إسلاميو موريتانيا الربيع المؤجل

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2146 مرة
الكاتب  سليمان محمد الشيخ حمدي

بدأ الحراك السياسي في موريتانيا منذ ما قبل الربيع العربي أي بعد الانتخابات الرئاسية في 18 يوليو 2009م ، تلك الانتخابات التي جاءت بالرئيس محمد ولد عبد العزيز، الذي كان قاد انقلابا في السادس من أغسطس 2008. على الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله.

لكن ما ميز هذا الحراك السياسي هو ضعف الزخم الشعبي، حيث كان الشعب لا يزال يأمل في وعود الرئيس المنتخب حديثا حتى ولو كان انقلابيا سابقا، فقد كًفَّرَ اتفاق داكار بين المعارضة والرئيس ولد عبد العزيز جريرة الانقلاب تلك.

هذا الأمل هو ما يفسر تلك الهوة التي لا تزال بين الحراك السياسي النشط وبين الفعل الجماهيري، فموريتانيا تشهد معارضة نشطة وحراكا سياسيا سجالا غير أن ذلك لا يصاحبه فعل جماهيري بمستواه. ويعود السبب في ذلك إلى نخبوية الفعل الحزبي السياسي وعدم وجود قواعد شعبية تستجيب للحشد والتعبئة بسلاسة، هذا إذا استثنيا قلة من الأحزاب وعلى تفاوت في ذلك ومنها حزب تواصل ذي المرجعية الإسلامية، الذي أبان عن قدرة على الحشد وقدرة على استخدام أدوات سياسية مؤثرة ومتنوعة منها الساحات الطلابية والعمالية والنقابات المختلفة ومنظمات المجتمع المدني والمنابر الإعلامية...الخ ولعل هذه الفاعلية هي التي جعلت المعارضة تحرص على ضمه إلى منسقيتها بعد أن انفصل عنها عمليا في مسعى منه لاتخاذ خط ثالث سوى الموالاة والمعارضة، وهو ما لم يستطع النجاح فيه طويلا ليجد نفسه مرغما على الاصطفاف مع المعارضة مدفوعا بتباشير الربيع العربي الذي كان مغاربيا بامتياز.

وحتى نقترب أكثر من حقيقة هذا التيار الإسلامي سوف نذكر باختصار أهم المراحل التي مر بها، في مرحلة ما بعد انقلاب 13 أغسطس 2005م الذي أطاح بالرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع.

تعتبر مرحلة ما بعد الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع مرحلة فريدة بالنسبة التيار الإسلامي الموريتاني فقد خبر فيها كل التجارب السياسية والمواقف التي تتيح له تقييم تجربته السياسية، ويمكن إجمالا تحديد ثلاث مراحل مر بها الإسلاميون الموريتانيون وخبروا من خلالها النظام السياسي والساحة السياسية.

أولا:- مرحلة التحمس للتجربة السياسية الجديدة وتبدأ هذه المرحلة مباشرة بعد الانقلاب على معاوية ولد الطايع وتستمر حتى قبول الحزب الإسلامي. وقد تميزت هذه المرحلة ببروز الإسلاميين كلاعب سياسي له وزنه، فقد أكسبهم الصراع مع الحكم السابق شرعية سياسية وشعبية كبيرة خاصة وأن النظام قد جعلهم هدفه الأول في حربه على المعارضة، ومن خلال هذا الزخم حاول الإسلاميين أن يدخلوا اللعبة من بابها الواسع فتقدموا بطلب ترخيص لحزبهم السياسي، غير أن قادة المرحلة الانتقالية كان لهم رأي آخر، حيث رفض الترخيص لهم، لكن لم تشن عليهم حملة سياسية، بل ظل النظام يقدر لهم وزنهم و يتردد في موضوع ترخيص الحزب حتى جاء الاستحقاق الانتخابي، واصطف الإسلاميون إلى جانب المعارضة ودعموا المرشح صالح ولد حننه, قائد المحاولة الانقلابية الفاشلة على معاوية ولد الطايع. ثم في الدور الثاني دعموا مرشح المعارضة، ليفوز الرئيس المدعوم من الجيش والمجلس العسكري، سيدي ولد الشيخ عبد الله.

حاول الإسلاميون في هذه المرحلة المحافظة على توازنهم وانسجامهم مع الخط العام للمعارضة، رغم التصريحات السلبية التي مافتئ أقطاب النظام يطلقونها تجاههم، لكنهم قبلوا الوضع السياسي - رغم ما شابه من انحياز واضح من المجلس العسكري لمرشح بعينه واستخدامه كل الوسائل في سبيل ذلك- وفضلوا الوقوف ضمن سواد المعارضة. التي كانوا جريئين على مناوئتها أكثر من جرأتهم على النظام. لقد حاول الإسلاميون تعزيز رصيدهم الشعبي منتهزين أجواء الحرية وعدم التضييق التي يرى البعض أنها تأتي في إطار صفقة غير معلنة يظهر بموجبها النظام أمام الغرب خاصة بالحزم تجاه التيار الإسلامي السياسي، في المقابل يطلق للإسلاميين العنان للاتصال المفتوح مع قواعدهم الشعبية تحضيرا للمراحل الانتخابية القادمة.

ثانيا:- مرحلة اكتساب الشرعية كانت، أول خطوة بدأ بها نظام سيدي ولد الشيخ عبد الله المنتحب حديثا هي ترخيص حزب الإسلاميين، ليبدؤا مشوار الشرعية التي اختبروها لأول مرة ، وقد بدأت التحضيرات للانتخابات البرلمانية والبلدية وكانت هي أول استحقاق يخوضه الإسلاميون بحزبهم الجديد، لقد أراد النظام من هذه الخطوة كسب الإسلاميين إلى جانبه وشق صف المعارضة القوية بهم. وهو ما تم له بالفعل. وقد أظهرت الانتخابات حضورا جيدا للإسلاميين حيث أصبحوا هم القوة الثالثة تقريبا بعد الحزب الحاكم وحزب اتحاد قوى المعارضة، لقد رأى الإسلاميون في النظام الجديد معطى مختلف يمكن من خلاله تجربة (الموالاة) والدخول في السلطة، كما أن النظام رأى في الإسلاميين حليفا قويا يعينه على المعارضة وعلى رموز الحكم السابق وربما الجيش، وهكذا يقبل الإسلاميون الدخول في الحكومة بحقيبتين. لكن هذه المرحلة لم تعمر طويلا حيث دب الخلاف الحاد بين الرئيس و المؤسسة العسكرية لينتهي المطاف بالإطاحة به، في أغسطس 2008م على يد الجنرال محمد ولد عبد العزيز.

ثالثا:- مرحلة المعارضة (الناصحة) بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب بدأت مفاوضات بين المعارضة والانقلابيين (المجلس العسكري) من اجل استئناف العملية الديموقراطية و تسيير المرحلة الانتقالية وبعد مفاوضات طويلة ومريرة بالعاصمة السنغالية داكار أتُّفِقَ على إجراء انتخابات رئاسية. ويلاحظ المراقبون أن سلوك الإسلاميين في هذه المرحلة الانتقالية إبان اشتداد الأزمة مع الجنرال محمد ولد عبد العزيز الذي انتزع السلطة من الرئيس المنتخب لم يكن حاد كعادة معارضتهم للأنظمة السابقة بل إن أطيافا من المعارضة أخرى كانت متقدمة عليهم أشواطا في ذلك ويفسر البعض ذلك بقناعتهم أن ولد عبد العزيز لم يقم بالانقلاب إلا ليحكم، وأنه لن يترك السلطة لذلك يجب رسم سياسة بعيدة الأمد معه. وهو ما تم بالفعل فبعد تنفيذ اتفاق داكار ونجاح ولد عبد العزيز في الرئاسة، تحول الإسلاميون إلى ما أسموه "المعارضة الناصحة" وظلت العلاقات جيدة مع النظام وهو يرسل لهم رسائل طمأنة لم تصل حد المشاركة في حكوماته لكنها كانت واضحة للمراقبين.رغم تردي علاقته مع بقية أطياف المعارضة وتصعيدها ضده.

رابعا:- مرحلة الصدام، لم يستمر خريف الرئيس عزيز والإسلاميين طويلا إذ سرعان ما ساءت الأوضاع الاقتصادية واستشرى الفساد وانفرد النظام بالقرارات المصيرية وهمش المعارضة، التي حزمت أمرها منذ البداية وأعلنت مشروعها لإسقاطه، لكن المعارضة ظلت مفككة وغير قادرة على إحداث نقلة نوعية في المواجهة مع النظام ، إلى أن قرر الإسلاميون نفض أيديهم من النظام والوقوف مع المعارضة، وقد جاء ذلك في شكل تصعيد غير مسبوق من المعارضة يتزعمه الإسلاميون الذين استخدموا كل وسائلهم السياسية بدءا من الإعلام وانتهاء بهيئات العمل المدني وقد أعطوا المعارضة زخما قويا لتبدأ الصدامات مع النظام الذي أدار الصراع بحرفية عالية حيث لم ينجر إلى الاعتقالات والتنكيل التي تجعل الفعل الجماهيري متحفزا، بل ترك لهم حرية العمل السلمي بكل أنواعه قكان يرخص كل أنشطة المعارضة، وقد شكل الإسلاميون بفضل تنظيمهم وقدرتهم على الحشد مقارنة ببقية أطياف المعارضة رأس الحربة وكانت تباشير الربيع المغاربي الإسلامية تغريهم ربما برفع سقف مطالبهم، حتى قبل التأكد من جاهزيتهم الجماهيرية لذلك.

ويمكن إجمالا إرجاع عدم قدرة الإسلاميين على استغلال جو الربيع العربي وتحويله إلى فعل جماهيري تغييري في موريتانيا إلى العوامل التالية:
- هامش الحرية الذي يتيحه النظام مما يحول دون تشكل ضغط واحتقان يسبب ردة فعل جماهيرية يمكن استغلالها.
- عدم وجود احتقان سياسيي بمعناه السلبي حيث النظام السياسي وان كان لا يتعامل مع المعارضة إلا أنها تقوم بدورها بكل حرية، وهو ما يفوت فرصة الانسداد السياسي المولدة للفعل الجماهيري المؤثر.
- تخوف المعارضة غير الإسلامية من هيمنة الإسلاميين على المشهد السياسي في حالة تغير النظام خاصة في ظل المد الإسلامي المغاربي. لذا نجد أن المعارضة غير الإسلامية وان كانت تعلن سعيها للإطاحة بالنظام وعملها الجاد في ذلك إلا أنها عمليا لا تقبل زعامة الإسلاميين لأي فعل جماهيري يقود إلى تغيير النظام.
- عدم قدرة الإسلاميين على الحشد المؤثر الذي يؤدي إلى تغيير النظام، وذلك لافتقادهم قاعدة جماهيرية قادرة على التغيير، فبالرغم من خطابهم الإسلامي المتميز، و قوتهم التنظيمية ، إلا أن الشعب ونتيجة لطبيعته المتدينة لا يجد إغراء يستحق المجازفة، في خطاب الإسلاميين ، كما أن الإسلاميين لم يستطيعوا تطوير خطاب سياسي متميز مقنع لا يستند إلى تلك الخلفية الدينية التي وإن أغرت في مجتمعات متعطشة لها قد لا تكون بنفس الإغراء في مجتمع كالمجتمع الموريتاني المتدين بفطرته تدينا لم ينغصه أي حكم سياسي منذ استقلال البلاد وحتى الآن، وهو ما يفوت فرصة التحام خطاب إسلاميي موريتانيا بتعطش جماهيري يحدث التغيير المطلوب ويخرج نسخة موريتانيا من الربيع العربي إلى حيز الوجود.

باحث من موريتنانيا.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة