You are here:الرئيسية>دول عربية>دول>تونس>الجماعة العربية للديمقراطية - الجماعة العربية للديمقراطية

مراجعة كتاب: رشيد مقتدر، الإرهاب والعنف السياسي من تفجيرات الدار البيضاء إلى قضية بلعيرج

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2456 مرة
الكاتب  رشيد مقتدر

يسعى الدكتور رشيد مقتدر، الباحث في العلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني في المغرب، خلال كتابه المعنون: "الإرهاب والعنف السياسي من تفجيرات الدار البيضاء إلى قضية بلعيرج"، إلى ملامسة معالم البنية المرجعية والفكرية لكيفية تشكل الإرهاب والعنف السياسي داخل المجتمعات الإنسانية، والمسارات التي أوصلته إلى ما هو عليه، ومدى تأثر بنائها التصوري والفكري بالظروف السياسية والاجتماعية والثقافية وتأثيره عليها، كما يسعى المؤلف أيضا إلى قياس مدى تأثير هذه البنية المعرفية والإيديولوجية على مكونات التنظيم الاجتماعي والسياسي الذي يفرز مختلف أشكال العنف والتطرف والإرهاب.

ويؤكد المؤلف في بداية كتابه أنه وبسبب كثرة حدوث العمليات الإجرامية التي تستهدف الأبرياء، الذين لا ذنب لهم في الكثير من النزاعات والصراعات، وبأشكال جديدة كالقنابل البشرية، أو التفجيرات أو الاختطافات…، أصبح المشهد الثقافي والسياسي مليئا بمجموعة من المصطلحات والمفاهيم، من قبيل الإرهاب، العنف السياسي، الجهاد، المقاومة، التطرف، الحداثة، التي اختلفت أشكالها، وتغيرت طريقة التعامل معها، فتم النظر إليها وفهمها فهما جديدا، على ضوء الخلفيات السياسية والاجتماعية والنفسية لهذه الأحداث، كما برز إشكال الإرهاب وعلاقته بالعنف السياسي من جديد، وبطريقة أكثر حدة وإلحاحا.

الجذور والسياقات

وفي هذه السياق، يشير المؤلف إلى أن كتابه هو محاولة جدية لإزالة الالتباس والغموض النظري والمفاهيمي، والبحث عن جذور الظاهرة والسياقات الموضوعية والذاتية التي تنتجها، حتى يستطيع القارئ فهمها فهما موضوعيا سليما، يمكن من احتواء خطورة ظاهرة اللجوء إلى الإرهاب والعنف السياسي كوسائل لحل الصراعات السياسية والاجتماعية، لما يشكله ذلك من خطر على وحدة المجتمع، الأمر الذي يوجب ضرورة تحليل الظاهرة ودرسها درسا وافيا بغية استيعابها حتى يسهل تجاوزها والتغلب عليها والبحث عن الحلول الكفيلة بالحد من مدى انتشارها.

في الفصل الأول المعنون بـ" تفجيرات 16 مايو بالدار البيضاء، القضايا المنهجية والإشكاليات النظرية"، تطرق الدكتور رشيد مقتدر لبعض الإشكاليات النظرية والملاحظات المنهجية لكيفية التعامل مع ذلك الحدث الذي هز المغرب.

وكانت الإشكالية الأولى التي ناقشها تتمثل في رد الفعل المباشر على إثر هول التفجيرات والصدى الذي خلفته، حيث فندت أطروحة "الاستثناء المغربي"، بلد الأمن والأمان التي طالما تم الترويج لها من قبل وسائل الإعلام الرسمية وبعض المنابر الحزبية والسياسية.

قراءة تفسيرية

والإشكالية الثانية تتمحور، وفق الباحث المغربي، حول الأسباب والدوافع المؤدية إلى هذا النوع من الإرهاب المضر بصاحبه والمجتمع الذي يعيش فيه: "بعد ما استوعب الجميع الصدمة، وسعيا لكي لا تكرر، تم السعي لمعرفة جذورها وأسبابها، وفهمها فهما علميا بعيدا عن الأهواء والنزعات الذاتية والصراعات الضيقة، وهو ما نادى به العديد من الحقوقيين والباحثين في العلوم السياسية والاجتماعية والفلسفة، وبعض الفاعلين السياسيين المستنيرين، بضرورة إيلاء المزيد من الاهتمام بهذه الظاهرة بطريقة موضوعية واستقصاء الأسباب النفسية والاجتماعية الإيديولوجية والدينية والسياسية، المفرزة لهذا النوع من العنف الدموي".

وتركز الإشكالية الثالثة على الجانب التحليلي والفهمي، وتتطلع إلى قراءة تفسيرية أكثر موضوعية وحيادا، وبعيدة عن التحيز السياسي والإيديولوجي، للسلطة السياسية أو بعض التيارات السياسية، وتعكس وجهات نظر مختلفة للحدث ونوعية فهمها للظاهرة.

وتقوم الإشكالية الرابعة ـ حسب المؤلف ـ على الاتجاه الديني لمرحلة ما بعد التفجيرات، وتتساءل حول موقع الدين الإسلامي ضمن المنظومة الاعتقادية والقيمية للمجتمع بمختلف شرائحه ومكوناته، وداخل النظام السياسي والاجتماعي، أي إلى أي مدى أثرت هذه التفجيرات على موقع الدين كنظام حياة ونسق حضاري وقيمي، ومدى انعكاس ذلك على التصور الثقافي العام للمواطن المغربي والعربي، ومن جهة أخرى التساؤل حول علاقة الدين كأحد أهم مصادر شرعية نظام الحكم الملكي، وإلى أي مدى أثر هذا المعطى إيجابا أو سلبا على مؤسسة إمارة المؤمنين وباقي الفاعلين الدينيين، وعلى المصادر التي تستقي منها شرعيتها ومشروعيتها..".

جذور تاريخية

وتساءل رشيد مقتدر في كتابه أيضا: هل الإرهاب ظاهرة حديثة معاصرة أم أنه ظاهرة لازمت الإنسانية منذ العصور الغابرة؟ ولماذا لا نجد لهذا المفهوم والظاهرة وجودا مكثفا في الأدبيات الفلسفية والسياسية والأدبية القديمة؟، مجيبا أنه ينبغي التمييز بين الإرهاب السياسي كظاهرة سياسية واجتماعية، وبين الإرهاب السياسي كمصطلح ومفهوم، وبين التوظيف السياسي لهذا المفهوم والغموض الذي يكتنفه.

ويرى المؤلف أنه إذا كان الإرهاب كمفهوم حديث النشأة، فإن الإرهاب كظاهرة قديم برز مع نشأة المجتمعات البشرية، فقد كان موجودا كفعل وممارسة مستخدمة من أفراد أو مجموعات أو عشائر أو دول… وتمت دراسته من لدن فلاسفة سياسيين كأرسطو الذي عالج الطغيان كإرهاب مرتبط بالملكية المطلقة المستبدة، القائمة على إخضاع وإذلال الرعايا أو السلطة المطلقة بدون أية مسئولية.

وعرف الكاتب الإرهاب السياسي بكونه "فعل وعمل يهدف إلى إثارة مشاعر الخوف والهلع وإرعاب الأفراد والجماعات، والضغط على الروح المعنوية العامة للمجتمع أو الأفراد، والاستحواذ على ممتلكاتهم المادية والرمزية، من خلال ما تخلفه هذه الأفعال من نتائج شنيعة ومرعبة، تؤثر على نفسية الأفراد والجماعات".

وبعد أن أبرز مقتدر في الفصل الثاني من كتابه، والذي جاء تحت عنوان "الإرهاب والعنف السياسي.." صعوبة تعريف الإرهاب السياسي وإشكالية تحديده، خلص إلى كون الإرهاب هو: "استعمال العنف والقوة خارج حدود الشرعية والمشروعية المتوافق حولها بهدف إشاعة مشاعر الرعب والهلع وإثارة الإحساس بالخوف الدائم وعدم الاستقرار، ويكون الإرهاب موجها إما ضد الدولة أو التنظيمات السياسية والاجتماعية، أو ضد الأفراد أو الجماعات وضد ممتلكاتهم المادية والرمزية، أو تمارسه الدولة خارج حدود المشروعية القانونية ضد منافسيها ومعارضيها السياسيين والاجتماعيين، بهدف الهيمنة على السلطة والاستفراد بالحكم أو الاستئثار بالثروات لفائدة فئة معينة بدعوى حماية المجتمع والحفاظ على أمنه واستقراره".

أشكال الإرهاب السياسي

وتطرق المؤلف في الفصل الثالث إلى أشكال الإرهاب السياسي وأنواعه، مبرزا أشكال الإرهاب السياسي العنيف، من قبيل الإرهاب من القمة وهو إرهاب الدولة، والإرهاب من القاعدة وهو إرهاب الأفراد والجماعات ويأخذ شكلين: شكل همجي ومذموم، لأن هدفه النهب والقرصنة والاعتداء على الأموال والأشخاص، وهو يعكس ماهية الإنسان في صورته الطبيعية المتوحشة، حيث يصبح الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان حسب مقولة طوماس هوبس المشهورة.

وحدد مقتدر أشكال الإرهاب السياسي وأنواعه، فهناك الإرهاب المحلي؛ وهو ما يقوم به أفراد أو مجموعات بكيفية منتظمة أو متقطعة، وقد يكتسي طابعا سياسيا، إذا كان يرتكز على مرجعية إيديولوجية معينة، ويصبو إلى تحقيق هدف سياسي، وقد يأخذ شكلا إجراميا مستقبحا، وهو لا يشكل أي تهديد مباشر للنظام، لأن وسائله والأفراد المنفذين له محدودة العدد، رغم أنه قد يفضي إلى نتائج مدمرة وكبيرة في الأرواح والمنشآت. وهناك الإرهاب الدولي الذي اعتبر الباحث المغربي حادثة 11 سبتمبر نموذجا بارزا على الإرهاب السياسي الدولي، والذي يؤدي إلى الاضطراب في العلاقات الدولية، وإلحاق الضرر بالمصالح المادية والبشرية والسياسية لدولة ما، وهو غالبا ما يكون كرد فعل على سياسيات معينة.

المباح والمحظور

وفي الفصل الرابع من الكتاب، حدد الدكتور رشيد مقتدر معايير التمييز بين الفعل الإرهابي المجرم والفعل السياسي المشروع، مبرزا أن المشكل المطروح هو أن مفهوم الإرهاب يعرف بطريقة واسعة جدا تسمح بإدخال العديد من المفاهيم والتصورات، كالعنف والطغيان والفوضى، أو الثورة والتمرد والحرب والإجرام والنضال المشروع والمقاومة، أو الوحشية والبربرية، العدوان، والإيديولوجيات العنصرية، العمليات الهمجية والإنسانية.

كما قد يتضمن بعض المفاهيم المنافية لمضمونه من طرف مستعمليها التي تنعت بوصف الإرهاب، لكن المقصود بها حق الدفاع الشرعي، تقرير المصير، رد العدوان كيفما كان شكله، شرعية مقاومة الطغيان والاستبداد والقهر، مناهضة الأنظمة العنصرية، مقاومة الاستعمار.

وصاغ المؤلف معايير التمييز بين الإرهاب المجرم والعنف السياسي في المحددات الأربعة التالية: الغاية الإيديولوجية للعنف السياسي، معيار الهدف السياسي، ويُمَيز فيه بين الإرهاب السياسي المشروع والمعبر عنه في أشكال احتجاجية، والتي قد تأخذ في بعض الأحيان شكل عنف سياسي، والإرهاب المجرد والمفروغ من الأهداف. المحدد الثاني هو معيار أخلاقية العمليات والتنفيذ، ثم معيار قبول أكثرية المجتمع لهذه الأفعال، حيث إنه من بين الإشكاليات النظرية المطروحة في هذا الإطار هو: من يحدد الطبيعة الإجرامية للأعمال والتصرفات؟ وهل هو المجتمع عبر قيمه ومعتقداته ومعاييره ووعيه الجماعي؟ أم الدولة عبر قوانينها وقياداتها السياسية وآلياتها، الإيديولوجية والمادية؟ أم أن هناك تقاطعا تلقائيا لإرادة كل من المجتمع والسلطة في الصدد؟ ثم كيف يمكن

أن نحدد معيار قبول المجتمع، أو عدم قبوله لفعل أو سلوك ما أو حادثة ما؟.

وانتقل رشيد مقتدر بعد ذلك لتحليل حيثيات حادثة تفجيرات نيويورك وواشنطن وتفجيرات 16 مايو 2003 بالمغرب في ضوء المعايير الأربعة السابقة، موضحا أن الهدف الإيديولوجي المرتبط بتفجيرات الدار البيضاء يرتبط بسببين: الأول يتعلق بتدخل هذه التفجيرات في إطار النيل من المصالح الغربية في المغرب، وكرد فعل على التحالف والتنسيق الأمريكي المغربي في العديد من القضايا من بينها الأمنية.

والسبب الثاني هدف إيديولوجي يتميز بعدم الوضوح نوعا ما، رغم صعوبة قبوله، إلا أنه يبقى واردا على سبيل الاحتمال، وهو أن هذه التفجيرات تدخل ضمن سعي بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة، إلى تطبيق مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وفقا لتصورات سطحية للدين وتأويل مفرط في الغلو له، من خلال سعيها لاستهداف أماكن اللهو والرقص والسهر، ولاسيما إذا كانت تضم أجانب أو كان أصحابها من المستثمرين اليهود أو الأمريكيين.

تداعيات "الإرهاب"

أما الفصل الخامس والأخير فقد سلط الضوء على تداعيات الفعل الإرهابي على مكونات الحقل السياسي بالمغرب بدءا من تفجيرات 16 مايو إلى تفكيك شبكة بلعيرج قبل بضعة أشهر قليلة، مبرزا في الأول الأسس الإيديولوجية والفكرية لشبكة بلعيرج التي قد تكون هويته "أكثر قربا من الخطاب الإسلامي الحركي الثوري المقتبس من أدبيات سيد قطب والذي تبنته حركة الشبيبة الإسلامية ومنظمة المجاهدين بالمغرب التي كانت تشكل الجناح العسكري للشبيبة الإسلامية برئاسة عبد العزيز النعماني الذي انشق عليها كتنظيم مستقل سنة 1984.

كما أن طريقة تحركها وما ترمي إليه يختلف عن ما يقوم به تنظيم القاعدة، أو تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي يركز على عمليات انتحارية أو تفجيرات تودي بحياة أكبر قدر من الناس، بينما هدفت شبكة بلعيرج إلى انتهاج أسلوب الاغتيال للنخبة الحكومية والسياسية والعسكرية، وهو نفس الأسلوب المعتمد من طرف الجماعة الإسلامية المسلحة بالجزائر والجماعة المسلحة في مصر، بغرض خلق جو من عدم الاستقرار والخوف، الذي قد يفضي إلى شل النظام أو على الأقل ارتداده".

وتحدث مقتدر في هذا الفصل عن تأثيرات أحداث 16 مايو 2003 على مكونات الحقل السياسي، ومنها انعكاسات الأحداث على علاقة الإسلاميين بالقوى السياسية المنافسة، وأيضا تأثيرات التفجيرات على علاقة المؤسسة الملكية بالإسلاميين الإصلاحيين، ثم تداعيات تفكيك شبكة بلعيرج على مكانة القوى الحركية الإسلامية.

وخلص المؤلف في خاتمة الكتاب إلى كون موضوع الإرهاب والعنف السياسي من القضايا الأكثر حضورا وتداولا في الآونة الأخيرة، فكان من الضروري معالجتها في علاقتها مع الإيديولوجيا الإسلامية الجهادية، كأولوية تفرضها طبيعة المرحلة لما تعرفه من حساسية واستشكال، على الصعيد الوطني والدولي أمام تصاعد العمليات الإجرامية التي تستهدف الأبرياء وبأشكال متجددة كالقنابل البشرية أو التفجيرات.

المصدر:(كتاب مدارك، 2008)

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة