طباعة
09/12/2021

علي حسن - مشاهدات انتخابية من برلمان الثورة

آخر تحديث: الإثنين، 30 تشرين2/نوفمبر -0001
الكاتب: 


أعرض في السطور التالية مجموعة من المشاهدات الانتخابية والتي أثارت انتباهي خلال المشاركة في حملة أحد مرشحي مجلس الشعب في المرحلة الثانية، عن دائرة فيها من الميزات ما تجعلها ممثلة إلى حد كبير للشعب المصري، وهي دائرة الدقي والعجوزة وإمبابة، أيضا ومن خلال رصد نفس الممارسات والملاحظات في دوائر أخرى في الصعيد والدقهلية، وقد قسمت الملاحظات تحت ثلاثة عناوين رئيسة، وهي: الدولة، المرشحين، الناخبين، منظمات المجتمع المدني.

الدولة
أول ملاحظة هي انهيار مؤسسات الدولة وفشلها في أداء أدوارها بعيدا عن الاستقطابات الأيديولوجية والاختلافات الحزبية. ففي لحظة انتهاء التصويت وغلق الصناديق ونقلها إلى مقر الفرز "ملعب كرة قدم تابع لمركز شباب"، وخاصة في الجولة الأولى، شاهدت كما كبيرا من الصناديق، وأعدادا هائلة من البشر، سواء من الهيئات القضائية أو اللجان المعاونة أو مندوبي المرشحين، وبدأت كل لجنة بفتح الصناديق وإخراج "البضاعة" لعرضها، وسط علو الغبار المعيق للرؤية والضجيج وحالة من الفوضى، وكأنك في سوق كبير من الأسواق الأسبوعية التي تقام في أنحاء مصر. هنا تكتشف أن هناك خللا حقيقيا، وفشلا للدولة في إدارة العملية الانتخابية.

وفي الحقيقة لم يكن هذا المشهد هو الوحيد الدال على نموذج "الدولة الفاشلة"، فبدءا بسن قانون الانتخاب، واختيار اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات، مرورا بوضع القواعد الضابطة والتنفيذية لعمليات التمويل والدعاية والتصويت، وانتهاء بعمليات الفرز، وإعلان النتيجة، نجد تخبطا وفي كثير من الأوقات غياب للدولة.

فعلى سبيل المثال، وضعت اللجنة المشرفة على الانتخابات سقفا للدعاية وهو 500 ألف جنيه وهو ضعف المبلغ الذي كان في الانتخابات السابقة، ولكن لم تضع آليات لمراقبة الإنفاق الانتخابي، أو لتقديم النواب تقرير بمصروفاتهم خلال الحملات الانتخابية.

نفس الأمر انسحب على أيام الصمت الانتخابي والتي يمنع فيها المرشح وأنصاره من عمل أي شكل من أشكال الدعاية الانتخابية، وقد شاهدنا معظم المرشحين يمارسون أعمال الدعاية بأشكال مختلفة، من عمليات حشد وتوجيه للناخبين، وتوزيع "فلايرز" عليها دعاية للمرشح، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى قيام مندوبي المرشح بتوجيه الناخب داخل المقر الانتخابي.

أما عند عمليات الفرز وإعلان النتيجة فحدث ولا حرج، وهو المشهد الذي وصفته آنفا، وأحسب أنك لن تجد له مثيلا في أي دولة أخرى من دول العالم الثالث، رأيت كما كبيرا من الصناديق الخشبية والأوراق الموجودة في مكان واحد تحت سرادق من القماش، مما يجعلها قنبلة قابلة للانفجار تبدأ فقط بالمسبب الرئيسي لكل الحرائق في مصر "ماس كهربائي أو عقب سيجارة"، لتتسبب في كارثة حقيقية.

ثم بعد الانتهاء من عمليات الفرز - والتي عادة ما تنتهي في صباح اليوم التالي في وضع لا إنساني للموظفين وأعضاء الهيئة القضائية، بلا طعام أو راحة، يتم تعبئة الأوراق التي تم فرزها في أجولة "زكايب"، كالخضروات والفاكهة، مع عدم الاعتبار بأن هذه "الزكايب" ربما يعاد فرزها مرة أخرى، إذا شاب عملية الفرز خلل مؤكد، ثم يتم إعلان النتيجة بعد الفرز ربما بـ 24 ساعة، وبالتالي تجد أن النتيجة تظهر بعد غلق الصناديق بحوالي يومين أو ثلاثة.

أخيرا وعن التواجد الكثيف لمندوبي المرشحين داخل لجنة الفرز، وتحديدا التابعين لحزبي الحرية والعدالة وحزب النور، ثم باقي المرشحين، رصدت مخالفة صريحة لنص القانون الذي يحدد مندوب واحد فقط لكل مرشح، في تهاون شديد في تطبيق القانون مما حول تواجد المندوبين في عملية الفرز من مراقب للعملية إلى معيق لها.

المرشحون
الملاحظة الثانية هي غياب احترام القانون لمن سوف يسنون القوانين، وغض الطرف عن النزاهة والمنافسة الشريفة لمن يراقبون عمل السلطة التنفيذية ومدى شفافيتها نزاهتها. فحملات الدعاية والترشيح للمرشح تمثل البيئة الحاضنة، والمحك الأول لنائب المستقبل من حيث احترامه للقانون ولإرادة الناخبين، فهو اختبار للمصداقية والشفافية.

وقد كانت الملاحظة الأولى والأكثر وضوحا لمعظم المرشحين هو عدم احترامهم للقانون ولتعليمات اللجنة المنظمة للانتخابات، سواء في عمليات الإنفاق والتي تجاوزت الحد المسموح في كثير من الأوقات، ولك فقط أن تقوم بحساب عدد الإعلانات الكبرى في الدائرة للمرشح، لتعرف الحجم الحقيقي للإنفاق، أو في الالتزام بأيام الصمت الانتخابي، والتي خرقها أيضا معظم المرشحين.

أيضا قيام المنافسين بأساليب رخيصة لتشويه سمعة الخصم، وابتعادا عن المنافسة الشريفة وحتى عن حدود الأخلاق الإنسانية، فتارة تكال الاتهامات بالعمالة، أو بقبول تمويل خارجي، أو بدعم الكنيسة لمرشح بعينه، وعلى المسلمين التكاتف لإسقاطه، وغيرها الكثير، في بيئة هي في الأساس خصبة للإشاعات، مع غياب للمعلومات الموثقة، أو محاسبة مصدر الإشاعة على ما يقول، أو حتى غياب وسيلة تساعد المرشح "المُتهم" بتكذيب المعلومة، وضمان وصولها لغالبية أبناء الدائرة إلا من خلال الجولات الانتخابية والتي عادة لا تغطي كل الدائرة، أو من خلال شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت.

كل ذلك مع غض الطرف عن حالات الاعتداء البدني على بعض أنصار المرشحين، والاشتباكات بالأيدي، كل هذه الممارسات وهذه البيئة هي "المفرخة" لنائب المستقبل، الذي سيشرع القوانين "التي لا يحترمها"، ويراقب أعمال الحكومة وكشف فسادها "وهو جزء من منظومة الفساد".

الناخبون
الملاحظة الثالثة هي أن المواطن دائما هو مصدر الأمل، والرهان الرابح في أي معركة أو سباق. لقد اصطف الناخبون المصريون منذ اليوم الأول على أبواب المقار الانتخابية، في تصميم أذهل الجميع وفاجئهم، رغم حملات التخويف ودعوات المقاطعة قبل الانتخابات، في حرص الكثيرين منهم على إنجاح التجربة، والسير بالبلاد خطوة للأمام، رغم توجه جزء لا يستهان به منهم خوفا من الغرامة المالية.

ومن أشد المشاهدات فيما يتعلق بالناخب، هو ارتفاع الوعي "بشكل عام" أذهلني وأذهل كثير ممن شاركت معهم، وقد لوحظ ذلك في أمرين، الأول: عند المرور على اللجان المهمة ذات الأصوات الصخمة، وتحديدا في إمبابة معقل التيار الإسلامي وثقل الكتلة التصويتية في الدائرة، تجد قيام أفراد من حزبي الحرية والعدالة وحزب النور، محيطين تقريبا بكل مخارج ومداخل المقر، ومتواجدين بكثافة لتوجيه الناخبين، وقدرة فائقة على الحشد، ونقل للناخبين من بيوتهم وأماكن تجمعاتهم إلى مقراتهم الانتخابية.

وتكرر هذا المشهد تقريبا عند كل مقار الانتخاب، فأصابنا شيء من الإحباط، وأن هذه الانتخابات انتهت قبل أن تبدأ، لنفاجأ بأن نتيجة الانتخابات فوز المرشح المستقل على مرشح الحرية والعدالة بفارق أصوات أكثر من 60 ألف صوت في الجولة الأولى.

الملاحظة الثانية، وهي عند الفرز، لوحظ أن نسبة كبيرة لمن صوتوا أعطوا صوتهم لمرشح العمال "حرية وعدالة"، أيمن صادق، وصوت الفئات للمرشح المنافس، د.عمرو الشوبكي، مما يدل على قيام بعض أنصار جماعة الإخوان المسلمين، وبالطبع المواطنين الآخرين، بعدم اختيار مرشح الإخوان عندما توفر بديل جيد، يقدم خطاب توافقي، وغير استقصائي...

هذه مجموعة من النماذج الحية والتي كنت شاهد عيان عليها، والتي لا أتوقع تداركها في انتخابات مجلس الشورى القادم أو الرئاسة، بأشكال ونسب مختلفة، ولكن أرجو أن يتم تجاوزها في برلمان ما بعد بناء مؤسسات الدولة.

* باحث مصري


المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

هذا المحتوى مطبوع من موقع الجماعة العربية للديمقراطية

Copyright © 2021 Arabsfordemocracy. All rights reserved