مداخلة عصام الإسلامبولي حول معالم الدستور الديمقراطي في مصر

الخميس، 04 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 6759 مرة

عنوان الندوة: نحو معالم نظام حكم ديمقراطي في مصر.
القاهرة في السبت الموافق 16 أبريل/ نيسان 2011


عصام الإسلامبولي*
في الحقيقة الموضوع المثار اليوم والمتعلق بالدستور الديمقراطي وشكل النظم الديمقراطية المنشودة، هذا الموضوع ربما دخل في الإطار أثناء ماحدث في مصر من قصة التعديلات الدستورية والانتهاكات الدستورية التي حدثت في 2007، أثار حفيظتي فجعلني أفكر في مسألتين: المسألة الأولى، مسألة كيفية وضع الدساتير وضمان عدم العبث بها وعدم التلاعب بها؛ لأن السمة الأساسية في النظام أو العهد السابق كانت كيف يمكن أن ينحرف باستعمال سلطته في التشريع، وبعد أن أجهز على كافة القوانين تقريبًا بدأ يفكر في كيف يجهز على الدستور القائم. في الحقيقة هذا أثار لدي مسألة كيف يمكن أن يوجد قواعد وضوابط ومعايير موضوعية عند التصدي لوضع أي دستور، وربما هذا تم بناءً على طلب من المحكمة الدستورية العليا وهي بصدد إعداد عدد خاص من المجلة التي تصدرها المجلة الدستورية وهي مجلة تصدر كل 6 شهور، فطلبوا أن أقدم شيئًا بهذا الشكل فأعددت دراسة وأعتقد أن ما سأعرضه ملخص لها، عن القواعد والضوابط والمعايير الموضوعية لوضع أي دستور. هذه المعايير وهذه القواعد إن تحققت تجعلني بالفعل أمام دستور يصون ويحافظ على الديمقراطية ويدعمها أيًا كان الشكل الديمقراطي أو النظام الذي نتبناه، سواء كان نظام رئاسي كما يناشد دائمًا ويقع فيه الدكتور عمرو، أو نظام برلماني أو حتى نظام مختلط، أو نظام حتى الجمعية وهو نظام شبه مهجور.

وبالتالي وضعت بعض القواعد وأرجو أن يسعفني الوقت أن استعرض عناوينها دون التفاصيل نظرًا للوقت المحدد:

1 - أولى هذه القواعد - وأعتقد أن هذه مسألة سوف تشهد جدلا عنيفا في الفترة القادمة - أن الذي ينبغي أن يضع الدستور هو أن تكون هيئة أو جمعية تأسيسية منتخبة انتخابًا مباشرًا من الشعب؛ لأنه في رأيي الشخصي إذا كان الشعب هو مصدر السلطات فعلى الشعب نفسه أن يختار وينتخب من يضع له هذا الدستور الذي يحكم كل القواعد والأنظمة والديمقراطية المتواجدة في البلاد، أما مسألة أن يجري انتخاب الجمعية التأسيسية أوالهيئة التأسيسية بطريق غير مباشر فأنا أعتقد أن هذا اعتداء على فكرة ومبدأ سيادة الشعب وفكرة أن الشعب مصدر السلطات. وأعتقد أن التاريخ في مصر حافل بمثل هذه المسائل، وحتى الواقعة المشهورة والمعروفة أنه عندما تم وضع دستور 1923 تم عن طريق لجنة معينة وأثار حفيظة أكبر حزبين في هذه الفترة الحزب الوطني وحزب الوفد ورفضوا المشاركة في وضع الدستور، واستمرت هذه القضية سنوات عديدة وأطلقوا حتى على اللجنة التي تم تعيينها لجنة الأشقياء.

2 - القاعدة الثانية - وأعتقد أنها من أهم الدروس التي أخذناها من المرحلة السابقة - أن الدستور ليس مجرد نصوص، فلنكتب نصوصا من الذهب لا قيمة لها إن لم تصاغ وتحترم، ولهذا ينبغي أن يتضمن الدستور نصوص حماية ذاتية للدستور حتى إذا ماانحرف أحد أو خرج عن الدستور يتلقى جزاءً رادعًا يحمي الدستور من العبث به أو التلاعب به، ونحن طبعًا في هذا الإطار نتذكر ماحدث في السنوات السابقة، أتذكر ماحدث عند تعديل دستور 1971 أو تعديله في سنة 1980 عندما أريد أن تمرر فكرة المد، وتطلق من سنتين إلى مدد مفتوحة، وتم إخراجها بشكل فني والتفاف حول بعض الجمهور؛ منها: زيادة الألف واللام على مصدر الرئيسي للتشريع لتصبح المصدر الرئيسي للتشريع ليخاطب الرئيس السادات التيار الديني بمختلف فصائله، وأن يضع فصل مايسمى فصل مجلس الشورى وهو مجلس لاقيمة له ولا أي نفع له وهو مجرد مسمى يدغدغ به مشاعر هذا التيار، ثم لم يقف عند هذا الحد إنما استطاع أن يضحك على الإعلاميين ويقول: إن الصحافة سلطة وهو أول الذين يعلمون أن الصحافة لا يمكن أن تكون سلطة؛ لأن السلطة في المفهوم الدستوري والقانوني تلك الجهة التي تملك أن تصدر أمرا ملزما، سواء كان قانونًا أو قرارًا أو حكمًا، وبالتالي قانون السلطة لا يتحقق إلا لثلاث جهات: التشريعية والتنفيذية والقضائية، أما الصحافة في أعظم أوضاعها هي مجرد رأي أو حتى جماعات ضغط تكون رأيا أو تكون جماعات ضغط، إنما للأسف تم إفراد هذه المسألة ليمرر فكرة المد، وفي النهاية الذي حدث لم يكن هو. أيضًا من المسائل الغريبة جدا التي شاهدناها، أنه يجري إصدار قوانين مخالفة للدستور ثم يجري تعديل الدستور ليتوائم مع القوانين وهو وضع معكوس تمامًا، ولهذا كان لابد أن تكون الحماية الذاتية للدستور ضمن النصوص التي ينبغي أن يتضمنها الدستور الجديد.

3 - الحقيقة الدستور يبنغي أن يتضمن مبادئ عامة ولا يتحدث في التفاصيل، هذه لغة الدساتير وعندما يبلغ التفاصيل سواء بعبارة وفقًا لأحكام القانون أو بعبارة وفقًا لما يخرج من قوانين أو إلى آخره، فينبغي أن ينص داخل الدستور على أن الدستور إذا ما أقر مبدأ وأحاله إلى القانون إلى تنظيمه فشرط ألا ينتقص هذا القانون أو ينال من المبدأ الدستوريـ فإذا نال المبدأ الدستوري أو انتقص منه أو قيد ممارسته بما يفرغه من مضمونه يصبح هذا القانون غير دستوري.

4 - العبارات والصيغ التي تستخدم في كتابة الدساتير ينبغي أن تكون واضحة وضوحًا شديدًا ليس بها غموضاً أو لبسًا، وأن تكون معبرة بصدق عن الفكرة وألا تحتمل أي غموض؛ لأننا شاهدنا أيضًا في التطبيق العملي التلاعب ببعض العبارات بالدستور؛ وأذكركم على سبيل المثال: لما كانت قرارات القوانين التي تصدر من رئيس الجمهورية ينبغي أن تعرض على مجلس الشعب لإقرارها أو رفضها في خلال 15 يومًا فكان رئيس مجلس الشعب يفسر هذا تفسيرًا مريبًا (وللأسف وهو رجل قانون) فكان يقول: الدستور قال العرض ولم يقل البت؛ مثل هذه العبارات ومثل هذه الممارسات، تعطينا دروسا ربما سنكون حنبليين بعض الشيء، لكن أنا أعتقد أن هذا من الواجب لأن ما رأيناه ينبغي أن نستفيد منه.

5 - المبادئ الدستورية العليا، هناك مبادئ دستورية عليا يقال عنها أنها تعلو على الدساتير، أي دستور يأتي غير متضمن لهذه المبادئ العليا يفتقد ركنا مهما جدًا؛ لأنه حتى المعاهدات والاتفاقيات الدولية كلها تقر هذه الأفكار وهذه المبادئ، والمبادئ معروفة؛ مثل: المساواة وتكافؤ الفرص وحق التقاضي والفصل بين السلطات إلى آخر هذه المجموعة من المبادئ التي ينبغي ألا يتركها أي دستور.

6 - هذه النقطة قد تكون محل اختلاف، لكن من وجهة نظري أنه هناك ثوابت في انتماء هذه البلد أو هذه الأمة ينبغي أن ينص الدستور عليها لتحديد هوية هذه الأمة أو هوية هذه البلد، سواء كان الانتماء العروبي أو الديانة. أنا من الذين يناصرون أو يؤيدون أنه لابد من وجود نص لكن بما لا تتعارض صياغته، أي أن المسألة مسألة صياغة، يعني أنا مع المادة الثانية لكن مع تعديل الصياغة، بحيث تحقق الأمان لكل مواطن مصري أيًا كانت ديانته.

7 - من النقاط المهمة جدًا والتي شكلت الانتهاكات الدستورية صلبها، فكرة عدم تعارض النصوص الدستورية، الحقيقة أن ماحدث في تعديلات 2007 (والتي أسميها انتهاكات 2007) أنها زرعت في داخل هذا الدستور مواد تتناقض وتتعارض مع كل المبادئ العامة سواء السابقة أو حتى الجديدة، بل إن مادة واحدة مثل المادة 76 عندما تم تعديلها تضمنت وحدها تعارضا مع 11 مبدأ دستوريا موجود في نصوص الدستور، وأعتقد أننا هلكنا وتكلمنا كثيرًا في المادة 76 بما فيه الكفاية.

8 - في رأيي الشخصي - وأعتقد أن هذا عاصرناه بقوة - أن أناسا كثيرون حتى من المتعلمين وحتى من المثقفين للأسف الشديد لم تكن تعلم ماذا يعني دستور، ولهذا فأنا من الذين يرون أنه لابد أن يعلم الدستور في صفوف النشأ الابتدائي والإعدادي ليعلموا حقوقهم وواجباتهم ويعلموا أنه هناك دستور وماذا يعني دستور وماذا يعني حاكم يخرج على الدستور، وكيف يحمي المواطن الدستور ويثور ويدافع عنه، فمسألة الثقافة كانت تنقص الكثيرين لدينا.

9 - التأكيد على أن الدولة تقوم على فكرة المؤسسة وليس على الشخصنة، لأنه من المشاكل التي كانت لدينا فكرة الشخص هو الدولة وأن الدولة هي الشخص، أي شخصنة الدولة، وهذا أدى في النهاية إلى أن المؤسسات التي كانت قائمة كانت مؤسسات كرتونية لاقيمة لها، كانت تتجه بالإشارات والإيماءات وكلنا يعلم هذه القصة.

10 - ينبغي عدم إضفاء صفة الدوام على الدستور؛ لأنه في الحقيقة أي دستور يعبر عن المرحلة التي يعيشها، فلا يوجد دستور دائم فليس هناك شيئًا دائمًا إلا الكتب السماوية، غير ذلك ينبغي أن يكون الدستور يعبر عن مرحلة محددة يختارها الشعب، وعندما يريد الشعب أن يغير دستوره فليغيره؛ لأننا لن نصادر حق الأجيال القادمة في رؤية أخرى للدساتير القائمة.

11 - التأكيد على عدم تأبيد تولي السلطة سواء كانت التنفيذية أو حتى التشريعية، فأنا من الذين يرون فيما يتعلق بالسلطة التشريعية أنه ينبغي على النائب ألا يتجاوز حقه في أكثر من دورتين، لتحقيق تكافؤ الفرص وضخ دماء جديدة دائمًا في المجتمع لكي يوجد باستمرار رؤية جديدة، ورئيس الدولة أولى بهذا المبدأ.

12 - إذا ما أخذنا بفكرة أنه هناك أحزاب - وهذا طبيعي - وأنه سيأتي رئيسًا للدولة، فلابد من الفصل بين سلطة الرئيس وسلطة الحزب، كان لدينا إشكالية غريبة جدًا أن دستور 1971 في تكوينه لم يسمح بفكرة الأحزاب، فلما جرى تعديله وسمح بالأحزاب لم يتم تعديل الدستور لكي يتوائم مع عملية حزبية أو مع الفكرة الحزبية ولكن تركت الأمور؛ فمثلًا: لم يتضمن الدستور حديثا حول العلاقة بين رئيس الحزب ورئيس الدولة فلم يحدد المسألة، وجرى استخدام هذا على أكمل وجه لكي يحقق مصالح الحزب الحاكم ورئيسه، وبالتالي فإذا جاء رئيس لابد له أن يتخلى فورًا عن صفته الحزبية إلى أن تنتهي مدته.

13 - إلغاء فكرة الكوتة على كل المستويات (تخصيص 50% عمال وفلاحين أو كوتة المرأة أو غيرها). الحقيقة أنا أعتبر أن هذه الفكرة تتعارض مع فكرة تكافؤ الفرص.

14 - لابد من النص على أن توجد هيئة مستقلة تتولى الإشراف على العملية الانتخابية، يعني قد يكون الآن الظرف مريحا لأن يكون هناك إشراف قضائي، ولكن ما أقصده أن توجد هيئة انتخابية مستقلة قائمة بذاتها لها شخصية اعتبارية مستقلة بذاتها تضم شخصيات قضائية وشخصيات عامة تتولى العمليات الانتخابية في مصر من أولها لآخرها محليات مجالس شعب ... كل مايتعلق بالانتخابات تكون هذه الهيئة مسؤولة وقائمة بذاتها تتولى هذه المهمة من الألف إلى الياء.

15 - السماح للمصرين المقيمين بالخارج بالتصويت في الانتخابات: وهذا المبدأ لابد منه لأنني في الحقيقة أعتقد أن هذه كانت من الأمور التي كانت مطلوبة وهي أن المصريين المقيمين بالخارج لا يشاركون في العملية الانتخابية،؛ لانهم كانوا يدركون جيدًا أن المصريين المقيمين في الخارج يصعب تزوير انتخاباتهم، فكانوا خارج الحساب، في حين أن عدد المصريين المقيمين في الخارج يصل إلى ثمن سكان مصر، أي يصلون لحوالي 10 مليون، وهذا عدد لا يمكن أن يستهان به ولا بد أن ينص عليه الدستور.

16 - وهذا مبدأ مهم للغاية، النص في الدستور على مجرد أن يصدر دستورًا جديدًا فلابد أن تكون هناك لجنة تراجع القوانين القائمة وتنقيها، ولاننتظر الأحكام الدستورية التي تستمر لعشر سنوات، مثلما رأينا الحكم الخاص بالنقابات المهنية استمرو عشر سنوات لكي يصدر حكما، طبعًا كانت السلطة التنفيذية تتدخل وتوقف المسائل، لكن أريد القول بأن وجود لجنة تتولى تنقية القوانين المخالفة لأي دستور جديد مهمة جدًا لكي يفعل الدستور تفعيلًا حقيقيًا.

17 - ألا يتبنى أي دستور مبدأ أيدلوجي معين أو اقتصادي معين، أي تأتي صياغات عامة تتيح للحكومات خاصة في ظل النظام البرلماني، فالحكومة ستختار حزبا ما، ومن حق الحزب الذي سيشكل الحكومة أن يضع التصور الاقتصادي طالما أنه لا يتعارض مع الدستور، وألا نخلق له عقبة داخل الدستور تواجهه في تطبيق أفكاره، ولكن أنا طبعًا مع أن يكون ذلك مقترنًا بمبدأ العدالة الاجتماعية، فحتى في ظل التطورات الدولية والمفاهيم الدولية الدستورية والعالمية كلها تؤكد على فكرة العدالة الاجتماعية.

18 - حق التعددية والحزبية وإمكانية تداول السلطة والفصل بين السلطات.

19 - في حالة الطوارئ - وهنا أنبه إلى أن الكثيرين يقعون في مسألة الخلط بين حالة الطوارئ وقانون الطوارئ - حالة الطوارئ لها ضوابط ينبغي أن يتضمنها وللأسف في الإعلان الدستوري الأخير وقعوا في نفس الخطأ، حالة الطوارئ ينبغي أن يحكمها اعتبارين أو قيدين، قيد زمني وقيد مكاني، وهذين القيدين إذا تم التخلي عنهما ستوجد خطورة شديدة؛ متمثلة في أن تمتد حالة الطوارئ بشكل تلقائي. الإطار الزمني بمعنى أن يوجد إطار زمني لايجب تجاوزه فلا يتجاوز 30 يوما، أما أن يقول 6 شهور في الإعلان الدستوري فهذا يعني أنه من هنا إلى أن ينتهي المدة المحددة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة فنحن نعيش حالة طوارئ، كما أنه لم يحدد الإطارا المكاني أو القيد الجغرافي، وإذا كان يوجد حالة ضرورية فيكون في حدود المحافظة أو في حدود المكان المطلوب به ذلك، فليس من الضروري أن يكون على مستوى الجمهورية إلا إذا كان هناك حالة اضطراب أو حرب أهلية.

20 - اختيار الأنظمة النيابية، سواء كان رئاسيا أو برلمانيا أو مختلطا أو جمعية، كل نوع منهم ينعكس على الدستور لكن ينعكس على الدستور في باب واحد، فعندما ننظر إلى أي دستور نجد به مجموعة مبادئ اقتصادية ومجموعة مبادئ اجتماعية ومجموعة مبادئ تتعلق بالحقوق والحريات ومجموعة تتعلق بسيادة القانون .. إلخ، إنما الباب الوحيد في الدستور الذي سينعكس عليه نتيجة اختيار نظام بعينه هو الباب الذي يسمى بالخطأ (مثلما في دستور 1971) "نظام الحكم" وهو في الحقيقة لا يسمى نظام الحكم ولكن يسمى "سلطات الحكم"؛ لأن سلطات الحكم هذه هي التي تترجم النظام النيابي الذي تختاره إذا كان رئاسيا أو برلمانيا أو ... إلخ، وبالتالي فهو يعكس رؤية هذا النظام على مفهوم السلطات ودورها في هذه المسألة.

هذه هي العشرون فكرة أو العشرون مبدأ أو قاعدة التي أحببت أن تكون متضمنة. وشكرًا جزيلًا.
------------------
*محام.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة