا طويلا فى تغيير الحكام المناوئين (فقط) عن طريق المخابرات وانقلابات العسكر والقصر، إلا أنه لم يفعل هذا أبدا بدعم الثورات الشعبية، فالثورة ليست من الطرق التى يلجأ لها الغرب لتغيير الحكومات بشكل عام، خوفا من الشيوعيين فى السابق، وخوفا الآن من الإسلاميين واليساريين والناصريين، الذين سيكونون غالبا ضد المصالح الغربية، بل ومن التيارات الوطنية الليبرالية التى لن تكون إلا مناوئة أيضا للمطامع الغربية على عكس ما يتصور البعض، بجانب أن «الفوضى الخلاقة» قد تؤثر على تصدير النفط للغرب وقد تؤدى إلى امتداد تنظيم القاعدة إلى الدول التى تشهد حروبا أهلية كاليمن والجزائر وليبيا.

وهناك سبب متصل بالفكر الليبرالى الغربى ذاته، الذى لا يعترف أساسا بالثورات طريقا للتغيير؛ لأنه يعتبر أن الديمقراطية ومجمل الحضارة الغربية، وإنْ بدأت بثورات مبكرة (الثورتان الأمريكية والفرنسية)، إلا أنها توفر وسائل أكثر سلمية للتعبير عن مطالب التغيير.

وأخيرا لكل ثورة أعداء فى الداخل والخارج، أعداء الداخل هم الفئات التى استفادت من النظام السابق، وطبيعى أن يروج هؤلاء لكل ما يشكك فى الثورة ويثبط عزائم الناس، أملا فى إعادة التاريخ إلى الوراء، أو انتقاما ممن هدم المعبد على رءوسهم. أما أعداء الخارج فمن مصلحتهم بث الشائعات لإضعاف تلك الشعوب وهز ثقتها فى نفسها، ومحاولة التأثير على حكومات المستقبل، وتضخيم دور إسرائيل وأمريكا .

العامل الأساسى وراء كل تلك الأسباب هو الجهل وانخفاض الوعى، ولهذا فمعركتنا القادمة معركة التوعية والتعليم والإعلام الهادف بجانب معركة بناء الدولة المدنية، دولة القانون والمؤسسات والشفافية والمساءلة.

السياسة الخارجية الأمريكية فوجئت بما تم في العالم العربي وبما يتم الآن في عدة دول عربية أخرى، هناك حديث فعلًا عن المعضلة الأساسية التي أشار إليها أستاذنا الأستاذ جميل.. والإسرائيليون أيضا يضغطون لأن تستمر الترتيبات العسكرية والأمنية كما هي مع الجيوش العربية، وهي جيوش تابعة للخارج فعلا من ناحية التمويل والتسليح، مع ترك الشأن الداخلي للتفاعلات الداخلية بما قد يؤدي إليه ذلك من وصول معادين أو مناوئين للسياسة الخارجية الأمريكية إلى سدة الحكم في العواصم العربية، وهذا أمر أيضًا لابد من كسره لأن الجيوش العربية في النهاية جيوش وطنية ولابد أن لا تكون تابعة للخارج.. هكذا منطق الثورة لابد أن يغير هذا المنطق القديم.

الولايات المتحدة أيضًا فيما يتعلق بالتمويل الذي أشار إليه أستاذ جميل وأنا هنا أقارنه بتمويل آخر طلبه وزير الدفاع الإسرائيلي يقدر بـ 20 مليار من الولايات المتحدة لمقابلة الثورات العربية والثورة المصرية بدلا من المخصصات التي أعلن عنها الأمريكيون (170 مليون)، وأعتقد أن الأرقام التي تعلن في إسرائيل هي جزء مما تأخذه من الولايات المتحدة وليست الأرقام الحقيقية، بمعنى أن الـ 20 مليار ستكون جزءا مما ستحصل عليه فعلا، ولقد تم دعم ميزانية الأمن الاسرائيلية بـ 700 مليون دولار.

إسرائيل هي الأخرى فوجئت بما حدث في العالم العربي، وهناك تصريحات كثيرة قرأناها في الصحف، فنتنياهو تحدث عن زلزال، ووحدة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية قالت بأن العام كله عام الزلازل في الشرق الأوسط، ووزير الدفاع تحدث عن تسونامي لمدة ستة أشهر في المنطقة، ومؤتمر هرتزيليا، الذي يعقد كل عام ويحدد معالم السياسة الخارجية الإسرائيلية والسياسة الأمنية الإسرائيلية، لم يكن على جدوله مصر من الأساس؛ لأن ذلك كان مرتبًا من قبل.. لكن المجتمعون تحدثوا عن فشل الاستخبارات وعن ضرورة إعادة ترميم العلاقات الاستخبارية لترميم الفشل الذي حدث قبل ذلك، وتحدثوا أيضا عن ضرورة دعم ما يطلق عليه عملية السلام مع الفلسطينين ومع السوريين لتعويض هذا الفشل. هناك اتجاه يرى ضرورة دفع ودعم المحور المعتدل في المنطقة، المحور الأردني والفلسطيني. والآن تتحدث الولايات المتحدة أيضًا عن أن أوباما سيعلن استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقوم على دعم العملية السلمية، ويبدوا أن هناك تحضيرا لمشروع ما لدفع ما يطلق عليه عملية السلام.

إسرائيل كيان عنصري واستعماري، ومصر هي عدو استراتيجي لإسرائيل حتى قبل سقوط حسني مبارك، الذي كان يقدم لهم خدمات جليلة، وعندما انتهى بدأ الإسرائيليون يتحدثون عن أن مبارك كان أصدق أصدقاء إسرائيل، وأنهم فقدوا حليفا قام بمنع قتل الآلاف من الإسرائيلين عبر عقود من الزمان، هذا شيء طبيعي، ولكن وبرغم هذا ظلت مصر خلال الثلاثين عامًا السابقة منذ اتفاقية السلام عدوا استراتيجيا لإسرائيل، وهم يعدون العدة دوما لمواجهتها إذا استدعت الضرورة. الجبهة الجنوبية فتحت الآن، والمحللون الإسرائيليون يتحدثون عن خطر جديد من الجبهة الجنوبية، كانوا مستعدين له من الأساس، والبعض يتحدث عن أن هذه تركيا جديدة قادمة على الحدود الجنوبية وستشكل صداعا للإسرائيليين. مختصر القول: إن الاستعداد العسكري الإسرائيلي موجود في الأساس، وكان يمنعه فقط وجود نظام تابع بشكل أو بآخر، وهناك حديث آخر عن الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية نفسها وعقيدة التطرف والعنصرية الموجودة داخل الجيش الإسرائيلي.

البعض في إسرائيل، كما في الولايات المتحدة، يشكك في الثورة ويركز على دور اللاعب العسكري، ويركز على أن المشير أو المجلس العسكري سيكون بديلًا لحسني مبارك، والصحافة الأمريكية تتحدث عن هذا الموضوع وتركز عليه تركيزًا ملفتا.، ربما فكرة العلاقات العسكرية التي أشار إليها أستاذ جميل تعزز لديهم الأمل بأنه من الممكن أن يعيد العسكريون إنتاج النظام من جديد.

سياسيًا، أيضًا إسرائيل كثفت من الزيارات المكثفة للولايات المتحدة، الضغط هنا كما تفضل الأستاذ عبد العظيم حول أن نبقي فقط على الاتفاقية، وهم يظنون أن الإبقاء على الاتفاقية من الناحية الشكلية سيكبل مصر وسياستها الخارجية بشكل أو بآخر، وهناك ضغوط أخرى كتب عنها بعض المحللين الإسرائيليين عن ضرورة ضغط الجيش المصري لترشيح بعض الشخصيات المصرية، غير المناوئة للإسرائيليين للانتخابات الرئاسية، بحيث يحافظوا في النهاية على هذه الاتفاقية وضمان الالتزام بها بشكل أساسي.

وفكرة الاعتماد على غاز بديل للغاز المصري يجري الاستعداد له في إسرائيل من قبل ذلك، وفي فترة من الفترات بدأ الاعتماد على الغاز الموجود في المياه الإقليمية أمام الدولة الإسرائيلية ودول عربية أخرى.

عسكريًا، أيضًا نحن تحدثنا عن دعم الميزانية الأمنية لإسرائيل والمعونات الأمريكية، وهناك حديث أيضًا عن التسريع في بناء الجدار العازل بين مصر وإسرائيل، على اعتبار أن هذا سيمنع قليلًا من أي عناصر قد تأتي من الجنوب من شبه جزيرة سيناء وإعادة احتلال الممر الموجود بين الحدود.

أخيرًا، سأتحدث عن السياسة الخارجية المصرية، وسأضيف على ما قاله الأستاذ جميل، أعتقد أن بناء جبهة داخلية هو اللبنة الأولى لبناء سياسية خارجية حقيقية، فالسياسة الخارجية لأي دولة تعبر عن ميزان قوة داخلي أيضًا، والدولة القوية في الداخل يكون لها سياسة خارجية قوية، وهنا في مصر أي سياسة خارجية يفترض أن يكون لها رؤية ومصالح ووسائل وأدوات تنفذ هذه السياسة. الرؤية المصرية لابد أن تعبر فعلًا عن مطالب الثوار كما تفضل الأستاذ المغربي، إن فكرة التبعية للخارج المهينة كانت في البيان الأول لحركة كفاية، وكان هناك خلط بين القضيتين في البداية بين الداخل والخارج، ولكنها تراجعت بالفعل في أيام الثورة، لكن في النهاية إنهاء التبعية من ضمن مطالب الشعب المصري. الكثيرون يتحدثون عن التبعية المهينة للخارج والتبعية السياسية والاقتصادية في غاية الأهمية، ولهذا أعتقد أن لدينا فرصة بعد الثورة للبناء على فكرة رفض الشعب لهذه التبعية ووجود إرادة شعبية في هذا الاتجاه، وهناك إرهاصات لسياسة خارجية جديدة، رأيناها في فكرة الاهمتام بأفريقيا والمياه، وفكرة مراجعة بعض الاتفاقيات التي لم توقع عليها مصر، فمصر لم توقع على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية، الآن بدأ الحديث عن التصديق عليها، وأيضًا اتفاقيات العمالة وعمالة الأطفال، وهكذا فهناك اتفاقيات لم توقع عليها الحكومات المستبدة.

لكن قبل كل ما سبق يأتي الملف الفلسطيني الذي هو قضية أمن وطني مصري وأمن قومي مصري، وأتصور أن رفع سقف مطالب السياسة الخارجية المصرية قضية في غاية الأهمية، فالمطلوب العمل على بناء سلام حقيقي في الشرق الأوسط وليس الاستمرار في عملية التسوية، حينما بدأت مسيرة التسوية مطلع التسعينيات، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت شامير عن أن بلاده بصدد عملية تسوية ولسيس عملية سلام.. وأن عملية التسوية عملية مستمرة، وهي فعلًا مستمرة منذ عشرين عامًا.

الآن على السياسة الخارجية المصرية أن تدخل إلى جوهر الصراع في الشرق الأوسط، فجوهر الصراع هو احتلال واستيطان واعتداءات وانتهاكات حقوق الإنسان، والأدوات لمعالجة هذا الجوهر ليس أولها شن حرب على إسرائيل، وقد تحدثت قبل ذلك في يناير 2010 عن 24 أداة للسياسة الخارجية المصرية يمكن أن تلجأ إليها حكومة حسنى مبارك، وقلت: إننا نحتاج إلى "تحريك العقول وليس تحريك الجيوش"، حتى النظام المستبد يمكنه أن يقدم سياسة خارجية مؤثرة إذا توفرت إرادة ورؤية سياسية محددة، وأتصور هنا أنه يمكن تحويل اتفاقية السلام إلى فرصة للضغط على إسرائيل، فالاتفاقية بها بند يقول بأن إسرائيل خلال خمس سنوات تقيم دولة على حدود 1967، نحن يمكن أن نتمسك بهذا البند ونعطل الاتفاقية أو نهدد بتعطيلها، وهكذا.

من ضمن أهداف مؤتمر هرتزيليا حملات النقد الدولية لإسرائيل التي تطوق إسرائيل جيدًا.. نحن يمكننا فقط أن نقوم بتوظيف أفراد يستطيعون أن يتحدثوا في الخارج لفضح ممارسات إسرائيل إعلاميًا ودبلوماسيًا وفضح المجازر التي حدثت والتي تحدث وانتهاكات حقوق الإنسان وفضح أشياء كثيرة. أثناء دراستي بالولايات المتحدة لاحظت كيف أن المواطن الأمريكي العادي لا يعلم أن إسرائيل تخترق القانون المحلي الأمريكي الذي يمنع تصدير السلاح إلى دولة تستخدمه ضد المدنيين وخاصة قانون المساعدات الخارجية لعام 1961 (FAA)، وقانون تصدير السلاح لعام 1976 ((AECA). لو قمنا بعمل حملة دعائية فقط بفضح الممارسات الإسرائيلية تجاه هذه المسألة ستكون عملية مؤلمة جدًا لإسرائيل، وسندفعهم إلى سياسة ردود الأفعال بدلًا من الأفعال. وهناك ملف جرائم الحرب وملف التعويضات وملف سلاح المقاطعة ووقف التطبيع ووقف اتفاقيات الغاز.. لابد أن نلجأ إلى هذه الامور حتى تتغير موازين القوة العربية، كما أن مجرد انفتاحنا على إيران وعلى سوريا وقطر وانفتاحنا على كل الدول العربية سيؤدي إلى دعم ميزان القوة المصري ويساعد على تطوير سياسة خارجية شبه متوازنة، وأكرر: بناء نظام ديمقراطي في الداخل سيساعد، إن شاء الله، في إعادة بعض التوازن ويحركنا نحو سياسة خارجية أفضل وأكثر تعبيرا عن المصالح المصرية والعربية. شكرًا.
------------------
*أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة الإسكندرية ومنسق مشارك الجماعة العربية للديمقراطية.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة