أمين السعيد: تعيين رئيس الحكومة وسؤال الممارسة الدستورية بالمغرب

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2324 مرة
الكاتب  أمين السعيد

كانت إحدى النتائج المثيرة لانتخابات 25 نونبر 2011، هي التقدم القوي لحزب العدالة والتنمية، مقابل التراجع الواضح في الأصوات التي حصل عليها اليسار، بعد مشاركة في الحكومة دامت ما يقارب العقد ونصف العقد من الزمن.

ومما يزيد من أهمية هذه النتيجة، كون الانتخابات تمت في ظل دستور جديد أفرز قراءات متباينة، إضافة إلى أن هذه الانتخابات أجريت في ظل توتر سياسي بين الشارع والدولة، ولذلك فإن هذه الانتخابات تشكل فرصة لفهم نوايا النظام السياسي، ومدى نزعته الإرادية في تطبيق المقتضيات الدستورية الجديدة، على اعتبار أن الممارسة هي المحدد الرئيسي لتنزيل مضامين الدستور الجديد.

وبالتالي، فإن الأجواء الفكرية والسياسية التي رافقت انتخابات 25 نونبر، تدعو إلى التفكير في مدى أهمية هذه التعديلات الدستورية وأثر الممارسة في تحديد سمات تطبيق الفصول الدستورية.

وأبدأ بملاحظة الفورة التي تعرفها الخطابات حول تعيين بنكيران رئيسا للحكومة، حيث ظهرت نقاشات مختلفة، وحظي هذا الحدث باهتمام كبير، وذلك لعاملين أساسين:
يتجلى العامل الأول في التطور المسجل في الاختصاصات، ومنافذ رئيس الحكومة التي جاءت بها الهندسة الدستورية لسنة 2011 مقارنة بالدساتير السابقة (62، 70، 72، 92 96)، بدءا من تغيير المفهوم (الانتقال من الوزير الأول) ودلالته، ثم السلطات الدستورية والأدوار التي أنيطت بمؤسسة رئيس الحكومة، وطبيعة العلاقة التي أضحت تحكم مؤسسة رئيس الحكومة بباقي المؤسسات الدستورية والأجهزة الإدارية.

ويتمثل العامل الثاني في النقاش الذي يصل إلى حد الجدل، حول دور رئيس الحكومة والانتظارات من هذه الحكومة، إذ يلاحظ، أن هناك اهتمام من كل القوى المجتمعية، خاصة بعد الانتخابات بأدوار هذه المؤسسة، ولعل ما يطبع النقاش الدائر حاليا بعد تكليف الأمين العام لحزب العدالة والتنمية لدليل على ذلك.

ويبدو أن الاتجاه العام في تشكيل الحكومة الأولى بعد دستور 2011 يقود إلى الوقوف عند العناصر التالية:

أولا : مؤسسة رئيس الحكومة بين صناديق الاقتراع ورمزية التعيين الملكي

أولى ملامح تفعيل الوثيقة الدستورية الجديدة، تبرز من خلال تعيين الملك، للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، وذلك احتراما لمقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 47 من دستور 2011 «يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب...» وفي هذا الإطار، نشير إلى أن الملك غير ملزم بتعيين الأمين العام لمنصب رئيس الحكومة، فالفصل 47 لا يقيد الملك بتعيين الأمين العام أو رئيس الحزب الذي تصدر الانتخابات التشريعية رئيسا للحكومة، وهنا يثار السؤال: هل المؤسسة الملكية قبلت بتعيين بنكيران رئيسا للحكومة رغبة منها لتفادي المواجهة مع حزب العدالة والتنمية الذي تشبث بأمينه العام، وهدد بالعودة إلى الأمانة العامة في حالة الرفض الملكي؟ أم أن تعيين بنكيران جاء نتيجة تكريس عرف دستوري تأسس مع حكومتي (عبد الرحمن اليوسفي وعباس الفاسي)؟

ولكن، على العموم، فتعيين بنكيران رئيسا للحكومة، شكل قطيعة مع ما أسست له التجربة الدستورية المغربية، حيث كان الملك يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في مجال اختيار الوزير الأول، وذلك طبقا لما ينص عنه منطوق الفصل 24 من الدساتير السابقة، بل أكثر من ذلك نجد أنه كانت تتحكم عوامل متعددة، بعيدة كل البعد عن الأعراف الديمقراطية في اختيار منصب الوزير الأول.

ولا غرابة في أن تعيين المؤسسة الملكية (لعبد الرحمن اليوسفي، و عباس الفاسي) وتكليفهما من طرف الملك بتشكيل الحكومة، جاء من خلال تصور وحسابات ملكية، دون اعتبار الاختيارات البرلمانية أو الانتخابية.

وتبرز انعكاسات تعيين بنكيران رئيسا للحكومة في كون التنافس الانتخابي أصبح يسمح نسبيا بالتداول الديمقراطي على السلطة، انطلاقا من نتائج الاقتراع العام التي من المفروض أن تعبر عن إرادة المواطنين، لذلك، فإن أهمية الفصل السابع والأربعين من دستور 2011، في كونها عززت من المركز القانوني لرئيس الحكومة، وأصبح التعيين الملكي رمزيا وشكليا، ثم إن تفاعل الرأي العام مع التعيين الملكي لرئيس الحكومة، أصبح ينظر معه إلى رئيس الحكومة باعتباره الشخصية الثانية في السلطة التنفيذية من خلال ارتباطه بالأغلبية، بل أكثر من ذلك، يلاحظ من خلال المشاورات التي أجراها رئيس الحكومة، وتدبيره لتشكيلة الحكومة، حيث حاول أن يتصرف، من جهة، كقائد لتيار سياسي مدعوم شعبيا، ومن جهة أخرى كسلطة دستورية قوية ومستقلة.

ثانيا: مدى تجاوز رئيس الحكومة لاختصاصاته الدستورية فيما يخص اقتراح التشكيلة الحكومية

على المستوى الدستوري يوقع رئيس الحكومة بالعطف على ظهير تعيين الحكومة طبقا للفترة الرابعة من الفصل 42 من دستور 2011، وحيث إن بنكيران يتوفر اليوم على دعم سياسي، وهو ما يقود رئيس الحكومة إلى فتح نقاش مع الملك قبل أن يوقع بالعطف على ظهير تعيين الحكومة، وبالتالي، فإن توقيع رئيس الحكومة في هذه الحالة قد يصبح موضوع مفاوضات مع الملك، وهنا يثار سؤال فقهي هو، ماذا لو رفض رئيس الحكومة التوقيع بالعطف؟ في هذه الحالة يلجأ الملك إلى حل البرلمان، وهذا الحل يقود إلى مغامرة خطيرة، حيث إن إعادة الانتخابات يمكن أن تقوي رئيس الحكومة المُقَال، ومن تم لا يمكن حل البرلمان مرة ثانية إلا بعد مرور سنة، وهذا يعني أن المؤسسة الملكية ستصبح ملزمة بأن تتعايش مع رئيس الحكومة تفاديا لوقوع أزمات سياسية.

ولنعود إلى مشاورات بنكيران، نجد أن هذا الأخير تشبث بحزمة من المعايير التي حددتها الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية فيما يخص الاستوزار، إضافة إلى مسطرة وضعها المجلس الوطني للحزب تتعلق باختيار الوزراء المقترحين باسم حزب العدالة والتنمية.

فهذه المعايير لا يمكن تأويلها بأنها تجاوز لسلطات الملك، حيث إن مؤسسة رئيس الحكومة مقتصرة على الاقتراح، وشروط الاستوزار لا يمكن التدخل في رفضها أو قبولها إلا المؤسسة الملكية، وهكذا فرزمة المعايير التي استند عليها رئيس الحكومة يمكن تفسيرها في كون بنكيران حاول أن يطور الاختصاصات المخولة له دستوريا دون تجاوز اختصاصات المؤسسة الملكية.

ولاستثمار هذه التجربة وتسخيرها لتطوير فهم الممارسة السياسية وتحليلها، فإن بنكيران مطالب بمصارحة الرأي العام، والكشف عن اللائحة الأولية التي قدمها إلى المؤسسة الملكية، ولاشك أن هذه النقطة ستثير نقاشا كبيرا أو ستكون مواضيع أبحاث جامعية مستفيضة.

ثالثا: هيمنة المنفذ الحزبي في الوصول إلى المنصب الحكومي

إن رئيس الحكومة وهو يهيأ تشكيلة فريقه الحكومي، أصبح ملزما بالتوفيق بين رغبة حلفائه ورغبة المؤسسة الملكية، وهنا يبرز المنفذ الحزبي كسبيل للحفاظ على الأغلبية المنسجمة، مقابل تراجع المنافذ "الخفية" والمتمثلة في علاقات القرابة والمصاهرة والولاء، وبالتالي، فالنقاش حول التشكيلة الحكومية انتقل من محدودية الانتماء الحزبي في تكوين الحكومات، وتجاوز ضعف التنافس السياسي الذي شهدته أغلب فترات الحياة السياسية بالمغرب، إلى نقاش وتفاعل- بين المجتمع والأحزاب السياسية والقصر- مرتبط بصناديق الاقتراع، إلا أن هذا النقاش يبقى محكوما بسؤال محير -من الناحية النظرية- ما هو الزمن السياسي الذي خوله الدستور لرئيس الحكومة لتشكيل فريقه الحكومي؟ وماذا لو عجز رئيس الحكومة عن تكوين تحالف حكومي يضمن له الأغلبية؟ فالدستور الجديد لم يحسم في هذه النقطة، ولم يشترط أجلا معينا، وبما أن الدستور يحتمل عدة قراءات، نعتقد أن القراءة التي تميل إلى إعطاء الفرصة للحزب السياسي الذي احتل الرتبة الثانية لتشكيل الحكومة تبقى ضعيفة نسبيا، لأن الفصل 47 من دستور 2011 ينص على التالي: «يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب...» والمستفاد من هذا الفصل أن رئيس الحكومة يظل مقرونا بالحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب.

ومن تم فإننا في هذه الحالة أمام اختيارين اثنين:

- الاختيار الأول، منح الوقت الكافي لرئيس الحكومة في الحصول على الأغلبية وتشكيل فريقه الحكومي، مادامت هناك حكومة لتصريف الأمور الجارية للدولة تحت إشراف ورقابة الملك.

- أما الاختيار الثاني، وهو الأقوى، يتجلى في أن يطلب الملك من رئيس الحكومة الانسحاب ويعفيه، ثم اللجوء إلى إجراء انتخابات جديدة بعد الإعلان عن حل البرلمان.

* ممثل الطلبة بمجلس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية وباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس أكدال بالرباط

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة