You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>نصوص كتب>نص كتاب: جلال أمين، مصر في مفترق الطرق

مناقشات ومداخلات اللقاء السادس 1996

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2790 مرة

بشير نافع

أريد إن اطرح ملاحظتين بشكل سريع على الاخوة زياد احمد بهاء الدين والدكتور محمد محمود بالرغم انهما غير موجودين ولكن هذا لا يعفيهما من الرد عليهما:

الأولى خاصة بموضوع الإسلاميين والعنف . في ورقة السيد زياد يتحدث عن نزوع القوى الإسلامية السياسية إلى العنف وهذا فيه قدر غير قليل من التبسيط . فالحركات القومية في البلاد العربية وصلت اغلبها ان لم يكن كلها إلى السلطة عن طريق عنف الجيش . الحركة الماركسية في البلاد العربية وابرز مثل عليها الحزب الشيوعي العراقي القيادة المركزية مارست العنف منذ سنوات ، الحزب الشيوعي السوداني وصل إلى السلطة لفترة قصيرة جداً أيضا عن طريق الانقلاب العسكري والعنف وانتهى نظامه بانفجار عنف كبير في البلاد . حركة القوميين العرب أو الجبهة القومية في جنوب اليمن اتسمت تجربتها بقدر هائل من العنف. العنف في الحقيقة ليس حصراً على الإسلاميين . العنف موجود في المنطقة بشكل متصاعد منذ منتصف القرن التاسع عشر . العنف ليس مقصوراً على الإسلاميين وهذا موضوع لا مجال للتفصيل فيه هذا اليوم .

الملاحظة الثانية هي حول تعقيب الدكتور محمد محمود علي ورقة وليد نويهض . طبعاً الدكتور محمود تحدث بلغة المندوبين الساميين في المنطقة العربية ، وقدم نفسه كمندوب سامي لعصر التنوير . فيه مشكلتين رئيسيين في حديثه : المشكلة الأولى انه ربما يمكن ان يكون كلامه صحيح، إن عصر التنوير وصعود العلمنة وشريكتها الليبرالية نزعت السحر عن العالم ، لكن ما إن غاب السحر حتى جاء الموت للعالم . عصر التنوير هو الذي جاء بالدول الشمولية ، بالنازية، بالحكم الشيوعي ، هو الذي جاء بعصر محكم للإمبريالية ، كل علمانية وليبرالية غربية كان لها إمبريالية . منظومة من القهر والاستقلال وسيطرة الإنسان على الإنسان . ما بعد عصر التنوير هو الذي جاء بالحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية والحرب الباردة . في كل هذه الحالات كان هناك ملايين من البشر الذين سفكت دماءهم في العالم . هناك غياب كامل في الحديث عن العلمانية لنتائج العلمانية ، ليس على مستوى الإسلام فحسب ، وإنما على مستوى العالم ككل ، وفيه أيضاً غياب في تعقيب محمد محمود عن الحوار الدائر في الغرب الآن.

نموذج عصر التنوير هو نموذج غربي وردود الفعل الدائرة عليه الآن طويلة وعريضة . النقاش الدائر في الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة ، النقاش الدائر بين الليبراليين المحافظين في أمريكا النقاش الدائر منذ انك بوار في بريطانيا ، أمثلة على محاولات جادة محاولات أيدلوجية وسياسية في العالم الغربي للرد على نتائج ومقولات عصر التنوير . شكراً


محمد جابر الأنصاري (تدخل سريع في شكل سؤال لبشير نافع)

لدي تعقيب على مداخلة الأخ بشير لدى ملاحظات صغيرة . في ملاحظته الأولى شعرت انه وصل إلى نقطة هامة جداً ووقف عندها . آلية التعامل بالعنف هل خصيصة من خصائص المجتمعات العربية ككل ، لأنه قال ان العنف ليس مقتصراً على الإسلاميين وإنما توسلت به كمل القوى الأخرى فهل تريد ان تقول ان العنف خصيصة عربية؟

بشير نافع (إجابة لتساؤل الأنصاري)

أنا حددت قلت ان العنف مسكون في الدولة الحديثة في العالم الإسلامي منذ منتصف القرن التاسع عشر. حركة التحديث في منتصف القرن التاسع عشر بدأت عملية طويلة من ضرب وتقويض قوى المجتمع المدني . الحديث الجاري في أوربا الآن وفي النصوص الغربية في علوم السياسة الآن على ان المجتمع المدني هو مجتمع ما بعد عصر التنوير هذا كلام خاطئ وغير تاريخي لان الإسلام منذ البداية أقام مجتمع مدني طويل وعريض وضع الدولة في الزاوية وحددها . نزع من الدولة حق التشريع ، نزع من الدولة التعليم ، نزع من الدولة السوق ، نزع من الدولة تقريباً كل مجالات الحياة . هذا المجتمع المدني هذا المجتمع الأهلي والذي استمر حوالي ثلاثة عشر قرن ضٌرب ضربات قاسية منذ عصر التحديث في العالم الإسلامي والتي أطلقها رجال التنظيمات في الدولة العثمانية في عام 1840. بعد هذا استمرت عملية ضرب المجتمع المدني ونتيجة لهذا الضرب والتقويض تضخم دور الدولة في بلادنا تضخم دور الدولة إلى الدرجة التي لم يصبح هناك حياة في بلادنا خارج الدولة . وأنا في نظري ان الدولة كبرت ، ووجهة نظري ان الدولة بصرف النظر عن ما إذا كانت تحكم باسم الإسلام أو تحلم باسم الليبرالية أو أي اسم من الأسماء ، عندما تحتكر الدولة القوة في المجتمع سيكون هناك عنف . لهذا السبب رجال التنظيمات العثمانيين لم يتم أزاحتهم في عام 1876 في بداية عصر عبد الحميد من قبل جوتمن بدون قدر غير بسيط من العنف . عبد الحميد نفسه لم تتم إزاحته في عام 1908/1909 إلا بانقلاب عسكري طويل وعريض . فيما بعد كل الأنظمة التي ولدت من حكم الدولة العثمانية في بلادنا ، دول تحتكر السلطة وتحتكر القوة ولم يكن من الممكن إزاحتها بغير توظيف قدر غير بسيط من العنف . العنف اصبح ظاهرة لا العقل الإسلامي ولا العقل العربي الليبرالي قادر حتى الآن تقديم حل لهذه الأزمة التي بدأت مع عصر التحديث مذ منتصف القرن التاسع عشر.


محمد جابر الأنصاري:

الملاحظة الثانية تخص ملاحظته (بشير نافع) حول عصر التنوير الأوربي ملاحظته عن عصر التنوير كان فيها تعميم . قال إن الحرب العالمية الأولى والثانية هي نتائج من عصر التنوير . أنا أتصور إن تلك الحروب والظواهر النازية هي بسبب هزيمة فكر التنوير وليس امتداد له . لان التنوير كان يدعو إلى التعامل العقلاني والتعامل السلمي وقال ان الإنسان قد بلغ مرحلة من العقلانية انه لن يحارب.

راشد الغنوشي

بسم الله والصلاة والسلام على رسوله.
أولاً نشكر الأخوة القائمون على مشروع دراسات الديمقراطية وحرصهم إقامة ندوات حول الديمقراطية ، وأتاحت الفرصة أمام تيارات مختلفة للحوار . الموضوع المطروح اليوم موضوع حساس لأنه يتناول موضوع الإسلام والديمقراطية . فموضوع الإسلام اليوم يتم تناوله على أصعدة كثيرة منها هذا الصعيد ، الصعيد الأكاديمي . ولكن في الغالب قضية الإسلاميين يتم تناولها اليوم على صعيد أجهزة الاستخبارات وأجهزة القمع المحلية والدولية . ولعل أهم موضوع اليوم للقاءات بين أجهزة التنسيق السياسي والاستخباري بين الدول العربية وفيما بينها ، لأنه لم يبقى معنى للوحدة العربية اليوم غير المعنى الأمني ، التنسيق الأمني ضد عدو يسمى الأصولية . وكذلك التنسيق بين جملة الدول العربية وبين الدول التي كنا نسميها بالأمس الدول الاستعمارية واليوم صارت الدول الشقيقة والصديقة . أهم موضوع للتنسيق أيضاً هو مقاومة هذا الخطر الجديد. أما إن يتم تناول هذا الموضوع على هذا الصعيد فهذا لقاء لطرح المشكلة في المكان المناسب له .

احسب ان بعض تعليقاتي تتناول مداخلة الأستاذ محمد محمود وخاصة خلاصتها ، وكذلك مداخلة زياد بهاء احمد بهاء الدين ، فيما فهمت يرى محاولة التعديل في الطرح والتخلي عن منطق الحل الأمني مع الحركة الإسلامية . ومع ذلك احسب ان خلاصة هذا الطرح ، ان الحركة الإسلامية متهمة والإسلاميون متهمون حتى تثبت برأتهم . إذا كتبوا مثبتين التوافق بين الديمقراطية والإسلام ومهما أعادوا وابدوا فهذا لا يعفيهم أبدا ولا ينبغي ان نصدقهم فهناك احتمال ان تكون مواقفهم مزدوجة ، وان تكون الديمقراطية بالنسبة لهم مجرد سلم للوصول إلى السلطة . وإذا دعوا إلى الحوار أو تحالفوا مع خصومهم ومنافسيهم العقائديين فان هذا الموقف أيضاً يحتمل ان تكون ورآه نوايا شريرة . مع أن فكرة النوايا هذه على ما اعلم لا تدخل في الموضوع السياسي . الموضوع السياسي يتناول الأفعال يتناول المواقف ولا يتناول النوايا . وأيضاً لدى ملاحظة هنا ان إخواننا العلمانيين الذين يحاكمون مواطنيهم الإسلاميين يشككون في نواياهم وقد ينسون ان الحركة العلمانية بمختلف شرائحها اليسارية ، القومية، والشيوعية ، قد حكمت اكثر من دولة ولم تقدم لنا أي ممارسة ديمقراطية . والأدهى من هذا إن هذه الحركات التي انتقلت مباشرة من ممارسة مرحلة السلطة الشمولية والدفاع عنها الدفاع المستميت ، إلى الانتصاب حكماً على الآخرين ، مقياساً للديمقراطية ومقياساً لحقوق الإنسان ، هذه الحركات لم يبلغنا حتى الآن أنها كلفت نفسها جهد ممارسة التقويم الذاتي. تقويم ممارستها أدانت ما يتناقض مع ما تؤمن به الآن من حقوق الإنسان . لم نستمع إلى نقد ذاتي في هذه الحركات وإنما رأينا نقلة فجائية من مرحلة الجذري الشمولي إلى مرحلة الفكر الديمقراطي الحديث، وفكر حقوق الإنسان ، دون تكلف نقد حاد حتى نصدق نحن الإسلاميين ان الذين يحاكموننا اليوم ويقيسوننا بالمقياس الديمقراطي ومقياس حقوق الإنسان انهم مؤهلون لان يفعلوا ذلك .

نحن جميعاً ، احسب أننا وارثون كعرب وارثون لفكر فيه قدر غير قليل من التسلط وبعض فيه تسلط على الآخرين . نحن جميعاً على اختلاف اتجاهاتنا شربنا إلى حد كبير من نبع ثقافي واحد ، رغم ادعاءاتنا بأننا مختلفون وان أحدنا ديمقراطي بالكامل والآخر شمولي بالكامل والحقيقة إن قدرا من الميراث العنيف نشترك فيه جميعاً . ومطلوب من الجميع ان يمارسوا النقد الذاتي حتى يتحرروا أو يحرروا وحتى يصدقوا انهم بصدد التخلص من تراث العنف هذا . هل تراث العنف هذا الذي تحدث عنه الأستاذ بشير نافع هل هو ثمرة الدولة القطرية أو دولة الحداثة التي تسلطت على امتنا مدعومة من الخارج ولا تزال العملية الديمقراطية حتى اليوم تعاق من القوى الإمبريالية على حين ان عملية التحول الديمقراطي في أوربا الشرقية لغت العون الخارجي، أما نحن فنجد اليوم الإعاقة الخارجية . لكن هل هذه الإعاقة الخارجية هي السبب الوحيد في حجم التسلط الذي تمارسه الدولة العربية الحديثة . أليس هذه الدولة هي امتداد للدول السابقة وإنما ليست مسوحاً من الحداثة لكنها في الحقيقة هي دولة السلطان المطلق الذي يتحكم في مصائر الناس .

نقطة أخري أكدها الأستاذ محمد محمود ، ان الديمقراطية لا تكون إلا علمانية ، يعني الديمقراطية أما ان تكون علمانية أو لا تكون . رغم أنني احمد له أنه اعتبر إن هذه القناعة المصير إليها لا يكون عبر العنف . يعني لا ينبغي ان يحمل الناس بالعنف على هذه القناعة ، وإنما يسير بها عبر الإقناع . هذه قناعة مهمة وهذا مبدأ مهم ان نؤكد انه لا ينبغي ان نأخذ الناس إلى الجنة العلمانية بالسلاسل والى الجنة الإسلامية أيضا بالسلاسل . فان الإنسان خلق حر ولا ينبغي تبرير التسلط عليه بآي معنى ، أي كانت نبالته . ومع ذلك أنا أناقش هذه القناعة ، اعتبر ان الأطروحة الأقرب إلى الحق الأقرب إلى الواقع ، الأقرب إلى التطبيق هو ان لا ديمقراطية في العالم العربي دون الإسلام . ليس هناك ديمقراطية، إذا كانت الديمقراطية بآلياتها المعروفة في التداول على السلطة عبر الإرادة الشعبية ، وإذا كانت هذه الآليات مشتركة فان مضامينها المعروفة تختلف من أمة إلى أخري . والادعاء ان المضمون الغربي الذي تبلور في العصور الأخيرة هو المضمون الوحيد للديمقراطية ، فإذا كنا ديمقراطيين فلا مناص لنا ان ندفع ثمنا هو ثقافتنا ، هو شخصيتنا ، هو ديننا ، كي نكون أندادا للغرب يجب ان نسير سيرتهم . أنا أظن إن هذا الدعاء خطير والأطروحة المناقضة هي الأقرب ، إذا علمنا ان الديمقراطية ليست مجرد آليات ، ليست مجرد انتقال السلطة من حزب حاكم إلى حزب معارض , الديمقراطية هي بالإضافة إلى ذلك هي انتقال داخل العائلة ، وليست انتقال من النقيض إلى النقيض . يستقر الحكم الديمقراطي بقدر وجود مشروع ثقافي ومجتمعي مشترك بين الناس . ويكون انتقال السلطة هو انتقال على أرضية مشتركة. إذا غابت هذه الأرضية وجد المجتمع نفسه معرضاً للخلافات معرضاً حتى إلى الانقلابات . ولذلك من هنا ان من أسباب غياب الديمقراطية في العالم العربي اليوم هو عدم تبلور مشروع ثقافي مشترك بين سائر أنماط النخب . وإذا كان الإسلام يمثل اعمق ما في الموروث الشعبي ، واعمق ما في تراثنا فأننا يمكن ان نقول انه لا يمكن للعالم العربي بالذات ، ان ينتقل إلى الديمقراطية ما لم يسلم بالمرجعية الإسلامية . ما لم يسلم ان هذه أمه أهم مكون ثقافي لها هو الإسلام. بعد ذلك نستطيع ان نختلف حول هذا الإسلام لان الإسلام ليس فيه كنيسة . نستطيع ان نقول هذا فالإسلام تنبثق عنه مذاهب مختلفة تعد بالمئات ، ويمكن ان تنبثق مئات من المذاهب . ولكن على كل حال تنطلق من أرضيته الإسلام. طالما ظل هناك جدلاً ومكابرة حول التسليم بهذه الأرضية ان الإسلام هو المكون الأساسي لامتنا لا أظن انه سيكون هناك سبيلاً للديمقراطية لان عند ذلك سيكون انتقال ، إذا كان هناك انتقال من النقيض إلى النقيض ، والديمقراطية هي انتقال من الشبيه إلى الشبيه. عندما ينتقل الحكم في بريطانيا من اللبراليين إلى المحافظين هو انتقال من الشبيه إلى الشبيه ، وعندما ينتقل في فرنسا إلى اليمن إلى اليسار كذلك. بينما عندما ينتقل الحكم من جماعة الجبهة الإسلامية اليوم في الجزائر إلى جماعة سعيد سعدي ، هذا انقلاب ثورة ولم يعد هو انتقال ديمقراطي , فالديمقراطية لا تحقق هذا الانتقال. إذا الأطروحة الأجدى هي المقابلة لما تحدث عنه الأستاذ محمد محمود انه لا ديمقراطية بدون الإسلام وليس لا ديمقراطية دون علمانية .

ملاحظة أخيرة إن النخب في العالم العربي اليوم ونتيجة الضربات المتتالية ، لديها اتجاه واضح نحو ما سماه الأستاذ وليد نويهض التلاقي بين مختلف التيارات الوطنية الإسلامي منها والعلماني والقومي . والمؤتمر القومي الإسلامي الذي انعقد في ببيروت مثلّ خطوة متقدمة جداً في هذا الاتجاه ، اتجاه التلاقي بين النخب والتسليم على أساس إن تسلم التيارات العلمانية بمرجعية الإسلام ويبقى بعد ذلك حرية التفسير واسعة جداً ويسلم الإسلاميين بقضايا أساسية تتعلق بالوحدة العربية وتتعلق بآليات التحول الديمقراطي ، وبالعمل السياسي ، ومنع أي وصاية تمارس على المجتمع . أنا لا اعرف حركة إسلامية واحدة في هذا الصدد تقدم برنامجها كما قال الأستاذ محمد محمود على انه برنامج إلاهي وفي الجزائر نفسها اكثر من حزب إسلامي وفي مصر اكثر من حزب إسلامي أحيانا الحوار بين الإسلامية والعلمانية قد يكون ايسر منه من الحوار بين الإسلاميين والإسلاميين .... أنا اعترف بهذا. ولا يجوز أجمال هذا التصنيف وتقديم الإسلاميين وكأنهم شئ واحد . فالإسلاميين إذا ليس صحيح انهم يقدمون برنامجهم وكأنه وحيا يوحي ، فالإسلام ليس فيه كنيسة . قلت هناك تلاقي بين التيارات السياسية في البلاد العربية في الحقيقة على أساسا مواجهة الخطر الذي يتربص بالجميع . واحسب انه لآلقاء ألا على أساس التسليم بثوابت هي ليست محل اختلاف كبير . ومن أهم هذه الثوابت ان نواجه العدو المشترك . الخطر الصهيوني اليوم الذي يجتاح الآمة احسب انه يدفع الجميع دفعاً ، إلى ان يبحثوا عن ما هو مشترك ، عن ما يقرب وليس عن ما يباعد . واحسب ان الإسلام أيضا بصدد استرداد قطاع واسع من أبنائه وقعوا خلال الغزوات الغربية ... وقعوا في الآسر . الإسلام بصدد استرداد أبنائه وهناك اليوم اصبح واضحاً ان أهم راية ترتفع في العالم العربي لمواجهة الخطر الصهيوني ومواجهة الخطر الغربي هو الراية الإسلامية . هذه الراية احسب ان الوطنيين المخلصين سينضمون تحتها ان لم يكن اليوم فسيكون الغد . وحتى غير المسلمين من المواطنين المسيحيين وغيرهم حتى هؤلاء هم يشتركون في الرؤية الإسلامية الحضارية . وانبعاث حزب مثل حزب الوسط في مصر والناطق الرسمي باسمه رفيق حبيب، هذا مسيحي ، يمثل علامة جيدة ومؤشر على ان امتنا تكتشف حقيقتها يوماً بعد يوم وتبحث عن أسباب وحدتها إسلاميين وعلمانيين ومسيحيين كل هؤلاء الإسلام عقيدة أو الإسلام حضارة يستطيع ان يجمع الجميع وشكراً.

مصطفى عبد العال

أنا أتصور إن هناك نقطة أولية من المفيد الإشارة إليها . من الممكن إن تتحول جلسات الحوار إلى شكل من أشكال المواجهة الاستقطابية بين تيارين أعتقد انهما يشكلان ، أهم تيارين من التيارات الوطنية في البلاد العربية التي تعاني حالات شديدة من القمعية العربية على تعدد الأنظمة العربية . فإذا اتفقنا ان هذه النقطة مهمة فأنه من المفيد ان الناس لا تتواجه فهذه ليست كارثة حرب وليس هناك حاجة (في اجتماعنا هذا) لأمر استدعاء كما ذكر رئيس الجلسة علشان نجيب محمد محمود او غيره من اجل محاكمته أو محاكمة الإسلاميين .
هناك جزء من خطاب النخبة على الأقل من وجهة نظري غير مفهوم، بمعنى الحديث عن الديمقراطية وكأنها كائن خرافي يخشى عليه من استغلال الإسلاميين وبذلك يتم قتل الديمقراطية حتى لا يصل الإسلاميين عبرها إلى السلطة . أنا أتصور أننا لو نظرنا بشكل موضوعي جداً لن نجد ديمقراطية في الوطن العربي في أي مكان ومع ذلك نحن نتصارع على مبداء تطبيق الديمقراطية بوجود الإسلاميين أو بدونهم ، والديمقراطية غير موجودة أساسا . الديمقراطية غير موجودة على الإطلاق . هذه نقطة في تصوري من المفيد التوقف أمامها فيما يخص حوار اليوم.

وإذا سمح لي بالتعليق السريع جداً على ما قيل أثناء الجلسة الأولى أنا بتصور إن جزء من حالة الاستقطاب هذه ان حالة التيارين ، التيار الذي يمكن تسميته بالإسلامي والتيار الذي يمكن تسميته بالعلماني، تصل أحيانا إلى بلورة نوع من الخطاب تقريباً غير واقعي أو غير قابل للتطبيق على الإطلاق . يعني الدكتور محمد محمود قال كلمة حين تحدث عن العلمانية ، قال لابد من معاملة دين الأغلبية كدين الأقلية ، وأنا ازعم انه لا يوجد في أي مجتمع أنساني معاملة مساوية تماماً لدين الأغلبية كدين الأقلية هذا غير موجود سواء في الدول التي تدين بالكاثولوكية أو التي تدين بالإلحاد . الدول التي فيها درجة من الإلحاد في تصوري تتحيز الدولة للإلحاد . وحتى يكون الخطاب فيه درجة من الاتساق مع الواقع خلينا نناقش الواقع كما هو . وبالتالي علينا حتى ولو كنا رافضين للتصورات الأيدلوجية للأحزاب الإسلامية ان نطرح على أنفسنا تساؤلا حول ماذا يحدث داخل المجتمعات العربية الإسلامية بحيث أنها توصل إلى السلطة هذه التيارات الإسلامية. ومن ضمن الأشياء التي قيلت من صديقي العزيز عزام التميمي ان تطبيق الشريعة مطلب جماهيري ، أنا لا اعرف إن كانت الجماهير تريد تطبيق الشريعة أو ان هذا جزء من الخطاب الإسلامي. وإذا كان هناك ما يمكن تسميته بالخطر الإسلامي . فتصوري ان هذا الخطر يأتي من ثلاث جوانب : أولاً: من القوى الذاتية التي تتزايد بالنسبة للتيار الإسلامي . ثانياً: من السلطات الحاكمة التي تدفع هذا التيار الإسلامي إلى اركان شديدة التعقيد . وثالثاً: من الخارج الذي ليس من مصالحته أن تحصل تغيرات في الأوضاع الجارية سواء كان هذا التغير آت من الإسلاميين أو من غيرهم. فيتم عبر هذا القوى الثلاثة دفع التيار الإسلامي . والمشكلة ان هذه القوى تدفع التيار الإسلامي إلى الدخول في مسارات شديدة العبثية .وأنا اعتقد انه إذا كان فيه خطر إسلامي فهذا هو الخطر الإسلامي . وشكراً جزيلاً .


د. محمد محمود

أنا اشكر الأستاذ راشد على تعليقاته وفي الواقع الأستاذ راشد أنا اكن له احترام كبير جداً لتأسيس فكر ديمقراطي إسلامي . وأود ان أؤكد له ان منطلقي ليس منطلق حزبي بمعنى الانتماء لأي حركة سياسية . هذا جزء من الهم الفكري الذي لازمني لسنوات طويلة . وهناك مسألة أساسية اتفق معه فيها ، ففي بلادنا لابد ان تكون فيه أرضية ثقافية فيه ديمقراطية ، إذا كان هذا الشرط غائب فان الممارسة سوف تكون مسألة أصلا منبته وعملياً غير ممكن . في واقع الآمر أريد ان أميز بين مسألتين عند الكلام عند الإسلام ومن المحتمل ان الأستاذ راشد يتفق معي في هذه المسألة ، حيث من الصعب ان تتحدث عن إسلام واحد . الإسلام هو واقع عقيدي وتاريخي منذ إن ظهر وظل يتغير وظل يتشكل بحكم اعتبارات كثيرة . اعتبارات المكان ، إسلام المسلمين المعاصرين يختلف عن إسلام المسلمين في القرن السابع أو الثامن إلى أخره . ومن الممكن الكلام عن إسلامات كثيرة من ناحية . وأيضا يمكن التفريق بين مستويين آخرين مهمين مستوى الكلام عن الإسلام كعقيدة ومستوى الكلام عن الإسلام كثقافة . العقيدة حدودها واضحة وصارمة بينما الثقافة بشكل عام فيها قدر اكبر من الانفتاح. في ظل الثقافة يمكن للإنسان إن يكون مسلماً ويشرب الخمر ، أما في ظل العقيدة فمحتمل ان يكون الحكم عليه حدي وكذا . ولكن في الثقافة هناك أشياء سلوكية لا تنسجم مع العقيدة ، ولكن رغم كل هذه المفارقات يمكن القول انه مسلم وهذه ثقافته . يتخيل إليّ انه من الضروري ان يكون فيه تميز بين مستوى الثقافة ومستوى العقيدة. على مستوى الثقافة ليس هناك مشكلة كبيرة للمسلمين ، في كل أنحاء العالم ، ان ينسجموا مع أشياء كثيرة ومنها مسألة العلمنة التي تكلمت عنها . وهنا لا بد من التميز بين العلمانية والعلمنة . العلمنة هي حركة ضخمة كبيرة في الواقع تشمل كل أنحاء العالم وسواء رضينا أو أبينا هناك آليات في هذا العالم شغالة ، تؤثر على اعتقادات الناس . تؤثر على نظرتهم للمسائل الخ ... هذه مسألة . أيضا الدين الإسلامي مؤثر في تقديري . النقطة الخاصة بالديمقراطية والإسلام ، التي حاولت ان أركز عليها في مداخلتي ، خاصة بالمرجعية ، لان في تقديري ، ان المرجعية في ظل الواقع التاريخي في السياق الذي نعيشه جميعاً كبشر ونتصارع فيه اقتصادياً وسياسياً واجتماعيا ، هي مرجعية بشرية وتعبر عن أفكارنا وهذا اجتهاد يمكن إن تتفق معي فيه ويمكن ان تختلف معي ، ويمكن ان أغير اجتهادي بكرة . ولكن إذا كان فيه شخص قدم برنامج ، وهذا البرنامج المرجعية الخاصة به ليست مرجعية بشرية وهي مرجعية دينية ، ومن هنا تكلمت عن مرجعية إلهية ولا أظن ان هذه المسألة فيها تدريج فالمرجعية الدينية تخلق إشكالية في مسألة الصراع . ومن هنا افتكر ان مسألة العلمانية مهمة من حيث وحدة المرجعية أننا كلنا نرجع إلى اجتهاداتنا كبشر والصراع بنينا قائم على أساس هذه المرجعية .شكراً

د. فاروق احمد آدم

أود بداية إن أزجى التحية والتقدير للسادة منظمي هذا المنتدى الهام والذي يدور حول موضوع يستحوذ على اهتمام الرأي العام العربي والإسلامي . وقبل الدخول في مداخلتي آري ان هناك نقاطاً تستحق الإشارة إليها:

أولا : ان قضية السياسة في الإسلام قضية معقدة بالرغم من أيماننا بان الإسلام دين ودولة ، عقيدة وعبادة ، ربما لان آمر الحكم قد فرض نفسه منذ ان انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى حيث إن المسلمين اختلفوا حول من سيكون خليفة للمسلمين وذلك قبل ان يوارى جثمان الرسول عليه افضل الصلاة والتسليم ، ثم من بعد وقع الخلاف والتطاحن بين الصحابة حتى قيل ما سٌل سيف مثلماً سل في شأن الخلافة ، وإذا استثنينا تجربة دولة المدنية لسماتها الخاصة فان هناك تجارب متنوعة للمسلمين في شأن الحكم يصعب علينا كثيراً ان نجد فيها المثل أو القدوة للتطبيق الراشد للشورى إلا بعض الممارسات الفذة في عهد الخلفاء الراشدين والتي بعدها انتقلت الخلافة ملكاً وبالتالي وقف الاجتهاد في الأمور التي تتعلق بالشؤون السياسية والحكم .. هذا الواقع يفرض على الجميع وخاصة الإسلاميين بذل المزيد من الجهد لتأصيل الفكر الإسلامي لأجل استنباط الحلول الشاملة والواقعية للمشكلات المعاصرة والتي تجابه المسلمين ومن بينها قضية الديمقراطية وان الاجتهادات الراهنة وكذا التطبيقات ، من بينها تجئ تجربة حكم الجبهة الإسلامية في السودان تنم عن قصور كبير وممارسات مدمرة باسم الإسلام وهو منها برئ.

ثانياً: نلاحظ إن المنطقة العربية والإسلامية تعاني من أزمة حادة حيث إن الأنظمة تتمتع بالشرعية ولكنها تفتقر إلى المشروعية والتي تتمثل في عدم رضى الجماهير عن هذه الأنظمة. كما نلاحظ ان الشارع السياسي العربي والإسلامي ينفعل بشعار الإسلام وان الحركات الإسلامية أعلى صوتاً ولكنها في ذات الوقت لا تمتلك برامج ومشروعات لحل مشكلات المواطن العربي والإسلامي وذلك يعود إلى ان هذه الحركات قد نشأت نتيجة رد فعل للتغريب (Westernization ) أو التغييب الذي مارسته الدولة الحديثة للتيار الإسلامي . فهذا الموقف يجسد الأزمة التي تحيط بالعالم العربي والإسلامي حيث أنظمة واقعية تسيطر على مقاليد الأمور ولكنها تفتقر إلى مشروعية إرادة الجماهير ، وان القوى التي توجه الشارع السياسي تحركها الشعارات العاطفية وليس المشروعات المتكاملة والواقعية .

ثالثاً : عند تناول رؤى الحركات الإسلامية في مجمل القضايا المعاصرة ينبغي عدم الركون إلى البعد النظري خاصة بعد تطبيقات حكم الجبهة الإسلامية بالسودان ، لان الاهتمام بالجانب العملي التطبيقي لنموذج السودان يعين الإسلاميين قبل غيرهم في تأصيل أفكارهم حتى يتسنى للتيارات الإسلامية تجاوز الاخفاقات والانتكاسات التي جسدتها تجربة الحركة الإسلامية السودانية لان هذه الحركة كانت تنادي بأطروحات تتفق مع الديمقراطية ، ولكنها فجأة انقلبت على كل ذلك فأحدثت أزمة في النظرية والتطبيق الإسلامي .

رابعاً: صحيح إن الحركات الإسلامية ذات اثر ملموس ومقدر على الساحة العربية والإسلامية ولكن علينا ان نراعي ان الحركات الإسلامية لا تمثل كل القوى الإسلامية وربما تكون أغلبية الجماهير تنتمي إلى المذاهب و المدارس الإسلامية الأخرى .

هناك سؤال ورد في ثنايا المداخلات يدور حول : هل الحركات الإسلامية ديمقراطية وإذا لم تكن كذلك كيف يمكن مقرطتها؟

باستعراضنا للحركات الإسلامية نجد ان هناك تمايزاً واضحاً بين حركة وأخرى نتيجة الظروف الاجتماعية والثقافية والبيئية ..الخ ولكننا بالنظر إلى تجربة حكم الجبهة الإسلامية في السودان فأنها حركة غير ديمقراطية لأنها انقلبت على الديمقراطية وصادرت الرأي الآخر وجففت مساحات التسامح والحوار وبات الجدل بين أبناء الوطن بالسلاح ..ولا سبيل لهذه الحركة وسائر الحركات الإسلامية ان تكون ديمقراطية آلا بالاعتراف بالآخر وإحلال التحاور والتسامح مكان القهر . والمدخل لذلك ، في المقام الأول الحوار بين الإسلاميين أنفسهم للوصول إلى فهم مشترك حول القضايا المعاصرة ومن بينها موضوع الديمقراطية ، بجانب ذلك ضرورة تواصل الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين لتقريب وجهات النظر المختلفة ، وهذا مدخل حيوي لان المجتمع العربي والإسلامي لا تمثله الشريحة العلمانية المتطرفة التي تنادي بطرد الدين عن الحياة ولا الشريحة الإسلامية المتطرفة التي تحتكر المشروع الإسلامي وتسعى إلى فرضه وتمكينه بالقهر والعنف.

وبالطبع هناك اجندة هامة تتناول أمهات القضايا التي تشكلا تحدياً حقيقياً للواقع العربي والإسلامي وتقف عقبة أمام التقدم والمساهمة الإيجابية في العطاء الإنساني والحضاري لعالمنا المعاصر .. وبالله التوفيق.

الشفيع خضر

شكراً لمشروع دراسات الديمقراطية في البلاد العربية ولطرحه الجديد للديمقراطية والتي تشكل حجر الزاوية بالنسبة لحل أي قضية من قضايا التطور الاجتماعي والاقتصادي في بلد معين . وبقدر ما يقترب الحل من تناول الديمقراطية بشكلها الواسع والتمسك بآلياتها ، بقدر ما يكون أي طرح سواء نظري أو أيدلوجي أو خلافه ، يقترب من الحل الصحيح .
لدي نقطتين رئيسيتين : هناك مناقشة دارت حول تعريف الديمقراطية وأنا في تقديري افرق بين الديمقراطية كمضمون وبين أشكال الممارسة الديمقراطية . مضمون الديمقراطية واحد يفترض ان يكون واحد . وفي تقديري هو مضمون مطلق في الزمان والمكان ، ويتعلق بالحقوق والحريات الأساسية ، وفي مقدمتها حق الحياة وحق نعمة العيش . لكن أشكال ممارسة هذا المضمون تختلف وهناك خيارات مختلفة ، لكن في تقديري كلما اقتربت هذه الممارسة من ضمان وتوفير الحريات والحقوق الأساسية كلما كان بإمكاننا ان نطلق على الممارسة صفة الديمقراطية . الاعتقاد الخاطئ ان صيغة التعددية أو السمات الليبرالية تمثل نواقص في العالم الثالث يمكن ان تعطني حق لان أٌصدار المحتوى ، هو اعتقاد خاطئ . أي انقلاق أو محاولة انتقاص مسألة خطيرة . في السودان مثلاً تٌرفض التعددية باعتبار التعددية إفراز للممارسات الديمقراطية في بلاد الغرب ، والتعددية هي ركن أساسي من أركان الديمقراطية . علينا إن نقر بمبدأ التعددية ومن ثم نبحث كيف نطبق مبدأ التعددية في بلد كالسودان. والنقطة الثانية هي موضوع النقد الذاتي نتحدث عن ضرورة ممارسة النقد لكل ما كنا نتحدث عنه.

انتقل الآن إلى تأكيد حاجات أساسية. الدين الإسلامي مثلاً لا يمكن ان ننكر انه مكون أساسي لوجدان شعوبنا ولا يمكن أن ننكر إن له دور أساسي في ازدهار مجتمعاتنا وفي انطلاقتنا الحضارية وخلافة . لكن هذا هو فهم كل مسلم وفي السودان مثلاً يعتقد كل مسلم انه ينطلق من مفهوم إسلامي . وحزبين أساسيين من أحزاب المعارضة في السودان تنطلق من منطلقات إسلامية لكن لما يكون الإسلام هو غطاء أيدلوجي لحركة سياسية والتي تٌضمن برنامجها في الحكم تفسيرها الخاص وتلغي التعددية. أنا اعتقد إن هذا يخلق مشكلة .

مٌضوّى الترابي

لدي مداخلات بسيطة وبعض التعديلات البسيطة . في العالم العربي لم تقم نظم استطاعت استيعاب التيارات الفكرية في مجتمع ديمقراطي . ليس ينبغي التعصب وأنا رجل أود ان اذكر للتاريخ ان الشعب السوداني أو الدولة السودانية الحديثة منذ عام 1964 كانت الدولة العربية الأولى التي سمحت للتيارات الفكرية العقائدية ، سواء كانت إسلامية التوجه أو إسلامية الفكر بالعمل الديمقراطي الحر وبدخول الانتخابات . صحيح انه حصلت انتكاسات ولكن هذا لا يعني انه لم يكن هناك انتخاب وترشيح ، الدولة السودانية أيضا قدمت نماذج عملية أمامنا للتأمل فيها والنظر حتى يتوافق الجانب النظري من كل هذه العقول مع الجانب التطبيقي العملي لبعض النظريات ، ان كانت أممية أو قومية أو إسلامية . وبالتالي نجد فيه مفارقة كبيرة ، يا أستاذ الغنوشي ، ما بين النوايا وبين الخطاب السياسي وما بين الواقع . أول استقطاب في الدولة السودانية الحديثة حدث في القرن الماضي في فكرة الدولة المهدية. الإسلام دخل السودان عن طريق التسامح ولم يدخل عن طريق السيف ، والسودان لم تفتح بالسيف. حصل استقطاب في فكرة المهدية عندما حصل استقطاب بين الإسلام الصوفي في السودان ، يعني إسلام التسامح ، وبين الإسلام الجهادي ، ومن لم يعتقد بهذه العقيدة فهو خارج من الإسلام . وحصل هذا الاستقطاب مع الآسف إلى ان أسقطته دولة الفتح سنه 1898. الاستقطاب الثاني في السودان حصل عندنا الآن . وقبل ان آتى ، تطفح إلى السطح فكرة التفريق بين القوة كمصدر للسلطة وبين مجموعة القيم السائدة في المجتمع ، وكيفية وضع الحد الفاصل بينهما . مجموعة القيم النسبية السائدة في المجتمع - وهي قيم نسبية تختلف من مكان إلى مكان . وهذا يحدد إطار التنظيم الإسلامي السوداني، نلاحظ حركة التنوع والتكون حسب الظروف الزماني والمكاني الذي آلت إليه هذه الحركة .

د. عبد الحسين شعبان

أود أولاً إن اشكر مشروع الدراسات الديمقراطية والزميلين الأستاذ على الكواري والزميل رغيد الصلح على المجهود الخير والواقعي وعلى هذا التواصل الفريد في مفهوم ، أجمله في نقطة واحدة هو ، مفهوم التسوية التاريخية بين التيارات المختلفة ، وأضيف إليه الكشف عن آلية المكاشفة التي تتطلب شيئاً من العقلانية ، خصوصاً بعد ان وصلت جميع التيارات السياسية إلى طريق مسدود ، التيار الماركسي أو الشيوعي والتيار القومي والتيار الإسلامي أيضا التسوية التاريخية التي يجري الحديث عنها بعد وصول هذه التيارات الثلاثة إلى مأزق حقيقي تتطلب نوع من العقلانية . هذا النوع يفترض قبول الآخر ، وقبول التعايش مع الآخر ، وقبول حق الاختلاف مع الآخر وإقرار بمبدأ التسامح وسيلة لحل الخلافات ، وتناوب المسئولية ، وحق المشاركة السياسية من ناحية . ومن جهة أخرى نبذ مبدأ العزل السياسي الذي قامت الدول العربية مجتمعة ومنقسمة على ظاهرة العزل السياسي . والعزل سواء كان على أساس سياسي فكري عقائدي من جهة، في إطار عقائدية أيدلوجية من جهة أخرى ، عزل قومي لقوميات أخرى غير عربية ، عزل ديني أو مذهبي كلها أدت إلى تمييز طائفي والى طائفية سياسية في عدد غير قليل من البلدان العربية . وهذا يتطلب أيضا الاعتراف بالحقوق الأساسية . يعني دخولنا في مبدأ التسوية السياسية الذي تحدث عنه الأستاذ وليد نويهض ينبغي الدخول أو الأيمان والإقرار بمرجعيات أساسية . وهذه المرجعيات حسب تقديري ووجهة نظري هي الحقوق الأساسية ، يعني حق التعبير عن الرأي أولا ثم حق الاعتقاد ثم حق التنظيم السياسي الحزبي ، والنقابي والمهني وحق المشاركة السياسية في تدبير الشؤون العامة وبالتالي في تداول السلطة سلمياً وعن طريق التصارع السلمي وعن طريق انتقال السلطة من معارضة إلى سلطة حاكمة وهكذا عبر صناديق الاقتراع التي يجب ان تكون هي الفيصل وهي المرجع في شرعية أي حكم . أيضا الإقرار بهذا المبدأ يتطلب نبذ العنف وعدم استخدام العنف وسيلة للوصول الى السلطة. وبالتالي نبذ مبدأ التحريم والتجريم بسبب الأيمان بمعتقدات معينة . على سبيل المثال الطلقة إلى رأسه ماركسية أو قومية هي طلقة إلى راس إنسان.

هل هناك قواعد عمل تحكم علاقة الإرادة العليا بالإدارات الدنيا واتخاذ القرارات بشكل ديمقراطي داخل الحركات السياسية القومية العربية أو الماركسية أو الإسلامية . هنا أنا أجيب أو أميل إلى الإجابة بالنفي ، وهذه بحاجة إلى فترة من الحوار ومن هنا تبرز أهمية هذا الحوار الذي اصبح اضطراراً وليس اختياراً .وشكراً .

عصام النقيب

في الحقيقة يبدو ان فيه مشكلة في الحوار ، بمعنى ان الديمقراطية تعالج كعقيدة كلية ، وبالتالي ننظر لها ككل في مقابل العقائد الإسلامية الأخرى . وهذا يعود إلى ثقافتنا السياسية التي تصنف كل شئ بلون سياسي معين ونحكم على الإنسان لا من مواقفه وسلوكه ، نحكم عليه من لونه السياسي وتصنيفه. وهذا يخلق حوار طرشان . تاريخنا في الأربعين سنة الماضية كله حوار طرشان بين الحركات . كل واحد يحكي لحاله. مثلاً لو أخذنا الديمقراطية فالديمقراطية ليست عقيدة ، ونما هي عقد اجتماعي بين الإنسان والدولة . هي مبادئ ولها مؤسسات ولها وسائل . وهذه العناصر لو ندخل فيها اكثر ونتعرف عليها، فسوف يؤدي ذلك إلى تنمية فكرنا الديمقراطي وإنضاجه . ونحن اليوم ليس لدينا ديمقراطية لأننا ليس لدينا ديمقراطيين في العالم العربي ، وهذه مشكلة . المفروض ان نركز مناقشاتنا اكثر على المبادئ الديمقراطية ، والعناصر المكونة للديمقراطية ، بدلاً من الحديث عن الديمقراطية بشكل كلي . وهنا لابد ان يكون هناك حوار بين الإسلاميين وبين الحركات الأخرى ، وبين الإسلاميين أنفسهم ، وداخل كل تيار آخر ، وسوف يؤدي ذلك إلى نتائج افضل. يعني مثلاً لو أخذنا المبادئ الأساسية للديمقراطية التمثيل الحر في العملية الديمقراطية هو أساس الحكم . بمعنى إنني في منطقتي انتخب من يمثلني في الحكم ، وإذ بعد أربع سنوات شفت أداءه سيئ سواء كان إسلامي ، سواء كان بعثي أو أي نوع آخر لدى الحق ان اشيله من الحكم . هذا حقي الوحيد ، إذا آخذتموه مني معناه أنا كمواطن فقدت السلطة . هل هذا يتعارض مع الإسلام . هل الإسلاميون يفضلون ان النائب الإسلامي يظل إلى الأبد لأنه إسلامي ، لأنه مرضي عنه من قبل الطبقات العليا من الحكم ، أو يكون خاضع لرأي الأغلبية . هذا مثال على المبادئ الديمقراطية يمكن مناقشتها مع الجميع. هناك مبادئ أخرى ، حق التعبير إذا لم يكنه لي حق التعبير أستطيع ان اعبر واعلق على ما يجري علنا ، فأنا بطلت أصير مواطن. الإسلاميين ما هو موقفهم من هذا المبدأ مثلاً ننتقل من المبادئ التي هي اكثر من مبدأين إلى المؤسسات ونحددها ثم علينا ان نناقش الآليات. إن وجود المؤسسات واحترام تطبيق الآليات هما كفيلات بتطبيق المبادئ. المرجعية الإسلامية لا يوجد خلاف كبير حولها، وإنما الخلاف على تصور التيارات الفكرية لمبادئ الديمقراطية ومؤسساتها وآلياتها . وعلينا ان نناقش هذه التفاصيل حتى نفهم بعضنا ونحدد اوجه الاختلاف تمهيداً لمقاربتها . وعلى الحركات الإسلامية اليوم مسئولية اكبر من غيرهم بسبب ما يحتلونه من الساحة الجماهيرية .

د. وليد عرفات

1- العنف: ليس شيئاً جديدا كأداة في الحكم حتى رغم الإشارة إلى حركات القرن التاسع عشر والقرن العشرين في العالم الإسلامي.
العنف في هذا السياق نوعان: المستعمل لتغيير الحكم أو إزالة الحاكم وهو ما يسمى انقلاب، والنوع الثاني الاعتداء الذي لا مبرر له أو لا ضرورة لاستعماله، مثل التشدد في معاقبة الإسلاميين ومثل ما عمله الإسلاميون أو غيرهم من الاعتداء على السائحين ونتيجة ذلك إساءة لاسم مصر أو اسم الإسلام وقطع رزق أهل البلد أو بعضهم. وهكذا .

2- الديمقراطية ، لا ضرورة لاعتبارها صورة للغرب ، وإذا أخذناها يجب ندفع ثمناها تراثنا. لا هي طريقة لإشراك الشعب في حكم نفسه وهذا معناها الأساسي . ويختلف تطبيقها بعض الاختلاف . وقد اتخذت الديمقراطية في إنجلترا طريقاً استغرق قرونا وهي تسري باسمح صورها.

3- الإسلام كأساس للتراث تتخذ منه الأحزاب طريقها ما دام أساساً ، لا تفسير حرفياً للقرآن . وقد سبق لي أن قلت في محاورات مع غير المسلمين في الغرب إن ميزة الإسلام عدم وجود كنيسة فيه.

4-هذه التيارات الإسلامية الظاهرة المرموقة المركوبة سواء سميت الصحو الإسلامي أو الإسلامية أو الأصولية أو غير ذلك يحسن جدا تنظيمها والحث مع كبح الجامح فيها.
أليس من الممكن السماح للحركات الإسلامية باتخاذ صور أحزاب سياسية لها دساتيرها الواضحة المنشورة . أن كتابة دستور الحزب فرصة للتفكير أو إعادة التفكير بمعتقداته وغاياته وطرق تنفيذ المعتقدات والغايات ، ونشرها فرصة لمناقشتها.

5- الإشارة إلى الاختلاف في الاتجاه إلى الإسلام كمصدر للقانون أو كنص : الفرق الحقيقي هو اعتبار القرآن بصيغته الحرفية النص أو الأساس الوحيد للشريعة. مع أن المعروف أن مصادر الشرع الإسلامي أولها القرآن ثم السنة أي الحديث ثم القياس والإجماع ثم أولوا الأمر لا يحسن أن يكون علاقة الإسلام في العالم تقطيع الأيدي ، ويجب النظر إلى الشرع الإسلامي من جديد على انه الحنيفية السمحة وان الإسلام دين وطريقة حياة معاً للمسلمين ومن تشملهم الأمة الإسلامية مع خالص الشكر. والجميع لا شك يتطلعون إلى نص الأوراق، وياريت كان مع المجتمعين قائمة بأسماء الموجودين. وشكراً.

د. محمد جابر الأنصاري
أري أن ثمة اعتبارات نظرية وعملية أساسية لابد من أخذها في الحسبان لدى النظر إلى الموضوع الديمقراطي بعامة . ألخصها كالتالي:-

1- حول أفضلية النظام الديمقراطي بالنسبة لأنظمة الحكم الأخرى . فهو اقل أنظمة الحكم سوءا، أن لم يكن أفضلها . وشهادة الواقع تؤكد هذه المقولة : إيجاباً من خلال المجتمعات التي تمارس الديمقراطية ، وسلباً من خلال الكوارث التي جلبتها الأنظمة اللاديمقراطية على شعوبها ، خاصة في البلدان العربية.

2- أن أهم شرط تاريخي واجتماعيي لنمو النظام الديمقراطي هو التطورية والتدرج المرحلي على المدى الطويل. لا توجد إطلاقاً ديمقراطية تولد بين عشية وضحاها. ولو تم توليدها بهذا الشكل فان حظها من البقاء لن يكون كبير، فهي نبتة في غاية الحساسية تحتاج إلى تهيئة التربة المناسبة اكثر مما تحتاج إلى الإعلان عن النوايا الطيبة.
وهذا الشرط التطوري يحتاج إلى استقرار طويل والى نمو سلمي وتراكم متصاعد غير متقطع بشدة عن طريق العنف والقمع سواء كان سلطوياً أو أهلياً حركياً . عندما تكون آليات التعامل في أي مجتمع قائمة على قاعدة العنف المتبادل ، فان الديمقراطية تكون أول الضحايا وآخر القادمين . ولهذا، فان غياب الاستقرار في المنطقة العربية لأسباب خارجية وداخلية ، وسيادة القمع بأشكاله الرسمية والأهلية في المجتمعات العربية ، لابد أن يؤخذا في اعتبار الديمقراطيين العرب لدى معالجتهم لهذه المشكلة فهذه من اخطر العوامل المعيقة للديمقراطية عربياً.

3- لا ديمقراطية بلا ديمقراطيين ، أي بلا قوى ديمقراطية ذات طبيعة ديمقراطية حقيقية وقدرة على النضال المناسب والفعال من اجل الديمقراطية. هذه قاعدة سوسيولوجية أساسية اكثر من كونها مجرد مقولة سياسية أو أيدلوجية وهي تنطبق على مختلف النظم ولا تقتصر على الديمقراطية وحدها.

انه من الوهم الخطير التصور أن قوى العصبية القبلية أو الطائفية أو أية تشكيلة مجتمعية تقليدية يمكن أن تكون قوى ضامنة للديمقراطية أو مخلصة أو ممارسة لها مهما بدت ديمقراطية الخطاب في فترة المعارضة أو القيام بالثورة . ولا يغيبن عن بالنا أن جميع القوى الدكتاتورية التي وصلت إلى الحكم في البلاد العربية كانت ديمقراطية الطابع والشعار قبل تسلمها الحكم. ولكن فاقد الشيء لا يعطيه. فلا بد من التأكد من طبيعة القاع السوسيولوجي لأية حركة أو حزب مهما كانت الأيدلوجية والشعارات المعلنة. فكل حركة سياسية يشدها في النهاية قاعها السوسيولوجي لا سقفها الأيدلوجي خاصة لدى ممارسة الحكم. ما لم يكن القاع السوسيولوجي بقواه الشعبية الفاعلة متقبلاً بطبيعته للديمقراطية وقابلاً للتطور باتجاهها ، فان توقع ديمقراطية من هكذا قوى سيكون كتوقع الديمقراطية بعد انتصار القوى الفاشية والنازية والشيوعية في أوربا الثلاثينيات أو روسيا العشرينيات,

هذا يطرح خطر الاعتماد أساساً على حركات ذات قاع سوسيولوجي مضاد للديمقراطية بتركيبته العصبوية في النضال من اجل الديمقراطية ، لا لشيء إلا لمجرد قدرتها على الإطاحة بالنظام القائم فنحن نعرف اليوم مصير العناصر الإسلامية الليبرالية في مسيرة الثورة الإيرانية ذات القاعدة والقيادات غير المعنية أساساً بالتعددية الديمقراطية النسبية الحقيقية ، بحكم مسلماتها المطلقة . وأول ما يقتل الديمقراطية فكرياً هو طرح المطلق في السياسة التي هي كائن نسبي بطبيعتها. وإذا كان أربكان وحزبه قد بدأ بداية ديمقراطية ، فللآن القاع السوسيولوجي والطابع الفكري للرجل وحزبه ينتميان إلى ممارسة ديمقراطية نسبية شهدتها تركيا منذ حوالي سبعين سنة بشكل أو بآخر ، وان يكون بشكل قاصر أحيانا. ومن هذه الزاوية السوسيولوجية والفكرية يمكن تبين الفارق بين النهضة التونسية والإنقاذ الجزائرية في ضوء واقع التكوين المجتمعي للبلدين. وهذا يؤكد ضرورة العمل من اجل تنمية قوى المجتمع المدني والمجتمع الوطني في كل مجتمع عربي فهي الضامن الوحيد لأي توجه ديمقراطي واقصد بهذا المجتمع المجتمع الحديث المتطور لا المجتمع الأهلي العائد إلى عصبياته التقليدية.

غير أن الإشكال أن هذه القوى المدنية على تواجدها وحجمها في بعض المجتمعات العربية لا تملك أسنانا سياسية، مأزقها إنها غير قادرة على تعبئة نفسها سياسياً والدفاع عن مصالحها وقيمها لأنها تفتقد عصبيتها المدنية المتحضرة في وجه العصبيات التقليدية إذا شئنا الاقتراب من المصطلح الخلدوني.

علماً أن الدعوة الإسلامية الأولى انطلقت اجتماعيا وسياسياً من تعبئة القوى الحضرية المتطورة في مدن الحجاز ضد قوى البادية المحيطة بها واتخذت موقفاً هجومياً واضحاً حيال تلك القوى العصبوية التقليدية ، كما يتضح من الكتاب والسنة وهي مبحث طويل تعرضت له في غير هذا الموضع .

والمحصلة في تقديري المتواضع ، أن النزول إلى فهم القاع السوسيولوجي للمجتمع وتشخيصه وعلاجه وتطويره هو من ابرز مهام الديمقراطيين العرب مع عدم الاكتفاء بالتنظير الجميل والنوايا الطيبة التي هي كما يقول المثل اقرب الطرق إلى الجحيم وهو في حالتنا هذه جحيم الدكتاتورية وإذا كان المجتمع المتقدم يفسر دينه تفسيراً متقدماً فالعكس صحيح ، فان المجتمع المتنامي ديمقراطيا هو وحده الذي يحول السياسي تحويلاً ديمقراطياً.

والديمقراطية كالحرية لا تٌعطي بل تؤخذ والسلطات الدكتاتورية لن تمنح الديمقراطية بالمواعظ أو بالتشنيع الخطابي أو التنظير مهما كان مقنعا، غير إن قدر الديمقراطيين هو أن يأخذوا حقهم من الدكتاتوريات القائمة بما يتلاءم مع الديمقراطية من وسائل ، لا بالعنف الدموي المجهض للديمقراطية نفسها، وهنا يكمن أهم تحديات المدخل الديمقراطي في العالم العربي . اعني التصدي لتنمية القوى المجتمعية المدنية الفاعلة ذات الأفق الديمقراطي إلى أن تتمكن من فرض الأمر الواقع الديمقراطي على المدى الطويل ولله الأمر من قبل ومن بعد.

د. شفيق أبو زيد

في الوطن العربي بالذات في العالم العربي بالذات ، التعددية كانت وراء النهضة الإسلامية والنهضة العربية . لو لم تكن هناك تعددية لما كان للإسلام حضارة . الإسلام الذي أسس على القران الكريم والرسالة الروحية التي جاء بها الإسلام ، بدأت حضارته تزدهر عندما فات على دمشق وبغداد والقاهرة ، وكان التواجد هناك مسيحي، وبسبب التفاعل المسلم المسيحي نشأت الحضارة العربية والحضارة الإسلامية بالذات . وإذا أكملنا أيام الأمويين والعباسين بالذات وكفينا المسيرة حتى فترة الأتراك ، نلاحظ ان النهضة العربية الحديثة هي في حد ذاتها قامت على أكتاف تسعين في المائة من المسيحيين وبشكل خاص من لبنان . فالتعددية في حد ذاتها هي عافية لان ابن المجتمع لا ينكر مجتمعه . وإنما يتفاعل مع مجتمعه بغض النظر عن أي انتماء طائفي أو ديني . أنا تخوفني كثيراً الحركات الإسلامية ، وأنا لدي كثيراً من الأصدقاء بالحركات الإسلامية المتعددة في العالم العربي، وحواراتي معهم طويلة تأخذ أحيانا أيام وأسابيع . والشيء الذي ألاحظه مع الآسف ان معظم الحركات الإسلامية تتحول إلى صهيونية إسلامية . مثلما فيه صهيونية نرفضها لأنها لا تقبل غير ذاتها . تعمل صهيونية في العالم الإسلامي . وهذا الفكر اخطر ما يكون على الإسلام . قد يقول الإسلاميين ليس لنا علاقة بهذا الفكر ، بس الدعاية التي تطلع وأحاديثهم العفوية التي تطلع تبرهن على نوعية من الصهيونية الإسلامية . هذا الفكر هو الذي ينخر الإسلام يدمر الإسلام وليس ما يدمر الإسلام هو ما يسمى الملحدون وغيرهم . إذا كان من الممكن للحركات الإسلامية ان ترجع إلى البعد التاريخي وأنا آسف إن الأغلبية الساحقة من المسلمين الملتزمين بالعقيدة الأصولية ، البعد التاريخي عندهم ضعيف جداً . القراءة التاريخية عندهم بتبلش بس ضمن الفكر الإسلامي . أنا أقول الفكر الإسلامي ، وهذا لا يشمل البعد التاريخي . وأنا عربي بهذ1 المفهوم وضمن الإسلام الموجود فيه ولكن لا تكمل عروبتي ولا إسلامي بدون ما استوعب الفكر التاريخي الشامل الذي قام على التعددية في المجتمع الواحد وفي الوطن الواحد. وشكراً

د. محمد علي حسين
لي ملاحظة ليست تعقيب ولا خطاب . ملاحظة على جميع ما جاء في الجلسات . الحديث عن الإسلام والديمقراطية يتم في خارج نطاق الإطار الحقيقي لهذا الموضوع. المشكلة ليست مشكلة الإسلام والديمقراطية هي مشكلة التجربة السياسية في العالم العربي في الأربعين خمسين سنة الفائتة . الناس تنسى أننا نعيش في البلاد العربية كلها في ظل أنظمة دكتاتورية . ما سبب التعصب الإسلامي والتعصب القومي والفايرس الذي نتكلم عنه وكيف نعالج فايروس التعصب . نحن ننسى ان المشكلة ليست في كوننا إسلاميين أو يساريين المشكلة أننا نعيش في ظل نظام سواء كان على المستوى وطني أو إقليمي ، هو الذي ولد التعصب على جميع المستويات . الدولة نشرت الفايروس والمجتمع استجاب للفايرس بفايرس . تلك هي القاعدة . المشكلة الرئيسية عندنا ليس الإسلاميين ولا نستطيع ان نلومهم بأنهم يتجهون للعنف . يتجهون للعنف لماذا؟ نحن لو ناقش المشكلة هذه ، لن نحلها لان المشكلة الرئيسية هي في الأنظمة الدكتاتورية التي قامت عندنا خلال الخمسين سنة الفائتة . وإذا أردنا ان نعالج المشكلة علينا ان نعرف الدكتاتورية الموجودة لدينا وإذا حلينا مشكلتها يمكننا معالجة مسألة التعصب الإسلامي . ولن تبقى لدينا مشكلة الأخوان المسلمين ولا الجهاد . فكوننا نمضي وقت كبير في معالجة مواقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية بدون ما نعرف الأصول والإطار الذي سنحلها فيه. ربما يمكننا فهم المشكلة ولكن لا نفهمها بكل أبعادها. أنا أريد إن أتكلم عن الموضوع على مستويين:

مستوى التربية السياسية العربية الفاشلة خلال الخمسين سنة الفائتة في ظل النظام العالمي والنظام الإقليمي . ما هي العوامل التي أدت إلى قيام الدكتاتورية في المنطقة العربية. الدول العربية كانت من أوائل الدول، كانت رائدة في العالم الثالث في ممارسة الديمقراطية ، وجاء حكم دٌولة من قبل الزعماء العرب الذين كانوا يطالبون بالاستقلال ويطالبون بالدستور ، سعد زغلول قال أننا نحارب من اجل الدستور، وهو محامي ، وكان مطلبه الأول الاستقلال من الإنجليز وتشكيل حكومة دستورية . ومصر كانت رائدة مثلها مثل سوريا والعراق في نشاء أنظمة دستورية قائمة على علاقة مشروعة بين الملك أو رئيس الجمهورية والوزارة والشعب . هذه الأنظمة والحركة الديمقراطية والليبرالية الديمقراطية التي كانت وراءها ضربت من قبل العسكر الدين حكموا الدول العربية منذ الخمسينيات . بدأت في سوريا ووصلت إلى مصر . هذه بداية ضرب العقل العربي إن جاز التعبير ومن هنا كانت بداية التدهور . والمشكلة التي نعاني منها هي مشكلة تدهور الفكر والممارسة ، لا توجد لدينا ممارسة ديمقراطية . السبب الدولي يتمثل في الحرب الباردة والمنافسة بين أمريكا وروسيا . أمريكا تدخلت وساعدت أنظمة العسكر لضرب الحركة الوطنية . وأولها الحركة الديمقراطية في العالم العربي ، ضربت بواسطة الولايات المتحدة الأمريكي والاتحاد السوفيتي ، عن طريق تأييد واحتضان الأنظمة العسكرية الموجودة. وترتب على قيام تلك الأنظمة العسكرية غياب أي تقدم أو ممارسة سياسية سليمة في العالم العربي منذ الأربعينيات والخمسينيات حتى الآن . من هنا جاء العنف وجاء التعصب سواء أسميته إسلامي أو علماني . فأرجو أننا ونحن نناقش هذه المشكلة أن نتذكر الظروف كي لا نضيع . علينا إن نعمل على حل مشكلة الدكتاتورية الموجودة الآن حتى يمكننا التقدم. . وشكراً

د. يوسف شويري

أنا احب إن أتكلم بشكل سريع ، عندي بالذات تعليق على تطبيق الشريعة ولماذا لا يصير فيه استفتاء أو انتخابات يسأل فيها الناس إذا كانوا يحبون تطبيق الشريعة آم لا؟ اعتقد انه لا بد من إعادة النظر في هذا الموقف . اعتقد ان المجتمع الإسلامي هو الذي يطبق الشريعة. أثناء حكم العباسين الخليفة العباسي حاول ان يقنع الفقهاء بان يضعوا له دستور يتبنى موطأ مالك بن انس ليكون نوع من دستور الدولة العباسية . ورفض العلماء ان يكون الموطأ هو الموجه لسياسة الدولة حتى في التشريع . وظل العلماء مستقلين عن جهاز الدولة في كيفية تفسير الشريعة وفي كيفية تطبيقها. ولم يحدث أبدا ان الدولة الإسلامية أي التي كان حاكمها مسلماً ورعاياها مسلمين كانت تحكم باسم الشريعة. لان الشريعة في الإسلام يطبقها المجتمع ولا تطبقها الدولة . اعتقد ان هذا الموقف لا يختلف عن موقف الذين يسميهم الأخ وليد النخب الانقلابية . وحتى لو أجريت استفتاء وسئلت الناس حول تأييدهم لتطبيق الشريعة أم لا فهذا موقف غير سليم وأرجو ان يعاد النظر فيه ، خاصة من ناحية تطبيق الشريعة.

يقودني هذا إلى تعليق سريع آخر حول المرجعية وانه لا يمكن إقامة ديمقراطية في المجتمع العربي الإسلامي بدون مرجعية مشتركة . واعتقد ان هذا كلام يصر عليه الأستاذ راشد الغنوشي ، وشعاره إن لا إسلام بدون ديمقراطية ولا ديمقراطية بدون إسلام . وانه بدون وجود قاعدة مشتركة لا يمكن بناء الديمقراطية . والاستنتاج من هذا ان القاعدة المشتركة هي الإسلام . فيجب ان نقبل الإسلام في البداية ومن ثم تطبيق الديمقراطية وهناك اعتقاد ان هذا ما جرى في الغرب ، اعتقاد بأنه كان هناك قاعدة مشتركة ما قبل تطبيق الديمقراطية ، اتفق الغربيون على هذه القاعدة المشتركة ومن ثم طبقوا الديمقراطية. واعتقد إن الذي تم في الغرب هو الاتفاق على قواعد اللعبة الديمقراطية ، كيفية سن القوانين وكيفية إدارة القوانين وكيفية حكم المؤسسات ، لان الثقافة المشتركة لا تخلقها ولا تعترف بها الديمقراطية بل أنها تنشاء في التاريخ وفي المجتمع ونتيجة تطورات لا علاقة لها بقرار فرد أو قرار فئة أو قرار حزب سياسي. واعتقد أن هذا الموقف أيضا يجب التوقف عنده مطولاً لأنه مناقض للديمقراطية وليست الثقافة . والثقافة لا تنشأ لأنني أقول بأنني اعتقد ان ثقافتنا إسلامية ، وبالتالي نبحث الديمقراطية . ليست المسألة بهذه البساطة كما أراها. الثقافة في المجتمع العربي هي ثقافة إسلامية ليس بالمعنى الذي يريده الإسلاميون . هناك ثقافة إسلامية عربية عصرية بمعنى ان الثقافة العصرية الحاضرة دخلت بالثقافة الإسلامية ولم يعد هناك إمكانية التمييز بين ما هو إسلامي وما هو غير إسلامي . فالمنطلق الأصح هو الاتفاق على قاعدة تعترف انه من المسلم به بان هذا المجتمع هو مجتمع إسلامي ، وليس هذا سؤال تعجيزي للشخص . التعجيز هو السؤال هل تؤمن بالديمقراطية رغم انك لا تريد الإسلام قاعدة مشتركة ؟ هل تسلم انك قد تكون ديمقراطيا وان لن يكون الإسلام مرجعاً نهائياً لك . هذا هو التحدي للإسلام وللديمقراطية.


راشد الغنوشي

لدي ملاحظة على مداخلة محمد جابر الأنصاري تتعلق بالمجتمع الأيدلوجي . أنا اقرب إلى مواقف وليد مني إلى مواقف الأستاذ الأنصاري ، بالرغم من آن الأستاذ الأنصاري مؤرخ كبير ، آلا إنني اسمح لنفسي بملاحظة. من خلال تتبعي للبلاد العربية أجد إن المجتمعات العربية الأكثر تحديثاً اليوم هي الأكثر قمعاً والأبعد عن الديمقراطية ، والمجتمعات التي ما تزال هي الأقرب إلى البنية التقليدية هي المجتمعات التي ما يزال خط القمع فيها اقل. لماذا لان التحديث في بلدي تونس وهو من اسبق البلدان إلى الحداثة ، حيث البنية التقليدية تحطمت تماماً ، اكثر المجتمعات العربية اليوم انسجاما هو المجتمع التونسي مذهب واحد ، القبيلة أزيلت تماماً ، لون واحد ولذلك المجتمع التونسي هو اكثر المجتمعات تأهلاً للقمع . عندما أقارنه بمجتمعات كمجتمعات الجزيرة العربية اليوم كمجتمع اليمن ، أجد اليمن مجتمع غير قابل للحكم المركزي ، لا يمكن ان تحكم اليمن آلا إذا وزعت الأنصبة ولا يمكن إن تحكم لبنان إلا إذا وزعت الأنصبة وإذا اختلف التوزيع يمكن ان تقوم حرب أهلية ، بينما المجتمع التونسي لا يضطر الحاكم فيه إن يتقاسم مع أحد ، يقول أنا ناطق باسم المجتمع . وفعلاً لا توجد أمام الدولة الحديثة التي تغولت وأصبحت تملك التعليم وتملك الاقتصاد ، لا يوجد محاور لها ، ولا ديمقراطية بدون وجود قوى متوازنة . التحديث دمر البنية التقليدية فأصبحت الدولة هي اللاعب الوحيد آما البناء الحديث الأحزاب والنقابات ضعيفة وهذا سهل على الدولة ان تبتلعها وتقمعها . هذه مفارقة عجيبة ، الآمر الذي يجعل قضية التحديث قضية حساسة . إذ نهدم البنية التقليدية، نهدمها لصالح من لصالح بنية افضل وأعلى آم لصالح تغول الدولة.

هذه الملاحظة الأولى وعلينا ان لا نفرح كثيراً بانهيار البنيات التقليدية في مجتمعنا: احسب ان بلد كالسودان ، بالرغم ان الدولة تحاول ان تكون اليوم مركزية فيه لأول مرة، ولم يكن فيه دولة مركزية قبل ذلك تقريباً ، ولكن المجتمع السوداني ببنيته الطائفية هذه ليس للدولة فيه من مصير آلا ان تعود إلى التعددية . لأنه مجتمع متعدد ، متعدد الأديان والأعراق والطوائف ، فمهما عاندت الدولة لابد من ان تعود وتقسم الأنصبة . أنا متفائل اكثر للمجتمع السوداني بان يعود للديمقراطية أسرع من المجتمعات التي قطع فيها التحديث شوطاً بعيد في تهديم البنات التحتية التقليدية لتحل محلها بنيات حديثة .

الملاحظة الثانية: تتعلق بموضوع المرجعية : أولا: أنا كإسلامي اقبل بابتهاج كبير تنظيماً للدولة، اتفاقاً عاماً ، مصالحة عامة ، توافق حول قواعد عامة لتنظيم الدولة تضمن حقوق الجميع على أساس المواطنة، بقطع النظر عن نوع الثقافة السائدة في هذا المجتمع ، ان يكون إسلامي أو غير إسلامي ، حتى ولو فيه تجاهل للإسلام ، اعتبر بان هذا مطلباً هاماً في مجتمعاتنا لأنه يعيد السلطة للناس ، ويعطي للناس حقوق مقدسة يشتركون فيها جميعاً باعتبارهم جميعاً مخلوقات الله سبحانه وتعالى . والله في عقيدة المسلمين ليس هو ربا للمسلمين فقط وإنما هو رب العالمين ، ولقد كرمنا بني آدم وليس كرمنا المسلمين . ان تقوم الدولة على هذا الأساس ، أساس المواطنة والتساوي فيها ، اعتبر ان هذا كاف كمطلب سياسي إسلامي للتقريب . هذا من الناحية النظرية من الناحية العملية ما لم يستند أي نظام سياسي على أرضية سياسية مشتركة ، يمكن ان يقوم نظام للدولة ولكنه نظام مهتز ، نظام غير مستقر وغير قابل ان ينتج حضارة ، مثل هذا المجتمع غير قادر على ان يواجه خصومه ولا ان يعبئ طاقاته ، وإنما تصبح القضية قضية موازنات . من هنا تأتي قضية التسليم للإسلام كمرجعية . ما المقصود بهذا ؟ لا يترتب على هذا التسليم إلغاء التعدد الديني الموجود في مجتمعاتنا فالإسلام قد اعترف بمبدأ لا إكراه في الدين . وأول مجتمع إقامة النبي صلى الله عليه وسلم كان مجتمعاً اعترف بحق الاعتقاد لليهود ولغيرهم وأعطاهم حقوق للمواطنة ، في أول مجتمع في المدينة ترأسه النبي علية الصلاة والسلام . إذا هذا التسليم بالمرجعية الإسلامية لا يعني أقصى العقائد الأخرى ، ولا أقصى أهل المذاهب الأخرى ، ولا يعني التسليم لرجال الدين أو العلماء بأنهم هم الحاكمون أو انهم هم المشرعون . في الدين الإسلامي لا يوجد مفهوم لرجال الدين لا توجد طبقة تحتكر النص الديني ، فالنص الديني متاح أمام الجميع . والجميع يملكون نفس الحق أمام هذا النص . ماذا تعني ضرورة التسليم بالمرجعية الإسلامية . وهذا التسليم ليس قراراً تتخذه الدولة ، وأنا مع الأستاذ الشويري في هذا الادعاء . لا تفرضه الدولة ، المرجعية لا تفرضها الدولة وليست قراراً . فرض الاتحاد السوفيتي قرار الشيوعية مرجعية فماذا آل إليه الآمر . وإنما نحن المثقفين نعتقد ان هذا المجتمع الذي نريد ان نبينه لا يمكن إن يستقر وينتج الحضارة ما لم يتفق على قاعدة ثقافية تجعل الخلاف بين نخبه تدور في إطار ، تدور داخل إطار مرجعية محددة ، كما كان الجاحظ وكما كان أخوان الصفاء وكما كانت المذاهب الإسلامية على اختلافها كلها تدور على تنوعها، كلها تنطلق من مرجع ديني واحد تنطلق من القران ومن السنة . وكل واحد يفسر هذه النصوص بحسب نوع ثقافته وذلك في غياب كنيسة للإسلام ، أي سلطة تفسيرية تقول هذا صحيح . ما الذي جعل شمال أفريقيا مالكية المذهب سنية ، ومنطقة أخرى شافعية . لم يكن ذلك قراراً من الدولة وإنما كان ذلك ثمرة مخاض ثقافي طويل.

التسليم بالمرجعية الإسلامية ، بالنسبة للنخبة اليوم مهم. هناك أزمة بين النخبة وبين الجماهير ، التسليم بالمرجعية الإسلامية يعني إعادة التواصل ، تجسير العلاقة بين النخبة وبين الجماهير. التسليم بالمرجعية الإسلامية يعني نزع سلطة رجال الدين ، لاتعود هناك فئة من الناس تعتبر نفسها هي المحتكرة للنص الديني باعتبار ان الذين أزاها هم لا يسلمون بالدين هم مثقفون علمانيون . ننزع هذه الصفة وعند إذا يكون الإسلام ملكاً لكل النخبة وليس ملكاً لفئة محددة . اعتبر ان حتى مفهوم الحزب الإسلامي لا يعود له ضرورة . لماذا نحن نطالب بأحزاب إسلامية في مقابل أحزاب غير إسلامية ، بينما عندما تسلم مجتمعاتنا بمرجعية إسلامية ، لا يعود مجال للقول بان هناك حزب إسلامي ، نحن جميعاً أمة وتؤمن بهذه المرجعية الإسلامية ، نحن جميعاً أمة ، حتى بالنسبة للأقلية غير المسلمة فهي تسلم كما كنا نستمع للأب شفيق أبو زيد ، وأنا كنت استمع لمقالة مماثلة في لبنان للأب ضوء يقول ان هناك مسلم بالعقيدة ومسلم بالثقافة أو مسلم بالحضارة . هذه الحضارة لم يصنعها المسلمون وإنما صنعها إخواننا المسيحيون منذ القرن الأول اشتغلوا وزراء واشتغلوا كتابا في مواقع هامة في الدولة إذا إزالة هذه الفجوة مهمة جداً ، نزع سلطة رجال الدين التسليم بان ديمقراطيتنا التي نريدها ليست أوربا مرجعها الأعلى ، ليس النموذج الأعلى للمجتمع الذي نريده هو نموذج أوربي . نحن مجتمعاً باعتباره إسلامي ، يؤمن بوجود قيم عليا . فعندما نكون مثلاً بصدد تنظيم العلاقات الجنسية لا يطرح في إطار مجتمعنا الشذوذ الجنسي. المجتمعات الغربية هذه ، انتم تعلمون كلكم تعيشون هنا ، ليست مبرأة من الهزات ومن المشكلات اليوم بسبب غياب هذه المرجعية الدينية العليا . هناك انهيار في الآسرة اليوم ، هناك ضياع للإنسان. هذه مجتمعات مهددة بالانهيار الحقيقي في غياب مرجعية قيمية عليا. فنحن إذ ندعو للتسليم بالمرجعية الإسلامية العليا ، ندعو للتسليم بوجود قيم عليا في إطارها ننظم مجتمعاتنا ، وفي إطارها يتم الاختلاف . ولا نعتبر ان العقل المجرد وهذه هي العلمانية ، الاعتقاد بان العقل قادر وحده إن ينظم الحياة . هذا ادعاء غرور ، القول بان العقل باستقلال عن الله ان ينظم الحياة هذا غرور، يرفضه الإسلاميون ويرفضه المسيحيون ويرفضه صاحب كل دين . هذه العلمانية التي قال عنها واحد من الأخوان علمانية متطرفة . آما العلمانية المعتدلة تعتبر ان الضمير الديني ، بان الضمير لا سلطة لأحد عليه وهذا آمر مسلم به . آما تنظيم المجتمع فينبغي ان تراعي فيه جملة من القيم تنسجم مع ثقافة كل مجتمع . ولان مجتمعنا إسلامي فثقافتنا لن تكون آلا إسلامية.

وأخيرا أؤكد ان المشكلة اليوم حقيقية في مجتمعاتنا ليست بين الديمقراطية والإسلام . هذا ربما هو طرح إقصائي للإسلاميين مرة نطرح عليهم هل انتم منسجمون مع الاشتراكية ، ومرة نطرح عليهم هل انتم منسجمون مع الديمقراطية . في تونس مثلاً طرحت فكرة المجتمع المدني كطريقة اقصائية للإسلاميين لأنهم يدعون إلى مجتمع ديني . هذه اطروحات اقصائية . أنا لا أظن ان السادة المنظمين لهذه الندوة طرحوا الموضوع من هذا الموقع إطلاقا لم يطرحون هذه المسألة. ولكن المؤكد مشكلة مجتمعنا سواء منهم الإسلاميين أو من العلمانيين هي مشكلة مع الدكتاتورية . دولة كدولة تونس لم تبدأ بقمع الإسلاميين في الحقيقة ، وإنما بدأت بقمع أعضاء الحزب الحاكم الذين لم يوافقوا بورقيبة ، أصحاب صالح بن يوسف أول من قمعوا ، ثم قمعت الحركة النقابية ، وقمعت الحركة اليسارية بكل طوائفها . ثم جاء دور الإسلاميين. نحن نعتبر ان النقمة ضدنا كإسلاميين اليوم لا باعتبارنا إسلاميين ، وليست حرب دينية وإنما لان اشد الفئات المعارضة للدولة اليوم هم الإسلاميون . كون هذا جاء بالصدفة بالتطور التاريخي، لكن الحرب ليس ضدنا كإسلاميين ولكن لأننا الطرف الأقوى اليوم في المعارضة . وعندما ضرب الإسلاميون في تونس وسولت الدولة لفئة من العلمانيين بأنه إذا أبعدنا الأصوليين ستقوم ديمقراطية حقيقية . الذي حصل اليوم هو عملية إقصاء لفئات حقوق الإنسان وللفئات الديمقراطية العلمانية واليوم في السجون يلتقي كل خصوم الدكتاتورية .

نحن محتاجون جبهة واسعة ضد الدكتاتورية لأنها هي الخطر وليس غيرها هو الخطر. وأخيرا أقول نحن نقبل قواعد عامة لتنظيم الدولة - كما أكدته من قبل - نقبل التنظيم الديمقراطي للدولة بشكله القائم اليوم في الغرب والمتعارف عليه . ونحن سنكون اسعد الناس به سواء كنا في المعارضة أو كنا في السلطة . المشكل اليوم ليس إقناع الإسلاميون بالديمقراطية وإنما كيف نقنع الطرف الآخر. شكراً.

د. رغيد الصلح

لدي ملاحظة حول مفهوم الديمقراطية التوافقية الذي أشار إليه الأستاذ وليد وعلاقته بالمجتمع الأهلي لأنه ينظم العلاقات في المجتمع الأهلي ويسمح لجميع الأطراف والفئات التي يتشكل منها النسيج الاجتماعي للتعبير عن نفسها بأسلوب سلمي . وهذا صحيح ولكن يجب ان نأخذ بعين الاعتبار ان الديمقراطية التوافقية تطبق في مجتمعات متطورة ، وان هذا التطور ليس بالضرورة حصيلة تصدير الاستعمار لنماذج نظم الحكم الغربية ، وإنما هذه المجتمعات ممكن ان تتطور من الداخل عن طريق التفاعل مع المجتمعات الأخرى والحضارات الأخرى. نظام الديمقراطية التوافقية في كل هذه الحالات ، خلال عملية التطور ، هو نظام له إيجابيات كثيرة . ولكن اعتقد ان هناك نوعين من الديمقراطية التوافقية : هناك نوع من الديمقراطية التوافقية كما هو حاصل الآن يتشكل نتيجة توافق على مستوى النخبة في لحظة معينة وظروف معينة ، فإذا تطور المجتمع بحيث انه تجاوز الصيغ التي كانت قائمة في لحظة تاريخية معينة تحاول هذه النخبة ان تعتقل هذا التطور وان تقيم نموذج قريب من الدكتاتورية في الجوهر وان كان ديمقراطيا بالشكل. وهناك مثال حصل شئ من هذا القبيل في لبنان إذ ان المجتمع كان يتطور باستمرار على الصعيد الثقافي ، على الصعيد الاقتصادي على الصعيد الاجتماعي ، على الصعيد السياسي ولكن النخبة الحاكمة لم تسمح للتطور ان يأخذ مداه فحصل نوع من الانفجار وقد دفعنا ثمنا غالياً هناك أنواع أخرى من الديمقراطية التوافقية في مجتمعات أخرى مثلاً في بلجيكا في هولندا في سويسرا في النمسا . الديمقراطية التوافقية سمحت لقوى المجتمع هذه التي أتحدث عنها بأن تطور المجتمع وان تتطور معه. مثلا في النمسا وفي سويسرا بصورة خاصة كان هناك توافق بين ثلاثة أطراف، اعتقد أنها أرباب العمل ، والعمال ، والحزب الاشتراكي على صيغة معينة لإدارة الدولة وللحياة السياسية . بعد الحرب العالمية الثانية خاصة، تطور المجتمع تطوراً كبيراً الآن انفكت هذه الصيغة لم تعد هناك الديمقراطية التوافقية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية . ولكن المجتمع مستمرة في تطوره وهو الآن اقرب إلى المجتمعات التي تؤكد على المواطنة ، على المواطن الفرد ، منه على صيغة الديمقراطية التوافقية ، ولكن المجتمع لم ينفرط ، لم يحدث به ما حدث في لبنان . السؤال المطروح الآن هل نحن بصدد إقامة ديمقراطية توافقية تحافظ على الشكل الموجود ، على القوى الموجودة كما هي بدون ان تسمح للتطور ان يحصل . يعني إذا كان هنالك مجتمع قائم على قبائل وعشائر وعلى عائلات ومذاهب فهل نحن بصدد تثبيت هذا المجتمع كما هو الآن ، آم نساعد هذا المجتمع على ان يتطور بحيث تحل الأحزاب والنقابات والمؤسسات القائمة على الخيار الطوعي بدلاً من القبائل والعشائر والعوائل والانقسامات الأولية . فهذا السؤال مهم جداً من أجل حل الإشكاليات التي تطرحها مسألة الديمقراطية التوافقية المقبولة كما يبدو من الفكر السياسي الإسلامي وشكراً .

د. مصطفى عبد العال

أتصور انه في الجلسة الأخيرة تم إثارة موضوعات على درجة خطيرة من الأهمية كمسألة العرقية وهل المجتمعات من الأفضل إن تكون متعددة العرقيات والتمايز حتى تحصل ديمقراطية وإلا لا . مسألة التحديث التي طرحها الشيخ راشد الغنوشي والتي أتصور أنها تثير علامات استفهام كثيرة حول ما هو التحديث الذي تم في تونس . أتصور ان جزء من التحديث الأساسي الذي تم في الغرب هو فكرة المواطنة . المواطنة كانت جزء مهم جداً من التحديث أتصور ان في تونس لم يتم هذا ، كان تحديث خارجي . أيضا من الأشياء التي أتصور أنها مهمة جداً الكلام الذي طرحه الدكتور الأنصاري عن مسألة القاع السوسيولوجي ، اسمح لنفسي ان اختلف مع مسالة النظر إلى الماضي من المهم جدا الاتفاق على رؤية معرفية متفق عليها ، لكن أنا آمل إن لا يكون ذلك من خلال قراءة الماضي لان ذلك سوف يفتح أبواب جهنم على الإسلاميين وغيرهم. دعنا ننشئ قراءة معرفية شبه موحدة لقراءة المستقبل . يعني من هو المواطن ؟ ما هي المواطنة؟ ما هي حقوق الإنسان في هذه المجتمعات التي يتم فيها إهدار أدميته بشكل يومي . اعتقد ان هذا مهم جداً . نقطة أخرى أتصور أنها مهمة تعرض إليها الأستاذ نويهض عن ضرورة قراءة الواقع كما هو. صحيح إن هذا مهم جداً لكن أيضا لا يجب إغفال ان بعض المجتمعات العربية يحصل فيها درجة من درجات التصحر الإنساني . أنا بسمح لنفسي إن ازعم إن مصر كان فيها درجة من درجات الرقي الإنساني ، وبدأت تحصل الآن درجة من درجات التصحر ، بمعنى تغيير بعض المفهومات التي كانت راسخة داخل المجتمع المصري ،و تدخل بشكل جديد عليها إضافات . أتصور علشان اختم ، إذا كان من المفيد ان نبحث في أهمية تقريب المواقف وإلغاء المخاوف لابد من البحث عن آلية حقيقية آي كانت وسائل تشكيلها من اجل ان يستمر هذا الحوار ، بحيث لا نرجع بعد أربع خمسة شهور ، بحماس زايد تتواجه فيه التيارات السياسية وكأننا في حرب غير معلنة . لو تم هذا أتصور انه مفيد ان نخلق أرضية مشتركة يتم عبرها الخروج من الأزمة . وأنا شاكر جداً .

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة