You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>مقالات رأي>كما نكون: علاقة أمريكا بنا تكون

مراجعة كتاب: مجموعة باحثين، الطائفية والتسامح والعدالة الانتقالية

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2485 مرة
الكاتب  مجموعة باحثين

يتناول هذا الكتاب ثلاث مسائل في غاية الأهمية بالنسبة لواقع ومستقبل البلدان العربية في ظل الثورات التي تشهدها بعض بلدانه، وهذه المسائل هي: "الطائفية والتسامح والعدالة الانتقالية"، بوصفها قضايا ذات حساسية عالية لفهم الواقع العربي وضرورة تجاوزه.

الطائفية أسهمت في تفكيك المجتمعات العربية، والتسامح قد يكون الرد الأمثل على التعصب الطائفي والانقسام المجتمعي، أما العدالة الانتقالية فيمكن عبر تعزيزها مساعدة المجتمعات المتحولة على بناء مرحلة انتقالية تجد فيها طريقة التعاطي مع الماضي وفق آليات يحكمها القانون.


الطائفية والمذهبية
الطائفية ليست الدين وإن كانت تستخدم الدين، أو هي تبرر نفسها به، فالدين أرحب في المبادئ والقيم وأشد تسامحا من الطائفية.

الطائفية -كما يقول المؤلف- بنية شعورية اعتقادية لدى جماعة من المنتسبين إلى ملة ما، وهي بهذا المعنى تمثل انشقاقا ثقافيا عقديا داخل إطار الجماعة الدينية الكبرى. وهي -بمعنى ثان- بنية ذهنية "عصبوية" لأن مبناها على فكرة أن الطائفية هي ابتداء رابطة روحية تولد تضامنا بين من ينتسبون إليها.

ويتابع المؤلف شرحه للطائفية بالقول إن هذه البنية الاعتقادية الشعورية تولد نتيجتين مترابطتين:

ـ أن ادعاء أي طائفة التمثيل الصحيح والقويم للدين يؤسس في وعيها ولا وعيها أنها وحدها التي تحوز الحقيقة.

ـ أن أية طائفة تتحول إلى كيان مغلق وتعيد إنتاج ثقافتها وعقائدها وأساطيرها داخل ذلك الكيان المغلق، الأمر الذي يترتب عليه انسداد وتحجر في عقلها الجمعي، في رؤيتها لذاتها ورؤيتها للعالم.

وتفسير اشتداد هذه الظاهرة في الوطن العربي منقسم عند الأكاديميين بين تيارين عريضين:

1- أولهما يرى أن الظاهرة قديمة قدم الأديان والمذاهب، أي ظاهرة ذات طابع تاريخي.
2- وثانيهما يرى أن الظاهرة جديدة وظرفية.

يميز المؤلف هنا بين البلدان التي استمر طابعها السلالي (التقليدي) بدرجات متفاوتة حتى اللحظة، وهي بلدان أو سلالات ترتكز على الدين-العرف، وهي بالتالي مولدة للانقسام الطائفي، وبين الدول الحديثة التي تتسم بشرعية دستورية أو شرعية ثورية-ذاتية، فهذه مصابة بلوثة إحياء الهويات الجزئية، وهي ثمرة تأزم تطورها الاحتكاري الاستبدادي، وثمرة التحول المرافق لهذا التأزم في الثقافة السياسية والقيم، من الأيديولوجيات الحديثة (القومية، والاشتراكية، والماركسية، والليبرالية) إلى الأيديولوجيا الإسلامية.


الطائفية في الوطن العربي
عرف العالم العربي-الإسلامي تعددية دينية وقومية ومن ثم مذهبية، وعرف قبلها القبلية، والمسألة الأساسية التي يتناولها الكتاب هي الإدارة السياسية لهذا المجتمع التعددي التي عرفت نزاعات على مستويات عدة: مرة كظاهرة اجتماعية بمعنى حقوق لفئات (قبائل، ومناطق، وعائلات) ومرة كهويات إثنية (عرب، وأعاجم، وفرس، وترك، وزنج) أو جماعات مذهبية أو حركات فكرية (المذاهب الإسلامية والفرق).

تعرضت الجماعات المذهبية والطائفية للاضطهاد لا سيما في الفترة المملوكية وانتشار أفكار ابن تيمية وتلامذته خاصة ابن قيم الجوزية، وفي عصر الدولة العثمانية التي قامت على نظام سياسي مركزي ذي طابع عسكري وعلى إدارة "مقاطعجية"، الأمر الذي أدى إلى بعض أشكال اللامركزية وأعطى الجماعات خصائص اقتصادية وثقافية واجتماعية.

لكن مع أزمة الدولة العثمانية بدأ يتبلور المجتمع التعددي بصورة صارخة على أنه مجتمع أقوام ومجتمع أقاليم وجماعات دينية مذهبية، ثم ما لبثت الكيانات السياسية بالنشوء مع انهيار الدولة العثمانية، بعض هذه الكيانات كانت له مقومات سابقة (مصر، والجزيرة العربية، والمغرب العربي)، والآخر نشأ على تركيب جديد (العراق، وسوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين)، وباستثناء لبنان لم تكن الهويات الدينية الطائفية والمذهبية مؤثرة في تكوين الكيانات الجديدة.

بعد هذه اللمحة من تاريخ الطائفية في المنطقة، يباشر المؤلف بتناول الظاهرة في تشكلها المعاصر، فيقول إن "الطائفية التي نتحدث عنها اليوم ليست طائفية الزمن الماضي لا من حيث مقوماتها ولا من حيث عناصرها وأهدافها".

طائفية اليوم -والكلام للمؤلف- مرتبطة بمعطيات راهنة، ولو كانت تستمد بعض عناصرها من التاريخ، لقد نتج من الطائفية التاريخية ظاهرة الطائفية السياسية، إنها طائفية الدولة الحديثة وليست طائفية الأنظمة التقليدية، تحولت الطائفية إلى نظام سياسي معلن.

في لبنان، انفجرت صيغة النظام الطائفي بشروط مختلفة عن أحداث القرن الـ19 (الموارنة، والدروز) ودخل المجتمع كله في نزاعات طائفية مع اختلال نظام الحقوق الذي تشكل عام 1920. وفي العراق، تقاطعت سياسات القمع السياسي مع التهميش ومع تفاوت الحقوق. وفي سوريا، آلت السلطة تحت عنوان الإيديولوجية القومية إلى نخبة عسكرية سياسية اقتصادية ذات ملامح عائلية وطائفية وجهوية، ونتج عن ذلك تداخل الامتيازات والحرمان الاجتماعي وأنظمة الحقوق بين الطائفي والسياسي.


في الحاجة إلى التسامح
نشأت فكرة التسامح في التاريخ إثر مخاضات وصراعات دموية، كانت أوروبا مسرحا لها في القرن الـ16، وبدأت الفكرة آنذاك كأنها اعتراف بأمر واقع بعد فشل إنهاء الحروب الدينية، وهذا يعني أن المفهوم في أول نشأته لم يكن ترجمة عن اعتراف بحق المخالف في اعتناق العقيدة التي يؤمن بها، فالثقافة الأوروبية حينها لم تكن بعد جاهزة لمثل هذا المفهوم الذي احتاج زمنا امتد حتى النصف الثاني من القرن العشرين لكي يتأسس في إطار مبدأ الاختلال الذي تولد بدوره من ثورة العلوم الإنسانية المعاصرة.

غير أن هذا التطور في مفهوم التسامح لم يلق اهتماما من قبل الفكر العربي الحديث، ففكرة الحرية والدستور والدولة الوطنية كانت ضمن بيئة مثقفي بلاد الشام في النصف الثاني من القرن العشرين، بينما استقبلها مفكرو الإصلاح الإسلامي بالرفض وردوا عليها بمفهوم التعصب (الأفغاني).

وفي إطار قراءة الوضع العربي الراهن، يمكن استخلاص خط التوجه الفكري السائد للنخب السياسية والدينية والفكرية من خلال رصد خمسة مواقف:

1- الاتجاه الإنكاري: يرفض كل حديث عن التسامح على النطاق الديني أو المذهبي أو الفكري أو السياسي بحجة امتلاكه الحقيقة.
2- الاتجاه الانعزالي: يزعم عدم وجود قضية خارج نطاق ما يؤمن به الإنسان من أفكار ومعتقدات، والتسامح هنا يعني التسيب وانعدام الغيرة.

3- الاتجاه التغريبي: يؤيد فكرة التسامح ويحاول تعميمها على كل شيء، لكنه يدعو إلى قطع الصلة بالتراث والتاريخ واعتبار التسامح قيمة حداثية ليس لها علاقة بالإسلام.

4- الاتجاه التوفيقي: يقبل بعض أفكار التسامح بانتقائية بهدف مواكبة التطور الدولي، لكنه يظل مشدودا للفكر التقليدي، وإن كان يسعى للتواصل مع الآخر.

5- الاتجاه الواقعي الحضاري: يعبر عن التيار المؤيد للتسامح ويتعامل بروح انفتاحية أكثر مع قواعد التسامح وقيمه على المستوى الكوني.


العدالة الانتقالية
تختلف العدالة الانتقالية عن العدالة التقليدية في كونها تعنى بالفترات الانتقالية: الانتقال من حالة نزاع داخلي مسلح أو حرب أهلية إلى حالة السلم والانتقال الديمقراطي.

لكن مفهوم العدالة الانتقالية ودوافعها السياسية والقانونية والإنسانية أخذ بالتبلور في عدد من مناطق العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ومنذ نحو ثلاثة عقود بدأت هذه الفكرة تدخل الأدب الحقوقي العربي بسبب انتشار قيم الديمقراطية.

ويرى المؤلف أن الواقع العربي اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مفهوم العدالة الانتقالية بعد الثورات التي شهدتها بعض الدول، ويستعرض مفهوم العدالة الانتقالية عبر تجارب بعض بلدان أوروبا الشرقية من خلال نموذجين:

1- اتجاه يدعو إلى الاستمرارية القانونية وهو الذي مثلته تجربتا بولونيا وهنغاريا، لأن التغيير فيهما كان سلسا وسلميا وتدريجيا.

2- اتجاه عكسته تجربتا ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا، إذ كان التغيير فيهما ثوريا، لذلك ارتفعت دعوة القطيعة مع الماضي واستخدام العدل العقابي والتاريخي وسيلة لمعالجة جرائم النظام السابق.

يؤكد المؤلف ضرورة وجود وثيقة عربية للعدالة الانتقالية يمكن أن تنطلق من عمل جماعي حقوقي تشارك فيه بعض منظمات المجتمع المدني بهدف تأسيس شبكة عربية تنسجم مع القواعد الدولية للعدالة الانتقالية.

لعل الهدف من العدالة الانتقالية ومن التجارب التي يكتنزها المجتمع الدولي لأكثر من ستة عقود، إنما يرتكز على كشف الحقيقة كاملة، لا سيما إزاء ما حصل؟ وكيف حصل؟ بغرض مساءلة المرتكبين والتأكد من عدم إفلاتهم من العقاب.

ويؤكد المؤلف في هذا المقام على نقطة تبدو في غاية الأهمية، وهي أن العدالة الانتقالية لا تسعى إلى الانتقام أو الكيدية، بقدر ما تسعى إلى التهيئة لحكم القانون، خصوصا في حال انهيار النظام القانوني في الفترة الانتقالية من نظام تسلطي استبدادي إلى نظام ديمقراطي.

إن حركة التغيير بحاجة إلى مرحلة انتقالية لاستعادة الفضاء العمومي والتنوع الثقافي وصولا إلى الخير العام الذي يعتبره ابن خلدون المعنى للسياسة والدلالة المنطقية لنجاحها واقترابها من العدالة.
المصدر:الجزيرة

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة